دفاعٌ عن فيلسوف

7 نوفمبر 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
68 زيارة

دفاعٌ عن فيلسوف

فيلسوفٌ مخالف للتقليد، ومقلِّدون مخالفون له

د. أكبر ثبوت(*)

ترجمة: حسن مطر

 

مقدّمة ــــــ

لقد رفع صدر المتألهين لواء إلغاء التقليد في عصر كان ـ مثل سائر العصور ـ قائماً على التقليد الأعمى، على مستوى العامّة والكثير من الخواص([1]). وأحلّ الاجتهاد والتفكير الحرّ والاستناد إلى الدليل في معرفة الحقائق، من خلال السعي الدؤوب والتعرف على جميع الآراء، بدلاً من التعبُّد بقول هذا أو كلام ذاك([2]). بيد أن الذين أقاموا حياتهم الفكرية والروحية، وحتّى مصالحهم المادية، على أساس التقليد قد ناصبوه العداء والخصومة([3]). وخلال مئات الأعوام، بدلاً من الاستفادة من تأليفاته وآرائه، والعمل على نقدها وتصحيحها، وتكميلها بأسلوبٍ صحيح، نجد مهاجمته بأنواع التهم والافتراءات. ومن الأمثلة على ذلك: الفقيه المؤثر الآغا محمد علي الكرمانشاهي ونجله الآغا محمد جعفر، اللذان اتَّهما صدر المتألهين صراحةً ـ وهو الفيلسوف الشيعي الكبير ـ بأنّه مناهض للشريعة الإسلامية، وأنه في أسفاره قد أجاز اللواط، واستحسنه، «وقد رتَّب على هذا الفعل الشنيع والخبيث فوائد عظيمة وحكيمة، وغايات عقلية فخيمة»([4]). في حين لا يوجد في أيّ موضع من مواضع الأسفار إشارةٌ أو تلميح إلى تجويز موبقة اللواط، فضلاً عن أن يكون هناك تصريحٌ بذلك. وإنّ التهمة التي أطلقها هذان العلمان المؤثران إنْ لم تكن ناشئة عن سوء نيّة، فإنّها تدل على عدم فهمهما كلام صدر المتألِّهين، وحيث إنهما يعانيان من أدران روحية فقد اتَّهماه بإشاعة الفساد والفحشاء!

أليس من المعيب أن يدّعي أحدٌ أن الأسفار ـ التي قام بتدريسها الكثير من العلماء الكبار، من أمثال: الآغا محمد رضا قمشه إي، والميرزا جهانگير خان قشقايي، والشيخ محمد حكيم الخراساني، والآغا محمد بيدآبادي، والشيخ مرتضى الطالقاني الزاهد، والحاج الملا هادي السبزواري، والآغا علي المدرس، والملا علي النوري، والآخوند الخراساني، والشهيد المدرس، والعلاّمة الطباطبائي، ومؤسّس الجمهورية الإسلامية [الإمام الخميني]، والميرزا مهدي الآشتياني، والآخوند ملاّ محمد الهيدجي، والميرزا أحمد الآشتياني، والميرزا أبو الحسن الشعرايي، والسيد أبو الحسن الرفيعي القزويني، والسيد كاظم العصار، ومهدي إلهي قمشه إي، والأستاذ مرتضى مطهري، وحسن زاده الآملي، وعبد الله جوادي الآملي، والسيد رضا الشيرازي، والشيخ محمد تقي مصباح اليزدي ـ قد كتب لإشاعة فاحشة اللواط؟! هل يصبّ نشر الكتب المشتملة على هذه التُّهم الباطلة في إطار الحفاظ على سمعة المجتمع الإسلامي الشيعي والحوزة العلمية؟! مَنْ المسؤول عن هذه الأمور؟!

وفي القرن الرابع عشر تمّ فتح ملفٍّ جديد للحكيم صدر المتألهين يقضي بأن ما احتوته مؤلَّفاته لا يعدو أن يكون مجرّد سرقات من كتب هذا أو ذاك، وأنه لم يكن يملك شيئاً من العلم. إن هذه الدعوى المطروحة على خلاف أسلوب النقد الصحيح لآراء صدر المتألِّهين لا تحتاج إلى دقّة في التعمُّق والدراسة والتحقيق، وإنما هي تثار في القرن الأخير من حينٍ لآخر من قبل المعارضين للمنهج الفلسفي الذي أرساه صدر المتألِّهين. وفي العقدين الأخيرين، حيث تصوَّر البعض أن أفكار هذا الحكيم تبرِّر المنظومة الدينية والسياسية التي يبغضونها، فإنهم لم يتركوا سلاحاً إلا وجرّدوه واستعملوه ضدّه. وحيث إنهم لم يستطيعوا نقد نظرياته بشكلٍ صحيح وجدوا في اتّهامه بالسرقة والانتحال طريقةً سهلة لتخطئته، وأقاموا المحاكم في هذا الاتّجاه، وصدرت بحقّه أصوات الشجب والإدانة والتهويل من كلّ مكان!

وحيث إنّي لستُ من مقلِّدي خصوم صدر المتألِّهين، ولستُ من المنجذبين والمستضعفين الذين تصدُّوا للدفاع عنه ـ خلافاً لمنهجه ـ، واتّخذوه مرجعاً لهم، ففي الوقت الذي أخطِّئ كلا الفريقين أتصدّى لعرض بعض الإجابات التي كتبها أساتذتي في الحكمة المتعالية ضدّ هذه التهم الباطلة، وأضعها بين يدي أصحاب الرأي والفضيلة. أتعرّض في هذا المقال إلى مقاطع سبق لي أن كتبتها قبل سنوات في مقالٍ، نقلاً عن توضيحات شفهية لأستاذي الكبير الراحل أبو الحسن الشعرائي([5])، وكذلك بعض النقاط التي أتذكرها عن اثنين من أساتذتي الكبار، وهما: مهدي إلهي قمشه إي؛ والسيد محمد مشكاة البيرجندي. وهناك عندي الكثير من الكلام الذي أفضِّل أن أتركه للمستقبل، وأرجو أن يلقى ما أقوله قبولاً من القارئ الكريم.

 

ادّعاء الآغا ضياء الدين الدري ــــــ

إن الأسفار مقتبَسٌ من كتب عديدة، وهو أمرٌ أوقع الكثير في الخطأ والشبهة على مدى السنوات الماضية. وحتى المرحوم السبزواري، الذي كتب بعض الحواشي على هذا الكتاب، لم يلتفت إلى هذه الظاهرة. وكذلك أستاذه الملاّ علي النوري، والملا إسماعيل الإصفهاني لم يلتفتا إلى هذه الحقيقة… في حين أنّ ما لا يقلّ عن ثلثي هذا الكتاب عبارة عن كلمات الآخرين، وقد نسبها المؤلِّف المحترم إلى نفسه، دون أن يذكر أسماء أصحاب الكتب التي أخذ عنها. ولذلك عمدتُ إلى جمع مواد هذا الكتاب؛ كي لا يكون هناك في الحدّ الأدنى تضييع لحقّ الآخرين. وقد حقَّقْتُ بعض النجاح في هذا الشأن… وإنّ القسم الأول من هذا الكتاب هو في الغالب مأخوذ من كتاب الأفق المبين، للميرداماد. (ثم يذكر كتباً أخرى يدّعي أن صدر المتألهين قد أخذ نصوص أسفاره منها، ونسبها إلى نفسه، من قبيل: الشفاء، وشرح الإشارات، وحكمة الإشراق، وشرح الفصوص، وغيرها من الكتب)([6]).

 

جواب الأستاذ الشعرائي ــــــ

ذات مرّة تمّ ذكر هذه الادّعاءات في حلقة درس الأسفار التي كان يديرها الأستاذ الشعرائي، فقال الأستاذ في الجواب: كيما يتّضح بطلان هذه الادّعاءات يكفي أن تأخذوا واحداً من الكتب التي قيل: إنّ صدر المتألِّهين قد أخذ منها ما ينسبه إلى نفسه، دون أن يذكر المصدر، من قبيل: كتاب الشفاء، لابن سينا. ثم انظروا إلى فهرست الأعلام وأسماء الكتب والمجلّدات المتعدّدة في الأسفار وكتب صدر المتألِّهين الأخرى؛ لتدركوا أن صدر المتألهين قد أحال إلى كتاب الشفاء ونظريّات ابن سينا في هذا الكتاب مئات المرّات بوصفه واحداً من مصادره المعتمدة. فمثلاً: نجد أنه في الجزء الأول من كتاب الأسفار يحيل إلى كتاب الشفاء في ستّة عشر موضعاً، ويحدِّد مصدره في هذه المواضع.

فإذا كانت هناك مواضع معدودة من الأسفار نقل فيها صدر المتألِّهين عن كتاب الشفاء بعض العبارات دون أن يذكر المصدر فهل يعني ذلك أن صدر المتألهين كان يريد التمويه على القارئ، ويوحي إليه بأنه هو صاحب هذه الأفكار؟ ألا يعي صدر المتألهين أنه عندما يحيل قارئَ كتابه عشرات المرّات إلى كتاب الشفاء فإنه بذلك سيرشد قارئه إلى المصدر الذي شكّل مادة خصبة لسرقاته، وأنّ القارئ بعد مراجعاته المتكرِّرة لهذا الكتاب سيقف على هذه السرقات إنْ عاجلاً أو آجلاً؟! ألم يدرك هذا الحكيم الكبير مسألةً بهذه البداهة؟ لا يمكن لهذه الحقيقة أن تخفى على أبسط إنسان، فضلاً عن حكيم بحجم صدر المتألِّهين!

 

مسألةٌ أخرى ــــــ

يمكن لك أن تأخذ بنظر الاعتبار خطبة يلقيها متكلِّم فيبدأ كلمته بالبسملة، وشطرٍ من خطبة من نهج البلاغة، وآيتين من القرآن الكريم، وفي أثناء كلمته يستشهد بروايتين شريفتين، وبيتين من الشعر لزهير بن أبي سلمى، وبعض الأبيات لدعبل الخزاعي، لينهي خطبته ببعض المراثي والأدعية المأثورة عن الإمام علي بن الحسين×، دون أن يذكر مصادر ما ذكره من فقرات نهج البلاغة، وما قرأه من الآيات والروايات والأبيات الشعرية أو مقاطع الأدعية والمراثي. هل يمكن لعاقل أن يتصوَّر أن هذا الخطيب إنما أراد من خلال هذا الأسلوب أن يموِّه الأمر على السامع، وأن يتظاهر بأنّه هو صاحب هذه النصوص والفقرات البليغة؟ لا أتصوَّر أن يدَّعي شخصٌ مثل هذا الادّعاء، أو أن يسوقه كمجرّد احتمال ضعيف.

هكذا الأمر بالنسبة إلى صدر المتألهين، بمعنى أنه قد ألَّف كتابه لذوي الاختصاص الذين يتعاملون مع عبارات كتبٍ من قبيل: الشفاء، وشرح الإشارات، وحكمة الإشراق، وشرح فصوص الحكم، وما إلى ذلك. وإن هذه الكتب والنصوص بالنسبة لهم هي مثل آيات القرآن وخطب نهج البلاغة وأشعار دعبل الخزاعي وروايات الأئمّة المعصومين وأدعية الصحيفة السجادية لمَنْ يستمع لذلك الخطيب. وعليه لم يكن يدور في خلد صدر المتألِّهين أنّ الذين سيقرأون كتابه يحتاجون إلى مَنْ يرشدهم إلى مواضع هذه النصوص في الكتب الأخرى، وأنهم سوف يتصوَّرون أنها كلماته، وعليه كان يجب عليه أن يبيِّن لهم مواضع وجودها في الكتب الأخرى؛ دفعاً لهذا التوهُّم.

لقد تصوَّر الآغا ضياء الدين الدري، وكلّ أؤلئك الذين أثاروا هذه الادّعاءات ضدّ صدر المتألهين، أنه كان يعيش في دَعَة ونعومة من العيش الرغيد، تحيط به الكتب من جميع الجوانب، وربما كان لديه عددٌ من الكَتَبة الذين وزَّع عليهم الأعمال، فهذا يضطلع بمهمّة استنساخ مقاطع من كتاب الشفاء؛ ليقحمه بعد ذلك في كتاب الأسفار، بينما يتولّى الكاتب الثاني ذات العملية بالنسبة إلى شرح الإشارات، ويتولّى ثالثٌ حكمة الإشراق، ورابعٌ شرح فصوص الحكم، وهكذا… إنّ هؤلاء الناقدين لا يدركون أن صدر المتألِّهين عاش أكثر عمره مطارداً ومشرَّداً؛ بسبب ملاحقته ومطاردته من قبل الحكومات الجائرة، وقد ألَّف الكثير من كتبه في ظروف لم تتوفَّر بين يديه المصادر الضرورية للكتابة، بل لم يكن ينعم بحياةٍ هادئة تساعد على التأليف، وإنّ ما أضافه إلى كتبه من هذا المصدر أو ذاك إنما اعتمد فيه على ذاكرته الجبّارة. ومع الالتفات إلى هذه الظروف القاسية التي أحاطت بصدر المتألِّهين عند تأليف كتبه من الحقّ والإنصاف أن نكبر هذه الجهود، وننحني لها إجلالاً، حيث تمكَّن في ظل تلك الظروف من إبداع وإنتاج هذه الكتب، التي نال الكثير من المفكِّرين شرف تدريسها على مدى قرونٍ، لا أن نطيل الوقوف على الأسباب التي دعت صدر المتألِّهين إلى النقل مئات المرّات عن كتاب الشفاء لابن سينا مع ذكر مواضع النقل، ولكنَّه أغفل بعض الموارد ولم يذكر موضعها، فلا بُدَّ أن تكون لديه نيّة سيِّئة في ما يتعلَّق بهذه الموارد القليلة! فأين الإنصاف؟!

إن الذين وجَّهوا أصابع الاتّهام إلى صدر المتألِّهين لم يجيبوا عن السؤال القائل: إذا كان ما حاولوا إلصاقه به من الاتّهام زوراً وبهتاناً تهمةً صحيحة وحقيقية فلماذا غاب هذا الأمر عن كبار الفلاسفة والحكماء طوال القرون المنصرمة؟ ولماذا ـ وعلى الرغم من أن الكثير من خصوم صدر المتألِّهين كانوا يعرفون مؤلَّفاته ومصادره ـ لم يثيروا أيّ إشكال عليه من هذه الناحية؟ ولماذا ـ رغم إشكالاتهم الأخرى ـ لم يتَّهمه أيٌّ منهم بالسرقة العلمية وانتحال أفكار الآخرين، وأهدروا عمرهم بشرح وتعريف بضاعته العلمية التي سرقها من الآخرين؟ لينبثق بعد ذلك بثلاثة أو أربعة قرون عددٌ من الأشخاص فجأة ليدّعي كلّ واحدٍ منهم توصُّله منفرداً إلى هذا الاكتشاف العظيم، وهو «أن أبحاث كتب صدر المتألهين تعود للآخرين». ومن هؤلاء الأشخاص الآغا ضياء الدين الدري، الذي فاق غيره في الإصرار على هذا الادّعاء، بل وأصرّ على القول: «إن ثلثي ما جاء في كتاب الأسفار في الحدّ الأدنى يعود لغيره من العلماء، وقد نسبه صدر المتألهين إلى نفسه بغير وجه حقّ». وقال: إن أول كتاب شكل مادّة لأبحاث الأسفار هو كتاب (الأفق المبين)، للميرداماد، حيث ادّعى الآغا ضياء الدين الدري أن أغلب القسم الأول من كتاب الأسفار هو استنساخٌ أو سرقة عنه، هذا في حين أن صدر المتألِّهين قد ألف الأسفار في حياة الميرداماد، وقد أشاد صدر المتألِّهين في الكثير من مواضع هذا الكتاب وأثنى على الميرداماد، ودعا له بعباراتٍ من قبيل: «أدام الله تعالى علوّه ومجده» (1: 406)، و«دام ظلّه العالي» (2: 169)، و«أدام الله علوّه ومجده» (2: 50)، و«دام عمره ومجده» (6: 183). فلو كان هذا الكتاب عبارة عن سرقة لأبحاث الآخرين، بمَنْ فيهم الميرداماد، الذي هو أستاذ صدر المتألِّهين، ومع ذلك لا نجد من الميرداماد تجاه صدر المتألِّهين غير الودّ والاحتضان والاحتفاء، مع أنه لو صحّ ما نسبه الناقدون لصدر المتألِّهين لكان على الميرداماد أن يكشف صدر المتألِّهين على حقيقته، وأن يعاتبه على سرقة أفكار الآخرين بما في ذلك أفكاره، ونسبتها إلى نفسه! هل يعقل أن يقوم صدر المتألِّهين بسرقة أفكار أستاذه بمرأى ومسمعٍ منه، ومع ذلك لا يقوم أستاذه بمعاتبته، بل يثني عليه بعبارات من قبيل: «أعزّ الأولاد الروحانيّة، وأقرب ذوي القربى العقلانيّة، الأوحد الأمجد، الأفضل الأكمل، اللوذعي الألمعي، صدراً للفضل والمجد والحقّ والحقيقة والملة والدين، محمد الشيرازي، رقاه الله تعالى إلى أعلى مراتب الظهور العلمي والشهود العيني»؟!

هل يجب أن يكون هذا هو موقف الميرداماد من السارق؟! بحيث يقدّم له كتابه (عرش التقديس)، ليكتب له ديباجة، وحيث تحقَّقت هذه الرغبة بادر إلى الثناء عليه، ومدحه ببيتين من الشعر، يقول فيهما: لقد فاق صدر المتألِّهين العالم فضلاً، فاستحقّ أن يرث علم إفلاطون. ولم تتمخض الطبيعة عن مثله ليتربَّع على عرش التحقيق([7]).

ألم يقرأ الميرداماد مؤلَّفات صدر المتألِّهين أو أهمّ مؤلفاته (الأسفار الأربعة) في الحدّ الأدنى؟! ألم يقرأ كتابه (الأفق المبين)؟! إنْ كان قد قرأها فكيف لم يلتفت إلى أن مضامين هذه المؤلَّفات التي كتبها صدر المتألهين ما هي إلاّ سرقات لأفكار الآخرين، وبما في ذلك أفكاره الخاصّة؟! وكيف أنه، بدلاً من التعاطي معه بوصفه سارقاً ومنتحلاً، يعمل على الإشادة به والثناء عليه؟ هل كان الميرداماد يتَّصف بالتملُّق؟! نحن نعلم أن الميرداماد كان من الاعتزاز بالنفس بحيث إنّه عند ذكره للفارابي وابن سينا يكتفي بالتعبير عنهما بعبارات الندّية، فيقول: «شريكنا في المقام والمنزلة العلمية»، أو «شريكنا في الرئاسة العلمية». وعليه هل من المعقول أن يبادر إلى الثناء على شخصٍ قام ـ طبقاً لادّعاء الآغا ضياء الدين الدري ـ بسرقة أفكاره؟ هل كان الميرداماد يخشى من صدر المتألِّهين، فتضطره هذه الخشية إلى إبعاد شبح الخوف من خلال المبالغة في الثناء عليه، فيرفع هذا السارق إلى عنان السماء؟! ما هي مقوّمات السلطة التي كان يمتلكها صدر المتألِّهين؟! فالذي نعرفه عنه أنه كان ملاحَقاً ومطارَداً من قبل السلطات الجائرة، وكان يعيش حياة التشرُّد. ومضافاً إلى ذلك كان يشكو من عداوة أرباب الحقد والتزوير من الرجال المتلبِّسين بزيّ العلم، في حين كان الميرداماد يرفل بأنواع العزّ والنعيم، ويحظى بأسمى آيات الاحترام والتبجيل من جميع الساسة، ابتداءً من الملك إلى أصغر الموظَّفين في البلاط، وصولاً إلى جميع أرباب العلم والفضيلة، وعامّة الطبقات الاجتماعية. فما هو الخطر الذي يمكن أن يهدِّده من جانب صدر المتألِّهين، حتّى يضطرّ إلى الثناء عليه كلّ هذا الثناء؟! وهل كان صدر المتألِّهين قد عرض رشوةً كبيرة على الميرداماد، فيؤدّي ذلك بالميرداماد إلى الغضّ عن سرقاته، بل ويجازيه على ذلك بأنواع المدح والثناء؟!

حقيقة الأمر أنّ صدر المتألهين، رغم احترامه وتقديره لأستاذه الميرداماد، لم يكن مقلِّداً له، ولا تابعاً لأفكاره، بل كان يخالفه في الكثير من المسائل الفلسفية الهامّة، ومنها أصالة الوجود، والتشكيك في الوجود، والحركة الجوهرية. وقد انتقد نظريات أستاذه في الكثير من الموارد، ولم يعمل على الترويج لنظريّات أستاذه، فيكون في ذلك ما يدعو الميرداماد إلى مكافأته وتشجيعه بالمدح والثناء والتبجيل.

ومضافاً إلى ذلك فإن الميرداماد كان شخصية علمية طبقت شهرتها الآفاق في عالم العلم والحكمة، وكان من أعظم أساتذة صدر المتألِّهين، وكان له الدور الأكبر في تعليم وتربية صدر المتألِّهين. وعليه فلو كان لاتّهامه بسرقة أفكار أستاذه نصيبٌ من الصحة لشكَّل فرصةً ذهبيّة لخصومه وأعدائه الذين عاصروه، ولم يكونوا قليلين، واتَّخذوها ذريعة لتصويب سهام حقدهم عليه، ولكان ذلك مقنعاً ومقبولاً منهم، ولحشروه عندها في الزاوية، فلماذا لم يبادروا إلى إشهار مثل هذا الاتّهام في وجهه؟ ولماذا طبقت شهرة الأسفار ـ الذي يدّعي الآغا ضياء الدين الدري أنه عبارة عن بضاعة مسروقة ومنتحلة من الكتب الأخرى ـ الآفاق، فسارت به الركبان إلى العراق وإيران والهند والأقطار الأخرى، وأضحى منهجاً دراسياً، وكتبت عليه الكثير من الشروح والترجمات والحواشي، في حين لم تحصل مصادره الأخرى على مثل هذه الشهرة؟ هل يعني ذلك أن جميع العلماء الذين كانوا في هذه المناطق، وأشبعوا كتاب الأسفار درساً وتعليماً، وباشروا حلّ مشكلاته ودقائقه، لم يتوصَّلوا إلى ما توصَّل إليه الآغا ضياء الدين الدري، ولم يكن لهم مثل عقله؛ ليتوصلوا إلى اكتشاف ما توصَّل إليه من هذا الأمر بالغ الأهمّية؟!

قال الأستاذ الشعراني بعد بيان ما تقدَّم: إن الذين يتَّهمون صدر المتألهين بسرقة أفكار الآخرين لا يوجِّهون بذلك إهانةً له فحَسْب، بل إنهم يهينون الأكثرية الكبيرة من الحكماء والفلاسفة الذين عاصروه، والذين جاؤوا بعده، وصولاً إلى عصرنا الحاضر، بمعنى أنهم يوجِّهون الإهانة إلى أمثال: الميرداماد، والمحقِّق اللاهيجي، والمحقِّق السبزواري، والمحقِّق الخوانساري، والمحقِّق الفيض، والحكيم السبزواري، والآغا محمد البيدآبادي، والملاّ علي النوري، ومهدي النراقي، ونظر علي الگيلاني، والقاضي سعيد القمّي، ومحمد نعيم الطالقاني، وحسين التنكابني، وإسماعيل الإصفهاني، ومحمد جعفر اللنگرودي، وعبد الله الزنوزي، والآغا علي المدرس، والآغا محمد رضا قمشه إي، وجهانگير خان القشقائي، والميرزا مهدي الآشتياني، والعلاّمة الطباطبائي.

إن جميع هؤلاء العلماء الأعلام ـ الذين هم من أبرز الفلاسفة والحكماء في القرون الأربعة الأخيرة ـ كانوا ـ طبقاً لهذا الادّعاء ـ من الأغبياء. ولغبائهم كانوا يمدحون هذا السارق المنتحل، بل وتأثَّر به جلُّهم، وأوقفوا حياتهم على الترويج لأفكاره، وشرح آرائه، دون أن يتنبَّه أيُّ واحدٍ منهم إلى أن صدر المتألِّهين لم يكن لديه شيءٌ من عنده، وأنّ كل ما كتبه كان سرقةً من الآخرين! إنّ هؤلاء الكبار لم يقرأوا كتاب (الأفق المبين)، ولا كتاب (الشفاء)، ولا (حكمة الإشراق)، ولا (شرح فصوص الحكم)، ولا (شرح المقاصد)، ولا (إحياء علوم الدين)، ولا (المباحث المشرقية)، ولا (شرح الإشارات)، ولا كتاب (النجاة)، ولا (الفتوحات المكّية). وإن أوّل مَنْ قرأ هذه الكتب وتوصَّل إلى هذا الاكتشاف العظيم هو الآغا ضياء الدين الدري، أو في الحدّ الأقصى الميرزا أبو الحسن جلوه. وهو كما ترى!

 

تذكيرٌ ــــــ

تكميلاً لما أورده الأستاذ الشعرائي في الثناء على صدر المتألِّهين من قبل الميرداماد يمكن لنا ملاحظة نصّ رسالة كتبها الميرداماد إلى صدر المتألِّهين، وممّا جاء فيها: شوقي إلى صحبة عزيز البهجة، سماحة المفيد المفيض، والملاذ الكاشف عن الحقائق والدقائق، وجه العلماء العارفين، عين العرفاء العالمين، السليل الناهض، الخليل الماحض، أكرم الأولاد الروحانية، وأحمّ الحامة العقلانية، صدر جريدة الأفاضل، بيت قصيدة الأماثل، خصَّه الله بسيوب نعمه، وحفَّه بفيوض مننه، لا تفي ببيان درجته طوامير العبارات، أو مطاوي الإشارات، ولا يطاله حيِّز التعبير، ولا أدوات التقرير، قشع الله بيننا، وجمع بيننا»([8]).

سؤالٌ: هل يمكن أن يكون تعامل الميرداماد مع شخصٍ يفترض أنه يسرق أفكاره وأفكار غيره من العلماء الآخرين على هذه الشاكلة؟

كما قال الأستاذ الشعرائي أيضاً: لقد كان الأستاذ الآغا ضياء الدين الدري من المعارضين للمشروطة، وكان من أنصار المشروعة بقيادة الشيخ فضل الله النوري([9]). ولكنْ عندما قام رضا شاه بأعمال مسيئة للدين، من قبيل: النزع الإجباري للحجاب، والأعمال التعسفية ضدّ الحوزة العلمية وجماعة علماء الدين، وقتل الناس في مسجد گوهر شاد، حيث اعتصموا فيه اعتراضاً على قرار الشاه بحظر الحجاب على النساء، وما إلى ذلك من الأفعال الشنيعة، واصل الدري مدحه ومناصرته للنظام ووزرائه من خلال كتاباته ونشاطاته، وكانت له علاقات وثيقة مع أزلام النظام الطاغوتي. وذات مرّة ضمّ اجتماع خاصّ عشرين عالماً ومدرِّساً، وكان فيهم الآغا ضياء الدين الدري، فعمد أحد أساتذة الحكمة الصدرائية ـ ربما لغمز الآغا ضياء الدين ـ إلى قراءة بعض النصوص التي كتبها صدر المتألِّهين في ذمّ وعّاظ السلاطين وعلماء البلاط. وإليك مضامين بعض هذه النصوص:

 

ذمّ صدر المتألِّهين لوعّاظ السلاطين ــــــ

«إني لأستعيذ بالله الرحمن، من رجلٍ شرير عليم اللسان، جهول القلب، المترفِّع على الأقران؛ لأجل تقرّب السلطان، والاشتهار عند العوامّ، وهم العميان عن فهم درجات أحوال الإنسان، والتفاوت في خلق الرحمن، فوامصيبتاه من علماء الجهالة، وصلحاء الإفساد، الذين هم من علماء الدنيا وجهّال الآخرة، المتذكِّرين لآداب صحبة الخلق، الناسين لآداب صحبة الربّ، المقبلين إلى دقائق علوم الدنيا، المعرضين عن حقائق علوم الآخرة. بل أقول: ما فتنة في الدين وخلل في عقائد المسلمين إلاّ ومنشؤها مخالطة العلماء الناقصين، مع حكام الدنيا والسلاطين، ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ (الأعراف: 89)»([10]).

«إنه يظاهر سلاطين الظلم وأمراء الجور، ويعاونهم على ظلمهم، ويصدقهم في كذبهم وجورهم؛ لأنّه بالتقرب إليهم يصل إلى أغراضه الدنيوية من الجاه والمال والشهرة، التي لأجلها اكتسب العلم. ومعلومٌ أن التقرُّب إليهم والمنزلة عندهم لا يمكن إلاّ بمظاهرتهم ومعاونتهم على ظلمهم وجورهم وكذبهم»([11]).

إن أكثر العلماء المتعولمين غافلون عن ذكر الله، فلو أنّهم تمتَّعوا بنور المعرفة لما جعلوا من بلاط الجور قبلةً لهم، ليخسروا في مقامرات النفس والهوى!

هكذا هو حال الذين يعتبرون أنفسهم من العلماء، ويظهرون بمظاهر التقدُّس، ولكنّهم يؤمّون شطر القصور الملكية، راكلين وراءهم الإخلاص والتوكُّل، طالبين الرزق من غير الله. وحيث إنهم تركوا التوكُّل على الله فإن الله قد وكلهم إلى أنفسهم، فلجأوا إلى أروقة الملوك. تركوا طلب الحقّ واليقين، ليقضوا عمرهم في خدمة الهوى، وطاعة الجائرين، وصحبة الفاسقين([12]).

قال|: «العلماء أمناء الرسل على عباد الله ما لم يخالطوا السلطان، فإذا فعلوا ذلك فقد خانوا الرسل، فاحذروهم واعتزلوهم».

قال صدر المتألِّهين بعد نقله هذا الحديث: وهذه [مخالطة العلماء للسلاطين] فتنةٌ عظيمة للعلماء، وذريعة صعبة للشيطان عليهم، لا سيَّما مَنْ له لهجةٌ مقبولة، وكلام حلو؛ إذ لا يزال الشيطان يلقي إليه في وعظك لهم، ودخولك عليهم ما يزجرهم عن الظلم، ويقيم شعائر الشرع، إلى أن يخيَّل إليه أن الدخول عليهم من الدين.

وقال رسول الله|: «شرار العلماء الذين يأتون الأمراء، وخيار الأمراء الذين يأتون العلماء».

وقال أبو ذرّ لسلمة: «يا سلمة، لا تغْشَ أبواب السلاطين، فإنَّك لا تصيب من دنياهم شيئاً إلاّ وأصابوا من دينك أفضل منه»([13]). (انتهى كلام صدر المتألِّهين).

كان وقع هذه الكلمات على الآغا ضياء الدين الدري ثقيلاً، فبادر إلى الدفاع عن نفسه قائلاً: لقد كان مراجع الدين ـ من أمثال: السيد أبي الحسن الإصفهاني، والحاج الشيخ عبد الكريم الحائري، والميرزا حسين النائيني ـ أصدروا قبل بضع سنوات بياناً يدعمون فيه الشاه رضا خان، بل إن السيد أبا الحسن الإصفهاني أرسل كتاباً إلى الحاج الآغا نور الله يحذِّره من مخالفة الشاه، ودعاه إلى الوقوف إلى جانبه، معلِّلاً ذلك بقلقه من حدوث شرخ بين الدولة وعلماء الدين([14]).

فقيل في جواب الآغا ضياء: إنّ ما ذكرته من مواقف العلماء يعود تاريخه إلى ما قبل معارضة الشاه رضا خان لتعاليم الإسلام الصريحة، وإعلانه الحرب على العلماء وعلى الشعائر الدينية، وأمّا حالياً فإن أيّ دعم لرضا خان يستحقّ الذمّ والاعتراض. وهنا بدأ الآغا ضياء الدين الدري بالإساءة إلى صدر المتألِّهين، وأعاد اجترار بعض التُّهَم التي ألصقها به أعداؤه، وقال: «في نيَّتي أن أعمل على جمع الإشكالات التي سجِّلت على صدر المتألِّهين…»، وذلك في محاولة منه إلى صرف انتباه الحاضرين عن كلمات صدر المتألِّهين التي استهدفته في الصميم!

وبعد هذه الحادثة واصل ادّعاءاته ضدّ صدر المتألِّهين وغيره، لينشر كتابه تحت عنوان (كنز الحكمة). وقد اشتمل، بالإضافة إلى هذه الادّعاءات، على مدح رضا خان، والثناء عليه، وتمجيده بشكلٍ مبالغ فيه([15]).

ومما جاء في مقدّمة هذا الكتاب، الذي صدر في عام 1316هـ.ش، أي بعد عامين من حادثة الحظر الإجباري للحجاب وما رافق ذلك من الأحداث المريرة: «في هذا العصر السعيد، وفي ظلّ اهتمام الحضرة العليا للمقام الملكي لرضا شاه البهلوي ـ خلَّد الله ملكه وسلطانه ــ، تمّ بناء جميع هذه الآثار المباركة، وتمّ إنجاز جميع ما نشهده من مختلف مظاهر الرقيّ والتقدُّم، فتمّ تطوير العلوم والمعارف، وتجديد بناء ما تركه العظام من الأعلام، وأعيد ترميم المساجد والمشاهد والمدارس والمواضع التي كانت متداعية وآيلة إلى السقوط، وشاع الخير في البلاد، وامتدَّت حسنات الحضارة الغربية إلى الشرق؛ بفضل جهود الساحة الملكية. وباختصار: عاد ماء الشباب إلى إيران، التي كانت تعاني من مساوئ الشيخوخة…».

يتَّضح من هذه المقدّمة أن ترجمة هذا الكتاب ونشره إنّما جاء بأمر من وزير الثقافة في حينها؛ «ليكون مثل سائر الأعمال الخيرية الصادرة عن العصر السعيد للملك المعظم صاحب الساحة العليا والهمم العالية. وأنّى للكون أن يبلغ علوّ مرتبة رضا شاه البهلوي، خلَّد الله ملكه وأبَّد الله عيشه!

إن كاتب هذا السطور (ضياء الدين الدري) قد شرع بكلّ شوقٍ ورغبة بترجمة كتاب (نزهة الأرواح). وحيث بلغت هذا المقام لم أجد من المناسب أن لا أذكر باقةً من فضائل هذا الوزير الفذّ (وزير الثقافة في حينه)، زاد الله توفيقه (لله درّ وزير لا نظير له في الدهر حقّاً، ولا سالف الزمن). وليس ذلك عن مبالغة في الوصف؛ فأنا أشهد إنجاز ما لا يمكن إنجازه على مدى سنوات متمادية قد أنجز في هذه الفترة القصيرة، من بناء الكلّيات والجامعات والمدارس التي يقف العقل أمامها مذهولاً ومندهشاً. فقد أقام قواعد العلم وأسس المعرفة بشكلٍ يخوِّلها الصمود لقرون أمام عوادي الزمن، وقد بلغ بذلك مرتبة لو بعث معها آصف بن برخيا لبادر إلى الاقتباس من فضله وتدبيره (وقلما أبصرت عيناك من رجل… إلاّ ومعناه إن فكرت في لقبه). بَيْد أنه يجب علينا أن لا نغفل عن «أن جميع هذه الإنجازات إنما كانت بفضل الملك»، ولكنْ وكما يقول المثل المعروف: «لكلّ رقم لا بُدّ من رمق». وقد كانت النوايا العالية والمكنونات المتعالية للحضرة الملكية الهمايونية العليا أكثر من أن تذكر منذ بداية تربُّعه على العرش الميمون، ولكنْ وكما يقول الشاعر: لا بُدَّ للنطفة أن تكون طاهرة لتقبل الفيض، وإلاّ لا يمكن لأيّ حجارة أو طينة أن تغدو لؤلؤاً ومرجاناً. وحيث كان المحلّ قابلاً، والمنشود لائقاً، ظهرت على يديه الكنوز واللآلئ.

وفي الجملة أرى أن أختم كلامي بهذا البيت لدوام الدولة، لأدخل بعد ذلك في صلب الموضوع:

مَنْ قال آمين أبقى الله مهجته *** فإنّ هذا دعاءٌ يشمل البشرا([16])

تذكيرٌ ــــــ

إن ما نقلناه من مدح الآغا ضياء الدين الدري للشاه رضا خان لم يكن بداعي تخطئته من هذه الناحية؛ لأن مدح الملوك وغيره من أصحاب السلطة هو من الأمور الشائعة على مرّ التاريخ، ولم يكن الآغا ضياء من الذين تفرَّدوا في هذه الظاهرة، حتى أننا لا نجد إلاّ القليل من الأعلام وحملة الأقلام الذين لم يوظِّفوا ألسنتهم وأقلامهم في الثناء على السلاطين. وعليه فإن حصر الإدانة بالآغا ضياء الدين الدري تبدو بعيدة عن العدل والإنصاف. وإنما كل غايتنا من وراء ذلك بيان النتائج التي آل إليها ثناؤه على السلطان، وردود الأفعال التي أعقبت هذا الثناء، وكيف كان تعاطي الدري تجاه هذه الأفعال، وكيف اضطره ذلك إلى أن يحشر صدر المتألِّهين في قفص الاتهام، وأن يفتح له ملف الانتحال والسرقة. وإنّا لله وإنا إليه راجعون.

 

أسلوب الآغا ضياء الدين الدري ــــــ

للتعرف على أسلوب وطريقة عمل الآغا ضياء الدين الدري ـ الذي حمل القسط الأكبر من توجيه أصابع الاتّهام إلى صدر المتألِّهين بالسرقة والانتحال ـ نضيف أمرين آخرين، وهما:

 

 أـ جواب الأستاذ مشكاة ــــــ

ذات مرة أثير موضوع صدر المتألِّهين واستفادته من كتاب الشفاء لابن سينا وغيره من المصادر الأخرى، وادعاءات الآغا ضياء الدين الدري في هذا الشأن، بحضور الأستاذ الفقيد السيد محمد مشكاة البيرجندي في حلقة درس الطبيعيّات من الشفاء ـ والذي كان لي شرف حضوره ـ فقال: بعد أن درست الأسفار على يد مجموعة من الأساتذة شرعتُ في تدريسه، وأخذت أتتبَّع المصادر التي اعتمدها صدر المتألِّهين في كتابة الأسفار، وبعد التوصُّل إلى الكثير منها كتبت بعض الهوامش على الأسفار، مستفيداً من تلك المصادر. وحدث في تلك الفترة أن صادفت الآغا ضياء الدين الدري ذات مرة، فأطلعته على ما قمتُ به من الجهود في البحث عن مصادر الأسفار، ومقابلة النصوص المنقولة فيه بمواضعها في مصادرها الأصلية، فأخذ هذا الأمر منّي، وطال الفراق بيننا، ولم أره إلاّ بعد ذلك بسنواتٍ، وكان يبدو عليه كأنّه نسي ما كان بيني وبينه من هذا الموضوع، فأخذ يدّعي أن صدر المتألِّهين لم يكن لديه شيءٌ من عنده، وإنّ كل ما صدر عنه لم يكن سوى استنساخ أفكار الآخرين، وبدأ بذكر أسماء عدد من الكتب التي ادّعى أن صدر المتألِّهين قد انتحل منها، فتعجَّبت من كلامه، وقلت له: إنه لغريب منك أن تتبجّح أمامي باتهام صدر المتألِّهين بالانتحال، استناداً إلى كلماتٍ سرقتها منّي! فبان الغضب على وجهه ولم يجِدْ جواباً. وبعد ذلك شرع الأستاذ مشكاة البيرجندي بالحديث عن الإبداعات التي تفرَّد بها صدر المتألِّهين؛ ليثبت بطلان دعوى الآغا ضياء الدين الدري في القول: «لم يكن لصدر المتألِّهين من إبداع سوى النقل عن الآخرين»! ثمّ استطرد قائلاً: يقوم أسلوب صدر المتألهين ـ في أكثر الأبحاث ـ على بيان آرائه، ودعمها بالأدلة والبراهين، ثمّ يستعرض أقوال العلماء الموافقة أو المخالفة له، ويستفيد منها في تأييد ودعم آرائه الخاصّة، أو يعمل على تأويلها، لتنسجم مع آرائه وأقواله([17]).

 

ب ـ جواب الأستاذ مهدي إلهي قمشه إي ــــــ

كتب الأستاذ الكبير مهدي إلهي قمشه إي شرحاً على كتاب فصوص الحكم المنسوب إلى الفارابي. وفي الأعوام التي كان لنا شرف الحضور عنده استجاب لرجائنا في دراسة هذا الكتاب على يدَيْه. وفي مقدّمة الدرس تطرق الحديث إلى شروح فصوص الحكم، وذكر سماحته شرح الأمير إسماعيل شنب الغازاني، وقال: «إن الآغا ضياء الدين الدري في جميع مواطن ترجمته لفصوص الحكم كان ناظراً إلى شرح شنب الغازاني، وفي بعض الموارد نجده يكرِّر الأخطاء التي وقع فيها شنب الغازاني». وقد التفت غيره من شرّاح فصوص الحكم إلى هذه الظاهرة أيضاً([18]). ومع ذلك لا نجد من الآغا ضياء الدين الدري أدنى إشارة إلى المصدر الذي اعتمده في ترجمة كتاب فصوص الحكم أبداً.

أجل، إن هذا الرجل الذي يتّهم صدر المتألِّهين زوراً بعدم ذكر مصادره، ويصدر إدانته بحقه، هذا هو سلوكه. والآن كي يتّضح الأمر جليّاً سوف نأخذ صفحتين من كتابه فقط (لا أكثر) لنقارنهما بشرح شنب الغازاني، ونترك الحكم إلى القارئ الكريم. وقبل ذلك لا بُدَّ من التنويه إلى أن العبارات العربية التي سنعلمها بالحرف (ش)، مع ذكر رقم الصفحة إلى جانبها، تعود إلى شرح شنب الغازاني على فصوص الحكم، وأما العبارات الفارسية التي سنعلمها بالحرف (د)، مع ذكر الصفحة إلى جانبها، فهي مأخوذة من ترجمة الآغا ضياء الدين الدري [التي يفترض أن تكون ترجمة لفصوص الحكم، وليس للشرح الذي كتبه الأمير إسماعيل شنب الغازاني على فصوص الحكم].

 

مقارنة ترجمة الفصوص لضياء الدين الدري بشرح الفصوص لشنب الغازاني ــــــ

«وملخصه: إن ماهية الإنسان لو كانت عين وجوده لكان العلم بالإنسان هو العلم بوجوده. وليس كذلك؛ إذ كثيراً ما نتصوَّر الإنسان ولا يخطر ببالنا معنى الوجود وحيثيته» (ش 14).

(حاصل دليل أو: أگر ماهيت إنسان عين وجود أو باشد بايد هر گاه ما علم به إنسان پيدا كرديم علم به وجود أو هم پيدا كنيم؛ وحال آن كه چنين نيست، چه بسا ما تصور إنسان را مي كنيم، ولكن وجود وحيثيت أو به ذهن ما خطور نمي كند) (د 9).

«لو كانت الماهية عين الهويّة لكان كلّ تصور للماهية يستدعي تصديقاً بوجودها؛ لأن تصور الماهية على هذا التقدير هو بعينه تصوّر الوجود. فكما أن تصور العقل مثلاً يكفي في العلم بأنه عقلٌ، من غير استعانةٍ بشيء؛ إذ ثبوت الشيء لنفسه بيِّنٌ، كذلك يلزم أن يكفي في العلم بكونه موجوداً؛ لأنه عينه، على هذا الفرض. وليس كذلك؛ إذ قد يحتاج العلم به إلى براهين كثيرة المقدّمات. ولم يبيِّن استحالة كون الماهية داخلة في الهوية، مع أن الدعوى شاملة لها أيضاً؛ اكتفاءً بالبيان الذي سيذكره في استحالة كون الهوية داخلة فيه» (ش 14 ـ 15).

(أگر ماهيت إنسان عين هويت أو بود لازم مي آيد كه هر ماهيتي را كه تصوّر كنيم حكماً بايد تصديق به وجود أو هم بكنيم. به جهت آن كه تصوّر ماهيت ـ بنا بر إين ـ بعينه همان تصوّر وجود أوست، زيرا كه إثبات چيزي براي خود ظاهر ومعلوم است، ديگر محتاج به دليل وبرهان نيست. حال آن كه تصديق به وجود إنسان ـ بنا بر إين فرض ـ محتاج به دليل وبرهان است. بدان كه مصنّف محال بودن دخول ماهيت را در هويّت بيان نكرده است؛ براي آن اكتفا كرده است به دليل محال بودن دخول هويت در ماهيت) (د 9).

«لا يمكن أن تكون الهوية داخلة في ماهية هذه الأشياء، وإلاّ لكان الوجود مقوماً لا يستكمل تصور الماهية دونه. وليس كذلك؛ إذ الماهيات المعقولة يتمّ تصوّرها بدون الوجود واعتباره، فلا يكون جزءاً لشيءٍ منها» (ش 15).

(ممكن نيست كه هويت داخل در ماهيت أشيا باشد؛ زيرا كه در إين صورت لازم مي آيد وجود مقوّم ماهيات باشد، وتصوّر ماهيات تماميت نپذيرد مگر با تصور وجود، وحال آن كه چنين نيست؛ زيرا كه ماهيات معقوله تصورات آن ها تماميت پيدا مي كند بدون وجود واعتبار أو، پس معلوم شد كه نمي تواند جزء آن ها باشد)(د 9 ـ 10).

«لو كان الوجود داخلاً في الماهية يستحيل رفعه عن الماهية توهُّماً، أي لما أمكن أن يتوهّم رفع الوجود مع بقاء الماهية ـ كالواحد للاثنين ـ؛ إذ لا يمكن أن يتوهّم ارتفاع الواحد مع بقاء ماهية الاثنين. وليس كذلك» (ش 16).

(أگر وجود داخل در ماهيّت بود لازم مي آيد كه محال باشد ـ بر حسب توهّم ـ رفع وجود أز ماهيت، يعنى ممكن نبودن وجود را با باقي بودن ماهيت، مانند: واحد واثنين، كه ممكن نيست توهّم نبودن واحد با بقاي اثنين. وحال آن كه چنين نيست) (د 10).

«تلخيص هذا الدليل: إن الوجود لو كان جزءاً من الماهية لوجب أن يحصل لنا التصديق بوجودها عند تصوّرها. وليس كذلك» (ش 17 ـ 18).

(حاصل دليل آن كه أگر وجود جزء ماهيت بود واجب بود براي ما هر گاه تصوّر ماهيت إنسان را كرديم تصديق به وجود أو هم بكنيم. حال آن كه چنين نيست) (د 10).

هذا ويمكن لكم مراجعة سائر صفحات ترجمة الآغا ضياء الدين الدري لفصوص الحكم، ويمكن لكم أن تضعوها إلى جانب شرح الأمير إسماعيل شنب الغازاني؛ لتدركوا أنه قلما استغنى عن هذا الشرح في ترجمته المذكورة، دون أن يشير ولو مرّةً واحدة إلى فضل شنب الغازاني عليه في إنجاز هذه الترجمة. ومع ذلك نجده، رغم هذا الأسلوب الذي اتّبعه (في رعاية الأمانة وعدم التجاوز على حقوق الآخرين)، يتّهم صدر المتألِّهين بما لم يقترفه من التجاوز على حقوق الآخرين، ويدينه على ذلك، وبذلك يصدق عليه قول الشاعر:

يا أيُّها الرجل المعلِّم غيره *** هلاّ لنفسك كان ذا التعليم؟

في ما يتعلَّق بأسلوب الآغا ضياء الدين الدري أيضاً ــــــ

لم يقتصر الآغا ضياء الدين الدري في تهمة الانتحال على صدر المتألِّهين فقط، وإنما ذهب في هذا الاتّهام إلى أبعد من ذلك، فاتّهم القوشجي، وشمس الدين الشهرزوري، والملا مظفر الگنابادي، والإمام الغزالي، وغيرهم، بهذا الاتّهام أيضاً. في حين أنه في الوقت نفسه يذكر الكثير من الهوامش في ترجمته لنزهة الأرواح تتميماً لما جاء في النصّ، وهي بأجمعها مسائل في بيان سيرة حياة الحكماء وغيرهم من المشاهير، دون أن يذكر المصادر التي اعتمد عليها في ذلك، من أمثال: ماسر جويه (ج 2، ص 3)، وخالد بن يزيد (المصدر)، والمأمون (ج 1، ص 8؛ ج 2، ص 10 ـ 11)، والميرداماد، وابن كمونة (ج 1، ص 11)، والمهدي العباسي، والمنصور العباسي (ج 2، ص 4 و8 و9)، وصدر المتألِّهين، والحكيم السبزواري، وابن رشد (ج 2، ص 163 ـ 169)، وصدر الدشتكي، والدواني (ج 2، ص 176 ـ 177)، وصاحب الروضات، والقفطي، وابن أبي أصيبعة (ج 1، ص 2 ـ 3)، والمكتفي العباسي (ج 2، ص 22)، وحبيش (ج 2، ص 24)، وثابت بن قرّة، ومحمد بن جابر، والمعتضد العباسي (ج 2، ص 52)، وأبو الصقر إسماعيل (ج 2، ص 62)، وعليّ بن عيسى (ج 2، ص 27 ـ 82)، ومحمد بن زكريا (ج 2، ص 92)، وأبو الخير بن الخمار (ج 2، ص 32 ـ 33)، ومتّى بن يونس (ج 2، ص 53)، والكندي (ج 2، ص 44)، وابن الهيثم (ج 2، ص 35)، وابن أعلم (ج 2، ص 55)، وأبو سهل المسيحي (ج 2، ص 58 ـ 59)، ويحيى بن عدي (ج 2، ص 60 ـ 61)، وبهمنيار (ج 2، ص 16)، والراغب (ج 2، ص 69 ـ 70)، والخيام (ج 2، ص 37)، وأحمد السرخسي (ج 2، ص 67)، وأبو الصلت الإشبيلي (ج 2، ص 80 ـ 81)، وأبو الحسن بن تلميذ (ج 2، ص 48)، وابن العميد (ج 2، ص 59)، وابن مسكويه (ج 2، ص 89)، وأبو البركات (ج 1، ص 101 ـ 102)، وإسماعيل الجرجاني (ج 2، ص 118)….

وهكذا الأمر بالنسبة إلى الكثير من المسائل المتعلِّقة بالمعتزلة والأشاعرة وعلم الكلام (ج 2، ص 5 ـ 7)، وما كتبه في مقدّمة الجزء الأول بشأن اليونان والفلاسفة الإغريقيين (ص 13 ـ 27).

وهنا يحقّ للقارئ أن يسأل الآغا ضياء الدين الدري: هل حصلت على هذه المعلومات من طريق الكشف والإشراق والشهود، أم من خلال الاعتماد على المصادر والمراجع؟

أما الشقّ الأول فهو ينفيه بشكلٍ حاسم؛ وذلك لأنه يعارض حكمة الإشراق بشدّة! (ج 1، ص 9 ـ 10)؛ وإنْ كان الصحيح هو الشقّ الثاني، فلماذا لم يذكر مصادر معلوماته؟! هل يريد أن ينسب آراء الآخرين إلى نفسه، كما أراد أن ينسب ذلك إلى صدر المتألِّهين والغزالي وغيرهما؟

 

كلمةٌ أخيرة ــــــ

إلى جانب التُّهَم والانتقادات الاعتباطية الصادر ضد صدر المتألِّهين من قبل المقلِّدين المناهضين له، نجد أن الذي يؤذي روح كلّ حكيم لوذعي ـ من أمثال: صدر المتألِّهين ـ هو أن يشهد بعض المقلِّدين في عصرنا، بدلاً من توظيف طاقتهم في نقد آرائه وآراء غيره من الحكماء، يسعى إلى التشبُّث بالقشور، ويترك اللباب، الذي ضحّى بوجوده، وتحمّل المصائب والمحن، من أجل إيصاله إلى الأجيال اللاحقة. وبذلك فإن هؤلاء الناقدين يسيئون الصنع، وهم يحسبون أنهم يحسون صنعاً، وبذلك ينطبق عليهم الحديث القائل: «السائر على غير هدىً لا تزيده كثرة المسير إلاّ بُعْداً».

 

الهوامش

(*) أستاذٌ جامعي متخصِّص في مجال الدراسات الفلسفية و…

([1]) انظر: أكبر ثبوت، پيام فيلسوف: 15 ـ 32.

([2]) انظر: المصدر السابق: 2 ـ 71، 88 ـ 92، 8 ـ 97.

([3]) انظر: المصدر السابق: 320 ـ 324؛ كتاب ماه فلسفه، السنة الثانية، العدد 15: 34 ـ 37، السنة الرابعة، العدد 41: 51 ـ 54.

([4]) انظر: الآغا محمد علي، خيراتيه 2: 308؛ الآغا محمد جعفر، فضائح الصوفية: 180 ـ 191. وفي كلا المصدرين إسناد إلى أسفار صدر المتألِّهين، ونقل صفحات متعدِّدة عنه.

([5]) انظر: زندگي نامه أبو الحسن الشعرائي، سلسلة مقالات ورسائل: 121 ـ 130.

([6]) للمزيد من التفصيل انظر: تاريخ حكما وعرفاي متأخِّر بر صدر المتألِّهين: 23 ـ 24.

([7]) انظر: مصنَّفات ميرداماد 1: 597.

([8]) المصدر نفسه.

([9]) الشيخ فضل الله النوري، محمد تركان 1: 321 ـ 328.

([10]) صدر الدين الشيرازي، تفسير القرآن الكريم 6: 13، بيدار، ط2، 1366هـ.ش.

([11]) صدر الدين الشيرازي، شرح أصول الكافي 2: 135 ـ 136، تصحيح: محمد خواجوي، مؤسسة مطالعات وتحقيقات فرهنگي، طهران، 1360هـ.ش.

([12]) رساله سه أصل: 16 ـ 18.

([13]) صدر الدين الشيرازي، تفسير القرآن الكريم 3: 229 ـ 230.

([14]) فصلية فرهنگ أنديشه، السنة الثانية، العدد 5: 283 ـ 287، 296، مقال: تشيُّع ومشروطيَّت در إيران، بقلم: آيت قنبري؛ مدرس 2: 311.

([15]) انظر: كنـز الحكمة: 157 ـ 162.

([16]) كنـز الحكمة، مقدّمة الآغا ضياء الدين الدري: 5 ـ 7.

([17]) انظر: الأستاذ مشكاة. وقد تمّ ذكر هذا الأمر في مقدّمة المحجّة البيضاء للفيض الكاشاني 1: 10 ـ 17، دون التصريح باسم الآغا ضياء الدين الدري.

([18]) انظر: حسن حسن زاده آملي، نصوص الحكم على فصوص الحكم: 221، 223، مع مقارنتها بترجمة الآغا ضياء الدين الدري: 37 ـ 38.