جولةٌ في رحاب السيّد الصدر ومدرسته العلميّة

15 ديسمبر 2016
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
87 زيارة

جولةٌ في رحاب السيّد الصدر ومدرسته العلميّة

حوار مع: د. الشيخ علي رضا أعرافي(*)

ترجمة: حسن مطر

 

الحياة الفكرية والاجتماعية للسيد الصدر  ــــــ

_ نتقدّم إليكم بجزيل الشكر على منحنا شيئاً من وقتكم. كما نشكر لكم حسن اهتمامكم بمجلّتنا. وعلى هذا الأساس؛ وبالالتفات إلى إشراف سماحتكم على السيرة العلميّة ـ الأخلاقيّة لهذا الشهيد الكبير، وردنا إلى نبعكم الصافي ومنهلكم العذب؛ لكي نغترف منه ما ينفع الطلاّب المنتسبين إلى جامعة المصطفى| العالميّة من سيرة شهيدنا الغالي.

ومن باب المقدّمة تعلمون أنّ السيد الشهيد الصدر& قد فتح باباً جديداً في تاريخ الفكر والجهاد الإسلاميّ، فما هو رأي سماحتكم حول الحياة الفكريّة والاجتماعيّة للسيد الشهيد؟

^ وأنا بدوري أتقدَّم بالشكر لكم على الجهود التي تبذلونها، وأرجو أن تكون الأعمال التي تقومون بها دقيقة وجامعة ومتقنة، وأن يتمّ العمل في إطارٍ من الروح الحوزوية الأصيلة.

وأمّا في ما يتعلَّق بالسيد الشهيد محمد باقر الصدر& فهناك أمور أستعرضها كمقدّمة بشكلٍ متسلسل، ثم أنتقل بعد ذلك إلى بيان سلسلة من خصائصه الشخصيّة، وهي تميل في الأعمّ الأغلب إلى ناحية الحقل العلميّ، والجانب الآخر منها يرتبط بخصائصه الأخلاقيّة ـ الاجتماعيّة.

وقبل الدخول في الإجابة عن سؤالكم يجب علينا أن نقول من باب المقدّمة: إنّ الشهيد الصدر&، على الرغم من عمره القصير، قدّم الكثير من الأعمال القيّمة والتراث المبارك، حتى أضحى شعاع تأثيره الفكريّ والعلميّ والاجتماعيّ والسياسيّ واسعاً جداً. فكان بحسب دائرة تأثيره، سواء في العراق أو الأقطار الأخرى، وخاصّة إيران والعالم الإسلاميّ بأسره، من الرجال البارزين في تاريخ العصر الحديث. من هنا فإنّ النقطة الأولى تكمن في تأثيره الكبير رغم عدم تجاوزه العقد الخامس من عمره الشريف. فبعد شخصية الإمام الخميني&، الذي يحتلّ المرتبة المتقدّمة، يحتلّ السيد الشهيد الصدر& من ناحية سعة التأثير وكثرة الأعمال الفكريّة والثقافيّة في المرحلة المعاصرة مكانةً مرموقة قطعاً.

النقطة الأخرى هي أنّ بالإمكان تقسيم حياته وسيرته المباركة إلى أربع مراحل، على النحو التالي:

1ـ الطفولة.

2ـ الدراسة، والتحقيق، والتدريس.

3ـ الجهاد والمواجهة.

4ـ المرجعيّة، وخوض غمار الحلبة الاجتماعيّة.

أما مرحلة الطفولة فقد تمّ طيُّها بسرعة بالغة؛ إذ ظهرت عليه مخايل النبوغ ولمّا يتجاوز بعد السابعة أو الثامنة من عمره المبارك.

كما طويت مرحلته التعليميّة والدراسيّة بنفس السرعة، حيث أكمل مسيرته التعليميّة في ظرف خمسة أو ستّة أعوام، حتّى بلغ مرحلة الاجتهاد وله من العمر عشرون سنة. من هنا فإنّ القسم الأكبر من عمره المبارك قد شُغل بالتحقيق والتدريس والإنتاج الفكريّ، وإنّ المرحلة الأخيرة من حياته شهدت بداية مرجعيّته وخوضه في ميادين الجهاد والمواجهة.

أما النقطة الثالثة فهي أنّ ظروف تألُّق نجم السيد الشهيد الصدر& من الناحية الاجتماعيّة جديرةٌ بالملاحظة والاهتمام. وعليه فمن الضروري أن نرصد الأوضاع الاجتماعيّة التي كانت سائدة في عصره، فقد شهد العالم الإسلاميّ في تلك المرحلة الأمور التالية:

1ـ كان المدّ الشيوعي والأفكار المادّيّة في إطارها الماركسي هي السائدة في العالم. وإنّ الأيديولوجيا الماركسية كانت تقوم في تلك المرحلة على المطالبة بالعدالة والحرّية. وإنّ الكفاح في العالم الإسلاميّ كان يصبّ في هذه القوالب الأيديولوجية الماركسية، ولم يكن الإسلام مطروحاً بوصفه حركة حيّة وحاضرة في ساحة المواجهة، وإنّما كانت المطالبة بالإسلام تأتي في الدرجات الثانويّة. فكانت الأجواء المهيمنة على المناخ التنويري في الجامعات وأروقة النضال مفعمة بالتيارات المادّيّة في قالب الماركسية، وكان المستنيرون في بلدان العالم الثالث والمحتقرون في العالم يلجأون إلى الماركسية. وبطبيعة الحال فإنّ الماركسية واجهت إخفاقاً ذريعاً في المراحل الأخيرة.

2ـ هيمنة الأفكار والنظريّات الغربيّة، من قبيل: الرأسماليّة، وسيادة المال، والاستكبار الغربيّ، التي كانت سائدة في كافّة أقطار العالم، بما في ذلك البلدان الإسلاميّة أيضاً. وحتّى في هذ المرحلة الراهنة ـ رغم كلّ الجهود المبذولة ـ لا نزال نشهد هجمة للتفكير الغربيّ على جميع الأصعدة، وفي الأبعاد الفلسفيّة والمعرفيّة والثقافيّة والسياسيّة. وفي عصر السيد الشهيد محمد باقر الصدر& كان هذا الهجوم قائماً في العراق، وسائر الأقطار في العالم الإسلاميّ أيضاً.

3ـ كما كانت نظريّات القوميّة العربيّة في عصر السيد الشهيد الصدر& سائدة في كلٍّ من العراق وسوريا والكثير من الأقطار العربيّة الأخرى، فكانت القوميّة العربيّة هي الفكر الغالب في هذه البلدان.

وعليه فإنّ السيد الشهيد الصدر& كان يعيش ظروفاً تعرّض فيها العالم الإسلاميّ لهجوم وعدوان مثلَّث، تمثّل في: الماركسيّة؛ والرأسماليّة؛ والقومية العربيّة، ومن جهة أخرى كان العالم الثالث ينأى بنفسه عن العالم الإسلاميّ.

ومن ناحية أخرى فإنّ العراق نفسه كان يعاني في تلك المرحلة ظروفاً عصيبة خاصّة، ومن أهمّها: سيطرة حزب البعث على مقاليد الأمور. وعندما انتقل السيد الشهيد الصدر& بالتدريج من مرحلة الدراسة إلى مرحلة التدريس شهد تعاقب مختلف الحكومات في العراق، حتّى جاءت حقبة حزب البعث وحكومة صدّام، التي شهدت الكثير من الأحداث الصاخبة. وفي هذه المرحلة كان الشهيد الصدر& يواجه حكومة جائرة ومستبدّة، تسعى إلى استئصال واجتثاث الحوزات العلميّة، وتعمل على حلّ مدينة النجف الأشرف بوصفها حاضنة الحوزة العلميّة؛ لتؤسِّس بعد ذلك حالةً إلحاديّة، وطمساً للمعالم الدينيّة في العراق.

ومن جهة أخرى كان السيد الشهيد الصدر& يواجه جموداً ونحولاً في الحوزة العلميّة في النجف الأشرف. لقد كانت حوزة النجف حوزة عريقة وقديمة، وكانت لها الكثير من البركات على التاريخ المعاصر، حيث تخرَّج منها عدد كبير من العلماء البارزين والمرموقين، إلاّ أنّ هذه الحوزة كانت من ناحية تواجه في تلك المرحلة ضغوطاً كبيرة من قبل حزب البعث، كما كان هناك بعض القصور من قبل عدد من العلماء من ناحية أخرى، الأمر الذي أدّى إلى ابتعادها عن الواقع الاجتماعيّ، وانطوائها على نفسها. ومن جهة أخرى فإنّ الضغوط الداخليّة كانت تعمل على اضمحلالها، وخفوت بريقها.

كما أنّه في المرحلة الأخيرة عاصر تصاعد أحداث الثورة الإسلاميّة في إيران، أي تألُّق نجم الإمام الخميني&، وظهور الثورة، ومسائل من هذا القبيل.

وإلى جانب هذه الأمور كلّها كنّا نشهد الاختلافات التاريخيّة والمذهبيّة في العالم الإسلاميّ. وبالتالي فإنّه كان يشهد حالة من النكوص في حضارة العالم الإسلاميّ، وحالة من الضعف والتخاذل في مواجهة العالم الغربيّ.

هذه هي الأوضاع التي عاصرها السيد الشهيد الصدر&، وكان يسعى إلى تغييرها.

ذكرنا حتّى الآن ثلاث نقاط حول الواقع الفكريّ، وثلاث نقاط أُخَر حول الظروف العالميّة في عصر السيد الشهيد الصدر&. وفي المقابل كانت إيران تتَّجه نحو الثورة، وكانت الحوزة العلميّة في قم المقدّسة تتَّجه نحو الازدهار والتقدّم. كان السيد الشهيد الصدر يعيش هذه الظروف المهيمنة على العالم الإسلاميّ، ويستنشق الهواء في مثل هذه الأجواء المشحونة بالمفاهيم الفكريّة والمعرفيّة المعادية، فكان بمنزلة القبطان الذي يقود سفينته في اتّجاه معاكس للأمواج والأعاصير؛ محاولاً في ذلك قلب المعادلات الفكريّة في العالم الإسلاميّة. يندر أن يوجد شخصٌ يستطيع فهم هذه المسائل، ويسعى للتفكير في هذه الحلقة الجامعة، ولعب دورٍ مؤثِّر. بيد أنّ السيد الشهيد الصدر& كان من أولئك الأفذاذ؛ إذ كان على دراية كاملة بالجغرافيا السياسيّة ـ المعرفيّة في العالم، وكان يروم الاضطلاع بدور فيها. وقد تمكَّن من القيام بهذا الدور إلى حدٍّ ما.

 

السمات الأخلاقية البارزة للشهيد الصدر  ــــــ

_ ما هي الخصائص البارزة عند السيد الشهيد الصدر& التي يمكن اعتبارها مثالاً يُحتذى في هذا الإطار؟

^ النبوغ: يعدّ السيد الشهيد محمد باقر الصدر& من عباقرة ونوابغ العصر الحديث؛ حيث ظهرت عليه علامات النبوغ والعبقرية منذ الصغر، وبلغ مرحلة الاجتهاد المطلق عندما كان يافعاً أو في شرخ الشباب. وفي عقده المتوسط خرّج الكثير من الطلاب، وأنتج الكثير من المؤلّفات والكتب العلميّة في مختلف الفروع الإنسانيّة والإسلاميّة. الأمر الذي يعكس نبوغه الفكريّ، حيث ولد في أسرة زاخرة بالعطاء الفكريّ والعلميّ، وإنْ كان السيد الشهيد يقف على هرم العطاء العلميّ لهذه الأسرة، قديماً وحديثاً.

الأسرة العلميّة والمعنويّة: لقد ولد السيد الشهيد الصدر& ونشأ وترعرع في أسرة علميّة كبيرة وعريقة، عرفت الكثير من الشخصيات الفذّة والبارزة.

الزهد والتقوى: لقد عُرِفت أسرة السيد الشهيد الصدر& بالزهد والورع والتقوى، ولم يكن السيد الشهيد مستثنى من هذه القاعدة، حتّى يمكن القول: إنه يقلّ أن نجد في المرحلة المعاصرة مَنْ يُشبه السيد الشهيد الصدر في زهده؛ إذ يعدّ مثالاً هامّاً لجميع الطلاب وعلماء الدين في هذا المجال. فمنذ مرحلة الطفولة، حيث ظهرت عليه أمارات النبوغ وحدّة الذكاء، اقترح عليه الكثير من المقرَّبين أن يُسارع في شدّ الرحال إلى الخارج ومواصلة دراسته هناك؛ ليعود بشهادة علميّة مرموقة تؤهِّله للحصول على وظيفة عالية في أجهزة الدولة والحكومة، بيد أنّه آثر حياة التقشُّف والزهد على مواصلة التعليم في الخارج والمناصب الدنيويّة. وقد أدرك ذلك منذ الصغر، حيث تنكَّر لجميع المطامع الدنيويّة، ودخل المناخ الحوزوي، مع العلم أنّ الأجواء الحوزوية تفتقر إلى هذه المحفِّزات. وإنّ هذا التنكُّر للدنيا، وعدم الاهتمام بمظاهرها الخلابة، يعتبر من الخصائص الثابتة لهذه الأسرة. فقد ظهرت عليه آثار الزهد والتقوى منذ الصغر، ولازمته إلى آخر لحظة من حياته المباركة. فقد عاش طوال عمره في منزل متواضع، ولم يخطُ خطوةً واحدة باتجاه مظاهر الدنيا.

الصبر والمقاومة والشجاعة: لقد كان السيد الشهيد الصدر& رجلاً مقاوماً جلداً صبوراً، وكان في هذه الأوصاف رجلاً فريداً من نوعه. وإنّ شجاعته وصبره في مواجهة التحديات هي التي جعلت منه شخصاً مؤهلاً للوقوف بوجه الطاغية صدام، في حين لم يجرؤ على ذلك أحدٌ غيره. فتعرّض للسجن مراراً، ودخل السجن ببسالة عالية، كما فرضت عليه الإقامة الجبريّة لأشهر عديدة منع فيها حتى من الخبز والماء، ولكنه تحمل جميع ذلك بصبر وإباء. فقد بلغ به الثبات والصبر والشجاعة، والتوكّل على الله، والتنكر للدنيا، هذا المستوى الرفيع، وقد نقلت عنه في ذلك الكثير من المواقف المذهلة والاستثنائية.

الروح الشفافة والعواطف الزاخرة: النقطة الأخرى في شخصية السيد الشهيد الصدر& تمثّلت بروحه اللطيفة وعواطفه الجيّاشة. ومن الملفت أن يكون شخصٌ على مثل تلك الدرجة العالية من الزهد والشجاعة والثبات الذي تقدّم ذكره وفي الوقت نفسه يكون مرهف العاطفة. نقل عنه أحد كبار العلماء قائلاً: «كنتُ ذات يوم عند السيد الشهيد الصدر، فلمّا أردتُ توديعه صافحني، وشدّ على يدي، فشعرت في تلك اللحظة كأنّ شلاّلاً من المحبة يجتاح كياني». كما كانت الرسائل التي يكتبها إلى أصدقائه مفعمة بالحبّ والمودّة، وزاخرة بصدق العاطفة. وقد كانت هذه العواطف والمشاعر تبدو غريبة حتّى بالنسبة إلى خصومه ومناوئيه. فكان وجوده ورسائله وتعامله بشكل عامّ زاخراً بالمحبة والعاطفة القائمة على أساس الإسلام، حتّى أنّه كان يواجه أحياناً أولئك الذين يسيئون إليه بكلّ محبة وحنان. وقد كانت أخلاقه في التعامل مع أسرته وأساتذته على هذه الشاكلة دائماً. ومن باب المثال: كان تعامله مع السيد الخوئي ـ الذي كان أستاذاً له، ويختلف معه في بعض المسائل الاجتماعيّة ـ يرشح بالاحترام والتبجيل. فقد كان بشوش الوجه، باسم الثغر، واسع الصدر، كريم الأخلاق، وكان يحمل في قلبه بحراً من المحبّة والخلق الكريم، وكانت له صلات اجتماعيّة قوية، وكان الذين يأتونه ويقصدونه من أماكن أخرى ينجذبون إليه. وهنا أذكر بأنّ هذه الصفة ضروريّة جدّاً لعالم الدين، فيجب على عالم الدين أن يكون محبّاً للناس، وأن يتمتَّع بجاذبية خاصّة تحبِّبه إلى الناس؛ لأنّ ذلك يساعده في التأثير عليهم. وهذا أمرٌ أكّد عليه علم النفس الحديث، وأشارت له الكثير من النصوص الدينيّة والمضامين الإسلاميّة. كما كان النبيّ الأكرم| يتمتَّع بهذه الجاذبية، التي تمّ التأكيد عليها في الكثير من الآيات القرآنيّة. وإنّ الشهيد السيد الصدر& قد تميَّز بهذه الصفة.

6ـ الإخلاص: إننا نلاحظ في حياة السيد الشهيد الصدر& إخلاصاً قلّ نظيره. فكان مثلاً يريد طباعة مؤلَّفاته دون ذكر اسمه عليها. وحتّى عندما نشر كتاب (فلسفتنا) كانت دموعه تجري على خدّيه أشفاقاً على نفسه، وكان يقول: أخشى أن يكون هذا الكتاب قد طبع ليحمل اسمي ورسمي! وكان يقول أحياناً: لو أنّ تلك الأحداث والوقائع قد حصلت في بلد إسلاميّ آخر هل كنتُ أبدي نفس النسبة من المشاعر والأحاسيس للمسلمين ولشعب ذلك البلد؟ كان هذا الإخلاص الذي يتمتَّع به السيد الشهيد الصدر& مهمّاً للغاية. لقد كان في إخلاصه يتجاوز المواطنة. لقد كان موقفه من الثورة الإسلاميّة الإيرانيّة في غاية التميُّز، فعندما قيل له: أنتَ الآمر الناهي في العراق شريطة أن تترك دعم الثورة الإسلاميّة الإيرانيّة رفض ذلك، ودفع حياته ثمناً لهذا الموقف.

فمن وجهة نظري إنّ السيد الشهيد محمد باقر الصدر& كان في الدرجة الأولى شهيد الثورة الإسلاميّة والإمام الراحل&. لقد كان لدينا الكثير من الشهداء، من أمثال: الشهيد مطهّري&، والسيد الشهيد بهشتي&، وأمثالهما، ممَّن تحلّق حول الإمام، وكان من أفراد حاشيته، إلاّ أنّ السيد الشهيد الصدر& كان مواطناً في بلدٍ آخر، وكانت الأبواب مفتوحة له. وبالنظر إلى موقعه العلميّ ومرجعيّته الدينيّة كان بإمكانه أن يفتح لنفسه آفاق المستقبل، وخاصّة أنّ الطاغية صدام كان قد اقترح عليه المحفِّزات، وقدّم له الكثير من المغريات، معلِّقاً ذلك على تخلّيه عن نصرة الإمام الخميني؛ ليكون بعدها سيّد العراق بلا منازع، ولكنّه رفض ذلك بكلّ شجاعة، فكان ذلك دليلاً على عمق إخلاصة وشعوره بروح المسؤوليّة.

 

الخصائص العلمية للسيد الشهيد  ــــــ

_ ذكرتم حتى الآن الخصائص الأخلاقيّة للسيد الشهيد محمد باقر الصدر&، فهل لكم تزويدنا ببعض خصائصه العلميّة أيضاً؟

^ 1ـ المنهجيّة على أساسٍ من طريقة الاجتهاد: كان منهج السيد الشهيد يقوم على أساس الطريقة الاجتهادية، خلافاً للكثير من المتنوِّرين والمفكِّرين المجدِّدين، الذين يبتعدون أحياناً عن عمق الأساليب في حقل العلوم الإسلاميّة والمسائل العقليّة. فقد كانت آثاره العلميّة تقوم على المنهج الاجتهادي والعقليّ الدقيق والكامل. وقد كان سماحته مجتهداً إلى حدّ الكمال، وكانت أصالة تفكيره العقليّ مشهودة في جميع أعماله ومؤلَّفاته العلميّة.

2ـ الأصالة في التجديد والإبداع: إننا نشهد في أعمال السيد الشهيد الصدر& نوعاً من الإبداع والتجديد. من هنا يمكن القول: إنّه مجدِّد مبدع. فعلى الرغم من كونه مجتهداً، ويمارس النشاط الاجتهادي في إطار النظام التقليديّ في الفقه والأصول، يلقي نظرة على العالم الجديد أيضاً، حيث نجد بحوثه ناظرةً إلى المسائل المعاصرة أيضاً. إنّ السيد الشهيد الصدر لم يكن رجل دين منفصل عن المحافل والأروقة الأكاديميّة والعالم المعاصر، بل كان مطَّلعاً على جميع المدارس الفكريّة، وكان يسعى إلى جعل المعارف الدينيّة ناظرة إلى المرحلة المعاصرة. وهذا إبداعٌ فكريّ جديد يضرب بجذوره في التقليد، ويربط التقليد بالحداثة والعالم المعاصر؛ لكي يلبّي حاجة المرحلة الراهنة.

3ـ إدراك التيّارات المعرفيّة والعقليّة والسياسيّة والاجتماعيّة في العالم الجديد: عندما نلقي نظرة على تراث السيد الشهيد الصدر& نجد أنه قد استوعب أعقد البحوث المعرفيّة السائدة في العالم الغربيّ، من الاقتصاد وعلم الاجتماع وما شاكل ذلك. من هنا فإنّ لإبداعه وتجديده من جهة جذوراً في التراث التقليديّ، ومن جهة أخرى نجد فيه نزوعاً وميلاً إلى الواقع المعاصر، وقائماً على المعرفة الدقيقة للتيّارات والمدارس الفكريّة السائدة في العالم المعاصر. والسبب الذي دعانا إلى فصل هذا النوع من الإبداع هو أنّ هناك مبدعاً يطَّلع على الطبقات العليا من العالم المعاصر، وهناك مبدعٌ يرتبط بالطبقات الفكريّة والثقافيّة والفلسفيّة العميقة. وإنّ السيد الشهيد الصدر&، مضافاً إلى إبداعه في النوع الأوّل، كان يمتلك هذا النوع من الإبداع الفكريّ أيضاً، فكان على معرفة وثيقة بالتيّارات المعرفيّة والمذاهب الفكريّة أيضاً.

 

الصدر بين الموسوعيّة والتخصّص ــــــ

_ هل يمكن لنا أن ندَّعي بأنّ السيد الشهيد الصدر& كان موسوعياً، وأنّ معرفته لا تقتصر على حقل أو حقلين من العلوم؟

^ أجل. إنّ دائرة دراساته وتحقيقاته العلميّة متنوّعة وكثيرة للغاية. فقد خاض سماحته في مختلف حقول المباحث العلميّة والمسائل المعاصرة. ومن باب المثال: إنّ إحدى خصائص الشهيد مطهّري& تكمن في أنّه قد ألّف مختلف الكتب، ابتداءً من «قصص الأبرار» إلى «أصول الفلسفة»، ودخل في ما يقرب من عشرين محوراً هامّاً من المحاور الإسلاميّة والمسائل المعاصرة، كتابةً وخطابةً. وهكذا الأمر بالنسبة إلى السيد الشهيد الصدر&، حيث كان يمتلك أفقاً فكريّاً واسعاً، وكانت أعماله العلميّة جامعةً وشاملة.

وفي ما يلي نستعرض بعض مصاديق ذلك:

من جهة عمد السيد الشهيد إلى إبداع بعض الأعمال في حقل العلم والفلسفة بالمعنى التقليديّ، الأمر الذي يُثبت أنه من المبرّزين في هذا المجال. وفي الوقت نفسه دخل إلى الفلسفة بعمقٍ، وعمد إلى تأليف كتاب (فلسفتنا) بالنظر إلى الفلسفة الإسلاميّة، وهو في نقد الآراء والمذاهب الفلسفيّة المعاصرة التي تقود الناس إلى الشكّ، كما يؤسِّس فيه لأسس فلسفيّة هامّة. وإنّ صلب كتاب (فلسفتنا) يدور حول علم المعرفة.

كما دخل السيد الشهيد في السنوات الأخيرة من عمره في حقل التفسير، ومضافاً إلى إبداعه نهجاً جديداً في التفسير فقد أضاف باباً جديداً إلى هذا العلم.

وبالإضافة إلى هذه الأمور فإنّ سماحته قد دخل في الحقول العلميّة الجديدة التي تحتاج إلى تنظيم، فمثلاً: في كتاب (اقتصادنا) عمد إلى نقد النظام الاقتصاديّ الغربيّ والاشتراكي والرأسماليّ، بالإضافة إلى تأسيسه لنظام اقتصاديّ جديد في دائرة التفكير الإسلاميّ.

وفي حقل الحكومة والنظريّة السياسيّة في الإسلام هناك للسيد الشهيد الصدر نظريّة سياسيّة.

وفي حقل المسائل المنهجيّة، كالمنطق مثلاً، نجد السيد الشهيد مبدعاً لنظريّة في باب منطق الاستقراء.

وفي التاريخ نجده صاحب رأي في تأويل تاريخ الإسلام وتاريخ الأئمة^.

وعلى هذا الأساس نجد أنه رغم قصر عمره، وكثرة الأزمات في العصر الذي عاشه، قد أنجز الكثير من الأعمال التحقيقيّة في هذه العقود الثلاثة، وخاض في دائرة واسعة من العلوم الإسلاميّة الجديدة، وأبدع الكثير من المؤلَّفات القيّمة.

 

أبرز نظريات السيد الصدر  ــــــ

_ ما هي أهمّ الأسس والمباني العلميّة للسيد الشهيد الصدر& من وجهة نظركم؟

^ إنّ أوّل وأهمّ أساس ومبنى علميّ لسماحة السيد الشهيد محمد باقر الصدر& يكمن في رؤيته العميقة والمنهجيّة والأسلوبيّة. إنّ المنهجيّة التحقيقيّة في الحياة العلميّة هامّة للغاية. وإنّ من الإبداعات على مستوى التنظير العميق في المنهج العلميّ هو أن يشتمل على نوعٍ من التجديد. وهذا ما توفّر عليه السيد الشهيد&.

وفي ما يلي نشير إلى عدّة نماذج من ذلك:

فأوّلاً: كان سماحته صاحب ابتكارات في علم الأصول. وفي ما يتعلَّق بحقل الفقه والأصول لم يَسِرْ على المنهج التقليديّ، وإنّما اتَّخذ منهجاً جديداً في ذلك.

وثانياً: في مجال المنطق أبدع الأسس المنطقيّة للاستقراء. وقد أضحى هذا الكتاب معتمداً في الجامعات العالميّة، وهو يبحث في ما وراء النصوص الدينيّة، ويثبت وجود الخالق على حساب الاحتمالات. وفي ما يتعلق ببحث الاستقراء أبدع اليقين الذاتيّ في باب حركة الاستقراء نحو القطع واليقين، وذلك من خلال المنهج الرياضيّ الدقيق.

وثالثاً: في حقل التفسير سار على منهج التفسير الموضوعيّ، ولكن لا بالمعنى المتعارف، فلا نعمد إلى أخذ الموضوعات من النصوص الدينيّة مباشرة، وإنّما نأخذها من واقع الحياة، ونعمل على عرضها على الدين. وبطبيعة الحال فإنّ هذا لا يعني إبداعاً لمنهج جديد، وإنّما هو استعراض لمنهج.

ورابعاً: هو الأمر الكامن وراء (اقتصادنا)، بمعنى أسلوب التنظير، وتجميع الموضوعات الفقهيّة؛ للوصول إلى رؤية جوهرية. وهذا هو نفس التنظير على مستوى المنظومات الفكريّة. وللأسف الشديد فإنه لم يتمّ العمل على هذا الأسلوب. ولو أنه قد تمّ العمل به لكان فيه الكثير من البركات على الحوزة العلميّة.

ومن جملة الخصائص العلميّة التي كان السيد الشهيد الصدر& يتحلّى بها هو إبداعه العلميّ. فقد كان لسماحته إبداع متواصل ودائم، حتّى في خطاباته العادية، ومحاضراته الأخلاقيّة. ففي رسالته العمليّة مثلاً نجد لديه تبويباً جديداً في الفقه، وكذلك في خطبه نجد منهجيّة خاصّة لا نجدها عند غيره.

كما أنّ القلم الرصين والبيان البديع الذي تمتَّع به السيد الشهيد كان من جملة الخصائص التي تميِّزه من غيره. فقد كان يمتلك مقدرة كتابيّة فاخرة ومتقنة وجذّابة، وهكذا الأمر بالنسبة إلى بيانه أيضاً. إنّ الخطابات التي كان يلقيها سماحته في الموضوعات الأخلاقيّة في غاية التأثير، بحيث كان جميع مَنْ يستمع إليه تنفجر عيناه بالدموع.

 

منهج السيد الصدر في الدفاع عن الفكر الديني ــــــ

_ كما تعلمون فإنّ السيد الشهيد محمد باقر الصدر& كان من المدافعين البارزين عن الفكر الدينيّ في العصر الحاضر، فكيف تقيِّمون منهجه في مواجهة الأفكار المستورَدة؟

^ لقد انتهج سماحة السيد محمد باقر الصدر& في مواجهة الحضارة الغربيّة منهجاً معتدلاً وحازماً، كما هو الحال بالنسبة إلى الإمام الخميني&.

هناك في ما يتعلق بالتعاطي مع الثقافة الغربيّة مَنْ يذهب إلى الإلغاء والرفض المطلق. وهذا غير صحيح؛ لأنّ الغربيّين لهم محاسنهم وتقدّمهم العلميّ أيضاً، ويجب علينا أن نستفيد من تجاربهم العلميّة والفكريّة.

وهناك في المقابل مَنْ يذهب إلى القول بضرورة الذوبان في الفكر الغربيّ بشكلٍ كامل. وهو غير صحيح أيضاً.

لقد كان السيد الشهيد الصدر& يذهب إلى ضرورة إحياء الإسلام، والوقوف في وجه الغزو الثقافيّ المضاد والمناهض للفكر والأخلاق الإسلاميّة. بيد أنّ سماحته لم يكن يرضى بالوقوف المتحجّر والرجعيّ، بل كان يعتقد بضرورة النشاط والتحقيق العلميّ القائم على العقل والمنطق، ويرى ضرورة أن يتسلّح الشباب من الناحية العلميّة. وفي الوقت نفسه كان يحثّهم على الوقوف في وجه الجانب السلبيّ من الحضارة الغربيّة، وكان يؤكِّد على ضرورة المقاومة في بعض المواطن.

ونجده يطبِّق ذلك على المستوى العمليّ، فيجاهد ويقف في وجه ممارسات صدام، وفي الوقت نفسه ينشط على الصعيد العلميّ، ويسعى إلى توجيه الناس على المستوى الأخلاقيّ والعلميّ.

_____________________________

(*) رئيس جامعة المصطفى| العالميّة في إيران، ورئيس مركز دراسات الحوزة والجامعة، وأستاذ الدراسات العليا في الحوزة العلميّة. ساهم بشكل فعّال في تجويد النظام التعليميّ في حوزة قم، ولاسيّما قسم الدراسات والأبحاث.