حكم سابّ النبيّ|

17 نوفمبر 2015
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
510 زيارة

حكم سابّ النبيّ|

دراسةٌ نقديّة في المواقف الفقهيّة

 

الشيخ أحمد عابديني(*)

 

تمهيد

من الأحكام الخشنة الموجودة في الفقه الشيعيّ وأحكام الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة قتلُ سابّ النبي|. ونحن كطالب من طلاب العلوم الدينيّة نريد أن نرى الأدلّة، ومدى دلالتها. هذا بغضّ النظر عن أنّ السبّ للإنسان وغيره مرجوحٌ عقلاً، وبعض مراتبه حرام، بل من المحرَّمات الشديدة، قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (الأنعام: 108). فإذا كان السبّ لآلهة الكفار ممنوعاً فكيف بالإنسان، ولا سيما خاتم النبيّين عليه أفضل صلوات المصلّين؟!

وقال عليّ× ـ خطاباً لأصحابه حين سمع أنهم يسبّون أهل الشام أيام حربهم في صفّين ـ: «إنّي أكره لكم أن تكونوا سبّابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر»([1]).

فعندما يكره علي× سبّ أهل الشام حين الحرب فسبّهم حال عدم الحرب أوْلى بالكراهة، وسبّ المؤمنين الملتزمين أشدّ كراهةً، فضلاً عن سبّ نبيّ الأمّة ومنقذهم من الهلكة.

وعن الباقر× قال: قال رسول الله|: «سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، وأكل لحمه معصية، وحرمه ماله كحرمة دمه»([2]).

وعنه أيضاً قال: إنّ رجلاً من بني تميم أتى النبي| فقال: أوصني، فكان في ما أوصاه أن قال: «لا تسبّوا الناس فتكتسبوا العداوة بينهم»([3]).

وعن الصادق× قال: قال رسول الله| «سباب المؤمن كالمشرف (وفي نسخة: كالشرف ـ كالمشرق) على الهلكة»([4]).

فإذا كان سباب المؤمن فسوق أو نحو ذلك فسباب نبيّ الأمّة كأنّه كفر أو ما شابهه. مضافاً إلى هذا كله فإن العقل يستقبح سبّ كل إنسان، فبطريق أولى يقبّح سبّ مَنْ هو رحمةٌ للعالمين، وهادي الناس، ومن لم يظلم أحداً طرفة عين.

ولكنْ مع هذا كلّه هل حكم مَنْ سبَّه هو القتل أو غيره؟

فينبغي أن نرى الأدلة النقلية، ومدى دلالتها؛ إذ العقل لا مجال له في جعل الأحكام الجزائية؛ لأن شأنه إدراك الكليات، لا التدخُّل في الجزئيّات.

فما في بعض الروايات من أن الصادق× قال لمَنْ في مجلس زياد بن عبيد الله الحارثي، عامل المدينة: أرأيتم لو ذكر رجلاً من أصحاب النبي| ما كان الحكم فيه؟ قالوا: مثل هذا (أي يعزَّر)، قال الصادق×: «[سبحان الله]، فليس بين النبي| وبين رجلٍ من أصحابه فرق؟!»([5])، ليس دليلاً عقليّاً على جواز قتل سابّ النبي| أو وجوب قتله؛ إذ فضل النبي| على الأمّة لا يوجب تغيير العقوبات الدنيويّة، إلاّ بدليل قاطع.

ففي المَثَل قاتل النبي| أو الإمام يُقتل، كما أن قاتل السوقيّ يُقتل، من دون فرق بينهما، بأن يُحْرَق بدن قاتل النبي أو يُمَثَّل.

قال علي× في وصيته عندما ضربه ابن ملجم لعنه الله: …يا بني عبد المطلب، لا ألفينّكم تخوضون دماء المسلمين خوضاً، تقولون: قتل أمير المؤمنين. ألا لا تقتلنّ بي إلاّ قاتلي. انظروا إذا أنا متُّ من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة، ولا تمثِّلوا بالرجل؛ فإني سمعتُ رسول الله| يقول: إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور([6]).

نعم، قاتل علي× هو أشقى الآخرين، وهو في نار الجحيم، ولكن ليس للحاكم نهب أمواله، وحبس أولاده، أو ما شابه ذلك؛ جزاءً لأنه قتل أوّل السابقين ويعسوب الدين وأفضل الناس بعد رسول الله| أجمعين.

والحاصل أن العقل لا يستطيع أن يعيِّن حدّاً أكبر أو أشدّ من حدود الآخرين، بل عليه أن يسمع الأدلة النقلية، ويدقق فيها، حتى يفهم حكم الله الحكيم.

والأدلّة النقليّة منحصرة في: القرآن العظيم، والسنّة النبويّة الشريفة، وروايات الأئمّة المعصومين صلوات عليهم أجمعين. أمّا الإجماع فليس عندنا ـ معاشر الشيعة ـ دليلاً مستقلاًّ، بل إنّه حاكٍ عن السنّة، كما أن الخبر حاكٍ عنه.

فعلينا أن نتفحَّص من طرق الأخبار والسيرة وأقوال العلماء وكلّ ما بأيدينا، حتّى نجد حكم مَنْ سبّ النبي|، من المشركين وأهل الكتاب، ومن المسلمين.

فيجب أن ندقِّق حتّى نرى هل أنه فرق بين مَنْ سبّ مرة واحدة ومَنْ كان ديدنه سبّ النبي|؟ وأيضاً بين مَنْ كان مسلماً حين سبّ وبين غيره؟ وبين مَنْ تاب وغيره؟ وهل هناك فرقٌ بين مَنْ سبَّه في زمنه حياته ومَنْ سبّه بعد مماته|؟

 

المراد من السبّ

في مجمع البحرين: في حديث الولد مع والده: «ولا تستسبّ له»، أي لا تعرّضه للسبّ وتجرّه إليه، بأن تسبّ أبا غيرك فيسبّ أباك؛ مجازاةً لك. والسبّ: الشتم، ومثله السباب… ومنه: «سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر»، أي شتمه وقطيعته فسوق، واستحلال مقاتلته وحربه كفر، أو محمول على التغليظ، لا الحقيقة. ومنه: قول معاوية لرجلٍ: ما منعك أن تسبّ أبا تراب ـ يعني علياً× ـ؟([7]). وفي حديث علي× في مروان بن الحكم: لو بايعني بيده لغدر بسُبَّته، والسُّبة: الاست.

وفيه أيضاً الشتم: السبّ بأن تصف الشيء بما هو إزراء ونقص، يقال: شتمه شتماً من باب ضرب([8]).

وفي النهاية لابن الأثير: السبّ: الشتم… ولا تَسْتَسِبَّ له أي لا تعرِّضه للسبّ وتجرّه إليه، بأن تسبّ أبا غيرك فيسبّ أباك؛ مجازاةً لك. وقد جاء مفسَّراً في الحديث الآخر: إن من أكبر الكبائر أن يسبّ الرجل والديه، قيل: وكيف يسبّ والديه؟ قال: يسبّ أبا الرجل فيسبّ أباه وأمّه([9]).

أقول: ما يظهر من كتب اللغة: أوّلاً: إن توصيف الشيء بما هو إزراء ونقص يسمى سبّاً وشتماً. فمَنْ وصف النبي| بأنه مجنون أو ساحر أو أبتر، أو بدل أن يقول: محمد قال: مذمَّم، فكلّ هذا يكون سبّاً، وأيضاً مَنْ تكلَّم مثله، أو مشى مثله؛ استهزاءً ونقصاً، فهذا أيضاً يُسمّى سبّاً أو ملحقٌ به.

ثانياً: سبب السبّ أيضاً يكون كالسبّ، فإذا كان السبّ حراماً فتسبيب السبّ أيضاً حرام. وإذا ثبتت العقوبة للسبّ فجديرٌ بأن يجعل عقوبة لمسبّبه. قال تعالى: ﴿وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (الأنعام: 108).

 

تذكرةٌ

إذا وجدنا في زماننا هذا أشخاصاً، باسم رجل دين أو ما شابه، ولكنّه يعرِّف الرسول الأكرم الأعظم الرؤوف الرحيم، صاحب خلق العظيم، بصورةٍ خشنة يتنفَّر منه الشبّان والناس البسطاء، ويهينونه أو يشتمونه، فقبل أن يعاقب الناس البسطاء ينبغي عقوبة هؤلاء الذين شوَّهوا سمعة النبي|، وعرَّفوه بخلاف ما عرّفه القرآن بأنّه ﴿رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107)، و﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة: 128)، وأيضاً عرَّفوه بخلاف ما تواترت عليه الأخبار، من أنه عفا عن يهوديّة سمَّتْ الشاة له([10])، وعفا عن حاطب بن أبي بلتعة، الذي كتب كتاباً وأراد أن يفشي سرّاً من أسرار النبي| قبيل فتح مكة المكرّمة([11])، وعفا عن عبد الله بن أُبَيّ، الذي أراد أن يؤجِّج نار الفتنة بين المهاجرين والأنصار عند الرجوع من غزوة بني المصطلق([12]).

من خلال آيات القرآن الكريم يظهر أن المشركين كثيراً ما قالوا في وصف النبي| بأنّه ساحر أو مجنون أو أبتر، ولكن لم نسمع إلى الآن القول بأنّ النبي| حكم بجلدهم أو سبّهم.

ففي سورة الحجر: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ (الحجر: 6)، وفي سورة الصافّات: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ (الصافات: 36)، وفي الدخان: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ (الدخان: 14)، وفي القلم: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ (القلم: 51)، وفي قوله تعالى ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ (القلم: 2)، وقوله ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ (التكوير: 22)، يظهر أنهم كثيراً ما كانوا ينسبون إليه| الجنون، بحيث دافع عنه| الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ (الأعراف: 184)، وبقوله: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ (سبأ: 46).

مضافاً إلى هذا يظهر من بعض الآيات أنهم نسبوا السحر إلى القرآن الشريف، مثل: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾(المدثر: 24)، وقالوا للمسلمين: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً﴾(الإسراء: 47)، و﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً﴾(الفرقان:8).

 

نقطةٌ

كلّ هذه الآيات الكريمة نزلت في مكّة المكرّمة. وعليه فلأحد أن يقول: السبّ والشتم في المدينة المنورة وبعد قدرة الإسلام يوجب حدّاً، أو يقول: إنهم سبّوا وشتموا كافرين، فبعضهم قتلوا في الحروب، وبعضهم ماتوا قبل أن يظفر عليهم، وبعضهم أسلموا «والإسلام يجبّ ما قبله»، فمن خلال هذه الآيات وأسباب نزولها لا يمكن إثبات شيء من جواز قتل سابّ النبي| وعدمه؛ إذ موضوعه إمّا صار منتفياً، وإمّا تغيَّر نهائيّاً.

فيلزم أن نراجع تاريخ النبي| في المدينة وما قيل له وما عملوا…، ولكن قبل هذا ينبغي أن يُعلم أنّه من البعيد أنّ النبيّ الذي عفا عن المجرمين، وقال لأهل مكة بعد فتحها: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»([13])، ودارى عبد الله بن أُبَيّ وما شابهه([14])، كالذين أرادوا قتله في العقبة، يأمر بقتل مَنْ سبّه أو مَنْ كان يسبّه.

 

الروايات الواردة في حدّ سابّ النبي|

1ـ محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله أنه سُئل عمَّنْ شتم رسول الله|؟ فقال: يقتله الأدنى فالأدنى قبل أن يرفع إلى الإمام([15]).

وسند الحديث مصحَّحٌ كالصحيح، ودلالته واضحة.

2ـ محمد بن يعقوب، عن الحسين بن محمد، عن معلّى بن محمد، عن الحسن بن عليّ الوشاء، قال: سمعتُ أبا الحسن× يقول: شتم رجل على عهد جعفر بن محمد× رسول الله|، فأتي به عامل المدينة، فجمع الناس، فدخل عليه أبو عبد الله× وهو قريب العهد بالعلّة، وعليه رداء له مورد، فأجلسه في صدر المجلس، واستأذنه في الاتكاء، وقال لهم: ما ترون؟ فقال له عبد الله بن الحسن والحسن بن زيد وغيرهما: نرى أن تقطع لسانه، فالتفت العامل إلى ربيعة الرأي وأصحابه، فقال: ما ترون؟ قال: يؤدَّب، فقال أبو عبد الله×: سبحان الله، فليس بين رسول الله| وبين أصحابه فرقٌ؟!([16]).

والحديث ضعيفٌ بـ «معلّى بن محمد» الوارد في الوسائل والتهذيب. وأمّا علي بن محمد الوارد في الكافي بدل معلّى بن محمد فهو مجهولٌ. والظاهر كون لفظ «عليّ» مصحَّف «معلّى»([17]). والكلام في دلالته يأتي بعد الخبر التالي.

3ـ محمد بن يعقوب، عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط، عن علي بن جعفر، قال: أخبرني أخي موسى× قال: كنتُ واقفاً على رأس أبي حين أتاه رسول زياد بن عبيد الله الحارثي ـ عامل المدينة ـ، فقال: يقول لك الأمير: انهض إليّ، فاعتلّ بعلّة، فعاد إليه الرسول، فقال: قد أمرت أن يفتح لك باب المقصورة، فهو أقرب لخطوك، قال: فنهض أبي، واعتمد عليّ، ودخل على الوالي وقد جمع فقهاء أهل المدينة كلّهم، وبين يديه كتاب فيه شهادةٌ على رجل من أهل وادي القرى قد ذكر النبيّ| فنال منه، فقال له الوالي: يا أبا عبد الله، انظر في الكتاب، قال: حتّى أنظر ما قالوا، فالتفت إليهم، فقال: ما قلتم؟ قالوا: قلنا: يؤدَّب ويضرب ويعزَّر ويحبس، قال: فقال لهم: أرأيتم لو ذكر رجلاً من أصحاب النبي| ما كان الحكم فيه؟ قالوا: مثل هذا، قال: فليس بين النبيّ| وبين رجل من أصحابه فرقٌ؟! فقال الوالي: دَعْ هؤلاء يا أبا عبد الله، لو أردنا هؤلاء لم نرسل إليك، فقال أبو عبد الله×: أخبرني أبي أنّ رسول الله| قال: الناس فـيّ أسوةٌ سواء، مَنْ سمع أحداً يذكرني فالواجب عليه أن يقتل مَنْ شتمني، ولا يرفع إلى السلطان، والواجب على السلطان إذا رفع إليه أن يقتل مَنْ نال منّي، فقال زياد بن عبيد الله: أخرجوا الرجل فاقتلوه بحكم أبي عبد الله×([18]).

والحديث ضعيفٌ على المشهور بـ «سهل بن زياد» الواقع في السند، ودلالته واضحة. ولكنّ الذي فيه أنّ سبّ النبي| لم يكن بنادرٍ في تلك الأزمة من بني أمية الحسّاد والمردة والذين ادّعوا النبوة وغيرهم. فعدم علم العلماء الحاضرين بحكم السابّ مريبٌ جداً، ولا سيّما عبد الله بن الحسن والحسن بن زيد. فالذي نظنّه نحن أن الخلفاء العبّاسيّين كانوا يريدون قتل مَنْ سبّهم وسبّ آباءهم، فرأوا أنّه لا يوجد لديهم دليل شرعيّ للذي يريدون، فبدأوا بالنبي|، وأثبتوا لسابّه القتل؛ حتى يجرّوا لأنفسهم مثله، كخلفاء النبي|. فلهذا صنعوا وجعلوا هذه الأكاذيب، ونسبوها إلى الامام الصادق×؛ حتى يقبلها الناس، وأتوا بقياسٍ باطلٍ جدّاً لم يتفوَّه ولن يتفوَّه به المعصوم أبداً.

هل لا يكون الناس في الجزاء والعقوبة متساوين؟ هل لو سرق ابن الإمام يخفف له أو يضاعف عذابه أو يكون كأحد من الناس سواء؟! وأيضاً إن سرق سارقٌ من مال الإمام شيئاً أفلا يكون كالسارق من غيره؟ ولو فرض محالاً أن الإمام أو النبي| يسرق أفلا يكون حكمه كغيره؟ أفلا يكون الناس من النبيّ وغيره أمام الشرع سواء؟!

فمن هنا يُعلم أنّ سبّ النبي| جريمته وعقوبته الدنيويّة يكون كسبّ غيره على السواء، كما مرّ كلام الإمام علي× من ابن ملجم، فراجع نهج البلاغة، الرسالة 47.

فيحتمل أنهم بواسطة أذنابهم وضعوا بعض الأحاديث مع الإسناد، ودسّوها في الكتب. ويحتمل أن بعض الحماسيّين وضعوه، وبما أنه كان موافقاً لما هو من الدين ضرورة، وهو حبّ النبي|، والدفاع عنه|، نقل في الكتب من غير دقّة في تضادّه مع أدلّة أخرى.

4ـ محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن ربعي بن عبد الله، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر× قال: إن رجلاً من هذيل كان يسبّ رسول الله|، فبلغ ذلك النبي| فقال: مَنْ لهذا؟ فقام رجلان من الأنصار، فقالا: نحن يا رسول الله، فانطلقا حتّى أتيا عربة، فسألا عنه، فإذا هو يتلقى غنمه، فقال: مَنْ أنتما وما اسمكما؟ فقالا له: أنتَ فلان بن فلان؟ قال: نعم، فنزلا فضربا عنقه، قال محمد بن مسلم: فقلتُ لأبي جعفر×: أرأيت لو أن رجلاً الآن سبّ النبيّ| أيقتل؟ قال: إنْ لم تخف على نفسك فاقتله([19]).

والحديث مجهولٌ أو مشكوكٌ بـ (ربعي بن عبد الله)؛ إذ وثّقه النجاشي، ولكنّ الشيخ الطوسي والبرقي والكشي ذكروه، ولم يقولوا في مدحه أو ذمّه شيئاً([20]). وهذا أمرٌ مريب.

ولكنّ محتواه يضادّ جدّاً خُلُق النبيّ|، وما أمره الله تعالى به من ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 34)، ويضادّ قوله: «الإيمان قيد الفتك»([21]).

5ـ الفضل بن الحسن الطبرسي، بإسناده في صحيفة الرضا، عن آبائه، عن رسول الله| قال: مَنْ سبّ نبيّاً قُتل، ومَنْ سبّ صاحب نبيّ جُلد([22]).

والحديث مرسلٌ.

6ـ عن عثمان الشحّام قال: كنت أقود رجلاً أعمى، فانتهيت إلى عكرمة، فأنشأ يحدّثنا قال: حدثني ابن عباس أنّ أعمى كان على عهد رسول الله|، وكانت له أم ولد، وكان له منها ابنان، وكانت تكثر الوقيعة برسول الله| وتسبّه، فيزجرها فلا تنزجر، وينهاها فلا تنتهي، فلما كان ذات ليلة ذكرتُ النبيّ| فوقعت فيه، فلم أصبر أن قمتُ إلى المغول، فوضعته في بطنها، فاتكأتُ عليه، فقتلتها، فأصبحتْ قتيلاً، فذكر ذلك للنبي|، فجمع الناس وقال: أنشد الله رجلاً لي عليه حقّ فعل ما فعل إلاّ قام، فأقبل الأعمى يتدلدل، فقال: يا رسول الله، أنا صاحبها، كانت أمّ ولدي، وكانت بي لطيفة رفيقة، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، ولكنها كانت تكثر الوقيعة فيك وتشتمك فأنهاها فلا تنتهي وأزجرها فلا تنزجر، فلما كانت البارحة ذكرتُك فوقَعَتْ فيك، فقمتُ إلى المغول فوضعتُه في بطنها، فاتكأتُ عليها حتّى قتلتُها، فقال رسول الله|: ألا اشهدوا أنّ دمها هدرٌ([23]).

والحديث من العامّة فلا نستطيع أن نصحِّح سنده وطريقه. وعلى فرض صحّة سنده فمحتواه يخبر عن كذبه يقيناً؛ إذ أوّلاً: كيف أنّ أمّ ولد تشتم النبيّ| أمام مولاها، ولا تنتهي من أمر مولاها؟! متى كانت للمرأة هذه الحرّيّة؟!

وثانياً: كيف أنّ مولاها لا يعتقها حتّى تذهب إلى مكان آخر، حتّى لا يسمع مولاها كلامها؟ وكيف لم يشاور مولاها أحداً خلال هذه المدّة المديدة، بل عزم على قتلها؟! وكيف سمع الرسول| ادّعاء رجل من دون شاهد ويمين؟

فهل لا يفتح هذا الحكم الطريق أمام كل شخص يريد أن ينجو من زوجته أن يقتلها، ويتّهمها بأنها كانت تشتم النبيّ|؟!

وأيضاً لِمَ قتلها بالمغول؟ هل لا يمكن أخذ رقبتها أو فمها حتّى تختنق؟!

ومن العجيب ما في نقل ابن داوود في سننه([24]): «فوقع بين رجليها طفلٌ»، المعلِن بأنّ المرأة كانت حاملاً، وبعد إدخال المغول في جوف المرأة خرج الطفل سالماً.

فهذا من ناحية يشبه المعجزة والكرامة لهذا الأعمى القاتل، ومن جانب آخر يدلّ على شدّة خشونته، بحيث يرضى أن يقتل امرأةً حاملاً مقرباً، ونبيّ الرحمة| يقرِّر هذه الخشونة المعلنة على المرأة الحامل، ويهدر دمها!!

سبحان الله هذا بهتانٌ عظيم على نبيّ الرحمة|.

7ـ الشعبي، عن عليّ×، أنّ يهوديّة كانت تشتم النبيّ| وتقع فيه، فخنقها رجلٌ حتى ماتت، فأبطل رسول الله| دمها([25]).

أقول: يرِدُ عليه بعض ما يرِدُ على سابقه.

 

النقد

هذا جميع ما وجدناه في سبّ النبيّ|، ولم يتجاوز عن أخبار آحاد، كثير منها ضعيف السند، ولا سيّما الأخبار الحاكية عن قضيّة خارجيّة، مثل: أنّه| أمر بالقتل فائتمر بعض المسلمين، أو أنّ المسلمين قتلوا شخصاً والنبيّ| قرّرهم على ذلك وأبطل دم المقتول.

وفي بعضها يوجد احتمالات أخر، كما في الرقم 1 و5، مثل: أن يكون قوله: «يقتل» تهديداً وتخويفاً؛ كي لا يشتم النبيّ| أحدٌ، لا أنّ حكمه الحقيقيّ يكون قتلاً، أو يخبر الإمام عمّا يفعله العامّة في قضائهم، لا أنّ حكمه الحقيقيّ يكون هكذا.

وببيان آخر: في العبادات عندما يقول الإمام: «يغتسل» بعد السؤال عمّا يفعله الجنب نقول: الجملة الخبريّة تدلّ على الإنشاء، فالمراد (فليغتسل الجنب). ولكن هنا في بحث الحدود ليس كون الخبر في مقام الإنشاء هو الاحتمال الوحيد، بل توجد احتمالات أخر أيضاً، مثل: احتمال التهديد أو التخويف، أو احتمال الإخبار عمّا يعمل من العامّة. وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال. فاستفادة وجوب القتل أو جوازه بعيد جدّاً.

تذكرةٌ

1ـ لو فرض صحّة ما تقدّم من الأخبار، وخلوّها من المناقشات، فحاصلها أنّها روايات، وما نعلم من حلم النبيّ| وعفوه وكرامته و… يكون دراية، والرواية لا تعارض الدراية أبداً، بل يتمسّك بالدراية دائماً.

2ـ لو كان حكم قتل سابّ النبيّ| حدّاً إلهيّاً لكان ينبغي أن يستقلّ بالذكر، مثل: الزنا، والقذف، لا أنّه يلحق بمسائل القذف.

3ـ التعليل الوارد في بعض الأخبار يناقض تساوي أفراد البشر أمام الشرع والقانون، مثل: قوله: «سبحان الله، فليس بين رسول الله| وبين أصحابه فرق»([26])؛ إذ يمكن أن يقال: سبحان الله ليس بين عليّ وبين سائر الصحابة فرق؟! سبحان الله ليس بين محمّد| وبين إبراهيم فرق؟! سبحان الله ليس بين مَنْ آمن قبل الفتح ومَنْ آمن بعده فرق؟! سبحان الله ليس بين مَنْ هاجر هجرتين ومَنْ لم يهاجر أصلاً فرق؟! وإلى ما شاء الله من سبحان الله…

وبهذا البيان لا يمكن أن يُقام حدٌّ على أحدٍ أبداً؛ إذ كل ّفرد يجد مميزات لنفسه، ويأتي بكلمة (سبحان الله) قبله، وحتى لو قتل ملك ظالم جبّار مظلوماً ضعيفاً يجوز أن يُقال: سبحان الله ليس بين الملك والسوقيّ فرق؟! وهذا يعني تخريب الدين والشريعة نهائيّاً. فسبحان الله أن تكون هذه الأحاديث وهذا الحكم صحيحاً.

 

أقوال الفقهاء

1ـ قال الشيخ الطوسي في النهاية: «ومَنْ سبّ رسول الله|، أو واحداً من الأئمّة^، صار دمه هدراً، وحل لمَنْ سمع ذلك منه قتله، ما لم يَخَفْ في قتله على نفسه أو على غيره. فإنْ خاف على نفسه أو على بعض المؤمنين ضرراً في الحال أو المستقبل فلا يتعرض له على حال»([27]).

2ـ قال أبو الصلاح الحلبي: «ومَنْ سبّ رسول الله| أو أحد الأئمّة من آله أو بعض الأنبياء^ فعلى السلطان قتله، وإنْ قتله مَنْ سمعه من أهل الإيمان لم يكن للسلطان سبيل عليه»([28]).

3ـ قال السيّد أبو المكارم ابن زهرة في الغنية: «ويقتل مَنْ سبّ النبيّ| وغيره من الأنبياء أو أحد الأئمّة^، وليس على مَنْ سمعه فسبق إلى قتله من غير استئذان لصاحب الأمر سبيل. كلّ ذلك بدليل إجماع الطائفة»([29]).

أقول: والعجب من الشيخ الطوسي& الذي لم يذكر حكم سبّ النبيّ| في كتاب الخلاف مع أنّه من المسائل الخلافيّة.

4ـ نعم، ذكر الشيخ الطوسي في كتاب الخلاف حكم سابّ الإمام×، وأوجب قتله من غير شرط. قال في المسألة 5 من أحكام الباغي: «مَنْ سبّ الإمام العادل وجب قتله. وقال الشافعي يجب تعزيره. وبه قال جميع الفقهاء. دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضاً قول النبي×: «مَنْ سبّ علياً فقد سبّني، ومن سبني فقد سب الله، ومن سب الله»([30])، ومَنْ سبّ الله وسبّ نبيّه فقد كفر، ويجب قتله»([31]).

أقول: كثيرٌ من قدماء الاصحاب لم يتعرَّضوا لهذه المسألة، وكذا فقهاء أهل السنّة، فتحصيل الإجماع أو الشهرة بين قدمائنا صعبٌ جدّاً. ولو فرض تحصيله فدليله إما نفس الأخبار أو الاستدلال الذي نقل عن الصادق بقوله: «سبحان الله، فليس بين رسول الله| وبين أصحابه فرق»([32])، وقد مرّ جوابه.

فإثباتُ دليل آخر غير الأخبار، الذي مرّ الكلام فيه، مشكلٌ جدّاً.

5ـ قال المحقّق صاحب شرائع الإسلام ـ بعد حدّ القذف وبعد بيان تسع من المسائل ـ: «ويلحق بذلك مسائل أخر: الأولى: مَنْ سبّ النبي| جاز لسامعه قتله، ما لم يخف الضرر على نفسه أو ماله أو غيره من أهل الإيمان. وكذا مَنْ سبّ أحد الأئمّة^»([33]).

6ـ وقال صاحب جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام ـ بعد قول الشرائع: «جاز لسامعه» ـ: «بل وجب».

وفي مقام بيان أدلّة هذا الحكم قال: «بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسمَيْه عليه، مضافاً إلى النصوص»([34]) وذكر بعض الأخبار التي مرّت سابقاً.

أقول: صاحب الجواهر ادّعى الإجماع على جواز أو وجوب قتل سابّ النبيّ|. ومرّ أنّه لم يكن مذكوراً في كلام كثير من القدماء، ولو فرض وجوده فإنّه محتمل المدرك، فليس بحجّة.

7ـ قال الشهيد الثاني في المسالك: «هذا الحكم موضع وفاق، وبه نصوص، منها: …، وفي إلحاق باقي الأنبياء^ بذلك قوّة؛ لأن كمالهم وتعظيمهم علم من دين الإسلام ضرورة، فسبُّهم ارتدادٌ ظاهر»([35]).

8ـ قال السيّد علي الطباطبائي في رياض المسائل: «بلا خلاف، بل عليه الإجماع من كلام جماعة، وهو الحجّة، مضافاً إلى النصوص المستفيضة»([36]).

9ـ قال في إرشاد الأذهان: «وسابّ النبيّ| وأحد الأئمّة^ يقتله السامع مع أمن الضرر»([37]).

10ـ وقال المحقِّق الأردبيلي في شرحه: «الدليل على قتل مَنْ سبّ النبي| معلوميّة وجوب تعظيمه من الدين ضرورة، والذي يسبّه منكرٌ لذلك…. ونقل في شرح الشرائع أنّ جواز قتل السابّ محلّ وفاق. وتدلّ عليه النصوص…»([38]).

أقول: المحقِّق الأردبيلي أدرج سابّ النبيّ تحت عنوان المنكر لضروريّ الدين، أي المرتدّ، فكأنّه رأى عدم تمامية دلالة الأخبار والإجماع على وجوب أو جواز قتله، فأراد أن يلتمس دليلاً آخر. ولكن ينبغي أن يعرف أنّ هذا أيضاً لا يفيد؛ إذ لا يقتل كلّ مرتدّ، بل الفطريّ يقتل إذا كان رجلاً، أمّا الملّيّ والمرأة فلا يقتلان. وهذا ينافي الحكم الكلّيّ بأنّ سابّ النبيّ| يقتل.

فالنتيجة أنّ إثبات حكم القتل لسابّ النبيّ| مشكلٌ جدّاً.

الهوامش:

 

(*) باحثٌ وأستاذ الدراسات العليا في الحوزة العلميّة في إصفهان، وعضو الهيئة العلميّة لجامة آزاد ـ نجف آباد.

([1]) نهج البلاغة، الخطبة 206.

([2]) أصول الكافي 2: 359، ح2.

([3]) أصول الكافي 2: 360، ح3.

([4]) أصول الكافي 2: 359، ح1.

([5]) راجع وسائل الشيعة، باب 25 من أبواب حدّ القذف، ح 1 و2.

([6]) نهج البلاغة، الرسالة 47.

([7]) مجمع البحرين، مادة سبّ.

([8]) مجمع البحرين، مادّة شتم.

([9]) النهاية، مادّة سبّ.

([10]) أصول الكافي 2: 108، ح9.

([11]) السيرة النبويّة لابن هشام 3ـ4: 398 ـ 399.

([12]) السيرة النبويّة لابن هشام 3ـ4: 290 ـ 293؛ مجمع البيان، سبب نزول الآيات 6 إلى آخر سورة المنافقين.

([13]) السيرة النبويّة لابن هشام 3ـ4: 412.

([14]) مجمع البيان، ذيل سورة المنافقين.

([15]) وسائل الشيعة الباب 7 من أبواب حدّ المرتد، ح1.

([16]) وسائل الشيعة 28: 211 ـ 212، باب 25 من أبواب حد القذف، ح1.

([17]) راجع: فقه الحدود والتعزيرات 2: 427، للسيد الموسوي الأردبيلي.

([18]) وسائل الشيعة 28: 212 ـ 213، باب 25 من أبواب حد القذف، ح2.

([19]) وسائل الشيعة 28: 213، باب 25 من أبواب حدّ القذف، ح3.

([20]) راجع: معجم رجال الحديث 7: 161 ـ 164.

([21]) الكافي 7: 376.

([22]) وسائل الشيعة أبواب حدّ القذف، ح 4.

([23]) سنن النسائي 7: 107 ـ 108.

([24]) سنن أبي داوود 4: 129، ح4361، نقلاً عن فقه الحدود والتعزيرات 2: 429.

([25]) سنن أبي داوود 4: 129، ح4362، نقلاً عن فقه الحدود والتعزيرات 2: 430.

([26]) راجع: وسائل الشيعة، 28: 212، باب 25 من أبواب حدّ القذف، ح1.

([27]) النهاية ونكتها 3: 352.

([28]) الكافي في الفقه: 416.

([29]) غنية النـزوع: 428.

([30]) مسند أحمد بنت حنبل 6: 323؛ كنـز العمّال 11: 602.

([31]) الخلاف 5: 340.

([32]) وسائل الشيعة، 28: 212، باب 25 من أبواب حدّ القذف، ح1.

([33]) شرائع الإسلام 4: 167.

([34]) جواهر الكلام 41: 432.

([35]) مسالك الأفهام 14: 452 ـ 453.

([36]) رياض المسائل 16: 55.

([37]) مجمع الفائدة والبرهان 13: 170.

([38]) مجمع الفائدة والبرهان 13: 170.