جولةٌ في كتاب «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المفهوم الإسلامي»

د. السيد حسن إسلامي(*)

ترجمة: حسن علي الهاشمي

«الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المفهوم الإسلامي» عنوان كتابٍ من تأليف (مايكل كوك)، ترجمه إلى الفارسية: أحمد نمائي، وصدر في مدينة مشهد عن مؤسسة الأبحاث الإسلامية، سنة 1384هـ.ش، في 1063 صفحة، ضمن مجلّدين.

 

تنويهٌ

إن كتاب «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المفهوم الإسلامي» حصيلة دراسة امتدّت لما يقرب من خمسة عشر عاماً، قام بها (مايكل كوك) حول فريضة من الفرائض الإسلامية. ويمكن اعتبار هذا الكتاب من أكثر الكتب تفصيلاً، تمّ تأليفه بغير اللغة العربية في هذا الموضوع. لقد عمد (كوك) في هذا الكتاب ـ الذي صدر سنة 2000م ـ، بعد الإشارة إلى حادثة ملفتة خلقت لديه الحافز إلى تأليف هذا الكتاب، إلى فتح موضوعٍ فريد في نوعه. لقد رتّب (كوك) كتابه هذا ضمن خمسة أقسام، وسعى من خلاله إلى دراسة وتقرير الأبعاد الاعتقادية والكلامية والاجتماعية والفقهية والأخلاقية المترتّبة على فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في منظور مختلف الفرق والمذاهب الإسلامية، منذ القرون الأولى إلى عصرنا الراهن، وتقديم صورةٍ جامعة وشاملة لمنعطفات هذه الفريضة في العالم الإسلامي، ليعمل في نهاية المطاف على إجراء مقارنة بين هذه الفريضة في الإسلام وسائر الأديان الأخرى، مع بيان جذورها. إن هذا الأثر لا يغطي مساحة جغرافية واسعة فحَسْب، بل يعمل من خلال النظرة التاريخية على بسط هذه الفريضة بشكلٍ دقيق. واستفاد في هذا الإطار من جميع الكتب والرسائل المتوفّرة في هذا الشأن. يحتوي هذا الكتاب على عشرين فصلاً، ضمن خمسة أقسام رئيسة، تحمل العناوين التالية: (بحوث تمهيدية)، و(الحنابلة)، و(المعتزلة والشيعة)، و(الفرق الإسلامية الأخرى)، و(ما وراء الإسلام التقليدي).

المقدّمة

يعتبر هذا الكتاب من أكثر الكتب تفصيلاً بين الكتب التي ألّفها غير العرب في واحدةٍ من أهم الفرائض لدى المسلمين، حيث تابع مفهومها ومساحتها ومنعطفاتها التاريخية بين المذاهب الإسلامية، منذ العصور الأولى إلى عصرنا الراهن. إن موضوع هذا الكتاب وحجمه ومساحته ورؤية المؤلّف له قد جعلت منه كتاباً ممتعاً، وجديراً بالقراءة بالنسبة إلى كافة أولئك الذين يهتمّون بالدراسات الإسلامية بشكلٍ وآخر، ويقدّم لهم دروساً كثيرة في مجال التحقيق واختيار الموضوعات. ونسعى بدورنا في هذا المقال إلى تقديم تقريرٍ كامل عنه.

المؤلِّف

ولد ميخائيل (مايكل) كوك([1]) سنة (1940م)، في إنجلترا، وبعد إتمام دراسته في التاريخ الأوروبي، تحوّل إلى فرع الدراسات الإسلامية، وتعلم لذلك اللغة العربية والفارسية والتركية. وله كتبٌ أخرى، مثل: عقائد المسلمين الأولى (1981م)([2])؛ القرآن: مقدمة مقتضبة جدّاً (2000م)([3])؛ النهي عن المنكر في الإسلام (2003م)([4]).

الكتاب

من بين الكتب العشرين التي ألَّفها (ميخائيل كوك) يبدو أن كتاب «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المفهوم الإسلامي» قد أخذ منه الوقت الأكبر، فقد أنفق ما يقرب من خمسة عشر عاماً في التحقيق في هذا الشأن، وطالع المئات من المصادر المطبوعة والمخطوطة؛ ليتمكن من إنجاز هذا الكتاب. وكانت نتيجة عمله كتاباً من سبعمائة صفحة، استغرق التعريف بمصادره 56 صفحة منه، وصدرت طبعته الأولى سنة 2000م([5]).

الدافع إلى التأليف

يروي (كوك) في مستهلّ كتابه حادثة ملفتة شكّلت لديه الحافز إلى تأليف هذا الكتاب، وإلى تعريف المجتمع الغربي بفريضة «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». فقد جاء في تقرير نشرته صحيفة (نيويورك تايمز) ليلة الثاني والعشرين من أيلول سنة 1988م ما يلي: تمّ الاعتداء على سيدة في محطة القطار في مدينة شيكاغو أمام مرأى العديد من الأشخاص، دون أن يسارع أحدٌ منهم إلى نجدتها. وقد كان المعتدي قد حمل المرأة تحت ضغط التهديد على الابتسام والتزام الهدوء؛ ليبدو للعابرين والمسافرين وكأنّ الأمر يحدث برغبتها ورضاها، الأمر الذي شلّ حركتهم ومنعهم من اتخاذ أيّ موقفٍ لصالح المرأة. وبعد أن أخلى المعتدي سبيل المرأة، ولاذ بالفرار مسرعاً، أخذت المرأة تصرخ طالبةً النجدة. وكان هناك لحسن الحظّ شخصٌ مسافر يُدعى (رندي كايلز) قد شكّ بالحادثة منذ البداية، وبَدَلاً من اعتلاء القطار ومواصلة رحلته سارع ـ خلافاً للآخرين ـ إلى مطاردة المعتدي، وتمكّن من القبض عليه بمساعدة الشرطة. والمهمّ في هذه الحادثة ليس هو أصل الاعتداء، وإنما ردّة فعل العابرين والحشود التي تواجدت أثناء الحادثة. وقد أدّت هذه المسألة إلى تحقيقات واسعة وتقارير متعدّدة. فعندما سُئل (رندي كايلز) عن الدافع الذي حمله على مطاردة المعتدي والقبض عليه كان جوابه لا يتعدّى شعوره بأن عليه القيام بشيءٍ حيال المسألة؛ إذ كان يمكن لتلك السيدة أن تكون أمّه أو عمّته أو خالته، أو أيّ امرأةٍ ضعيفة أخرى يهمّه أمرها.

إن هذه الملاحظة هي التي تحدّد قاعدة إدراكنا الأخلاقي والتكليف الذي يجب علينا القيام به تجاه الآخرين؛ إذ لا نستطيع أن نشاهد سلوكاً من هذا النوع ولا نحرّك ساكناً، حتى إذا كانت الضحية غريبة وأجنبية عنا تماماً. ولكنْ ما هو الاسم الذي يمكن أن نضعه على هذا الحسّ والشعور الأخلاقي أو هذا التكليف الملقى على عاتقنا تجاه الآخرين؟ يقول (كوك): لا يوجد في ثقافتنا الغربية اسمٌ لهذا التكليف. وإن التعبير بـ «الإغاثة» أو «النجدة» قاصرٌ عن بيان المعنى التامّ والكامل لهذا الإحساس والشعور. وحتّى كايلز نفسه لم يستطع اختيار اسم للشعور الذي داهمه في لحظة الحادثة عندما سُئل عنه! ولم يكن (ميخائيل كوك) أحسن حالاً من (رندي كايلز) في هذه الناحية، حتّى قيِّض له أن يتعرّف أثناء دراسته الإسلامية على منظومة باسم «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، ليس هناك ما يعادلها في الغرب، وهي في الوقت نفسه تفسِّر النخوة التي ظهرت على (رندي كايلز) من خلال ردّة فعله. بَيْدَ أنه وخلافاً للمتوقّع لم تكن مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسألة أكاديمية بالكامل؛ كي يمكنه شرحها ضمن بضع صفحات، كما توجد في المجتمع الإسلامي آراء متفاوتة ومتضاربة حول هذه الفريضة، ابتداءً من معناها ومفهومها إلى حدودها ومراتبها وشرائطها وموقعها بين مختلف المذاهب والمدارس الكلامية والفقهية. ولم يكن بمقدور (كوك) أن يكتفي بتقريرٍ وتفسير واحد بشأن هذه المنظومة، كما أن التفصيل الموجود في جميع المدارس كان يستغرق منه زمناً طويلاً بطبيعة الحال. فعمد كوك إلى اختيار الخيار الثاني. فكانت نتيجة جهوده أن خرج بكتابٍ فريد من حيث الحجم وسعة التحقيق، لا قِبَل لكتابٍ آخر في منافسته، وسوف يحتفظ بهذا الامتياز على ما يبدو لفترةٍ طويلة. وإنما تتجلى أهمّية هذا التحقيق الواسع بشكلٍ أكبر عندما نأخذ بالاعتبار أن هذا الكتاب كان حصيلة مرحلة لم يتمّ فيها وضع المصادر الإسلامية تحت تصرُّف الباحثين على شكل أقراصٍ مدمجة؛ وعليه لم يكن أمام (كوك) من خيارٍ سوى سلوك الطرق والأساليب التقليدية المضنية للوصول إلى تلك المصادر.

ولم تقتصر الغاية من تحقيقه على إثبات رؤية الإسلام وفهم المسلمين لهذه الفريضة، وإنما تجلّى سعي (كوك)، بالإضافة إلى ذلك، في بيان كيفية توصّل الإسلام إلى هذه الفريضة، وهل يمكن العثور على ما يماثلها في الأديان الأخرى أم لا؟

هيكلة وبنية الكتاب

تمّ تنظيم الكتاب ضمن خمسة أقسام، على النحو التالي: (بحوث تمهيدية)، و(الحنابلة)، و(المعتزلة والشيعة)، و(الفرق الإسلامية الأخرى)، و(ما وراء الإسلام التقليدي).

صائغ مرو

الفصل الأوّل المقتضب عنوانه: «صائغ مرو». يتحدّث عن رجلٍ متديّن يتعرّض للقتل على يد أبي مسلم الخراساني؛ بسبب اعتراضه عليه، وقيامه بأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر. إن «كوك» من خلال ذكره لقصّة هذا الرجل، والتعريف بمختلف مصادرها، يبدأ قصّته الطويلة بشأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

القرآن والتفاسير القرآنية

الفصل الثاني يبحث في موضوع «القرآن والتفاسير القرآنية»، ضمن قسمين.

وتناول القسم الأوّل «القرآن دون المفسّرين»، وتمّ التعريف فيه بثماني آيات ترتبط بشكلٍ وآخر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع بيان مفادها.

والقسم الثاني يتناول الموقف التفسيري للمفسّرين بشأن هذه الآيات. وتمّ تناول مسائل من قبيل: هل التكليف في هذه الآيات يشمل جميع فئات الناس أم هو خاصّ بالعلماء؟ وهل مضمون هذه الآيات هو دعوة الآخرين أم يقتصر على الدعوة إلى الإيمان بالله ورسوله فقط؟ هل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشمل الدعوة إلى ترك الشرك، والإيمان بالله ورسوله، أم يشمل حتّى الدعوة إلى الإيمان بالفروع أيضاً؟ ما هي الحدود المفهومية لمفردة «المعروف» و«المنكر» الواردتين في القرآن مراراً وتكراراً؟ وفي نهاية هذا الفصل توصّل «كوك» إلى نتيجةٍ مفادها أن الفهم العام للمفسّرين والتفسير الذي يقدّمونه لهذا التكليف لا صلة له بهذه الآيات والذي يفهم منها بشكلٍ مباشر، ويسعَوْن إلى تقديم رؤيةٍ عينية لها، وإدخالها في حياتهم اليومية.

الروايات

الفصل الثالث يتناول «الحديث»، أو الأحاديث المتعلقة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن بين الأحاديث المتعددة والمتنوّعة الموجودة في هذا الشأن يعمل «كوك» على إبراز بعض الروايات بوصفها أكثر أهمّية من سواها. وأحد هذه الأحاديث يعود إلى مصدرٍ كوفي، وقد أطلق عليه «كوك» عنوان «الرواية المرحلية»([6]). وبعد نقل حادثة تعود إلى النهي عن منكرات الحقبة المروانية، يروي «كوك» حديثاً عن أبي سعيد الخدري، يقسّم فيه النبيّ الأكرم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى ثلاث مراتب أو ثلاث مراحل: مرحلة اليد؛ ومرحلة اللسان؛ ومرحلة القلب، أو بعبارةٍ أخرى: الموقف العملي، والموقف الكلامي، والموقف القلبي. وهنا يشير «كوك» إلى هذه النقطة، وهي أن هذا الحديث المعروف لم تَرِدْ فيه مفردات المعروف والمنكر، وبَدَلاً من ذلك ورد الكلام فيه بشأن التغيير، و«أن يغيِّر بيده». وقد واصل «كوك» البحث في هذا الحديث ونظرة المسلمين إليه، وموقع هذا الترتيب الثلاثي في جميع مواضع كتابه، ويعتبره حديثاً جوهرياً في فهم هذه الفريضة ضمن المجتمع الإسلامي. ثم نقل بعد ذلك روايات أخرى تدور حول محور هذه الفريضة. وبعضها يحثّ المسلمين على القيام بها، وهي التي يطلق عليها «كوك» مصطلح الأحاديث ذات الاتجاه الإيجابي([7])، في حين أن بعضها الآخر يقلل من أهمية هذه الفريضة، حيث يجب إدراجها ضمن مقولة النهي عن المنكر في آخر الزمان. ومضمون بعض هذه الأحاديث أن المؤمن ينبغي به أن لا يقحم نفسه في ما لا طاقة به عليه. يرى «كوك» أن هذا النوع من الأحاديث يتعارض مع عامة الأحاديث الأخرى، ومضمونُه عبارةٌ عن إطفاء جذوة هذه الفريضة، التي تمثّل حقيقة «أفضل الجهاد كلمة حقّ عند سلطان جائر». وخاتمة هذا الفصل تفتح أفقاً جديداً أمام الفهم، من خلال تحليل المنشأ الجغرافي لهذا الحديث. إن أحاديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد صدرت في الغالب من مراكز الحديث الرئيسة، وهي: الحجاز والبصرة والكوفة والشام. إن هذا التشتُّت الجغرافي يعود إلى أمرين:

الأوّل: إن الأحاديث ذات المنشأ الكوفي تؤكّد على أهمية دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي ضعف الروايات الأخرى الصادرة عن المناشئ الأخرى.

الآخر: إن الأحاديث التي تقلِّل من شأن هذه الفريضة وأهمّيتها، وتطلب من المؤمنين عدم التورّط في المشاكل، هي في الغالب ذات منشأ شامي. ومن هذه الزاوية يجب إدراج الروايات التي تدعو إلى طلب العافية ضمن الجغرافية السياسية في الحقبة الأموية.

المسلمون في صدر الإسلام

الفصل الرابع يختصّ بسيرة وسلوك المسلمين الأوائل، ويعمل على تحليل الكتب التي تناولت سيرة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ورؤيتهم بشأن هذه المسألة، حيث يرَوْن أن جذور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تعود إلى ما قبل الإسلام، وأن الأمم السابقة كانت تمارس هذه الفريضة. كما أن الأنبياء الكبار، من أمثال: نوح×، كانوا بدورهم يقومون بهذه الوظيفة. كما تمَّتْ الإشارة إلى هذه الوظيفة ضمن بيان سيرة النبيّ الأكرم|. وفي بعض هذه السِّيَر نشاهد بعض الأشخاص الذين كانوا يقفون حتّى بوجه الحكام؛ من أجل تطبيق هذه الفريضة، دون أن يخافوا في ذلك لومة لائمٍ، وإنْ كان قلّما يواجهون المصير الذي واجهه صائغ مرو. ثم يتمّ طرح هذه المسألة، وهي: هل يجوز للأشخاص اللجوء إلى السيف ضدّ الحاكم من أجل الإصلاح والنهي عن المنكر؟ وفي مقابل المجموعة التي تجيز ذلك هناك مجموعةٌ أخرى تمنع حتّى من استعمال اللسان والكلمات في نهي الحاكم عن المنكر. ومن بين هؤلاء: عبد الله بن المبارك، الذي لا يحجم عن أمر السلاطين بالمعروف ونهيهم عن المنكر فحَسْب، بل يتجنَّب حتّى رؤيتهم على ذلك. وكذلك أبو سفيان الثوري، الذي يشبِّه الحكام بالبحر الهائج الذي لا يستطيع أحدٌ الوقوف بوجهه، ويعتبر ذلك دليلاً على إباحة ترك فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكان الحسن البصري من الذين يعارضون الذهاب إلى السلاطين من أجل أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر؛ متذرّعاً بأن المؤمن لا ينبغي له أن يذلّ نفسه، ثم إن سيف السلطان أمضى من لسان المؤمن. ولكنْ ليس جميع العلماء على هذه الشاكلة؛ إذ هناك في المقابل مَنْ يتقبل خوض غمار هذه المخاطر، ويلقي بنفسه في لهواتها. فهذا هو شعيب بن حرب يصادف هارون الرشيد في الطريق إلى مكّة، فيناديه، ويعدّد له المنكرات التي يرتكبها، وينتقده عليها، وعندما سأله هارون: وبأيّ جرأةٍ تذكر اسم الخليفة على لسانك؟ أجابه شعيب بعد التروّي: إنه يذكر اسم الله بهذا اللسان أيضاً، وتمكّن بذلك من إنقاذ نفسه. وقصّة أبي ذرّ الغفاري أشهر من أن نكون بحاجةٍ إلى سردها، فكان يقصد معاوية دون تردُّد، ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر. ولكنْ لماذا نجد البعض يقف وقفة المشكّك والمتردّد تجاه القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مواجهة الحكام والسلاطين؟ يحتمل «كوك» في معرض جوابه عن هذا السؤال أن هؤلاء ربما لم يكونوا يتمتّعون بالحاضنة الاجتماعية الداعمة لهم، الأمر الذي كان يمنعهم من الدخول في مخاطر لعبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مواجهة السلاطين.

وإذا تنزَّلنا من مستوى السلاطين نجد في الغالب رواجاً كبيراً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين السَّلَف. وكان محور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذا المستوى يدور في الغالب حول ثلاثة أمور، وهي: المرأة؛ والخمر؛ والغناء. وكانت تترتّب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بعض الأحيان تبعات مريرة في المجتمع، وتؤدّي في بعض الأحيان إلى هتك خصوصيات المسلمين، وربما أتلفت أموال الناس وأضرَّتْ بها. ونتيجةً لذلك أصدر المأمون العباسي قراراً بمنع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان يعاقب كلّ مَنْ يعصي هذا الأمر. وقد أدَّتْ أمور من هذا النوع إلى التشكيك والتساؤل بشأن أسلوب تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل والسؤال عن مدى ضرورته وجدوائيته أساساً، بل هناك مَنْ ينصح بضرورة الهجرة؛ كي لا يكون هناك اضطرارٌ للقيام بهذه الفريضة، أو السؤال عن مدى جدوائية هذه الوظيفة عندما لا تكون هناك أذنٌ صاغية؟! وبذلك كان يتمّ التشكيك بأصل وجوب هذه الفريضة، أو إنكارها من الأساس. ومن هنا بدأت هذه المسألة تطرح نفسها بالتدريج، وهي أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يجب إلاّ عند تحقُّق ثلاثة شروط، وهي: أوّلاً: أن لا يكون هناك خوفٌ على النفس؛ وثانياً: أن يكون هناك احتمال للتأثير؛ وثالثاً: أن يستعمل الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أسلوباً مهذّباً ومؤدّباً.

وبهذه المناسبة ينتقل «كوك» إلى الحديث عن الحياة الخاصة. وفي الرؤية الراهنة هناك اليوم بعض الأفعال التي تُعَدّ من الأمور الخصوصية حتّى إذا مورست في العَلَن، وبالتالي لا يحقّ لأحدٍ أن يقوم بردّة فعل تجاهها. ولكنْ من وجهة نظر الإسلام لا وجود لشيء اسمه الحياة الخاصّة بهذا المعنى. بَيْدَ أن هناك في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثلاثة أمور متمّمة لبعضها، وتعمل على تعزيز هذه الدائرة.

الأمر الأوّل: حظر التجسّس والتدخّل في خصوصيات الأفراد، على ما ورد التأكيد عليه في الآية 14 من سورة الحجرات.

الأمر الثاني: حرمة إفشاء الأسرار، وتجنُّب كلّ ما يستوجب هتك حرمة المسلم.

الأمر الثالث: حرمة اقتحام بيوت الآخرين، على ما ورد التصريح به في القرآن الكريم، في الآية 189 من سورة البقرة، والآية 27 من سورة النور.

ثم ذكر «كوك» حادثة تسوُّر عمر بن الخطاب لدار شخصٍ؛ ليقبض عليه متلبّساً بالجرم المشهود، وجوابه عن ذلك. وبذلك يصل إلى أن الإسلام يحترم خصوصيات الأفراد، ويعمل على صيانتها والدفاع عنه.

والبحث الأخير في هذا الفصل يقع في السؤال القائل: هل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقتصرٌ على الرجال أم يشمل حتّى النساء أيضاً؟ وفي معرض الإجابة عن هذا السؤال يذكر «كوك» مصدراً حنبلياً قديماً ورد فيه الحديث عن امرأةٍ اسمها «سمراء بنت نهيك»، كانت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. ومع ذلك يرى «كوك» أننا لا نشهد شخصاً يمتهن هذه الوظيفة بشكلٍ رسمي. وفي ختام هذا القسم التمهيدي يستنتج «كوك» أن بحث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على الرغم من مساحته الواسعة وثروته الأدبية الكبيرة، يفتقر حتّى الآن إلى الانسجام والتناغم من ناحيتين:

الناحية الأولى: إنه من زاوية الشرائط الاجتماعية مشتّتٌ إلى حدٍّ ما، ولا يؤكد على طبقة أو شريحة خاصّة بعينها.

الناحية الثانية: إنه من الزاوية الفكرية يفتقر إلى المنهجية، ولا يمكن إدراجه ضمن إطارٍ فكريّ منسجم.

أما الناحية الأولى فيتمّ رفعها من خلال الوصول إلى مرحلة الحنابلة الأوائل.

والناحية الثانية يتمّ تجاوزها بظهور المعتزلة.

وبذلك يختم «كوك» القسم التمهيدي من هذا البحث، ليواصل تفصيل الكلام بشأن طريقة تجاوز وحلّ النقص الأول.

ابن حنبل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

القسم الثاني يسعى إلى بيان موقع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لدى أحد المذاهب الفقهية الأربعة المعروفة عند المسلمين [من أهل السنة]، أي المذهب الحنبلي، منذ بداية نشوئه وحتّى الآن. وقد تمّ تناول هذا البحث ضمن أربعة فصول. والفصل الخامس من هذا الكتاب يتناول التعريف بـ «ابن حنبل» مؤسّس هذا المذهب، وبيان سيرته الذاتية، ونظرته إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

خلافاً لعلاقة بعض المفكّرين المسلمين بالمسائل الكلّية والانتزاعية، يبدي الحنابلة الأوائل تعلّقاً خاصاً بالمسائل العينية والظاهرية. فإن الحنابلة على حدّ تعبير (ابن عقيل) ـ وهو من علماء الحنابلة ـ إنما كانوا يؤمنون بالعلوم الظاهرية، أو «ما ظهر من العلوم» فقط، ولا يبدّدون وقتهم في التأمُّلات النظرية. وهذا الأمر في حدّ ذاته يعكس نظرتهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أيضاً. إن مؤلّفات الحنابلة بشأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بَدَلاً من طرح وبحث المسائل النظرية في هذا المجال، تكتفي بعرض الأسئلة وأجوبة الاستفتاءات الناظرة إلى وظائف الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر فقط. والمثال البارز لهذه الرؤية قد انعكس في كتاب جمعه أبو بكر بن الخلال(311هـ) من فتاوى ابن حنبل، بعنوان: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». إن هذا الكتاب لا يتولّى مهمة الشرح المنهجي لهذه الوظيفة، بل قد نشهد بعض الاختلافات والتناقضات بين الفتاوى أحياناً، ولكنّ الصراحة والوضوح وتجنّب المسائل الذهنية باديةٌ عليه أيضاً. ويكفي للوقوف على هذه الحقيقة أن نلقي نظرةً على واحدٍ من تلك الاستفتاءات، وهي كما يلي: «كان لي جارٌ يؤذيني، يضرب الطنابير والعيدان، فأتيت أحمد بن حنبل، فقال لي: «انْهَهُ»، فقلتُ: قد نهيتُه فعاد، فقال: هذا عليك، فقلتُ: السلطان؟ قال: «لا، إنما عليك أن تنهاه»([8]). ومن خلال تحليل «كوك» لهذا النصّ الأوّلي للحنابلة فإنه يسعى ـ في ضوء ثلاثة أسئلة متوالية ـ إلى رسم رؤية الحنابلة بشأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتلك الأسئلة هي: ما هي أكثر المعاصي التي نواجهها؟ وما هي الظروف التي نواجه فيها العصاة؟ وما هو الموقف الذي يجب اتخاذه تجاههم؟

إن المعاصي الرئيسة التي نواجهها في المجموع غالباً ما تكون بسيطةً ومكررة، فهي أمور مثل: المرأة، والخمر، والعزف. وقد تمَّتْ الإشارة إلى ثلاث آلات موسيقية: الطنبور والطبل والعود. وهناك إشارةٌ إلى المزمار أيضاً، ولكنه نادرٌ. كما ورد الحديث عن الدفّ في موردٍ واحد فقط. وقد يَرِدُ الحديث عن هذه الآلات أثناء استعمالها والعزف عليها، أو عند بيعها وشرائها. وربما شهدنا كلاماً حول لعب الشطرنج، ورسم الصور، وتبادل الشتائم والكلمات البذيئة، أو النزاع بين الشباب. والاستفتاء الأخير حول الضفدع والفأرة واتخاذهما طعماً. وجواب ابن حنبل عن هذا الاستفتاء الأخير يثبت أنه «كان يتمتّع بحياةٍ وادعة وآمنة، لم يختبر خلالها العالم المفعم بالرذائل والوحشية».

والسؤال الثاني ناظرٌ إلى دائرة المعاصي؛ فمنها ما يحدث ضمن الدار؛ ومنها ما يحدث خارج الدار، وأحياناً في المسجد.

والسؤال الثالث يدور حول طريقة ردّة الفعل تجاه المعاصي. مَنْ هو المسؤول عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ الفتاوى ساكتةٌ عن ذلك تقريباً. وبطبيعة الحال هناك إشاراتٌ حول مراحل وترتيب القيام به. وفي ما يتعلّق بذنوبٍ من قبيل: حيازة أو حمل الخمر يجب إهراقه، ولكنْ مع الحَذَر وعدم الإضرار بالوعاء المشتمل على الخمر. وفي الوقت نفسه فإن من بين طرق مكافحة المعاصي هو التجاوز والابتعاد عن موضع اقتراف المعصية. وفي واحدةٍ من ثلاث حالات يمكن ترك هذه الوظيفة والتكليف، وهي: الخوف على النفس، وعدم سماع المذنب لنصيحة الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، وانتهاك خصوصيات الأفراد.

يرى «كوك» غياب أمرين في بيان تكاليف قدامى الحنابلة: أحدهما: إنهم لم يكونوا يُبْدون رغبةً في الحضور والمشاركة في النشاطات الاجتماعية ومحاربة الفساد في المحلات، ولم يقوموا بمسعى من أجل إغلاق أماكن الفجور؛ والآخر: لا وجود لأيّ كلامٍ عن السلطات الحاكمة ومحاربة فساد السلطة الواقعي أو المحتمل. وبعبارةٍ أخرى: إن محور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الحنابلة يدور حول الأمور الفردية والشخصية، والابتعاد عن المسائل العامة والاجتماعية. فحيث أوجب الله طاعة الحاكم والسلطان يجب عدم التورّط في مخالفته. إن هذه الرؤية تمثّل انعكاساً للحياة الشخصة والفردية لأحمد بن حنبل، فقد كان يتجنّب مخالطة السلاطين، ولم يكن له دورٌ في النشاطات الاجتماعية والحركات التي ظهرت في عصره، وحتّى في الفترة التي عُرفت بـ «المحنة» لم يقُمْ بأيّ مسعىً في مواجهة السلطة. وفي هذا الشأن قام «كوك» بدراسة الحياة التفصيلية لابن حنبل، ليبحث حتّى في محلّ سكناه وخصوصيات الدار التي يسكن فيها، ويعدّد جيرانه، ويسعى إلى رسم صورةٍ دقيقة عن الموقع الجغرافي لمحلّته. فهو يسكن في الشطر الواقع إلى الشمال الغربي من بغداد، ويقع بيته في نهاية زقاق مغلق، وكان ذلك الزقاق يشتمل على أربعة منازل متلاصقة لأسرته، حيث يسكن عمّه إسحاق بن حنبل في واحدٍ منها، والثاني يسكن فيه ابن عمّه، وفي الثالث يسكن ابنه البكر صالح، وأما الرابع فيشغله أحمد بن حنبل نفسه. وإن هذه التفاصيل تشمل حتّى عدد الآبار، وغرف المنازل، وطبيعة السطوح. ومن خلال هذه التفاصيل الدقيقة ندرك أن واحداً من جيران ابن حنبل كان رجلاً شرّيراً، والجار الآخر كان يمتلك متجراً للقصابة، مع توضيحات أخرى من هذا القبيل. وكان ابن حنبل يجهد من أجل الحفاظ على معتقداته، مع تجنُّب المواجهة مع السلطة. ومن هنا عندما فرض الحاكم إمامَ جماعةٍ فاسدَ العقيدة كان ابن حنبل يصلي خلفه، ويقتدي بإمامته، ولكنّه يعيد الصلاة عندما يعود إلى منزله. وفي ختام هذا الفصل عمد «كوك» إلى بيان خلاصة موقف ابن حنبل من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بضع عباراتٍ جوهرية؛ إذ يقول: «إن ابن حنبل لم يكن على الصعيد العملي معارضاً للخلفاء، وفي الوقت نفسه لم ينصب نفسه مدافعاً عنهم، فكان على استعداد ليَدَع ما لقيصر لقيصر. وبالإضافة إلى ذلك فإن أقصى ما كان يريده هو أن يترك وشأنه. وهذا هو جوهر موقفه من النهي عن المنكر». ومع ذلك لم يتركه معاصروه، ولا المتأخِّرون أخذوا رؤيته بجدّية؛ فقد أقحمه معاصروه في أكثر الأبحاث الكلامية مثاراً للجَدَل؛ حتّى دفع ثمن ذلك بزجّه في الحبس لأكثر من عامين؛ وأما المتأخِّرون فقدَّموا عنه تفسيراً أدّى في نهاية المطاف إلى حكومة الوهّابيين، الذين يعتبرون فلسفتهم الرئيسة قائمة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

حنابلة بغداد

الفصل السادس يتناول مساحة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين «الحنابلة في بغداد» بعد رحيل أحمد بن حنبل. وفي هذه المرحلة نشاهد متغيِّرين في تراث ابن حنبل، وهذان المتغيِّران هما:

المتغيِّر الأوّل: بَدَلاً من تلك الاستفتاءات المبعثرة، بدأنا نشهد بالتدريج تقريرات منهجية ومنظّمة لهذه الفريضة على يد العلماء من الحنابلة.

والمتغيِّر الآخر: إن علماء الحنابلة ـ خلافاً لمنهج ابن حنبل ـ يلعبون في تاريخهم المعاصر دَوْراً فاعلاً في المسائل السياسية والاعتراض على المنكر. وإن لهذا الدَّوْر منعطفاته صعوداً وهبوطاً أيضاً. فبعد فترة من الصمت النسبي لعلماء الحنابلة الأوائل نشهد في مرحلةٍ لاحقة نشاطاً محموماً من قبل الأجيال اللاحقة من علماء الحنابلة ضدّ منافسيهم من الشيعة والشافعية، واضطهادهم تحت ذريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وعندما توفي أبو جعفر الطبري سنة 310هـ اضطرّ ذووه إلى دفنه ليلاً؛ لأن بعض الحنابلة حالوا دون تشييع جنازته؛ بسبب ميله إلى الرفض (التشيُّع). كما أنهم كانوا يُمعنون في إيذاء زوّار كربلاء، ويمنعونهم من إقامة العزاء عند مرقد سيّد الشهداء. وكان على رأس هذا التيار شخصٌ يُدعى البربهاري. وفي ذلك يقول ميخائيل كوك: «لقد كان حنابلة البربهاري قد شكّلوا معضلةً مستعصية للشرطة، وكارثة على البغداديين الذين يخالفونهم في المعتقد».

ولكنّ السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: كيف يمكن ربط هذا الاندفاع الهجومي الذي تولّد لدى الحنابلة بذلك السكوت المطبق والسلوك الانفعالي لأحمد بن حنبل؟ يسعى «كوك» إلى تقديم تفسيرٍ لهذا التغيُّر الجوهري؛ حيث يرى أن هناك سببين لهذا التحوّل في المنهج.

السبب الأوّل: ارتفاع النسبة الكمّية والعَدَدية للحنابلة في بغداد، الأمر الذي جعل منهم قوّةً ضاربة وقادرة على ردع الخصوم، فكان هناك تناسب طردي بين ارتفاع أعداد الحنابلة وارتفاع منسوب العنف الصادر عنهم تجاه المخالفين لهم.

السبب الثاني: إن السلطة والدولة الحاكمة كانت في طريقها إلى الانهيار، وفي المقابل كان الحنابلة في صعودٍ، بالتزامن مع اشتداد قوّتهم وشوكتهم. فعندما بدأ المذهب الحنبلي بالتبلور كانت الدولة العباسية في أوج اقتدارها، بينما كان أتباع المذهب الحنبلي قلّة قليلة، تعاني من الضعف والهوان. بَيْدَ أن الأمر لم يستمرّ على هذه الحال؛ إذ انعكس الأمر، وفقدت السلطة عنفوانها وصلابتها. يُضاف إلى ذلك حدوث مصاهرة متينة بين جهاز السلطة وبعض علماء الحنابلة، الأمر الذي منحهم حصانة يلجأون إلى ظلّها عند الحاجة. وهذا المنهج مغاير تماماً لإمام المذهب، الذي كان يتجنّب التواصل مع السلطة، ويرفض حتّى القبول بمنصب القضاء. ويمكن ملاحظة هذا التبدُّل في المنهج من خلال المقارنة بين سلوك الأب والابن؛ فبينما كان أحمد بن حنبل يرفض كلّ أشكال التعاون مع السلطة، نجد نجله صالح بن أحمد يقبل وظيفة القضاء في إصفهان، ويرتدي السواد الذي كان شعاراً للعبّاسيين، رغم بكائه في حينها من شدّة الحياء والخَجَل! وقد عمد «كوك»، بعد جولته التاريخية على هذا التحوُّل، وتقرير العديد من هذه الموارد، إلى بيان هذا التحوُّل على النحو التالي: «لقد سلكنا طريقاً طويلاً ما بين إذعان وسكوت ابن حنبل من جهةٍ، وسوء استغلال البربهاري في إثارته للعامّة من جهةٍ ثانية». بَيْدَ أننا نشاهد هنا تناسباً عكسياً؛ إذ كلّما اشتدّت علاقة الحنابلة مع السلطة كلّما تضاءل حجم النهي عن المنكر عندهم، حتّى بلغ الأمر مستوى «لم نَعُدْ معه بعد ذلك نرى اسماً للناهين عن المنكر بين الحنابلة في بغداد».

وبعد هذا التقرير التاريخي يسعى «كوك» إلى بيان نظرتهم الاعتقادية إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبالتالي فإنه يشير إلى بعض الكتب المؤلّفة في هذا الموضوع، معدّداً على أساس ذلك المسائل الرئيسة لهذه الوظيفة. ومن هذه الناحية يبدو أن الحنابلة قد ساروا على ذات نهج المعتزلة في بيان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بعد إلباسه حلّة حنبلية. وفي واحدٍ من تلك الكتب المعروفة، واسمه «أصول الدين»، لمؤلّفه أبي يعلى بن الفرّاء(458هـ)، المتأثّر جدّاً بالمنهج العقلي لدى المعتزلة، نجد سلوكهم التحليلي بادياً على نحوٍ واضح. حيث تعرّض في هذا الكتاب إلى مسائل من قبيل: هل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفة عقلية أم شرعية؟ ومَنْ هو المكلف بها؟ وهل هي واجبة على الجميع أم على صنف خاصّ من الناس؟ وما هي شرائط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

حنابلة دمشق

بعد الاجتياح المغولي لبغداد اهتزَّتْ مكانة الحنابلة في هذه المدينة بشدّةٍ، وأخذ نشاطهم بالانتقال إلى دمشق تدريجياً، حتّى تحوَّلت هذه المدينة لاحقاً لتكون عاصمتهم الرئيسة. وعلى الرغم من عدم انحسار الحنابلة عن بغداد في القرون التالية نهائياً، إلاّ أنهم لم يحافظوا على مكانتهم السابقة فيها.

من هنا فإن الفصل السابع من هذا الكتاب يتناول تاريخ المذهب الحنبلي، ويتعرّض إلى دراسة موقع «الحنابلة في دمشق». وقد اختلفوا في دمشق كثيراً عمّا كانوا عليه في بغداد، فقد كانوا في بغداد هم القوّة المسيطرة والمهيمنة، وكانت علاقتهم بالسلطان وثيقة جدّاً، وكانوا؛ بسبب كثرتهم، يؤدّون دَوْراً فاعلاً في المجتمع. وأما في دمشق؛ حيث الأكثرية الشافعية، لم يكن بوسع المالكية إلاّ أن يعيشوا كأقلّية، الأمر الذي أدّى بهم إلى الاكتفاء بالنشاط العلمي، وكانت نتيجة ذلك إنتاج مؤلّفات وآثار قيّمة وكبيرة، من قبيل: «المغني»، لابن قدامة. وعلى الرغم من ذلك لم يَخْلُ هذا المجتمع من مشاهير الناهين عن المنكر، من أمثال: عبد الغني المقدسي، الذي انفرد وحده في الاضطلاع بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان بذلك يسبح عكس التيار السائد في المجتمع الحنبلي لدمشق. ولم يكن يخشى في القيام بفريضة النهي عن المنكر من إثارة المشاكل أبداً، وحيثما «حلّ كان يثير المشاكل»، بل كان ينازع حتّى الحكام، ويسلك في ذلك سلوكاً زاخراً بالجرأة والتهوُّر. وكان الاستثناء الآخر يتمثّل بابن تيمية، حيث كان من بعض النواحي نسخةً بديلة عن عبد الغني المقدسي، فقد أدّت شخصيته الفظّة، وعجزه عن التماهي مع الوضع القائم، إلى خلق الكثير من المشاكل التي واكبته تمام عمره». ولكنّه بَدَلاً من صبّ جام غضبه على النظام الحاكم، وإثارة عامّة الناس على الدولة ـ وهو النهج الذي سلكه البربهاري والمقدسي ـ، اتخذ لنفسه طريقاً خاصّاً، فكان يسعى إلى القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع المحافظة على علاقته بالحكم والسلطة. ومن بين مؤلفات ابن تيمية كتاب مختصر بعنوان: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» خاطب فيه عامة الناس تقريباً. إن هذا الكتاب غير مترابط الأفكار، وفيه إشاراتٌ إلى زيارة القبور، ومع ذلك يمكن العثور فيه على جذورٍ لإصلاح هذه الفريضة بين الحنابلة. يقول ابن تيمية في هذا الكتاب: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على نحو الكفاية، ويجب أن يتوفّر على شرائط، من قبيل: العلم بالمعروف والمنكر، وأن تكون المصلحة فيه غالبة على المفسدة، وعلى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يتحلّى بالصبر على تبعاته المريرة. وعلى الرغم من ذلك لا نرى في بعض الموارد غير السكوت، كما في مورد السؤال القائل: هل يجب على النساء القيام بهذه الفريضة أيضاً أم لا؟

يرى «كوك» أن رؤية ابن تيمية لهذه الفريضة هي رؤية سياسية؛ إذ يقول: «إن مصطلح المصلحة والمفسدة، مع تجاهل الأصول والقواعد الأخلاقية الثابتة، يمثّل الخصيصة النافذة في الفكر السياسي لابن تيمية». ثم نقل حادثةً لتأييد هذا الحكم الذي يطلقه على ابن تيمية، فقد كان الجنود من المغول في العادة يجوبون الطرقات وهم سكارى، وحيث أراد أحد أتباعه أن ينهاهم عن المنكر بادر إلى منعه من ذلك؛ بحجّة أن المغول إذا كانوا بكامل وَعْيهم سيكون إيذاؤهم للمسلمين أكثر، وعليه من الخير أن يُتْرَكوا على ما هم عليه من السُّكْر([9]). ثم عمد «كوك» إلى ربط هذه الرؤية من ابن تيمية بتفكيره السياسي، ويبدأ في هذا الإطار بحثاً ليظهر منزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تفكيره. وبعد ذلك يتمّ تقرير حياة الحنابلة بعد ابن تيمية، حيث يسعى البعض منهم إلى إقامة العلاقات مع حكومة حلب، واستعادة مكانتهم السياسية والاجتماعية، بَيْدَ «أن وظيفة النهي عن المنكر قد اضمحلّت خلال هذه المرحلة التاريخية الطويلة». وعلى الرغم من ظهور بعض الأعمال المفردة في هذا المجال من حينٍ لآخر، كما نجد ذلك ـ على سبيل المثال ـ في إشارات ابن قيِّم الجوزية إلى هذه الفرضية أحياناً، ولكنْ علينا التذكير بـ «زين الدين الصالحي الدمشقي»، الذي ألّف كتاباً في مجلّدين حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبحث في هذه الفريضة من زاوية صوفية. وقد كان في ذلك متأثّراً بـ «أبي حامد الغزالي»، وقد استعان بكتاب الغزالي في طرح بنية كتابه. فقد ذكر المراتب الثمانية التي ذكرها الغزالي للنهي عن المنكر، وأضاف إليها مرتبةً تاسعة، ويبدو أنها فريدةٌ في نوعها. إن أعلى مراتب النهي عن المنكر هي مرتبة «إنكار المنكر بالحال»، بمعنى أن بإمكان الناهي عن المنكر أن يعمل على توظيف سلطته الروحية، ويتدخّل في موضوع المنكر، ويعمل على تغييره. ومثال ذلك: تحويل الخمر إلى خلٍّ أو عسل أو ماء، وهو ما يمكن لبعض أصفياء الصوفية فعله. وبعد تقرير «كوك» لقصّة هاتين المدينتين (أي بغداد ودمشق)، وتنوُّع سلوك الحنابلة فيهما، يعمل على تمهيد أرضيّةٍ للدخول في بحث الحنابلة في نجد.

 

حنابلة نجد والحكومات الوهّابية

يواصل «كوك» في الفصل الثامن بحثه في التفكير الحنبلي بين «الحنابلة النجديين». كان موقع الحنابلة في هذه المنطقة يمتاز من بقية المواقع الأخرى؛ فقد حصلوا للمرّة الأولى على وضعٍ ممتاز في مجتمعٍ قَبَلي، وكان المذهب الحنبلي هو وحده المذهب المقبول عندهم. وقد أتاح لهم هذا الوضع فرصةً لتحقيق أهداف جديدة من خلال التحالف مع القوات العسكرية المقاتلة. وفي عام 1158هـ تمّ عقد تحالف بين محمد بن عبد الوهّاب(1206هـ) ومحمد بن سعود(1179هـ)، رئيس ناحية الدرعية، وهي من النواحي الكبيرة في نجد. وقد غيَّر هذا التحالف مستقبل شبه الجزيرة العربية وهذا المذهب، حيث أدّى الأمر إلى قيام المملكة العربية السعودية، والتي لا تزال قائمةً إلى يومنا هذا. بَيْدَ أن «كوك» يرى أن هذه المملكة قد مرَّتْ بثلاث مراحل مختلفة. في المرحلة الأولى أو المملكة العربية السعودية الأولى (1158 ـ 1233هـ) كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمثّل النواة المركزية للتفكير والسلوك الوهّابي. وفي هذه المرحلة كان الوهّابيون يغيرون على ما يعتبرونه منكراً بكلّ عنفٍ وقسوة، ودون أدنى تهاون أو خوف من العواقب. ومع ذلك فإن «النهي عن المنكر لا يمثّل موضوعاً هاماً في مؤلّفات محمد بن عبد الوهّاب. يُقال أحياناً: إنه ألّف كتاباً مستقلاًّ في هذا الموضوع، ولكنْ يبدو أن هذا الكلام لا أساس له من الصحة». فبالنظر إلى سلوكه العملي يمكن لنا أن نستنتج أنه «لم يشعر بالانزعاج عند تحجيم ضرورة هذه الوظيفة». وباختصارٍ فإنه ـ خلافاً للتأكيد على محورية فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تفكير الوهّابيين الأوائل ـ يبدو أنهم كانوا يَرْمُون من خلال ذلك إلى أهداف وغايات أخرى.

وأما المملكة العربية السعودية الثانية (1238 ـ 1305هـ) فتُبْدي تأكيداً أكثر تجاه تطبيق فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذلك نجد تراث هذه المرحلة زاخراً بالإشارات المتنوّعة إلى هذه الفريضة. وفي هذه المرحلة نشهد تأكيداً على شمولية هذه الفريضة، وفي الوقت نفسه نجد سَعْياً إلى إضفاء صبغةٍ إدارية عليها. وهذا يبدو أمراً متناقضاً. ومن بين المنكرات التي يتمّ الردع عنها في هذه المرحلة هي تدخين السجائر والنرجيلة. وهناك الكثير من التقارير التي يرويها مختلف الأشخاص عن تطبيق هذه الفريضة، وهي تستحق القراءة. والسؤال الذي يطرحه «كوك»، ويحاول الإجابة عنه، هو: لماذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المملكة السعودية الثانية يحظى بأهمّية أكبر من تلك التي أَوْلَتْها المملكة الأولى لهذه الفريضة؟ وقال في جوابه عن هذا السؤال: لقد كانت الجهود في المملكة الأولى تصبّ بأجمعها في الجهاد، وتوسيع الرقعة الجغرافية للمملكة، ولم تكن هناك حاجةٌ إلى الاهتمام بهذه المقولة، وكانت مسألة الجهاد في تلك المرحلة هي التي تتمتّع بالحظّ الأوفر من الأهمية. وأما في المرحلة الثانية؛ حيث لا تعود هناك إمكانية إلى توسيع الرقعة الجغرافية أو تقلّ الفرص لتحقيق ذلك، فإن التأكيد على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحلّ محلّ التأكيد على الجهاد، وبالتالي يحتلّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المنزلة الأولى في المجتمع الوهّابي، بينما يتراجع الجهاد ومقارعة الكفار ليحتلّ الدرجة الثانية. وهذا التحليل هو الذي يفسّر الشيوع المفاجئ لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع السعودي.

أما المملكة السعودية الثالثة فقد تمّ تأسيسها على يد عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود سنة 1319هـ، وهي بدورها تنقسم إلى مرحلتين مختلفتين: المرحلة الأولى: بلغت ذروتها باجتياح الحجاز؛ والمرحلة الثانية: مستمرّة إلى عصرنا الراهن. وفي المرحلة الأولى قامت المملكة بتشريع «لجان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، ومهمّة هذه اللجان معروفةٌ من اسمها. وفي هذه المرحلة تقع مسؤولية تطبيق هذه الوظيفة على عاتق الدولة، وليس الأفراد، وتروى في هذا الخصوص تقريرات مفادها جلد الناس؛ بسبب التدخين، وعدم الحضور في صلاة الجماعة، بل إنهم هاجموا بعنفٍ وقسوة حتّى قوافل الحجّ القادمة من مصر، والزائرين الآخذين بالمحمل والهودج وهم ينفخون في الأبواق. ويُقال أحياناً: إن الغاية من تشكيل هذه اللجان هو العمل على إلغاء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على المستوى الفردي، التي كان يقوم بها البدويّون الأجلاف، وكان من شأن ذلك أن يحدث خَلَلاً في تردُّد الزائرين والوافدين إلى الحجّ من كلّ حدب وصوب. وفي عام 1344هـ قام عبد الله بن حسن ـ من أسرة آل الشيخ ـ بسحب سيجارة من بين شفتي سائقٍ مصريّ، وانهال عليه ضرباً بالعصا كإجراءٍ للنهي عن المنكر، الأمر الذي أدّى إلى نشوب عراكٍ بينهما، ونتيجة لذلك «قامت السلطات السعودية بجلد السائق المذكور حتّى زهقت روحه». وهذا الإجراء يؤكّد بُعْد النهج الوهابي عن منهج أحمد بن حنبل؛ إذ كان ابن حنبل يؤكّد على ضرورة التعاطف مع الشخص الذي يتمّ نهيه عن المنكر. كما رُوي أن بعض الآمرين بالمعروف قد استولوا على صفّارات للأطفال، فقام الأطفال بالانتقام منهم بقذف رئيس اللجنة بقشور البطيخ. وفي ذات الفترة نزل الغرامافون إلى الأسواق، فتمّ التعامل معه على أنه من الآلات الموسيقية، وبدأوا بجمع أذرعه. وبالتزامن مع تنظيم عمل اللجان والجماعات الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر تمّتْ عملية إجهاض هذه التشكيلات وإفراغها من روحها، ومنع عبد العزيز بن سعود من بعض الممارسات المتطرِّفة لجماعة «الإخوان». ومنذ ذلك الحين اكتسبت هذه الفريضة صفة التكليف الإداري، أكثر منها واجباً دينياً. وعند وصول عناصر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى مكانٍ ما كان الناس، بَدَلاً من قولهم: «جاء أهل الدين»، ينبِّهون بعضهم بعضاً بالقول: «جاء أهل الديك»! وفي ختام هذا القسم يبدي «كوك» وجهة نظره في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفكر الحنبلي بالقول: «إن اتّساع رقعة البيروقراطية في المملكة الجديدة ـ على غرار الهلال الخصيب ـ على ما وقفنا عليه يعني انتهاء التاريخ الحنبلي»، حيث تقوم السلطات السياسية في المملكة العربية السعودية بضمّ العلماء تدريجياً، وإلحاقهم بديوانها الإداري الكبير، وبذلك لا يبقى من تلك الأفكار الحنبلية الأولى سوى الشكل والصورة، وهكذا نشهد نهاية لسنّة ابن حنبل. «إن تحوّل الآراء الفردية وغير السياسية لابن حنبل إلى ممارسة بيروقراطية، تضطلع بها بعض المجموعات واللجان الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر، بإرشادٍ وتوجيه من مدير عامّ برتبة وزير دولة، يمثّل ـ كما لا يخفى على الجميع ـ أفولاً ونهايةً مأساوية لهذه السنّة».

المعتزلة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

أما القسم الثالث فيتناول رؤية «المعتزلة والشيعة» في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضمن ثلاثة فصول، وهي تشتمل على بيان التحوُّل التاريخي لآرائهم.

يبدأ الفصل التاسع بتعريف «المعتزلة». وخلافاً للحنابلة الذين كانوا من أصحاب الظاهر، ولا يخوضون إلاّ في ظواهر النصوص، كان المعتزلة يُبْدون شَغَفاً بالأمور الانتزاعية، وتنظيم أفكارهم. يعمد «كوك» في هذا الفصل إلى بيان العقائد الأوّلية للمعتزلة، ويدرج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضمن أصولهم الاعتقادية الخمسة. يُعَدّ أبو عليّ وأبو هاشم الجبائي من العلماء والمتكلّمين المعروفين من المعتزلة، وقد ألَّفا في موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وآراؤهما جديرةٌ بالملاحظة والاهتمام. كان أبو عليّ يرى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبٌ عقلي ونقلي، في حين كان أبو هاشم يراه واجباً نقلياً فحَسْب. وأما القاضي عبد الجبّار فكان يذهب إلى التفصيل؛ فبينما يرى أن الأمر بالمعروف قد يكون واجباً وقد يكون مستحبّاً تَبَعاً لطبيعة المعروف الذي يؤمر به، يرى أن النهي عن المنكر واجبٌ على كل حال. ثم أخذ «كوك» بشرح آراء ثلاثةٍ من أشهر المعتزلة القدماء، وهم: الإمام مانكديم([10])، والحاكم الجشمي([11])، وأبو الحسين البصري([12]). وفي البداية يستعرض «كوك» أراء الإمام مانكديم في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورأيه في تعريفه ووجوبه وشرائطه وسلسلة مراتبه، وإظهار الكراهة للمنكر، وأنواع المنكر، والموقف العملي في هذا الباب. ثم يبحث في آراء أبي الحسين البصري والحاكم الجشمي. وفي نهاية الفصل يعدّد ثلاث خصائص عامّة للموقف المعتزلي من هذه الفريضة. والخصيصة الأولى تكمن في الأسلوب التحليلي والبنية المنطقية للمعتزلة التي تتجلّى ضمن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتميّزها من سائر الكتب التي ألّفتها المذاهب الأخرى في هذا الشأن. والخصيصة الثانية هي انسجام وتناغم هذه العقائد على طويل التاريخ، وعلى مختلف مناطق انتشار المعتزلة في الجغرافيا الإسلامية. والخصيصة الثالثة التي تميِّز المذهب المعتزلي تكمن في المنهج العملي في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والذي يتجلّى في جميع مراتبه، حيث يؤكّدون على خوض كل أنواع المخاطر من أجل تحقيق هذه الفريضة.

الزيدية

يختصّ الفصل العاشر بـ «الزيدية»، حيث يذهب «كوك» ـ بعد بيان نقاط الاشتراك بينهم وبين الشيعة، من قبيل: اختيار الكلام المعتزلي، والعمل على نشر وإشاعة السنة الفقهية ـ إلى الاعتقاد بأن هناك اختلافات جوهرية تميِّز الزيدية من غيرهم، ومن بينها: «إن الزيدية يميلون إلى الاتجاه العملي، بينما يجنح الإمامية نحو التسليم والرضا». وقد كان لهذا الاختلاف الجوهري تأثيرٌ خالد ومصيريّ على فهمهم لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم يتعرّض إلى العقائد الأولى لهذا التيار، ويسمّي القاسم بن إبراهيم الرسّي(246هـ) بوصفه واحداً من أقدم المؤلّفين من الزيدية، الذين وصلتنا بعض المعلومات عن عقائدهم. إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عنده مفهومٌ بسيط، وقد نقلت عنه في هذا الشأن ثلاثة استفتاءات فقط، وهي كالتالي: الاستفتاء الأول بشأن معنى المعروف والمنكر؛ والثاني بشأن التأكيد على ضرورة تطبيق هذه الفريضة، وإنْ ترتّب عليها الأذى والضرر؛ والثالث بشأن دَوْر إذن الإمام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهنا يقول الرسّي: إن الإمام من خلال تطبيقه لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما يعرِّف بنفسه، وفي ذلك إشارة إلى أصل أصيل من أصول الزيدية. ثم تعرَّض «كوك» إلى النزعة العملية عند الزيدية، ونقل عن أبي الفرج الإصفهاني أنه يذكر الإمام الصادق في زمرة الذي يتحدّثون عن الثورة من أجل النهي عن المنكر. يرى «كوك» أن خصيصة الزيدية تكمن في النزعة العملية السياسية التي تنبثق عن التفكير الاعتزالي. يكمن جوهر عقيدة الزيدية بشأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أن الإمام المفترض الطاعة هو الذي يخرج من أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي غير هذه الصورة لن يكون سوى إماماً للحلال والحرام، وليس إماماً مفترض الطاعة؛ «إذ إنه لا يأمر ولا ينهى، وإن الله سبحانه وتعالى لا يأمر بإطاعة الإنسان الساكت، وإنما يأمر باتّباع قائمٍ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر». ومع ذلك لا ينبغي اختزال جميع التراث الزيدي في هذا الأصل. فإن لديهم كذلك تراثاً فقهياً قيِّماً أيضاً، وهو تراثٌ مؤثّر في فهمهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن خلال جولته في التراث الزيدي يصل «كوك» في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى مسألتين رئيستين، وهما:

أوّلاً: لا وجود في هذا التراث لمرتبة الإنكار القلبي في النهي عن المنكر.

وثانياً: إن اللجوء إلى إشهار السلاح لا يمكن تأييده، إلاّ في حالة الضرورة القصوى.

وهاتان الخصيصتان ملحوظتان على الزيدية في القرون الأولى بشكلٍ واضح. بَيْدَ أن التاريخ اللاحق للزيدية في اليمن يتجلّى على نحوٍ آخر، حيث يبرز من خلال ظاهرتين متوازيتين، إحداهما: نقص التراث المعتزلي؛ والأخرى: تسلّل وانتشار المنهج الفكري لأهل السنّة بينهم: «ونتيجة لذلك تأثّر فهم الزيدية للنهي عن المنكر بتفكير أهل السنّة بشكلٍ متسارع، وتجلى ذلك على وجه التحديد في (الإنكار القلبي)، وفي نهاية المطاف حلّ محله التمرّد على الخروج ضدّ السلطان الجائر». ومن ثم يبحث ضمن هذا التراث إحدى الشخصيات الشاخصة في المذهب الزيدي ذي النزعة السنّية، وهو محمد بن علي الشوكاني(1250هـ)، ويتناول آراءه؛ ليصل بعد ذلك إلى نتيجةٍ مفادها: إنه لا يجب من الآن فصاعداً اعتبار فكرة النهي عن المنكر مفهوماً خاصّاً بالزيدية.

الإمامية والإسماعيلية

يدور محور البحث في الفصل الحادي عشر حول «الإمامية»، وذلك من خلال التأكيد على أنهم «قد قدّموا أكثر الوثائق والمستندات نضجاً وتنظيماً في مجال النهي عن المنكر. وعلى الرغم من أن كتب الإمامية الأولى لا ترقى من حيث الكمّ إلى مجموع روايات أهل السنّة أو الكتب الفقهية للأحناف في عصرٍ واحد، إلاّ أنها أكثر من الوثائق المبعثرة والناقصة للمعتزلة والزيدية». وقد عمد «كوك» إلى تقسيم تاريخ الإمامية من هذه الناحية إلى ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: تشمل عصر حضور الأئمة، حيث لم تكن أفكار المعتزلة قد تسلّلت إلى دائرة المذهب الإمامي.

المرحلة الثانية: تبدأ من القرن الرابع وتستمرّ إلى القرن الثامن الهجري.

المرحلة الثالثة: تبدأ من القرن الثامن وتستمرّ إلى عصرنا الراهن، حيث تشمل تأسيس الدولة الإمامية في إيران [بقيادة الإمام الخميني] أيضاً.

ثم ينتقي روايات الإمامية من مصدرين من المصادر الشيعية الأصيلة، وهما: (الكافي) للكليني، و(تهذيب الأحكام) للطوسي، ويقوم بتحليل مضامينها، ليصل إلى نتيجة مفادها: لا مكانة للنزعة العملانية في هذه الروايات، باستثناء رواية طويلة واحدة عن الإمام الباقر. بَيْدَ أن هذه الرواية غير مقبولة من وجهة نظر «كوك»، وذلك للأسباب الثلاثة التالية:

أوّلاً: إن النزعة العملانية في هذه الرواية لا تنسجم مع الروايات الأخرى.

وثانياً: إن هذه الرواية معروفةٌ عند الزيدية أيضاً.

وثالثاً: إن الراوي الرئيس لهذه الرواية هو أبو حفصة قاضي مرو، وهو ليس إمامياً، وبالتالي فإن هذا الحديث غريب الإسناد، ولا يمكن التعويل عليه.

وبعد نقد سائر الروايات الأخرى، يكتفي «كوك» بثلاث روايات فقط. ومضمون واحدة منها ـ وهي مأثورةٌ عن الإمام الصادق ـ هو أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يجب على الجميع، وإنما هو واجبٌ على خصوص مَنْ له القدرة على ذلك. والرواية الثانية تنهى عن مواجهة السلطان الجائر. والرواية الثالثة تحكي عن السلوك العملي للإمام الصادق في مقابل أولئك الذين كانوا منشغلين بالمواجهة، وتعبّر عن منهج وطريقة الإمام في النهي عن المنكر. يعتقد «كوك» أن بعض روايات أهل السنّة، من قبيل: رواية المراحل الثلاث، قد تسلَّل إلى المصادر الشيعية أيضاً. ومع ذلك كلّه فإن المصادر الشيعية لا تعاني نقصاً من هذه الناحية، وإن ما يتمّ بيانه في المصادر الشيعية في هذا الشأن لا يشبه ما تشتمل عليه المصادر السنّية المعاصرة لها.

ثم ينتقل «كوك» إلى دراسة الفكر الشيعي في المرحلة الثانية من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعمل بالتحديد على بحث مسألة التدرُّج والمراحل الثلاث في هذه الفريضة. وبعد رفض أن يكون لها منشأٌ معتزلي يحتمل أن يكون لهذه الرواية جذورٌ في المصادر السنّية، وأنها لا تنسجم مع الفكر الشيعي القديم. ثم يتعرّض إلى دور إذن الإمام في هذا المورد؛ حيث هناك مَنْ يشترط إذن الإمام في القيام بهذه الفريضة، وهناك مَنْ لم يُشِرْ إلى هذا الشرط في القيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد تعرَّض «كوك» في هذا المورد إلى ذكر أسماء الموافقين والمخالفين: «تذهب المصادر المعادية في الغالب إلى القول بأن الإمامية (الرافضة) ينكرون العمل بالنهي عن المنكر في غَيْبة الإمام. ويمكن لنا أن نعتبر هذا الادّعاء فهماً جَدَلياً خاطئاً لنظرية إذن الإمام. وسواء أكان ذلك حسناً أو قبيحاً فإن الجذور التاريخية لأيّ واحد من هذه الوثائق لا يرقى إلى التعبير عن وجود هذا الاعتقاد في الفترة السابقة لعصر المفيد».

يطرح «كوك» جملةً من المسائل، ويتحدّث عن كلّ واحدٍ منها بالتفصيل، من قبيل: هل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عقلي أم نقلي؟ وإمكان تقسيم المعروف إلى واجب ومستحبّ، وهل هو واجب عيني أو كفائي؟ وما هي شرائط وجوب هذه الفريضة؟

ثم يصل إلى المرحلة الثالثة وعلماء الإمامية في العصور المتأخرة. وفي هذه المرحلة كان الكلام بشأن المراحل والمراتب الثلاث لهذه الفريضة قد ترسَّخ في الأذهان. كما يَرِدُ البحث في أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا أدّى إلى استعمال العنف فإنه يتوقّف على إذن الإمام في مثل هذه الحالة. وهنا نشهد إبداعاً جديداً يتجلّى في وجود فقيه جامع للشرائط يحلّ محلّ الإمام، ويكفي إذنه عن إذن الإمام. وقد ظهرت هذه النظرية في بداية العهد الصفوي. أما المسألة الأخرى التي تطرح نفسها في هذه المرحلة فهي تدور حول ما إذا كان وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عقلياً أو نقلياً؟ وقد ذهب بعض العلماء، من أمثال: المقدّس الأردبيلي، إلى عدم جدوائية هذا البحث من الأساس، ويتجاوزه دون أن يكلّف نفسه عناء البحث فيه؛ لأن الوحي قد حدّد تكليفنا في هذا الشأن، ومعه لا ضرورة إلى المزيد من البحث. كما تمّ طرح مسألة عينية أو كفائية وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه المرحلة، وإن أغلب العلماء يذهبون إلى القول بالوجوب الكفائي. وفي هذه المرحلة يتمّ حذف بحث الجهاد من الكتب الفقهية بالتدريج، وبالتالي «حيث إن النهي عن المنكر يعتبر جزءاً من هذه المسألة فإنه يكون ضحيّةً تلقائية لهذا الحذف».

وفي ختام هذا الفصل هناك إشاراتٌ مقتضبة إلى الإسماعيلية ومواقفهم تجاه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويصل إلى نتيجةٍ مفادها: إن هذه الفريضة لا تحظى بمكانةٍ مرموقة عندهم. ومما قاله في ذلك: «في قراءتي للمصادر الإسماعيلية لم أعثر إلاّ على رواية واحدة يتيمة بشأن النهي عن المنكر». وكان ابن أبي الحديد المعتزلي يدّعي أن الإسماعيلية (النزارية) كانوا يبرّرون قتل أمراء الجَوْر بمفهوم النهي عن المنكر: «بَيْدَ أنني في حدود بحثي لم أعثر في كتب النزارية على شاهدٍ واحد يثبت هذا الادّعاء».

الأحناف والشافعية والمالكية

القسم الرابع يتعرَّض ضمن ستة فصول إلى «سائر الفرق الإسلامية الأخرى»، ومتابعة هذه الفريضة عندهم. في الفصل الثاني عشر يتمّ توجيه الاهتمام بـ «الأحناف» بوصفهم أتباع أقدم مذهب فقهيّ لأهل السنّة، وعلى الرغم من بطء تبلور المدرسة الكلامية عند الأحناف، الأمر الذي يضطرنا إلى متابعة آرائهم حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مصادر الماتريدية. وقد عمد «كوك» في بداية الأمر إلى بحث الأوضاع الفكرية لدى الأحناف إلى ما قبل الدولة العثمانية، ويثبت أن النهي عن المنكر كان يمثّل واحداً من أصول عقائد أبي حنيفة. ثم ينتقل إلى البحث عن شرّاح المذهب الحنفي في المرحلة العثمانية، من أمثال: أبي عليّ القارئ، الذي ألّف أغنى الكتب في هذا المجال؛ والشارح الآخر هو إسماعيل حقّي البروسوي، الذي هو بالإضافة إلى أبي عليّ القارئ كان شديد التأثّر بأبي حامد الغزالي، وفي ما يتعلق بتفسير القرآن عمد إلى سرقة بعض المطالب من الزمخشري، ونسبها إلى نفسه. إن مطالعة آثار أشخاص من أمثال: إسماعيل حقي البروسوي تثبت «تبعية الأحناف العلمية لغير الأحناف». وفي الحقيقة فإننا في هذا التراث نقف على خلاصة لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كتاب (إحياء علوم الدين)، لأبي حامد الغزالي. وهكذا الأمر بالنسبة إلى طاشكبري زاده، فإنه لم يكتَفِ بسرقة أفكار أبي حامد الغزالي في ما يتعلّق بمجال النهي عن المنكر فحَسْب، بل عمد إلى تعديل تحليل الغزالي في ما يتعلّق باللجوء إلى العنف في مواجهة حكام الجَوْر. ومن خلال الجولة التفصيلية في أدبيات الأحناف في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يصل «كوك» إلى نتيجتين، وهما:

النتيجة الأولى: «الضعف الواضح في التراث الحنفي المتعلق بهذا الموضوع؛ إذ لم أتمكّن من العثور في جميع مصادر الأحناف على تقريرٍ واحد في هذه الوظيفة من شأنه أن يوصف بأنه منسجمٌ ومنهجي، وفي الوقت نفسه يمكن أن يُنْسَب إلى الحنفية بشكلٍ خالص».

النتيجة الثانية: إن رؤية الأحناف إلى مسألة النهي عن المنكر رؤيةٌ متساهلة. وبطبيعة الحال هناك استثناءٌ يجب أخذه بنظر الاعتبار من هذه الناحية، وهو أبو بكر الرازي المعروف بالجصّاص(370هـ)، فهو يرى أن أبا حنيفة كان يؤمن بالنهي عن المنكر باللسان والسيف. وهو أمرٌ لا أجده منسجماً مع المسار العامّ للرؤية الحنفية.

والفصل الثالث عشر يتناول التعريف بتاريخ وتطوُّر رؤية «الشافعية» في هذا الشأن، ضمن قسمين: شوافع ما قبل الغزالي؛ وشوافع ما بعد الغزالي. حيث يبلغ التأليف لدى أتباع هذا المذهب في موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذروته في مؤلّفات الغزالي، وبعده يبدأ مساره النزولي، على الرغم من كونه حتّى في مساره النزولي أغنى من مؤلّفات الأحناف. ومن خلال دراسة آثار هذه المرحلة يمكن التمييز بين ثلاث خصائص، وهي:

أ ـ استمرار تراث الجويني.

ب ـ اختلافها عن رؤية الأحناف، التي تركن إلى طلب العافية.

ج ـ عدم وجود بِنْيةٍ منسجمة بالقياس إلى التراث المعتزلي.

والفصل الرابع عشر يبدأ بالإشارة إلى الجذور التاريخية والنزعة الكلامية لدى «المالكية». وفي هذا التراث كذلك لا نشهد ذلك الرقيّ والانسجام لآراء مالك، حيث التراث الواصل إلينا مبعثرٌ ومشتّت.

الإباضية

يختص الفصل الخامس عشر بالتعريف بـ «الإباضية» في عُمَان شرقاً، وفي شمال أفريقيا غرباً، مع دراسة وتحليل الآراء الإباضية في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إن من بين أكثر المصادر التي يمكن العثور عليها في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تفصيلاً عن الإباضية في شمال أفريقيا كتابٌ يعود تأليفه إلى الشيخ إسماعيل بن موسى الجيطالي(750هـ)، ومضامين هذا الكتاب مقتبسةٌ بشكل رئيس من آراء أبي حامد الغزالي في كتابه (إحياء علوم الدين). يسعى «كوك» في هذا الفصل إلى المقارنة بين إباضية الغرب وإباضية الشرق، وبيان مواطن الاختلاف فيما بينها. وفي المجموع لا فرق في فريضة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) بين الإباضية وسائر التيارات الإسلامية الأخرى، إلاّ في ما يتعلّق بالتأكيد على الأمر والنهي اللفظي، والاهتمام بدَوْر العنصر النَّسَوي في تطبيق هذه الفريضة.

أبو حامد الغزالي

الفصل السادس عشر يختصّ بدراسة «الغزالي». من الناحية المنطقية كان يجب الحديث عن الغزالي في الفصل الخاص بالشافعية، بَيْدَ أن أهمّية كتابه الخالد والقيّم (إحياء علوم الدين)، وتأثيره على جميع التيارات الدينية بعده، هي التي أوجبت عقد فصلٍ مستقلّ لدراسته. إن هذا الفصل في الحقيقة عبارةٌ عن تقرير وتحليل لقسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من هذا الكتاب الضخم، ونعني بذلك كتابه (إحياء علوم الدين).

وقد تعرَّض هذا الكتاب منذ بداية صدوره إلى الكثير من موارد النقض والإبرام، بل هناك من المعارضين مَنْ أطلق عليه عنوان: «إماتة علوم الدين»! وعلى الرغم من ذلك تمكّن هذا الكتاب من تثبيت وترسيخ منزلته ومكانته في القرون اللاحقة، بل والتأثير على سائر التيارات الإسلامية الأخرى أيضاً. وإن وجود التلخيصات المختلفة لكتاب الإحياء، التي تصل إلى اثنين وعشرين تلخيصاً، وانتماء الملخّصين إلى مختلف المذاهب والمشارب، يكشف عن مدى أهمّية هذا الكتاب.

لقد عمد الغزالي في هذا الكتاب ـ بعد بيان أهمّية ووجوب فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ إلى شرح أركانها الأربعة، وهي: المحتسب، والمذنب، والمنكر، وكيفية الاحتساب، مع بيان رأيه التفصيلي في هذا الشأن. وبعد التقرير الدقيق الذي يقدّمه «كوك» لآراء الغزالي، وتأكيده على أصالة الطرح لديه، يأخذ عليه تشتيت النصوص وتفرُّقها، مذكِّراً بأنه كان من الأفضل للغزالي أن يستعين بمقوِّم للنصوص في إنجاز هذا الكتاب. أما البحث اللاحق لـ «كوك» فهو تقرير تراث الغزالي، وتأثير هذا الكتاب على الأجيال التي ظهرت بعد صدوره. وقد أثبت في هذا التقرير شدّة تأثُّر مختلف المفكرين والعلماء به، من خلال نقلهم لبعض آراء الغزالي أو جميعها أحياناً، مع ذكر اسمه تارةً ومن دون ذكره تارةً أخرى. وإن من بين الذين أعدّوا خلاصات لكتاب إحياء علوم الدين: أحمد الغزالي، ويحيى بن أبي الخير، ومحمد بن سعيد القريضي اليمني، وجمال الدين الخوارزمي، والصوفي البلالي. ولم يقتصر تلخيص الإحياء على العلماء من الشافعية فقط، بل تعدّاهم إلى العلماء من سائر المذاهب الأخرى، حيث عمدوا إلى تأليف كتب تضاهي كتاب الإحياء في ثقله، وفي الوقت نفسه مشبع بتراثهم الكلامي والفقهي. ويمكن لنا أن نذكر من بين هؤلاء: الطرطوشي (المالكي)، وابن الجوزي، وعلي القارئ (الحنبلي)، وإسماعيل بن موسى الجيطالي (الإباضي)، والمؤيّد يحيى بن حمزة (الزيدي)، والملاّ محسن الفيض الكاشاني (الشيعي). بل إن هذا التأثير لم يقتصر على المسلمين فقط، بل تعدّاهم ليصل «حتّى إلى المسيحيين أيضاً؛ حيث كتبوا روايةً عن هذا الكتاب أيضاً». وبتعبيرٍ أدقّ: نجد من بين النصارى غريغوريوس أبا الفرج ابن العبري(685هـ) ـ وهو من المسيحيين اليعاقبة ـ قد ألَّف بتأثيرٍ صارخ من كتاب (إحياء علوم الدين) كتاباً بعنوان (الإيثيقون).

إعادة صياغة هذه الفريضة في المرحلة الحديثة

الفصل السابع عشر يحتوي على «إعادة النظر في الإسلام الأوّل»، حيث يسعى إلى وضع الفصول الستة عشرة المتقدّمة، والتي تمّ ذكرها بشكلٍ متكرّر، والتي كانت تشوّش على القارئ أحياناً، ويضمّها إلى بعضها، ليعطي صورة متكاملة عن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولكنه في هذا الفصل، بَدَلاً من تكرار تلك الأبحاث أو تدوين فصلٍ مدرسي في باب العقائد، يعمد «كوك» إلى اختيار أربعة مواضيع محورية، ليعمل على شرحها وبسطها التاريخي والاجتماعي. وإن هذه المواضيع الأربعة عبارة عن: دراسة السياسات الحكومية تجاه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبيان علاقة النهي عن المنكر بالحياة الشخصية وخصوصيات الأفراد، والمنزلة الاجتماعية للنهي عن المنكر، ودور العلماء الخاصّ في هذه المسألة. وفي هذه المسألة الأخيرة، بعد البحث عن حصرية أو عدم حصرية هذه الوظيفة على العلماء، يخلص «كوك» إلى القول: «ربما أمكن القول: إن النهي عن المنكر كان في قسم طويل من التاريخ الإسلامي حِكْراً على العلماء فقط. ولكنْ على الرغم من عدم التنسيق هذا يكفي أن نسأل أنفسنا: كيف تمكّن العلماء من الحصول على هذا الحقّ الحصري؟ وهل يأملون في احتكار هذا الحقّ لأنفسهم في ظلّ الظروف الراهنة؟».

والقسم الخامس بعنوان: «ما وراء الإسلام التقليدي» يشتمل على ثلاثة فصول، ويسعى إلى التعريف بالاتجاهات التجديدية في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين مختلف المذاهب، والعمل على تقييمها.

 

مقارنة آراء الشيعة بآراء أهل السنّة

الفصل الثامن عشر تحت عنوان: «التحوّلات الإسلامية المعاصرة» يشتمل على ثلاثة أقسام. يسعى «كوك» هنا إلى بيان الاختلاف بين التعاليم الشيعية وتعاليم أهل السنّة في هذه المسألة. فعلى الرغم من أن الاختلاف بين مذاهب أهل السنّة في هذا الشأن غير مطروح بشكلٍ جادّ حالياً، إلاّ أن الشيعة لا يزالون محتفظين بهويّتهم. ففي الوقت الذي فقد تراث أهل السنّة جدوائيته في هذا الشأن، وتحوّل إلى مجرّد مسألة تاريخية، لا يزال التراث الفكري الشيعي متدفّقاً وحيوياً: «إن الاختلاف الذي نسعى إلى دراسته في هذا الفصل يرتبط إلى حدٍّ ما بالمصير غير المتكافئ بين هاتين المدرستين. إن ما وصلنا عن أهل السنّة قد تحوّل إلى موروث، وهو يشبه إلى حدٍّ ما الصرح أو المعلم التاريخي الذي يقدِّسه الناس، ولكنّهم في الوقت نفسه لا يريدون استعادته، والعيش ضمن دائرته. بعكس ما عليه المدرسة الإمامية، حيث يمكن القول: إنها لا تزال محتفظةً بحيويتها، وهي في ذلك مدينةٌ لجهود العلماء العاملين تحت ظلّ هذه الفريضة».

وهنا يعمل «كوك» قبل كلّ شيء على تقديم تقرير عن العلماء المتأخّرين لأهل السنّة من الذين قاموا بإعادة النظر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقاموا في هذا الشأن إما بإبداء أفكار جديدة أو عملوا على إعادة تدوير الأفكار القديمة ضمن قوالب عصرية. فعلى الرغم من وجود بعض الأشخاص الذين أعادوا ذات المناهج القديمة، دون اعتبار للمتغيّرات الجديدة في العالم المعاصر، من أمثال: الشوكاني، والآلوسي، والقنوجي، بَيْدَ أن هناك في الوقت نفسه مَنْ سعى إلى إضفاء حلّةٍ جديدة على أبحاث أبي حامد الغزالي، وعرضها على القارئ بثوبها الجديد، من أمثال: القاسمي، وسعيد حوّا، وعزّ الدين البيانوني، وعلي بلحاج، وخالد بن عثمان، وهم جميعاً من المدينين لتراث الغزالي. وفي الوقت نفسه سعى آخرون إلى تقديم تفسير عصريّ لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبَدَلاً من تكرار واجترار المفاهيم القديمة التي كانت تُعَدّ في وقتٍ ما من مصاديق المنكر، من قبيل: «حلق اللحية»، يتم العمل حالياً على تظهير البُعْد الاجتماعي لهذه الفريضة. ومن بين هؤلاء يمكن لنا أن نذكر محمد عمارة، الذي عَدَّ «الاشتغال بالأمور العامة» جزءاً من هذه الفريضة. إن هذه المشاركة في الأمور العامة تشمل تشكيل الأحزاب والنقابات وإصدار الصحف والجرائد أيضاً، وبذلك تتحوَّل فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى مسألة جوهرية بين هؤلاء الأشخاص. ومن بين الأبحاث الدائرة بين هؤلاء المجدّدين في مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو دور العنصر النَّسَوي في تطبيق هذه الفريضة، ويسعَوْن إلى إظهار المساواة بين المرأة والرجل في هذه المسألة من خلال الاستناد إلى القرآن والسنّة. وعلى هؤلاء الأشخاص أن يحلّوا مسألتين جوهريتين أخريين، وهما: أوّلاً: دَوْر الدولة في تطبيق هذه الفريضة. وثانياً: هل مرحلة الممارسة العملية ـ التي هي مضمون الحديث القائل بالمراتب الثلاث لهذه الفريضة ـ حقٌّ عام للجميع أم أنها حِكْرٌ على السلطات السياسية الحاكمة؟ في مقابل الذين قالوا بأن الممارسة العملية تقتصر على الدولة حفاظاً على الأمن، ذهب بعض المخالفين إلى القول بأن هذا الكلام يندرج في خانة البِدْعة، ولا يمكن عدّ أيّ مرتبةٍ من مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من اختصاص جماعة أو طبقة بعينها. وقد اتّخذت هذه المسألة ـ بالالتفات إلى اتساع رقعة التيارات الإسلامية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولا سيَّما في مصر والجزائر ـ شكلاً عملياً وملموساً بالكامل.

سياسة الشيعة في العصر الراهن والدولة الإسلامية الإيرانية

يختصّ القسم الثاني من هذا الفصل بـ «دراسة التحوُّلات في عقائد الشيعة الإمامية»، وبالتحديد في إيران. يرى «كوك» أن لدى الشيعة إدراكٌ جيد لأفكار أهل السنّة في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويستفيدون من ذلك في محلّه على نحوٍ جيّد، في حين أن فهم أهل السنّة لرؤية الشيعة المعاصرة ناقصٌ ومحفوف بالغموض، بل وخاطئٌ في بعض الموارد.

هناك ارتباطٌ وثيق بين مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنشاطات السياسية الأخيرة لعلماء الدين في إيران. لقد تطوَّر إحياء الإسلام بوصفه عقيدة سياسية في الفضاء الجديد عند الإمامية على امتداد جيلين، وأدّى ذلك إلى إعادة النظر في المسائل الدينية والترويج لتعاليمه السياسية. وكان علماء الدين في إيران هم الطلائع في هذا الأمر، رغم وجود بعض المؤثِّرين في هذه الساحة من غير علماء الدين أيضاً، ومن بينهم: المهندس مهدي بازرگان والدكتور علي شريعتي. لقد ادّعى أحد المحقّقين المعاصرين ـ واسمه أخوي ـ، في كتابه «الدين والسياسة المعاصرة في إيران»، أن المثقَّفين مقدَّمون على رجال الدين في ربط الدين بالسياسة. بَيْدَ أن «كوك» يخالفه الرأي في ذلك، ويقول: «إن الإحصائية التاريخية الموجودة أمامي لا تساعد على هذا الرأي. لقد طبع كتاب «الحدّ الفاصل بين الدين والسياسة»([13])، لمهدي بازرگان، في شهر دي سنة 1341هـ.ش. وقد سبقه إلى ذلك رجلان من علماء الدين (في سنة 1339هـ.ش)، حيث ألقيا محاضرات حول الأمر بالمعروف، وقد طبعت هذه المحاضرات لاحقاً في مجلة (گفتار ماه)[…]، وفي ذات الشهر الذي طبع المهندس مهدي بازرگان كتابه «الحدّ الفاصل بين الدين والسياسة» قام محمد بهشتي(1401هـ) بتأليف كتاب «بحث حول المرجعية وعلماء الدين»([14]) ـ المطبوع في طهران، سنة 1341هـ.ش ـ بتقديم بحثٍ مختصر عن الأمر بالمعروف بأسلوبٍ غير تقليدي». كما عمد «كوك» إلى التعريف بمصادر أخرى، وكلّها سابقة على كتاب بازرگان؛ ليستنتج من ذلك كله أن علماء الدين كانوا في طليعة المجدّدين في طرح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يقول كوك: «إن مفهوم النهي عن المنكر التقليدي عند الإمامية كان يبين التسليم السياسي المحدّد من جهتين»: إحداهما: اشتراط عدم وجود خطر على الناهي عن المنكر، فإذا كان هناك من خطرٍ يهدّد الناهي عن المنكر لا يرتفع وجوب النهي عن المنكر فقط، بل ترتفع فضيلته أيضاً. والجهة الأخرى: الحاجة إلى إذن الإمام عندما يؤدّي التطبيق العملي لهذه الفريضة إلى العنف. بَيْدَ أن علماء الدين المعاصرين في إيران أعادوا صياغة هذا المفهوم، بحيث يتّخذون منه وسيلةً للثورة على الشاه وإسقاطه، واستلام السلطة. «إن أبرز نقطة بشأن اشتراط الخطر تبدأ ببحثٍ حول النهي عن المنكر كتبه [الإمام] الخميني بنفسه». وفي هذا البحث، بَدَلاً من إطلاق أصل الخطر، يتمّ بحث مسألة الأولوية، ومنطق الأهمّ فالأهمّ، ويتم التأكيد على أهمية موضوع المنكر، وفي بعض الموارد حيث يتعرّض أصل الإسلام للخطر لا يبقى هناك موضعٌ لاشتراط عدم وجود الخطر في وجوب النهي عن المنكر، وقال في هذا الشأن: في مثل هذه الموارد يجب النهي عن المنكر، ولو بلغ ما بلغ. وهنا لا يكتفي «كوك» بمؤلَّفات الإمام الخميني فقط، وإنما يبحث في آراء غيره من فقهاء الشيعة، ويبين تطوُّر هذا الشرط عندهم. وبعد الفقهاء يتناول علماء الدين الذين قدّموا نظريات في هذا المجال، ومن بين هؤلاء: أحمد طيبي شبستري، الذي يرى فيه «كوك» شخصية جديرة بالاهتمام، فإن الكتاب الصاخب الذي ألَّفه حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد طبع بعد وفاته، وكان مؤثّراً من جهاتٍ متعدّدة. إنه بتأثير من الاندفاع والحماس الثوري لا يعمد في هذا الكتاب إلى تحليل اشتراط عدم وجود الخطر. إن كتباً من هذا النوع تثبت أن علماء الشيعة قد أعادوا النظر في الرؤية التقليدية لاشتراط عدم وجود الخطر.

أما المورد الثاني فهو مسألة وجوب الإذن في الموارد التي تؤدّي إلى استخدام العنف. وفي هذه المسألة يبدأ «كوك» بحثه من الإمام الخميني، وبيان رأيه، ويمضي بالبحث قُدُماً. إن الإمام الخميني من خلال تأكيده على ضرورة إذن الإمام المعصوم في هذه المرتبة يحلّ محله المجتهد الجامع للشرائط في عصر الغيبة، حيث يمكنه أن يملأ فراغه في هذا المقام. وإن العلماء المعاصرين للإمام الخميني في هذا المورد «أقلّ صراحة منه؛ فإن [السيد] الخوانساري يتحدّث عن إذن الإمام [المعصوم] فقط؛ و[السيد] الخوئي يتحدّث عن الاستئذان، ويقصر المراتب العليا من العنف على الإمام أو نائبه؛ وأما [السيد] الكلبايكاني فيرى وجوب إذن الإمام؛ وأما [السيد] الشيرازي فيرى وجوب إذن الحاكم الشرعي عندما يبلغ الأمر إلى القتل».

أما الإبداع والتجديد الآخر في الفكر الشيعي بهذا الشأن فهو الالتفات إلى ضرورة إيجاد مؤسّسة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتجنُّب السلوك الفردي في هذه الفريضة. قال الشهيد المطهري في كلمةٍ له ألقاها سنة 1339هـ.ش: «في العصر الراهن لا جدوى من السلوك المنفرد، ولا بُدَّ لتحقيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من التعاون والمشاركة الجماعية». يرى «كوك» أن هذا التأكيد من قِبَل الإمامية على صورة وجود مؤسّسة تنظم هذه الفريضة «شبيهٌ جدّاً بمنهج أهل السنّة، غاية ما هنالك أن مكمن الفرق في أن الإمامية قد انطلقوا في تأكيدهم هذا من تدارك المبنى الفكري عن طريق إيجاد التحوّل في تراثهم العلمي»، وبعبارةٍ أخرى: إنهم أعادوا التفكير في الشرائط السائدة في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي في شرط العلم، والتأثير، وعدم الخطر. ثم يعمد «كوك» إلى فتح كوّة في الجدار التاريخية لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث يبدأ من الدستور ودراسة وتحليل المواد الواردة فيه بشأن هذه الفريضة. وبذلك فقد تحوَّل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى أداةٍ بيد السلطة، وبذلك صار الأمر يشبه ما عليه واقع الحال في المملكة العربية السعودية. ولكنْ «حيث تعتبر إيران من الناحية الثقافية أغنى من المملكة العربية السعودية، حيث تتمتّع إيران بهامش أكبر من الحرّية، يكون وضع هذه الفريضة في إيران أفضل منه بكثير في السعودية، ولذلك نجد الكثير ممّا يمكن قوله في إيران بشأن منظومة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». ثم نقل «كوك» نموذجاً من تلك الاستفتاءات التي طُرحت على الإمام الخميني في بداية الثورة، وبيَّن تداعياتها، وحالياً خفّتْ جذوة ذاك الفضاء الملتهب، وقلّ طرح الأسئلة من هذا النمط. «ثم أشار إلى موقع ودور المرأة في تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يرى «كوك» أن أغلب علماء الشيعة يستندون إلى الآية 71 من سورة التوبة في استنتاج أن النساء مكلَّفات بدورهنّ بأداء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أيضاً: «إن المفسّرين من الأمامية أكثر تأكيداً من زملائهم من أهل السنّة على هذا الجزء من الآية. وبعد دراسة آثار خمسة عشر عالماً من مفسّري القرآن من الإمامية تبيّن لنا أن خمسةً منهم يذهبون إلى هذا الرأي». وبعد نقل وتحليل وضع المرأة من ناحية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يختم «كوك» بحث الشيعة. وفي القسم الثالث من هذا الفصل يجري مقارنة بين آراء العلماء والمفكّرين المعاصرين من أهل السنّة والشيعة في هذا الشأن.

يقول «كوك»: «يندر أن ترى بين الكتّاب من أهل السنّة أثراً لوَعْيهم وإدراكهم لنظريات الإمامية، فضلاً عن الشوق الشامل منهم». وهذا ما لا نراه عند الشيعة؛ إذ «نجد، بعكسهم، أن أغلب علماء الإمامية على استعدادٍ تامّ للاستفادة من مصادر أهل السنّة». والشاهد على هذا المدّعى ترجمة الآثار التفسيرية لأمثال: سيد قطب من قِبَل علماء الشيعة. وبعد ذلك يشير «كوك» إلى المسالك المشابهة بين الشيعة وأهل السنّة المعاصرين، من قبيل: الإقبال على السياسة، وإعادة صياغة مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مبيِّناً نقاط القوّة والضعف في كلٍّ منهما. «إن عالم أهل السنة محيّر ومختلف عن المجتمعات الشيعية جدّاً؛ إذ لا تجد بلداً يتمتّع بسياسة طليعية في هذا المجال». ثم يعمل على مقارنة هذا الوضع بفترة حكم الشاه، وموقف الإمام الخميني منه. يرى «كوك» أن نقطة الالتقاء الرئيسة بين الشيعة وأهل السنّة في مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تكمن في الانسجام التنظيمي، ومع ذلك كلّه «هناك اختلاف كبير في هوية المنظمين. ففي دائرة الإمامية يلعب علماء الدين دَوْراً محورياً في هذه المؤسسة، في حين يتمتّع علماء أهل السنّة في هذا الشأن بدَوْر هامشي جداً».

أما الأمر الآخر الذي قلّما نجده في مباحث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو مسألة الاهتمام بالخصوصية وحرمة الحياة الشخصية للأفراد، حيث لا نرى اهتماماً كبيراً بها من قبل أهل السنّة، ولا من الشيعة. وبطبيعة الحال «هناك استثناءٌ رئيس في هذا الشأن، رغم أن الكاتب مورد البحث قد تأثّر كثيراً بالشيخ المطهري، ولا يُعَدّ كتابُه كتاباً استثنائياً. إن من بين الكتب العديدة التي كتبها الشباب من طلبة العلم كتابٌ ألّفه السيد حسن إسلامي الأردكاني، فقد ألّف هذا الكتاب بكفاءةٍ عالية، وطبع طبعة قشيبة»، ثم قام «كوك» بتشريح هذا الكتاب([15]) ورأي كاتبه (صاحب هذه السطور). لقد بدأ المؤلّف كتابه هذا بحادثةٍ عن الخليفة الثاني وتجاهله الحريم الخاص والحياة الشخصية للمسلمين، وهي الحادثة التي نجدها في مختلف مصادر أهل السنّة، بما في ذلك مؤلّفات أبي حامد الغزالي أيضاً. ثم يعمل على بسط البحث، مبيِّناً آلية وموقع فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليتعرَّض إلى مسائل أخرى، من قبيل: الحِسْبة وأسباب انحسارها في المجتمع الإسلامي، ليختم هذا الكتاب ببيان آداب هذه الفريضة. لقد خصّص «كوك» ما يقرب من سبع صفحات لدراسة وتحليل هذا الكتاب، ليختم هذا الفصل من الكتاب قائلاً: «إن السيد حسن الإسلامي الأردكاني ـ بطبيعة الحال ـ لا يبيِّن الثقافة المذهبية الغالبة في إيران. ولكنْ قد يكون له تأثيرٌ كبير على الطبقة المثقّفة من الناس. وربما أمكن بيان معنى هذه المطالب للمستقبل ببعض الجمل الشرطية، لو قُدِّر أن يبقى عن المجتمع المدني تصوُّر عالمي مناسب، ولو قُدِّر لإيران ـ وغيرها من البلدان الإسلامية ـ أن تنحو نحو المجتمع المدنيّ بشكلٍ محسوس، ولو قُدِّر أن يتمّ ذلك تحت ظلّ الإسلام، وعندها يمكن لآراء السيد حسن الإسلامي الأردكاني بشأن النهي عن المنكر أن تساعدنا على تكوين تصوُّر عن هذا التحوّل».

في البحث عن الجذور

والفصل التاسع عشر يبحث في «مصادر وجذور وتقييمات» فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فهل يمكن العثور على جذورٍ لهذه الفريضة في الجاهلية أو خارج الدين الإسلامي؟ عمد «كوك» إلى البحث التفصيلي في المصادر الإسلامية القديمة والجاهلية. على الرغم من وجود مفردة المعروف والمنكر في العصر الجاهلي أيضاً، حيث نشهد معاهدة وميثاقاً باسم حلف الفضول، وقد كان رسول الله قبل البعثة واحداً من أعضائه، بَيْدَ أن مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشكلٍ خاصّ إنما ظهر للمرّة الأولى في القرآن والسنّة النبوية، وهذا من مبتكرات الإسلام. ولكنْ ما الذي يمكن قوله بشأن الأديان الأخرى؟ فهل يوجد ما يشبه هذه الفريضة في الأديان الأخرى؟ وهنا يعمل «كوك» في البداية على مقارنة هذه الفريضة بما يمكن مشاهدته من الموارد في الأديان السماوية، من قبيل: اليهودية؛ والمسيحية. وبعد تحليل النصوص الإيمانية الدينية والتاريخية في هاتين الديانتين يستنتج قائلاً: «لا وجود في المسيحية السريانية قبل الإسلام لشيءٍ يمكن مقارنته به»، بل بعكس ذلك تماماً يمكن القول من خلال دراسة بعض المؤسّسات الدينية المسيحية باحتمال أن تكون المسيحية في هذا الشأن قد تأثَّرت بالإسلام. بَيْدَ أن «كوك» لا ينفي هذا الاحتمال الذي قدَّمه بعض المختصين في الشأن الإسلامي، حيث سعَوْا إلى العثور عن جذور للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في اليهودية. ومع ذلك فإنه يميل في نهاية المطاف إلى ترجيح أن يكون لهذه الفريضة جذورٌ إسلامية مستقلّة، ليصل بعد استعراض بعض المسائل إلى النتيجة القائلة: «ويمكن لهذا بدوره أن يكون مؤيّداً للنظرية القائلة بأن المفهوم الإسلامي لهذه الفريضة قد تمّ إبداعه بشكلٍ مستقلّ عن الأفكار اليهودية التي سبق أن وقع البحث فيها».

ثم أخذ «كوك» يبحث هذه الفريضة في الأديان غير التوحيدية، مثل: الهندوسية، والطاوية، والزرادشتية، والكونفوشيوسية. وبعد الإشارة إلى بعض أوجه الشبه يرجّح ترك هذا البحث برمّته؛ إذ يمكن احتمال أن تكون جميع هذه الأديان قد أخذت هذه الفريضة من منشأ واحد: «وبالتالي يجب أن نتجاوز مسألة الجذور دون التوصل إلى نتيجة». بَيْدَ أن هذا الكلام لا يعني الرضوخ لتجاهل حقيقةٍ واضحة؛ إذ لا نجد ديناً مثل الإسلام في التأكيد على هذه الفريضة بمثل هذه الأبعاد والتصريحات الدقيقة.

والفصل العشرون يمثّل نهاية هذا الكتاب، ويختصّ بـ «خاتمة» هذا البحث، ومحوره يدور حول دراسة وتحليل افتقار الثقافة الغربية لهذا المفهوم. لا وجود في الثقافة الغربية الراهنة لشيءٍ يعبِّر عن مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. نعم، هناك شيء باسم «الإغاثة» أو «الإنقاذ» و«النجدة»، إلاّ أن هذه المفاهيم لا تكون إلاّ إذا اقترن الجرم بوجود ضحيةٍ ومجنيّ عليه. وأحياناً ربما تمّ تقديم العون والمساعدة لشخصٍ إذا طلب ذلك. بَيْدَ أن هذه المسألة أخصّ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إن هذا الاختلاف الرئيس بين الرؤية الغربية والإسلامية يؤدّي بنا إلى بحثٍ أعمق، وهو الصراع بين العقيدة الإلهية والعقيدة المادية: «وبطبيعة الحال فإن ذلك يفضي بنا إلى المسألة الأساسية المتمثّلة بالنزاع بين عقيدتين: منزلة الإله، إذا كان لمثل هذه المنزلة من وجود في الشؤون الإنسانية». وبهذه الإشارة المغلقة يتخلّى «كوك» عن مواصلة البحث، ويختم رحلته الفكرية الطويلة.

وقد عمد «كوك» بعد ذلك في عام 2003م ـ طبقاً لمعطيات هذا الكتاب، وحذف الإيضاحات الفنية والإحالات التفصيلية ـ إلى إخراج طبعةٍ من هذا الكتاب لغير المتخصّصين، تحت عنوان: «النهي عن المنكر في الإسلام»، من 185 صفحة([16]).

إن هذا الكتاب ـ على حدّ تعبير مؤلِّفه في المقدّمة ـ إنما هو قسمٌ من ذاك الكتاب، بعد حذف مسائله الفنّية، وتدوينه بشكلٍ مفهوم لعموم القرّاء. وقد أشار المؤلف في مقدّمة هذا الكتاب إلى أنه قد تجنَّب في هذا الكتاب ذكر الإحالات التفصيلية والأساسية الواردة في الكتاب السابق، مع تنظيم ذات الأبحاث بشكلٍ يسهل الوصول إليه، وأعداده لغير المختصّين (non-specialists).

خصائص الكتاب

إن الكتابة حول هذا الكتاب وتقييم أداء الكاتب في تأليفه لهذا الكتاب في غاية الصعوبة والبُعْد عن الإنصاف؛ إذ من الصعب بمكانٍ أن تعمل على تقييم منجزٍ استغرق من صاحبه خمس عشرة سنة كاملة خلال سويعات في بضعة أسطر. وإنما يشتدّ هذا الأمر تعقيداً عندما ندرك عدم وجود صفحة واحدة في هذا الكتاب تخلو من الإحالات الكثيرة، فلا وجود لمدَّعى إلاّ وله عليه دليلٌ. وبالمناسبة فإن ذات هذه الإحالات المتكرّرة يمكن اعتبارها نقداً لهذا الكتاب. وعلى أيّ حالٍ فإن القراءة في حدّ ذاتها مقرونة بالحكم، وإن الذي يقرأ كتاباً بتمعُّنٍ واجتهاد يجيز لنفسه أن يبدي رأيه الخاصّ بعد الفراغ من القراءة، ويأتي حكم كاتب هذه السطور على هذا الكتاب من هذه المقولة. ولكنّ من الأفضل أوّلاً أن نقدّم المزايا العامة لهذا الكتاب:

أـ التتبُّع: إن أهم ما يميِّز هذا الكتاب هو التتبُّع الشديد، والمذهل أحياناً. فقد عمد المؤلِّف إلى الاستفادة من كلّ مصدرٍ من شأنه أن يعينه في تطوير بحثه، ابتداءً من كتاب «المغني» لابن قدامة إلى صحيفة «نيويورك تايمز»، ومن كتب الاستفتاء والرسائل العملية للفقهاء المعاصرين إلى كتاب «الإيثيقون» لمؤلّفه غريغوريوس أبي الفرج ابن العبري المسيحي. ولم يقُمْ بذلك على نحوٍ عشوائي أو عبثي، وإنما ضمن سبكٍ منظوم، وحبك متناغم. وقد تنوَّعت مصادره على المستوى الكمّي والكيفي، كما تنوَّعت من حيث انتمائها إلى مختلف الدوائر والاتجاهات. فهناك ما يتعلّق منها بشمال أفريقيا، وهناك منها ما ينتمي إلى إيران في آسيا. وكان له مسيرةٌ تاريخية تدعو إلى التأمّل في الحصول على مصادره، وقد حصل على المصادر الجوهرية بشكلٍ يدعو إلى الثناء والإعجاب؛ فتجده تارةً لكي يدرس موضوعاً ما يبحث في سبعة عشر تفسيراً سنّياً؛ ولكي يفهم مسألة ما يجول في خمسة عشر تفسيراً شيعياً. وتبدي هذه الدقّة نفسها عندما ينظر في الرسائل العملية، ويقول مثلاً: «ورد وصف هذه المسألة في هذه الرسالة العملية بـ (الأهمّ)، في حين لا نجد هذا الوصف في الرسائل العملية الأخرى». إن هذا البحث والتتبُّع المتواصل، دون كلل ولا ملل، يمثّل درساً وعبرة للمحقّقين.

ب ـ الأمانة: لا يرى المؤلِّف ـ في استخلاص النتائج والعبر، وإثبات وجهة نظره وفرضياته ـ حاجةً إلى وضع وتحريف النصوص، وله من الشجاعة التي ينقل معها النصوص المتقدّمة بأمانةٍ، وحتى إذا كان هناك تدخُّلٌ أو تصرّف من قبل المصحّحين أشار على القارئ بذلك.

ج ـ التحليل: لم يكتفِ المؤلّف بمجرّد جمع وتتبُّع النصوص والمواد الخامّ أو المعلومات، وإنما يعمل على توظيفها للوصول إلى الهدف المنشود، مسجّلاً بذلك قدرته التحليلية بكفاءةٍ.

د ـ الإنصاف: إن لدى المؤلّف إحاطة بالمصادر ومكانتها التاريخية، ويعمل على توظيف هذه الإحاطة بشكلٍ صحيح. ومن ذلك ـ على سبيل المثال ـ: إنه بالرغم من أن «الأستاذ أخوي» يدعي أن المفكّرين من غير علماء الدين متقدّمون عليهم في مجال تسييس الدين [بالمعنى الإيجابي]، إلاّ أنه من خلال رواية المصادر المتقدّمة تاريخياً على كتاب المهندس مهدي بازرگان يثبت خلاف هذا المدّعى.

كما أنه من خلال إحالاته المتكرّرة إلى المعاصرين له يقدِّم شكره لأولئك الذين ساعدوا على تطوير تحقيقه بشكلٍ وآخر، وينقل رأي المخالفين له بأمانةٍ، ويقدِّم النظريات البديلة، ويبقي باب البحث مفتوحاً للأجيال القادمة من المحقّقين، وبذلك يقدّم مثالاً صالحاً لغيره من الباحثين.

ومع كلّ هذه المزايا لا يخلو هذا الكتاب من بعض الهَنَات، التي تعرّض القارئ إلى العَنَت. ويمكن بيان هذه العيوب ضمن النقاط القليلة التالية:

أـ الخوض في الجزئيات، وتجاهل الكلّيات: يعمل «كوك» في بعض الموارد إلى إغراق القارئ في التفاصيل التاريخية، بحيث يفقده الخيط الرئيس لصلب الموضوع. فعلى سبيل المثال: نجده يذكر جميع تفاصيل المنطقة التي كان يسكنها أحمد بن حنبل، وعدد الحجرات في بيته، وجيرانه، وحتّى عدد المستأجرين أيضاً. ونلاحظ ذلك الشيء عند نقله لحكاية صائغ مَرْو، وما إلى ذلك من المسائل الأخرى، حيث يتمّ نقل جميع هذه التفاصيل بدقّةٍ متناهية، مع ذكر مصادرها ومظانّها، وكأنه لا يختلف عنده الأمر بين الأبحاث الرئيسة للكتاب ومسائله التمهيدية والهامشية.

ب ـ تشغل الإحالات والإرجاع إلى المصادر ما يقرب من نصف صفحات الكتاب. إن هذه الإحالات الكثيرة والمتكرّرة ـ التي قد نرى لها حتّى إحالتين في سطرٍ واحد لذات المصدر ـ تمثّل سيفاً ذا حدّين؛ فهي من ناحيةٍ تعبِّر عن الدقّة المتناهية التي يتمتّع بها «كوك»، فهو على سبيل المثال يشير في الفصل الاستهلالي من كتابه إلى الكثير من المصادر في بيان سيرة وآراء ونسب صائغ مَرْو ـ الذي قُتل على يد أبي مسلم الخراساني؛ بسبب أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ـ، وهو أمرٌ ينطوي على الكثير من الفوائد. وإنّ أكثر من نصف هذا الفصل، الذي يستغرق ثمان صفحات، مخصّصٌ لنقل الإحالات من هذا القبيل، حيث تمّت الإحالة في هذا الفصل إلى ما يقرب من مئة مصدر. إن هذه الظاهرة التي نجدها في الكتاب ـ ولا سيَّما إذا أخذنا بنظر الاعتبار عدم توفّر الأقراص المدمجة المشتملة على المصادر لدى الباحثين ـ تعكس بوضوحٍ عمق الجهد المبذول من قِبَل المؤلِّف، كما تعكس دقّته العلمية المتناهية في هذا الشأن؛ بَيْدَ أن هذه المسألة من ناحيةٍ أخرى ذات حدٍّ سلبي، يقطع سلسلة أفكار القارئ بمناسبة وغير مناسبة. وفي الفصل التمهيدي الذي كان يمكن التقدُّم به دون حاجةٍ إلى الإكثار من الإحالات يجد القارئ صعوبةً في التركيز على صلب الموضوع. فكان بالإمكان إنهاء هذا الفصل بمجرّد الإشارة إلى حادثة مقتل الصائغ، دون أن يلحق ذلك ضرراً بالقيمة والوزن العلمي للكتاب. ولكنّه بَدَلاً من ذلك يبالغ في هذا الفصل في ذكر أصله ونسبه، وعلاقته بالسلطة الأموية، وردّة فعل أبي حنيفة وموقفه من مقتله، ومحلّ سكناه، وما إلى ذلك من التفاصيل المملّة، ومصادر هذه المعلومات، التي يبدو أن أبرز خصائصها تكمن في التنكيل بالقارئ، وعرقلة سلسلة أفكاره، وإعاقته عن متابعة البحث.

ج ـ ذكر المدّعيات من دون إحالات: وعلى الرغم من ذلك كلّه نجد «كوك» في بعض الموارد التي تمسّ فيها الحاجة إلى ذكر المصادر يتّجه ـ على خلاف عادته وقاعدته العامة ـ إلى عدم ذكر حتّى مصدرٍ واحد على ما يدّعيه هناك. فعلى سبيل المثال: في قوله: «في الوقت الذي يميل الزيدية إلى الاتجاه العملي يجنح الإمامية نحو التسليم والرضا» لا يذكر المصدر أو المصادر التي تثبت هذا المدّعى لمواصلة بحثه.

د ـ غياب الثورة الحسينية: على الرغم من أن الثورة الحسينية تشكّل في التفكير الشيعي المعاصر حجر الزاوية لمفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى أن بعض الباحثين يؤكّد على الدَّوْر الجوهري لهذه الفريضة في ثورة سيد الشهداء، ولا يحلِّل هذه الثورة إلاّ من خلال هذا المنظار، بل ويعتبرها المفتاح إلى فهمها، نجد «كوك» لا يوليها ذلك الاهتمام الكافي، ويتجلّى منه ذلك بالتحديد عند بحثه لرؤية الشيعة بشأن هذه الفريضة.

أما الكلمة الأخيرة التي يجب أن تُقال فهي: إن هذا الكتاب ينبغي قراءته وإعادة قراءته من عدّة جهات، ويجب أن نتعلّم منه فضيلة المتابعة والتحقيق وطرح المسائل، ويجب عدم اعتبار الملاحظات المتقدّمة نقصاً جوهريّاً في مثل هذا الكتاب الضخم.

الهوامش

(*) باحثٌ في الحوزة والجامعة، وأستاذٌ في جامعة الأديان والمذاهب في إيران.

([1]) Michael Cook.

([2]) Early Muslim Dogma.

([3]) Quran: A Very Short Introduction.

([4]) Forbidding Wrong in Islam.

([5]) أجد من المناسب هنا أن أتقدّم بالشكر الجزيل لكلٍّ من السادة: قاسم جوادي، ورسول جعفريان، حيث وضعا نسخةً من هذا الكتاب تحت تصرُّفي. ومشخّصات هذا الكتاب بالإنجليزية على النحو التالي:

Michael Cook, Commanding Right and Forbidding Wrong in Islamic Thought, Cambridge University Press, 2000, 700 pages.

([6]) The three modes tradition.

([7]) positive tendency.

([8]) أبو بكر بن الخلال، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 1: 66.

([9]) وهذه الفلسفة تشبه الحكاية التي يذكرها سعدي الشيرازي في الباب الأول من گلستان، على النحو التالي: (سأل أحد سلاطين الجور عالماً: ما أفضل العبادات التي يمكن أن أقوم بها؟ فقال له: نومك في النهار؛ كي يكون العباد منك في راحةٍ. ثم أنشد قائلاً ما مضمونه بالعربية: (رأيتُ ظالماً نائماً في وضح النهار… فقلتُ: هذه الفتنة نائمةٌ، لعن الله مَنْ أيقظها).

([10]) هو الإمام أحمد بن الحسين بن أبي هاشم الحسيني قوام الدين مانكديم. ومانكديم يعني (وجه القمر)؛ لحسن وجهه. وهو من ذرّية عمر الأشرف.

([11]) الحاكم الجشمي أبو سعد المحسن بن محمد الجشمي البيهقي (ولد سنة 413هـ)، واختلف في نسبته إلى الجشمي، هل هي إلى بلدة (جشم)، من ضواحي بيهق، أم إلى قبيلته (جشم)؟

([12]) محمد بن عليّ بن الطيب أبو الحسين البصري المتكلّم المعتزلي(436هـ).

([13]) عنوانه بالفارسية: (مرز ميان دين وسياست).

([14]) عنوانه بالفارسية: (بحثي در باره مرجعيت وروحانيت).

([15]) السيد حسن إسلامي، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نشر خرّم، قم، 1375هـ.ش.

([16]) خصائص هذا الكتاب على النحو التالي:

Michael Cook, Forbidding Wrong in Islam, Cambridge University Press, 2003, 185 pages.

الكاتب د. السيد حسن إسلامي

د. السيد حسن إسلامي

مواضيع متعلقة

اترك رداً