حجِّية الظنّ في أصول الدين

25 فبراير 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
3٬533 زيارة

حجِّية الظنّ في أصول الدين

د. الشيخ مهدي الكاظمي(*)

مقدّمة

إن لزوم تحصيل العلم والمعرفة في المسائل الاعتقادية من الركائز التي قد يُدّعى أنها مجمَعٌ عليها. فقد اشتهر بين فقهاء الإمامية لزوم تحصيل اليقين لا عن تقليدٍ في المسائل العقائدية، فيجب تحصيل اليقين في هذه المسائل عن طريقٍ معتبر، فلا يجوز العمل بأخبار الآحاد في هذه المسائل. كما أنه لا يجوز التقليد فيها، ولا يجوز الاعتقاد عن طريق أمورٍ غير معتبرة شرعاً، كالمنامات والاستخارة، هذا من جهةٍ.

ومن جهةٍ أخرى لا يكفي تحصيل الظنّ في المسائل الكلامية، سواء كان هذا الظن ناشئاً من النظر والاستدلال، كما إذا كان الدليل هو خبر الواحد أو ظواهر الآيات أو الإجماع أو…، أو غير ناشئ منه، كما إذا كان الظنّ ناشئاً من تقليد مجتهدٍ أو من البيئة الدينية التي نشأ فيها.

فالسؤال الذي يطرح نفسه هاهنا: ما هو الدليل على هذا الأمر؟ فهل يجب تحصيل اليقين في أصول الدين؟ وهل يجب أن يكون ناشئاً من الأدلة المعتبرة؟ وهل يجوز الاكتفاء بالظنّ في أصول الدين أم لا؟

ولم تكُنْ هذه المسألة مطروحةً بشكلٍ مفصَّل في كتب الإمامية، فلم يتعرض العلماء الإمامية إلى تفاصيل هذه المسألة إلاّ بصورةٍ عابرة في الكتب الكلامية([1]) أو بعض الكتب الأصولية([2]). فأول مَنْ تطرَّق إلى تفاصيل هذه المسألة بشكلٍ مبسَّط (حَسْب علمنا) هو الشيخ مرتضى الأنصاري&، في كتابه «فرائد الأصول»، بعدما تعرَّض لمسألة الانسداد، وتبعه في بيان تفاصيل هذه المسألة وأخذ جوانبها بعين الاعتبار أكثر المحشّين على هذا الكتاب، ولا سيَّما الميرزا مهدي الآشتياني، في كتابه بحر الفوائد. وبعد ذلك تعرَّض إلى بعض جوانب هذه المسألة المحقِّق الخراساني في كفاية الأصول، وتبعه أيضاً المحشُّون على هذا الكتاب. ولأهمية هذه المسألة في منظومتنا العقائدية يجب البحث عن جوانب هذه المسألة. فيقع الكلام في مرحلتين:

أـ لزوم تحصيل اليقين أم الاكتفاء بالظنّ في أصول الدين، أي هل تحصيل المعرفة اليقينية واجبة في أصول الدين أم يكفي الظنّ؟

ب ـ تحديد مصادر الاعتقاد في أصول الدين، أي هل تنحصر المصادر في الأمور التي تورث القطع، كالآيات والأخبار المتواترة، أم يشمل خبر الواحد والتقليد وكل ما يورث الاطمئنان؟

المرحلة الأولى: هل يجب تحصيل اليقين في أصول العقائد أم يكفي الظنّ؟

يقع الكلام ضمن عدّة جهات:

الجهة الأولى: الوجه في وجوب تحصيل المعرفة

قد اشتهر بين المتكلِّمين وجوب معرفة الباري تعالى، بل ادّعى بعضهم إجماع الأمّة على ذلك([3]). ولكنهم اختلفوا في طريقه؛ فالإمامية والمعتزلة سلكوا الطريق العقلي لإثباته؛ والأشاعرة أثبتوه بطريق النقل.

فاستدلّ الأوّلون على قولهم بوجهين:

الأوّل: إنّ معرفة الله دافعة للخوف الحاصل من الاختلاف، ودفع الخوف حسن بالضرورة([4]). توضيحه: ذهب الإلهيون إلى أنّ العالم وما فيه مخلوق لله سبحانه، ويدّعون أنّ لله سبحانه سفراء وأنبياء حوَّل إليهم بيان وظائف العباد في أبعاد مختلفة، وإنّ في مخالفتهم مضاعفات وعقوبات. وحيث إنّ الإنسان يحتمل جدّاً صدق مقولتهم فيبعثه عقله إلى وجوب معرفته ومعرفة سفرائه، ويحسنه، كما يزجره عن ترك المعرفة، ويقبِّحه. فإذا أعمل نظره وتفحَّص عن الواقع فقد أمن من الضرر المذكور قطعاً، وتستريح نفسه من الخوف جَزْماً، فإنه إن أدّى إلى الحقّ فبها، وإلاّ فهو مأمونٌ معذور.

الثاني: لزوم شكر المنعم.‏ فلا شَكَّ أنّ حياة الإنسان رهنُ النِّعَم التي يعيش فيها، فليس مصدر النِّعَم هو نفسه، بل شخص آخر، هذا من جانبٍ؛ ومن جانبٍ آخر إنّ العقل يدفع الإنسان إلى شكر مَنْ أحسن إليه، ولا يصحّ الشكر إلاّ بمعرفته؛ ليكون الشكر بما يناسب حال المنْعِم، فينتج وجوب معرفته عقلاً([5]).

وبما أن المعرفة متوقِّفة على النظر وجب النظر الذي هو الفِكْر، وهو عبارة عن ترتيب أمور ذهنيّة يتوصَّل بها إلى معرفة شي‏ءٍ آخر([6]).

ثم لا شَكَّ أن هذا الوجوب غيريٌّ، لا نفسيّ، فلا دليل على وجوب النظر في وجوب الواجب بما هو واجبٌ أو خالق أو غير ذلك من الحيثيات؛ إذ لا حكم للعقل بذلك، ولا سبيل للشرع وتعبُّده إليه بلا شَكٍّ. ويشهد لذلك رواية حمّاد بن عبد الأعلى «قال: قلتُ لأبي عبد الله×: أصلحك الله، هل جعل في الناس أداةً ينالون بها المعرفة؟ قال: فقال: لا، قلتُ: فهل كلِّفوا المعرفة؟ قال: لا، على الله البيان، لا يكلِّف الله نفساً إلاّ وسعها، ولا يكلف الله نفساً إلاّ ما آتاها»([7]). فلعلّ المراد بنفي التكليف بالمعرفة هو التكليف الابتدائي العقلي.

الجهة الثانية: وجوب تحصيل المعرفة غيري

ذكرنا أن وجوب النظر وجوبٌ غيريّ؛ لغرض تحصيل المعرفة. ثم هل وجوب تحصيل المعرفة أيضاً وجوب غيريّ؛ لغرض الاعتقاد وعقد القلب عليها، أم هو وجوب نفسيّ؟

اختلفت المذاهب الإسلامية في تفسير الإيمان والمعرفة([8])؛ فزعم بعضهم أن الإيمان هو نفس المعرفة. فالإيمان بالله هو المعرفة بالله وبرسله وبجميع ما جاء من عند الله فقط، وإن ما سوى المعرفة من الإقرار باللسان والخضوع بالقلب والمحبّة لله ولرسوله والتعظيم والخوف منهما والعمل بالجوارح ليس بإيمان([9]).

وفي المقابل أطبق علماء الإمامية على فساده. فذكر أبو الحسن الأشعري: «واختلفت الروافض في الإيمان ما هو؟… جمهور الرافضة يزعمون أن الإيمان هو الإقرار بالله وبرسوله وبالإمام وبجميع ما جاء من عندهم، فأما المعرفة بذلك فضرورة عندهم، فإذا أقرّ وعرف فهو مؤمنٌ مسلم، وإذا أقرّ ولم يعرف فهو مسلمٌ، وليس بمؤمن‏»([10]). فليست المعرفة منفكّةً عن الاعتقاد، ومنفصلةً عن الإيمان القلبي، بل هي عبارة عن علمٍ مقرون بالاعتقاد. والدليل على ذلك([11]) أن أهل الكتاب كانوا يعرفون نبوّة نبينا محمد|، كما كانوا يعرفون أبناءهم، حيث أخبر الله تعالى عنهم بذلك، مع القطع بكفرهم؛ لعدم التصديق([12])؛ ولأن من الكفار مَنْ كان يعرف الحقّ وينكره عناداً واستكباراً، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ﴾ (النمل: 14).

مضافاً إلى أن الروايات التي تحثّ على تحصيل المعرفة ظاهرة في أن المعرفة مقدمة للاعتقاد، فليست المعرفة بما هي هي مطلوبة.

ومن تلك الروايات: مارواه سليم بن قيس، عن أمير المؤمنين×: «إنّ أدنى ما يكون به العبد مؤمناً أن يعرِّفه الله تبارك وتعالى إيّاه فيقرّ له بالطاعة، ويعرّفه نبيّه فيقرّ له بالطاعة، ويعرِّفه إمامه وحجَّته في أرضه وشاهده على خلقه فيقرّ له بالطاعة»([13]). وهي صريحةٌ في أن المعرفة مقدّمة للطاعة، والطاعة (كما ذكره أهل اللغة) هي الإذعان والانقياد([14]).

ومنها: ما رواه الفتح بن يزيد، عن أبي الحسن×، قال: سألتُه عن أدنى المعرفة؟ قال: الإقرار بأنّه لا إله غيره، ولا شبه له ولا نظير، وأنّه قديم مثبت موجود غير فقيد، وأنّه ليس كمثله شي‏ءٌ([15]). وهي صريحةٌ في أن ليست المعرفة مجرّد تصوّر وتصديق، فإن العقول عاجزة عن الوصول إلى كبرياء جلاله، بل هي حالة نفسانية عبارة عن الاعتراف والاعتقاد بالصفات الإلهية([16]).

فعندئذٍ لا شَكَّ أن ليس المقصود من العرفة مطلق العلم أو الظنّ، بل المقصود من لزوم تحصيل المعرفة هو لزوم تحصيل المعرفة التي تستتبع عقد القلب والاعتقاد به([17]). فبناءً على هذا وجوب المعرفة مقدّمة للاعتقاد، فهي واجب غيريّ، لا نفسي([18])، حيث إن مجرد المعرفة لا تدفع الضرر المحتمل، ولا تكون شكراً للمنعم. فالقيمة كل القيمة للمعرفة التي تقترن مع الاعتقاد، أما الفحص والنظر فهو طريقٌ للوصول إلى الاعتقاد والإيمان. فلا قيمة للنظر والفحص بحدّ ذاته.

 

الجهة الثالثة؛ كيفية الاعتقاد في أصول العقائد

إن المسائل الاعتقادية على نحوين:

الأوّل: ما يجب على المكلَّف بحكم العقل تحصيل المعرفة به، ثم يجب عليه بحكم العقل أيضاً الاعتقاد به.

الثاني: ما لا يجب على المكلَّف تحصيل المعرفة به، لا بحكم العقل، ولا بحكم الشرع، ولكن إذا حصلت له المعرفة به أحياناً يجب عليه بحكم العقل والشرع الاعتقاد به وعقد القلب عليه.

1ـ في بيان حكم ما يجب على المكلَّف المعرفة به

وهذا كما في كلّيات مسائل التوحيد والنبوة والإمامة والمعاد. فقد يتمكن المكلَّف من تحصيل الاعتقاد الصحيح عن معرفةٍ يقينية بطريقٍ معتبر، من دون الخوف من مخالفته للحقّ أثناء النظر والبحث (فإنه حينئذٍ يدخل في قسم العاجز عن تحصيل العلم بالحقّ)، كما إذا فرضنا أنه يعيش في عهد النبيّ|، ولم تكن هناك مشقة للذهاب إليه، وطلب المعجزة منه، أو كان يعيش في عهد الأئمّة المعصومين صلوات الله عليهم، فكان بوسعه أن يذهب إليهم، ويبحث عن صحّة دعواهم الإمامة، فيصدق بصدق دعواهم عندئذٍ. فهل يجوز له الاكتفاء بظنِّه في هذا الفرض، بأن يعتمد على اشتهار معاجز النبي| حتّى يعتقد ظنياً أنه هو النبيّ الصادق، أو يكتفي بخبر واحد دالّ على إمامة إمام زمانه، أم يجب عليه البحث المورث للقطع واليقين؟

يمكن تصنيف أقوال العلماء في هذه المسألة ضمن قولين:

القول الأوّل: اعتبار العلم فيها من النظر والاستدلال. وهو المعروف عن الأكثر([19]).

القول الثاني: كفاية الظنّ وعدم اعتبار تحصيل القطع (وإنْ اختلف العلماء في كيفية تحصيل الظنّ بأن يكون ناشئاً من النظر والاستدلال أو الخبر الواحد أو كفاية الظنّ مطلقاً)([20]).

أما القول الأول فيستدلّ عليه بأمرين:

الأوّل: الإجماعات المنقولة، بل المحصَّلة، على وجوب العلم وعدم كفاية الظنّ([21]).

الثاني: الآيات والأخبار الدالّة على وجوب الإيمان والعلم والتفقُّه والتصديق والإقرار والشهادة والتديُّن وعدم الرخصة في الجهل والشكّ ومتابعة الظنّ([22])، وذلك كقول رسول الله|: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَاطْلُبُوا الْعِلْمَ مِنْ مَظَانِّهِ، واقْتَبِسُوهُ مِنْ أَهْلِهِ، فَإِنَّ تَعْلِيمَهُ لله حَسَنَةٌ، وطَلَبَهُ عِبَادَةٌ، والْمُذَاكَرَةَ بِهِ تَسْبِيحٌ الحديث»([23])؛ وقول أبي عبد الله×: «لا يَسَعُ النَّاسَ حَتَّى يَسْأَلُوا ويَتَفَقَّهُوا ويَعْرِفُوا إِمَامَهُمْ»([24])؛ وقوله×، عندما سُئل عن قوله تعالى: ﴿فَللهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾: «إِنَّ الله تَعَالَى يَقُولُ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَكُنْتَ عَالِماً؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ لَهُ: أَفَلا عَمِلْتَ بِمَا عَلِمْتَ! وإِنْ قَالَ: كُنْتُ جَاهِلاً قَالَ لَهُ: أَفَلا تَعَلَّمْتَ حَتَّى تَعْمَلَ، فَيَخْصِمُهُ، وذَلِكَ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ»([25]).

ولكنْ لا يخلو الاستدلال بهما من عدّة إيرادات:

أما الإجماع فهو محتمل المدركية، فلا يكون إجماعاً تعبُّدياً كاشفاً عن رأي المعصوم.

وأما الأخبار فيَرِدُ عليها:

أوّلاً: إن بعضها ظاهرة في أن موردها هي وجوب تعليم المسائل العملية الفرعية التي يستتبع عملاً. ويشهد لذلك أن كثيراً ما نرى أن الفقهاء يستدلّون ببعض هذه الأخبار للزوم الفحص في الشبهات التحريمية([26]).

ثانياً: إن الأدلة المذكورة مختلفة المفاد؛ فبعضها ظاهرٌ في وجوب تحصيل العلم، وهو ما دلّ على وجوب التفقُّه والعلم والمعرفة؛ وبعضها ظاهرٌ في وجوب الاعتقاد وعقد القلب عليها، وهو ما دلّ على وجوب الإيمان والتصديق والإقرار والشهادة والتديُّن. والظاهر أنهما مختلفان حقيقةً ووجوداً، وأن العلم والمعرفة من سنخ الصفات النفسية، والاعتقاد وعقد القلب من سنخ الأفعال النفسية. كما أن الظاهر عدم التلازم بينهما خارجاً، بل يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر، فيمكن الاعتقاد بما علم خلافه، فضلاً عمَّنْ رأى الحقّ وعرفه ولكنْ جحده بقلبه، فلا محيص من الأخذ بظاهر الثانية، وأن الواجب هو الاعتقاد بأصول العقيدة. وأما العلم والمعرفة فهو الطريق العقلي المعذِّر المتعارف في تحصيله، وإنْ لم يكن هو المنحصر.

وأما القول الثاني فيمكن الاستدلال عليه بأمرين:

الأوّل: مقتضى الدليل العقلي. وتقريره أن وجوب تحصيل المعرفة في أصول الدين حكمٌ عقلي، لا شرعي، فلا سبيل للشرع لتحديد حدودها وكيفية تحصيلها. فكما أن وجوب تحصيل المعرفة كان بحكم العقل (إما من جهة أنها دافعةٌ لخوف الوقوع في الضرر أو من جهة لزوم شكر المنعم)، فكيفية امتثاله وما يجزئ عنه بحكم العقل أيضاً. فلو فرضنا أن المعرفة الظنية المورثة للاطمئنان دافعةٌ لخوف الوقوع في الضرر، وبه يتحقَّق شكر المنعم، فلا محالة حصل الامتثال، وحكم العقل بكفاية المعرفة الظنّية (فكما يقال: إن الانطباق قهري، والإجزاء عقلي). فلا دليل على وجوب تحصيل معرفة أكثر من هذه المعرفة.

الثاني: إطلاق الروايات؛ فإن الروايات التي وردت في بيان أدنى المعرفة الواجبة تفسِّر أدنى المعرفة بأنه الإقرار بثوابت العقيدة، من دون تقييدها بأن تكون المعرفة يقينية، بل الواجب هو الإقرار بها وعقد القلب عليها، وإنْ حصلت عن طريق ظنّي.

ومن تلك الروايات: ما عن الفتح بن يزيد الجرجاني، عن أبي الحسن×، قال: سألتُه عن أدنى المعرفة؟ فقال: الإقرار بأنه لا إله غيره، ولا شبه له ولا نظير، وأنّه قديم مثبت موجود غير فقيد، وأنّه ليس كمثله شي‏ء([27]).

ومنها: ما عن عبد العزيز بن المهتدي قال: سألتُ الرضا× عن التوحيد؟ فقال: كلّ مَنْ قرأ قل هو الله أحد وآمن بها فقد عرف التوحيد([28]).

الثالث: مقتضى سيرة المتشرِّعة. وتقريره أن تحصيل المعرفة اليقينية بالإمامة الخاصّة في عهد المعصومين^ كثيراً ما كان متوقِّفاً على أحد أمرين:

1ـ النصّ من الإمام السابق بأن يصرِّح كلّ إمامٍ بوصيّه، فقد عقد الكليني باباً لكلّ إمامٍ أورد فيه الروايات التي وردت عن الإمام السابق، وتشير وتنصّ على إمامته([29]).

2ـ مراجعة كلّ شخص للإمام وملاحظة توفُّر أمارات الإمامة فيه، وذلك إما من خلال الأسئلة([30]) أو مشاهدة المعاجز على يدَيْه([31]) أو مشاهدة مواريث الأئمّة^:

فعن البزنطي قَالَ: قُلْتُ لأَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا×: إِذَا مَاتَ الإِمَامُ بِمَ يُعْرَفُ الَّذِي بَعْدَهُ؟ فَقَالَ لِلإِمَامِ عَلامَاتٌ: مِنْهَا أَنْ يَكُونَ أَكْبَرَ وُلْدِ أَبِيهِ، ويَكُونَ فِيهِ الْفَضْلُ والْوَصِيَّةُ، ويَقْدِمَ الرَّكْبُ فَيَقُولَ: إِلَى مَنْ أَوْصَى فُلانٌ فَيُقَالَ: إِلَى فُلانٍ، وَالسِّلاحُ فِينَا بِمَنْزِلَةِ التَّابُوتِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، تَكُونُ الإِمَامَةُ مَعَ السِّلاحِ حَيْثُمَا كَانَ([32]).

وعن أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي الْحَسَنِ×: جُعِلْتُ فِدَاكَ، بِمَ يُعْرَفُ الإِمَامُ؟ قَالَ: فَقَالَ: بِخِصَالٍ؛ أَمَّا أَوَّلُهَا فَإِنَّهُ بِشَيْ‏ءٍ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ أَبِيهِ فِيهِ بِإِشَارَةٍ إِلَيْهِ لِتَكُونَ عَلَيْهِمْ حُجَّةً؛ ويُسْأَلُ فَيُجِيبُ؛ وإِنْ سُكِتَ عَنْهُ ابْتَدَأَ؛ ويُخْبِرُ بِمَا فِي غَدٍ؛ ويُكَلِّمُ النَّاسَ بِكُلِّ لِسَانٍ. ثُمَّ قَالَ لِي: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أُعْطِيكَ عَلامَةً قَبْلَ أَنْ تَقُومَ، فَلَمْ أَلْبَثْ أَنْ دَخَلَ عَلَيْنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ، فَكَلَّمَهُ الْخُرَاسَانِيُّ بِالْعَرَبِيَّةِ، فَأَجَابَهُ أَبُو الْحَسَنِ× بِالْفَارِسِيَّةِ، فَقَالَ لَهُ الْخُرَاسَانِيُّ: وَاللهِ، جُعِلْتُ فِدَاكَ، مَا مَنَعَنِي أَنْ أُكَلِّمَكَ بِالْخُرَاسَانِيَّةِ غَيْر أَنِّي ظَنَنْتُ أَنَّكَ لا تُحْسِنُهَا، فَقَالَ: سُبْحَانَ الله، إِذَا كُنْتُ لا أُحْسِنُ أُجِيبُكَ فَمَا فَضْلِي عَلَيْكَ! ثُمَّ قَالَ لِي: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إِنَّ الإِمَامَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ كَلامُ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَ لا طَيْرٍ، وَ لا بَهِيمَةٍ، وَ لا شَيْ‏ءٍ فِيهِ الرُّوحُ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ هَذِهِ الْخِصَالُ فِيهِ فَلَيْسَ هُوَ بِإِمَامٍ([33]).

ولكنْ لم نعهد حصولهما لجميع مَنْ كان على مذهب أهل البيت^ ممَّنْ كان بوسعه أن يأتي عند الإمام المعصوم×؛ فإن كثيراً من أبناء مدرسة أهل البيت^، ممَّنْ كانوا في العراق والخراسان والشام آنذاك، كان بإمكانهم أن يأتوا إلى المدينة (مثلاً)، ويسألوا الإمام عن مسائل الحلال والحرام، وعن الأمور الغيبية، ومشاهدة السلاح الذي كان من مواريث الإمامة، حتّى تحصل لهم المعرفة اليقينة بالإمامة، ومع ذلك لم تشهد الأخبار بذلك، ولم تكن هذه ظاهرة بينهم. فلذا كان يكتفى لإثبات ذلك بأخبار الآحاد، بل لم يَرِدْ عتابٌ من أحد الأئمة^ لشيعتهم باعتبار أنهم اعتمدوا في معرفة الإمامة على طريق ظنّي (أي أخبار الآحاد)، ولم يتجشَّموا عناء السفر للحصول على المعرفة اليقينية بالإمامة (مثلاً).

ولا سيَّما أنّه لم يكن أمر الإمامة والوصيّة واضحاً كالشمس في رابعة النهار، فلذا نرى أن بعضاً من أجلاّء أصحاب الأئمة وقعوا في شبهة الوَقْف([34]) أو الفطحية([35]). وممّا يشهد لذلك ما رواه أبو عبيدة الحذّاء قال: «كنا زمان أبي جعفر× حين قبض نتردَّد كالغنم لا راعي لها، فلقيتُ سالم بن أبي حفصة، فقال: يا أبا عبيدة، مَنْ إمامك؟ قلتُ: أئمتي آل محمد صلوات الله عليهم، الحديث([36]).

فإذا كان أجلاّء أصحاب الأئمة قد التبس عليهم الحقّ فكيف بعامّة الناس من أتباع أهل البيت^؟! فنرى أن كبار الأصحاب كان عندهم الحرص في معرفة الحقّ من الباطل بالرجوع إلى أمارات الإمامة، ولكنْ لم تصل إلينا هذه المحاولة من عامّة الناس. فلذا قال بعض الأعلام المعاصرين: يكون الواجب النفسي هو الاعتقاد، وليس العلم إلا واجبٌ طريقيّ من حيث كونه معذِّراً عقلاً، فلو فرض حصول الاعتقاد مع الظنّ كفى في تحقُّق الدين، وإنْ لم يكن الظنّ طريقاً عقلياً معذِّراً، بل يجب بحكم العقل تحصيل العلم بالطرق الصحيحة الصالحة للاحتجاج، من دون تقصير في المقدّمات، ليتمّ به الأمان، إلاّ أن الحكم المذكور لمّا كان طريقياً صِرْفاً لم تضرّ مخالفته مع فرض الإصابة والوصول للواقع([37]).

وممّا يشهد لجواز العمل بالمظنون في العقائد هو أن الكتاب والخبر المتواتر وإنْ كانا قطعيّي الصدور، ولكنهما ظنّيي الدلالة. فلو كان العمل بالظنّ مرفوضاً لما جاز التمسُّك بالآيات والأخبار المتواترة، حيث إن ظاهرهما ظنّي، مع أن مَنْ يشترط المعرفة القطعية في العقائد لا يأبى عن الاستدلال بظواهر الكتاب والأخبار المتواترة. فلذا ذكر بعض مَنْ يرى لزوم المعرفة القطعية في العقائد([38]) أنّا نقطع بجواز العمل بالظواهر في العقائد؛ فإنّ انحصار طريق التبليغ والبيان عُرْفاً بالظواهر ممّا يبعد معه عدم حجِّيتها، مع كون كثيرٍ من الأصول لا طريق لها إلا السَّماع. واحتمال التوقُّف على النصوص قطعية الدلالة بعيدٌ جدّاً؛ لعدم الضابط لها، ممّا يمنع من صلوحها للاستدلال والاحتجاج([39]).

هذا كلُّه إذا كان الشخص قادراً على تحصيل المعرفة اليقينية، وأما إذا عجز عن تحصيل اليقين فكفاية تحصيل الظنّ يكون بطريقٍ أَوْلى([40]).

فقد تحصَّل إلى هنا كفاية المعرفة الظنية إذا وصلت إلى مرحلة الاطمئنان النفسي، الذي دون مرتبة العلم. ثم لا شَكَّ أن المعتبر في ذلك هو الاطمئنان الشخصي، لا النوعي، حيث إن بناء العقلاء هو عدم التسامح في الأمور المهمة والمصيرية، فإذا لم يحصل للإنسان الاطمئنان الشخصي في أصول العقائد فلا يزول خوف الضرر. فالحكم العقلي بلزوم رفع خوف الضرر يلزم الإنسان أن يبحث ويفحص حتّى يحصل له الاطمئنان، فإن الاكتفاء بالاطمئنان النوعي يكون في الموارد التي يتسامح فيها العُرْف بعدم لزوم التدقيق في تحصيل الاطمئنان الشخصي، فيجوز له التعبُّد بالاطمئنان الحاصل لعامّة الناس، ولكنْ بما أن وجوب المعرفة حكمٌ عقلي، ولا تعبُّد في الحكم العقلي لم يَجُزْ له الاكتفاء بالاطمئنان النوعي.

ثم إنه ظهرت في الشريعة أمور صارت ضروريّة الثبوت من النبيّ|، كالفرائض اليومية، والخمس والزكاة، فيكفي في الإيمان عدم إنكارها. فبعد أن ارتحل رسول الله| كان إنكار الزكاة مثلاً علامة الردّة. وكثيرٌ من حروب الردّة كان منشؤها هو التوقُّف عن إرسال الزكاة إلى الحكومة، فتعارف في مصطلح القوم أن منكر الضروريّ خارجٌ عن الإسلام، ولم يذكر أن معتقد الضروري هو المؤمن مثلاً.

2ـ ما يجب تحصيل الاعتقاد به إذا حصلت له المعرفة به

فمع فقدان المعرفة لا يجب الاعتقاد. وقد مثَّل له الشيخ الأعظم بتفاصيل البرزخ والمعاد، من سؤال القبر والصراط والحساب والكتاب والميزان والحوض والجنة والنار وغير ذلك، مما أشير إليه، بل كلّ شي‏ء أخبر به النبيّ|، ممّا مضى أو يأتي، من تكليفٍ أو غير تكليف، كاللوح والقلم والعرش والكرسي ونحو ذلك، إذا حصلت له المعرفة به فليس له الإنكار والجحود أو الوقف والتأمُّل فيه، بل عليه الاعتقاد به وعقد القلب عليه والتحمُّل والانقياد له، عقلاً وشرعاً، وإلاّ فليس بمؤمنٍ.

فإذا كانت المعرفة يقينية فلا كلام في لزوم عقد القلب على ذلك، وإنما الكلام فيما إذا حصلت المعرفة عن طريقٍ ظنّي، بأن قامت الأمارة على ذلك، فهل يجب عندئذٍ عقد القلب عليها والتعبُّد بها أم لا؟

وقد اختلف العلماء في حكمه على قولين:

القول الأوّل: ذهب الشيخ والسيد المرتضى والشهيد الثاني إلى عدم حجِّية الظنّ في مثل هذه المسائل العقائدية، فلا يجب عندئذٍ عقد القلب بحَسَب مقتضى الدليل الظنّي.

وقد ذكروا وجوهاً لذلك:

الوجه الأول: الإجماع. فذكر الشيخ في العدّة أن عدم جواز التعويل في أصول الدين على أخبار الآحاد اتّفاقي، إلاّ عن بعض مَنْ عبر عنهم بغَفَلة أصحاب الحديث([41]). كما أن هذا هو الظاهر من عبارة السيد المرتضى([42]).

الوجه الثاني: إن جواز العمل بالظنّ في الأحكام الشرعية محلّ الاختلاف بين الأعلام، فكيف بالأحكام الاعتقادية العلمية؟!([43]).

وفيه:

أما الوجه الأول، ومضافاً إلى أنه محتمل المدركية، فإن المسألة ليست اتّفاقية؛ فإن هناك كثيراً من فقهاء الإمامية ذهبوا إلى جواز العمل بالأدلّة الظنية في المسائل العقائدية.

وأما الوجه الثاني فكون جواز العمل بالظنّ في الأحكام الشرعية محلّ الاختلاف لا يوجب الترديد في جواز التعبُّد بالظنّ في أصول العقائد، فإن المدار على قيام الحجّة على جواز التعبُّد بالظنّ، فإذا كانت الحجّة تامة فلا مجال للتوقُّف بالعمل بالمظنونات.

القول الثاني: جواز التعبُّد بالظنّ في أصول الدين. وقد ذهب الشيخ الأنصاري إلى جواز ذلك. والوجه في ذلك هو إطلاق أدلة حجِّية الأمارات، فإن مقتضى حجِّية الظنّ الخاصّ هو حجِّية الأمارة في جميع الموارد التي قامت عليها؛ فإنّ ما دلّ على وجوب تصديق العادل لا يأبى الشمول لمثل ذلك، وكذلك إنّ ما دل على حجِّية ظاهر الكتاب و الخبر المتواتر لا يأبي عن وجوب التديُّن بما تدلّ عليه من أصول العقائد([44]).

وهذا هو الصحيح؛ حيث إن سيرة المتشرِّعة على العمل بهذه الأخبار. فلولا جواز ذلك لما تعرَّض أصحاب المعاجم الروائية لذكر أخبار الآحاد المتعلِّقة بأصول الدين. فإذا رجعنا إلى كثيرٍ من تفاصيل العقائد في ما يخصّ التوحيد والنبوة والإمامة والمعاد لرأينا أن كثيراً منها أخبار آحاد، فلو لم يجُزْ عقد القلب على هذه الأخبار فما هو السبب في نقلها في هذه الكتب([45]). فمن المستبعد جدّاً أن يكون الغرض هو مجرّد عرض روايات لتكثير دائرة معلومات القارئ العامّة، مع أنّا إنْ لاحظنا المتشرِّعة لرأينا أنهم يبْنُون منظومتهم العقائدية على هذه الأخبار.

 

المرحلة الثانية: كيفية التمييز بين هذين القسمين

بعد أن بيَّنّا حكم القسمين يبقى الكلام في التمييز بين هذين القسمين. فالمهم هو تمييز الاعتقادات التي من قبيل: القسم الأول، أي ما يجب تحصيل المعرفة به، عن القسم الثاني، والذي لا يجب تحصيل المعرفة فيه.

فقد اختلف العلماء في بيان مصاديق المعرفة الواجبة على قولين:

القول الأوّل: ذهب العلاّمة الحلّي إلى أنّ معرفة الباري تعالي وصفاته الثبوتية والسلبية وما يصحّ عليه وما يمتنع عنه، والنبوّة، والإمامة، والمعاد، كلّها واجبة، ومن القسم الأوّل. فبناءً على أن وجوب تحصيل المعرفة اليقينية في هذا القسم يجب الفحص عنها حتّى اليأس، فإنْ حصل العلم فبها، وإلا لا يكفي الظنّ بذلك. ومَنْ جهلها عن تقصيرٍ فقد خرج عن ربقة المؤمنين([46]).

وقد يستدل على ذلك بعدّة أدلة:

الأوّل: الآية الكريمة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56)، بناء على أنّ المقصود من «ليعبدون» هو «ليعرفون»([47]).

الثاني: قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّيْنِ﴾ (التوبة: 122)، بناءً على شموله للمعارف الإلهية؛ بقرينة استشهاد الإمام× بها لوجوب النَّفْر لمعرفة الإمام× بعد موت الإمام السابق([48]).

الثالث: صحيحة معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله×: «مَا أَعْلَمُ شَيْئاً بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ أَفْضَلَ مِنْ هَذِهِ الصَّلاةِ»([49])، بناءً على أن الأفضلية من الواجب، خصوصاً من الصلاة، تستلزم الوجوب.

الرابع: عموم قوله|: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، أَلا إِنَّ الله يُحِبُّ بُغَاةَ الْعِلْمِ»([50]).

القول الثاني: ذهب الشهيد الأول([51])، والشهيد الثاني([52])، والمحقق الثاني([53])، والفاضل الجواد، والشيخ الأنصاري، إلى أن المعرفة الواجبة في المسائل العقادية هي التصديق بكلّيات المسائل العقائدية، دون تفاصليها. فمعرفة الكليات من قبيل: القسم الأول يجب تحصيل المعرفة فيها، وأما معرفة تفاصيلها فهو من النوع الثاني، فإذا حصلت المعرفة فيها فبها، وإلاّ فلا يجب تحصيلها.

ويمكن أن يستدلّ لهذا القول بوجهين:

الأوّل: ذكرنا أن الدليل على وجوب تحصيل المعرفة عقليّ،(وأنه لا يمكن أن يكون نقلياً)، فإما أن نقول بوجوب المعرفة من جهة دفع الضرر عن النفس؛ أو من جهة لزوم شكر المنعم.

ثمّ تارةً نعلم بأن هذا الأصل العقائدي من قبيل: القسم الأول، فتجب معرفته؛ وتارةً نعلم بأنه من القسم الثاني فلا يجب تحصيل معرفته؛ وتارة نشكّ في أنه من قبيل: القسم الأول حتّى تجب معرفته، أو من قبيل: القسم الثاني فلا تجب معرفته، فعندئذٍ وإنْ قلنا: إن العام المخصّص بالمتصل أو المنفصل حجّة في ما بقي([54])، ولكنْ لا يصحّ التمسُّك بدليل وجوب تحصيل المعرفة لإثبات لزوم تحصيل المعرفة في مورد الشكّ؛ حيث إن دليل وجوب تحصيل المعرفة لبّيّ، فيجب الأخذ بالقَدَر المتيقَّن منه، وهو كليات المسائل العقائدية، دون تفاصيلها، فتجري أصالة البراءة فيها، من دون معارضٍ.

إنْ قلتَ: إن المدار في لزوم تحصيل المعرفة هو دفع الضرر المحتمل، فالاكتفاء بتحصيل المعرفة في كليات أصول العقائد لا يزيل احتمال الضرر.

قلنا: إن وجوب دفع الضرر يقتضي وجوب تحصيل المعرفة. فعند الشك في الموارد التي يجب تحصيل معرفتها وعدمها يدور الوجوب بين الأقلّ والأكثر، فالواجب هو الأقلّ (أي القَدَر المتيقَّن)، وتجري البراءة في الأكثر.

الثاني: إن وجوب تحصيل المعرفة في تفاصيل أصول العقائد لعامّة الناس تكليفٌ بما لا يطاق، حيث إن المعرفة التفصيلية بأصول العقائد لا يحصل إلاّ بعد تحصيل قوّة استنباط المطالب من الأخبار من جهةٍ، وقوة نظرية وإحاطة كاملة بالبراهين العقلية على التوحيد وصفات الباري تعالى وما يجوز له وما لا ينبغي عليه لئلاّ يأخذ بالأخبار المخالفة للبراهين العقلية، ولا تحصل هذه القوّة إلا للأوحديّ من الناس([55]).

الثالث: إن هناك عدّة روايات تحدِّد دائرة المعرفة الواجبة بكلّيات أصول العقائد، دون تفاصيلها؛ فإن مفاد هذه الأخبار هو أن خوف الضرر ينتفي بتحصيل المعرفة بكلّيات أصول العقائد، من دون لزوم تحصيل المعارف التفصيلية:

ومنها: صحيحة عَجْلانَ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ الله×: أَوْقِفْنِي عَلَى حُدُودِ الإِيمَانِ، فَقَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ الله وأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله، والإِقْرَارُ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ الله، وصَلَوَاتُ الْخَمْسِ، وأَدَاءُ الزَّكَاةِ، وصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ، وحِجُّ الْبَيْتِ، ووَلايَةُ وَلِيِّنَا، وعَدَاوَةُ عَدُوِّنَا، والدُّخُولُ مَعَ الصَّادِقِينَ([56]).

ومنها: صحيحة عِيسَى بْنِ السَّرِيِّ أَبِي الْيَسَعِ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ الله×: أَخْبِرْنِي بِدَعَائِمِ الإِسْلامِ الَّتِي لا يَسَعُ أَحَداً التَّقْصِيرُ عَنْ مَعْرِفَةِ شَيْ‏ءٍ مِنْهَا، الَّذِي مَنْ قَصَّرَ عَنْ مَعْرِفَةِ شَيْ‏ءٍ مِنْهَا فَسَدَ دِينُهُ، ولَمْ يَقْبَلِ [الله‏] مِنْهُ عَمَلَهُ، ومَنْ عَرَفَهَا وعَمِلَ بِهَا صَلَحَ لَهُ دِينُهُ، وقَبِلَ مِنْهُ عَمَلَهُ‏، ولَمْ يَضِقْ بِهِ مِمَّا هُوَ فِيهِ لِجَهْلِ شَيْ‏ءٍ مِنَ الأُمُورِ جَهْلُهُ؟ فَقَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ الله والإِيمَانُ بِأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله|، والإِقْرَارُ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ الله، وحَقٌّ فِي الأَمْوَالِ الزَّكَاةُ، والْوَلايَةُ الَّتِي أَمَرَ الله عَزَّ وَجَلَّ بِهَا وَلايَةُ آلِ مُحَمَّدٍ| ([57]).

ومنها: صحيحة أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَسْأَلُ أَبَا عَبْدِ الله×، فَقَالَ لَهُ: جُعِلْت فِدَاكَ، أَخْبِرْنِي عَنِ الدِّينِ الَّذِي افْتَرَضَ الله عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْعِبَادِ مَا لا يَسَعُهُمْ جَهْلُهُ، ولا يُقْبَلُ مِنْهُمْ غَيْرُهُ، مَا هُوَ؟ فَقَالَ: أَعِدْ عَلَيَّ، فَأَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ الله وأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله|، وإِقَامُ الصَّلاةِ، وإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وحِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً، وصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ سَكَتَ قَلِيلاً، ثُمَّ قَالَ: والْوَلايَةُ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا الَّذِي فَرَضَ الله عَلَى الْعِبَادِ، ولا يَسْأَلُ الرَّبُّ الْعِبَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ! فَيَقُولَ: أَلاَ زِدْتَنِي عَلَى مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْكَ، ولَكِنْ مَنْ زَادَ زَادَهُ الله؛ إِنَّ رَسُولَ الله| سَنَّ سُنَناً حَسَنَةً جَمِيلَةً يَنْبَغِي لِلنَّاسِ الأَخْذُ بِهَا([58]).

ومنها: صحيحة إِسْمَاعِيلَ الْجُعْفِيِّ قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ×، وَمَعَهُ صَحِيفَةٌ، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ×: هَذِهِ صَحِيفَةُ مُخَاصِمٍ يَسْأَلُ عَنِ الدِّينِ الَّذِي يُقْبَلُ فِيهِ الْعَمَلُ، فَقَالَ رَحِمَكَ الله، هَذَا الَّذِي أُرِيدُ، فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ×: شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأَنَّ مُحَمَّداً| عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، وتُقِرَّ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ الله، والْوَلايَةُ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، والْبَرَاءَةُ مِنْ عَدُوِّنَا، والتَّسْلِيمُ لأَمْرِنَا، وَالْوَرَعُ، والتَّوَاضُعُ، وانْتِظَارُ قَائِمِنَا؛ فَإِنَّ لَنَا دَوْلَةً إِذَا شَاءَ الله جَاءَ بِهَا([59]).

ومنها: صحيحة إِسْمَاعِيلَ الْجُعْفِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ× عَنِ الدِّينِ الَّذِي لا يَسَعُ الْعِبَادَ جَهْلُهُ؟ فَقَالَ: الدِّينُ وَاسِعٌ، ولَكِنَّ الْخَوَارِجَ ضَيَّقُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْ جَهْلِهِمْ، قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، فَأُحَدِّثُكَ بِدِينِيَ الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: بَلَى، فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ الله وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، والإِقْرَارَ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ الله، وأَتَوَلاَّكُمْ، وأَبْرَأُ مِنْ عَدُوِّكُمْ ومَنْ رَكِبَ رِقَابَكُمْ وتَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ وظَلَمَكُمْ حَقَّكُمْ. فَقَالَ: مَا جَهِلْتَ شَيْئاً، هُوَ واللهِ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ. قُلْتُ: فَهَلْ سَلِمَ أَحَدٌ لا يَعْرِفُ هَذَا الأَمْرَ؟ فَقَالَ: لا، إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ، قُلْتُ: مَنْ هُمْ؟ قَالَ نِسَاؤُكُمْ وأَوْلادُكُمْ، ثُمَّ قَالَ: أَرَأَيْتَ أُمَّ أَيْمَنَ، فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَا كَانَتْ تَعْرِفُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ([60]).

فإن في قوله×: «ما جهلْتَ شيئاً» دلالةٌ واضحة على عدم اعتبار الزائد في أصل الدين.

فالمستفاد من مجموع هذه الروايات كفاية الاعتقاد وعقد القلب على كليات المسائل العقائدية، من دون لزوم تحصيل أكثر منها لدفع الضرر المحتمل.

ويمكن بيان ذلك (تَبَعاً للشيخ الأعظم في فرائد الأصول) ضمن النقاط التالية:

الأولى: يكفي في معرفة الربّ التصديق بكونه موجوداً واجب الوجود لذاته، والتصديق بصفاته الثبوتيّة الراجعة إلى صفتَيْ العلم والقدرة، ونفي الصفات الراجعة إلى الحاجة والحدوث، وأنّه لا يصدر منه القبيح فعلاً أو تركاً([61]).

الثانية: يكفي في معرفة النبيّ| معرفة شخصه بالنَّسَب المعروف المختصّ به، والتصديق بنبوّته وصدقه، فلا يعتبر في ذلك الاعتقاد بعصمته، أعني كونه معصوما بالمَلَكة من أوّل عمره إلى آخره([62]).

الثالثة: يكفي في معرفة الأئمّة صلوات الله عليهم معرفتهم بنَسَبهم المعروف، والتصديق بأنّهم أئمّة يَهْدون بالحقّ، ويجب الانقياد إليهم، والأخذ منهم([63]).

وقد ورد في لسان بعض هذه الروايات (كصحيحة عجلان أبي صالح؛ وصحيحة عيسي بن السرّي أبي اليسع) أن من دعائم الدين هو «الإقرار بما جاء به من عند الله»، والظاهر أن ليس المقصود هو الاعتقاد التفصيلي بكلّ ما جاء به النبيّ|، كيف وإنّ بعضاً من كبار تلامذة الإمام الصادق× لم يكن يعتقد بتفاصيل مسائل الإمامة، كالعصمة والعلم اللَّدُني([64])؟! فالظاهر أن المقصود من ذلك هو عقد القلب على أن النبي| لا ينطق عن الهوى، حيث إن كلامه ليس إلاّ وَحْياً من الله تعالى([65]). فكلُّ ما جاء به النبي| والأئمة^ هو الصحيح والمطابق للواقع، فالمعتبر هو عدم إنكار ما جاء به النبيّ| والأئمة^، لا وجوب الاعتقاد التفصيلي بها([66]).

وهناك عدّة روايات تشهد لهذا الاستظهار:

منها: ما قد ورد في بعض الأخبار من تفسير معرفة حقّ الإمام× بمعرفة كونه إماماً مفترض الطاعة([67]).

ومنها: صحيحة زرارة، عن أبي جعفر× قال: لو أن العباد إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا لم يكفروا([68]).

ومنها: عن الصادق×: واللهِ، إنه ليدخلها [الجنة] قومٌ يُقال لهم الحقّية، قلتُ: يا سيدي، ومَنْ هم؟ قال قومٌ من حبِّهم لعليٍّ يحلفون بحقِّه، ولا يدرون ما حقُّه وفضله([69]).

وبالجملة فالقولُ بأنّه يكفي في الإيمان الاعتقاد بوجود الواجب الجامع للكمالات، المنزَّه عن النقائص، وبنبوّة محمد|، وبإمامة الأئمّة^، والبراءة من أعدائهم، والاعتقاد بالمعاد الجسمانيّ، الذي لا ينفكّ غالباً عن الاعتقادات السابقة، غيرُ بعيدٍ؛ بالنظر إلى الأخبار والسيرة المستمرّة. والمراد بمعرفة هذه الأمور ركوزها في اعتقاد المكلَّف، بحيث إذا سألْتَه عن شيءٍ ممّا ذُكر أجاب بما هو الحقّ فيه، وإنْ لم يعرف التعبير عنه بالعبارات المتعارفة على ألسنة الخواصّ. وأما التديُّن بسائر الضروريات فلا يجب الاعتقاد بها، ويكفي عدم إنكارها مع العلم بكونها من الدين([70]).

فتحصَّل إلى هنا:

أوّلاً: إن المدار في المعرفة هو الاطمئنان، ولو كان ظنّياً.

ثانياً: لا يلزم تحصيل المعرفة في تفاصيل أصول العقائد، فالواجب هو تحصيل المعرفة في كليات أصول العقائد.

المرحلة الثالثة: ما هي الطرق المعتبرة في تحصيل المعرفة، ولو الظنّية؟

لا كلام أن المعرفة الناشئة من الطرق التي تورث اليقين غالباً معتبرة، كالمعرفة الناشئة من نصّ الآيات الكريمة، أو المعرفة الناشئة من الأخبار المتواترة، أو المعرفة الناشئة من البراهين العقلية البديهية. وإنما الكلام في ما عداه من الطرق التي تؤدي إلى المعرفة بأصول العقائد، فهل يمكن الاستدلال بالأمارات المعتبرة بعنوان الظنّ الخاص؟ ثم هل المعرفة الناشئة من التقليد معتبرة أم لا؟ وفي الأخير نذكر هل المعرفة الناشئة من الطرق غير المعتبرة في الأحكام الفرعية (كالاستخارة أو المنامات) حجّة أم لا؟

فيقع الكلام ضمن ثلاث جهات:

الجهة الأولى: الظنون الخاصّة المعتبرة في استنباط الفروع

اختلف الأعلام في اعتبار خبر الواحد في أصول العقائد.

ويمكن حصر كلماتهم ضمن الأقوال التالية:

1ـ عدم حجِّية خبر الواحد في المسائل الاعتقادية مطلقاً([71]). وهو قول الأكثر([72]).

2ـ حجِّية خبر الواحد في المسائل الاعتقادية([73]).

3ـ حجِّية خبر الواحد عند التطابق مع الحكم العقلي([74]).

واستدلّ للقول الأول بعدّة أمور:

الأمر الأوّل: الإجماع. فظاهر الشيخ في العدّة أن عدم جواز الاستدلال بالخبر الواحد في أصول الدين اتّفاقي([75]).

وفيه: قد خالف هذا الإجماع كثيرٌ من العلماء، حيث إن كثيراً منهم يستدلّ بأخبار الآحاد المرويّة في الكافي، للكليني؛ والتوحيد، للصدوق.

الأمر الثاني: إن غاية ما تفيده أخبار الآحاد هو الظنّ، ولا ينفع الظنّ في العقائد التي يُفترض فيها اطمئنان القلب ورسوخ الفكرة في القلب والنفس، فلذا يشترط تواتر النصّ، أو استفاضته إلى حدٍّ يورث العلم([76]).

وفيه: إن هذا الاستدلال بناءً على لزوم تحصيل المعرفة القطعية في العقائد. ولكنْ، كما ذكرنا في المرحلة الأولى، يجوز الاكتفاء بالظنّ فيها.

الأمر الثالث: إن حجِّية خبر الواحد في الأحكام الشرعية مختلفٌ فيها، وهو دليلٌ ظنّي، فكيف بالأحكام الاعتقادية العلمية؟!([77]).

وفيه ما لا يخفى؛ حيث إن الاختلاف في الاستدلال بأخبار الآحاد في الفروع لا يوجب وَهْنها في الأصول.

فالصحيح أن يُقال: إن المدار في حجِّية أخبار الآحاد في أصول العقائد هو الأدلة؛ فإذا كانت أدلة الحجِّية تامّة فلا شَكَّ في جواز الأخذ بها.

فنقول عندئذٍ: ذكرنا في ما سبق:

أوّلاً: إن وجوب النظر والبحث في أصول العقائد وجوبٌ غيريّ، بغرض تحصيل المعرفة؛ حيث إن تحصيل المعرفة واجبٌ.

ثانياً: إن الحاكم بوجوب المعرفة هو العقل؛ بغرض دفع الخوف من الضرر؛ وبغرض شكر المنعم، فهو وجوبٌ غيريّ أيضاً.

ثالثاً: ليست المعرفة بحدّ ذاتها غرضاً للباحث في أصول الدين، بل الغرض هو الاعتقاد، فلا قيمة للمعرفة بما هي هي إذا لم تقترن بالاعتقاد القلبي. فالغرض الأساسي هو الاعتقاد، والقيمة كلّ القيمة للاعتقاد، ووجوب المعرفة من جهةٍ ووجوب النظر من جهةٍ أخرى إنما هو بغرض الاعتقاد المطابق للواقع.

رابعاً: لا يشترط في المعرفة أن تكون يقينيّةً، بل يجوز الاكتفاء بالمعرفة الظنية؛ حيث إن الغرض من المعرفة هو دفع خوف الضرر، فإذا حصل الاطمئنان من الوقوع في الضرر من خلال المعرفة الظنية فلا داعي للتكلُّف بتحصيل المعرفة القطعية.

إذا عرفْتَ هذا، فالعمدة هي حصول الاطمئنان الذي يزول به خوف الضرر، ولا سيَّما أن المدار في المعرفة هو حصول الاعتقاد للإنسان بحيث يعقد قلبه على الالتزام بالأصول. فبناءً على هذا إن خبر الواحد المرويّ عن الثقة (ولا سيَّما إذا كان السند صحيحاً أعلائياً) يوجب اطمئنان الإنسان بأن مضمونه هو المطابق للواقع، فإذا قلنا بجواز الاكتفاء بالمعرفة الظنية في مجال العقائد فلا شَكَّ في جواز الاستدلال بخبر الواحد فيها.

ويؤيِّده ما ذكره الشيخ الأعظم في فرائد الأصول، من أنه إذا كان الغرض من وجوب التديُّن بالاعتقاديات هو الإقرار باللسان وعقد القلب عليه فلا مانع من وجوب التديُّن بمضمون خبر الواحد، بناءً على أن هذا نوع عمل بالخبر؛ فإنّ ما دلّ على وجوب تصديق العادل مطلقٌ، يشمل هذا النوع من التصديق أيضاً. فإطلاق حجِّية خبر الواحد يشمل الفروع والأصول معاً([78]).

فتبين ممّا ذكرنا جواز العمل بخبر الواحد في العقائد.

نعم، يبقى السؤال في جواز التمسُّك بظواهر الكتاب والخبر المتواتر، مع أنه ظنّي. ونحن نكتفي بما ذكره الشيخ الأعظم& في فرائد الأصول: «وممّا ذكرنا يظهر الكلام في العمل بظاهر الكتاب والخبر المتواتر في أصول الدين؛ فإنّه قد لا يأبى دليل حجِّية الظواهر عن وجوب التديُّن بما تدلّ عليه من المسائل الأصوليّة التي لم يثبت التكليف بمعرفتها»([79]).

الجهة الثانية: التقليد في أصول الدين

إن التقليد لغةً جعل الغير ذا قلادة، ومنه: تقليد الهدي([80]).

وأما في الاصطلاح فقد اختلف العلماء في تحديده؛ فذهب البعض إلى أنه قبول قول الغير في الأحكام الشرعية من غير دليلٍ على خصوصية ذلك الحكم؛ وذهب البعض الآخر إلى أنه قبول قول الغير المستند إلى الاجتهاد([81])؛ وذهب آخرون إلى أنه العمل بقول الغير من غير حجّة([82]).

فبناءً على المعنى الثالث أشكل السيد الخوئي في إمكانية التقليد في العقائد، حيث يختص التقليد عندئذٍ بالأمور العملية، لا الأمور العلمية([83]). فإمّا أن نقول: إن المعنى الثاني (وهو الملائم لمعنى التقليد في العقائد) أوفق بالمعنى اللغوي، وأظهر في عرف المتشرِّعة([84])، أو يقال: إن المانعين من جواز التقليد في أصول العقائد استدلّوا ببعض الآيات والأدلة العقلية لإثبات مدَّعاهم، فلو لم يكن للتقليد معنى صحيح في أصول العقائد لما كان هناك داعٍ للإطالة في الاستدلال، بل نفس بطلان معنى التقليد في أصول العقائد كافٍ لإثبات عدم جوازه.

وكيف كان، يقع الكلام في جواز التقليد في أصول العقائد، فقد اختلفت أنظار العلماء في جوازه أو عدمه:

1ـ ذهب الأكثر إلى عدم جواز التقليد مطلقاً في أصول العقائد([85]).

2ـ ذهب جماعةٌ إلى الجواز مطلقاً([86]).

3ـ ذهب العلاّمة الحلّي إلى التفصيل بين مَنْ هو عاجز عن البحث والنظر، فيجوز في حقِّه، ومَنْ هو قادرٌ على النظر، فلا يجوز في حقِّه التقليد([87]).

وهناك أقوالٌ أخرى لا كثير جدوى في التعرُّض لها([88]).

والمهمّ مراجعة الأدلة، وملاحظة مقتضى دلالتها:

استدلّ المنكرون لجواز التقليد في أصول العقائد بعدّة أمور:

الأوّل: الإجماع([89]).

وفيه: إن الظاهر أن المجمعين استدلّوا بالوجوه التالية لبطلان التقليد في أصول الدين (كما هو المشاهد في كتب القوم). وبما أن هذا الإجماع مدركيٌّ فهو ساقط عن الاعتبار.

الثاني: إن التقليد لا يوجب علماً، فإن الإيمان الحاصل من التقليد في معرض الزوال، فيجب تثبيته بالاستدلال؛ دفعاً للضرر المحتمل أو المظنون([90]).

وفيه: إن الإيمان الحاصل من النظر أيضاً في معرض الزوال، فإن النظر لا ينفي المعرضية المذكورة بوجهٍ. وذكر الشيخ الأعظم&: «أنّ الإنصاف أنّ النظر والاستدلال بالبراهين العقليّة للشخص المتفطِّن لوجوب النظر في الأصول لا يفيد بنفسه الجَزْم؛ لكثرة الشُّبَه الحادثة في النفس والمدوَّنة في الكتب، حتّى أنّهم ذكروا شُبَهاً يصعب الجواب عنها للمحقِّقين الصارفين لأعمارهم في فنّ الكلام، فكيف حال المشتغل به مقداراً من الزمان؛ لأجل تصحيح عقائده، ليشتغل بعد ذلك بأمور معاشه ومعاده…، وقد شاهدنا جماعةً صرفوا أعمارهم‏ ولم يحصِّلوا منها شيئاً إلاّ القليل»([91]).

الثالث: إن المقلِّد لا يخلو من أن يكون عالماً بأنّ المقلَّد محقٌّ أو لا يعلم ذلك؛ فإن كان لا يعلم فقد يحتمل أن المقلَّد على خطأ وضلال، فلا شَكَّ في بطلان هذا التقليد؛ وإنْ كان عالماً بأن مَنْ قلَّده محقٌّ لا يخلو من أن يعلم ذلك ضرورةً أو بدليل؛ أما العلم ضرورةً فهو معلوم الارتفاع؛ وإنْ علمه بدليلٍ فلا يخلو من أن يكون ذلك الدليل غير التقليد، فيكون اعتقاده راجعاً إلى النظر والتحقيق، لا إلى التقليد؛ أو يكون بالتقليد، فنحول الكلام إلى هذا التقليد الثاني، فترجع جميع هذه الاحتمالات، فإما أن يعلم بصحّة التقليد من خلال الدليل فهو المطلوب، وإلاّ لتسلسل التقليد إلى غير نهايةٍ([92]).

الرابع: إنّ القول بجواز التقليد يؤدّي إلى إنكار الضرورة؛ لأن تقليد مَنْ يقول بقِدَم الأجسام ليس بأَوْلى من تقليد مَنْ يقول بحدوثها، فيجب إمّا أن يعتقد حدوثها وقدمها، وذلك محالٌ؛ أو يخرج عن كلا الاعتقادين، وهو محالٌ أيضاً؛ أو يرجِّح أحدهما على الآخر بلا مرجِّح، وهو باطلٌ بالضرورة([93]).

الخامس: ما دلّ على تحريم التقليد، مثل: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 170)، ومثل: قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقينَ﴾ (الأعراف: 70)، ومثل: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ في‏ قَرْيَةٍ مِنْ نَذيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلى‏ أُمَّةٍ وإِنَّا عَلَى‏ آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 23). فتدلّ هذه الآيات على منع التقليد مطلقاً، وإلاّ لما استحقّ هؤلاء الكفّار ذمّاً وعتاباً وعقاباً.

والجواب عن هذا الاستدلال هو أنه بعد إقامة الأنبياء المعاجز، وإقامتهم البراهين والحجج على صحّة دعواهم، لا يبقى لهم الجَزْم، بل الظاهر زواله بمشاهدة المعجزات وخوارق العادات الصادرة عنهم. فهؤلاء الكفّار بَقُوا على مسلك آبائهم تعصُّباً وعناداً، كما يدلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (البقرة: 109)، وقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وعُلُوّاً﴾ (النمل: 14).

السادس: الأخبار الدالّة على أن الإيمان هو ما استقرّ في القلب، مثل: ما قاله الصادق×، في جواب محد بن مسلم، حيث سأله عن الإيمان: «شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ الله [وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله‏]، وَالإِقْرَارُ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ الله، وَمَا اسْتَقَرَّ فِي الْقُلُوبِ مِنَ التَّصْدِيقِ بِذَلِكَ»([94])، ولا استقرار إلاّ لما حصل باليقين، ولا يحصل اليقين إلاّ بالاستدلال.

وفيه: لا ينحصر حصول الإستقرار بالإستدلال بل يحصله التقليد أيضاً ولا شك أن كل ما حصله الإستدلال غير مستقر دائماً([95]).

والصحيح أن يُقال: إن البحث عن جواز التقليد في أصول العقائد وعدمه راجع إلى الدليل المقتضي لوجوب المعرفة. فبناءً على المقدّمات الأربعة التي تقدَّم ذكرها في حجِّية أخبار الآحاد (إن وجوب النظر ووجوب المعرفة في العقائد غيريّ؛ إن الغرض من المعرفة هو تحصيل الاعتقاد الصحيح فالقيمة للاعتقاد؛ كفاية المعرفة الظنية) نقول: بما أن المدار في وجوب تحصيل المعرفة هو دفع الخوف من الضرر فإذا كان التقليد يورث الاطمئنان من الخوف من الضَّرَر فلا شَكَّ أنّ التقليد صحيحٌ عندئذٍ؛ حيث إن المدار في تحصيل المعرفة ارتفاع الخوف من الضرر، وقد حصل عندئذٍ. نعم، إذا لم يرتفع الخوف من الضرر بالتقليد فيجب عندئذٍ الفحص والنظر، ولا يجوز الاكتفاء بالتقليد عَقْلاً، وهذا لا من جهة عدم حجِّية التقليد في أصول العقائد، بل من جهة بقاء الخوف من الضَّرَر المقتضي لوجوب النظر. فالعبرة بحصول الاعتقاد الصحيح وعقد القلب عليها. فلو حصل للمقلِّد هذا الاعتقاد الصحيح وعقد قلبه عليه فقد وصل إلى الحقّ، وارتفع الخوف من الضرر، فلا دليل على لزوم تحصيل المعرفة من النظر والبحث عندئذٍ بحكم العقل.

وبعبارةٍ أخرى: إن المدار هو على الوصول إلى الحقّ والاعتقاد به، فوصول الإنسان إلى الحقّ عن طريق التقليد هو محصِّل للغرض، فلا دليل على عدم جوازه.

ويؤيِّده سيرة النبيّ| مع أصحابه والتابعين ممَّنْ آمن من الأعراب وغيرهم بالتصديق والإقرار، فلم يكلِّفهم بالاستدلال والنظر والبحث([96]). بل إن سيرة المتشرِّعة هو الاكتفاء بحصول العقيدة الصحيحة لديهم من دون ملاحظة مصدر الاعتقاد. فإن كثيراً من العوامّ من أبناء مدرسة أهل البيت^ قد اعتقدوا بأصول دينهم بالتقليد عن آبائهم، متأثِّرين بالبيئة التي عاشوا فيها، فلم تكن منظومتهم العقائدية متَّخذة من برهانٍ عقلي، وحجة برهانية، بل كانت نتيجةً للجوّ الذي تربّوا فيه، بحيث لو فرضنا أنه وُلد في حاضنة يهودية أو نصرانية أو… لاتَّبع تلك الملة، من دون أيّ تأمُّلٍ وترديد، بل إن كثيراً من طلبة العلوم الدينية أيضاً لم يَبْنُوا منظومتهم العقائدية على أساس برهانٍ صحيح. ومع ذلك لم نَرَ ردّة فعلٍ من العلماء تجاه هؤلاء، بأن يحذِّروهم أن اعتقادهم باطلٌ؛ فإنّه وإنْ كان مطابقاً للبراهين الصحيحة ولكنّ عامّة الناس لم ينسبوا عقيدتهم إلى هذه البراهين، فيتعاملون معه معاملة الإنسان المؤمن، وإنْ كانت عقيدته غير مبنية على أساس برهانٍ صحيح. وهذا ممّا يرشد إلى أن المتشرِّعة تتعاطى مع العقيدة بحَسَب النتيجة والواقع، لا بحَسَب الطريق، فبمجرد أن يرَوْا مطابقة اعتقاد الشخص مع مقتضى البراهين الصحيحة يعتبرونه إنساناً مؤمناً، غير مقصِّر في عقيدته. وهذه السيرة، الراجعة إلى زمن المعصومين، دالّة على صحة التقليد في أصول العقائد. ويشهد لذلك تقرير النبيّ| وأصحابه العوامّ على إيمانهم، وهم الأكثرون في كلّ عصرٍ، مع عدم الاستفسار عن الدلائل الدالّة على الصانع وصفاته، مع أنهم كانوا لا يعلمونها، وإنما كانوا مقرّين باللسان و مقلِّدين في المعارف.

إنْ قلتَ: إن احتمال وقوع الخطأ في التقليد كثيرٌ، حيث يحتمل أن المقلَّد قد اشتبه في رأيه أو لم يكن أهلاً للتقليد أصلاً.

قلنا: إن احتمال وقوع الخطأ في النظر والبحث واردٌ أيضاً؛ فإن كثيراً من أصحاب الرأي والنظر انحرفوا عن الحقّ بسبب اعتدادهم بالرأي. وفي المقابل نرى أن أكثر أتباع الديانات (ولا سيَّما الديانات السماوية) هم من عامّة الناس، الذين لا يبحثون ولا يدقِّقون في أصول عقائدهم، وإنما تلقُّوا عقائدهم من آبائهم أو من مجتمعهم، ولأنهم تلقّوا أفكارهم بالتقليد عن الآخرين بقوا على التزامهم بالدين. بل إن أكثر مَنْ يقوم بتغيير دينه لا يكون على أساس منطقيّ، بل لأسبابٍ نفسية أو اجتماعية أو أُسَرية. فقليلٌ من الناس يهتمّ بالبحث والنظر في مجال العقائد، وإنّ كثيراً ممَّنْ يهتمّ بالبحث والنظر أيضاً لا يتَّسم بصفة الموضوعية، بحيث يخضع لما توصَّل إليه من النتائج العلمية، فنرى البعض منهم يقرّ بأن الحقّ بخلاف ما يتبنّاه من العقيدة، ولكنْ لا يتجرّأ عن أن يغيِّره ديانته وعقيدته.

هذا كلُّه إذا كان المقلَّد أهلاً للتقليد (كما إذا كان المقلَّد متخصِّصاً في مجال العقائد، بل كان مجتهداً في هذا المجال). وأما إذا لم يكن المقلَّد أهلاً له (كمَنْ قلَّد أباه الأمّي في وجوده تعالى أو في نبوّة النبي|) فيقع الكلام في جواز تقليده؛ وتارة في صحّة اعتقاده المبتني على التقليد.

أما جواز تقليده ابتداءً فلا شَكَّ في عدمه؛ حيث إن الغرض من التقليد وتحصيل المعرفة هو دفع خوف الضرر، ولا يزول الخوف بالرجوع إلى مَنْ لم يكن متخصِّصاً في هذا العلم، فلا بُدَّ من النظر أو الرجوع إلى المتخصِّص؛ ليطمئنّ بدفع خوف الضرر، ولا سيَّما أن الرجوع إلى غير المتخصِّص في الأمور الهامّة مذمومٌ عند العقلاء. ولعلّ مراد القائلين بعدم جواز التقليد في أصول الدين هو هذا المعنى، أعني الأخذ بقول الغير والالتزام به من غير حصول العلم للمقلِّد بأنْ لا يكون أهلاً للتقليد.

وأما إذا عصى المكلَّف، ورجع إلى غير المتخصِّص في العقائد، وصادف أنّ اعتقاده كان مطابقاً للبراهين والحجج العقلية أو الشرعية الصحيحة (وأما مَنْ حصل له اعتقاد باطل غير مطابق للأدلة فلا شَكَّ في بطلان عقيدته وخلل تقليده عندئذٍ)، فللعلماء أن يدعوه إلى البحث والنظر إذا لم يخافوا عليه الوقوع في خلاف الحقّ؛ وذلك لا لعدم قيمة اعتقاده، فيكون محكوماً بالكفر، فهو مطابقٌ للواقع حَسْب الفرض([97])، بل لأن الايمان التقليديّ قابلٌ للزوال بطروّ أدنى شبهةٍ، وخصوصاً عند مجالسة أهل الباطل (ولا سيَّما مع تطوُّر أدوات التواصل في عصرنا هذا، ممّا يسهل على الإنسان التعرُّف على أفكار المخالفين من أهل البِدَع والأهواء المضلَّة ممَّنْ يبثون الشبهات بين أتباع الحقّ)، فربما ينهدم اعتقاده بتلك الشبهات؛ لعدم ابتنائه على أصل ثابت، وأساس قائم. وقد روى النعماني، في الغَيْبة، عن أبي عبد الله×: «مَنْ دخل في هذا الدين بالرجال أخرجه منه الرجال كما أدخلوه فيه؛ ومَنْ دخل فيه بالكتاب والسنّة زالت الجبال قبل أن يزول»([98]).

الجهة الثالثة: الظنون غير المعتبرة، كالمنامات والاستخارة

ثم إن هناك مَنْ يرجع إلى الرؤي والمنامات أو الاستخارة في الاعتقادات والأحكام. فيقع الكلام تارةً في صحّة الرجوع إلى هذه الأمور، غير المعتبرة شرعاً في الاستنباط وتحصيل المعرفة؛ وأخرى في حكم مَنْ حصل له اعتقادٌ صحيح مطابق للبراهين والحجج العقلية أو الشرعية الصحيحة من خلال هذه الأمور (وأما مَنْ حصل له اعتقادٌ باطل غير مطابق للأدلة فلا شَكَّ في بطلان عقيدته وخلل طريقه في تفكيره).

أما الأوّل فلا شَكَّ في عدم جواز التعويل على هذه الأمور في تحصيل المعرفة؛ حيث إن تحصيل المعرفة عن طريق هذه الأمور غير المعتبرة عند العقلاء لا يوجب دفع خوف الضرر المحتمل عقلاً، ولا يوصل الإنسان إلى معرفة المنعم عادةً، فلا يجوز الاعتماد على طرقٍ لا يعتبرها العقلاء طريقاً لتحصيل المعرفة.

وأما إذا عصى المكلَّف، واستند إلى الرؤى أو الاستخارة في تحقيق عقيدته، وصادف أن اعتقاده كان مطابقاً للبراهين والحجج العقلية أو الشرعية الصحيحة (حَسْب الفرض)، فللعلماء أن يدعوه إلى الفحص ومراجعة الطرق الصحيحة لتحصيل العقائد؛ وذلك لا لعدم قيمة اعتقاده، فيكون محكوماً بالكفر؛ فهو مطابقٌ للواقع حَسْب الفرض، بل لأن هذا الاعتقاد غير المبتني على التفكير والبرهان قابلٌ للزوال بطروّ أدنى شبهةٍ (كالتقليد لمَنْ لم يكن أهلاً لذلك)، فربما ينحرف عن طريق الصواب بمجرد الاستماع إلى شبهات المشكِّكين.

الهوامش

(*) كاتبٌ وأستاذ في الحوزة العلميّة، ومدير حوزة الأطهار في قم. متخصِّصٌ في مجال الأديان الإبراهيميّة. من إيران.

([1]) ككتاب تصحيح اعتقادات الإمامية: 72 ـ 73؛ والذخيرة في علم الكلام: 167؛ وأجوبة المسائل المهنائية (العلاّمة الحلّي): 110؛ والباب الحادي عشر: 4؛ وحقائق الإيمان (الشهيد الثاني): 56؛ وحق اليقين: 571.

([2]) ككتاب العدّة في أصول الفقه 2: 7310 ـ 731؛ ومعارج الأصول: 199؛ ومعالم الدين: 243.

([3]) العلاّمة الحلّي، شرح الباب الحادي عشر: 3؛ الجرجاني، شرح المواقف 1: 252.

([4]) الطوسي، الاقتصاد في ما يتعلق بالاعتقاد: 161؛ والفاضل المقداد، الاعتماد في شرح واجب الاعتقاد: 48.

([5]) العلامة الحلي، أجوبة المسائل المهنائية: 148؛ وشرح الباب الحادي عشر: 3.

([6]) السيد المرتضى، جمل العلم والعمل: 36؛ والفاضل المقداد، الاعتماد في شرح واجب الاعتقاد: 48.

([7]) الكليني، الكافي 1: 163، باب البيان والتعريف ولزوم الحجة.

([8]) أبو الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين: 53، 73، 132، 133، 134، 135، 136، 137؛ وسعد بن عبد الله الأشعري القمّي، المقالات والفِرَق: 133؛ وناشئ أكبر، الأوسط في المقالات: 248.

([9]) الأشعري، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين: 132.

([10]) المصدر السابق: 53.

([11]) الشهيد الثاني، حقائق الإيمان (مع رسالتي الاقتصاد والعدالة): 77.

([12]) سورة البقرة: 142 ـ 146.

([13]) المجلسي، بحار الأنوار 69: 16، ح3.

([14]) ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر‌ 3: 142، مادة طوع.

([15]) الصدوق، عيون أخبار الرضا× 1: 133، ح29.

([16]) القاضى سعيد القمّى‏، شرح توحيد الصدوق 3: 621.

([17]) الشهيد الثاني، حقائق الإيمان (مع رسالتي الاقتصاد والعدالة): 78.

([18]) راجع: محمد آصف محسني، صراط الحق: 36.

([19]) الأنصاري، فرائد الأصول 1: 553.

([20]) المصدر السابق: 554 ـ 555.

([21]) عبد الحسين اللاري، التعليقة على فرائد الأصول 2: 135.

([22]) الأنصاري، فرائد الأصول 1: 570.

([23]) المجلسي، بحار الأنوار 1: 171.

([24]) الحر العاملي، وسائل الشيعة 27: 110.

([25]) المجلسي، بحار الأنوار 1: 177.

([26]) الأنصاري، فرائد الأصول 2: 413؛ البجنوردي، منتهى الأصول 1: 275؛ ضياء الدين العراقي، نهاية الأفكار 2: 530.

([27]) الصدوق، التوحيد: 283، باب أدنى ما يجزئ من معرفة التوحيد، ح1.

([28]) المصدر السابق: 284، باب أدنى ما يجزئ من معرفة التوحيد، ح3.

([29]) الكليني، الكافي 1: 290 ـ 329.

([30]) المصدر السابق 1: 173، باب الاضطرار إلى الحجّة.

([31]) المصدر السابق 1: 355، باب ما يفصل به بين دعوى المحقّ والمبطل في أمر الإمامة؛ والمجلسي، بحار الأنوار 50: 141 ـ 142.

([32]) الكليني، الكافي 1: 284، باب الأمور التي توجب حجّة الإمام، ح1: ابن أَبِي نَصْرٍ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا×: إِذَا مَاتَ الإِمَامُ بِمَ يُعْرَفُ الَّذِي بَعْدَهُ؟ فَقَالَ: لِلإِمَامِ عَلامَاتٌ، مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ أَكْبَرَ وُلْدِ أَبِيهِ؛ وَيَكُونَ فِيهِ الْفَضْلُ وَالْوَصِيَّةُ؛ وَيَقْدَمَ الرَّكْبُ فَيَقُولَ: إِلَى مَنْ أَوْصَى فُلانٌ فَيُقَالَ: إِلَى فُلانٍ؛ وَالسِّلاحُ فِينَا بِمَنْزِلَةِ التَّابُوتِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، تَكُونُ الإِمَامَةُ مَعَ السِّلاحِ حَيْثُمَا كَانَ.

([33]) الكليني، الكافي 1: 285، باب الأمور التي توجب حجّة الإمام، ح7.

([34]) فإنّ سبعة أشخاص من أصحاب الإجماع رُمُوا بالوَقْف، وهم: أحمد بن محمد بن أبي نصر، جميل بن درّاج، حمّاد بن عيسى، صفوان بن يحيى، عثمان بن عيسى، يونس بن عبد الرحمن، وعبد الله بن المغيرة.

([35]) كعمّار بن موسى، عبد الله بن بكير، وعليّ بن أسباط. راجع: السبحاني، الملل والنحل 8: 376.

([36]) الصفّار، بصائر الدرجات: 510.

([37]) محمد سعيد الطباطبائي الحكيم، التنقيح 2: 325.

([38]) المصدر السابق 2: 307.

([39]) المصدر السابق 2: 308.

([40]) انظر: فرائد الأصول 1: 577.

([41]) الطوسي، عدّة الأصول 1: 131.

([42]) رسائل الشريف المرتضى 1: 211.

([43]) الشهيد الثاني، المقاصد العلية: 25.

([44]) الأنصاري، فرائد الأصول 1: 558.

([45]) راجع: كتاب التوحيد: 162، باب تفسير قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾: 164، باب معنى جنب الله عزَّ وجلَّ؛ 167، باب معنى العين والأذن واللسان؛ 312، باب معنى الله أكبر؛ 314، باب معنى الأول والآخر؛ 321، باب العرش وصفاته؛ 324، باب أن العرش خلق أرباعاً.

([46]) باب الحادي عشر: 3 ـ 5.

([47]) الأنصاري، فرائد الأصول 1: 559.

([48]) الكليني، الكافي 1: 378، كتاب الحجّة، باب ما يجب على الناس عند مضيّ الإمام.

([49]) المصدر السابق 3: 264، كتاب الصلاة، باب فضل الصلاة، ح1.

([50]) المصدر السابق 1: 30، باب فرض العلم ووجوب طلبه.

([51]) الشهيد الأول، الألفية والنفلية: 38.

([52]) الشهيد الثاني، المقاصد العلية: 20 ـ 21.

([53]) المحقق الكركي، الرسالة الجعفرية (رسائل المحقّق الكركي) 1: 80.

([54]) الخراساني، كفاية الأصول: 255 ـ 256.

([55]) الأنصاري، فرائد الأصول 1: 560.

([56]) الكليني، الكافي 2: 18، باب دعائم الإسلام، ح2.

([57]) المصدر السابق 2: 19 ـ 20، باب دعائم الإسلام، ح6.

([58]) المصدر السابق 2: 22 باب دعائم الإسلام، ح11.

([59]) المصدر السابق 2: 22 ـ 23، باب دعائم الإسلام، ح13.

([60]) المصدر السابق 2: 405، باب المستضعف، ح6.

([61]) الأنصاري، فرائد الأصول 1: 565.

([62]) المصدر نفسه.

([63]) المصدر السابق 1: 567.

([64]) المجلسي، بحار الأنوار 25: 291؛ ورجال الكشّي: 246؛ فكان يعتقد عبد الله بن أبي يعفور أن الأئمة علماء أبرار أتقياء.

([65]) النجم: 3 ـ 4.

([66]) الأنصاري، فرائد الأصول 1: 568.

([67]) الحر العاملي، وسائل الشيعة 14: 554، الباب 82 من أبواب المزار، ح10.

([68]) الكليني، الكافي 2: 388، باب الكفر، ح19.

([69]) الطوسي، الغَيْبة: 246.

([70]) الأنصاري، فرائد الأصول 1: 568.

([71]) الطوسي، العُدّة في أصول الفقه 1: 131؛ وابن إدريس الحلّي، السرائر 1: 50.

([72]) المقدَّس الأردبيلي، الحاشية على إلهيات الشرح الجديد للتجريد: 409.

([73]) الأنصاري، فرائد الأصول 1: 557 ـ 558.

([74]) محمد جعفر الإسترآبادي‏ ، البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة 2: 124.

([75]) الطوسي، العدة في أصول الفقه 1: 131.

([76]) جعفر السبحاني، الأضواء على عقائد الشيعة الإمامية: 596.

([77]) الشهيد الثاني، المقاصد العلية: 45.

([78]) الأنصاري، فرائد الأصول 1: 557 ـ 558.

([79]) المصدر نفسه.

([80]) أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة‌ 5: 19، مادة «قلد».

([81]) الأنصاري، الاجتهاد والتقليد: 45.

([82]) السيد علي الموسوي ‌القزويني، الاجتهاد والتقليد (التعليقة على معالم الأصول): 358.

([83]) موسوعة الإمام الخوئي 1: 348.

([84]) الأنصاري، الاجتهاد والتقليد: 47.

([85]) الأنصاري، فرائد الأصول 1: 574.

([86]) الشهيدالثاني، حقائق الإيمان (مع رسالتي الاقتصاد والعدالة): 59.

([87]) العلاّمة الحلّي، أجوبة المسائل المهنائية: 95.

([88]) راجع: صراط الحق: 41.

([89]) العلاّمة الحلّي، شرح الباب الحادي عشر: 3؛ الشهيد الثاني، حقائق الإيمان (مع رسالتي الاقتصاد والعدالة): 171.

([90]) آصف محسني، صراط الحق: 46.

([91]) الأنصاري، فرائد الأصول 1: 574 ـ 575.

([92]) السيد المرتضى، الذخيرة في علم الكلام: 165.

([93]) القاضي عبد الجبّار، المغني في أبواب التوحيد والعدل ‏12: 123.

([94]) الكليني، الكافي 2: 38، باب في أن الإيمان مبثوثٌ لجوارح البدن كلها.

([95]) آصف محسني، صراط الحق: 44.

([96]) المازندراني، شرح أصول الكافي 2: 3.

([97]) وقد صرح بذلك المحقِّق الخوانساري، بأن مَنْ حصل له العلم من التقليد محكومٌ بالإسلام، وإنْ عصى في ترك تحصيل المعرفة من الدليل. وظاهره لزوم كون التحصيل من الدليل. لكنْ لو عصى كفى في كونه محكوماً بالإسلام. راجع: السيد محسن الخرازي، بداية المعارف الإلهية 1: 13.

([98]) النعماني، الغَيْبة: 17.