حجِّية القراءات

10 يونيو 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
85 زيارة

حجِّية القراءات

مطالعةٌ في جهود العلاّمة معرفت

د. الشيخ علي أصغر ناصحيان(*)

ترجمة: حسن مطر

خلاصة ــــــ

يبدأ هذا المقال ببيان مفردة القراءة، ومسار تطوّرها المفهومي، لينتقل بعد ذلك إلى تقرير مختلف الآراء بشأن حجّية القراءات، ودراستها ونقد أدلتها على مبنى الشيخ محمد هادي معرفت&. كما تمّ الردّ على أدلّة تعدُّد القراءات الصحيحة بشكلٍ مستدلّ. وفي القسم الثاني هناك بيان لوحدة القراءة الصحيحة، مع ذكر الأدلة على ذلك بالتفصيل. وفي القسم الأخير هناك عرضٌ للطرق المعتبرة لمعرفة القراءة الصحيحة، وخصائصها. ونتيجة هذا التحقيق تثبت وجود قراءةٍ واحدة هي الصحيحة والمعتبرة، وهي قراءة جمهور المسلمين، لا غير.

 

مدخل ــــــ

إن من الأبحاث الهامّة للغاية في موضوع القراءات هو السؤال القائل: هل جميع القراءات المتنوّعة للقرآن الكريم، والمرويّة عن القرّاء المشهورين، صحيحة ومعتبرة وحجّة، أم هناك قراءةٌ واحدة هي المعتبرة والحجّة، وهي الصحيحة، دون غيرها من القراءات الأخرى، أم أن الأمر ـ كما قيل ـ هو أن القراءات المتعدِّدة ـ مع رعاية بعض الضوابط الخاصة ـ هي الحجّة والمعتبرة؟

إن مبنى هذه الأسئلة يعود إلى مفاد ما إذا كان القرآن الكريم قد نزل على النبي الأكرم| بقراءةٍ واحدة أم أنه نزل عليه بصِيَغ لفظية مختلفة من القراءات؟

فإذا كان القرآن قد نزل بقراءة واحدة فقط فمن الطبيعي أن تكون تلك القراءة هي الصحيحة والمتعيِّنة، دون غيرها من القراءات، فتكون تلك القراءة هي القرآن، وهي المعتمدة في استنباط الأحكام، وهي المستند في التفسير.

أما الأمر الهامّ الآخر الذي يفرض نفسه هنا فهو: إذا كان القرآن الكريم قد نزل بقراءةٍ واحدة فيجب تحديد تلك القراءة، وبيان الطريق إلى معرفتها من بين القراءات المتنوّعة والمختلفة.

نسعى في هذا المقال إلى بيان رأي العلامة الشيخ محمد هادي معرفت& بشأن حجِّية القراءات، ضمن الإجابة عن الأسئلة المتقدِّمة. وحيث إن للأستاذ معرفت تحقيقات وبحوث ناجحة وقيِّمة للغاية في موضوع القراءات فإن استخراج رأيه بشأن حجِّية القراءات([1]) يحظى بقيمة وأهمّية كبيرة.

إن المادة الرئيسة لما سنذكره هنا مقتبسة من مؤلَّفات الأستاذ معرفت&، مقرونة بتحليل وشرح كاتب هذه السطور، مع إضافة بعض المطالب، من قبيل: مسار التطوّر المفهومي للقراءات، وبعض الأدلّة على وحدة القراءة الصحيحة من قبلنا.

إن مسألة حجِّية القراءات، بالإضافة إلى كونها من موضوعات العلوم القرآنية، هي من الموضوعات الهاّمة في علم أصول الفقه أيضاً. ولكنّ هذا الموضوع لم يُعْطَ حقَّه في المباحث الأصولية كما ينبغي. إن الذي ركَّز عليه الفقهاء في الغالب هو بحث موضوع القراءات من الناحية الفقهية، والسؤال الأساس في هذا الشأن يقول: ما هي القراءة أو القراءات المُجْزية في الصلاة؟ وكما نرى في كلام الشيخ الطوسي& قد نجد فقيهاً يذهب إلى القول بأن القرآن الكريم قد نزل بقراءةٍ واحدة، وأن تلك القراءة هي كلام الله، ومع ذلك يذهب إلى نتيجةٍ مفادها أن الشارع المقدَّس قد رخَّص في الصلاة بأيّ واحدةٍ من القراءات المشهورة؛ من باب التسهيل على الأمّة وما إلى ذلك. لا شَكَّ في أنه عندما تكون قراءةٌ ما هي الحجة فإنها تكون هي القراءة الثابتة قرآنيّتُها؛ لأن مفاد القراءة التي يكون منشؤها الاجتهاد أو اشتباه القرّاء لا يصلح أن يكون دليلاً وحجّة، ولا يمكن نسبة مفاده إلى الله. وعلى هذا الأساس تكون الحجّية أوسع من جواز القراءة في الصلاة. وإن الذي هو مورد بحثنا الآن هو حجّية القراءات، والذي هو من مباحث علم الأصول والعلوم القرآنية. وأما مسألة جواز القراءة بالقراءات المشهورة في الصلاة فهي بحثٌ فقهي خارج عن محلّ بحثنا. وعلى أيّ حال فإن بعض المطالب التي ذكرناها في سياق الهدف من هذا البحث (حجّية القراءات) يمكن أن تكون مفيدة ومجدية للبحث الفقهي أيضاً.

وفقاً لمقتضى المسار المنطقي والعلمي للبحث نعمل أوّلاً على بيان مصطلح القراءة ومسار تحوّلها المفهومي، ثم نعمل على دراسة ونقد مختلف الآراء بشأن حجية القراءات، لننتقل بعدها إلى بيان وتقرير رؤية الأستاذ الشيخ معرفت، وفي الختام نستعرض الشواهد والأدلّة التي تصبّ في ترجيح رأي الأستاذ على سائر الآراء الأخرى.

 

مفردة القراءة في عصر الصحابة ــــــ

لقد كانت كلمة «القراءة» في عصر الصحابة تستعمل بمعنى قراءة نصّ القرآن مع تفسيره بشكلٍ مختصر؛ لأن مصاحف الصحابة كانت تحتوي ـ بالإضافة إلى نصّ القرآن ـ على تفسير مقتضب للآيات التي تعلَّموا تفسيرها من رسول الله| أيضاً. لقد كانت طريقة رسول الله تقوم على تعليم المسلمين القرآن الكريم ضمن كلّ عشر آيات مع تفسيرها([2]). وكان الصحابة يعلِّمون القرآن للآخرين على ذات الطريقة التي تعلَّموها من رسول الله|، فكانوا يقرأون الآيات مع تفسير ألفاظها. وقد رُوي «عن زرّ، عن عبد الله بن مسعود(رضي الله عنه) قال : كنا نقرأ على عهد رسول اللّه|: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ـ أن عليّاً مولى المؤمنين ـ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة: 67)»([3]).

إن عبارة «أن علياً وليّ المؤمنين» هنا تمثِّل تفسيراً في سياق الآية، وليست جزءاً من الآية.

وهكذا الأمر بالنسبة إلى الروايات، من قبيل: الرواية القائلة: «قرأ أبيّ بن كعب: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ ـ إلى أجلٍ مسمّى ـ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (النساء: 24)»([4]).

فلا بُدَّ من الالتفات إلى أن عبارة «إلى أجلٍ مسمّى» في هذه الرواية تمثِّل تفسيراً للآية، إلاّ أن الكثير من الشخصيات العلمية ـ لعدم التفاتهم إلى هذه الناحية ـ فهموا من هذه العبارة أنها قراءةٌ للنصّ القرآني، وقد أدّى ذلك بهم إلى السقوط في خطأ آخر؛ إذ كيف يمكن الادّعاء بأن أبيّ بن كعب كان يرى أن عبارة «إلى أجلٍ مسمّى» وأمثالها جزءاً من النصّ القرآني، ومع ذلك لم يَبْدُ منه أيّ اعتراض على حذفها عند توحيد المصاحف، هذا في حين أنه لم يسمح بحذف حتّى حرف «الواو» من القرآن؟! فقد رُوي عن عثمان أنه عند تدوين المصاحف أرادوا حذف الحرف «و» من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ…﴾ (التوبة: 34)، إلاّ أن أبيّ بن كعب خالف ذلك بشدّة، وقال: يجب كتابة «الواو»، وإلاّ فإنه سيجرِّد سيفه لحربٍ([5]).

وبعد أن أمر الخليفة الثاني عمر بن الخطاب بتجريد القرآن الكريم من بيان النبيّ الأكرم|، وتمّ بأمرٍ من الخليفة الثالث عثمان بن عفان توحيدُ المصاحف بعد تفريغها من التفسير، وأُحرقت سائر المصاحف الأخرى، بدأ تعليم القرآن يقتصر على تعليم قراءة النصّ فقط، ومنذ ذلك الحين أخذَتْ مفردة القراءة تنصرف شيئاً فشيئاً إلى مجرَّد معنى قراءة نصّ القرآن، وتمّ نسيان المصطلح السابق تدريجياً([6]). كان هذا في حين استعملت مفردة القراءة في بعض الروايات ـ التي تشتمل على تقرير كلام الصحابة بشأن القرآن ـ في نفس المعنى السابق، فأدّى تبدُّل المصطلح السابق إلى إساءة فهم هذا النوع من الروايات.

 

القراءة في المصطلح المشهور ــــــ

قام الأستاذ الشيخ معرفت& بتعريف القراءة قائلاً: إن القراءة هي ذاتها تلاوة القرآن الكريم، وتطلق اصطلاحاً على نوعٍ من التلاوة المشتملة على خصائص معيَّنة.

وقال في توضيح ذلك: كلما كانت تلاوة القرآن بحيث تحكي عن نصّ الوحي الإلهي، وكانت على طبق اجتهاد واحد من القرّاء المعروفين ـ وكانت على طبق القواعد الثابتة في علم القراءة ـ، تكون قراءة القرآن متحقِّقة([7]).

حيث يتمّ تقسيم القراءات إلى: قراءات صحيحة؛ وقراءات غير صحيحة، ربما كان الأنسب تعريف القراءة باختصارٍ على النحو التالي: «إن القراءة عبارةٌ عن تلفظ عبارات وآيات القرآن الكريم». عندما تكون القراءة بحيث لا تحتوي على زيادة أو نقصان في نصّ آيات القرآن بالشكل الصحيح الذي نزل على رسول الله| فهي القراءة الصحيحة، وأما إذا افتقر إلى الخصائص المذكورة فلن تكون قراءةً صحيحة.

 

(e)      الآراء بشأن حجِّية القراءات ــــــ

هناك بين العلماء المسلمين بشأن حجِّية القراءات في النظرة الإجمالية رؤيتان:

1ـ يذهب علماء أهل السنّة جميعهم إلى القول باعتبار تعدُّد وصحّة القراءات مع توفُّر الشرائط الخاصة. وقد استندوا في ذلك إلى روايات الـ «سبعة أحرف»، وقالوا بأن القرآن الكريم قد نزل على وجوهٍ لفظية متعدِّدة، ولذلك يمكن للأشخاص أن يقرأوا القرآن بأيّ وجه من هذه الوجوه. وطبقاً لهذه الرؤية لن يكون نصّ القرآن منحصراً بقراءةٍ واحدة.

ومع ذلك هناك اختلافٌ بين علماء أهل السنّة في تفسير روايات «الأحرف السبعة»([8])؛ فهناك مَنْ يقول منهم: بعد توحيد المصاحف من قبل عثمان لم تَبْقَ سوى قراءة واحدة من تلك القراءات السبعة الواردة في أحاديث «الأحرف السبعة». ومن هنا فإنهم يعتبرون القراءات المشهورة المشتملة على شرائط القراءة الصحيحة ـ رغم تعدُّدها ـ داخلة في واحد من تلك الوجوه السبعة([9])؛ بَيْدَ أن بعضهم يرى هذه القراءات من مصاديق الأوجه السبعة المذكورة([10]). وقد قالوا بضوابط للقراءات الصحيحة والمعتبرة. وقد قال أبو شامة المقدسي في هذا الشأن: «فكلّ قراءة ساعدها خطّ المصحف، مع صحّة النقل فيها، ومجيئها على الفصيح من لغة العرب، فهي قراءةٌ صحيحة معتبرة»([11]).

يرى ابن الجزري أن القراءة الصحيحة والمعتبرة يجب أن تشتمل على الشروط التالية:

أـ التطابق مع القواعد العربية، ولو من خلال انطباقها على لهجة بعض القبائل.

ب ـ التطابق مع واحد من المصاحف العثمانية، ولو على نحو الاحتمال.

ج ـ صحّة السند([12]).

إن هذه المعايير في الكثير من الموارد تنطبق على أكثر من قراءةٍ. وفي هذه الموارد، طبقاً لرؤية علماء أهل السنة، يمكن لآيةٍ واحدة أن تشتمل على وجهين أو عدّة وجوه لفظيّة ومعنوية، ومع ذلك تكون حجّةً بأجمعها. وعلى سبيل المثال: نسوق في ما يلي نموذجين من كلام الطبري في هذا الشأن:

أـ «﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ…﴾ (الكهف: 81): اختلف القرّاء في قراءة ذلك؛ فقرأه جماعةٌ من قرّاء المكّيين والمدنيين والبصريين: فأردنا أن يُبَدِّلهما ربهما [بتشديد الدال في «يُبَدِّلهما»]…؛ وقرأ ذلك عامّة قرّاء الكوفة: فأردنا أن يُبْدِلهما بتخفيف الدال… والصواب من القول في ذلك عندي: إنهما قراءتان متقاربتا المعنى، قد قرأ بكلّ واحد منهما جماعةٌ من القرّاء، فبأيّتهما قرأ القارئ فمصيبٌ»([13]).

ب ـ «﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ…﴾ (الكهف: 86): اختلف القرّاء في قراءة ذلك؛ فقرأه بعض قرّاء المدينة والبصرة: في عين حمئة، بمعنى أنها تغرب في عين ماء ذات حمأة؛ وقرأته جماعة من قرّاء المدينة، وعامّة قرّاء الكوفة: في عينٍ حامية، يعني أنها تغرب في عين ماء حارّة([14])… والصواب من القول في ذلك عندي أن يُقال: إنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار، ولكلّ واحدةٍ منهما وجهٌ صحيح، ومعنى مفهوم، وكلا وجهَيْه غير مفسد أحدهما صاحبه، وذلك أنه جائز أن تكون الشمس تغرب في عين حارّة ذات حمأة وطين»([15]).

وعلى الرغم من أن كلام الطبري وأمثاله يقتصر على بيان مجرَّد صحّة القراءة، دون التصريح بحجِّية هذه القراءات. ولكنْ بعد الالتفات إلى مبنى أهل السنّة في الاستناد إلى روايات الـ «سبعة أحرف»، فإنّهم يعتقدون بأن القرآن الكريم قد نزل من عند الله على وجوه متعدِّدة، وبذلك يذهبون إلى القول بحجِّية الوجوه المتعدِّدة.

كما يُستفاد هذا الشيء من كلام بعض فقهاء الشيعة؛ إذ يقول العلامة الحلّي& في هذا الشأن: «يجب [على المصلّي] أن يقرأ بالمتواتر، فلو قرأ بمصحف ابن مسعود بطلت صلاته… يجوز أن يقرأ [المصلي] بأيّ قراءةٍ شاء من القراءات السبع، ولا يجوز أن يقرأ بغيرها، وإنْ اتَّصلت روايةً [من الناحية السندية]»([16]).

إن هذا الكلام من العلاّمة الحلّي، وغيره من علماء الشيعة المتأخِّرين عنه، منسجمٌ مع مبنى أهل السنّة؛ لأنهم اعتبروا تواتر القراءات المتعدِّدة([17]). وإن تواتر القراءات المختلفة عن النبي الأكرم| يعني أنها قرآن، وأنها حجّةٌ بأجمعها، وهذا لا ينسجم مع المبنى القائل بوحدة نصّ القرآن الكريم، الذي يمثل الرأي الغالب بين الشيعة([18]).

2ـ رؤية مذهب أهل البيت^: قال الأستاذ الشيخ محمد هادي معرفت&؛ بالنظر إلى الحديث الصحيح القائل: «إن القرآن واحدٌ نزل من عند واحد، ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة»([19]): «المعروف من مذهب أهل البيت^ أن القرآن واحدٌ نزل من عند واحد، ولكنّ الاختلاف يجيء من قبل الرواة… وعلى ذلك سار فقهاء الإمامية خَلَفاً عن سَلَف… نعم، أخذوا من القراءات المشهورة المتلقّاة بالقبول لدى عامّة المسلمين طريقاً إلى القرآن»([20]).

وقال الشيخ الطوسي في هذا الشأن: «إن العرف من مذهب أصحابنا، والشائع من أخبارهم ورواياتهم، أن القرآن نزل بحرفٍ واحد، على نبيٍّ واحد، غير أنهم أجمعوا على جواز القراءة بما يتداوله القرّاء، وأن الإنسان مخيَّرٌ بأيّ قراءة شاء قرأ»([21]).

يستفاد من هذا الكلام الذي قاله الشيخ الطوسي& أن القرآن، طبقاً لمذهب الإمامية، قد نزل على رسول الله| بقراءةٍ واحدة، وعليه فإن تلك القراءة الواحدة هي كلام الله والحجّة، أما فتوى الفقهاء بجواز القراءة على طبق القراءات المشهورة بين القرّاء فهي ناظرة إلى الناحية الفقهية من البحث، ولذلك لا يمكن اعتبارها دليلاً على حجِّية واعتبار القراءات المشهورة عند علماء الشيعة، وجعل هذه القراءات مبنى لاستنباط الأحكام وتفسير القرآن؛ لأن هذا لا ينسجم مع مبنى الشيعة القائم على الاعتقاد بأن «القرآن واحدٌ نزل من عند واحدٍ، ولكنّ الاختلاف يجيء من قبل الرواة».

يذهب الأستاذ الشيخ محمد هادي معرفت& إلى الاعتقاد بأن القرآن الكريم نزل بقراءةٍ واحدة، وأنّ الذي يتمتَّع بالاعتبار والحجِّية هي هذه القراءة الواحدة فقط، وهي القراءة التي عليها جمهور المسلمين، والتي انتقلت على طول التاريخ من رسول الله| عبر الأجيال [ولا تزال] بالتواتر، وأنّ هذه القراءة ـ المتطابقة مع قراءة حفص بن سليمان، عن عاصم ـ هي وحدها التي تشتمل على الحجِّية والاعتبار([22]).

وإن العلامة محمد جواد البلاغي([23]) والعلامة السيد مرتضى العسكري([24]) من أنصار هذا الرأي.

وسوف نترك البحث التفصيلي حول هذه الرؤية وأدلّتها إلى ما بعد نقد ودراسة سائر الأقوال.

 

نقد ودراسة أدلّة حجِّية القراءات المتعدِّدة ــــــ

هناك الكثير من الفقهاء والمختصِّين في العلوم القرآنية يعتقدون بأن القراءات المتعدِّدة تتمتَّع بالحجِّية والاعتبار، ولكنهم اختلفوا في تحديد الملاك والضابط الذي يحدِّد القراءات المعتبرة.

وفي ما يلي نعمل على نقد ودراسة ما تمّ أو يمكن الاستناد إليه في إثبات اعتبار القراءات المتعدِّدة، وذلك على النحو التالي:

 

التواتر ــــــ

هناك من الكتّاب والفقهاء مَنْ ادّعى تواتر القراءات السبع، وجعل من ذلك دليلاً على حجّية واعتبار هذه القراءات. قال العلاّمة الحلّي في هذا الشأن: «يجب [على المصلي] أن يقرأ بالمتواتر، فلو قرأ بمصحف ابن مسعود بطلت صلاته… يجوز أن يقرأ [المصلّي] بأيّ قراءةٍ شاء من القراءات السبع، ولا يجوز أن يقرأ بغيرها، وإنْ اتّصلت روايةً [من الناحية السندية]»([25]).

وكما رأيت فإن العلاّمة الحلّي في البداية يشترط التواتر في اعتبار القراءة، ثم يرى صحّة الصلاة بأيّ قراءةٍ من القراءات السبع. وضمّ كلا هذين الكلامين إلى بعضهما يثبت أنه يرى تواتر القراءات السبع.

وعلى الرغم من ادّعاء البعض تواتر القراءات السبع، بَيْدَ أن عدم صوابية هذا المدَّعى لا يخفى على أهل الفنّ والتحقيق أبداً([26]). وعلى سبيل المثال: إن بين فقهاء الشيعة مَنْ أنكر تواتر القراءات المذكورة، ومن هؤلاء: الشيخ الوحيد البهبهاني([27])، والشيخ الأنصاري([28])، والشيخ عبد الكريم الحائري([29])، والسيد الخوئي([30]).

قال أبو شامة المقدسي: «فلا ينبغي أن يُغترّ بكلّ قراءةٍ تُعزى إلى واحدٍ من هؤلاء الأئمة السبعة، ويُطلق عليها لفظ الصحّة، وأنْ هكذا أنزلت، إلاّ إذا دخلت في ذلك الضابط [الذي ذكرناه للصحّة]»([31]).

وقال في موضعٍ آخر بعد بيان شيوع تواتر القراءات السبع بين القرّاء المتأخّرين وأشياعهم: «فالحاصل أنّنا لسنا ممَّنْ يلتزم في جميع الألفاظ المختلف فيها بين القرّاء، بل القراءات كلّها منقسمة إلى: متواتر؛ وغير متواتر»([32]).

وقال ابن الجزري: «كلّ قراءة وافقت العربية ـ ولو بوجهٍ ـ، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ـ ولو احتمالاً ـ، وصحّ سندها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردّها، ولا يحلّ إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها، سواء كانت عن الأئمّة السبعة أم عن العشرة أم عن غيرهم من الأئمّة المقبولين. ومتى اختلّ ركنٌ من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذّة أو باطلة، سواء كانت عن السبعة أم عمَّنْ هو أكبر منهم»([33]).

وقال في موضعٍ آخر: «وقد شرط بعض المتأخّرين التواتر في هذا الركن، ولم يكتف فيه بصحّة السند، وزعم أن القرآن لا يثبت إلاّ بالتواتر، وأنّ ما جاء مجيء الآحاد لا يثبت به قرآنٌ»([34]).

ثم قال في الردّ على هذا القول: «وهذا ما لا يخفى ما فيه؛ فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الأخيرين، من الرسم وغيره»([35]).

وقال الأستاذ محمد هادي معرفت& في الردّ على تواتر القراءات السبع: «إذا كان المراد من تواتر نقل هذه القراءات تواترها عن القرّاء السبعة أنفسهم لم يكن ذلك بشيء؛ لأن مبدأ التواتر يجب أن ينتهي إلى المعصوم×؛ ليكون المنقول معتبراً وحجّة. وإذا كان المراد تواتر النقل عن النبيّ الأكرم| إلى هؤلاء القرّاء فهو غير ثابت؛ لافتقار أكثر القرّاء حتّى إلى السند، فضلاً عن التواتر. هذا بالإضافة إلى أن أكثر القراءات هي من الاجتهادات الخاصّة، ولم تستند إلى النقل والرواية أبداً»([36]).

ويجب الالتفات إلى أن الخبر المتواتر يطلق على الخبر الذي يبلغ رواته في كلّ طبقة عدداً من الأشخاص يمتنع تواطؤهم على الكذب عادةً، وبالتالي يحصل لنا قطع ويقين بصدقه([37]).

وبالنظر إلى معنى التواتر حتّى لو سلَّمنا جَدَلاً بتواتر سند القراءات السبعة إلى القرّاء أنفسهم فإن السند من القرّاء إلى النبيّ الأكرم| لا يثبت اتصال سلسلة السند بالنسبة إلى البعض، حتّى على مستوى الآحاد، ناهيك عن التواتر. فإنّ ابن عامر ـ على سبيل المثال ـ واحدٌ من القرّاء السبعة، وقد ذكر ابن الجزري في سند قراءته تسعة أقوال، ليرجِّح في نهاية المطاف القول القائل بأنه قرأ على المغيرة بن أبي شهاب المخزومي، وقرأ هذا على عثمان بن عفان، الذي قرأ على النبيّ|. ثم نقل عن بعضٍ قوله بأنه يجهل الشيخ الذي أخذ ابن عامر القرآن عنه([38]).

يُضاف إلى ذلك أن المطروح بوصفه سلسلة سند القراءات إنما يشتمل على سلسلة شيوخ وأساتذة القرّاء الذين تعلَّموا عندهم فنون القراءة، وحيث كان الأساتذة يجتهدون في قراءة بعض كلمات القرآن كان التلاميذ بدورهم يُعملون رأيهم واجتهادهم في قراءة بعض الكلمات أيضاً، وقد يأتون بقراءاتٍ جديدة أحياناً؛ ولذلك لم يكن من دأب القرّاء أن يسندوا قراءتهم إلى النبيّ الأكرم| عبر سلسلة سندية([39])، بل كانوا يستندون في الدفاع عن قراءتهم ـ في العادة ـ إلى نوعٍ من التوجيهات والبراهين الأدبية واللغوية. ومن هنا عمد بعض المؤلِّفين إلى تأليف كتب في هذا الشأن. ومن هؤلاء، على سبيل المثال: ابن خالويه(370هـ) في كتابه «الحجّة في القراءات السبع»؛ وأبو علي الفارسي(377هـ) في كتابه «الحجّة للقرّاءالسبعة». كما كتب أبو زرعة بن زنجلة كتاب «حجّة القراءات» قبل عام 403هـ أيضاً([40]).

وعلى هذا الأساس قام أمين الإسلام الطبرسي في «مجمع البيان» ـ بعد ذكر القراءات المتنوّعة، وفي فصلٍ تحت عنوان «الحجّة» ـ بذكر أدلّة كلّ واحدة من هذه القراءات. وهذا يُشكِّل دليلاً دامغاً على عدم تواتر القراءات السبع وأمثالها؛ إذ لو ثبت تواتر هذه القراءات عن النبيّ الأكرم| لما كنا بحاجة إلى إثبات صحّة هذه القراءات واعتبارها بالأدلّة الاجتهادية.

ومن الأدلة على عدم تواتر القراءات المشهورة مخالفةُ عددٍ من كبار العلماء لبعضها. ومن ذلك ما ذكره الأستاذ الشيخ معرفت&، حيث قال في هذا الشأن: «إن من أقوى الأدلة التي ترشدنا إلى عدم تواتر القراءات مخالفة الأئمة السابقين للكثير من القراءات المعروفة، وحتّى القراءات السبعة منها؛ إذ كيف يمكن لمسلم محافظ أن يتجرّأ على إنكار قراءة ثبت تواترها عن رسول الله|؟! وكان الإمام أحمد بن حنبل يخالف الكثير من قراءات حمزة، ولا يستسيغ الصلاة خلف إمام يقرأ الحمد والسورة على قراءة حمزة! فإذا كانت قراءة حمزة ـ وهو أحد السبعة ـ متواترةً عن رسول الله|، وكان النبيّ يقرأ بها، ووصلت إلى حمزة بالتواتر القطعي، فمَنْ ذا الذي يمكنه أن لا يستسيغها؟! «وقال أبو بكر بن عيّاش: قراءة حمزة عندنا بدعةٌ. وقال ابن دريد: إني لأشتهي أن يخرج من الكوفة قراءة حمزة». وقال أحمد بن سنان: وسمعتُ ابن مهدي يقول: لو كان لي سلطانٌ على مَنْ يقرأ قراءة حمزة لأوجعت ظهره وبطنه»([41]).

الإجماع ــــــ

هناك من الفقهاء مَنْ ادّعى الإجماع على اعتبار القراءات المشهورة. قال السيد محمد جواد العاملي في «مفتاح الكرامة»: «فالدليل على وجوب الاقتصار عليها أنّ يقين البراءة إنما يحصل بذلك؛ لاتفاق المسلمين على جواز الأخذ بها، إلا ما عُلم رفضُه وشذوذه، وغيرها مختلفٌ فيه. ومن المعلوم أنها المتداولة بين الناس، وقد نطقت أخبارنا بالأمر بذلك، وانعقدت إجماعات أصحابنا على الأخذ به»([42]).

ومع الأخذ بنظر الاعتبار عدم تناول هذا الموضوع في مؤلَّفات الكثير من الفقهاء، وعدم خوضهم فيه، لا نفياً ولا إثباتاً، كيف يمكن ادّعاء الإجماع في مورده؟!([43]).

يُضاف إلى ذلك أن الذين يعتبرون القراءات المشهورة قد استندوا إلى بعض الروايات. ولو فرضنا وجود مثل هذا الإجماع المزعوم فحيث كان دليل المجمعين هو الروايات سيكون الإجماع المذكور مَدْرَكياً، ولن يكون معتبراً([44]).

الأمر الآخر في الردّ على هذا الاستدلال هو القول بأنّه حتّى إذا سلَّمنا بصحّة هذا الإجماع فهو مرتبطٌ بجواز القراءة في الصلاة. وهذه مسألةٌ فقهية، في حين أن موضوع بحثنا ـ كما تقدَّم في بداية البحث ـ هو حجِّية القراءات بوصفها مسألةً أصولية.

 

السيرة ــــــ

يُقال: إن سيرة المسلمين قد قامت على قراءة القرآن بواحدة من هذه القراءات (القراءات المشهورة بين القرّاء). قال السيد محمد جواد العاملي في «مفتاح الكرامة»: «وقد كانوا يرَوْن أصحابهم وسائر مَنْ يتردَّد إليهم مثال هؤلاء السبعة، ويسلكون سبيلهم، ولولا أن ذلك مقبول عنهم لأنكروا عليهم… وقد استمرَّتْ طريقة الناس وكذا العلماء على ذلك»([45]).

وجاء في مباني منهاج الصالحين ما يلي: «فلا شبهة في كفاية كلٍّ من القراءات السبع؛ لاستفاضة نقل الإجماع عليه، بل تواتره، إلى آخر كلامه. والسيرة الخارجية على قراءة القرآن بهذه القراءات بلا ردعٍ منهم^، فإنه لو رُدع لنُقل؛ ولو كان لبان»([46]).

إن الذي تمّ ذكره في الدليل بوصفه من السيرة ليس سوى ادّعاء؛ إذ بغضّ النظر عن القراءة المثبتة في المصاحف الراهنة ليس هناك من دليلٍ على رواج سائر القراءات الأخرى بين الناس في عصر الأئمّة^. كما أن القرائن القائمة في العصر الحاضر تقوم على أن القراءة الشائعة بين جمهور المسلمين في أكثر الحواضر الإسلامية لا تعدو القراءة الواحدة. بل سنذكر بعض المسائل تحت عنوان «قراءة جمهور المسلمين» تثبت وجود قراءةٍ خاصّة لعامّة المسلمين بمعزلٍ عن اجتهادات القرّاء، وأن هذه القراءة هي التي عليها المصحف الراهن.

ثمّ على فرض إثبات السيرة فإنها ـ كما تقدَّم ـ خاصّةٌ بجواز القراءة في الصلاة، وهي مسألةٌ فقهية، وأما بحثنا فيدور حول حجِّية القراءات بوصفها مسألةً أصولية.

الأحاديث ــــــ

تمّ الاستناد ـ لإثبات اعتبار القراءات المشهورة، مثل: القراءات السبعة ـ بطائفتين من الأحاديث، وهما:

 

أـ أحاديث القراءة كما يقرأ الناس ــــــ

ورد في بعض الروايات توجيه الأئمة الأطهار^ شيعتهم بالقراءة كما يقرأ الناس. وفي بعض الروايات أن يقرأوا القرآن كما تعلَّموه. ومن ذلك الروايتان التاليتان:

1ـ «عن سالم بن سلمة [في الوسائل: سالم بن أبي سلمة] قال: قرأ رجلٌ على أبي عبد الله× ـ وأنا أستمع ـ حروفاً من القرآن ليس على ما يقرؤها الناس، فقال أبو عبد الله×: كُفَّ عن هذه القراءة، اقرأ كما يقرأ الناس»([47]).

2ـ «عن سفيان بن السمط قال: سألتُ أبا عبد الله× عن تنزيل القرآن؟ قال: اقرأوا كما عُلِّمتم»([48]).

وقد استدلّ بهذه الروايات على النحو التالي: إن القراءات السبع ونظائرها كانت شائعةً في عصر الأئمة^، وكان الناس يتعلَّمونها، ويقرأون القرآن على طبقها. وإنّ ما نراه من الأئمة^، من دعوة شيعتهم إلى قراءة القرآن كما يقرأه الناس، أو كما تعلَّموه، يُثبت صحّة واعتبار القراءات المشهورة والمتداولة. ولو لم تكن هذه القراءات صحيحة أو معتبرة لما صحّ من الأئمة^ دعوة شيعتهم وأصحابهم إلى متابعة هذه القراءات، بل كان عليهم ردعهم عنها أيضاً([49]).

وفي معرض الإجابة عن هذا الاستدلال يجب القول: إن ما ورد عن الأئمة^، من حثّ أصحابهم وشيعتهم على قراءة القرآن كما يقرأه الناس، أو كما تعلَّموه، أمرٌ مقبول. ولكنّ هذا لا يثبت أن ما كان يقرأه الناس أو الذي تعلَّموه من القراءة المتداولة هو القراءات السبع ونظائرها، بل الذي يتَّضح من خلال دراسة المصاحف التي كتبت في الأمصار التي انتشرت منها المصاحف والقراءات، مثل: الكوفة والبصرة ومناطق شرق البلاد الإسلامي، يتَّضح أن الذي كان شائعاً بين جمهور المسلمين هي ذات القراءة الشائعة في عصرنا الحاضر. وعليه لا بُدَّ؛ من أجل الاستدلال بهذا النوع من الروايات، أن يتَّضح أوّلاً: ما هي القراءة التي كانت متداولة وشائعة بين الناس؟ وثانياً: ما هي القراءة التي كان يحرص الأصحاب على تعلُّمها؟ كي نتمكَّن بعد ذلك ـ من خلال الاستناد إلى هذه الأحاديث ـ من تحديد القراءة أو القراءات المعتبرة، في حين نجد الاستدلال المذكور يأخذ شيوع ورواج القراءات السبع ونظائرها أمراً ثابتاً، دون أن يقيم دليلاً على ذلك.

وكما تقدَّم في الدليلين السابقين فعلى فرض التسليم جَدَلاً بتمامية الاستدلال بهذه الروايات (استناداً إلى ظهور بعضها، وكذلك وجود القدر المتيقَّن في مفادها) إن الذي يثبت إنما هو مجرّد جواز القراءة، دون حجِّيتها بوصفها كلام الله؛ إذ كيف يمكن اعتبار القراءتين، اللتان قد يكون بينهما في بعض الأحيان تمام التنافي، والقول بأنهما كلام الله؟!

 

ب ـ أحاديث «الأحرف السبعة» ــــــ

إن من الأدلة التي يستدلّ بها على حجّية القراءات الحديثَ المعروف القائل: «نزل القرآن على سبعة أحرف».

وقد رُوي هذا الحديث من طرق مختلفة، وبعبارات متنوِّعة.

وقد ذهب علماء أهل السنّة إلى القول بتواتره([50])، ومع ذلك فقد اختلفوا في تفسيره بشدّةٍ. بَيْدَ أن الذين قبلوا بهذه الروايات قالوا بأن القراءة الصحيحة والمعتبرة لا تقتصر على قراءةٍ واحدة، بل يمكن للعديد من الروايات أن تكون صحيحةً ومعتبرة.

ولكي تتَّضح حقيقة الأمر لا بُدَّ أوّلاً من استعراض روايات «الأحرف السبعة»، مع بعض توجيهاتها، وبعد العمل على نقدها ودراستها نصير إلى بيان التبرير والتوجيه المقبول في هذا الشأن.

 

روايات «الأحرف السبعة» من طرق أهل البيت^ ــــــ

1ـ «عن حمّاد بن عثمان قال: قلتُ لأبي عبد الله×: إن الأحاديث تختلف عنكم! قال: فقال: إن القرآن نزل على سبعة أحرف، وأدنى ما للإمام أن يفتي على سبعة وجوه»([51]).

تعاني هذه الرواية من ضعف السند؛ إذ في سندها محمد بن يحيى الصيرفي، وهو مجهولٌ، ولم يَرِدْ فيه توثيقٌ، ولا مدحٌ أو ذمّ([52]).

مع اشتماله من حيث الدلالة على شيء من الإجمال؛ إذ لم يعلم ما إذا كان المراد من «الأحرف السبعة» في هذه الرواية هو الوجوه اللفظية، أو القراءات المختلفة. وقد قال الشيخ معرفت في بيان مفاد هذه الرواية: إن العلماء فسَّروا «الأحرف» في هذا الحديث بمعنى البطون([53]).

2ـ «عن عيسى بن عبد الله الهاشمي، عن أبيه، عن آبائه^، قال: قال رسول الله|: أتاني آتٍ من الله فقال: إن الله عزَّ وجلَّ يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلتُ: يا ربِّ، وسِّعْ على أمتي؛ فقال: إن الله عزَّ وجلَّ يأمرك أن تقرأ القرآن على حرفٍ واحد، فقلتُ: يا ربِّ، وسِّعْ على أمتي؛ فقال: إن الله عزَّ وجلَّ يأمرك أن تقرأ القرآن على حرفٍ واحد، فقلتُ: يا ربِّ، وسِّعْ على أمتي فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف»([54]).

وفي سند هذا الحديث أحمد بن هلال. وقد ورد فيه الذمّ كثيراً من قبل الإمام العسكري×. وجاء في فهرست الشيخ الطوسي أنه كان غالياً، ومتَّهماً في دينه([55]).

وقال الأستاذ معرفت& حول مفاد هذا الحديث: إن الأحرف في هذا الحديث تعني مختلف لهجات العرب، كما ورد ذلك في أحاديث أهل السنَّة أيضاً([56]).

3ـ «عن زرارة، عن أبي جعفر×، قال: تفسير القرآن على سبعة أحرف؛ منه ما كان؛ ومنه ما لم يكُنْ بعد، ذلك تعرفه الأئمّة»([57]).

إن لهذا الحديث ظهوراً في بطون القرآن والوجوه المعنوية، دون اللفظية؛ ولذلك لا صلة له بمسألة القراءات، وخاصّة أنه قد ورد في بعض الروايات «سبعة أوجه»، بدلاً من «سبعة أحرف»([58]).

ومضافاً إلى ذلك في سنده تردُّد بين ابن أبي عمير وغيره([59]).

 

أحاديث «الأحرف السبعة» في روايات أهل السنّة ــــــ

1ـ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ أَنَّ رَسُولَ اللهِ| قَالَ: «أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ، فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ»([60]).

2ـ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ الْقَارِي حَدَّثَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ| فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللهِ|، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلاَةِ، فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ، فَلَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ، فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأ؟ قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللهِ|… فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ| فَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ بِسُورَةِ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ|: أَرْسِلْهُ، اقْرَأْ يَا هِشَامُ. فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ| كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ. ثُمَّ قَالَ: اقْرَأْ يَا عُمَرُ. فَقَرَأْتُ الْقِرَاءَةَ الَّتِي أَقْرَأَنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ|: كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ؛ فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ»([61]).

3ـ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: أَخْبَرَنِي أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ| قَالَ لَهُ: «يَا أُبَيّ، إنَّ رَبِّي أَرْسَلَ إلَيَّ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، فَرَدَدْتُ إلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إلَيَّ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ»([62]).

4ـ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: لَقِيَ رَسُولُ اللهِ| جِبْرِيلَ فَقَالَ: «يَا جِبْرِيلُ، إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أُمَّةٍ أُمِّيِّينَ، مِنْهُمُ الْعَجُوزُ وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْغُلاَمُ وَالْجَارِيَةُ وَالرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يَقْرَأْ كِتَاباً قَطُّ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ»([63]).

5ـ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ|: «يَا أُبَيُّ، إِنِّي أُقْرِئْتُ الْقُرْآنَ، فَقِيلَ لِي: عَلَى حَرْفٍ أَوْ حَرْفَيْنِ؟ فَقَالَ الْمَلَكُ الَّذِي مَعِي: قُلْ عَلَى حَرْفَيْنِ، قُلْتُ: عَلَى حَرْفَيْنِ، فَقِيلَ لِي عَلَى حَرْفَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ؟ فَقَالَ الْمَلَكُ الَّذِي مَعِي: قُلْ عَلَى ثَلاَثَةٍ، قُلْتُ: عَلَى ثَلاَثَةٍ، حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ، ثُمَّ قَالَ: لَيْسَ مِنْهَا إِلاَّ شَافٍ كَافٍ، إِنْ قُلْتَ: سَمِيعاً عَلِيماً عَزِيزاً حَكِيماً، مَا لَمْ تَخْتِمْ آيَةَ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ، أَوْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ»([64]).

6ـ عن أبي هريرة أن رسول الله| قال: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف؛ فاقرأوا ولا حَرَج، ولكنْ لا تختموا ذكر رحمةٍ بعذابٍ، ولا ذكر عذابٍ برحمةٍ»([65]).

7ـ عن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أبيه قال: قال رسول الله|: قال جبريل: «اقرأوا القرآن على حرفٍ، فقال ميكائيل: استزده؛ فقال: على حرفين، حتّى بلغ ستّة أو سبعة أحرف؛ فقال: كلّها شافٍ كافٍ، ما لم يختم آية عذابٍ برحمةٍ، أو آية رحمةٍ بعذابٍ، كقولك: هلمَّ وتعال»([66]).

8ـ عن عبد الله بن مسعود أن النبيّ| قال: «أنزل القرآن على سبعة أحرف، لكلّ حرف منها ظهر وبطن، ولكلّ حرف حدٌّ، ولكل حدٍّ مطلع»([67]).([68])

9ـ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ| قَالَ: «نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. الْمِرَاءُ فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ (ثَلاثَ مَرَّاتٍ)، فَمَا عَرَفْتُمْ مِنْهُ فَاعْمَلُوا، وَمَا جَهِلْتُمْ مِنْهُ فَرُدُّوهُ إِلَى عَالِمِهِ»([69]).

10ـ عن سلمة بن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، أن النبيّ| قال لعبد الله بن مسعود: «إن الكتب كانت تنزل من السماء من بابٍ واحد، وإن القرآن أنزل من سبعة أبواب، على سبعة أحرف، حلال وحرام، ومحكم ومتشابه، وضرب أمثال، وآمر وزاجر، فحلّ حلاله، وحرّم حرامه، واعمَلْ بمحكمه، وقِفْ عند متشابهه، واعتبر أمثاله»([70]).

11ـ عن ابن جرير، عن أبي قلابة قال: قال رسول الله|: «أنزل القرآن على سبعة أحرف: آمرٍ وزاجر، وترغيب وترهيب، وجدل وقصص ومَثَل»([71])([72]).

 

أهل السنّة في مواجهة روايات «الأحرف السبعة» ــــــ

إن الروايات التي تقدَّم ذكرها تمثِّل نموذجاً جامعاً للروايات الكثيرة التي ساقها علماء أهل السنّة في هذا الباب([73]). ولكثرة هذه الروايات ذهب علماء أهل السنة إلى اعتبار تواترها، أو القول بصحتها، واستحالة إنكارها([74]).

ويبدو أن هذه هي الغلطة الأولى التي وضعتهم أمام مأزق فكري، اضطرَّهم إلى سلوك تخرّصات وتبريرات واهية([75])، وخاصّة أن من تلك الروايات ما يقول: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف؛ فاقرأوا ولا حَرَج… كلّها شافٍ كافٍ، ما لم يختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب… لَيْسَ مِنْهَا إِلاَّ شَافٍ كَافٍ، إِنْ قُلْتَ: سَمِيعاً عَلِيماً أو عَزِيزاً حَكِيماً».

ولا يخفى أن الالتزام بصحة هذه الظاهرة، والسماح بمثل هذا الأمر، يؤدّي إلى الهرج والمرج والاختلاف الكثير، وهذا سيؤدّي بدوره في نهاية المطاف إلى تحريف القرآن وضياعه. ومن ناحيةٍ أخرى إن الروايات المذكورة تعتبر متواترة من وجهة نظر علماء أهل السنّة، وعليه لا يجرؤ أحدٌ على ردِّها أو إنكارها، وحيث شقَّ عليهم تفسيرها، أو القبول بمضمونها، أو رفضها، نجد عالماً كبيراً من علماء أهل السنّة بحجم جلال الدين السيوطي يقول في هذا الشأن: «المختار أن هذا [حديث: نزل القرآن على سبعة أحرف] من متشابِه الحديث، الذي لا يُدْرى تأويله، والقدر المعلوم منه تعدُّد وجوه القراءات»([76]).

وقد سعى الكثير من علماء أهل السنة جاهدين إلى تبرير هذه المسألة بأمورٍ لا تقوم على أسس متينة. ومن بين الأمور التي بحثوها في هذا المجال هو السؤال القائل: هل جميع هذه الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن بقيَتْ على حالها بعد توحيد المصاحف أم لم يَبْقَ منها سوى حرفٍ واحد؟

يقول أبو شامة المقدسي في هذا الشأن: «ثمّ أجمعت الصحابة على إثباته بين الدفتين، وبقي من الأحرف السبعة التي كان أبيح قراءة القرآن عليها ما لا يخالف المرسوم»([77]).

وقال ابن عبد البرّ، نقلاً عن علماء أهل السنّة: «وهذا وجهٌ حسن من وجوه معنى الحديث. وفي كلّ وجهٍ منها حروفٌ كثيرة لا تحصى عدداً، وهذا يدلّك على قول العلماء أن ليس بأيدي الناس من الحروف السبعة التي نزل القرآن عليها إلاّ حرف واحد، وهو صورة مصحف عثمان، وما دخل فيها يوافق صورته من الحركات واختلاف النقط من سائر الحروف»([78]).

وعن الطحاوي أن جواز القراءة بالأحرف السبعة إنما كان يعود سببه إلى أن الناس كانوا بأجمعهم من الأمِّيين، ولم يكن يستطيع الكتابة منهم إلا النزر القليل… وأما عندما تعلَّم الناس، وصار بإمكانهم أن يقرأوا بقراءة رسول الله|، تعيَّنَتْ عليهم القراءة بقراءة رسول الله. وعليه فإن جواز القراءة بالأحرف السبعة إنما كان للضرورة، ولفترةٍ محدَّدة، وقد ارتفع هذا الجواز بارتفاع الضرورة([79]).

وقال الطبري: «إن عثمان بن عفّان جمع المسلمين؛ نظراً منه لهم، وإشفاقاً منه عليهم، ورأفةً منه بهم؛ حذار الردّة من بعضهم…؛ إذ ظهر من بعضهم بمحضره وفي عصره التكذيب ببعض الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن، مع سماع أصحاب رسول الله| من رسول الله| النهي عن التكذيب بشيءٍ منها، فحملهم عليه؛ إذ رأى ذلك ظاهراً بينهم في عصره، وبحداثة عهدهم بنزول القرآن، وفراق رسول الله إيّاهم بما أمن عليهم معه عظيم البلاء في الدين من تلاوة القرآن على حرفٍ واحد، وجمعهم على حرفٍ واحد، وحرق ما عدا المصحف الذي جمعهم عليه… فاستوثقت له الأمّة على ذلك بالطاعة… فتركت القراءة بالأحرف الستّة…؛ طاعةً منها له، ونظراً منها لأنفسها ولمَنْ بعدها من سائر أهل ملّتها، حتّى درست من الأمّة معرفتها وتعفَّتْ، فلا سبيل لأحد اليوم إلى القراءة بها؛ لدثورها وعفوّ آثارها، وتتابع المسلمين على رفض القراءة بها، من غير جحودٍ منها صحّتها، وصحة شيء منها»([80]).

وهنا يصرِّح الطبري بأن كل حرف من السبعة كان قرآناً، ولم يكن لأحد الحقّ في إنكار ذلك. وإلى هذا الكلام يعود ما قاله جمعٌ من كبار علماء أهل السنّة؛ لأنهم طبقاً للروايات المذكورة يعتقدون أن كل واحد من الأحرف السبعة قد نزل به القرآن.

بَيْدَ أن القول بمثل هذا الكلام يستلزم اتِّهام الله سبحانه بخلف الوعد في حفظ كتابه، إذ قال عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9)؛ إذ يذهب الكثير من كبار العلماء من أهل السنة إلى القول بأنه لم يَبْق من القرآن بعد توحيده سوى حرفٍ واحد من الأحرف السبعة، وأما الأحرف الستّة الأخرى فلم يَبْقَ لها من أثر.

والإشكال الآخر الذي يَرِدُ على هذا الكلام هو القول: كيف سمح عثمان لنفسه بأن يمحو سائر الأحرف الستة، مع أن المفروض أنهم كانوا يحسبونها جزءاً من القرآن الكريم؟! ولماذا لم يبادر سائر الصحابة إلى ردعه عن ذلك؟! في حين أن التاريخ يشهد بأنهم كانوا يعارضون حذف حتّى «الواو» من بعض الآيات([81]).

هناك من روايات الأحرف السبعة ما يدلّ على جواز تبديل النصّ القرآني، شريطة أن لا يتمّ تبديل آية رحمة بآية عذاب، أو آية عذاب بآية رحمة. ويمكن على سبيل المثال أن نستبدل عبارة «سميعاً عليماً» بعبارة «عزيزاً حكيماً».

وهذا الكلام من السخافة بحيث لا يقبل التأويل أو التوجيه أبداً. يدرك علماء الكلام واللغة بوضوحٍ أن لكل مفردة وتعبير موقعه الخاصّ به، وإن جمال وفصاحة الكلام مرهونٌ باختيار الكلمات والتعابير بشكلٍ دقيق. إن البلاغة والجمال الفذّ للقرآن الكريم، وإعجازه الذي تحدّى به الجنّ والإنس على أن يأتوا بمثله، يكمن في الاستعمال الدقيق للألفاظ والعبارات([82]). وقال الأصمعي في هذا الشأن حول قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (المائدة: 38): «قرأت هذه الآية، وإلى جنبي أعرابيٌّ، فقلت: والله غفورٌ رحيم ـ سهواً ـ، فقال الأعرابي: كلام مَنْ هذا؟ قلت: كلام الله، قال: أعِدْ، فأعَدْتُ: والله غفورٌ رحيم، فقال: ليس هذا كلام الله، فتنبَّهْتُ، فقلتُ: والله عزيزٌ حكيم، فقال: أصَبْتَ، هذا كلام الله، فقلتُ له: أتقرأ القرآن؟ قال: لا، قلتُ: فمن أين علمت أنّي أخطأْتُ؟ فقال: يا هذا، عزَّ فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع»([83]).

لو كان مضمون الروايات القائلة: يمكن استبدال «سميعاً عليماً» بعبارة «عزيزاً حكيماً»، كما يمكن استبدال كلمة «تعالَ» بـ «هلمّ وعجِّل أو أسرع»، صحيحاً فإن هذا يعني أن كلمات القرآن لا تتمتَّع بأيّ دقّة بلاغية محسوبة، وعندها لن يكون هذا القرآن معجزاً، بل لن يرقى حتّى إلى كلام بلغاء العرب؛ لأن البلغاء إنما يطلقون كلماتهم وفق معايير دقيقة ومحسوبة، في حين أن القرآن طبقاً لهذه الروايات لا يرقى إلى هذا المستوى!

كيف يمكن لرسول الله| ـ رغم اهتمامه الكبير بحفظ وصيانة نصّ القرآن الكريم ـ أن يسمح للأشخاص بتحريف نصّ القرآن من خلال تغيير عباراته بعبارات لا تناسب السياق، في حين أنه طبقاً لبعض الروايات لم يسمح حتّى بتغيير عبارات بعض الأدعية التي علَّمها لبعض أصحابه. فقد رُوي أن النبيّ الأكرم قال للبراء بن عازب بشأن الدعاء الذي يقرأ قبل النوم: «قُلْ: …وبنبيِّك الذي أرسلت». يقول البراء: قرأت الدعاء كما علَّمني رسول الله، ولكنّي، بدلاً من قول: وبنبيّك الذي أرسلت، قلتُ: وبرسولك الذي أرسلت، فوضع النبيُّ يده على صدري وقال: «قُلْ: …وبنبيِّك الذي أرسلت»([84]). وعليه لا شَكَّ في أن هذا النوع من الروايات لا يمكن إلاّ أن يكون مختلقاً أو محرَّفاً، ولا يخفى بطلانه على أهل العلم وذوي الحجى([85]).

 

تفسير مقبول بشأن روايات «الأحرف السبعة» ــــــ

كما تقدَّم فإنّ مفاد عدد من روايات «الأحرف السبعة» غير معقول، ولا يمكن القول به، إلا أن الذي اضطر علماء أهل السنة إلى القول بها، ودعاهم إلى تبرير وتوجيه جميع هذه الروايات، هو تصوّر تواترها([86]).

ولكنّ هذه الروايات ـ كما قال العلاّمة الأستاذ معرفت& ـ ليست متواترة؛ لأن التواتر يُشترط فيه وحدة المضمون. وهذه الروايات لا تتوفَّر على شرط وحدة المضمون، بل هي من حيث تفاوت المعنى تنقسم إلى أربعة أقسام مختلفة:

1ـ الروايات التي يمكن حملها على جواز قراءة القرآن بلهجاتٍ مختلفة، من قبيل: الروايات الأولى والثانية والثالثة والرابعة من الروايات الإحدى عشرة المتقدِّمة.

2ـ الروايات التي تعبّر عن جواز تبديل العبارات القرآنية بأخرى مشابهة لها، من قبيل: الروايات الخامسة والسادسة والسابعة.

3ـ الروايات الناظرة إلى البطون والمعاني المختلفة للقرآن، من قبيل: الروايتين الثامنة والتاسعة.

4ـ الروايات الناظرة إلى تقسيم الموضوعات والمفاهيم القرآنية، من قبيل: الروايتين العاشرة والحادية عشرة.

أما روايات القسم الثاني الدالّة على جواز تبديل كلمات النصّ القرآني بما يرادفها ويشابهها فقد تقدم بطلانها بشكلٍ واضح.

وأما روايات القسم الثالث والرابع فهي من حيث المضمون مقبولة، ولا غبار عليها، ولكنْ لا صلة لها بمسألة القراءات؛ وذلك لأن مفاد الروايات من القسم الثالث هو البطون والمعاني القرآنية العميقة، وإنّ روايات القسم الرابع ناظرةٌ إلى تقسيم الموضوعات القرآنية.

إلاّ أن الذي يمكن الاستناد إليه؛ بوصفه دليلاً على اعتبار القراءات المختلفة، هو روايات القسم الأول، الذي يقول مفاده بجواز قراءة القرآن بعدّة أوجه. وفي معنى هذه الروايات هناك احتمالان، يمكن بيانهما على النحو التالي:

1ـ أن تكون الروايات المذكورة ناظرةً إلى القراءات السبعة، أو جميع القراءات المشهورة، التي تشتمل على الضوابط المقبولة من وجهة نظر أهل الفنّ.

2ـ أن نعتبر الروايات المذكور ناظرةً إلى اللهجات المختلفة، والتي تؤثِّر في كيفية قراءات الأشخاص لا شعورياً ومن غير قصد، ويصعب عليهم الخلاص منها.

أما بشأن الجزء الأول من الاحتمال الأول فيجب القول: إن هذه الروايات ـ كما ذكر المحقّقون وأهل الفنّ ـ ليس لها أي ربط بالقراءات السبعة؛ وذلك لأن القرّاء بهذه القراءات لم يكن لهم وجودٌ في زمن النزول وعصر الصحابة، وإنّ حصر القراءات المختلفة والمتنوّعة بالقراءات السبعة إنما حدث في بداية القرن الرابع الهجري، على يد أبي بكر بن مجاهد([87]).

قال أبو شامة المقدسي: «وقد ظنّ جماعة ممَّنْ لا خبرة له بأصول هذا العلم أن قراءة هؤلاء الأئمة السبعة هي التي عبّر عنها النبي| بقوله: «أنزل القرآن على سبعة أحرف»، فقراءة كلّ واحدٍ من هؤلاء حرفٌ من تلك الأحرف. ولقد أخطأ مَنْ نسب إلى ابن مجاهد أنه قال ذلك»([88]).

وقال أبو محمد المكّي: «مَنْ ظنّ أن قراءة كل واحد من هؤلاء القرّاء ـ كنافع وعاصم وأبي عمرو ـ أحد الأحرف السبعة التي نصّ النبيّ| فذلك منه غلط عظيم»([89]).

وقال أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، المعروف بـ «ابن تيمية»: «لا نزاع بين العلماء المعتبرين في أن الأحرف السبعة التي ذكرها النبي| أن القرآن أنزل عليها ليست قراءات القرّاء السبعة المشهورة، بل أوّل مَنْ جمع ذلك ابن مجاهد، ليكون ذلك موافقاً لعدد الحروف التي أنزل عليها القرآن، لا لاعتقاده واعتقاد غيره من العلماء أن القراءات السبع هي الحروف السبعة، أو أن هؤلاء السبعة المعيَّنين هم الذين لا يجوز أن يُقرأ بغير قراءتهم»([90]).

أما الجزء الثاني من الاحتمال الأول في معنى الروايات مورد البحث فهو القول بأن هذه الروايات تحكي عن أن جميع القراءات المشهورة هي من القرآن، وتشتمل على الضوابط المقبولة، وإن عدد «السبعة» ليس سوى بيان للكثرة، ولذلك لا يفيد الحصر. وعلى هذا الأساس تكون كلُّ واحدةٍ من القراءات غير الشاذّة، والتي تندرج تحت الضوابط المقترحة من قبل كبار فنون القراءة، معتبرةً وصحيحة، وتكون من القرآن.

إن هذا الاحتمال في معنى الروايات مورد البحث غير مقبول أيضاً؛ إذ تنفيه الأدلة المحكمة التي سنأتي على ذكرها بشأن وحدة القراءة الصحيحة.

ومضافاً إلى ذلك، إذا قلنا بأن القراءات المختلفة الموجودة في كلّ آية تعتبر بأجمعها ـ طبقاً لمضمون روايات «الأحرف السبعة» ـ نازلة من عند الله عندها لن يصحّ ترجيح قراءةٍ على أخرى؛ إذ لا معنى لترجيح وجهٍ من كلام الله على وجهٍ آخر. فلو كان لروايات «الأحرف السبعة» مثل هذه الدلالة والمعنى لكان الأساتذة الكبار في فنّ القراءة في القرن الهجري الأول والثاني ـ وهم الأقرب إلى عصر النبيّ الأكرم ـ قد عملوا على أساسها، ولما قاموا بترجيح قراءةٍ على أخرى، ولما تمسَّكوا بالأدلة الأدبية وما شاكلها لإثبات أفضليّة قراءتهم على القراءات الأخرى؛ إذ مع افتراض نزول قراءتين أو ثلاث قراءات في آيةٍ واحدة من قبل الله لا يبقى موضعٌ لترجيح قراءة على قراءة أخرى.

وعليه يبدو أن أمتن الآراء بشأن المراد من روايات القسم الأول ـ كما قال الأستاذ معرفت& ـ هو القول بأن المراد منها هو التسهيل على القبائل والشعوب ذات اللهجات الخاصة، والتي يستحيل أو يصعب على بعضها تلاوة القرآن الكريم على لهجة النبيّ الأكرم|. من هنا فإن الله سبحانه وتعالى قد أذن لهم بقراءة ذلك النصّ الواحد للقرآن الكريم على طبق لهجتهم([91]). وإن الروايتين التاليتين تشيران إلى هذا الأمر:

1ـ عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أخبرني أبيّ بن كعب: إنّ النبيّ| قال له: «يا أبيّ، إن ربّي أرسل إليّ أن أقرأ القرآن على حرفٍ، فردَدْتُ إليه أن هوِّنْ على أمتي؛ فردّ إليَّ أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف…»([92]).

2ـ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: «لَقِيَ رَسُولُ اللهِ| جِبْرِيلَ، فَقَالَ: يَا جِبْرِيلُ، إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أُمَّةٍ أُمِّيِّينَ، مِنْهُمُ الْعَجُوزُ وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْغُلاَمُ وَالْجَارِيَةُ وَالرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يَقْرَأْ كِتَاباً قَطُّ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ»([93]).

إن المطالبة بالتسهيل على الأمة في الحديث الأول، والكلام عن كبار السن والصغار الذين يشقّ عليهم إجبارهم على قراءة واحدة في الحديث الثاني، قرينةٌ على أن رسول الله| قد استأذن الله تعالى أن يسهِّل تلاوة القرآن على الناس؛ كي يجوز لهم تلاوة القرآن بلهجاتهم، ولا يقعون في المشقّة والعَنَت في تعلمه.

قال العلاّمة معرفت& في بيان هذا الرأي: «أما الطائفة الأولى (من أحاديث الأحرف السبعة) ـ وتعني اختلاف اللهجات ـ فتوسعة على الأمة في قراءة القرآن، فإنّ البدوي لا يستطيع النطق كالحَضَري، ولا الأمّي يتمكّن في تعبيره كالمثقف الفاضل، ولا الصغير كالكبير، ولا الشيخ كالشابّ. فضلاً عن اختلاف لهجات القبائل في تعبير كلمة واحدة، بما تعجز كلّ قبيلة عن النطق بغير ما تعوّدت عليه في حياتها. وهكذا اختلاف أمم غير عربية في القدرة على النطق بالألفاظ العربية، فلو كانت الأمّة الإسلامية على مختلف شعوبها مكلّفة بالنطق على حدٍّ سواء لكان ذلك من التكليف بغير المستطاع»([94]).

وقال ابن قتيبة: «فكان من تيسيره تعالى أن أمره| بأن يُقرئ كلّ قوم بلغتهم وما جرَتْ عليه عادتهم؛ فالهذلي يقرأ (عتّى حين) يريد ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ (المؤمنون: 54)؛ لأنه هكذا يلفظ بها ويستعملها. والأسدي يقرأ (تِعلمون وتِعلم) ـ بكسر تاء المضارعة، و(تِسود وجوه) ـ بكسر التاء ـ و(أَلَمْ إِعْهَدْ إِلَيْكُمْ) بكسر الهمزة في إِعهد. والتميمي يهمز، والقرشي لا يهمز. والآخر يقرأ (قيل) و(غيض)، بإشمام الضمّ مع الكسر، و(رُدّت) بإشمام الكسر مع الضمّ، و(ما لك لا تأمنا) بإشمام الضمّ مع الإدغام، وهذا ما لا يطوع به كلّ لسان. ولو أن كل فريق من هؤلاء أُمر أن يزول عن لغته وما جرى عليه اعتياده طفلاً وناشئاً وكهلاً لاشتدَّ ذلك عليه، وعظمت المحنة فيه، ولم يمكنه إلاّ بعد رياضة للنفس طويلة، وتذليل للسان، وقطع للعادة، فأراد الله برحمته ولطفه أن يجعل لهم متَّسعاً في اللغات، ومتصرّفاً في الحركات، كتيسيره عليهم في الدين»([95]).

وقال ابن يزداد الأهوازي: «وجاء عن عليّ بن أبي طالب× وابن عبّاس أنهما قالا: نزل القرآن بلغة كلّ حيٍّ من أحياء العرب. وفي روايةٍ عن ابن عباس: أن النبي| كان يُقرئ الناس بلغةٍ واحدة؛ فاشتدَّ ذلك عليهم، فنزل جبرئيل، فقال: يا محمد، أَقْرِئْ كلَّ قومٍ بلغتهم»([96]).

وقال أبو شامة المقدسي: «هذا هو الحقّ؛ لأنه إنما أبيح أن يقرأ بغير لسان قريش؛ توسعة على العرب، فلا ينبغي أن يوسع على قومٍ دون قوم. فلا يكلّف أحد إلاّ قدر استطاعته. فمَنْ كانت لغته الإمالة، أو تخفيف الهمزة أو الإدغام، أو ضمّ ميم الجمع، أو صلة هاء الكناية، أو نحو ذلك، فكيف يكلَّف غيره؟! وكذا كلّ مَنْ كان من لغته أن ينطق بالشين التي كالجيم، في نحو: «أشدق»، والصاد التي كالزاي، في نحو: «مصدر»، والكاف التي كالجيم، والجيم التي كالكاف، ونحو ذلك. فهم في ذلك بمنزلة الألثغ والأرت، لا يُكلَّف ما ليس في وسعه، وعليه أن يتعلَّم ويجتهد»([97]).

وقال الأستاذ معرفت، بعد بيان هذه الآراء: «هذا ما نختاره في تفسير الأحرف السبعة باختلاف لغات العرب، أي لهجاتهم في التعبير والأداء. وقد مرّ تفسير السيوطي «اللغة» بكيفية النطق بالتلاوة، من إظهار وإدغام، وتفخيم وترقيق، وإمالة وإشباع، ومدّ وقصر، وتشديد وتليين وتحقيق، ونحو ذلك»([98]).

اتضح مما تقدّم أن الأستاذ معرفت& يرى أن القراءات المتنوِّعة الناشئة عن الاجتهاد أو خطأ القرّاء لا قيمة لها، وأما القراءات الناشئة عن اختلاف لهجات القبائل العربية المختلفة، والتي تعود إلى كيفية النطق، من قبيل: الإظهار والإدغام والتفخيم والترقيق والإمالة والإشباع والمدّ والقصر والتشديد والتليين وأمثال ذلك، فظاهر عبارة الأستاذ معرفت تصحيحها.

بَيْدَ أن كلامه في بيان ضابط القراءة الصحيحة، التي يحصرها في النهاية بقراءة حفص عن عاصم، لا ينسجم مع الموارد التي يؤدّي فيها اختلاف اللهجات إلى تغيير حروف الكلمة؛ إذ ينبغي على رأي سماحته تصحيح مثل قراءة «عتّى حين». هذا في حين أنه لا يصحِّح إلاّ القراءة التي وصلتنا عبر الجماهير. وعليه لا بُدَّ من القول: إن قراءة أصحاب اللهجات إذا كانت خارجةً عن قراءة الجمهور فإنها لا تجوز إلاّ لأصحابها([99]).

اتَّضح مما تقدّّم أن لا وجود لعددٍ من القراءات الصحيحة والمعتبرة، بحيث يمكن اختيار أيّ واحد منها، لا إذا كان هناك من الناس مَنْ لا يستطيع قراءة القرآن كما نزل على رسول الله|؛ بسبب لهجته الخاصة التي درج ونشأ عليها، فيمكنه قراءة القرآن بالشكل الذي لا يشقّ عليه؛ تسهيلاً ورحمة من الله. وفي ذلك روى الإمام الصادق× عن النبيّ الأكرم| أنه قال: «إنّ الرجل الأعجمي من أمتي ليقرأ القرآن بعجمته([100]) فترفعه الملائكة على عربيَّته»([101]).

لا يخفى على أهل التحقيق أن جواز وصحّة القراءات على طبق اللهجات لأصحاب تلك اللهجات إنما هو مسألةٌ فقهية، ولا يمكن اعتبارها مستمسكاً لإثبات حجّية القراءات، التي هي مسألةٌ أصولية؛ لأن القراءات المنبثقة عن اللهجات تعود إلى قراءةٍ واحدة، وهي القراءة التي نزلت على رسول الله|، ولذلك فإنها لا تستلزم اختلاف المعنى.

 

أدلّة وحدة القراءة الصحيحة ــــــ

كما تقدَّم فإن الأستاذ الشيخ معرفت& يرى أن القرآن الكريم قد نزل بقراءةٍ واحدة فقط، وأن الحجّية والاعتبار لا يكون إلاّ لهذه القراءة الواحدة، وهي المتمثِّلة بقراءة جمهور المسلمين، والمتواترة عن النبيّ الأكرم|، وقد وصلَتْ إلينا عبر الأجيال والتاريخ من قناةٍ منفصلة عن قنوات القراءات الاجتهادية للقرّاء([102]). ويؤيِّد ذلك الكثير من القرائن والشواهد العقلية والنقلية.

الشواهد العقلية ــــــ

أـ بطلان تعدُّد القراءات ــــــ

إن وجود قراءةٍ واحدة وإطار لفظيّ محدَّد للقرآن ـ كما هو الحال بالنسبة إلى أي كلام آخر ـ أمرٌ ثابت ومعلوم؛ إذ لا إمكانية لتحقق الكلام دون ذلك. وفي المقابل لا يُعْلَم وجود أكثر من هذه القراءة الواحدة والإطار اللفظي الواحد للقرآن. وإن إثبات هذا الأمر يحتاج إلى دليلٍ يورث العلم.

بَيْدَ أنّه ـ كما تبيَّن من مناقشة أدلة نظرية تعدُّد القراءات ـ لم يتمّ تقديم مثل هذا الدليل، بل إن الأدلّة القائمة تعبِّر عن رفض هذه النظرية. وعليه فإن الثابت حالياً هو وحدة القراءة. وعليه فإن للقرآن قراءةً واحدة. وأما ما هي تلك القراءة؟ فهو سؤالٌ سنبحثه في القسم الأخير من هذا المقال.

 

ب ـ براءة القرآن من التناقض والاختلاف ــــــ

إن القول بتعدُّد قراءات القرآن يستلزم وجود التناقض والتضادّ والاختلاف في القرآن الكريم وفي أحكام الله. وهذا أمرٌ نفاه الله بشدّةٍ؛ لأن اختلاف القراءات يؤدي أحياناً إلى استنباط أحكام مختلفة ومتناقضة، بحيث لا يمكن القول بصحة الجميع، واعتبار كلا الحكمين المتعارضين هو حكم الله.

وإليك بعض الأمثلة على ذلك:

أـ في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (البقرة: 222).

قرأ حمزة والكسائي وخلف بن هشام وأبو بكر بن العياش «يطَّهرن» بتشديد الطاء، بينما قرأ الآخرون بتخفيف الطاء([103]).

وإن الحكم المستنبط من كلا القراءتين يختلف عن الآخر؛ إذ طبقاً لقراءة التخفيف يستفاد الحكم بجواز مباشرة الحائض بعد انقطاع الحيض وقبل الاغتسال، وأما على قراءة تشديد الطاء فلا تجوز المباشرة إلاّ بعد الغسل([104]).

ب ـ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (البقرة: 125).

قرأ أكثر القرّاء «اتَّخِذوا» على صيغة الأمر، بينما ذهب عامر ونافع إلى قراءتها بصيغة الفعل الماضي. ولا شَكَّ في أن القراءة الأولى تفيد الأمر والظهور في الوجوب، بينما القراءة الثانية لا تفيد غير الإخبار البَحْت والحكاية عن الماضي، بحيث لا يمكن حمل الآية على الإنشاء والطلب. وقد ذهب علماء الإمامية ـ طبقاً للروايات ـ إلى اختيار القراءة الأولى، الدالّة على الأمر، والتي توافق رسم المصحف، وبذلك ذهبوا إلى وجوب صلاة الطواف في مقام إبراهيم([105]).

ج ـ في قوله تعالى: ﴿يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾ (يوسف: 81).

والقراءة المشهورة «سَرَقَ» على صيغة الفعل الماضي، ولكنْ رُوي عن الكسائي أنه قرأها على صيغة «سُرِّق» (بمعنى: اتُّهم بالسرقة). والفرق بين القراءتين واضحٌ([106]).

وقد ذكر الأستاذ معرفت& المزيد من الأمثلة، نعرض عن ذكرها مخافة الإطالة([107]).

فإذا استحال أن يكون هناك أيُّ اختلافٍ في كلام الله كيف يمكن اعتبار هذا النوع من القراءات ـ التي لا يمكن الجمع بينها ـ قرآناً، واعتبارها صحيحة بأجمعها؟! وقد قال الله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً﴾ (النساء: 82).

 

الشواهد النقلية ــــــ

أـ الروايات ــــــ

1ـ عن الفضيل بن يسار قال: قلتُ لأبي عبد الله×: إن الناس يقولون: إن القرآن نزل على سبعة أحرف، فقال: «كذبوا أعداء الله، ولكنّه نزل على حرفٍ واحد، من عند الواحد»([108]).

2ـ عن زرارة، عن أبي جعفر× قال: «إن القرآن واحدٌ، نزل من عند واحدٍ، ولكنّ الاختلاف يجيء من قبل الرواة»([109]).

إن هاتين الروايتين تدلاّن بوضوحٍ على صحّة قراءةٍ واحدة فقط؛ لأن الرواية الأولى ـ وسندها صحيح ـ أنكرَتْ نزول القرآن على سبعة أحرف بشدّة. وحيث إن تفسير «الأحرف السبعة» بالبطون والمفاهيم القرآنية وأقسام المعارف المتنوّعة مقبولٌ، طبقاً للأحاديث المأثورة عن أهل البيت^، يجب أن يكون إنكار الإمام× لنزول القرآن على سبعة أحرف ناظراً إلى القراءات المختلفة لنصّ القرآن. وعليه فإن «نزول القرآن على حرفٍ واحد» في كلام الإمام× يعني أن القراءة الصحيحة واحدة، لا أكثر. وفي الرواية الثانية يصرِّح الإمام الباقر× بأن القرآن واحد، وأن منشأ الاختلاف في القراءات يعود إلى اختلاف الرواة، لا إلى تعدُّد القراءة الواقعية للقرآن الكريم.

3ـ عن أبي عبد الله× قال: إن رسول الله| قال: «…لو أن الناس قرأوا القرآن كما أنزل ما اختلف اثنان»([110]).

ظاهر هذا الحديث النبوي يُثبت أن القراءة الصحيحة التي نزل بها القرآن لا تعدو الواحدة، ومن هنا فإن منشأ الاختلاف في القراءات بين القرّاء يكمن في أن هؤلاء القرّاء لم يلتزموا بالقراءة التي نزل القرآن على طبقها.

4ـ عن أبي عبد الله×: «إنْ كان ابن مسعود لا يقرأ على قراءتنا فهو ضالٌّ». فقال ربيعة: ضالٌّ؟! فقال×: نعم، ضالٌّ. ثمّ قال أبو عبد الله×: «أما نحن فنقرأ على قراءة أبيّ»([111]).

قال العلامة معرفت& في هذا الحديث: «لعلهم تذاكروا شيئاً من قراءات ابن مسعود غير المتعارفة، فنبَّههم الإمام× أنها غير جائزة، وأن الصحيح هي قراءة عامّة المسلمين، ومَنْ خرج عن المعهود العام فهو ضالٌّ؛ لأنه أخطأ طريقة المسلمين التي توارثوها كابراً عن كابر عن نبيِّهم العظيم. فلو كان ابن مسعود يقرأ القرآن على خلاف طريقة المسلمين ـ على تقدير صحّة النسبة ـ فهو ضالٌّ؛ لأن الطريق الوسط هو الذي مشى عليه جماعة المسلمين، والحائد عن الجادّة الوسطى ضالٌّ لا محالة، أيّاً كان. أما قوله: أما نحن فنقرأ على قراءة أبيّ([112]) ـ أي أبيّ بن كعب ـ فإشارة إلى حادث توحيد المصاحف على عهد عثمان، حيث كان المُمْلي أبيّاً، والجماعة يكتبون على إملائه، ويرجعون إليه في تعيين النصّ الأصل عند الاختلاف. فالمصحف الموجود ـ الذي عليه عامّة المسلمين ـ هو من إملاء أُبيّ، فالقراءة وفق قراءة أُبيّ كناية عن الالتزام بما عليه عامّة المسلمين الآن»([113]).

5ـ عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله قال: اختصم رجلان في سورةٍ، فقال هذا: أقرأني رسول الله|، وقال هذا: أقرأني رسول الله، فأتيا النبيَّ|، فأُخبر بذلك. قال: فتغيَّر وجهه، فقال: «اقرأوا كما علمتم»، فذكر فيه كلاماً، ثمّ قال: «فإنما هلك مَنْ كان قبلكم باختلافهم على أنبيائهم»([114]).

يستفاد من هذه الرواية أن رسول الله| كان يولي أهمِّية كبيرة لوحدة المسلمين، وأن اختلافهم كان يشقّ عليه جدّاً. وبالالتفات إلى أن اختلاف القراءات يعتبر من عوامل الفرقة والاختلاف كيف يمكن لرسول الله| أن يؤيِّده، ويدعو إليه؟ وإن عبارة «اقرأوا كما عُلِّمتم»، بعد إبداء الامتعاض، تثبت أن النبيَّ الأكرم| لم يقرّ اختلاف القراءات، بل كان يدعو الجميع إلى قراءةٍ واحدة، وهي التي أشرف بنفسه على تعليمها للناس([115]).

 

ب ـ روايات التابعين ــــــ

1ـ قال أبو عبد الرحمن السلمي: «كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدةً، كانوا يقرؤون قراءة العامّة، وهي القراءة التي قرأها رسول الله| على جبريل مرّتين في العام الذي قُبض فيه»([116]).

2ـ روى محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني(73هـ) أنه قال: «القراءة التي عرضت على النبيّ| في العام الذي قبض فيه هي القراءة التي يقرؤها الناس اليوم»([117]).

3ـ وقال أنس بن مالك: «صلَّيْتُ خلف رسول الله| وأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، كلّهم كان يقرأ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾»([118]).

4ـ وقال السيوطي: «عن الزهري: أن رسول الله| وأبا بكر، وعمر، [وعثمان] كانوا يقرأونها ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وأوّل مَنْ قرأها «مَلِكِ» بغير ألف مروان»([119]).

عندما نراجع كتاب «تفسير مقاتل بن سليمان(150هـ)»، وهو أقدم تفسير موجود، لا نواجه غير النَّزْر القليل من الاختلاف في القراءة (ما يقرب من عشرة موارد من مجموع القرآن). وكذلك في كتاب «مشتبِهات القرآن»، عن عليّ بن حمزة الكسائي(189هـ)، رغم ذكره الكثير من الآيات، إلاّ أنه لم يذكر أيَّ حديثٍ عن اختلاف القراءات. ويبدو أن القراءة المقبولة من قبل عامة المسلمين كانت موجودة بين المسلمين، وإن القراءات الأخرى، التي هي عبارةٌ عن آراء القرّاء واجتهاداتهم، تطرح على هامش تلك القراءة. وكما سيتَّضح لاحقاً من الكتب التي تعود إلى أواخر القرن الهجري الثاني وما تلاه تم طرح الاختلاف في القراءات بزَخْمٍ أكبر.

 

ج ـ سيرة القرّاء السبعة والعشرة ــــــ

على الرغم من أن مشاهير القرّاء (من أمثال: القرّاء السبعة والعشرة) كانوا يختلفون في قراءة عددٍ من كلمات القرآن، ولكنّهم كانوا يشتركون في نقطةٍ واحدة، وهي أن كل واحد منهم كان يختار القراءة التي يرجِّحها على سائر القراءات، وتنسب إليه تلك القراءة، دون غيره.

وهذا المنهج يحكي عن أنهم بأجمعهم لا يعتبرون القراءة المشهورة هي قراءة رسول الله. فلو أنهم كانوا يرَوْن القراءات المختلفة، طبقاً لروايات «الأحرف السبعة» ـ التي قال عنها الجزري وأمثاله أنها مشتملة على ملاكات القراءة الصحيحة ـ، واحدةً من وجوه القرآن التي نزلت من عند الله فعندها لا يكون اختيار قراءة وترجيح بعض القراءات على القراءات الأخرى صحيحاً؛ إذ لا معنى لأن نقبل ببعض وجوه كلام الله ونرفض الوجوه الإلهية الأخرى.

ولو كانت روايات «الأحرف السبعة» تنطوي على هذا المعنى لعمل الذين كانوا يعيشون في القرنين الهجريّين الأول والثاني، وكانوا أقرب إلى عصر النبي الأكرم|، لعملوا على طبق هذا المعنى، ولما قاموا باختيار وترجيح قراءةٍ على أخرى، ولما ساقوا الأدلّة الأدبية وأمثالها على ترجيح قراءتهم على القراءات الأخرى؛ إذ مع فرض نزول قراءتين أو ثلاث قراءات في آيةٍ واحدة من قبل الله لا يكون هناك لترجيح قراءةٍ على أخرى أيّ موضعٍ من الإعراب. من هنا فإن سيرة القرّاء المذكورين تحكي عن وحدة القراءة الصحيحة للقرآن.

 

إعراب القرآن وتنقيطه ــــــ

إن إعراب القرآن الكريم وتنقيطه على يد «أبي الأسود الدؤلي» وتلميذَيْه: «يحيى بن يعمر»؛ و«نصر بن عاصم»، في النصف الثاني من القرن الأول([120])، يثبت وحدة نصّ القرآن الكريم؛ وذلك لأن هذا الأمر بطبيعة الحال لا يكون إلاّ ضمن قراءةٍ واحدة، ومع ذلك لم يتردَّد هؤلاء في المضيّ بعملية تنقيط القرآن وإعرابه، وما ذلك إلاّ لمعلومية قراءة جمهور المسلمين بالنسبة لهم([121]). فلو كان القرآن قد نزل بقراءات مختلفة لوجب على الأئمة^ وسائر علماء المسلمين أن يمنعوا من تنقيط القرآن بشكلٍ قاطع وحاسم؛ كي لا تهجر سائر القراءات الأخرى، التي تعتبر قرآناً أيضاً. ولكنْ لم يتمّ هذا فحَسْب، بل أخذت عمليّة إعراب القرآن وتنقيطه تنتشر تدريجياً، وعلى نطاقٍ واسع.

 

القراءة الصحيحة: خصائصها، وطرق معرفتها ــــــ

يتَّضح من الشواهد العقلية والنقلية على نحوٍ جليّ أن القراءة الصحيحة التي تحظى بالحجّية والاعتبار هي قراءةٌ واحدة، لا غير. ولكنّ السؤال المطروح هنا، والذي يجب أن نجيب عنه، هو: ما هي هذه القراءة الصحيحة؟ وما هي خصائصها؟

يقول الأستاذ معرفت& في هذا الشأن: إن الذي نراه هو الضابط لقبول القراءة عبارةٌ عن موافقة قراءة جمهور المسلمين، بمعزل عن قراءة القرّاء؛ لأن القرآن الكريم سار في اتجاهين: الاتجاه الأول: هو الذي مرّ عبر أجيال المسلمين، وتناقلوه عبر الصدور من الآباء والأجداد، وصولاً إلى شخص رسول الله|، حتّى وصل إلينا.

إن هذه القراءة الجماهيرية هي التي توافق الضبط الموجود في المصحف الراهن([122])، والذي يعبِّر عن قراءة حفص؛ لأن حفصاً وأستاذه عاصماً كانا متمسِّكين بشدّة بالرواية الصحيحة والمتواترة، التي هي قراءة جمهور المسلمين([123]). وقد قرأ الإمام عليّ× ذات القراءة التي قرأ بها جمهور المسلمين عن رسول الله|. وهذه القراءة هي التي وصلت إلينا على نحو التواتر.

وأما المسار الذي سلكه القرآن عبر قراءات القرّاء (باستثناء قراءة عاصم) فهي قناةٌ اجتهادية، والاجتهاد في القرآن هو اجتهاد في مقابل النصّ، فيكون فاقداً للحجّية الشرعية.

وفي ما يلي نذكر ثلاثة شروط لتحديد القراءة الصحيحة والمتواترة، التي نقلت لنا وضبطت عبر جمهور المسلمين:

الأول: موافقة ضبط المصحف الموجود، الذي تمَّت صيانته من قبل جمهور المسلمين عبر القرون، حيث تُعاد طباعته وكتابته ـ وخاصّة في بلدان الشرق الإسلامي ـ دون أيّ اختلافٍ أو تفاوت.

الثاني: موافقة أفصح الأصول وأشهر قواعد اللغة العربية؛ لأن القرآن قد نزل بأفصح لغةٍ، ولا يحتوي على أيّ شذوذٍ لغويّ أبداً.

الثالث: موافقة الأصول الشرعية الثابتة والأحكام العقلية القطعية؛ لأن القرآن هو الذي أسَّس لقواعد الشريعة الواضحة، وهو الذي أرسى دعائم الأفكار العقلية الصحيحة، ولا يمكنه مخالفة ما أسَّس له وأرساه([124]).

 

القراءة الصحيحة: قراءة جمهور المسلمين ــــــ

إن الحديث التالي، والشواهد الأخرى التي سنأتي على ذكرها، تثبت أن القراءة الصحيحة هي قراءة جمهور المسلمين:

عن سالم بن [أبي] سلمة قال: قرأ رجل على أبي عبد الله× ـ وأنا أستمع ـ حروفاً من القرآن، ليس على ما يقرؤها الناس، فقال أبو عبد الله×: «كُفَّ عن هذه القراءة، اقرأ كما يقرأ الناس»([125]).

يستفاد من هذا الحديث أمران في غاية الأهمية، وهما:

1ـ كان لجمهور المسلمين قراءة معروفة؛ بدليل أن الراوي يقول: «قرأ رجلٌ… حروفاً من القرآن، ليس على ما يقرؤها الناس»، وإن الإمام الصادق× قال لذلك الرجل: «اقرأ كما يقرأ الناس».

فلو لم تكن هناك للناس مثل هذه القراءة لما صحّ من الإمام الصادق× دعوة ذلك الرجل إلى القراءة على طبقها.

2ـ إن القراءة الصحيحة والمعتبرة هي قراءة جمهور المسلمين. والدليل على ذلك أن الإمام الصادق× أمر ذلك الرجل باتّباع قراءة الناس، ونهاه عن غيرها.

لقد توهّم الكثير من الفقهاء أن المراد من «قراءة الناس» في كلام الإمام الصادق× هو القراءات السبع وما كان على شاكلتها، وعلى هذا الأساس أفتَوْا بصحّة واعتبار القراءات([126]).

ولكنّه توهُّمٌ خاطئ؛ لأن «قراءة الناس»، و«قراءة العامّة»، و«قراءة العوّام»، و«قراءة الجمهور»، الناظرة إلى قراءة جمهور المسلمين، عناوين قد استعملت في مقابل قراءة القرّاء، وقسيم الشيء لا يمكن أن يكون مساوياً له؛ لأن قراءة القرّاء إنما هي نقل واحدٍ عن واحد، وحيث لا تتوفّر على شرط التواتر لا تثبت قرآنيّتها، خلافاً لقراءة عامّة المسلمين، التي يتلقّاها جمهور المسلمين في كلّ عصر عن جمهور المسلمين في العصر السابق، وصولاً بهذه السلسلة السندية إلى رسول الله|.

قال خلاد بن يزيد الباهلي(220هـ): «قلتُ ليحيى بن عبد الله بن أبي مليكة(173هـ): إن نافعاً حدَّّثني عن أبيك، عن عائشة، أنها كانت تقرأ: «إذ تلِقُونه» (بكسر اللام وضمّ القاف)، وتقول: إنها من (ولق الكذب)! فقال يحيى: ما يضرّك أن لا تكون سمعته عن عائشة، وما يسرّني أني قرأتُها هكذا… قلتُ: ولِمَ؟ وأنتَ تزعم أنها قد قرأت! قال: لأنه غير قراءة الناس، ونحن لو وجدنا رجلاً يقرأ بما ليس بين اللوحين ما كان بيننا وبينه إلاّ التوبة… نجيء به نحن عن الأمّة، عن الأمّة، عن النبيّ|، عن جبرئيل، عن الله عزَّ وجلَّ، وتقولون أنتم: حدَّثنا فلان الأعرج، عن فلان الأعمى!»([127]).

وقد تقدَّم أن أبا عبد الرحمن السلمي قال: «كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة، كانوا يقرؤون قراءة العامّة، وهي القراءة التي قرأها رسول الله| على جبريل مرّتين في العام الذي قُبض فيه»([128]).

وفي ما يلي نسوق بعض الشواهد من المصادر القديمة التي تثبت أن قراءة جمهور المسلمين كانت مطروحة في مقابل قراءة القرّاء.

 

قراءة جمهور المسلمين وقراءة القرّاء ــــــ

إن قراءة جمهور المسلمين ـ خلافاً لسائر القراءات المنسوبة إلى أصحابها ـ تنسب إلى الجماهير، وقد تمَّتْ الإشارة إليها بعبارات، من قبيل: «قراءة العامّة»، و«قراءة العوّام»، و«قراءة الناس»، و«قراءة الجمهور»، وهي قراءةٌ مستقلّة عن قراءات القرّاء. والشواهد على ذلك ما يلي:

أـ جاء في كتاب العين، للخليل بن أحمد الفراهيدي(175هـ): «ويُقرأ: «بديعَ السماوات والأرض»([129]) بالنصب [بديعَ] على جهة التعجُّب… وقراءة العامّة الرفع [بديعُ]. وهو أَوْلى بالصواب»([130]).

ب ـ ورد الكلام في كتاب «معاني القرآن»، لأبي زكريا يحيى بن زياد الفرّاء(204هـ)، عن قراءة جمهور المسلمين في مقابل قراءات القرّاء في الكثير من المواضع. وفي ما يلي نذكر جانباً منها:

1ـ «قوله: ﴿فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (الإسراء: 23). قرأها عاصم بن أبي النَّجُود والأعمش (أُفِّ) خفضاً بغير نون. وقرأ العوامّ (أُفٍّ)، فالذين خفضوا ونوَّنوا ذهبوا إلى أنها صوت لا يُعْرَف معناه إلاّ بالنطق به؛ فخفضوه كما تُخْفَض الأصوات»([131]).

2ـ «قوله: ﴿وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ﴾ (الزمر: 29)، هو المؤمن الموحِّد. وقد قرأ العوامّ (سَلَماً). وسَلَمٌ وسالم متقاربان في المعنى، وكأنّ (سلماً) مصدر لقولكَ: سَلِم لهُ سَلَماً، والعرب تقولُ: رَبِحَ رِبْحاً ورَبَحَاً، وسَلِمَ سِلْماً وسَلَماً وسلامة. فسالم من صفة الرجل، وسَلَمَ مصدرٌ لذلك. والله أعلم»([132]).

3ـ «قرأ حمزة: «وَمَا أنتَ تهدي العُمْي». وَقراءة العوام: ﴿بِهَادِي الْعُمْيِ﴾ (النمل: 81)»([133]).

4ـ «عن عبد الملك بن الأبجر، عن الشعبي، عن مسروق، أنه قرأ: «أَفَتَمْرُونَه». وعن شُريح أنه قرأ: ﴿أَفَتُمَارُونَه﴾ (النجم: 12)، وهي قراءة العوامّ وأهل المدينة، وعاصم بن أبي النَّجود والحسن»([134]).

5ـ «قوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ…﴾ (النور: 36). قرأ الناس بكسر الباء. وقرأ عاصم (يُسَبَّحُ) بفتح الباء. فمَنْ قال: «يسبَّح» رفع الرجال بنيَّة فعل مجدَّد. كأنه قال: يُسَبِّح له رجالٌ لا تلهيهم تجارةٌ»([135]).

ج ـ وفي كتاب «تأويل مشكل القرآن»، لعبد الله بن مسلم بن قتيبة(276هـ): «وقرأ بعض القرّاء: «وأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكاً» (بغير همزة)؛ وقرأ الناس: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ (يوسف: 31)»([136]).

د ـ وفي كتاب «إعراب القرآن»، للزجاج (القرن الهجري الرابع)، ورد ذكر الموارد التالية:

1ـ «قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ (الشعراء: 197)، فإنّ يعلمه اسم يكن، وآية خبرٌ مقدَّم على الاسم، وهي قراءة الناس، سوى ابن عامر، فإنه قرأ: أَوَلَمْ تَكُنْ، بالتاء، وآيةٌ رفعاً»([137]).

2ـ «ومن ذلك قراءة العامّة، دون قراءة ابن كثير»([138]).

3ـ «فتراه رجَّح قراءة ابن كثير على قراءة العامّة»([139]).

هـ ـ وفي كتاب «تفسير بحر العلوم، لنصر بن محمد بن أحمد السمرقندي (القرن الهجري الرابع):

1ـ «﴿وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ (التوبة: 40). قرأ الأعمش ويعقوب الحضرمي: «وكلمةَ الله» بالنصب. وقراءة العامّة بالضمّ، على معنى الاستئناف»([140]).

2ـ «﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (الحجر: 12). قرأ بعضهم: «نُسْلِكه»، بضمّ النون وكسر اللام. وقراءة العامّة بنصب النون وضمّ اللام. وهما لغتان»([141]).

وكما نرى فإن هذه النماذج من الأمثلة تذكر التعبير بمثل: «قراءة العامّة»، و«قراءة العوّام»، و«قراءة الناس»، في مقابل سائر القراءات. وهذا يدلّ على أن جمهور الناس كانوا يتعلَّمون القراءة المشهورة للقرآن بين الناس، ويقرأونها في مجالسهم الخاصّة، بمعزلٍ عن القرّاء السبعة أو العشرة؛ لإدراكهم أن الخوض فيها سيؤدِّي بهم إلى الفرقة والخلاف والحيرة والضياع.

وحيث كانت قراءة العامّة معروفة بين الناس، وكانوا يتداولون تعليمها وتعلُّمها، قال الإمام الصادق× في جواب سفيان بن سمط، عندما سأله عن كيفية تنزيل القرآن: «اقرأوا كما عُلِّمْتُم»([142])، وقال في حديثٍ آخر، لذلك الرجل الذي كان يقرأ على خلاف قراءة الجمهور: «كُفَّ عن هذه القراءة، اقرأ كما يقرأ الناس»([143]).

ويبدو أن ما قام به أبو الأسود الدؤلي وتلميذاه (في القرن الهجريّ الأوّل)، من إعراب القرآن الكريم وتنقيطه([144])، قد أسهم بشكلٍ كبير في الحفاظ على القراءة الواقعية والمشهورة للقرآن بين الجمهور، ودفع بالقراءات المخالفة لتبقى في الهامش وبين الخاصّة فقط؛ إذ على الرغم من أن هذه العملية لم تَحْظَ بالقبول عند البعض، ولكنَّهم في الوقت نفسه لم يجدوا فيها إشكالاً لتعليم القرآن([145]). وقد أدّى ذلك في نهاية المطاف إلى الحيلولة دون تسلُّل القراءات غير المتواترة إلى دائرة قراءة الجمهور.

إن القراءة التي نشاهدها حاليّاً، في الأغلبيّة الساحقة من المصاحف، هي ذات القراءة التي قرأ بها عامّة الناس، والتي كانت موجودة في أغلب مصاحف القرون السابقة، وانتقلت إلينا عبر الجماهير.

إن تناغم هذه القراءة مع قراءة عاصم، برواية حفص بن سليمان، لا يعني أن المصاحف الراهنة قد سارَتْ على طبق قراءة حفص، بل إن هذا التناغم والانسجام يأتي من أن السند المتين لقراءة حفص عن عاصم ينتهي إلى الإمام عليّ بن أبي طالب×، وكانت قراءة الإمام هي قراءة عامّة المسلمين([146]).

 

الإجماع على صحّة قراءة الجمهور ــــــ

بالالتفات إلى أن اعتبار قراءة جمهور المسلمين مورداً لقبول جميع المسلمين يكون اعتبارها إجماعياً، ولا يبقى هناك مجالٌ للتشكيك في اعتبارها، بينما نجد اعتبار سائر القراءات الأخرى موضع خلاف. وحيث لا يكون هناك دليلٌ قاطع على قرآنيّتها لا يَسَعُنا الاستناد إليها بوصفها من القرآن.

آية الحفظ وقيمة قراءة الجمهور ــــــ

بالنظر إلى إثبات وحدة نصّ القرآن الكريم من ناحيةٍ، وبالنظر إلى وعد الله تعالى بحفظ القرآن الكريم من التحريف في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9) من ناحيةٍ أخرى، يتعيَّن القول بأن الكتاب المعروف حالياً بين المسلمين بوصفه قرآناً، وليس هناك خلافٌ بينهم في قرآنيّته، هو القرآن الذي تكفَّل الله تعالى بحفظه وصيانته؛ إذ لو اعتبرنا سائر القراءات المخالفة للمصحف الراهن قرآناً أيضاً سوف يكون نصّ القرآن متعدِّداً، وهذا خلاف ما تقدَّم إثباته.

وقد يُدَّعى بأن النصّ المتواتر للقرآن، والذي تكفّل الله تعالى بحفظه من التحريف، هو الكلمات التي كانت موجودة في المصاحف العثمانية، والتي لا تزال باقيةً أيضاً، ولكنّ المسلمين يختلفون في كيفية أداء وتلفُّظ تلك الكلمات([147]).

ونقول في جوابه: إن هذا الكلام لا ينسجم مع الوعد الإلهي بحفظ القرآن؛ لأن كلام الله إنّما يتمّ الحفاظ عليه إذا كانت قراءته وإطاره اللفظي الخاصّ معلوماً، وكان يفيد معنىً محدّداً، وأما حفظ الكلمات التي يكون إطارها اللفظي معلوماً، ويتردّد بين العديد من الاحتمالات، فلن تكون له قيمةٌ، ولا يصدق عليه عنوان الحفظ.

وبالالتفات إلى الواقعية الخارجية، وتكفُّل الله القادر المتعال بحفظ كتابه، وكونه لا يخلف الميعاد، يجب القول: كما تكفّل الله تعالى بحفظ القرآن فقد عمد إلى حفظه عبر جمهور المسلمين، منذ عصر النزول إلى يومنا هذا، في إطار القراءة التي لا تزال قائمةً، والتي يجمع عليها كافّة المسلمين.

الهوامش

(*) عضوٌ في الهيئة العلميّة في جامعة المصطفى‘ العالميّة، متخصِّصٌ في الدراسات القرآنية. له أعمالٌ علميّة متعدِّدة.

([1]) لم نحصل على شيء كتبه أو قاله الأستاذ محمد هادي معرفت تحت عنوان (حجّية القراءات). ولذلك فإن ما نذكره هنا عبارةٌ عن إعادة صياغة أو تتميم وتحليل للمسائل التي ذكرها سماحته في تضاعيف مبحث القراءات.

([2]) انظر: محمد بن جرير الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن 1: 27؛ عليّ بن حسام الدين عبد الملك المتّقي الهندي، منتخب كنـز العمال 2: 347، ح4213، 4215. وفي هاتين الروايتين نسبت هذه الطريقة إلى رسول الله‘ بشكلٍ صريح.

([3]) الحاكم الحسكاني، شواهد التنـزيل 1: 257؛ جلال الدين السيوطي، الدرّ المنثور 2: 298.

([4]) محمد بن جرير الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن 5: 18 ـ 19.

([5]) جلال الدين السيوطي، الدرّ المنثور 4: 179، ذيل الآية 34 من سورة التوبة.

([6]) انظر في هذا الشأن: مرتضى العسكري، القرآن الكريم وروايات المدرستين 1: 286 ـ 298.

([7]) محمد هادي معرفت، التمهيد في علوم القرآن: 182.

([8]) للوقوف على الآراء المختلفة في تفسير «الأحرف السبعة» انظر: شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم، المعروف بـ (أبي شامة المقدسي)، المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز: 91 ـ 145؛ بدر الدين الزركشي، البرهان في علوم القرآن 1: 303 ـ 319.

([9]) انظر: الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن 1: 22.

([10]) انظر: المقدسي، المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز: 89 ـ 140؛ محمد بن محمد الدمشقي (ابن الجزري)، النشر في القراءات العشر 1: 9.

([11]) انظر: المقدسي، المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز: 171 ـ 172.

([12]) انظر: ابن الجزري، النشر في القراءات العشر 1: 9.

([13]) الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن 16: 6.

([14]) المصدر السابق 16: 15.

([15]) المصدر السابق 16: 16 ـ 17.

([16]) العلاّمة الحلّي، تحرير الأحكام 1: 245.

([17]) انظر: الحلّي، تحرير الأحكام 1: 245؛ عليّ بن الحسين الكركي، جامع المقاصد 2: 245؛ ابن فهد الحلّي، الموجز الحاوي، ضمن سلسلة الينابيع الفقهية 28: 866؛ محمد هادي معرفت، التمهيد في علوم القرآن 2: 57 ـ 58.

([18]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 2: 161 ـ 166.

([19]) محمد بن يعقوب الكليني، الكافي 2: 630.

([20]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 2: 57 ـ 58، 161 ـ 162.

([21]) محمد بن الحسن الطوسي، التبيان في تفسير القرآن 1: 7.

([22]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 2: 161؛ تلخيص التمهيد: 366 ـ 399؛ علوم قرآني: 218 ـ 219.

([23]) انظر: محمد جواد البلاغي، آلاء الرحمن: 29 ـ 32.

([24]) انظر: العسكري، القرآن الكريم وروايات المدرستين 2: 187 ـ 260.

([25]) الحلّي، تحرير الأحكام 1: 245.

([26]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 2: 42 ـ 48.

([27]) انظر: المصدر السابق 2: 59.

([28]) انظر: مرتضى الأنصاري، كتاب الصلاة: 209.

([29]) انظر: عبد الكريم الحائري، كتاب الصلاة: 204.

([30]) انظر: أبو القاسم الخوئي، البيان في تفسير القرآن: 123، 151، 166.

([31]) المقدسي، المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز: 174.

([32]) المصدر السابق: 177 ـ 179.

([33]) ابن الجزري، النشر في القراءات العشر 1: 90.

([34]) المصدر السابق 1: 30.

([35]) المصدر نفسه.

([36]) معرفت، علوم قرآني: 192.

([37]) انظر: زين الدين بن علي العاملي (الشهيد الثاني)، الرعاية في علم الدراية: 62؛ معرفت، علوم قرآني: 193.

([38]) انظر: معرفت، تلخيص التمهيد: 254 ـ 255، نقلاً عن طبقات القرّاء 1: 404.

([39]) انظر: معرفت، علوم قرآني: 194.

([40]) انظر: أحمد سعد محمد، التوجيه البلاغي للقراءات: 507.

([41]) انظر: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني(582هـ)، تهذيب التهذيب 3: 24 ـ 25؛ معرفت، علوم قرآني: 197.

([42]) محمد جواد العاملي، مفتاح الكرامة 4: 698.

([43]) انظر: علي سجّادي زاده، جواز قراءات در نماز، النشرة الداخلية لجامعة العلوم الإسلامية الرضوية، العدد 1: 86، عام 1375هـ.ش.

([44]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 2: 164. وسبب عدم اعتبار هذا الإجماع هو أن هذا الإجماع لا يمثِّل دليلاً مستقلاًّ في حدّ ذاته، بل مرجعه إلى الروايات، وعليه لا بُدَّ من البحث في قيمة ودلالة تلك الروايات.

([45]) العاملي، مفتاح الكرامة 4: 697.

([46]) السيد تقي الطباطبائي القمي، مباني منهاج الصالحين 4: 459.

([47]) الكليني، الكافي 2: 633، كتاب فضل القرآن، باب نوادر، ح23.

([48]) المصدر السابق: 631، ح15.

([49]) إن للسيد محمد جواد العاملي كلاماً قريباً من هذا الاستدلال في إثبات اعتبار القراءات السبع. (انظر: العاملي، مفتاح الكرامة 4: 697).

([50]) انظر: المقدسي، المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز: 87؛ ابن الجزري، النشر في القراءات العشر 1: 21.

([51]) محمد بن عليّ بن الحسين القمّي (الشيخ الصدوق)، الخصال: 358، ح43.

([52]) محمد بن عليّ الأردبيلي الغروي الحائري، جامع الرواة 2: 217.

([53]) معرفت، التمهيد في علوم القرآن 2: 86؛ علوم قرآني: 202.

([54]) الصدوق، الخصال: 358، باب السبعة، ح43.

([55]) انظر: رجال ابن داوود الحلّي: 203؛ الأردبيلي، جامع الرواة 1: 74.

([56]) معرفت، التمهيد في علوم القرآن 2: 86؛ علوم قرآني: 202.

([57]) محمد بن الحسن الصفّار، بصائر الدرجات: 216.

([58]) انظر: المصدر نفسه، هامش المصحِّح؛ محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار 89: 98.

([59]) انظر: المصدر السابق.

([60]) صحيح البخاري 5 ـ 6: 582، كتاب فضائل القرآن، ح1416.

([61]) المصدر السابق، ح1417.

([62]) مصنّف ابن أبي شيبة الكوفي 7: 432، ح105.

([63]) سنن محمد بن عيسى بن سورة الترمذي 4: 263، ح4013.

([64]) سنن أبي داوود السجستاني 2: 76، ح1477.

([65]) الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن 1: 15.

([66]) المصدر السابق 1: 14.

([67]) مسند أبي يعلى الموصلي 9: 278؛ الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن 1: 9.

([68]) قال ابن الأثير في شرح هذا الحديث: «لكُل حَرْفٍ حَدٌّ، ولكلِّ حدٍّ مُطَّلَعٌ»، أي لِكلِّ حَدٍّ مَصْعَد يُصْعَد إليه من مَعْرفة عِلْمِه. والمُطَّلَع: مَكان الاِّطلاع من موضِعٍ عالِ. يقال: مُطَّلَع هذا الجَبل من مكان كذا: أي مَأْتَاه ومَصْعَدُه. (انظر: أبو السعادات مبارك بن محمد الجزري (ابن الأثير)، النهاية في غريب الحديث والأثر 1: 353؛ 2: 132). وعن أمير المؤمنين× قال: ما من آيةٍ إلاّ ولها أربعة معان: ظاهر، وباطن، وحدّ، ومطلع. فالظاهر التلاوة، والباطن الفهم، والحدّ هو أحكام الحلال والحرام، والمطلع هو مراد الله من العبد بها. (محمد محسن بن مرتضى (الفيض الكاشاني)، تفسير الصافي، ج1، المقدمة الرابعة).

([69]) مسند أحمد بن حنبل 2: 300؛ الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن 1: 9؛ مسند أبي يعلى 9: 410.

([70]) سليمان بن أحمد الطبراني، المعجم الكبير 9: 26، ح8296؛ صحيح ابن حِبّان 3: 18.

([71]) المتقي الهندي، كنـز العمال 2: 55.

([72]) انظر بشأن هذه الأحاديث: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 2: 89 ـ 98.

([73]) للوقوف على جميع روايات «الأحرف السبعة» انظر: الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن 1: 189؛ المتّقي الهندي، منتخب كنـز العمال 2: 49 ـ 57؛ المقدسي، المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز: 77 ـ 87؛ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري 9: 19 ـ 22.

([74]) انظر: المقدسي، المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز: 87؛ ابن الجزري، النشر في القراءات العشر 1: 21.

([75]) للوقوف على تلك التبريرات، انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن 1: 303 ـ 319؛ المقدسي، المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز: 88 ـ 145؛ العسقلاني، فتح الباري 9: 19 ـ 31.

([76]) جلال الدين السيوطي، الديباج على صحيح مسلم 2: 408.

([77]) المقدسي، المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز: 89.

([78]) المصدر السابق: 114 ـ 115.

([79]) انظر: المصدر السابق: 106.

([80]) الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن 1: 22.

([81]) كما تقدَّم ذلك بالنسبة إلى الآية 34 من سورة التوبة.

([82]) انظر: العسكري، القرآن الكريم وروايات المدرستين 2: 153 ـ 181.

([83]) عبد الرحمن بن عليّ بن محمد الجوزي، زاد المسير في علم التفسير 2: 354، تفسير الآية 38 من سورة المائدة؛ عباس القمّي، تحفة الأحباب: 293.

([84]) انظر: أبو عبد الرحمن بن شعيب النسائي، السنن الكبرى 6: 195 ـ 196، ح10619.

([85]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 2: 95 ـ 97.

([86]) انظر: المقدسي، المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز: 87؛ ابن الجزري، النشر في القراءات العشر 1: 21.

([87]) انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن 1: 475؛ معرفت، التمهيد في علوم القرآن 2: 81 ـ 83.

([88]) المقدسي، المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز: 146.

([89]) المصدر السابق: 151.

([90]) تقي الدين ابن تيمية، التفسير الكبير 2: 260؛ ابن الجزري، النشر في القراءات العشر 1: 39.

([91]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 2: 91 ـ 94؛ علوم قرآني: 207 ـ 210.

([92]) مصنّف ابن أبي شيبة الكوفي 7: 432، ح105.

([93]) سنن الترمذي 4: 263، ح4013.

([94]) معرفت، علوم قرآني: 207؛ التمهيد في علوم القرآن 2: 91.

([95]) معرفت، علوم قرآني: 208 ـ 209؛ التمهيد في علوم القرآن 2: 92 ـ 93، نقلاً عن: ابن قتيبة، تأويل مشكل القرآن: 39 ـ 40.

([96]) معرفت، علوم قرآني: 209.

([97]) المقدسي، المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز: 96 ـ 97.

([98]) معرفت، علوم قرآني: 209 ـ 210؛ التمهيد في علوم القرآن 2: 93 ـ 94.

([99]) ولكن يمكن القول في الدفاع عن الشيخ معرفت: إنه لا يريد غير ذلك، بمعنى أنه لا يجيز أمثال قراءة «عتّى حينٍ» إلاّ لغير المستطيع من باب الضرورة، أما نحن فلا يجوز لنا أن نقرأ بغير قراءة الجمهور. وعليه لا يكون ما ذكره صاحب المقال من الإشكال وارداً، المعرِّب.

([100]) في نسخة: بعجميّته.

([101]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 4: 866.

([102]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 2: 161؛ تلخيص التمهيد: 366 ـ 399؛ علوم قرآني: 218 ـ 219.

([103]) انظر: ابن الجزري، النشر في القراءات العشر 2: 227.

([104]) انظر: الطوسي، التبيان في تفسير القرآن 2: 221.

([105]) انظر: المصدر السابق 1: 452 ـ 453.

([106]) انظر: الغرناطي الكلبي، التسهيل لعلوم التنـزيل 2: 125.

([107]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 2: 73 ـ 76.

([108]) الكليني، الكافي 2: 630.

([109]) المصدر نفسه.

([110]) المجلسي، بحار الأنوار 89: 48.

([111]) الكليني، الكافي 2: 634.

([112]) هناك مَنْ احتمل في لفظ «أبيّ» عدم تشديد الباء (بمعنى الأب)، ولكنّه احتمالٌ بعيد؛ إذ لا تختلف قراءة إمامٍ عن إمام آخر.

([113]) معرفت، علوم قرآني: 222؛ التمهيد في علوم القرآن 2: 169 ـ 170.

([114]) مسند أبي يعلى الموصلي 8: 470.

([115]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 2: 168 ـ 170.

([116])المقدسي، المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز: 68.

([117]) السيوطي، الإتقان في علوم القرآن 1: 177.

([118]) المتّقي الهندي، منتخب كنـز العمال 2: 609، ح4876.

([119]) جلال الدين السيوطي، الدرّ المنثور 1: 36.

([120]) انظر: ابن عطيّة الأندلسي، المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز 1: 50 ـ 51؛ معرفت، تلخيص التمهيد: 185 ـ 187.

([121]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 2: 145.

([122]) حيث إن تعميم كلام الأستاذ ينتقض بوجود بعض المصاحف ذات القراءات المختلفة عن المصحف الراهن، والتي يمكن العثور عليها في بعض الأقطار الإسلامية، عمد سماحته؛ لرفع هذا الإشكال، إلى إضافة قيدٍ لكلامه في هامش كتابه، حيث قال: «في المراكز التي نشأ فيها نشر المصاحف والقراءات، من قبيل: الكوفة والبصرة وبلدان الشرق الإسلامي». (انظر: معرفت، علوم قرآني: 218).

([123]) عمد الأستاذ معرفت&؛ لإثبات أهمّية ودقة قراءة حفص في العديد من الآيات، إلى إجراء مقارنة بين قراءة حفص وسائر القراءات الأخرى، حيث أظهر بوضوحٍ أفضلية قراءة حفص على سائر القراءات الأخرى. (انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 2: 241 ـ 260).

([124]) انظر: معرفت، علوم قرآني: 218 ـ 219؛ التمهيد في علوم القرآن 2: 143 ـ 145.

([125]) الكليني، الكافي 2: 633، ح23.

([126]) انظر: العاملي، مفتاح الكرامة 4: 697؛ الطباطبائي القمي، مباني منهاج الصالحين 4: 459.

([127]) المقريزي، إمتاع الأسماع 4: 319؛ معرفت، التمهيد في علوم القرآن 2: 136.

([128]) المقدسي، المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز: 68.

([129]) انظر: البقرة: 117.

([130]) الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين 2: 54 ـ 55.

([131]) أبو زكريا يحيى بن زياد الفرّاء، معاني القرآن 2: 121.

([132]) المصدر السابق 2: 419.

([133]) المصدر السابق 3: 57.

([134]) المصدر السابق 3: 96.

([135]) المصدر السابق 2: 253.

([136]) محمد بن مسلم بن قتيبة، تأويل مشكل القرآن: 24.

([137]) إبراهيم بن سري بن سهل، المعروف بـ (الزجّاج)، إعراب القرآن 1: 280.

([138]) المصدر السابق 1: 196.

([139]) المصدر السابق: 908.

([140]) نصر بن محمد بن أحمد السمرقندي، تفسير بحر العلوم 2: 61.

([141]) المصدر السابق 2: 252.

([142]) الكليني، الكافي 2: 631، كتاب فضل القرآن، باب النوادر، ح15.

([143]) المصدر السابق 2: 633، ح23؛ معرفت، التمهيد في علوم القرآن 2: 169.

([144]) انظر: ابن عطيّة الأندلسي، المحرّر الوجيز 1: 50؛ تفسير القرطبي 1: 63.

([145]) انظر: تفسير القرطبي 1: 63.

([146]) انظر: معرفت، تلخيص التمهيد: 375.

([147]) انظر: أبو القاسم الخوئي، البيان في تفسير القرآن: 173.