حواراتٌ حول علم الرجال

16 يناير 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬061 زيارة

حواراتٌ حول علم الرجال

ودوره ومشكلاته ومآلاته

حوارٌ مع: السيد أحمد المددي(*)

الشيخ مسلم الداوري(**)

الشيخ رضا مختاري(***)

الشيخ محمد باقر مَلكيان(****)

ترجمة: حسن علي الهاشمي

1ـ مع السيد أحمد المددي

بدايات الجهود الرجاليّة الشيعيّة

_ ما هي الفترة الزمنية التي ظهرت فيها الجهود الأولى التي قام بها الشيعة في علم الرجال؟

^ كان ذلك منذ عصر عبد الله بن جبلة. إن لابن أبي رافع كتاباً بعنوان «تسمية مَنْ شهد صفين»، وقد اشتهر على أنه أوّل كتاب في علم الرجال عند الشيعة. بَيْدَ أن هذا من الخطأ، فهو لا يعدو أن يكون كتاباً في التراجم. ولا بُدَّ بطبيعة الحال من التفريق بين علم الرجال والأنساب والفهارس والتراجم والسيرة والتاريخ. فعلى سبيل المثال: نجد السيد الخوئي قد أورد جميع كتاب «أمل الآمل»، للشيخ الحُرّ العاملي، مع أنه كتابٌ في التراجم، وليس من علم الرجال في شيءٍ. فإن علم الرجال ـ كمصطلح ـ إنما هو شرح لأحوال الرواة فقط، وعليه لا بُدَّ من أخذ هذا القيد في مفهوم وتعريف علم الرجال. نجد في الزيارة الصادرة عن الناحية المقدسة أن صاحب الأمر يعدِّد أسماء أصحاب سيد الشهداء×، ويسلِّم عليهم واحداً واحداً، وقد ذكرهم السيد الخوئي ضمن الرجال، في حين أنهم ليسوا من الرجال بحَسَب المصطلح، إنما هم أشخاص ظهروا في واقعةٍ تاريخية حدثت في كربلاء، ونالوا شرف الشهادة تحت لواء سيد الشهداء×. أما الرجال فهم الرواة فقط، فإنْ لم يكن الرجل راوياً فمن الخطأ عدُّه ضمن الرجال كعلمٍ مصطلح.

إن كتاب «روضات الجنات» مثلاً كتابٌ في التراجم، وليس كتاباً رجالياً. وهكذا الأمر بالنسبة إلى كتاب «أمل الآمل». وهكذا كتاب «الكنى والألقاب»، للشيخ عباس القمي. وبطبيعة الحال لا يخلو هذا الكتاب من بعض الرجال أيضاً؛ لأنه بصدد بيان الكنى، دون الرجال والتراجم، لكنّه في الأساس كتاب في التراجم لا غير. وأما الرجال فكما تقدم أن ذكرنا يجب أن يقتصر فيه على ذكر الرواة فقط.

ثم هناك شيءٌ باسم الإجازات، من قبيل: إجازات الشهيد الثاني، أو إجازات العلاّمة في عدّة أجزاء. يمكن لنا ذكر علماء الشيعة الواردة أسماؤهم في طرق الإجازات ضمن الرجال بهذا اللحاظ، حيث تذكر أحوالهم حالياً ضمن التراجم. يجب إحالة الرجال إلى الرواة. ولا يقتصر الأمر على ما بعد الشيخ الطوسي، فحتّى بالنسبة إلى ما قبل الشيخ الطوسي يمكن لنا أن نعتبر الإجازات بمنزلة الروايات.

وعليه فعلم الرجال يشمل في نهاية الأمر طائفتين: الأولى: هم الرواة؛ والثانية: هم الواقعون في سلسلة الإجازات، وتكون الإجازة هي محور البحث.

وفي التراجم يتمّ تناول بيان سيرة الشخص من البداية والمنشأ، وأين كان؟ وأين حلّ؟ وما هو عدد السنوات التي عاش فيها؟

أما علم الأنساب فكان محطّ اهتمام العرب منذ البداية؛ فإن العرب ـ خلافاً للإيرانيين ـ يهتمّون بعلم الأنساب كثيراً، حيث يحظى الانتساب إلى القبائل والعشائر عندهم بأهمِّية بالغة، ولا يزال الأمر بينهم على هذه الحال. لقد ترسَّخ علم الأنساب بين العرب، وأخذ طريقه إلى التدوين والتأليف بالتدريج، وقد تفرَّع لاحقاً بطبيعة الحال ـ لمكان احترام السادة الأشراف من نسل أهل البيت^ ـ إلى فرع مستقلّ خاصّ بأنساب السادة، وهي إضافةٌ إلى هذا العلم، وتحول إلى ما يصطلح عليه حالياً بـ (NGO) باسم «نقابة الأشراف». إن هذه النقابة شبه حكومية وشبه اجتماعية، مهمتها إثبات مَنْ يصح نسبه إلى السادة ومَنْ لا يصح، وكان لها فروع في كلٍّ من: بغداد والبصرة والمدينة والحجاز ومصر وإيران. وكان والد الشريف الرضي نقيباً للأشراف، وكان لهذا المنصب أهميته من وجهة نظر الدولة.

وفي المجموع كان علم الأنساب شائعاً بين العرب؛ إذ كانت ظاهرة القبائل تفرض نفسها، ثم أخذت أعداد كبيرة من غير العرب، من قبيل: الإيرانيين أو الأتراك، ينتقلون للعيش في مناطق القبائل العربية، الأمر الذي أدّى إلى ظهور مصطلح «الولاء» و«الموالي». فكان زرارة ـ على سبيل المثال ـ تركياً، تعود جذوره إلى الروم (حيث جاء من تركيا)، ودخل في ولاء قبيلة بني شيبان. وقد يعمل بعض الموالي إلى تغيير ولائهم؛ وذلك إذ يخرجون من قبيلةٍ ويدخلون تحت ولاء قبيلةٍ أخرى. وهذا ما يُعْرَف في مجموعه بعلم الأنساب.

وعليه لا ربط لعلم الأنساب بعلم التراجم وبيان السيرة الكاملة. إذن لا ربط للأنساب ببيان السِّيَر الكاملة للأشخاص، إنما الذي يعنى بهذا الأمر هو علم «التراجم».

أما «السيرة» فهي اصطلاحاً تعنى بسلوك أخلاق الأشخاص، من قبيل: «سيرة النبي الأكرم|». فالسيرة تعني الطريقة والسلوك، من قبيل: سيرة السيد علي القاضي في السلوك. وهذا مغايرٌ للترجمة والرواية. لقد بدأ الأمر بالاقتداء بسيرة النبي|، وأخذ بالتدريج يتحوَّل إلى فرع مستقلّ. حيث يقال مثلاً: السيرة السلوكية للسيد علي القاضي، ولكنّها تتناول تارةً نسب السيد القاضي، وتارةً قصة حياته الشخصية، وتارةً يتمّ تناول تاريخ حياته في النجف الأشرف، والأوضاع التاريخية التي كانت عليها تلك المدينة في عهده، وهو ما يصطلح عليه بعلم التاريخ، وهو مختلفٌ عن علم الرجال أو علم التراجم والأنساب والسِّيَر.

وعندنا شيءٌ باسم «الفهرست»، حيث يعنى بأحوال الكتّاب والمؤلِّفين، كما هو الحال بالنسبة إلى كتاب «الذريعة إلى تصانيف الشيعة»، للشيخ آغا بزرگ الطهراني. كما أن كتابه «الطبقات» يعنى بالتراجم، ولا ربط له بالرجال.

وللنجاشي كتاب «الفهرست» أيضاً.

واليوم نشهد اهتماماً كبيراً في العالم الغربي بـ «الفهرست»، ويطلقون عليه مصطلح الـ «بيبليوغرافيا». وهو موجودٌ عندنا أيضاً. وقد ذكرتُ ذات يوم أن الطريقة التي كتب النجاشي بها «الفهرست» لم يتمكَّن حتّى الغربيون ـ رغم تقدُّمهم ـ من الإتيان بمثلها. وقد جاء «فهرست» النجاشي متمِّماً لعلم الرجال، بمعنى أن الشيعة قد تناولوا تأليف الفهرست من زاويته الرجالية، وهي زاوية «الحجّية»، حيث يشتمل الفهرست على أبحاث من قبيل: هل يمكن الاعتماد على كتاب فلان أم لا؟ أو أن هذا الكتاب هل هو من تأليف فلان أو فلان؟ أو ما هو عدد الكتب التي ألَّفها فلان؟ أو هل هذا الكتاب مشهورٌ أم لا؟ إن جميع هذه الأبحاث التي يذكرها النجاشي تمهِّد الأرضية للحجّية. كما أن علم الرجال في الأساس تمّ بحثه من زاوية الحجّية؛ إذ كان يتناول حجّية الرواية.

وإن اختلاف علم الرجال عن الفهرست يكمن في أن علم الرجال يتناول البحث في الراوي، وما إذا كان بالإمكان الوثوق به، والاعتماد على روايته، أم لا؟ وأما في الفهرست فالحديث يدور حول الكتاب وحجّية الكتاب والمؤلَّف.

لا يوجد عند أهل السنّة كتباً في الفهرست كما هو الحال عند الشيعة.

كما أن كتاب الفهرست للنجاشي يختلف عن كتاب «الذريعة» لآغا بزرگ الطهراني.

كما أن لابن النديم كتاباً في الفهرست أيضاً. كان ابن النديم يحتلّ منصب رئيس الورّاقين في بغداد. ومهنة الورّاق تساوي ما يعرف حالياً بدار النشر، وعليه يمكن القول: إن ابن النديم كان رئيساً لدور النشر بالمصطلح العصري. ما هو نوع المهمة التي كان يمارسها الورّاق؟ إذا أخذنا الشخصية والقدرة التي كان يتحلّى بها ابن النديم مثلاً ـ حيث كان يتمتَّع بمنزلة كبيرة ـ كان بإمكانه أن يعمل على توظيف خمسمائة إلى ألف شخص من العلماء الذين يمارسون التأليف والكتابة، كأنْ يجلس شخصٌ يملي كتاب «مَنْ لا يحضره الفقيه» على هؤلاء الألف شخص، فيكتبون ما يسمعونه من المملي في وقتٍ واحد، وبذلك يتمّ استنساخ ألف نسخة عن هذا الكتاب.

إن الامتياز الذي كان يتمتَّع به ابن النديم يكمن في كونه ورّاقاً، فهو عندما يخبر عن كتاب فهذا يعني بالضرورة أن يكون ذلك الكتاب متوفِّراً في أسواق النشر.

بخلاف النجاشي، فإنّ إخبار النجاشي عن كتاب لا يعني توفُّر ذلك الكتاب في الأسواق، بل ربما يكون وجده في الإجازات، وهو نوعٌ من الفهرست أيضاً. ولكلٍّ منهما فوائد، فهناك فوائد يمكن الحصول عليها من فهرست النجاشي، وهناك فوائد يمكن الحصول عليها من الفهارس التي يكتبها الغربيّون في العصر الراهن، وهو عملٌ بالغ التعقيد والصعوبة والدقّة.

منعطفات علم الرجال

_ ما هي المنعطفات التي مرّ بها علم الرجال طوال العصور الماضية؟

^ إن الظروف التي مرّت على الشيعة حتَّمت عليهم الاقتصار على النسخة والفهرست، دون الرجال؛ وذلك لأن أعداد الرجال كانت قليلة. فعلى سبيل المثال: إن ثلث أو ربع كتاب «الصلاة»، للكليني، مرويٌّ عن حريز، وقد لا يتجاوز مجموع عدد الرواة فيه الثلاثة أو الأربعة أشخاص.

في حين قد نجد في كتاب «الموطّأ» عدّة آلاف من الرجال. فعند أهل السنة ـ ولا سيَّما في القرن الرابع الهجري ـ عندما كان المحدِّث يعتلي المنبر في بغداد كان يجلس تحت منبره ثلاثون ألف نسمة. وكان يتم تخمين أعداد الجالسين من خلال المساحة التي يحتلّها الجالسون. وكان يصطلح على مجالس الحديث بـ «مجالس الإملاء». وهذا يحتاج إلى فهرست لتحديد النسخة، ثم يتمّ العمل على النحو التالي: عندما كان المحدِّث على المنبر يقول: «حدَّثنا» كان هناك على بعد عشرة أمتار منه شخصٌ واقف يتولّى إعادة هذه الكلمة بصوتٍ مرتفع؛ إذ يقول بدوره: «حدَّثنا» ليتلقَّفها منه شخص آخر يبعد عنه عشرة أمتار أيضاً؛ فيقول: «حدَّثنا»، وهكذا، حتّى تصل هذه الكلمة إلى أسماع جميع الحاضرين في المجلس، بمعنى أن هؤلاء الأشخاص كانوا يقومون بوظيفة الميكرفون ومكبِّر الصوت؛ فإنّ تواجد ثلاثين ألف شخص في مجلس واحد ليس بالمزحة؛ إذ لا بُدَّ من أنهم كانوا يشغلون مساحة تُقَدَّر في الحدّ الأدنى بعشرة آلاف أو اثني عشر ألف متر مربع. وهذا أمرٌ مذهل. ويشتدّ الذهول عندما ندرك أن هناك رواية تقدِّر أعداد الحضور بسبعين ألف نسمة، وذلك من خلال اتّباع ذات الملاك والمعيار الدقيق في التخمين. أما علماؤنا فقد عملوا على النسخة بشكلٍ كبير، وهي عملية يمكن الاعتماد عليها، والوثوق بها.

أبرز رجالات الشيعة في علم الرجال

_ مَنْ هم أوائل الرجاليين الشيعة؟ والأكثر تأثيراً من بينهم؟

^ إن الأول منهم هو عبد الله بن جبلة(220هـ).

وقد ألف آغا بزرگ الطهراني كتاب «تسمية مَنْ شهد صفين»، في حين أنه ليس من علم الرجال في شيءٍ، وإنما يشتمل على أبحاث بشأن الحروب التي وقعت بين المسلمين في عصر الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب×، وأن ما حدث في تلك الحروب إنما كان بأمر رسول الله|، حيث رُوي عنه| أنه قال للإمام علي×: «تقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين». ولكنْ ما ربط هذا بعلم الرجال؟ إن هذه المسائل يتمّ بحثها في التاريخ، فهي أشبه بالتراجم ولا علاقة لها بعلم الرجال.

وكذلك كان للحسن بن محبوب كتابٌ ضمَّنه كلّ ما سمعه من أساتذته على انفراد، كأنْ يذكر كلّ ما سمعه عن أستاذه عبد الله بن سنان في موضعٍ، ثم يذكر كلّ ما سمعه عن أستاذه جميل في موضعٍ آخر، وهكذا. وأطلق على كتابه هذا عنوان «المشيخة»، بمعنى أنه ألَّف كتابه على أساس أسماء شيوخه.

وهناك بعض الأعمال لدى أهل السنّة، ولكنْ لا ربط لها بالمشايخ والرجال.

ولذلك ظهر بعد مدّة أحد علماء قم، واسمه «داوود بن كورة»، ودوّن هذا الأمر في الفقه، فعمد إلى تأليف كتاب الصلاة ـ على سبيل المثال ـ في جزءٍ، وكتاب الطهارة في جزءٍ، وهكذا. وحيث أطلق على هذه الكتب عنوان المشيخة توهَّم آغا بزرگ الطهراني أنّ المراد منها هو الرجال، في حين أن الأمر ليس كذلك، وإنما هي مجموعة أحاديث بحَسَب أسماء الشيوخ.

ماذا عن مأزق التقليد في علم الرجال؟!

_ بالالتفات إلى مقولة: «إن النتيجة تتبع أخسّ المقدّمات»، لو كان الشخص مقلِّداً في علم الرجال هل ستكون النتيجة الحاصلة من أبحاثه اجتهادية أم لا؟

^ كان علم الرجال في الأزمنة القديمة جزءاً من أركان الاجتهاد، التي لا يجوز التقليد فيها؛ حيث كان يتمّ التعامل مع علم الرجال كما يتم التعامل مع علم الحديث، ولا بُدَّ من الاجتهاد في الحديث، بمعنى أنه جزءٌ من أركان الاستنباط؛ لأن ضابط العلم الاجتهادي لا يتزلزل بالنقاش؛ فإن العلم ينقسم إلى: كلّي؛ ومشكِّك، وإن العلم الحقيقي هو الاجتهاد.

وبطبيعة الحال فإن العلم المراد في مثل «طلب العلم فريضة» قد يصدق على علم المقلِّد أيضاً. إلاّ أن العلم الذي يجب أن يكون هو العلم حقيقة ـ حيث يؤخذ في مفهومه التوضيح والإضاءة ـ هو الاجتهاد الذي لا يتغيَّر بالنقاش أو موت صاحبه أو تغيُّر ذلك الشخص، أما العلم التقليدي فيتغيَّر بتغيُّر المقلَّد أو موته أو تحوُّله من دينٍ إلى دين آخر.

إن لهذا العلم ـ بحَسَب الاصطلاح ـ درجةً من العلم، وله آثار العلم، ما دام يريد العمل برأيه على طبق اجتهاده. ولكنْ عندما يريد التصدّي، ويقوم الآخرون بالرجوع إليه، فإن هذا سيكون مشكلاً من وجهة نظرنا. فما لم يكن ضليعاً بشكلٍ كامل في علم الحديث، ولم يتمكَّن من بيان الاتجاهات والتيارات فيه، يكون الأمر في غاية الإشكال والتعقيد.

مقارنات بين الشيعة والسنّة في الحديث

_ ما هو وضع الشيعة بالقياس إلى أهل السنّة في ما يتعلَّق برواية الحديث؟

^ رُوي عن الإمام الصادق× أنه قال: «إذا حدّثتم بحديثٍ فأسندوه»، بمعنى أنه يجب أن نذكر سند الحديث عند روايته.

وقد شاع هذا الأمر في العالم الإسلامي، وبدأ منذ القرن الثاني الهجري بالتدريج، حيث نشهد ذكر الأسانيد حتّى في ما يتعلَّق باللغة والتاريخ والشعر أيضاً، حيث كان لكلّ رواية في هذه المجالات أسانيد تقول: «حدَّثني فلان، عن فلان، عن فلان». فكان حتّى للمفردات والألفاظ وجميع الوقائع التاريخية أسانيد، بمعنى أن كبار أصحاب السند والحديث قد بذلوا جهوداً كبيرة في جميع هذه الأمور، وعالجوها واحدة واحدة.

وهذا أمرٌ يدعو إلى الدهشة؛ إذ عالجوا عشرات الآلاف من الأحاديث. والحديث هنا لا يعني المنسوب إلى النبيّ الأكرم| فقط، بل قد تجد أحياناً مسألة عن عبد الله بن عبّاس تشتمل على عشرة أسانيد تنتهي إليه، وقد تمَّتْ معالجة جميع هذه الأسانيد العشرة، ومع ذلك نجدهم يقولون: «لم يصحّ، ولم يثبت، وفيه فلان». وهذا عملٌ كبير جدّاً، ولا نبالغ إذا قلنا: إنه يثير الانبهار.

واليوم حيث تفصلنا عن رسول الله فترة 1437 سنة، هناك بيننا وبينه أربعون طبقة (على حدّ تعبير السيد البروجردي&). وقد قلتُ مراراً: إن أهل السنّة ـ للإنصاف ـ قد أتقنوا جهودهم في ما يتعلَّق بالطبقة الرابعة والخامسة.

وبطبيعة الحال لم يكن للشيعة هذا العدد الكبير، ومع ذلك فإننا نمتاز منهم بوضوح تاريخ حديثنا. وهو أمرٌ لا يتمتع به أهل السنّة، رغم الجهود الجبّارة التي قاموا بها في هذا الشأن، بمعنى أننا نستطيع أن نحدِّد الفترة الزمنية التي كان فيها الحديث مشافهة، ومتى وأين تمّ تدوينه؟ ومتى وصل إلينا؟ بينما لا يعلم السنّة من ذلك شيئاً، فالحديث الذي يرويه البخاري ـ مثلاً ـ عن رسول الله| لا يُعْرَف ما هو الشفهي منه وما هو المكتوب؟

فنحن نقول مثلاً: إن الحديث عن الإمام الباقر× إلى رسول الله| مرسَلٌ، ويكون هذا موضع إشكال بالنسبة لهم. وقد عمدنا إلى معالجة الطبقة الأولى والثانية والثالثة من خلال المسائل العقائدية والمباحث الكلامية، حيث نقول بالإمامة والعصمة. أما أهل السنّة والجماعة فقد حاولوا ردم هذه الهوّة من خلال المباحث الأصولية الفقهية، والقول بحجّية خبر الواحد! ومن هنا كان الأئمّة من أهل البيت يُشْكِلون عليهم بأن الطريق الذي سلكتموه طريق ظني، وأما طريقنا فهو طريق يقيني.

فلنأخذ مثلاً أقدم كتاب لديهم، والمعتبر من حيث السند، وهو كتاب مالك (وهو بطبيعة الحال ليس مجرّد كتاب في الحديث، وإنما فيه الكثير من الفتاوى الفقهية)، حيث يقال: إنه قد ألَّفه ما بين عام 100هـ إلى 150هـ، وقد ملأ هذه الفترة الزمنية الفاصلة بينه وبين رسول الله براوٍ واحد؛ إذ يقول: «قال الراوي»! مع أن هذه الفترة الزمنية تقدَّر بقرنٍ أو قرن ونصف من الزمن! فهو معاصرٌ للإمام الصادق×، مع فارق أن الإمام لا يقول: «قال الراوي».

وفي الحقيقة يمكن القول: إن علم الرجال قد تأسَّس في القرن الثاني الهجري. وقد عمد أهل السنّة إلى ملء الفراغ الزمني إلى رسول الله بمسألة أصولية تتمثَّل بـ «حجّية خبر الواحد»، بينما عمد الشيعة إلى ملئها بمسألة كلامية تتمثَّل بـ «حجّية أقوال الأئمة المعصومين^، والاعتقاد بالإمامة»، والقول بأن «الإمامة عهدٌ من الله».

وهذان بُعْدان مختلفان.

فقد بدأ أهل السنّة نهضتهم الروائية بعد النبيّ الأكرم| بقرنين، حيث صحيح البخاري(256هـ) أو مسند أحمد بن حنبل(241هـ)، حيث الطبقة الخامسة والسادسة، ومنذ ذلك الحين كان العمل على الحديث عندهم دقيقاً جدّاً وفي غاية الإحكام، وأما في ما يتعلَّق بالطبقة الأولى والثانية والثالثة فالعمل ضعيفٌ للغاية!

والإشكال المثار من قبل الغربيين يركِّز على هذه النقطة. وأما بالنسبة إلينا فإنهم لا يؤمنون بالإمامة من الأساس.

وقد شخَّص الإمام الصادق× أهمّية الكتابة والتدوين بالنسبة إلى الشيعة؛ إذ مع الأخذ بنظر الاعتبار ما جرى على الشيعة كانت هناك خشيةٌ من ضياع ما بأيدينا؛ إذ لم تقتصر محاربة التشيُّع على أمثال ما تقوم به الوهّابية في العصر الحاضر، بل كان الوضع أخطر بكثير، فقبل الإمام الصادق× شهد التاريخ الإسلامي حادثةً خطيرة تمثَّلت بمقتل الإمام الحسين× على تلك الصورة الفجيعة، وهكذا كان أئمّتنا عرضةً للاستشهاد، وليس الشيعة فحَسْب.

وقد كتب المخالفون في كتبهم مراراً وتكراراً أن مخالفة الشيعة لا تنقض الإجماع، بل صرَّحوا بأن «الشيعة ليسوا مسلمين»!

_ ما هو تأثير الخلفية الثقافية في هذا الشأن؟

^ على سبيل المثال: ما قيل في هذا الشأن من أن المسألة لم تكن متعلقة بالخلافة أصلاً. إن هؤلاء ربطوا الخلافة بالثقافة. هناك من العلماء الكبار مَنْ يذهب إلى الاعتقاد بعدم جدوائية التركيز على الخلافة، وإنما ينصح بالتركيز على المرجعية العلمية للأئمة^!

في حين أن هذا الأمر لا يبدو عملياً؛ لأنهم قد رتَّبوا الأمور بحيث يقتنع السامع تلقائياً بأن أبا حنيفة ـ مثلاً ـ أعلم من الإمام الصادق×!

توفي أبو حنيفة سنة (150هـ)، واسمه النعمان بن ثابت بن زوطي، وهناك مَنْ يقول: إن زوطي شخصٌ من كابل، وهناك مَنْ يقول: إنه من نيسابور، وهناك مَنْ يقول: إنه من أصفهان. وكان مجوسياً، وقد أسلم ابنه ثابت، وأقام في الكوفة. فهل يمكن لشخص مثله أن يكون أعلم بالتعاليم الإسلامية في القرن الثاني الهجري من الإمام جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب^!

في زمن الإمام الصادق× كانت جدران المدينة المنورة وأبوابها لا تزال عابقة بذكريات وآثار رسول الله| وأصحابه، وكان الإمام الصادق× يعيش في تلك الأجواء. وقد رأى أبناء الصحابة، وربما يكون قد رأى بعض الصحابة أيضاً. بينما أبو حنيفة لم يذهب إلى أبعد من الكوفة، وهو على ما هو عليه من الخلفية النَّسَبية، فهل يكون والحال هذه أقرب إلى الإسلام وتعاليمه من الإمام جعفر بن محمد الصادق×؟! هل هناك إجحافٌ أكثر من هذا الإجحاف؟!

إذن لا بُدَّ أن تكون هناك أرضيات وخلفيات، ونحن نصطلح عليها بـ «الخلفيات الثقافية»، فكان لا بُدَّ من إعداد المجتمع بحيث يتقبَّل ويقتنع بتقديم أمثال أبي حنيفة على قامةٍ مثل قامة الإمام جعفر بن محمد الصادق×.

_ ما هو القرن الذي شهد ذروة ازدهار علم الرجال؟

^ بالنسبة إلينا نحن الشيعة لم نشهد ازدهاراً كبيراً في عصر الأئمّة. وكان أوّل شخص وصلتنا أعماله هو «عليّ بن الحسن بن فضّال»، وهو مذكورٌ في كتاب رجال الكشّي، ويمكن جمعه ضمن عشر صفحات أو خمس عشرة صفحة.

وهذا على نحو الإطلاق هو أوّل كتاب رجالي عندنا.

وبطبيعة الحال يمكن لنا أن نذكر رجال البرقي أيضاً، ولكنْ كتاب ابن فضّال أكثر أصالةً، وهو أقدم منه من الناحية الزمنية. وهناك مَنْ يحتمل أن يكون رجال البرقي هو من تأليف حفيده، فهذا محلّ كلام، والأشهر أنه لأحمد البرقي، فإذا صحّ ذلك كان في مرتبة ابن فضّال، وأما إذا كان لحفيده فهو متأخِّرٌ عنه.

_ ما هي المحاور التي اشتمل عليها الكتاب الأول في علم الرجال؟

^ لم يبلغنا شيء من الجهد الذي بذله عبد الله بن جبلة؛ فكتابه لم يصل إلينا، بمعنى أننا حالياً لا نمتلك في كتبنا نقلاً عن عبد الله بن جبلة في الرجال. وقد كانت وفاته سنة (220هـ). فلو توفَّر كتابه كان يمكن اعتباره من أقدم المشايخ في هذا المجال، وهو معاصرٌ للإمام محمد الجواد×.

دور علم الرجال في الاجتهاد الفقهي

_ هل ترَوْن تأثيراً ملموساً لعلم الرجال على فهم الفقه؟

^ ليس ملموساً فحَسْب، بل هو تأثير لا بُدَّ منه. وذلك بطبيعة الحال على أساس علم الرجال الذي نراه نحن، ولا سيَّما منه ذلك الذي يجب أن يقترن بالفهرست؛ إذ إن من بين المسائل التي يتمّ الإصرار عليها عندنا هو تحليل جميع الأحاديث رجالياً (وهو ما عليه الطريقة الرجالية عند أهل السنّة)، وفي عصرنا سار عليها السيد الخوئي وآخرون، إلاّ أن هذه الطريقة لا تتناسب مع المزاج الشيعي.

كما يجب تحليل الحديث من خلال المصدر الذي ينقله، بمعنى أن علينا أن نقوم بأمرين، وإن هذين الأمرين على درجةٍ عالية من التأثير في معرفة الروايات وتقييمها.

فقد قال الشيخ الأنصاري في كتاب «الرسائل»: إن الحديث يبحث من ثلاث جهات، وهي: السند؛ والصدور؛ والدلالة.

وقد ذكرنا في حينها أنه قد فاته أمرٌ رابع. والحقيقة أنه لم يفُتْه، ولكنه لم يبحث أساساً، وهو بحث المتن؛ إذ إنّ بحث المتن في غاية الأهمّية. ومنذ عصر الشيخ الأنصاري إلى اليوم ذكر العلماء في الغالب، من أمثال: السيد الخوئي في الأصول، هذه المسائل الثلاث. ولكنْ في الحقيقة يجب أن يكون بين الصدور وجهة الصدور مسألة المتن؛ وذلك لأن المتن قد حدثت فيه زيادة ونقيصة وارتفاع وهبوط، وهذا يترتَّب عليه الكثير في الفقه.

وللأسف هناك أمور (تستحقّ البحث في محلّها) دعَتْ أهل السنّة إلى العمل بشكلٍ جادّ على معالجة المتن، وهو أمرٌ لم نعالجه على نحوٍ جادّ. فمن المهمّ جدّاً العمل على الفتوى والتصوير العامّ لفقه أهل البيت؛ لما ينطوي عليه ذلك من التأثير الكبير. فهو ليس مجرّد تأثير عادي، بل هو يمثِّل جوهر المسألة.

إن الأخباريين، بدلاً من السعي وراء البحث الرجالي، يعتبرون حجّية كلّ رواية معتبرة في الكتاب، ويقوم بناؤهم في ذلك على الحجّية التعبُّدية. وأما مبنى السيد الخوئي فيقوم على وجوب أن يكون راوي الحديث ثقةً، وذهب بعضٌ آخر ـ كما هو الحال بالنسبة إلى صاحب المدارك ـ إلى الاعتماد على كلّ حديث يرويه العَدْل الإمامي.

وأما أهل السنّة فيختلفون فيما بينهم، ولكنّهم لا يذهبون في اختلافهم بعيداً، والمشهور منهم على أن الحديث الصحيح هو «كلّ خبر يرويه عَدْل ضابط عن مثله إلى آخر الإسناد، من غير شذوذٍ، ولا علّة».

وأما في كتب الشيعة ـ كما في كتب الشهيد الثاني والعلاّمة الحلّي ـ فقد تم رفع فقرة «من غير شذوذ»، واستبدلت بـ «العَدْل الضابط» و«العَدْل الإمامي»، وكانت هذه هي نقطة الاختلاف بينهما.

وهذا المبنى يترك تأثيرات كبيرة. فالعلامة المجلسي مثلاً يذهب إلى تضعيف ما يقرب من تسعة آلاف حديث من مجموع أحاديث الكافي، البالغة ستة عشر ألف أو سبعة عشر ألف حديث (وطبعاً هي ضعاف على مبنى العلامة المجلسي)، أو أنها موضع إشكال، وصحَّح ما تبقى من الأحاديث، البالغة خمسة آلاف رواية فقط. وهذا يعقِّد الأمر، وتترتَّب عليه آثار كبيرة جدّاً.

خلفيات الموقف السلبي من علم الرجال

_ إذن ما هو السبب الذي يدعو البعض إلى اعتبار علم الرجال فاقداً للقيمة؟ وما هو دليلهم على ذلك؟

^ مكمن الكلام في أن هذه المسألة لم تكن مطروحة بين المتقدِّمين من الأصحاب. وفي الحقيقة إن الحديث الصحيح عند أهل السنّة قد بدأ منذ القرن الثالث الهجري فما بعد. وأما عندنا فقد شاع هذا المصطلح منذ القرن الثامن الهجري، حيث جاء به العلاّمة الحلّي، وذلك بعد أن كتب فقهنا وحديثنا منذ القرنين الرابع والخامس الهجريين، حتّى جاء معيار القرن الثامن الهجري وأثار هذه الزوبعة، حيث رأينا كيف تمّ الإشكال على تسعة آلاف حديث من أحاديث الكافي.

وبطبيعة الحال إن الكليني نفسه كان عالماً بالحديث، ومن هنا لم يكن يقبل بما يقرب من الألف حديث (وهناك ضوابط وقواعد في هذا الشأن، لسنا في وارد الدخول في تفاصيلها). وعلى أيّ حال فإن النجاشي قد وصف الكليني قائلاً: «أوثق الناس في الحديث، وأثبتهم». ولم أجِدْ مثل هذا الكلام يُقال في حقِّ عالمٍ آخر. وعليه لا بُدَّ من القول: «إن الكليني إمامٌ في معرفة الحديث». ولذلك نجده في بعض المواضع يصرِّح بأنه لا يقبل بعض الأحاديث، فإذا لم يذكر مثل هذا الشيء بالنسبة إلى حديثٍ دلّ ذلك على أنه قد اختار صحّة هذا الحديث، وذلك على المستوى العلمي.

أما ضوابط العلاّمة الحلّي فقد جاءت بعد ذلك، حيث كان يعيش في القرن الثامن الهجري. وبذلك واجهنا مشكلة، حيث تمّ تأليف مصادرنا الحديثية والفقهية، من قبيل: «مَنْ لا يحضره الفقيه» و«الكافي»، في القرن الرابع الهجري ، فقد عاش الكليني في بداية القرن الهجري الرابع، والشيخ الصدوق في نهايته، كما كان الشيخ الطوسي ـ مؤلِّف الفهرست والفقه ـ يعيش في القرن الخامس الهجري. وإذا بنا في القرن الثامن الهجري نفاجأ بمعيارٍ جديد!

_ إلى أيّ مستوى ترَوْن هذا الإشكال وارداً؟

^ إن هذا الإشكال واردٌ، فإن هؤلاء ـ بيني وبين الله ـ يقولون: لو التزمنا بالمبنى الذي يذكره العلاّمة فسوف يتعيَّن علينا نبذ الكثير من الروايات. وهو كلامٌ صحيح؛ فإن الطريق الذي اختطّه العلامة ـ للإنصاف ـ يخلق الكثير من المشاكل الفنّية.

وهنا سأذكر مجمل القول؛ كي تتضح الصورة: إذا أخذنا مجموع روايات أهل البيت^ بنظر الاعتبار فربما لم يصحّ منها ـ طبقاً للمعايير التي ذكرها العلاّمة الحلّي في كتبه الأربعة ـ سوى 20%، وهذا يشكِّل ضربةً كبيرة لتراثنا الروائي.

ومن هنا صدرت ردود الأفعال الأولى عن أمثال الشهيد الثاني، حيث قال: إذا كان الحديث ضعيفاً فإن عمل الأصحاب به سيكون «جابراً» له (فأضافوا هذا القَيْد)، كما قالوا: إذا كان الحديث صحيحاً، وأعرض عنه الأصحاب، فإنّ إعراضهم عنه سيكون «كاسراً» له. وعليه فقد نشأ مصطلح «الجابر» و«الكاسر» من رحم هذه المعايير الجديدة، وبذلك أمكن استعادة ما بين 20% و30% من الأحاديث التي خرجت بسبب المعايير التي جاء بها العلاّمة الحلّي، وبذلك نكون قد احتفظنا بما مجموعه 45% من تراثنا الروائي، ومع ذلك تبقى المشكلة على حالها.

وفي الحقيقة حتّى أنا لا أستطيع القبول بهذه النتيجة؛ إذ إن الجهود التي بذلها أهل البيت^ ـ للإنصاف ـ كبيرة جدّاً، وكذلك الأمر بالنسبة إلى جهود علمائنا، ولم يكن هذا أمراً عادياً. فالمعيار الذي يذكره العلاّمة يؤدّي إلى إشكال كبير لا على المستوى التعبدي، بل على المستوى العملي والواقعي. وهذا ظلمٌ في حقّ التراث الروائي لأهل البيت، وتنكُّر للجهود التي بذلها فقهاؤنا؛ فلم يكن ما قام به الأولون من الجهود للوصول ـ رغم الضغوط الشديدة ـ إلى تأليف هذا الفقه المتقدِّم والدقيق والصحيح مع ذكر المعايير والملاكات الظريفة مجرَّد مزحة.

لقد ذكر العلاّمة الحلّي(726هـ) معاييره في القرن الثامن الهجري، وسارت الأمور على هذه الوتيرة ما يقرب من ثلاثة قرون. وإن بعض العلماء، من أمثال: صاحب المدارك، سار على ذات الدرب، حيث كان يقول بأنه لا يقبل بغير الحديث الصحيح. ومن هنا عرف صاحب المدارك بالشاذّ، وكان هذا هو مكمن شذوذه؛ حيث ذكر ذلك المعيار، ورفض أحاديث «الكافي» و«مَنْ لا يحضره الفقيه» و«التهذيب»، كما ترك الأحاديث التي ذكرها مَنْ سبقه من الفقهاء إلى المعاصرين له، وحتّى التي سبق له أن عمل بها.

ومنذ القرن العاشر الهجري ظهر الأخباريون على الساحة، ليقلبوا جميع الطاولات، وقالوا بحجّية جميع الأحاديث الواردة في هذه الكتب المشهورة. فكلُّ ما ورد في كتاب «خصال الصدوق» على سبيل المثال ـ فضلاً عن الكتب الأربعة ـ، وكذلك «معاني الأخبار»، و«الأمالي»، للشيخ المفيد، حجّةٌ. وباختصار: إن كل كتابٍ مشهور تثبت له حجّية تعبُّدية. وبذلك فإن الأحاديث التي كانت معتبرة في الكتب الأربعة 100% تحوَّلت بمعايير العلامة الحلي إلى 20%، ثمّ ارتفعت النسبة من خلال معالجات الشهيد الثاني إلى 45%، حتّى جاء الأخباريون ليحطِّموا الرقم القياسي بقولهم: إننا لا نقبل بهذه المعايير. لقد رام الأخباريون حلّ المشكلة، ولكنهم خلقوا مشكلةً أخرى، وبذلك وقعنا بين الإفراط والتفريط.

وبعد الأخباريين، الذين استمر وجودهم لقرنين من الزمن، جاء دور الوحيد البهبهاني في القرن الثاني عشر الهجري، وأضاف إلى مباني القرن التاسع الهجري ـ والمتمثِّلة بانجبار ضعف الحديث بعمل الأصحاب ـ العمل على توسيع علم الرجال. إن توثيقات وتضعيفات العلاّمة كانت منبثقة عن تلك المصادر الأولى تقريباً، فوجد الوحيد البهبهاني أن بعض الرواة ضعيفٌ (بمعنى أنه مجهول، ولا نعرفه)، والتفت إلى وجود طرق أخرى للتوثيق، كأنْ يكون هذا الراوي المجهول كثير الرواية، ثم عثر بالتدريج على بعض الشواهد الأخرى.

ومن هنا فإن الوحيد البهبهاني، مضافاً إلى ذلك المبنى، أضاف مبنى آخر، وبذلك وسَّع من المباني الرجالية، لا بالمقدار الذي كتبه العلاّمة الحلّي.

وبطبيعة الحال فإنّ خلاصة العلاّمة الحلّي كتاب صغير، ولا يجدي شيئاً بالنسبة إلى أحاديث الشيعة. ولا نعني بهذا الكلام أنه كان مقصِّراً في هذا الشأن، ولكنّ هذا ما كان عليه مستوى العلم في تلك الفترة الزمنية. وعليه فإن ما قام به الوحيد البهبهاني يشتمل على مرحلتين:

الأولى: توسيع علم الرجال، والتعرُّف على الكثير من المجهولين، وتوثيق عدد من الضعاف.

الثانية: القبول بالكثير من الرواة، وبذلك تصل نسبة الأحاديث الصحيحة حتى إلى 70%. وهذا للإنصاف مجهودٌ يستحق الثناء، ويجب العمل على تطويره.

وبعد الوحيد البهبهاني سلك أمثال الميرزا النائيني الطريق الأوّل، بمعنى القبول بكلّ حديث قبل به الأصحاب، دون أن نلتفت إلى ما يقوله علم الرجال. وما قيل من «عدم الحاجة» إلى علم الرجال كان المراد منه هذا الشيء.

وقام بعض العلماء بسلوك الطريق الثاني للوحيد البهبهاني، من أمثال المحدِّث حسين النوري، فكان يقول: كلّ مَنْ ذكره الشيخ الصدوق في المشيخة، وكلّ مَنْ ذكر الشيخ أن له «أصلاً»، وهكذا اتّسع الباب بالتدريج. ولطالما كنت أمزح في هذا الشأن قائلاً: إنهم قاموا بصنع حوض كرّ، وألقوا فيه الكثير من المجاهيل، ليجدوا لهم مخرجاً.

فأين نحن الآن؟ إننا للإنصاف بحاجةٍ إلى كلا الطريقين؛ فلا بُدَّ من التدقيق في المباني وتوضيحها.

ومضافاً إلى ذلك لا بُدَّ من التدقيق في مصادرنا المكتوبة، بمعنى إعادة إحياء ما قام به النجاشي، حيث كان يقوم بدراسة النسخ والكتب، وكان كبار علماء قم يتدارسون النسخ، واليوم لا توجد تلك النسخ بين أيدينا، وهذه المرحلة صعبةٌ للغاية، وهذا هو الشيء الذي أضفناه، بمعنى أننا حصدنا نتيجة عمل استغرق ألفاً ومئتي سنة بعد عصر الغيبة، وقمنا بتشذيبه وتنقيته.

في الآونة الأخيرة لم يكن السيد الخوئي يذكر مصطلح «الحديث الصحيح»، وإنما أخذ يستعمل مصطلح «الحديث المعتبر»، بمعنى أنه كان يقول: إذ أثبتنا بأن الراوي ثقة كان الحديث عنه معتبراً، أيّاً كان مذهب الراوي، وبذلك يكون قد أحدث تغييراً جذرياً.

وهو ليس بالطريق السيّئ، حيث طرح بحث المعتبر وغير المعتبر، فقد قدَّم العلاّمة الحلي تقسيماً رباعياً؛ أما السيد الخوئي فقد قام بتقسيم الحديث إلى: معتبر؛ وغير معتبر.

لم يَرْتَضِ السيد الخوئي الطريق الأول للوحيد البهبهاني، الذي ذكر فيه مسألة «الجابر»، بمعنى أن السند إذا كان ضعيفاً لا يكون عمل الأصحاب به عنده «جابراً»، ولا الإعراض عنه «كاسراً»، إلاّ أنه قام إجمالاً بوضع طرق وحلول أخرى ـ وصنع على حدّ تعبيري أحواض كرّ أخرى ـ، ومن بينها: «كامل الزيارات»، الذي رجع عنه مؤخَّراً؛ ومنها: «تفسير عليّ بن إبراهيم».

وللإنصاف فإن كلا الأمرين صحيح. إن ما قام به الوحيد البهبهاني هو أن لا نكتفي بمجرّد ما كتبه العلاّمة الحلّي بشأن التوثيق والتضعيف، بل هناك طرق أخرى يمكن التعرُّف عليها، ومنها: أن يكون الراوي الفلاني جليل القدر، والراوي الفلاني عظيم الشأن، بمعنى أن نتعرَّف على خصوصيات الراوي. وقد تكون هناك طرق أخرى لقبول روايته. وهذه عمليةٌ صحيحة ولا غبار عليها.

أما الطريق الذي سلكه الأخباريّون، حيث قالوا بالكتب المشهورة، دون المعتبرة، فهو ـ للإنصاف ـ على خلاف العلم، ولا يمكن أن يكون صحيحاً (بمعزل عن النقاش والبحث الأصولي). يقول الأخباريون: إن علماءنا قد بذلوا الكثير من الجهود وألَّفوا الكتب. وهذا كلامٌ صحيح. وقد عملنا على تطوير ذلك، واختَرْنا له تسمية «تحليل رجال الفهارس»، فقد تكون الرواية مشتملة على إشكال بلحاظ التحليل الرجالي، ولكنّها لا تحتوي على مشكلة بلحاظ التحليل الفهرستي، وتكون مقبولة من هذه الناحية، وقد تكون رواية أخرى بعكس الأولى، تعاني من مشكلة بلحاظ التحليل الفهرستي، ولا تعاني من مشكلة بلحاظ التحليل الروائي، فتكون مقبولة أيضاً. وقد عمدنا إلى إضافة هذه الأمور، وعملنا على معالجة مسألة تلقّي الأصحاب للرواية بالقبول، ومَنْ هو الذي تلقّاها بالقبول منهم؟ هل هم القمّيون أم البغداديون؟ وما هي طبيعة المسألة؟ فهل هي اجتهادية أم تفصيلية أم محصورة؟ وهو ما عبَّرْتُ عنه بـ «التبنّي» و«التلقّي»؛ فإنْ كان من سنخ التلقّي ـ حيث كان المتقدِّمون من الأصحاب يتلقّونه من المعصوم× ـ يكون لذلك مكانته وقيمته، وأما إذا كان من سنخ التبنّي، بمعنى أنه يقوم على الاستدلال ونوع من استظهار المتقدِّمين (وليس على شاكلة اجتهادتنا الراهنة)، ونوع من الجمع والاختيار، كأن يحصل تعارض بين روايتين، وطبقاً لمبانيهم الفكرية يختارون إحدى الروايتين (لا على أساس المتبنيات المعاصرة أو على أساس القواعد والأصول والاستصحاب التعليقي وما إلى ذلك).

وإذا أقمنا الشواهد (وقائمتها تطول) سنجد أن بعضها من سنخ التلقّي، ويبدو أنه يعود إلى التلقّي من الأئمة المعصومين^، بَيْدَ أنه لم يتمّ التصريح بذلك. علينا أن نقيم الشواهد على أن اختيار هذا المبنى يعود إلى التلقّي عن الإمام×؛ لأن من بين مهام أئمتنا المتأخِّرين هي عرض الروايات. وكان هذا في بعض جوانبه صحيحاً.

فمثلاً: يُقال للإمام×: لقد رُوي عن جدِّك حديثان، أو أن عدداً من مكاتيب السيد الحميري لإمام العصر# هي من هذا القبيل. وأساساً كان هناك بعض الروايات وصلت إلى عددٍ منكم، ولم تصِلْ إلى الكثير منكم. نحن نحتمل أن الشيخ الكليني قد تلقى الرواية الكذائية المتعارفة (لأنه كان يعيش في فترة الغيبة الصغرى، ولا نجد نكتةً فنية)، أو أن أصحابنا بعد الشيخ الكليني قد تلقوها بالقبول، وأفتَوْا على أساسها، وأضحَتْ من المشهورات، فيحتمل أن تعود جذور ذلك إلى التلقّي، فيكون ذلك جزءاً من علم الرجال، في حين أنهم قد أخذوها بشكلٍ مستقلّ عن علم الرجال.

وقد عمدنا إلى جمع هذه الأمور، وكوَّنّا منها ـ بحَسَب مصطلحنا ـ منظومة فكرية تتألَّف من الرجال والحديث والتاريخ، ثم أضَفْنا إليها مسألة الفهرست، والطرق المختلفة التي سلكها علماؤنا، والشواهد التي كانت متوفِّرة، وأحياناً نستوثق من عمل المتقدِّمين حقيقةً. وهذه الطرق بأجمعها قابلةٌ للاعتماد.

وعليه فإن المبنى الذي يقول به السيد الخوئي، والذي على أساسه يتَّخذ موقف الرفض، ليس صحيحاً أيضاً.

إن هذا التاريخ قد اتَّضح على نحو الإجمال، وبيَّنا الموقع الذي نحن فيه. نحن الآن نعيش في هذه المرحلة التاريخية، وهي مرحلة عصيبة حقّاً. لقد قال هؤلاء السادة: لا شأن لنا بعلم الرجال، وإنما نلتزم بما قاله الأصحاب. إن الفرصة حالياً سانحة بالنسبة لنا، فقد تقدَّمنا في العالم المعاصر تقدُّماً ملحوظاً، وظهرت الكثير من المكتبات التي تحتوي على الكثير من المخطوطات. ويمكن لنا الوقوف على المخطوطات، وأن نلاحظ الاختلاف بينها. فقد قامت مؤسسة دار الحديث بطبع الكافي في خمس عشرة نسخة، وهذه نعمةٌ عظيمة. كما تمكَّن السيد شبيري زنجاني (حفظه الله) بمقابلة كتاب النجاشي على ثماني عشرة نسخة.

وفي الوقت الحاضر علينا أن نغتنم التطوُّر الحاصل، وإيصال أنفسنا إلى ركب العالم؛ وذلك لاعتقادنا بأن النظام السياسي كلّما وقع بأيدي الشيعة حدثَتْ نقلةٌ نوعية في حوزاتهم العلمية. فبظهور البويهيّين في بغداد سنة 334هـ، إلى حين خروجهم منها بمجيء الخوارزميين، وهم من سنّة أتراك خوارزم، شهد التشيُّع ذروة قدرته في بغداد، وإلى تلك الحقبة ينتمي أمثال: الشيخ المفيد، والشيخ الطوسي، والسيد المرتضى. كما كان العصر الصفوي قد شهد قمّة البلوغ الفكري للشيعة، حيث تمّ تأليف موسوعة «بحار الأنوار»، وكتاب «وسائل الشيعة»، في هذه الفترة. وهذه الأمور الإبداعية تعود بأجمعها إلى تلك العصور، بمعنى أن الحكومات السياسية عندما اتفقت مع الشيعة حصل تقدُّم ملحوظ حتّى في المعارف الحوزوية أيضاً؛ وذلك لانفتاح المجالات والأبواب أمامها.

ولذلك كنتُ أقول دائماً: علينا الإقرار بأننا طوال السنوات الستّة والثلاثين المنصرمة من عمر الجمهورية الإسلامية لم نحصل على المستوى المطلوب من التقدُّم بما يتناسب مع الناحية السياسية، فلم نتعرَّف على المخطوطات مثلاً، ولم نتمكَّن من فتح قنواتٍ للتواصل مع العالم والمؤسَّسات العلمية في سائر البلدان الأجنبية.

واللحظة الراهنة تقتضي منّا أن نتواصل مع العالم الإسلامي. يمكن لنا أن نتواصل مع الأزهر على نحو جيِّد، ولكن هذا الأمر لم يحصل حتّى الآن. ويا حبذا لو أمكن لنا أن نفتح بعض الحوزات في أمريكا وأوروبا، ونرسل بعض الطلاب الفضلاء إلى هناك، وأن نجري نوعاً من المنافسة مع الغرب في بعض المجالات المعرفية، من قبيل: الفلسفة، والتجارة (أو المكاسب، على حدِّ تعبيرنا)، والحقوق، والكثير من المجالات التشريعية، وأن يحصل بيننا وبينهم نوع من التعاون، وبذلك سنحصل على نِعَم كبيرة.

ولكنّ مثل هذا لم يحصل للأسف الشديد. مع أن بالإمكان فعل ذلك من خلال استثمار حجمنا وثقلنا السياسي والثقافي والعلمي.

إن الأعمال والأنشطة الثقافية أمورٌ ظاهرية، كأنْ يكون مخاطبنا هو جيل الجامعيين. بَيْدَ أن النشاط التحقيقي هو بحثٌ في الجذور، وتنقيب في الأعماق. إن الإمكانات متوفِّرة لدينا بكثرة حالياً، وهناك الكثير من المخطوطات التي يمكن لنا الاعتماد عليها في أعمالنا التحقيقية، ويمكننا الآن أن نقوم بالأعمال التحقيقية التدقيقية بشكلٍ جيّد.

فعلى سبيل المثال: كانت لي قبل ثلاثين سنة مراسلة مع والد السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي في اليمن، وسألته عن مؤلَّفات بعض العلماء هناك، وكان هناك ارتباطٌ بيننا حول مثل هذه الأمور.

وقد انطلقت حركة عالمية جيدة بشأن القرآن الكريم. وهو عملٌ في غاية الرَّوْعة، حيث أمكن إحياء الكثير من المصاحف القديمة والتاريخية. وهو أمرٌ مذهل يكاد يلامس المعجزة.

مسؤوليات الحوزات اليوم تجاه علم الرجال

_ ما هي المسؤولية التي تراها ملقاةً على عاتق الحوزة العلمية في ما يتعلَّق بالاهتمام بمباحث علم الرجال، بوصفك واحداً من المختصّين وأصحاب الخبرة في هذا الشأن؟

^ هناك الكثير من الأمور التي يجب الاهتمام بها، والعمل عليها بشكل جَذْري؛ إذ إن الكثير من رجالنا وأحاديثنا ورواتنا موجودٌ في مصادر أهل السنّة أيضاً.

رحم الله السيد مهدي الروحاني، فقد ألَّف مع بعض السادة كتاباً، وقد قامت مؤسسة دار الحديث مؤخَّراً بطباعته.

وعلى أيّ حال يمكن القول بأن هناك بعض الأعمال الجيدة من هذا القبيل قد تمّ إنجازها. ولكنْ يجب أن يكون هناك إشرافٌ علمي دقيق على هذا النوع من الأعمال والجهود؛ كي يبين مسائله التاريخية، وما هي مواطن الحاجة إليه؟ والعمل على طبق هذه الحاجة.

من الواضح أن الجهد العلمي مهمٌّ للغاية، ولكنْ علينا أن ننظر ما هي الزاوية التي يتعيَّن علينا الدخول منها؟ وما هي جذور هذه الزوايا الرجالية عندنا؟

فعلى سبيل المثال: إن من بين كتبنا الرجالية كتاب «رجال الشيخ الطوسي». إن هذا الكتاب مضطربٌ تقريباً، ولكنْ ليس إلى حدٍّ كبير، ولكنّه على أيّ حال ينطوي على بعض المشاكل، وعلينا أن نتتبع جذور هذه المشاكل.

وهكذا الأمر بالنسبة إلى رجال الكشّي، حيث يحتاج إلى عددٍ من المتخصِّصين الأكفّاء؛ كي يتمكَّنوا من إصلاحه.

كما أرى من الضروري أن نتَّجه إلى الواقعية (وهو ما يُصطلح عليه بـ «التاريخ»)، فإنْ قصرت يدنا توجَّهنا إلى الحجِّية.

أما حوزتنا العلمية الراهنة فتركِّز اهتمامها وتصوُّرها على الحجِّية، حيث يقال: «خبر الثقة حجّة» مثلاً. وقلَّما صبّوا اهتمامهم على الواقعية.

وفي الوقت الراهن لا نستطيع أن نواكب العالم المعاصر في هذه الناحية العلمية.

لنفترض أننا ذكرنا عدداً من الأشخاص، وأخذنا نطالب بإثبات وجودهم التاريخي، يقال: إنهم موجودون في كتبنا، وهؤلاء يصرُّون على كلامهم. إننا نواجه هذه المشكلة في تراث الإسماعيليين، حيث يوجد لديهم في بداية نشاطهم مصطلح أئمة الستر؛ إذ هناك فاصلٌ زمني بين محمد بن إسماعيل وعُبَيْد الله المهدي، تقدَّر بقرن ونصف، وهناك ثلاثة أئمّة لديهم يسمّونهم «الأئمة الثلاثة»، وليس لنا طريق إلى هؤلاء الأئمة الثلاثة سوى الإسماعيلية أنفسهم. ثمّ يتّخذ هذا العلم طابعاً شخصياً، ولا يمكن للعالم العلمي أن يتقبّلنا.

إذن علينا أن نأخذ هذه الزاوية بنظر الاعتبار أيضاً، ويجب العمل بشكل نفرض من خلاله احترامنا على العالم الإسلامي، والعالم العلمي أيضاً. وعلينا أن لا نخفي أيضاً أن هذا الأمر سهلٌ على اللسان، ولكنّه ثقيلٌ في الميزان.

2ـ مع الشيخ مسلم الداوري

ما هو تعريف علم الرجال؟ وما هي أهميته؟

_ نرغب في البداية أن نسمع منكم شيئاً حول تعريف علم الرجال.

^ إن علم الرجال جزءٌ من علم الحديث؛ لأن علم الحديث عبارة عن العلم الذي يبحث في أمرين، وهما:

1ـ فقه الحديث، بمعنى المتن والدلالة، من حيث الظهور والنصّ، والخاصّ والعام، والمجمل والمبيِّن، وكلّ ما له دخلٌ تام في فهم كلام ومراد المعصوم×.

2ـ رجال الحديث، وسند الحديث، من الاتصال والانقطاع، والإضمار والإظهار، والوثاقة أو الضعف، والاعتماد أو عدم الاعتماد عليه.

وعليه فكلّ ما يدخل في حجية الحديث يدخل في دائرة البحث. وإن علم الحديث في كلا قسمَيْه يشكل الركن الأساس في عملية الاستنباط، وتحصيل الأحكام من الأحاديث والروايات.

ولا تقتصر فائدة ذلك على استنباط الأحكام فقط، بل يلعب دوراً حتّى في سائر العلوم الأخرى، وفي المعارف والعقائد، وفي الأخلاق والفضائل، وفي التفسير والترجمة وسائر العلوم.

_ هل ترَوْن ضرورةً لعلم الرجال في عملية استنباط الأحكام أم لا؟

^ لقد ذكرنا في كتابنا «أصول علم الرجال» بالتفصيل أن علم الرجال والحديث واحد من المقدّمات المباشرة في الاستنباط؛ لأن مصادر الأحكام الشرعية هي: القرآن الكريم، والسنّة (الأحاديث)، والإجماع، والعقل. أما القرآن الكريم فيُستفاد منه في الغالب في عمومات الأحكام، وأما الإجماع فلا يثبت به من الأحكام غير النَّزْر القليل، وأما العقل فليس له طريق إلى علل الأحكام، إلاّ في ما يتعلَّق بالملازمات العقلية، التي يجب أن تتوفَّر صغراها من الكتاب أو السنّة.

وعليه فإن الركن الرئيس في الاستنباط يتمثَّل بالروايات. ومن هنا فإن الشخص المجتهد، والذي يستنبط الأحكام، يجب أن يكون على درايةٍ كاملة بعلم الحديث؛ كي يتمكن من استنباط الأحكام بشكلٍ مناسب وصحيح.

_ ما هو أفضل كتاب في علم الرجال يمكن التعويل عليه، والاستفادة منه؟

^ أرى أن كتاب «معجم رجال الحديث» لسيِّدنا الأستاذ أبي القاسم الخوئي& ـ الذي يمكن تلقيبه بحقّ (أستاذ الأساتذة) ـ قد تناول في هذا الكتاب البحث بشأن رجال الروايات الواردة في الكتب الأربعة، وعمد إلى تحقيقها ومناقشتها بشكلٍ كامل.

وعليه يمكن، من خلال ضمّ «مستدرك معجم رجال الحديث»، للعلامة الشاهرودي&، الحصول على رجال الحديث.

ولكنْ في ما يتعلَّق بالتصحيح وطرق العثور على المسالك الأخرى لاعتبار الروايات يجب ضمّ «أصول علم الرجال» إليهما أيضاً. وبذلك يمكن القول: إن هذه الكتب الثلاثة تكفي للوصول إلى صحة أو عدم صحّة الروايات.

طرق تصحيح الروايات والابتكارات فيها

_ لقد أشَرْتُم إلى طرق تصحيح الروايات، فهل يمكن لكم أن تقدِّموا لنا مزيداً من التوضيح في هذا الشأن؟

^ نعم، إن من أهم مباحث علم رجال الحديث الحصول على طرق تصحيح الروايات.

فمثلاً: في السابق، وحتّى في عصر سيدنا الأستاذ&، كان يتمّ الحكم بإرسال وضعف روايات مستطرفات السرائر، التي ذكرها ابن إدريس& في نهاية الكتاب، وكان يقول: إن طريق هذه الروايات مجهولٌ، حتّى وفقنا الله للعثور ـ من خلال إجازات صاحب السرائر ـ على طرق متعدِّدة إلى هذه الروايات. وقد ذكرنا الشرح على ذلك في كتاب «أصول علم الرجال»، وعرضنا ما توصَّلنا له على سيدنا الأستاذ، فاستحسن ذلك كثيراً، وأخذ منذ ذلك الحين يتعامل معها كما يتعامل مع الروايات المسندة، وسار الآخرون في دروسهم على ذات النهج.

وهكذا الأمر بالنسبة إلى كتاب «غياث سلطان الورى» وغيره، وهكذا سائر الموارد الأخرى.

وأما طرق تصحيح الروايات، بشكلٍ موجز ومختصر، فيمكن تصحيح روايات الكتب الأربعة وغيرها من عدّة طرق، حتّى وإنْ كانت هذه الروايات بحَسَب الظاهر ضعيفة، أو واردة على نحو الإرسال، ومن أهمّ هذه الطرق:

1ـ أن نعلم أن هذه الرواية مستخرجة من أحد الكتب المشهورة المعروفة، والتي يعوَّل عليها. وقد عمدنا إلى تقسيم هذه الكتب إلى ثلاثة أقسام:

أـ الكتب المشهورة، والتي يعوَّل عليها.

ب ـ الكتب المشهورة فقط.

ج ـ الكتب التي يعوَّل عليها، والتي عُرضَتْ على المعصوم وتمّ تصحيحها.

ومجموع هذه الكتب يصل إلى 177 كتاباً. فإذا علمنا أن الرواية مستخرجة من أحد هذه الكتب لا نكون بحاجةٍ إلى مراجعة السند، وإنما نحكم بصحتها رأساً. وبطبيعة الحال يتم تصحيحها بجميع سلسلة السند بالنسبة إلى الكتب التي هي من القسم الأول؛ أو بجزء من السند ـ الذي هو أوّل السند إلى راوي الكتاب ـ بالنسبة إلى الكتب التي هي من القسم الثاني؛ أو من راوي الكتاب إلى الإمام×، فلا تكون بحاجةٍ إلى دراسة السند، بالنسبة إلى الكتب من القسم الثالث، فيحكم بصحتها حتّى مع وجود شخص ضعيف في سلسلة سند هذه الرايات.

2ـ إذا فهم من إجازات أو فهرست الشيخ& أن الشيخ كان لديه طريقٌ صحيح ومعتبر إلى جميع الروايات، أو جميع كتب وروايات ذلك الراوي، ثمّ إذا كان طريق الشيخ& في «التهذيب» أو «الاستبصار» أو سائر كتبه ضعيفاً، حكمنا بصحة الروايات؛ وذلك من جهة صحّة سندها في الفهرست أو المشيخة.

وقد أحصَيْنا هؤلاء الرواة فوجدناهم 121 راوياً. وحتى أولئك الذين لديهم طرق صحيحة إلى كتب وروايات الشيخ يمكنهم أن يَرْوُوا هذه الروايات بشكلٍ صحيح.

3ـ الروايات التي يكون للشيخ الصدوق& في مشيخة الفقيه بالنسبة لها طريق صحيح، أو في كتاب «مَنْ لا يحضره الفقيه»، أو في الإجازات بجميع الكتب ورواتها. وعليه تكون بأجمعها طرقاً للشيخ.

فإذا كان طريق الشيخ إلى هذه الروايات في كتاب التهذيب أو الاستبصار ضعيفاً يتمّ تصحيحه من طريق الصدوق، وحيث يكون للشيخ& طريقاً صحيحاً بالنسبة إلى جميع كتب وروايات الشيخ الصدوق تكون جميع طرق روايات الشيخ الصدوق طرقاً لروايات الشيخ الطوسي أيضاً.

4ـ طريق الشيخ النجاشي&، إذا كان له طريقٌ صحيح إلى كتاب أو أصل، وكان في ذلك الطريق أحد مشايخ الشيخ يروي جميع كتبه ورواياته، مثل: الشيخ المفيد، وابن الغضائري، وأمثالهما، فيكون هذا الطريق بعينه طريقاً للشيخ أيضاً إلى ذلك الكتاب أو ذلك الأصل، ويدخل في مرويات الشيخ.

ولا يخفى ما يترتَّب على هذا الأمر من الفوائد الهامّة والكبيرة.

هذه بعض طرق تصحيح الروايات. وقد ذكرنا تفصيلها بشكلٍ مستدلّ في كتابنا «أصول علم الرجال».

حديثٌ حول تجربة تدوين معجم رجال الحديث

_ نودّ أن تحدِّثنا عن لجنة معجم رجال الحديث للسيد الخوئي&، وكيفية تدوينها.

^ لقد أنجز كتاب «معجم رجال الحديث» عبر خمس مراحل، وذلك على النحو التالي:

المرحلة الأولى: في هذه المرحلة قام السيد الخوئي& بتدوين أسماء الرجال على نحو تفصيلي وبشكلٍ محقّق ضمن دفاتر، كانت في الغالب بخطّ يده.

المرحلة الثانية: أشار سماحته في هذه المرحلة إلى أربعة أشخاص من أهل العلم والفضيلة، ودفع لكلّ واحدٍ منهم واحداً من الكتب الأربعة، أي الكافي والتهذيب والاستبصار ومَنْ لا يحضره الفقيه، ليتولّى كلّ واحد منهم عملية استخراج الراوي والمرويّ عنه في هذه الكتب، وتسجيله في دفاتر، ثمّ عرضوا نتائج العمل على سماحته.

المرحلة الثالثة: في هذه المرحلة تمّ تسجيل أسماء الرواة بحَسَب التسلسل الأبجدي في دفاتر كبيرة لا تزال محفوظة، حيث تمَّتْ كتابة أسماء كلّ واحد من الرواة بخطّ عريض على شكل عنوان، وتمّ وضع المرويّ عنه إلى يمين القائمة بحسب التسلسل الأبجدي، والراوي إلى يسار القائمة، فإذا ظهر اختلاف في الأثناء تمَّتْ الإشارة إليه في الهامش أو في قائمة الملاحظات.

المرحلة الرابعة: في هذه المرحلة عمد السيد الخوئي إلى انتداب شخصين ليتولَّيا مهمّة مقابلة جميع هذه الموارد، وتطبيقها على الكتب والمصادر.

المرحلة الخامسة: في هذه المرحلة تمّ تحويل الكتاب إلى لجنة التحقيق والتلفيق، حيث تلخَّصت مهامها بالعمل على دراسة تلك العناوين والأحاديث والراوي والمرويّ عنه والرجال ـ وكانت بأجمعها بخطّ السيد الخوئي ـ، وبيان أحوال الرجال والتحقيق في أحوالهم، وضمّها إلى بعضها، والتلفيق فيما بينها. وإذا ظهر اختلاف بين الكتب أو النسخ صاروا إلى بيانه وذكر صحيحه وغير صحيحه. وكانت هذه العملية ـ بطبيعة الحال ـ بحاجة إلى مختصّين في علم الرجال والحديث. وكانت هذه الأعمال والجهود حتّى الجزء العاشر من الكتاب ملقاةً على عاتق الشيخ محمد المظفَّري القزويني، والشهيد حيدر علي هاشميان، حيث كان هذان الأخيران يتبادلان وجهات النظر، وكانا ينقلان الأمر إلى شخصٍ ثالث، وهو الشهيد الشيخ زكريا النصيري&، حيث كان يمتلك خطّاً جميلاً جدّاً، فيكتب ما يمليان عليه، فيذهب ما يكتبه إلى المطبعة مباشرةً. ولكنْ بعد الجزء العاشر هاجر الشيخ مظفَّري إلى إيران، فطلب منّي أن أتولّى هذه المهمّة مع الحاج حيدر علي هاشميان، فكان معي حتّى صدور الجزء التاسع عشر، حيث أُلقي عليه القبض من قبل سلطات حزب البعث؛ بجريرة ولده، والتحق بصفوف الشهداء، فواصلت العمل بمفردي حتّى إصدار الجزء الرابع والعشرين من هذه الموسوعة الهامّة.

_ ما هي الكتب التي قمتُم بتأليفها في علم الرجال والحديث، غير الاشتغال بمعجم رجال الحديث؟

^ قبل الاشتغال بـ «معجم رجال الحديث» كنتُ قد استقصيتُ الكتب الرجالية، والكثير من الكتب الروائية، وقمْتُ بجمع ما يمكن الاستفادة منه ضمن تراجم الأشخاص أو كتب الروايات، فجمعتُها ضمن عدّة دفاتر، ثم كتبتُها في دفتر واحد كبير، متَّبعاً في ذلك التسلسل الأبجدي، واحتفظْتُ به، وأخذْتُ أرجع إليه، وأستفيد منه عند الحاجة.

2ـ «أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق». طُبع في بداية الأمر في جزء واحد، ولكنّني أضفْتُ إليه لاحقاً الكثير من الأبحاث والإضافات، فصدر في المرّة الثانية في جزءين. وقد طبع حتى الآن عدّة مرّات. وهذا الكتاب في الحقيقة هو حصيلة جهودي في هذا العلم، حيث كنتُ أكتبه في أيام التعطيل.

3ـ «إيضاح الدلائل في شرح الوسائل». وهو عبارةٌ عن شرح الروايات بلحاظين: بلحاظ فقه الحديث؛ وبلحاظ رجال الحديث. وقد صدر منه حتّى الآن الجزء الأول، أما الجزء الثاني فهو قَيْد الطبع.

3ـ مع الشيخ رضا مختاري

غايات المصنِّفين في الكتب الرجاليّة، وأهمِّية معرفتها

_ ما هي أهمّ مسألة يجب أخذها بنظر الاعتبار في فهم الكتب الرجالية من وجهة نظركم؟

^ لقد أشرت إلى مسألةٍ قيّمة؛ إذ كما تعلمون فإن موضوع وتعريف علم الرجال مذكور في الكتب، ولا حاجة بنا إلى شرحهما هنا.

وأما في ما يتعلَّق بأهم الكتب والمؤلَّفات الرجالية عند الشيعة فهناك الكثير من المقالات أيضاً. وهناك ما يقرب من ثمانية كتب تعتبر من الكتب الأولى في علم الرجال.

فكما لدينا في الحديث أربعة كتب روائية أولى، وهي: «الكافي»، و«مَنْ لا يحضره الفقيه»، و«التهذيب»، و«الاستبصار»؛ وعدد من الكتب الحديثية المتأخِّرة، من قبيل: «بحار الأنوار»، و«الوافي»، و«وسائل الشيعة»، و«مستدرك الوسائل»، حيث يصطلح على تلك الكتب الأربعة الأولى بـ «كتب المحمَّدين الأوائل»، ويصطلح على الكتب الأربعة المتأخِّرة، بـ «كتب المحمَّدين الأواخر»، كذلك عندنا في الرجال مختلف الكتب الرجالية، ولكلّ واحدٍ منها هدف يرمي إليه.

فالهدف من «رجال الشيخ» و«رجال النجاشي» مثلاً مختلفٌ.

فرجال الشيخ يهدف في الأعم الأغلب إلى التعريف برواة الأحاديث، الذين استخرجهم من سلسلة سند الأحاديث. أما «رجال النجاشي» فليس كذلك. فعلى الرغم من اشتهار كتاب «رجال النجاشي» على أنه كتاب رجالي، إلاّ أنه في الأصل عبارة عن فهرست للكتب والمصنِّفين الشيعة، وطرق النجاشي إليهم.

من هنا وعلى الرغم من اشتهار الكلام بيننا تحت مسمَّيات «رجال الطوسي» و«رجال النجاشي»، إلا أن الاختلاف بينهما كبيرٌ جدّاً. فرجال الطوسي مأخوذ من الرواة، ورجال النجاشي من كتب الفهارس والإجازات، وهو في الغالب تعريف بالأشخاص الذين لديهم كتب ومؤلَّفات.

وبذلك يمكن رفع بعض الغموض والإبهام الموجود في رجال النجاشي؛ إذ يقال: إن عمر بن حنظلة ـ مثلاً ـ لم يتمّ توثيقه في رجال النجاشي. ومن هنا أخذ العلماء يطلقون على روايته صفة «المقبولة»؛ في حين أن اسمه إنما لم يَرِدْ في رجال النجاشي لأنه لا كتاب له، لا لأنه غير موثَّق.

ومن هنا ذهب بعض المتأخِّرين إلى توثيق عمر بن حنظلة، وأخذوا يعتبرون مقبولته «صحيحة»، وهو الصحيح.

ومن الأمور التي لم يتمّ بحثها بشكلٍ مناسب هو عدم وجود شروح على الكتب الرجالية. ولكنْ من بين الشروح القليلة على الكتب الرجالية هناك كتاب «تهذيب المقال» (وهو شرحٌ لرجال النجاشي)، لمؤلِّفه: السيد محمد علي الأبطحي، الذي توفي مؤخَّراً. وقد طبع من كتابه هذا حتّى الآن أربعة أجزاء أو خمسة، ولم يُطْبَع بشكلٍ كامل.

ومن الشروح الأخرى على رجال النجاشي شروح وإثارات السيد الشبيري الزنجاني، ولكنّه غير مطبوع للأسف الشديد. ولو كتب له أن يطبع لكان أفضل شرح وتوضيح وتعليق على رجال النجاشي. نعم، لم يطبع سوى تصحيحه لنصّ رجال النجاشي، وهي تمثِّل الطبعة الأفضل لكتاب «رجال النجاشي».

وحيث نتحدَّث عن رجال النجاشي نشير إلى أننا في مؤسّسة المكتبة الشيعية نعمل على إعداد حاشية وتعليقة على رجال النجاشي بعنوان «أوجز الحواشي على رجال النجاشي»، كتبها العلاّمة السيد عبد الستار الحسني، وهو من علماء العراق والنجف الأشرف. وسوف ننشرها ـ إنْ شاء الله ـ بنصّها العربي على شكل حلقات في مجلة «كتاب شيعه». وقد أكمل منها حتّى الآن نصف رجال النجاشي، ونرجو أن يكملها في نهاية السنة المقبلة إنْ شاء الله، ونواصل نشرها في ذات المجلّة.

وفي اللحظة الراهنة لم أتابع، ولكنْ الذي أستطيع قوله هو عدم وجود شروح كثيرة على الكتب الرجالية، وإن نشاطنا في هذا الشأن لا يرقى إلى المستوى المطلوب.

ضرورة اكتشاف مصادر المصنفين الرجاليين

_ هل هناك مسألةٌ أخرى غير غاية المؤلِّف من تأليف كتابه؟

^ كما تقدَّم أن ذكرنا هناك مسألة هامّة في فهم كلّ كتاب رجالي. وهذه المسألة تمثِّل الغاية التي من أجلها قام المؤلِّف بتأليف كتابه.

كما أن معرفة مصادر المؤلِّف هامّة أيضاً.

وعلى هذا الأساس فإن غاية النجاشي من تأليف كتابه الرجالي شيءٌ، وغاية الشيخ الطوسي من تأليف كتابه شيءٌ آخر. كما أن المصادر الرجالية للنجاشي شيءٌ، والمصادر الرجالية للشيخ الطوسي شيءٌ آخر.

ويمكن لنا أن نقول بأن مصادر رجال النجاشي هي ذات مصادر فهرست الشيخ الطوسي، بمعنى أن المصادر التي استفاد منها الشيخ الطوسي في الفهرست هي ذات المصادر التي استفاد منها النجاشي في رجاله.

وما قمنا به هنا، وبادرت مؤسسة الكتاب إلى نشره، وأنفقت عليه الكثير من الوقت والأموال، هو استخراج مصادر رجال النجاشي، وفهرست الشيخ الطوسي. إنّ كتاب الشيخ الطوسي يُعرف باسم «الفهرست»، كما كان كتاب النجاشي يُعرف باسم «الرجال»، بَيْدَ أن كلَيْهما فهرست، وعلينا أن نقول: «فهرست النجاشي»، و«فهرست الشيخ الطوسي»، بوصفهما من أوائل الكتب التي تولَّت المؤسسة إصدارهما، حيث انتدبنا بعض السادة لإعداد واستخراج مصادر هذين الكتابين.

وإن مصادر رجال النجاشي وفهرست الشيخ الطوسي عبارة عن كتب الفهارس والإجازات. إن المصادر التي اعتمد عليها هذان العلمان عبارةٌ عن ثمانية فهارس. وبطبيعة الحال فقد توفَّرت عندهما بعض الإجازات أيضاً.

وإنّ الذي طبعناه في مؤسّسة الكتاب الشيعي ضمن هذين الكتابين، بعنوان «فهارس الشيعة»، يشتمل على ثمانية فهارس، وهي الفهارس التي شكَّلت مصادر لـ «فهرست الطوسي»، و«فهرست النجاشي».

وإن أسماء هذه الفهارس هي على الترتيب التالي:

1ـ فهرست سعد بن عبد الله الأشعري القمّي.

2ـ فهرست عبد الله بن جعفر الحِمْيَري.

3ـ فهرست حُمَيْد بن زياد النينوائي.

4ـ فهرست محمد بن جعفر بن بتّة.

5ـ فهرست محمد بن الحسن بن الوليد (أستاذ الشيخ الصدوق).

6ـ فهرست جعفر بن محمد بن قَوْلَوَيْه.

7ـ فهرست الشيخ الصدوق.

8ـ فهرست أحمد بن عُبْدون.

إذن هناك أمران هامّان في الكتب الرجالية، وهما:

أوّلاً: الغاية من تأليف وتدوين الكتاب.

ثانياً: المصادر المعتمدة في تأليف الكتاب.

فإن الغاية من تأليف «معجم رجال الحديث» للسيد الخوئي ـ مثلاً ـ تختلف عن الغاية من تأليف «جامع الرواة»، وإن الغاية من تأليف «رجال التفرشي» تختلف عن الغاية من تأليف «تنقيح المقال».

الأمر الآخر أن هناك خلطاً في الكتب الرجالية، فإن «معجم رجال الحديث» للسيد الخوئي ـ على سبيل المثال ـ، رغم الجهود الكبيرة المبذولة فيه، وهو للإنصاف كتابٌ يحتوي على الكثير من الفوائد، يشتمل على الكثير من الأمور الزائدة وغير الضرورية؛ فقد احتوى مثلاً على جميع مضامين كتاب «أمل الآمل»، للشيخ الحُرّ العاملي تقريباً، في حين أن كتاب «أمل الآمل» إنما هو في بيان سيرة علماء جبل عامل وعدد من العلماء الآخرين، ولا ربط له بالرواة والأحاديث وعلم الرجال.

وقفةٌ نقديّة مع معجم الرجال للسيّد الخوئي

_ هل يمكن لكم بيان هذا النقد لـ «معجم رجال الحديث» بمزيدٍ من التوضيح؟

^ أجل، إن هذا يمثِّل واحداً من الانتقادات التي يمكن توجيهها إلى كتاب «معجم رجال الحديث»؛ فإن بيان سيرة حياة الشهيد الثاني، والشيخ المفيد، والشهيد الأول ـ بهذا المعنى ـ لا علاقة لها بالرجال، بل يمكن إدراجها ضمن كتب التراجم؛ إذ إن الغاية من علم الرجال هي معرفة رواة الحديث، أما الثقات، والذين لا نشكّ في وثاقتهم، من أمثال: الشهيد الأول، والشهيد الثاني، فليس هناك ما يبرِّر التعرُّض لهم في كتاب يسعى إلى بيان رواة الحديث؛ لإثبات وثاقتهم.

كما أن سماحته لم يقدِّم أيّ دليل على هذه المسألة.

فإذا كان لا بُدَّ من أن يتمّ إدراج كتاب «أمل الآمل» في كتاب «معجم رجال الحديث» وجب إدراج الكثير من الكتب الأخرى الموازية لـ «أمل الآمل» في هذا الكتاب أيضاً؛ إذ ما هي الخصوصية التي تميِّز كتاب «أمل الآمل» من سائر الكتب الأخرى في هذه الناحية؟! بمعنى أن من بين الإشكالات الواردة على كتاب «معجم رجال الحديث»، للسيد الخوئي، أنه أدرج كتاب «أمل الآمل» بالكامل وبجميع أخطائه في «المعجم»، دون أن يكلِّف أحدٌ نفسه حتّى تصحيح أخطائه قبل ضمّه إلى كتاب «المعجم»! والإشكال الآخر أن كتاب «معجم رجال الحديث»، للسيد الخوئي، يتضمَّن مسائل سبق للمحقِّق الشوشتري أن ذكرها في كتابه «قاموس الرجال».

_ ما هو الكتاب الرجالي الذي ترَوْنه الأفضل من بين سائر الكتب الرجالية الأخرى؟

^ إن المتَّفق عليه بين المتأخِّرين هو أن الكتاب الرجالي الأفضل ـ من حيث المجموع ـ هو كتاب «قاموس الرجال»، للمحقق الشوشتري؛ حيث ينطوي على الكثير من الإبداعات. ومرادي من العلماء المتأخِّرين هم: السيد الشبيري الزنجاني، والسيد أحمد المددي، والسيد محمد مهدي الخرسان (وهو من العلماء المتبحِّرين جدّاً، وقد ألَّف كتاب «ابن عبّاس» في عشرين مجلَّداً تقريباً، وله كتب أخرى أيضاً)، وهو يرى المحقق الشوشتري عالماً رجالياً حقيقياً.

كما أن كتاب «معجم رجال الحديث» كتاب جيّد أيضاً. وهناك كتبٌ أخرى أيضاً. ولا ينحصر الأمر بهذين الكتابين فقط.

ماذا عن جهود المحقِّق التستري؟

_ ما هو وجه امتياز ما قام به المحقِّق الشوشتري بالقياس إلى سائر الكتب التي تم تأليفها في هذا المجال؟

^ إنه يحتوي على إبداعات وتجديدات في مسألة التصحيف وبيان مواطن الإشكال. وإن الموارد الابتكارية في علم الرجال إنما نجدها غالباً في كتاب «قاموس الرجال». وقد تمّ تصحيح هذا الكتاب مجدَّداً، ومن هذه الناحية يُعَدّ كتاباً جيداً.

_ كيف تقيِّمون سائر الكتب الرجالية الأخرى؟

^ إن ما قام به السيد الأبطحي لا يعدو أن يكون شرحاً.

وكتاب النجاشي جيِّدٌ أيضاً.

وأما الغاية التي كان يرمي إليها السيد البروجردي& من وراء تأليف كتابه في علم الرجال وترتيب الطبقات فهو أن يحدِّد ما إذا حصل حذف شخص في سلسلة السند أم لا.

وقد حالفه النجاح إلى حدٍّ كبير.

وأما كتاب «جامع الرواة»، للمحقِّق الأردبيلي (المعاصر للآغا جمال الخوانساري والعلاّمة المجلسي)، الذي صحَّحه السيد محمد باقر ملكيان، وسبق للسيد الشعراني أن طبعه بأمر من السيد البروجردي، فالغاية منه تحديد الأسانيد، وتمييز ما هو الحديث المرسل من غير المرسل، وأن الراوي الذي يقول: سمعتُ من فلان، هل يمكن أن يكون قد سمع منه، وأن يروي عنه حقيقةً، أم أن هناك شخصاً محذوفاً في الوسط؟

ولا بأس هنا بذكر أمرٍ يبين مدى إخلاص السيد البروجردي، وشدّة ورعه وتقواه، فإنه عندما علم أن الغاية التي دَعَتْ المحقِّق الأردبيلي إلى تأليف كتاب «جامع الرواة» هي ذات الغاية التي دفعَتْه إلى تأليف كتابه أمر بأن يُطْبَع كتاب الأردبيلي أوّلاً، وهكذا تأخَّر طبع كتابه، ولم يَرَ النور إلاّ بعد سنوات من وفاته (ربما بعد عشرين سنة أو ثلاثين سنة من وفاته)، وحتى الآن لم يطبع بشكلٍ يجعله واسع الانتشار.

تقويم النشاط السنّي في علم الرجال

_ كيف تقيِّمون نشاط أهل السنّة والجماعة في مباحث علم الرجال؟

^ يمكن لنا القول: إننا نحن الشيعة لم نعمل بالمقدار الكافي على علم الرجال والحديث، وعلينا أن نقدِّم المزيد في هذا المجال.

ويبدو أن النشاط الذي يبذله أهل السنّة في الحديث حالياً أكثر منا.

فعلى سبيل المثال: إن كتبنا الروائية الرئيسة، مثل: «التهذيب» و«الاستبصار»، تحتاج حالياً إلى تصحيحات أفضل من تصحيحاتها الراهنة.

وإن الشروح على كتبنا الروائية تحتاج إلى أن تطبع في كيفيات جيدة، وتنشر على نطاقات أوسع.

لقد قام أهل السنة بطبع الكثير من شروح صحيح البخاري. وإذا أردتم الوقوف على أعمالهم الجديدة يمكنكم الرجوع إلى مكتباتهم التخصُّصية في مجال علوم الحديث، ستجدونها إلى ما شاء الله.

وبالنسبة لنا هناك الكثير من الشروح على كتبنا ومصادرنا الروائية، ولكنَّها ـ للأسف الشديد ـ لم تجِدْ طريقها إلى الطبع.

وقفةٌ مع مشروع السيد المددي في الحديث

_ كيف تقيِّمون مشروع السيد أحمد المددي في ما يتعلَّق بالتعريف بماهية الحديث؟

^ إن لدى سماحته طرحاً بعنوان هويّة الحديث، بمعنى أننا عند مواجهة كلّ حديث علينا البحث في جذوره ومصادره، وما هو الكتاب الأول الذي نقل فيه هذا الحديث؟ وما هي المصادر التي تعاقبت على نقله؟ وعليه لا بُدَّ من البحث عن مصادره الطولية والعرضية. ومرادنا من المصادر الطولية هي تلك المصادر التي نقلت عن مصدر واحد وصولاً إلى عصرنا. أما المصادر الأخرى التي نقلت هذا الحديث، ولكنها لم تنقله من هذا المصدر أو من هذا الشخص، وإنما كان لها طريق آخر، فهي التي نصطلح عليها المصادر العرضية، وهذا هو الذي يؤيِّد صحّة الحديث، كأنْ يقوم الشيخ الكليني في «الكافي» ـ على سبيل المثال ـ برواية حديثٍ، عن زرارة، عن الإمام الصادق×، ويرويه القاضي النعمان المصري في «دعائم الإسلام» بطريقٍ آخر، لا أن يكون أحدهما قد نقل عن الآخر، وإنما يقوم كلّ واحدٍ منهما برواية ذات الحديث بطريق خاصٍ، لا ربط له بطريق الآخر. هذا ما ندعوه الطرق العرضية. فإذا توفَّرت لدينا مصادر الحديث الطولية والعرضية، فما هو المصدر الأوّل لنقل هذا الحديث أولاً وبالذات؟ وهل كان الناقل لمفاد هذا الحديث أو ألفاظه هي المصادر السنية أم الزيدية؟ وهل هناك ما يعارضه في مصادرنا أم لا؟ وما هو مضمونه ومفاده في كتب الزيدية وأهل السنّة؟ وما هي النسخ المختلفة التي نقلت هذا الحديث عن عدّة رواة مع اختلاف في النصوص بالزيادة والنقيصة؟ وما إلى ذلك.

ومجموع هذه الأمور تعتبر من المؤيِّدات التي تكتنف الحديث.

فإذا أمكن لنا أن ندرس جميع هذه الجهات نكون قد خطونا خطوة كبيرة في علم الحديث. وهذا ما نروم القيام به في الوقت الحاضر، بما تتيحه لنا الإمكانات المعاصرة، ومن بينها توفُّر المصادر الحديثية لدى أهل السنّة والشيعة، والمصادر المخطوطة التي يمكن الاعتماد عليها والاستفادة منها في هذا المجال أيضاً. وهذا العمل الكبير لم يُنْجَزْ بعد، ونسأل الله أن يوفِّقنا إلى ذلك.

ونحن قد أنجزنا حتّى الآن نموذجين منه، وهما يمثِّلان فرعين صغيرين، يمكن اتّخاذها للتأسّي، واعتبارهما عاملاً مشجِّعاً للمضيّ في القيام بأعمال مماثلة.

وكان أحدهما يتمثَّل بأحاديث رؤية الهلال، وقد عمدنا إلى طبعها في كتاب بهذا العنوان، حيث اشتمل هذا الكتاب على جميع الأحاديث من مصادر الفريقين في عشرين باباً، وأصبح بإمكان كلّ مَنْ يريد التحقيق في مسألة رؤية الهلال والأحاديث المرتبطة بهذا الباب أن يرجع إلى هذا الكتاب.

والعمل الآخر في موضوع الأحاديث المتعلِّقة بمسألة الغناء والموسيقى، وقد جمعنا فيه ما يقرب من ثلاثمائة حديث إذا لم تخنّي الذاكرة.

_ كيف تقيِّمون الكتب والمجاميع الموضوعية للأحاديث؟

^ لقد شاعت هذه الظاهرة مؤخَّراً. وهي، رغم حسنها، لا تمثِّل شيئاً جوهرياً. فأن نخرج من الكتب المطبوعة بعض الأحاديث التي تتحدَّث عن موضوعٍ واحد، ونطبعها في كتاب تحت هذا العنوان، هذا أمرٌ حَسَن، ويساعد على الترويج للأحاديث ونشرها، ولكنّه لا يمثِّل حالة أساسية وجوهرية. إنما الجوهري في البين هو بيان موارد التصحيف والاختلاف بين الأحاديث، وأن نعلم ما إذا كان الحديث مختلقاً أم صادراً عن المعصوم× حقيقةً. فالجوهري في البين إذن هو العمل على بيان هوية الحديث.

فهناك ـ على سبيل المثال ـ روايتان في النوروز (جاء في إحداهما مضمون دعاء وصلاة، وفي الآخر أن الغدير قد صادف وقوعه في هذا اليوم، وأن البعثة كانت في هذا اليوم، وكذلك نجاة النبيّ إبراهيم× من نار النمرود، ونجاة النبيّ نوح×، وأمثال ذلك). وهو لا يعدو أن يكون مجرَّد اختلاق. ويعود السب في ذلك إلى أننا لم نبحث عن جذور هذا الحديث. وعندما تتبَّعنا جذوره وجدنا أنه لم يظهر إلاّ بعد عصر الشيخ الطوسي، حيث عمد شخصٌ إلى إضافته وإقحامه في نهاية كتاب «المصباح»، للشيخ الطوسي، ثم قام اللاحقون بنقله، دون التفاتٍ إلى حقيقة الأمر؛ ليتحوَّل إلى حديث. وإلاّ فإن هذه الصلاة الواردة في يوم النوروز (والموجودة أيضاً في كتاب «مفاتيح الجنان»، نقلاً عن «مصباح المتهجِّد»، للشيخ الطوسي، أو «المختصر النافع»)، ودعاء خاصّ بالغسل، وأمثال ذلك، ممّا لا نجد له أثراً في المصادر الفقهية الأولى إلى «السرائر» (أي عصر ابن إدريس الحلّي). فلا أثر له في الكتب الفقهية لأمثال الشيخ الطوسي، والسيد المرتضى، والشيخ المفيد، والشيخ الصدوق، وإنما ظهر للمرّة الأولى في كتاب «السرائر»، لابن إدريس الحلي، حيث نقله عن نسخة من كتاب «المصباح»، للشيخ الطوسي؛ إذ أقحمه بعض الوضّاعين ودسّه في نهاية كتاب «مصباح المتهجِّد»، ثم تصوَّر اللاحقون أنه من مصباح الشيخ، في حين أن الشيخ نفسه لا علم له به أبداً، وقد تمّ اختلاق هذا الحديث في الفترة الزمنية الواقعة بين عصر الشيخ الطوسي وعصر ابن إدريس الحلّي.

_ ما هي الأمور التي ترَوْنها لازمةً وضرورية لنشر الحديث؟

^ الذي يبدو بالنسبة لي هو أننا لا نولي الحديث تلك الأهمّية التي يستحقّها.

فللأسف الشديد نعمد أحياناً إلى قراءة حديث، ونقوم بنشره بشكلٍ لا يخلو من بعض التسامح. في حين أن مسؤوليتنا الرئيسة تفرض علينا أن نمنع من نشر الأحاديث التي نقطع باختلاقها، أو التي يكون احتمال اختلاقها قويّاً؛ وذلك للحيولة دون الاستخفاف برسول الله والأئمة المعصومين^، هذا أوّلاً.

وثانياً: لقد شاع مؤخَّراً أن يقوم كلّ شخص بترجمة حديثٍ كما يحلو له، ويضعه في متناول عامة الناس، مع أن الحديث قد يكون له معارضٌ أو مخصِّص أو مقيِّد. وعليه فإن الذي ينبغي وضعه في متناول عامة الناس إنما هو النتيجة والخلاصة التي يتوصّل إليها الفقيه والمختصّ في علم الحديث من خلال جمعه بين الأحاديث وضرب بعضها ببعضٍ.

إن كتاب «بحار الأنوار» كتاب جيِّدٌ ومهم، وهناك مصادر روائية أخرى أيضاً، ولكنّ هذا لا يعني أن بإمكان عامة الناس أن يستفيدوا منها؛ فالشخص العامي إنما يريد حديثاً جاهزاً ليعمل على طبق مضمونه، في حين أن له معارضاً أو مخصِّصاً أو مقيِّداً. وعليه لا يصحّ أن نأخذ الأحاديث الواردة في المصادر الروائية، ونعمل على ترجمتها واحداً واحداً لنقدِّمها مادة للناس؛ إذ إنّ أمر الحديث ليس مزحةً يمكن التهاون فيها، فقد ورد عن الإمام المعصوم× قوله: «إن حديثنا صعبٌ مستصعب»!

هناك من الحديث ما هو مرسل، فهل يصحّ أن نلزم الناس بالعمل على مضمون حديث، لنكتشف بعد ذلك وجود معارِضٍ له، أو قيَّده بزمانٍ محدَّد وظروف خاصّة؟!

وعليه لا بُدَّ من التدقيق جيِّداً في ترجمة الروايات، ونشرها بين الناس.

_ بالالتفات إلى القاعدة المنطقية القائلة بأن «النتيجة تتبع أخسّ المقدِّمات» لو أن الشخص كان مقلِّداً في علم الرجال هل ستكون النتيجة التي يتوصَّل لها اجتهادية أم لا؟

^ لقد تمّ بحث هذا الأمر من قبل بعض الإخوة، حيث تمّ التوصُّل إلى عدم ضرورة أن يكون الفرد مجتهداً في جميع المقدّمات.

فعلى سبيل المثال: هل يجب على مَنْ يريد أن يُبْدي رأياً في الفقه أن يكون مجتهداً في النحو والصرف والمنطق أيضاً؟ وهل يجب أن يكون مجتهداً في جميع الأمور التي يعتمد عليها الفقه؟

يقول هؤلاء السادة: ليس من اللازم أن يكون مجتهداً في جميع هذه الأمور، وإن الذي يحظى بالتأثير الأكبر في فهم الفقه هو التخصُّص في علم الحديث وعلم الرجال. ولا يتعلَّق هذا الأمر بعلم الرجال فقط، بل هناك تأثيرٌ لشرائط وظروف صدور الحديث، ومعرفة أسلوب الأئمّة أيضاً.

ففي ما يتعلق بأسلوب الأئمة ـ على سبيل المثال ـ يقول العلاّمة المجلسي: إن ذيل دعاء عرفة لا يتناسب مع أسلوب الأئمة. وهو إنما قال ذلك عن حَدْسٍ.

وهو حَدْسٌ صائبٌ تمام الإصابة؛ إذ اتّضح لاحقاً أنه من كلام عطاء الله الإسكندراني. وهذا ما اكتشفه السيد همائي قبل خمسين سنة.

إن التعرّف على أسلوب الأئمّة^ في غاية الأهمّية والتأثير. وهو ما برع فيه العلاّمة المجلسي والفيض الكاشاني إلى حدًّ كبير.

وعليه فإن هذه الموارد لها التأثير الأكبر في فهم الحديث وفهم الفقه.

ونحن لا نقول بأن على الفرد أن لا يكون مقلِّداً، بل عليه في الحدّ الأدنى أن لا يكتفي بمجرّد التقليد. هذا ما تمّ بحثه في باب الاجتهاد والتقليد، حيث دار الكلام بشأن العلوم التي تمثل مقدّمات للاجتهاد، وما مقدار الاجتهاد الذي يجب على الشخص أن يصيبه فيها، والمقدار الذي يمكنه أن يبقى مقلِّداً فيه، دون إشكال؟

قيل: يمكن للشخص أن يكون مقلِّداً في النحو والصرف، بمعنى يكفي له أن يعلم أن هذا التركيب يفهم منه العُرْف هذا المعنى؛ لإبداء رأيه، حتّى إذا لم يكن مجتهداً.

_ هل ترى وجود تصوُّرٍ صحيح لفهم علم الرجال؟

^ يبدو أن الكثير من الأشخاص لم يدركوا الفائدة المترتِّبة على علم الرجال، لا تصوُّراً ولا تصديقاً. ومن هنا لا يقيمون أهمِّيةً كبيرة له.

إن أهمّ مسألة تكمن في البين هو أن يكون هناك تصوُّر صحيح لفائدة علم الرجال، والتصديق بهذه الفائدة، والاهتمام بها.

4ـ مع الأستاذ محمد باقر ملكيان

التعريف بنشاطات شخصية في مجال الرجال

_ نودّ أن تحدِّثنا عن رغبتكم وشغفكم بعلم الرجال، وما هي الأعمال التي قمتم بها في هذا المجال؟

^ لقد سبق لي أن كنتُ شغوفاً بالمسائل الرجالية والتاريخية منذ أن كنتُ طالباً في المرحلة الإعدادية، فكنتُ أكثر من قراءة الكتب التاريخية، وكتب التراجم.

وهذا الأمر هو الذي دعاني إلى اختيار الحضور في دروس العَلَمين: السيد الشبيري الزنجاني؛ والسيد أحمد المددي، المشهورين في الحوزة العلمية بوصفهما من ذوي السابقة في العمل على المسائل الرجالية. إن السيد المددي يُكثر من طرح وإثارة المسائل الرجالية. وإن هذه المسائل ليست من النوع الذي يمكن الوصول إلى خواتيمها من خلال المباحثة، كما هو الحال بالنسبة إلى الكثير من الأبحاث والمسائل الأصولية. ومن جهةٍ أخرى لا يمكن الاكتفاء بمجرَّد التفكير، بل نحن بحاجة إلى تتبُّع ومراجعة المصاديق والكتب.

ومن هنا فقد عقدتُ العزم على تصحيح كتاب «جامع الرواة»؛ إذ وجدته كتاباً مختصراً تقريباً، وفي الوقت نفسه يشتمل إلى حدٍّ كبير على جميع المسائل الجوهرية التي يتضمّنها كتاب «معجم رجال الحديث»، للسيد الخوئي.

وقد بلغ تصحيحنا لهذا الكتاب ثمانية أجزاء، في حين أن «معجم رجال الحديث» يبلغ أربعة وعشرين جزءاً، وهذا يعني أن حجم الكتاب الذي قمنا بتصحيحه هو ثلث حجم كتاب السيد الخوئي. وكنتُ أثناء مراجعتي لكتاب السيد الخوئي، و«تنقيح المقال»، و«قاموس الرجال»، والكتب الأخرى، كنتُ أدوِّن بعض الأمور التي أراها حسنةً، وأحتفظ بها لنفسي.

وفي تلك الفترة ـ حيث كنت أعمل على تصحيح الكتاب ـ لم يكُنْ في نيّتي أن أطبع ما قمْتُ به، وإنما كنت أريد مجرَّد العمل والممارسة في علم الرجال، حتّى يغدو الأمر ملكةً بالنسبة لي. وكنتُ أقوم بذات الأمر في ما يتعلَّق بالحواشي والهوامش أيضاً. وكان الفراغ من تصحيح هذا الكتاب في بدايات عام 1388هـ.ش. وقد طبع بحمد الله مرّتين حتى الآن.

 

حول تصحيح كتاب جامع الرواة

_ متى ظهر لديكم الدافع إلى تصحيح كتاب «جامع الرواة»؟ وما هي الدعامة الفكرية التي دفعتكم إلى التحرُّك في هذا الاتجاه؟

^ في حوزة قم العلمية، حتّى ما قبل مرحلة السيد الخوئي، لم يكن هناك نشاطٌ رجالي بمعنى التفكير الرجالي، إلاّ في موارد محدودة لا تتجاوز أصابع اليد.

فعلى سبيل المثال: يقوم شخصٌ واحد، وبمجهود فردي، بتأليف كتاب «تنقيح المقال»، دون أن يكون له تأثيرٌ في ذلك على تلاميذه، ولا على العلماء المعاصرين له، وإنما يتوقَّف العمل عند مجرَّد تأليف كتاب مثل سائر الكتب.

وهكذا الأمر بالنسبة إلى كتاب «قاموس الرجال» أيضاً.

كما كان للسيد البروجردي بعض الأعمال الرجالية إلى حدٍّ ما، ولكنّ جهوده قد اقتصرت على التعريف بالأسانيد، ولم يتطرَّق إلى مسائل التوثيق والتصنيفات، وحتّى تلك الفترة لم يكن له كتابٌ مطبوع. من هنا فإن مدرسة السيد البروجردي لم تخضع لتأثير أفكاره الرجالية.

نعم كان هناك أمثال السيد الزنجاني، ولكنّه قبل أن يكون متأثِّراً بأفكار السيد البروجردي كان مدفوعاً بتأثير اهتماماته الشخصية.

وهكذا الأمر بالنسبة إلى الشيخ فاضل اللنكراني، فهو من تلاميذ السيد البروجردي، ولكنّه لم يكن رجالياً إطلاقاً. وعندما ننظر في مبانيه لا نلمس حاجةً إلى علم الرجال.

وكذلك الشيخ المنتظري مثلاً.

ففي هذه الموارد هناك مسائل رجالية، ولكنها ليست بالحدّ الذي نستطيع معه القول: إنهم قد تأثَّروا بالتفكير الرجالي.

حتّى قام السيد الخوئي بتأليف «معجم رجال الحديث» (وكان ذلك بطبيعة الحال بما يتناسب مع طبيعة مرحلته).

وبعد ذلك أخذت الأفكار الرجالية طريقها إلى الدروس، باستثناء أولئك المحسوبين على مدرسة السيد الكلبايكاني والشيخ الأراكي.

هناك في قم عالمان قاما بأعمال جيِّدة ودقيقة، وهما: السيد أحمد الخوانساري، الذي لا يشكّ أحدٌ في علميته؛ والآخر هو الإمام الخميني.

وقد قمتُ بتصحيح كتاب «جامع المدارك»، للسيد أحمد الخوانساري.

كما قمتُ بتدوين المباحث الرجالية للإمام الخميني صفحةً صفحة.

وفي ما يتعلَّق بالقمّيين يمكن القول: إن الإمام الخميني قد استفاد من المباحث الرجالية إلى حدٍّ ما.

أما السيد أحمد الخوانساري فعلى الرغم من كونه أكبر فقيه في مدرسة قم، والكلّ يشهد له بالفقاهة، بما في ذلك الإمام الخميني والشيخ الأراكي، إلاّ أنه لم يبذل أيّ مجهود رجالي.

ومن هنا فإنه إذا نقل رواية عن «جواهر الكلام»، وجاء في الجواهر أنها موثَّقة، كانت عنده موثَّقة أيضاً. وذات الرواية إذا نقلها من كتاب السيد الخوئي، وكانت قد جاءت في ذلك الكتاب بعبارة «في خبر»، قام بتحليلها على أنها واردة في خبر، دون أن يرى حاجةً إلى بحثها والتثبُّت منها بنفسه.

يقول الآغا رضا الهمداني، في كتاب (مصباح الفقيه): «لا أرى حاجةً في الرجوع إلى الكتب الرجالية أبداً، وأرى أن الخبر إذا كان مشهوراً أمكن العمل به؛ وأما إذا لم يكن مشهوراً فلا يجوز العمل به، حتّى إذا كان صحيحاً ومرتفعاً، وكان راويه ثقة».

حتّى جاء السيد الخوئي، وسار تلاميذه على نهجه، من أمثال: الشيخ التبريزي أو السيد الغروي في النجف، حيث التزم بالمباني الرجالية لأستاذه.

إلاّ أن المنهج الرجالي للسيد الخوئي في الوقت نفسه هو منهج «الثقة عن الثقة»، بمعنى أن النجاشي إذا قال بأن سهل بن زياد ثقة كان عند السيد الخوئي ثقة أيضاً، دون أن يضيف على ذلك شيئاً من عنده؛ وإذا لم يوثِّقه النجاشي كانت الرواية ضعيفة عنده.

كانت المسائل تطرح بهذه البساطة، وينتهي الأمر، بمعنى أن هؤلاء إنما كانوا متأثِّرين بالسيد الخوئي، وليسوا متأثِّرين بكتابٍ من قبيل: «قاموس الرجال».

فمثلاً: يقول السيد الخوئي بشأن محمد بن ثناء: «قال النجاشي: إنه ضعيف». والسيد الخوئي يؤيِّده في ذلك.

بَيْدَ أن صاحب «قاموس الرجال»، والكثير غيره، يقدِّمون الشواهد، ويقولون: إن واحداً من بحوث علم الرجال هو التوثيقات التصريحية، فعلينا أن نرى كيف يمكن التعامل مع هذا الشخص، وهذا الكمّ الكبير من الروايات المنقولة عنه. ثم ينقلون الشواهد التي تثبت أنه ثقةٌ، وعليه يكون ثقةً. ويصحّ فيه التعبير بـ «الثقة عن الثقة عن الثقة»، على ما هو عليه الحال في علم الرجال عند أهل السنّة، بمعنى أن نظرة أهل السنّة لعلم الرجال عبارة عن: «الثقة عن الثقة»، أما علم الرجال عند الشيعة الإمامية فهو أمرٌ مختلف.

فعلى سبيل المثال: يتمّ طرح تبديل وتصحيح السند في هذه المدرسة دون أخذ الشواهد التاريخية الملموسة لعلم الرجال بنظر الاعتبار.

إن نظرية تبديل السند يرفضها النجاشي بشكلٍ صريح.

أما السيد الخوئي، ومن بعده تلاميذ مدرسته، من أمثال: السيد الشهيد الصدر، والسيد كاظم الحائري، والسيد محمود الهاشمي الشاهرودي، والشيخ التبريزي، فيطرحون مسألة تبديل السند.

وهذه مسائل تتنافى مع الشواهد الرجالية الملموسة.

فعلى سبيل المثال: نجد النجاشي يقول، في رجاله، بشأن الحسين بن سعيد: «لقد أجاز لي ابن نوح رواية كتب الحسين بن سعيد الأهوازي»، ثم ذكر شرحاً بالإجازة التي منحها ابن نوح له، ويذكر خمسة أسانيد وطرقاً إلى كتب الحسين بن سعيد، ثم يعلِّق على آخرها بالقول: «وهذا طريقٌ غريب، لم أجِدْ له ثبتاً… فيجب أن تروي عن كلّ نسخة من هذا بما رواه صاحبها فقط، ولا تحمل روايةً على رواية، ولا نسخة على نسخة؛ لئلا يقع فيه اختلاف».

نظرية تعويض الأسانيد والموقف منها

_ كيف يقع تعويض الأسانيد؟ وهل ترَوْن ذلك صحيحاً؟

^ إن استبدال الأسانيد، وحمل بعضها على بعض ـ بمعنى أن يُعْطى شيءٌ فنأخذ شيئاً آخر ـ، لا تصحّ.

وليس المراد هنا من قبيل: التبديل في المعاملات، إنما الأفضل هو القول: «تصحيح السند».

فعلى سبيل المثال: قد يذكر الشيخ سنداً عن زرارة، ويكون هذا السند ضعيفاً، فيأتي هؤلاء ويرجعون إلى الفهرست، وينظر السيد الأردبيلي في «جامع الرواة» إلى أسانيد الشيخ الأخرى، ثم يقول: «إذا رأيت سنداً صحيحاً إلى زرارة في آثاره الأخرى عمدتُ إلى استبداله بذلك السند»، بمعنى أنه يستبدل سنداً بسندٍ.

يقول السيد الخوئي: «عندما نراجع فهرست الشيخ الطوسي نجد لزرارة في الفهرست أكثر من سندٍ إلى كتبه، فإنْ كان من بينها سندٌ صحيح أبدلناه بهذا السند».

ومن هنا أشكل عليه السيد البروجردي. هناك الكثير من الموارد التي يقول فيها النجاشي شيئاً، من قبيل: ما قاله بشأن زرارة؛ إذ يقول: «له كتابٌ يختلف باختلاف الرواة»، كأنْ يُقال اليوم مثلاً: هناك اختلافٌ بين طبعة بيروت لكتاب «البخلاء»، للجاحظ، وطبعة القاهرة. أو أن يؤلِّف شخص كتاباً، ثمّ يضيف إليه إضافات في طبعته الثانية، فيكتب على هذه الطبعة عبارة «منقَّحة ومزيدة». وهكذا الأمر بالنسبة إلى قولهم: «له كتابٌ يختلف باختلاف الرواة»، بمعنى أن النسخة التي يرويها حمّاد عن زرارة تختلف عن النسخة التي يرويها العلاء ـ مثلاً ـ عن زرارة، بمعنى أن نسخة حمّاد قد تشتمل على روايةٍ لا نجدها في نسخة العلاء، فهل يمكن لنا أن نقوم بتبديل الأسانيد في مثل هذه الحالة؟!

إن هؤلاء السادة تصوَّروا أن الأمر على شاكلة الكتب المطبوعة؛ إذ يقول: إن كتاب «تفسير الميزان» هو «تفسير الميزان»، سواء أكان مطبوعاً في قم أو مطبوعاً في النجف أو حتّى في لندن! من هنا قالوا ذات الشيء بالنسبة إلى الأسانيد!

فمثلاً: قالوا بشأن محاسن النجاشي والشيخ الطوسي: «زيد ونقص»، بمعنى أن بعض النسخ فيها زيادات، لا أنها إضافاتٌ مختلقة أو موضوعة. فإن الطبعة الأولى لقاموس الرجال للشوشتري كانت في أحد عشر جزءاً، أما الطبعة الأخيرة فقد بلغت أربعة عشر جزءاً. فهذه «الزيادة» تعني أن المؤلِّف أضافها إلى كتابه لاحقاً. وفي مقابلها «النقيصة»، بمعنى أن المؤلِّف رأى بعد الطبعة الأولى وجود مسائل لا ضرورة لها، فقام بحذفها.

وعليه فلو أردنا أن نستبدل سند رواية غير ثابتة بروايةٍ أخرى مَنْ يضمن لنا ـ في مثل هذه الحالة ـ أن هذه الرواية موجودة في جميع النسخ؟! هذا هو مكمن الإشكال في استبدال الأسانيد.

موقعيّة وأهمية كتاب جامع الرواة

_ ما هي أهمّية كتاب «جامع الرواة»؟ وبماذا يختلف عن الكتب الرجالية الأخرى؟

^ إن كتاب «جامع الرواة» هو أوّل كتاب يكتبه الشيعة على أساس «التمييز بين المشتركات».

فعلى سبيل المثال: جاء في سند رواية: «عن العلاء، عن محمد، عن أحدهما». فمَنْ هو العلاء؟ ومَنْ هو محمد في هذا السند؟ بعد أن كان المراد من (أحدهما) هو الإمام المعصوم×.

إن ما قام به المحقِّق الأردبيلي ـ والذي يبدو أنه لم يسبقه أحدٌ إليه ـ هو أنه وضع الأسانيد المتشابهة تباعاً، فجاء ـ على سبيل المثال ـ على هامش محمد بن مسلم: «روى عنه العلاء بن رزين».

وعليه يبدو بحَسَب الظاهر أن المراد من عبارة «عن العلاء، عن محمد» هو «عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم».

وقد عمل المحقِّق الأردبيلي على مجالين. كما أن للإسترآبادي ثلاثة كتب، وهي:

الأوّل: «منهج المقال»، المعروف بـ «الرجال الكبير»، وهو قيد الطبع، وربما بلغت أجزاؤه ستة عشر جزءاً.

والثاني: «الرجال الوسيط».

والثالث: «الرجال الصغير».

وقد عمد المحقِّق الأردبيلي إلى جعل «تلخيص المقال» متناً له.

وذكر في المنهج عين عبارات الرجاليين. فإذا قال النجاشي ـ مثلاً ـ: «إلى آخره»، أو قال الشيخ: «من البدو إلى الختم»، عمد الأردبيلي في كتاب «تلخيص المقال» إلى الاكتفاء بالقول: «ثقة نج»، حيث يشير بـ «نج» إلى النجاشي، أو يكتفي بالقول: «وجه فت»، مشيراً بـ «فت» إلى فهرست الشيخ الطوسي، على سبيل الاختصار.

وقد قام المحقِّق الأردبيلي بوضع هذه الأمور في المتن، واكتفى في ذيلها بذكر الأسانيد الواردة في الكتب الأربعة.

فقام في بعض الأبواب ـ مثلاً ـ بذكر الراوي والتلميذ والأستاذ.

وقام السيد الخوئي بما يمكن اعتباره تطويراً لذات هذا الأمر، حيث عمد إلى استخراج جميع الأسانيد. وأما هو فلم يقُمْ بذلك، بمعنى أنه إذا كانت الأسانيد خمسين اكتفى باستخراج عشرة منها؛ وذلك لمجرَّد التعرُّف على الراوي الفلاني أو الطبقة الكذائية.

وقد أشار في بعض الأحيان إلى وجود تحريفات في الأسانيد أيضاً، ثم قام بتصحيح السند، حيث ضعَّف بعض أسانيد الشيخ؛ إذ يجب جبر ضعف السند بشكلٍ من الأشكال، وكان ذلك في عصر أمثال صاحب المعالم وصاحب المدارك.

يقول المقدَّس الأردبيلي في «مجمع الفائدة البرهان»: لا يجوز الإفتاء إلاّ على أساس السند الصحيح، فلا يقبل بالموثَّق، ولا يرى اعتبار الشهرة. ولذلك كان يتم إخراج الكثير من الروايات عن دائرة اعتبار الحجّية؛ إذ يرى المقدَّس الأردبيلي عدم إمكانية تصحيح الروايات إلاّ من منطلق الدفاع. ثم يستطرد قائلاً بأنه فكَّر لسنوات طويلة، حتّى مَنَّ الله عليه (ربما بالكشف الشهودي، كما هو معروفٌ من مذهبه)، وفتح عليه الأبواب، وعلم أن للشيخ خمسة طرق صحيحة إلى زرارة، فإذا كان هناك من طريق أو سند ضعيف لن يكون هناك من إشكالٍ في البين؛ إذ يمكن لنا أن نستبدل سنداً بآخر. ومن هنا نشأت فكرة تحويل واستبدال الأسانيد.

ثم بعد أن قام السيد الخوئي بتأليف كتاب «معجم رجال الحديث» عمد إلى إكمال جميع هذه الأمور.

والشيء الآخر الذي قام به المقدَّس الأردبيلي ـ والذي يبدو أنه غير مسبوق أيضاً ـ هو أن النجاشي ـ على سبيل المثال ـ لا يذكر إلاّ أصحاب الكتب؛ فذكر كلَّ مَنْ كتب من الشيعة أو في الشيعة كتاباً.

من هنا فإنه لا يذكر عمر بن حنظلة ـ مثلاً ـ، الذي يمكن التعرُّف على جلالة قدره من خلال كثرة رواياته. فهل يمكن القول: إنه ليس ثقةً؛ لمجرَّد أن النجاشي لم يذكره في كتابه؟!

كلا؛ لأن عدم ذكر النجاشي له لم يكُنْ بسبب عدم توثيقه له، وإنما لأنه لم يؤلِّف كتاباً.

لهذا السبب بالذات لم يذكره الشيخ الطوسي في الفهرست أيضاً. ويبدو أنه لم يوفَّق إلى إنهاء رجاله.

ومن هنا لم يَرِدْ ذكرٌ لعمر بن حنظلة في المصادر الرجالية الرئيسة.

لقد قام المقدَّس الأردبيلي باستخراج الرواة من الكتب الأربعة. وقد خصَّص عنواناً مستقلاًّ لأولئك الذين لم يَرِدْ ذكرهم في الكتب الرجالية.

فعلى سبيل المثال: هناك الكثير من الروايات المأثورة عن عمر بن حنظلة في «الكافي»، ويذكر أحياناً بعض الشواهد الدالّة على وثاقته.

وبطبيعة الحال لا يخلو ما قام به المقدَّس الأردبيلي من نقصٍ، بمعنى أنه كان هناك رواة آخرون في الكتب الأربعة، ولم يتمكَّن من ذكرهم.

أما السيد الخوئي فقد أنجز هذا الأمر.

وقد استدركت في حاشيتي على «جامع الرواة» هذه الموارد التي لم يأتِ على ذكرها.

وقد أثارت هذه الاستدراكات من قبله تفكير السيد الخوئي والكثير من أمثاله، فإنّ الكثير من أسانيد الشيخ الطوسي لم تَرِدْ في الكتب الرجالية للشيعة؛ إذ تنظر إلى السند ـ على سبيل المثال ـ ولا ترى واحداً منها ضمن الأسانيد، في حين أنه عند الاستخراج يتّضح أن فلان كثير الرواية، وأن فلان جاء ذكره في كتب أهل السنّة، وأن روايات فلان جيّدة، وعلى أساس هذه الأمر يمكن الوصول بشأنه إلى حكمٍ إجمالي.

وأما إذا أردنا أن نعتبر المدار على مجرَّد الكتب الأربعة فسوف نحكم بعدم التوثيق؛ لمجرّد أن فلاناً «لم يوثَّق»، وتنتهي المسألة بهذه البساطة.

إن فكرة القول بضرورة استخراج الرواة، والعمل على تجميع القرائن بشأنهم، قد صدرت أوّل الأمر عن المقدَّس الأردبيلي، فهو الذي بدأها تقريباً.

_ نودّ أن تحدِّثنا عن أهمّية علم الرجال. وهل هناك تعريفٌ خاصّ لعلم الرجال؟

^ ليس لديّ تعريفٌ خاصّ، بمعنى أن الأمر لا يدخل في مسألة التعريفات وموضوعات العلوم، وبهذا المعنى لا يمكن إضافة أمور جديدة، وإذا أضفناها لا يمكن أن تكون ذات فائدة.

إن علم الرجال وعلم الدراية وعلم التراجم، ثلاثة علوم ذات أوجه متشابهة.

ويمكن القول: إن علم الرجال يبحث في أحوال الرواة بما هم رواةٌ، والقول بأن هذا الراوي ثقة، ولا شأن له بما إذا كانت له رواية أم لا، فيقال مثلاً: «إن آدم بن المتوكِّل ثقة». هذا ما يقوله علم الرجال. ولكنْ هل رُوي عنه شيء؟ لا ندري. هل هو شخصية اجتماعية؟ لا ندري. وإنما الذي نعرفه عنه أنه «ثقة»، بمعنى أنك إذا رأيتَ له رواية، فهو صادقٌ في ما يقوله فيها.

وأما علم الدراية فيبحث عن الرواة بما هم مذكورون في مجموع سلسلة السند، وإن القول بأن «جملة هذا السند صحيح» يدخل في صلاحيات علم الدراية، بمعنى أنه بعد أن يُقال لنا في علم الرجال: إن هذا الراوي ثقة يقول لنا علم الدراية: إن السند الوارد على صيغة: «حدَّثني الثقة، عن الثقة، عن الثقة» صحيحٌ.

وأما علم التراجم فيتعلَّق بشرح سيرة الشخصيات البارزة في المجتمع.

اختلاط علم التراجم بالرجال

_ كيف تختلط أبحاث التراجم بأبحاث الرجال؟

^ يتمّ الخلط حالياً بين هذه الأمور بشكلٍ كبير. هناك مَنْ يتّصل بي، ويقول لي: «ما هي مؤلَّفات المجتهد الفلاني؟»، أجيبه: «لستُ أدري؟»، فيردّ عليَّ قائلاً: «فما هو علم الرجال الذي تعمل عليه؟»!

فمثلاً: إذا لم نتمكَّن من كتابة صفحتين بشأن الإمام الخميني أمكن لنا أن نكتب صفحةً واحدة بشأنه في الحدّ الأدنى.

وأما في ما يتعلَّق بعلم الرجال فلن يعدو ما نقوله عنه الكلمات التالية: «روح الله بن مصطفى الموسوي، ثقةٌ».

أما بشأن العلاء بن رزين فهناك ما نقوله في علم الرجال أيضاً.

وهناك من الشخصيات مَنْ له رواية، بالإضافة إلى كونه شخصيةً اجتماعية، مثل: الشيخ المفيد، فيمكن الحديث عنه في كلا العلمين.

_ هل يمكن لكم الحديث عن علم الرجال؟

^ قال السيد حسن الصدر، في كتابه «تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام»: إنّ أوّل مَنْ ألَّف في علم الرجال من الشيعة هو عبد الله بن جبلة.

كما كان لعُبَيْد الله بن أبي رافع (وكان أبو رافع غلاماً ترعرع في بيت أمير المؤمنين×، وكانت زوجته أمةً، تساعد السيدة فاطمة الزهراء÷) كتابٌ بعنوان: «تسمية مَنْ شهد مع أمير المؤمنين الجمل وصفّين والنهروان من الصحابة»، ويعود تاريخة إلى حوالي سنة أربعين أو خمسين تقريباً.

يقول آغا بزرگ الطهراني: إن هذا هو أوّل كتاب يتمّ تأليفه في الرجال من قبل الشيعة.

ولكن يبدو أن هذا الكتاب لم يكن كتاباً في علم الرجال، وإنما هو شيء من قبيل: المدوَّنة العسكرية، وسجلّ بأسماء الجنود، على ما هو المعهود في الأنظمة العسكرية، أو شيء من هذا القبيل؛ حيث يتمّ إحصاء أسماء المشاركين في القتال.

وقد سبق لنا أن ذكرنا أن علم الرجال هو علمٌ يبحث في أن هذا الشخص له روايةٌ أم لا، وهل هو ثقةٌ أم لا؟ وأما أن يكون هذا الشخص قد اشترك مع أمير المؤمنين في حروبه، وربما نال شرف الشهادة تحت لوائه أيضاً، إلاّ أنه ربما لا يكون راوياً، فلا يدخل في علم الرجال.

وهناك كتابٌ آخر بعنوان «مشيخة الحسن بن محبوب»، حيث قيل: إن هذا الكتاب هو من الكتب الرجالية لدى الشيعة؛ وذلك من أجل إثبات تقدُّم الشيعة على أهل السنّة في كتابة الرجال.

في حين أن هذا الكتاب لا علاقة له بالرجال، وإنما هو كتابٌ روائي.

إن للمشيخة إطلاقان عند الشيعة، وهما: مشيخة الشيخ الصدوق، ومشيخة الشيخ الطوسي، وهما كتابان رجاليان.

والآخر كتاب الحسن بن محبوب، وجعفر بن بشير، وهما كتابان روائيان، وإنما كان تأليفهما على أساس المشايخ.

فعلى سبيل المثال: روى الحسن بن محبوب عن العلاء بن رزين، وقد ألَّف مجموع ما رواه عنه ـ سواء في باب الطهارة أو الأبواب الأخرى ـ ضمن كتيِّب؛ أو أنه روى عن حمّاد، وكتب مجموع ما رواه عنه في كتيِّب آخر. ثمّ ضمَّ هذه الكتيِّبات إلى بعضها ليؤلِّف منها مشيخة. وهو أشبه شيءٍ بكتاب المسند عند أهل السنّة، الذي يتمّ تنظيمه على أساس الرواة المباشرين عن رسول الله|.

ويبدو لي أن أوّل كتاب كتبه الشيعة حول الرجال هو كتاب ابن فضّال. وهناك شواهد على ذلك في رجال الكشي أيضاً.

ولكنْ على أيّ حال الذي يبدو لي أن الكتب الجامعة الأولى في علم الرجال قد تمَّ تدوينها بعد تدوين كتب أهل السنّة. فالسنة متقدِّمون علينا من هذه الناحية؛ وذلك لأن تدوين العلوم إنما يكون على أساس الحاجة.

فأهل السنّة إنما يرَوْن حجِّية الروايات المرويّة عن النبيّ أو الصحابيّ، بمعنى أنه طبقاً لمبنى أهل السنّة يجب الاعتماد على الرواية المروية حتّى سنة 100هـ حيث مات آخر صحابيّ، ومنذ ذلك الحين يجب توثيق الشخص الذي يروي عن النبي أو عن الصحابي.

أما الشيعة فقد كانوا حتّى عام 260هـ في غنىً عن ذلك؛ بسبب حضور الإمام بين ظهرانيهم، وحيث يكون الإمام حاضراً لا يكون هناك معنى للرواية، حتّى إذا كان الراوي هو زرارة؛ إذ يقال: مع وجود الإمام الرضا× لا تكون هناك من حاجة إلى زرارة. فبدلاً من البحث في وثاقة زرارة هناك طريق أضمن وأقصر؛ إذ بإمكاني أن أسأل الإمام مباشرةً.

من هنا بدأ السنّة تأليف كتبهم بعد السنة المئة (وطبعاً بعد السنة المئة بكثير)؛ وأما الشيعة فبدأوا تدوين كتبهم بعد القرن الثالث الهجري.

وبالنسبة إلى «تاريخ البخاري»، الذي يحمل عنوان التاريخ، يجب أن لا يكون خادعاً، فهو كتابٌ رجالي، من قبيل: تاريخ دمشق، وتاريخ بغداد، فهي كتب رجالية تتمحور حول الأشخاص، وتبحث بشأن الشخصيات.

_ ما هي أهمّ الكتب في هذا الشأن، ومَنْ هو مؤلِّفها؟

^ تعتبر رسالة أبي غالب الزراري أوّل كتاب للشيعة، وهي عبارةٌ عن إجازة تفصيلية، تدخل ضمن كتب الرجال. بَيْدَ أن أوّل كتاب رجالي للشيعة قد وصل إلينا بشكلٍ مستقلّ هو كتاب «اختيار كتاب الرجال»، للكشّي، الذي قام الشيخ الطوسي باختصاره.

وهناك اختلاف في بيان ماهيّة أصل هذا الكتاب. بَيْدَ أن الذي يبدو لي هو أن الكشّي قد ألَّف كتاباً حول الأشخاص، وتحدَّث عن أن فلاناً ثقة أم لا؟ وهل له كتاب أم لا؟ وما هي الروايات المنقولة في مدحه أو ذمّه؟

أما الشيخ الطوسي فقد عمل على موضوعين مستقلّين:

1ـ ألَّف الكتب بشكلٍ مستقلّ.

2ـ ذكر الأشخاص الذين جاء ذكرهم في الكتاب ضمن كتاب الرجال.

ثمّ التفت إلى أن هناك مسألة أخرى لم يعمل عليها، وهي عبارةٌ عن الأشخاص الذين رُويت بشأنهم رواية، فقام الشيخ بتلخيص هذا الجانب من هذا الكتاب، وهو لا يزال ـ بطبيعة الحال ـ على ذلك الترتيب.

إلاّ أن رجال الكشي ـ في الحقيقة ـ ليس كتاباً رجالياً بالمعنى الواقعي للكلمة، حيث نتوقَّع أن يحتوي كلّ سطر من سطوره على مسألةٍ رجالية.

وقد ذكرتُ في مقالٍ لي أن هذا الكتاب عبارة عن بيان لمسار تطوُّر الإمامة؛ فحيث يبدأ من زمن أصحاب رسول الله|، وصولاً إلى فترته الزمنية، نجد محور المسائل يدور حول الإمامة. فعلى سبيل المثال: لا نجده ينقل شيئاً عن ميثم التمّار، وما إذا كان ثقةً أم لا، وإنما يكتفي من حياته ببيان ما يتعلَّق بحادث استشهاده، وهي مسألة تتمحور حول الإمامة على أساس الشخصيات.

وبعد رجال الكشّي تمّ تأليف كتب أخرى، وقد وصلت إلينا، وهناك منها ثلاثة كتب، وهي: فهرست النجاشي، والذي يُعْرَف حالياً بـ «رجال النجاشي»، و«فهرست الشيخ الطوسي»، و«رجال الشيخ الطوسي».

لقد وصلتنا هذه الكتب الأربعة بشكلٍ مستقلّ.

كما وصل إلينا «رجال ابن الغضائري» ضمن بعض الكتب الأخرى. وقد عمل السيد الجلالي مؤخَّراً بجمع المطالب المتفرِّقة في مختلف الكتب بشأن ابن الغضائري، وطبعها ضمن كتاب مستقلّ.

كما وصلنا كتاب «رجال البرقي» أيضاً.

وعليه فهذه ستّة كتب تمثِّل أقدم تراث لدى الشيعة في مجال الرجال.

أما الكتب اللاحقة التي ألَّفها الشيعة في مجال الرجال فهي تدور حول فلك هذه الكتب، من قبيل: «خلاصة الأقوال»، للعلاّمة الحلّي؛ ورجال ابن داوود؛ والكتاب الذي ألَّفه ابن طاووس، وخلاصته بعنوان «التحرير الطاووسي».

دور الضعف الرجالي في الأخطاء الفقهيّة

_ هل يمكن للفقهاء أن يقعوا في خطأ اجتهاديّ؛ بسبب عدم تخصُّصهم الكافي في علم الرجال؟

^ بطبيعة الحال لا يمكن القول: إن الفقهاء يخطئون بهذا المعنى. فكما سبق أن أشَرْنا قد يكون هناك من الفقهاء مَنْ يقوم بناؤهم على عدم الحاجة إلى علم الرجال، كالسيد محمد الروحاني ـ على سبيل المثال ـ، الذي يرى علم الرجال من الأمور الظنّية التي لا تغني من الحقّ شيئاً، ولذلك لا يرى فائدة منه، ولا يراه يستتبع علماً أبداً، ومن هنا فإنه لا يقيم استنباطاته على علم الرجال.

وبطبيعة الحال قد يحصل بعض الزَّلَل جرّاء ذلك.

فعلى سبيل المثال: إن صاحب الحدائق لا يرى حاجةً إلى علم الرجال بذلك المعنى، فإذا قلت لصاحب الحدائق: إن هذه الرواية غير صحيحة سيقول لك: لقد رواها الشيخ الصدوق في كتاب «مَنْ لا يحضره الفقيه»، وهذا يكفي لتكون حجّةً بالنسبة لي. وقد تمّ إيراد هذه الصحيحة على هذا النحو.

أو من قبيل: الأخطاء التي وقع فيها الكثير من الأشخاص في بحث تقييم الأسانيد، والقول بأن هذا السند معتبرٌ أم لا. فإن الشيخ الصدوق ـ مثلاً ـ يروي في كتاب «مَنْ لا يحضره الفقيه» الكثير من الروايات عن محمد بن مسلم. إن محمد بن مسلم شخصية كبيرة، وربما أمكن القول بأنه ثقةٌ، وكان صاحب الحدائق والشيخ الأنصاري وصاحب الجواهر يعبِّرون عن روايات الصدوق عن محمد بن مسلم بأنها «صحيحة محمد بن مسلم»، في حين لا يلتفتون إلى أن سند الشيخ الصدوق في المشيخة إلى محمد بن مسلم سندٌ ضعيف.

أو كما في بحث الاتحاد، وما إذا كان هذا الراوي هو شخصٌ واحد أم شخصان، هناك راوٍ اسمه إسحاق بن عمّار (وهذا الخطأ قد نشأ بطبيعة الحال منذ عصر الشيخ الطوسي)، فقد قال النجاشي: «إسحاق بن عمار الصيرفي، ثقةٌ»، ولم يقُلْ شيئاً عن مذهبه أبداً. وقال الشيخ الطوسي: «إسحاق بن عمّار الساباطي، فطحي، ثقة». ويكمن خطأ الشيخ في أنه قد سمع اسم عمار الساباطي، واختلط عليه الأمر، فحَسِبَه شخصين؛ إذ سمع اسم إسحاق بن عمّار، فانتقل ذهنه من عمار هذا إلى عمار آخر، وهكذا وُلد شخصٌ باسم إسحاق بن عمّار الساباطي. ومن هنا وقع الكثير من الذين لم يبذلوا جهداً في علم الرجال في ذات الخطأ، وتصوَّروا هذا الشخص شخصين، وقالوا: إن أحدهما يدعى إسحاق بن عمار الصيرفي، إماميّ ثقة؛ والآخر إسحاق بن عمار الساباطي، وهو فطحي ثقة.

وبذلك ستختلف نتائج الروايات؛ إذ تكون رواية الصيرفي صحيحة، ورواية الساباطي موثَّقة.

ثم يَرِدُ بشأن هذه المسألة بحثٌ آخر، وهو فيما لو ذُكر اسم إسحاق بن عمار مجرَّداً من اللقب، ولم يعرف ما إذا كان المراد منه هو الصيرفي أم الساباطي، فكيف لنا أن نعرف المراد منه؟ وعندها يصيرون إلى البحث عن الشواهد التي تحدِّد أحدهما. وهو أمرٌ كثير الحدوث. في حين أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرَّد خلط في الأبحاث، وأن هذان الشخصان هما في الحقيقة شخصٌ واحد، اسمه «إسحاق بن عمار الساباطي الصيرفي».

_ هل هناك مسألةٌ تودّون ذكرها في ختام هذا اللقاء؟

^ هناك بحثٌ بشأن فهرست الشيعة.

ففي علم الرجال عند الشيعة هناك بحث الفهرست، وكان لأشخاصٍ، مثل: ابن الوليد، كتابٌ باسم «الفهرست». والفهرست يعنى بـ «الكتب».

ولدى أهل السنة شيءٌ مماثل أيضاً.

بَيْدَ أن الشيعة لم يكن لهم سوى القليل من الرواة. من هنا فإن الرجاليين من الشيعة، بدلاً من أن يتَّجهوا في أبحاثهم الرجالية إلى ناحية الأشخاص، توجَّهوا بها إلى ناحية الكتب، بمعنى أن محمد بن مسلم ـ مثلاً ـ، الذي ألَّف كتاباً، يذهب الشيعة إلى تقييم كتابه، وبيان مدى اعتباره، ثمّ يذكرون السند على أساس اعتبار هذا الكتاب.

ويقولون بشأن كتاب الحلبي ـ على سبيل المثال ـ: إنه كتابٌ جيّد ومعتمد، وكان الشيعة يقبلون به. فإنْ اتضح أن الرواية منقولة من كتاب الحلبي، مثل: «عن سهل بن زياد، عن حمّاد، عن الحلبي»، بدلاً من أن يناقش السند، يحدسون من خلال الشواهد أن هذا من كتاب الحلبي.

في حين أنه في البحث الرجالي يتمّ بحث جميع أفراد السند واحداً واحداً، على طريقة «عن الثقة، عن الثقة، عن الثقة»، فتكون هذه الرواية ضعيفةً؛ لوجود الضعف في سند سهل بن زياد.

ولكنْ في البحث الفهرستي الذي قام به النجاشي، وقبله الأشخاص الآخرون، لا على أساس كتاب السند، وإنما نقلوه من كتاب الحلبي، يقولون: إنّ كتاب الحلبي كتابٌ جيد، وإن الحلبي نفسه ثقةٌ، وعليه تكون الرواية عنه صحيحةً.

وإن أسلوب المتقدِّمين من الأصحاب هو أسلوبٌ فهرستي، بمعنى أنه ينتخب الكتب المعتبرة.

وقد كتب علم الفهرست لهذه الغاية، أي لكي نفهم ما هي المكانة والمنزلة التي يتمتَّع بها الكتاب.

فعلى سبيل المثال: لو أنك نقلتَ اليوم كلاماً عن الإمام الخميني، ولم يَرِدْ هذا الكلام في «صحيفة الإمام» ـ كتابٌ يجمع أغلب كلمات الإمام الخميني، مطبوعٌ في عدّة أجزاء ـ، يجب عليك أن تأتي بمستندٍ متين؛ كي يصدِّق المجتمع هذا النقل منك عن الإمام، وأما إذا كان الكلام الذي تنقله موجوداً في «صحيفة الإمام» فإنّه يُقبَل ذلك منك دون حاجةٍ إلى البحث عن السند.

ومن هنا تأتي أهمِّية الفهرست؛ إذ يقال: إنك إذا نقلت عن كتاب الحلبي، وهو كتابٌ مشهور، فأيّاً كان سندك فهو صحيحٌ، وأما إذا نقلت عن كتاب أويس بن هشام فإنّ أويس وإنْ كان شخصاً صالحاً في حدّ ذاته، بَيْدَ أن كتابه منقولٌ عن شخص واحد فقط، الأمر الذي يعني أنه ليس مشهوراً، وأنه يمكن أن يكون قد تمّ التلاعب به، فلا يكون نقلك عنه معتبراً.

ولو أمكن لنا اليوم أن نمزج بين البحث الفهرستي والرجالي فسوف نحصل على نتائج جيدة في بحث تقويمات السند، وكذلك في بحث حجِّية الروايات.

إن الكثير من أبحاث علمائنا الكبار، وكذلك الأبحاث العلمية للمتقدِّمين منهم، تقوم على الأبحاث الفهرستية، ومن هنا لم تكن رؤيتهم رؤيةً رجالية.

__________________________

(*) أحد الفقهاء البارزين في مجال الحديث والرجال، وأستاذ البحث الخارج في مدينة قم.

(**) أحد أبرز تلامذة الإمام الخوئي في علم الرجال والحديث، وأستاذ البحث الخارج في مدينة قم. شارك في تدوين موسوعة الرجال للخوئي. وله مجموعة من المؤلَّفات.

(***) أستاذٌ بارز في الحوزة العلمية، ورئيس مؤسّسة التراث الشيعي في مدينة قم، وأحد أبرز المتولّين لتحقيق التراث الإسلامي.

(****) باحثٌ ومحقِّق بارز في مجال إحياء التراث الرجالي والحديثي. حقَّق وصحَّح كتاب جامع الرواة، للأردبيلي، ورجال النجاشي، في عدّة مجلَّدات ضخمة.