دور الاجتهاد في التقريب بين المذاهب الإسلامية

د. الشيخ مجيد شاكر سلماسي(*)

ترجمة: مرقال هاشم

المقدّمة

الاجتهاد مشتقٌّ من «الجهد»، بمعنى بذل الوسع والمجهود في طلب الأمر([1]). والاجتهاد مصطلحٌ مشترك بين المسلمين، يعني بذل غاية الجهد من أجل تحصيل الظنّ بالحكم الشرعي([2]). وهناك مَنْ عرّف الاجتهاد بمعنى تحصيل الحجّة على الحكم الشرعي، أو تحديد الوظيفة العملية([3]).

وهناك معنىً آخر للاجتهاد هو حجّةٌ عند أهل السنّة فقط. وهذا الاجتهاد الخاصّ يعني التشريع ووضع القوانين من قِبَل الفقيه عند فقدان النصّ، ومصداقُه الواضح هو القياس([4]). إن هذا المعنى من الاجتهاد لا تثبت له الحجّية عند الشيعة، بل هناك روايات عن أئمّة الشيعة في إنكار الاجتهاد بالمعنى الخاصّ الذي يعني الرأي والقياس. وقال بعض فقهاء الشيعة: «الاجتهاد: افتعال من الجهد… وهو في عرف الفقهاء: بذل الجهد في استخراج الأحكام الشرعية. وبهذا الاعتبار يكون استخراج الأحكام من أدلة الشرع اجتهاداً…، سواء كان ذلك الدليل قياساً أو غيره، فيكون القياس على هذا التقرير أحد أقسام الاجتهاد. فإنْ قيل: يلزم على هذا أن يكون الإمامية من أهل الاجتهاد، قلنا: الأمر كذلك، لكنْ فيه (إيهامٌ) من حيث إن القياس من جملة الاجتهاد، فإذا استثنى القياس كنّا من أهل الاجتهاد في تحصيل الأحكام بالطرق النظرية التي ليس أحدها القياس [وبذلك يتّحد تعريف الاجتهاد عند الشيعة وأهل السنّة]([5])»([6]).

 

مسار تطوّر الاجتهاد في الإسلام

ليس الاجتهاد أمراً مستحْدَثاً، بل هو ضاربٌ بجذوره في عمق التعاليم الإسلامية. إن الاجتهاد هبةٌ من الله تعالى للمسلمين منذ عصر النبيّ الأكرم|. وهناك الكثير من الأدلة والشواهد من الروايات والأحاديث في هذا الشأن.

إن هذا العنوان (مسار تطوّر الاجتهاد في الإسلام) سوف يبحث في التقارير التاريخية والروائية. إن أوّل استعمالٍ لمفردة الاجتهاد بمعنى استنباط الحكم الشرعي يعود إلى عهد الخليفة الأول. وقد قال السيد الشهيد محمد باقر الصدر في هذا الشأن: «قد استعملت هذه الكلمة [الاجتهاد] ـ لأوّل مرّة ـ على الصعيد الفقهي للتعبير بها عن قاعدة من القواعد التي قرّرتها بعض مدارس الفقه السنّي، وسارت على أساسها، وهي القاعدة القائلة: «إن الفقيه إذا أراد أن يستنبط حكما شرعياً، ولم يجِدْ نصّاً يدلّ عليه في الكتاب أو السنّة، رجع إلى الاجتهاد، بَدَلاً عن النصّ»»([7]).

إن روايات حثّ المسلمين على الإفتاء وتفريع الأصول، وكذلك ضرورة التفقّه في الدين، دليلٌ مُحْكَم على مشروعية ومقبولية الاجتهاد في تعاليم الإسلام. قال الإمام الباقر×، مخاطباً أبان بن تغلب: «اجلس في مسجد المدينة، وأَفْتِ الناس؛ فإني أحبّ أن يُرى في شيعتي مثلك»([8]).

وروى أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الإمام الرضا× أنه قال: «علينا إلقاء الأصول، وعليكم التفريع»([9]).

وعن عليّ بن حمزة قال: سمعتُ الإمام الصادق× يقول: «تفقّهوا في الدين؛ فإنه مَنْ لم يتفقَّه منكم فهو أعرابيٌّ؛ إن الله ـ عزَّ وجلَّ ـ يقول في كتابه: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: 122)»([10]).

وعن أبي سعيد الخدري قال: «خرج رجلان في سفرٍ، فحضرت الصلاة، وليس معهما ماء، فتيمّما صعيداً طيباً، فصلّيا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يُعِدْ الآخر، ثمّ أتيا رسول الله|، فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يُعْدِ: أصبْتَ السنّة وأجزأتك الصلاة، وقال للذي توضّأ وأعاد: لك الأجر مرّتين»([11]).

و«عن زرارة، عن حمران قال: قال لي أبو عبد الله×: إن في كتاب عليّ×: إذا صلّوا الجمعة في وقتٍ فصلّوا معهم. قال زرارة: قلتُ له: هذا ما لا يكون. اتّقاك. عدوّ الله أقتدي به! قال حمران: كيف اتّقاني وأنا لم أسأله، هو الذي ابتدأني، وقال: في كتاب عليٍّ×: إذا صلّوا الجمعة في وقتٍ فصلّوا معهم، كيف يكون في هذا منه تقية؟! قال: قلتُ: قد اتّقاك، وهذا ما لا يجوز، حتّى قضي انا اجتمعنا عند أبي عبد الله× فقال له حمران: أصلحك الله، حدثت هذا الحديث الذي حدّثتني به أن في كتاب عليّ×: إذا صلوا الجمعة في وقتٍ فصلّوا معهم، فقال هذا: لا يكون. عدوُّ الله فاسقٌ لا ينبغي لنا أن نقتدي به ولا نصلّي معه، فقال أبو عبد الله×: في كتاب عليٍّ×: إذا صلّوا الجمعة في وقتٍ فصلّوا معهم، ولا تقومنّ من مقعدك حتّى تصلّي ركعتين أخريين، قلتُ: فأكون قد صلّيتُ أربعاً لنفسي، لم أقْتَدِ به؟ فقال: نعم، قال: فسكتُّ، وسكت صاحبي، ورضينا»([12]).

وفي حديثٍ آخر: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضّال، عن الحسن بن جهم قال: قال لي أبو الحسن الرضا×: يا أبا محمد، ما تقول في رجلٍ يتزوج نصرانيةٍ على مسلمة؟ قلت: جعلت فداك، وما قولي بين يديك! قال: لتقولنّ، فإن ذلك يُعْلَم به قولي، قلتُ: لا يجوز تزويج النصرانية على مسلمة، ولا غير مسلمة، قال: ولِمَ؟ قلتُ: لقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (البقرة: 221)، قال: فما تقول في هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (المائدة: 5)؟ قلتُ: فقوله: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ نسخت هذه الآية، فتبسَّم، ثمّ سكت.

ففي هذه الرواية، رغم عدم إصابة الحسن بن جهم في استنباطه الفقهي؛ إذ هناك فرقٌ بين الخاصّ والعام، كما أن الآية الثانية قد نزلت بعد الآية الأولى، ولا يمكن للمتقدِّم أن ينسخ المتأخِّر، ولكنّ هذا المقدار يكفي للدلالة على أن الاجتهاد والاستنباط كان شائعاً بين أصحاب الأئمة، وأن الأئمة^ لم يكونوا يردعونهم عن ذلك، بل كانوا يحثّونهم ويشجّعونهم عليه.

كان الفضل بن شاذان من أصحاب الإمامين الرضا والجواد’، وموضع تأييدهما، كما ترحَّم عليه الإمام العسكري×، وله كتاب مشتملٌ على فتاواه الاجتهادية الممضاة من قِبَل الأئمة أيضاً([13]). وقد ذكرت بعض فتاواه في كتاب الكافي([14]). كما توجد هناك أمثلةٌ أخرى على اجتهادات أصحاب الأئمة في المصادر الروائية الشيعية المعتبرة([15]).

كان الأئمة المعصومون يعلِّمون أصحابهم المنهج والأسلوب الصحيح في الاجتهاد. وكان أحد الأصحاب، واسمه عبد الأعلى مولى آل سام، يقول: قلتُ لأبي عبد الله×: عثرتُ فانقطع ظفري، فجعلت على إصبعي مرارة، فكيف أصنع بالوضوء؟ قال: «يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عزَّ وجلَّ؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحجّ: 78)، امسَحْ عليه»([16]).

ومن الجدير بالذكر أن ما ورد في بعض الروايات، ويوحي في ظاهره شجباً للاجتهاد، إنما المراد منه هو خصوص القياس والرأي.

رُوي عن الإمام عليّ× أنه قال: «الدين ليس بالرأي، إنما هو الاتباع»([17]).

وقال الإمام الصادق× في ردّ الاجتهاد بمعنى الرأي والقياس: «إن علياً× أبى أن يدخل في دين الله الرأي، وأن يقول في شيءٍ من دين الله بالرأي والمقاييس»([18]).

وقد ذهب الأخباريون ـ استناداً إلى هذه الروايات ـ إلى الاعتقاد بحرمة الاجتهاد والتوقُّف في موارد روايات أهل البيت. وفي ذلك قال محمد أمين الأسترآبادي: «… عند قدماء أصحابنا الأخباريين ـ قدّس الله أرواحهم ـ، كالشيخين الأعلمين الصدوقين [الشيخ الصدوق والشيخ الطوسي]، والإمام ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني، كما صرّح به في أوائل كتاب الكافي، وكما نطق به باب التقليد وباب الرأي والمقاييس، وباب التمسّك بما في الكتب من كتاب الكافي، فإنها صريحةٌ في حرمة الاجتهاد والتقليد، وفي وجوب التمسّك بروايات العترة الطاهرة^ المسطورة في تلك الكتب المؤلَّفة بأمرهم»([19]).

وفي المذهب الفقهي لأهل السنّة يُعتَبَر الاجتهاد القائم على النصوص المعتبرة عندهم ـ بالإضافة إلى مشروعيته ومقبوليته ـ ضرورياً أيضاً. إن الروايات الواردة في المصادر الروائية لدى أهل السنّة كالتالي: «عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ [بن جبل]، عَنْ مُعَاذٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِﷺ بَعَثَ مُعَاذاً إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: «كَيْفَ تَقْضِي»؟ فَقَالَ أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللهِ، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللهِ»؟ قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِﷺ، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِﷺ؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي، قَالَ [رسول الله]: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ)»([20]).

وروي بشأن منهج أبي بكر أيضاً: «كان أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ إذا ورد عليه خصم نظر في كتاب الله؛ فإنْ وجد فيه ما يقضي به قضى به بينهم؛ فإنْ لم يجِدْ في الكتاب نظر هل كانت من النبيّﷺ فيه سنّة؛ فإنْ علمها قضى بها؛ وإنْ لم يعلم خرج فسأل المسلمين، فقال: أتاني كذا وكذا، فنظرت في كتاب الله وفي سنّة رسول اللهﷺ فلم أجِدْ في ذلك شيئاً، فهل تعلمون أن نبيّ اللهﷺ قضى في ذلك بقضاء؟ فرُبَما قام إليه الرهط فقالوا: نعم، قضى فيه بكذا وكذا، فيأخذ بقضاء رسول اللهﷺ»([21]).

وجاء في وصية الخليفة الثاني لشريح القاضي: «إذا جاءك أمر في كتاب الله ـ عزَّ وجلَّ ـ فاقْضِ به، ولا يلفتنَّك عنه الرجال؛ فإنْ أتاك ما ليس في كتاب الله فانظر سنّة رسول اللهﷺ فاقْضِ بها؛ فإن جاءك ما ليس في كتاب الله، ولم يكن فيه سنّة (من) رسول اللهﷺ، فانظر ما اجتمع عليه الناس فخُذْ به؛ فإنْ جاءك ما ليس في كتاب الله، ولم يكن فيه سنّة من رسول اللهﷺ، ولم يتكلَّم فيه أحدٌ قبلك، فاختَرْ أيّ الأمرين شئتَ»([22]).

وفي بعض الروايات أن العشرة من الصحابة ـ الذين يعتقد أهل السنّة أنهم من العشرة المبشَّرين بالجنة [العشرة المبشّرة] ـ كانوا يجتهدون في حياة النبيّ([23]).

لم يشهد تاريخ المذاهب الإسلامية الطويل غَلْقاً لباب الاجتهاد أبداً؛ إذ لم يكن الكلام والفقه الإسلامي يوماً ما خالياً من الاجتهاد والاستنباط. وكان هناك على الدوام جماعةٌ من العلماء المسلمين يرجعون في استنباط الأحكام والتعاليم الدينية إلى القرآن والسنّة والإجماع. إن الاجتهاد يكتسب المشروعية من خلال الرجوع إلى القرآن والسنّة والإجماع.

قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: 122).

كما أن سنّة رسول الله القائمة على بيان القرآن الكريم قد أضفَتْ المشروعية على الاجتهاد. فقد رُوي عن رسول الله من قِبَل الفريقين أنه قال: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ»([24]).

إن هذا البيان الصريح المأثور عن رسول الله يُعَدّ دليلاً على جواز الاجتهاد في كلّ زمانٍ لحلّ المشاكل والمعضلات الفقهية والعقائدية للمسلمين. وعندما يكون الاجتهاد مشروعاً، ويتمّ إمضاؤه من قبل الشارع، عندها يكون الاختلاف في الآراء على أساس الضوابط الشرعية مقبولاً، ولازم ذلك احترام آراء الآخرين.

الاجتهاد خارج دائرة الفقه والأصول

كما تقدَّم أن أشَرْنا فإن مشروعية الاجتهاد في التعاليم الدينية أمرٌ ثابت. إن مشروعية الاجتهاد جاريةٌ في جميع العلوم الإسلامية النقلية، من قبيل: الفقه والعقائد والتاريخ والتفسير. يتكفّل الاجتهاد بمهمة استنباط الأحكام الشرعية من المصادر الدينية المعتبرة. إن حصر هذه المسؤولية بالفقه لا يبدو منطقياً؛ إذ لو كان دليل حصر الاجتهاد بالفقه هو الرواية القائلة: «عن عليّ بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، عن حريز، عن زرارة قال: سألتُ أبا عبد الله× عن الحلال والحرام؟ فقال: حلال محمد حلالٌ أبداً إلى يوم القيامة، وحرامه حرامٌ أبداً إلى يوم القيامة، لا يكون غيره، ولا يجيء غيره»([25]) لم يكن ذلك دليلاً كافياً؛ لأن هذه الرواية تشمل الفقه أيضاً، بمعنى أن الاجتهاد ـ طبقاً لهذه الرواية ـ إذا لم يكن جائزاً لن يكون جائزاً في الفقه أيضاً؛ وإذا كان الاجتهاد جائزاً في الفقه كان جائزاً في العقائد والتاريخ والتفسير أيضاً. يُضاف إلى ذلك أن الاجتهاد في الكلام لن يكون اجتهاداً في الأمور الثابتة والبديهية، من قبيل: أصل التوحيد أو النبوّة، حتّى يؤدّي إلى تجاهل الأصول والبديهيات الدينية، بل الاجتهاد الكلامي عبارةٌ عن إرجاع الفروع إلى الأصول، كما هو الحال في الفقه أيضاً. وعليه يتّضح أن الاجتهاد في الكلام لا يعني عدم الثبات في العقائد، ولا ينافي الرواية القائلة: «حلال محمد حلالٌ أبداً إلى يوم القيامة، وحرامه حرامٌ أبداً إلى يوم القيامة»([26]).

وعلى الرغم مما يبدو من أن الحديث عن الاجتهاد خارج دائرة الفقه حديثٌ جديد، بَيْدَ أن الحقيقة هي أن الاجتهاد في الكلام والتاريخ ليس أمراً جديداً، بل كان قائماً منذ صدر الإسلام. وإن المصداق التاريخي للاجتهاد في الكلام هو كتاب «تصحيح الاعتقاد»، للشيخ المفيد. وهو على ما يبدو شرحٌ نقديٌّ لكتاب عقائد أستاذه الشيخ الصدوق. يمكن اعتبار كتاب «تصحيح الاعتقاد» رسالةً اعتقادية للشيخ المفيد، كما أن رسالة الاعتقاد هي رسالة اعتقادية للشيخ الصدوق. لقد ذكر الشيخ المفيد في كتابه «تصحيح الاعتقاد» فهمه واستنباطه، واعتبر بعض استنباطات الشيخ الصدوق غير صائبة.

على الرغم من اختلاف المسلمين في فهم واستنباط المسائل الكلامية والفقهية والتفسيرية والحديثية وما إلى ذلك، إلاّ أنهم كانوا متّفقين في المسائل الجوهرية، من قبيل: التوحيد، والنبوّة، والمعاد. يمكن مشاهدة الاختلاف في الاستنباط على أساس هذه المعتقدات الجوهرية ضمن كلّ مذهبٍ فقهي وكلامي أيضاً، حيث يعرف هذا الاختلاف بالاجتهاد. إن الاجتهاد عمليةٌ تقوم على أساس المنطق والعقل المؤيّد من قِبَل الإسلام.

إن الإسلام يولي الاجتهاد أهمّية كبيرة، بحيث إن المجتهد حتّى إذا أخطأ ـ دون عمدٍ أو كتمان للحقيقية ـ فإنه سيؤجر على ذلك، وفي ذلك قال رسول الله|: «مَنْ اجتهد فأصاب فله أجران، ومَنْ أخطأ فله أجرٌ واحد»([27]).

يرى العلاّمة شرف الدين أن اختلاف العلماء من الشيعة والسنّة هو من سنخ اختلاف المجتهدين في المذهب الواحد، الذي لا ينطوي على ملازمة التكفير وتفسيق أتباع هذه المذاهب من قِبَل الآخر([28]).

إن الاسلام، من خلال اعترافه بالاجتهاد في إطار الضوابط والقواعد الشرعية، قد احترم اختلاف الآراء أيضاً. ومن هنا يجب على المسلمين اعتبار تنوُّع الاجتهادات وتعدُّد الآراء أمراً طبيعياً، وأن يحترموا عقائد الآخرين.

لقد اعتبر الاجتهاد للوصول إلى مقام التفقّه وإنذار الآخرين ـ حتّى في عصر حياة رسول الله واتصاله بالوحي ـ واجباً دينياً، وعلى المسلمين أن يتمسّكوا به في جميع العصور. قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: 122). هناك مَنْ ذهب إلى القول بأن الاجتهاد في هذه الآية يختصّ بالأمور الاعتقادية والأخلاقية فقط([29]). بَيْدَ أن الاجتهاد في هذه الآية يشمل جميع التعاليم الدينية([30]). إن هذه الآية بصدد بيان ضرورة الاجتهاد في التعاليم الدينية، واتّساع رقعة ودائرة الاجتهاد طبقاً لما تقتضيه المرحلة الزمنية التي يعيشها الإنسان([31]).

إن الآية 122 من سورة التوبة تمثِّل دليلاً على مشروعية الاجتهاد وجواز التقليد وحجّية قول المجتهد. إن هذه الآية أمرَتْ في المرحلة الأولى بالنفر والهجرة وشدّ الرحال؛ لطلب العلوم والتعاليم الدينية، وفي المرحلة التالية أمرَتْ بالعودة ـ بعد تحصيل العلم ـ إلى أوطانهم وأهلهم والعمل على تحذيرهم وإنذارهم. وهذا يستلزم ثبوت الحجّية لقول المجتهد وفهمه على الناس، وأن يكون تقليد الناس للمجتهد مشروعاً. كما يدلّ صدر الآية على وجوب تحصيل العلوم الدينية.

وكما تقدّم أن ذكرنا فإن الآية 122 من سورة التوبة تدلّ على مشروعية الاجتهاد، ولكنْ لا يمكن أن نفهم منها حصر الاجتهاد بالفقه. من الواضح أن كلمة «ليتفقهوا» في هذه الآية ليس لها أيّ علاقة بالفقه المصطلح، بمعنى الأحكام العملية، سوى الاشتراك اللفظي، وإلاّ فإن المراد من «التفقُّه» في هذه الآية هو الفهم العميق للدين، الأعمّ من الفقه والعقيدة والتاريخ والتفسير.

لم يَرِدْ في أيٍّ من التفاسير القرآنية تفسير عبارة: «ليتفقهوا» بمعنى التعرُّف على علم الفقه، بل تمّ تفسيرها بمعنى «العلم الديني العميق»، أو «معرفة الدين»([32]).

ناظر هشام بن سالم رجلاً شامياً، بأمرٍ من الإمام، في موضوع علم الكلام، وبعد انتهاء المناظرة، حيث اعتنق الشاميّ الإسلام، «التفت أبو عبد الله× إلى حمران فقال: تجري الكلام على الأثر فتصيب، والتفت إلى هشام بن سالم فقال: تريد الأثر ولا تعرفه، ثمّ التفت إلى الأحول فقال: قياس رواغ، تكسر باطلاً بباطلٍ، إلاّ أن باطلك أظهر، ثم التفت إلى قيس بن الماصر فقال: تتكلَّم وأقرب ما تكون من الخبر عن رسول الله| أبعد ما تكون منه، تمزج الحقّ مع الباطل، وقليل الحقّ يكفي عن كثير الباطل، أنت والأحول قفّازان حاذقان. قال يونس [راوي الحديث]: فظننتُ والله أنه يقول لهشام قريباً ممّا قال لهما، ثم قال: يا هشام، لا تكاد تقع، تلوي رجلَيْكَ إذا همَمْتَ بالأرض طِرْتَ، مثلك فليكلِّم الناس، فاتَّقِ الزلّة، والشفاعة من ورائها إنْ شاء الله»([33]).

إن هذه الرواية، بالإضافة إلى دلالتها على مشروعية الاجتهاد في الكلام، تدلّ كذلك على عدم حصر الاجتهاد في دائرة الفقه. إن أدلة مشروعية الاجتهاد في الإسلام تشمل الفقه والاعتقاد والتفسير والتاريخ، بمعنى أن الاجتهاد إذا كان مشروعاً فهو مشروعٌ في جميع المجالات الدينية، وإذا لم يكن الاجتهاد في العقائد والتاريخ مشروعاً فهو غير مشروع في الفقه أيضاً.

إن الاجتهاد في العقائد لا يعني الاجتهاد في الأصول وتجاوز الخطوط الإسلامية الحمراء. كما أن الاجتهاد في الفقه لا يعني الاجتهاد في أصل وجوب الصلاة والصوم والحجّ وسائر الفروع الفقهية الأخرى.

إذا آمنّا بمسألة الاجتهاد فإن الاختلاف المذهبي بين المسلمين سوف يتحوَّل من ظاهرةٍ مذمومة إلى ظاهرةٍ ممدوحة تنطوي على حيوية الدين. ولربما لو اتّسعت رقعة الاجتهاد لتشمل دائرة الكلام والتاريخ قد لا نشهد النزاعات والصراعات بين أتباع المذاهب الإسلامية. فلو كانت مشروعية الاجتهاد في المسائل الدينية شاملة فإن كلام واعتقاد أيّ شخصٍ لن ينطوي على ما يوجب القلق والنزاع، بل إن اختلاف العلماء سيتحوَّل إلى مناظراتٍ علمية.

ضرورة إيجاد العذر لمَنْ يخالف مشروعية الاجتهاد

يحظى مصطلح التصويب والتخطئة في الاجتهاد بأهمّية بالغة. طبقاً لنظرية التصويب يكون اجتهاد واستنباط كلّ واحد من المجتهدين حقّاً ومطابقاً للواقع، وأما طبقاً لنظرية التخطئة فهناك إمكانٌ للخطأ في الاستنباط والاجتهاد.

هناك عددٌ من علماء أهل السنّة، وكذلك علماء الشيعة، يذهبون ـ على أساس نظرية التخطئة ـ إلى القول بأن واحداً من آراء المجتهدين هو الحقّ والمطابق للواقع على نحو الإجمال([34]).

ويبدو أيضاً أن دليل نظرية التخطئة ـ على ما أشار الشيخ الطوسي([35]) ـ هو قاعدة اللطف، بمعنى أنه يجب على الشارع لتقريب الناس من الطاعة وإبعادهم عن المعاصي أن يبيِّن لهم الحكم الواقعي.

هناك من علماء السنّة مَنْ قال بالتصويب، حتّى في المسائل الكلامية أيضاً([36]). في المسائل الكلامية يستحيل القول بالتصويب؛ إذ في المسائل الاعتقادية لا يكون الواقع تابعاً لاعتقاد وإيمان المكلَّف، بل الإيمان والاعتقاد هو التابع للواقع والحقيقة.

إن كلمات أئمة المذاهب الفقهية لأهل السنّة في إمكان خطئهم الاجتهادي تمثِّل دليلاً واضحاً على عدم صوابية القول بالتصويب.

يقول مالك بن أنس: «إنما أنا بشرٌ أصيب وأخطئ؛ فاعرضوا قولي على الكتاب والسنّة»([37]).

وقال أبو حنيفة: «هذا رأيي، وهذا أحسن ما رأيت، فمَنْ جاء برأيٍ غير هذا قبلناه»([38]).

وقال الشافعي: «إذا صحّ الحديث بخلاف قولي فاضربوا بقولي الحائط»([39]).

وقال أحمد بن حنبل: «لا تقلِّد دينك الرجال؛ فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا»([40]).

يبدو أن مراد الذين ذكروا التصويب ـ ولا سيَّما في المسائل الكلامية ـ هو إعذار المخطئ؛ وذلك لأنه قد عمل على طبق تكليفه الشرعي في الوصول إلى الأصول الاعتقادية، ولكنْ غاية ما هناك أنه لم يُصِبْ الواقع والحقيقة.

وعلى أيّ حال هناك إمكانٌ للخطأ في الاجتهاد واستنباط الأحكام الدينية من الأدلة والمصادر الشرعية. وقد أمضى الشارع مشروعية الاجتهاد حتّى مع احتمال خطأ المجتهد. وعلى هذا الأساس لا مجال لمؤاخذة المجتهد إذا سار على وفق القواعد والضوابط الشرعية المتَّبعة في عملية الاجتهاد.

إن الطريق الوحيد في التعاطي مع الخطأ المحتمل هو القول بمعذورية المجتهد. وقد سبق أن ذكرنا في أكثر من موضعٍ من هذه المقالة أنه قد روى الفريقان ـ من الشيعة وأهل السنّة ـ أن رسول الله| قال: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ»([41]). وعليه فإن المجتهد الذي يخطئ عند اجتهاده في إصابة الحكم الواقعي يكون معذوراً أمام الله تعالى، فكيف لا يكون معذوراً عند الناس؟!

وهذا هو منطق القرآن الكريم، حيث يرى أجراً لكلٍّ من اليهود والنصارى إذا عبدوه بإخلاصٍ، بعيداً عن العناد والتقصير، وذلك إذ يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى‏ وَالصَّابِئينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيهْمْ وَلا هُمْ يحَزَنُونَ﴾ (البقرة: 62).

وقد ذهب العلامة الطباطبائي في تفسير هذه الآية إلى القول: «هذا مما تكرّرت فيه آيات القرآن أن السعادة والكرامة تدور مدار العبودية، فلا اسم من هذه الأسماء ينفع لتسميه شيئاً، ولا وصف من أوصاف الكمال يبقى لصاحبه وينجيه، إلاّ مع لزوم العبودية»([42]).

وعلى الرغم من أن الاجتهاد منبثقٌ من التعاليم الإسلامية الأصيلة، وأن الاجتهاد كان جارياً منذ عصر النبيّ الأكرم| والأئمة الأطهار^، بَيْدَ أن الحقيقة هي أن الاجتهاد حصيلةُ اجتهاداتٍ شخصية للمجتهد، وإن الاجتهادات الشخصية لا تعصم من الخطأ. والمخطئ في الاجتهاد في التعاليم الدينية يعتبر معذوراً، بل له أجرٌ في مقابل اجتهاده.

الأحكام الفقهية للمخالفين عند فقهاء الشيعة

إن بحث ارتداد وكفر المخالف في المذهب كان على الدوام محطّ اهتمام علماء جميع المذاهب، وكان هذا السؤال ماثلاً أمام جميع المذاهب الإسلامية على الدوام: هل المخالف للمذهب، مع إيمانه بأصول الإسلام من التوحيد والمعاد والنبوّة، مسلمٌ أم كافر؟

كما كان هذا السؤال مطروحاً أمام المذهب الشيعي، وبين المتكلِّمين والفقهاء الشيعة من الطراز الأوّل: هل يعتبر أهل السنة، والذين ينكرون ولاية أمير المؤمنين×، من الكفّار والخارجين عن الملة والدين الإسلامي الحنيف أم هم مسلمون يجب احترام أموالهم وأرواحهم؟

ليس هناك اختلافٌ في تعريف الإسلام، وما هو المعيار الذي يكون الشخص على أساسه مسلماً؛ إذ يُجمع المسلمون على إسلام مَنْ ينطق بالشهادتين. قال رسول الله|: «فَإِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إِلَهَ إلاّ اللهُ؛ فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَ رَبَّهُمْ فَيُحَاسِبهُم‏»([43]).

وقال| في روايةٍ أخرى: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إِلَهَ إلاّ اللهُ، وَإِنِّي رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاة»([44]).

إن هذه الروايات تدلّ على أن مَنْ تلفّظ بالشهادتين، ولم يُنْكِرْ ضروريات الإسلام، بحيث يؤدّي ذلك إلى إنكار الرسالة، فهو مسلمٌ، ولا يحقّ لأحدٍ أن يكفّره.

كما يذهب الشيعة إلى الاعتقاد بأن الإسلام هو النطق بالشهادتين، وأن مَنْ شهد لله بالألوهية والوحدانية، ولمحمد بالرسالة، عصم ماله ونفسه، وكان حسابه على الله: «إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إِلَهَ إلاّ اللهُ، فَإِذَا قَالُوهَا فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَ َأَمْوَالَهُمْ إلاّ بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله»([45]).

وكما تقدَّم أن أشرنا فإن ظاهرة الخلاف المذهبي كانت ولا تزال محطّ اهتمام علماء وفقهاء الإسلام. وعلى الرغم من وضوح مسألة الإسلام وملاك الاتصاف بالإسلام، ولكنْ هناك في المصادر الروائية بعض الروايات التي تدلّ على تكفير المخالفين.

عند دراسة بعض الروايات التي تعتبر منكر العقائد الشيعية كافراً يمكن تقسيم هذه الطائفة من الروايات إلى قسمين:

أـ الروايات التي هي بصدد بيان مقام الإمامة والولاية، والإشادة برفيع وشموخ منزلتهما، من قبيل: الرواية التالية المأثورة عن الإمام الباقر×: «حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ الزِّيَادِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ× قَالَ: بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: عَلَى الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْوِلايَةِ، وَلَمْ يُنَادَ بِشَيْ‏ءٍ كَمَا نُودِيَ بِالْوِلايَةِ»([46]).

ب ـ الروايات التي تعرِّف بمنكري إمامة الأئمة^. وقد استعملت هذه الطائفة من الروايات مصطلحي «الكافر» و«المرتدّ» بشأنهم.

أما الرواية التي تثبت كفر من يخالف الإمامة فهي من قبيل:

ـ قَالَ رَسُولُ اللهِ|: «مَنْ مَاتَ لا يَعْرِفُ إِمَامَهُ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّة»([47]).

ـ أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنِ الْفُضَيْلِ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللهِ×: قَالَ رَسُولُ اللهِ|: «مَنْ مَاتَ لا يَعْرِفُ إِمَامَهُ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: جَاهِلِيَّةً جَهْلاءَ أَوْ جَاهِلِيَّةً لا يَعْرِفُ إِمَامَهُ؟ قَالَ جَاهِلِيَّةَ كُفْرٍ وَنِفَاقٍ وَضَلال‏»([48]).

ـ «مَنْ عرفنا كان مؤمناً، ومَنْ أنكرنا كان كافراً»([49]).

وأما الروايات الدالّة على ارتداد منكر الإمامة فهي من قبيل: الرواية المأثورة عن الإمامين الباقر والصادق’، والتي تقول: «إنَّهُ نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ×: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (المائدة: 45)»([50]).

وعلى الرغم من ظهور هذه الروايات في أن إنكار الإمامة يوجب الكفر والارتداد، وكأنّها ترى الإمامة من أصول الدين، فإنّه، بغضّ النظر عن تعارض هذه الروايات مع معيار الاتصاف بالإسلام من وجهة نظر القرآن، وتعارضها كذلك مع الروايات المتواترة، لا تدلّ على الكفر والارتداد دلالةً تامّة.

إن المعيار والملاك الذي يجعل من الشخص مسلماً ـ من وجهة نظر الإسلام ـ هو النطق بالشهادتين، وهما: «الشهادة لله تعالى بالوحدانية، والشهادة للنبيّ محمد| بالرسالة». وحيث إن الإسلام والإيمان أمرٌ ينطوي عليه القلب، ولا يعلمه سوى الله سبحانه وتعالى، فنحن مكلَّفون بالعمل على طبق ظاهر الشهادة. وإن كلّ مَنْ ينطق بهما جرَتْ عليه أحكام المسلم، ويتمتّع عندها بكامل حقوق الإنسان المسلم. وهذه المسألة تمثِّل حقيقة قرآنية ضاربة بجذورها في سنّة رسول الله| وسيرة الأئمة الأطهار^.

قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً﴾(النساء: 94).

وممّا ورد في سيرة رسول الله|: «لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ| مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ، وَبَعَثَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فِي خَيْلٍ إِلَى بَعْضِ قُرَى الْيَهُودِ فِي نَاحِيَةِ فَدَكٍ؛ لِيَدْعُوَهُمْ إِلَى الإِسْلامِ، وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُ: مِرْدَاسُ بْنُ نَهِيكٍ الْفَدَكِيُّ فِي بَعْضِ الْقُرَى، فَلَمَّا أَحَسَّ بِخَيْلِ رَسُولِ اللهِ| جَمَعَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَصَارَ فِي نَاحِيَةِ الْجَبَلِ، فَأَقْبَلَ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إلاّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ|، فَمَرَّ بِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللهِ| أَخْبَرَ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ|: قَتَلْتَ رَجُلاً شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إلاّ اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ؟! فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا قَالَ تَعَوُّذاً مِنَ الْقَتْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ|: فَلا شَقَقْتَ الْغِطَاءَ عَنْ قَلْبِهِ، وَلا مَا قَالَ بِلِسَانِهِ قَبِلْتَ، وَلا مَا كَانَ فِي نَفْسِهِ‏ عَلِمْتَ، فَحَلَفَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ لا يَقْتُلُ أَحَداً شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إلاّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ»([51]).

روى أَبُو عَلِيٍّ الأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ× قَالَ: «مَا شَهِدَ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ بِكُفْرٍ قَطُّ إلاّ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا؛ إِنْ كَانَ شَهِدَ عَلَى كَافِرٍ صَدَقَ، وَإِنْ كَانَ مُؤْمِناً رَجَعَ الْكُفْرُ عَلَيْهِ؛ فَإِيَّاكُمْ وَالطَّعْنَ عَلَى الْمُؤْمِنِين»([52]).

وقد ذهب فقهاء الشيعة؛ تَبَعاً للقرآن والسنّة، إلى اعتبار المعيار والملاك الإسلامي في الاكتفاء بالإقرار الظاهري. وفي ذلك يقول صاحب الجواهر: «الإسلام… عبارةٌ عن إظهار الشهادتين، والتلبُّس بشعار المسلمين، وإنْ كان باطنه واعتقاده فاسداً»([53]). كما يذهب المعاصرون من فقهاء الشيعة إلى الاعتقاد بـ «أن الكافر إذا نطق بالشهادتين صار مسلماً»([54]).

على الرغم من أن القرآن والروايات المتواترة تدلّ على عدم جواز التكفير أو التفسيق، بَيْدَ أنه يلوح من بعض الروايات تكفير المخالفين. إن هذه الروايات تنقسم إلى قسمين: الروايات التي تعتبر جميع الصحابة مرتدّين، سوى نزر قليل منهم؛ والروايات التي ترى كفر المنكرين للإمامة بالمعنى الذي يراه الشيعة.

وفي ما يلي سوف نذكر روايةً واحدة من كلّ قسمٍ من هذه الروايات، ثم نعمل على دراسة دلالتها.

1ـ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ×: «ارْتَدَّ النَّاسُ إلاّ ثَلاثَةُ نَفَرٍ: سَلْمَانُ وَأَبُو ذَرٍّ وَالْمِقْدَادُ. قَالَ [الراوي[: قُلْتُ: فَعَمَّارٌ؟ قَالَ: قَدْ كَانَ جَاضَ جَيْضَةً، ثمَّ رَجَعَ. ثُمَّ قَالَ: إِنْ أَرَدْتَ الَّذِي لَمْ يَشُكَّ وَلَمْ يَدْخُلْهُ شَيْ‏ءٌ فَالْمِقْدَادُ. فَأَمَّا سَلْمَانُ فَإِنَّهُ عَرَضَ فِي قَلْبِهِ أَنَّ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ× اسْمَ اللهِ الأَعْظَمَ لَوْ تَكَلَّمَ بِهِ لأخَذَتْهُمُ الأَرْضُ، وَهُوَ هَكَذَا، فَلُبِّبَ وَوُجِئَتْ عُنُقُهُ، حَتَّى تُرِكَتْ كَالسِّلْعَةِ، فَمَرَّ بِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ× فَقَالَ لَهُ: يَا أبَا عَبْدِ اللهِ، هَذَا مِنْ ذَاكَ، بَايِعْ، فَبَايَعَ. وَأَمَّا أَبُو ذَرٍّ فَأَمَرَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ× بِالسُّكُوتِ، وَلَمْ يَأْخُذْهُ فِي اللهِ لَوْمَةُ لائِمٍ، فَأَبَى إلاّ أَنْ يَتَكَلَّمَ، فَمَرَّ بِهِ عُثْمَانُ فَأَمَرَ بِهِ. ثُمَّ أَنَابَ النَّاسُ بَعْدَهُ. وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَنَابَ أَبُو سَاسَانَ الأَنْصَارِيُّ وَأَبُو عَمْرَةَ وَشُتَيْرَةُ، فَكَانُوا سَبْعَةً، وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ حَقَّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إلاّ هَؤُلاءِ السَّبْعَةُ»([55]).

2ـ عن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ× ـ فِي حَدِيثٍ ـ قَالَ: وَمَنْ جَحَدَ نَبِيّاً مُرْسَلاً نُبُوَّتَهُ وَكَذَّبَهُ فَدَمُهُ مُبَاحٌ. قَالَ: فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ جَحَدَ الإِمَامَ مِنْكُمْ مَا حَالُهُ؟ فَقَالَ: مَنْ جَحَدَ إِمَاماً مِنَ اللهِ وَبَرِئَ مِنْهُ وَمِنْ دِينِهِ فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ عَنِ الإِسْلامِ؛ لأَنَّ الإِمَامَ مِنَ اللهِ وَدِينَهُ مِنْ دِينِ اللهِ، وَمَنْ بَرِئَ مِنْ دِينِ اللهِ فَهُوَ كَافِرٌ، وَدَمُهُ مُبَاحٌ فِي تِلْكَ الْحَالِ، إلاّ أَنْ يَرْجِعَ وَيَتُوبَ إِلَى اللهِ مِمَّا قَالَ. وَقَالَ: وَمَنْ فَتَكَ بِمُؤْمِنٍ يُرِيدُ نَفْسَهُ وَمَالَهُ فَدَمُهُ مُبَاحٌ لِلْمُؤْمِنِ فِي تِلْكَ الْحَال»([56]).

قبل الخوض في بيان دلالة الروايات ونقدها يجب الالتفات إلى أن مصطلح الكفر والارتداد في القرآن والروايات قد ورد بمعانٍ مختلفة، وإن عدم الالتفات إلى هذه المعاني المختلفة يؤدّي بالشخص عند إصدار الحكم إلى الخلط والوقوع في الخطأ. وهناك روايةٌ مأثورة عن الإمام الصادق×، قد بيَّن فيها معاني الكفر، مستشهداً بالقرآن. وإليك نصُّها: «عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الزُّبَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ× قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنْ وُجُوهِ الْكُفْرِ فِي كِتَابِ اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ؟ قَالَ: الْكُفْرُ فِي كِتَابِ اللهِ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: فَمِنْهَا: كُفْرُ الْجُحُودِ، وَالْجُحُودُ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَالْكُفْرُ بِتَرْكِ مَا أَمَرَ اللهُ، وَكُفْرُ الْبَرَاءَةِ، وَكُفْرُ النِّعَمِ»([57]).

إن روايات الطائفة الأولى القائمة على ارتداد الناس بعد رسول الله|، باستثناء سلمان وأبي ذرّ والمقداد، لا تدلّ ـ على ما جاء في سياقها وتتمّتها ـ على الكفر الفقهي، بمعنى الكفر في مقابل الإسلام، وإنما هذه الرواية تعني الكفر في مقابل نعمة الإمامة والولاية. وهذا ما تؤيّده عبارة الإمام في ختام هذه الرواية، حيث يقول: «وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ حَقَّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إلاّ هَؤُلاءِ السَّبْعَةُ». يُضاف إلى ذلك أن هذه الرواية قد وردَتْ في باب فضائل الصحابة، وعليه فإنها لا تدلّ على الكفر بمعناه الفقهي والكلامي.

ومن خلال التدقيق في مضمون روايات الطائفة الثانية، والتي تقول: «مَنْ جَحَدَ إِمَاماً مِنَ اللهِ وَبَرِئَ مِنْهُ وَمِنْ دِينِهِ فَهُوَ كَافِرٌ»، فإذا كان الكفر في هذه الرواية بمعنى الكفر في مقابل الإسلام فمن الطبيعي أن يكون الشخص كافراً بالنظر إلى الشرائط المذكورة في هذه الرواية. ففي هذه الرواية تمّ تعليق الكفر على أربعة شروط، وهي: أوّلاً: أن يكون الإمام منصوباً من قبل الله؛ وثانياً: أن يعمد الشخص إلى إنكار الإمام؛ وثالثاً: أن يتبرّأ من الإمام؛ ورابعاً: أن يتبرّأ من دين الإمام.

وعليه فبالنظر إلى هذه الشرائط لا يذهب أحدٌ من علماء المسلمين ـ أيّاً كان مذهبه ـ إلى إنكار كفر مثل هذا الشخص؛ وذلك لأن الشرط الثاني، وهو إنكار الإمام المنصوب من قبل الله، يعني في الواقع إنكار الله. وأما إذا لم يتّضح لشخصٍ كون الإمام منصوباً من قبل الله، ولم ينكره عناداً وعصبية، فإن إنكاره لن يكون كفراً. كما أن الشرط الثالث، الذي هو البراءة من الإمام، ممّا لم يلتزم به أحدٌ حتّى الآن، سوى النزر اليسير من الفِرَق العثمانية والناصبية، وقد انقرضت هذه الفِرَق ولم يَعُدْ لها من وجودٍ، فليس هناك اليوم مسلمٌ يبرأ من أئمة الشيعة. وأما الشرط الرابع، وهو الأهمّ، فليس هناك في التاريخ مَنْ تبرّأ من دين أئمة الشيعة، الذي هو الدين الإسلامي الحنيف.

يضاف إلى ذلك أن هذه الروايات تتعارض مع آيات القرآن والروايات المخالفة لتكفير المسلمين. قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيََّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السََّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً﴾ (النساء: 94).

وعن عَلِيِّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَيْمَنَ، عَنِ الْقَاسِمِ الصَّيْرَفِيِّ شَرِيكِ الْمُفَضَّلِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ× يَقُولُ: «الإِسْلامُ يُحْقَنُ بِهِ الدَّمُ، وَتُؤَدَّى بِهِ الأَمَانَةُ، وَتُسْتَحَلُّ بِهِ الْفُرُوجُ، وَالثَّوَابُ عَلَى الإِيمَان»([58]).

سَأَلَ رَجُلٌ أَبَا عَبْدِ اللهِ× عَنِ الإِسْلامِ…؟ فَقَالَ: «الإِسْلامُ هُوَ الظَّاهِرُ الَّذِي عَلَيْهِ النَّاسُ: شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إلاّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَحِجُّ الْبَيْتِ، وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ. فَهَذَا الإِسْلامُ»([59]).

«إنَّ عَلِيّاً لَمْ يَكُنْ يَنْسِبُ أَحَداً مِنْ أَهْلِ حَرْبِهِ إِلَى الشِّرْكِ، وَلا إِلَى النِّفَاقِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَقُول: هُمْ إِخْوَانُنَا بَغَوْا عَلَيْنَا»([60]).

طبقاً للتعاليم الدينية يتحقّق الإسلام من خلال التلفُّظ بالشهادتين؛ فالذي ينطق بالشهادتين تجري عليه أحكام الإسلام، ولن يؤثِّر في ذلك انتماؤه المذهبي والفقهي والكلامي.

كما جَرَتْ سيرة أئمة الشيعة على مخالفة التكفير، بل كان الأئمة يتعاملون حتّى مع الذين جرَّدوا عليهم السيوف معاملة المسلمين، ولم يكفِّروا مسلماً على أساس اتجاهه الفكري والمذهبي، إلاّ إذا صدر عنه إنكارٌ أو عنادٌ يعود إلى إنكار الله أو رسوله.

خلاصةٌ واستنتاج

إن الاجتهاد في الإسلام ضاربٌ في القدم، حيث يعود إلى الرعيل الأول من الصحابة والتابعين.

والدليل على مشروعيته هو القرآن الكريم، وسنّة المعصومين^.

وإن الاجتهاد يستعمل بمعنيين: معنى عامّ؛ ومعنى خاصّ.

والاجتهاد بالمعنى الخاصّ هو القياس والرأي. وهو معتبرٌ عند أهل السنّة، وأما عند الشيعة فلا يعتبر إلاّ ضمن شروط خاصّة.

وأما الاجتهاد بالمعنى العامّ فهو استنباط التكليف المنجّز في حقّ المكلَّف. وهو مقبولٌ من قبل جميع المسلمين، وعلى أساسه يكون المجتهد مأجوراً في حكمه [أصاب الواقع أو أخطأ].

كان الصحابة ـ طبقاً للروايات المعتبرة عند أهل السنّة ـ يمارسون الاجتهاد بتشجيعٍ وإذن من النبيّ الأكرم|، وكذلك كان أصحاب الأئمة الأطهار^ ـ طبقاً للروايات الشيعية المعتبرة ـ يجتهدون بتشجيعٍ من الأئمة أنفسهم.

إن المجتهد إذا أصاب الواقع في اجتهاده كان له أجران، وأما إنْ أخطأ فله أجرٌ واحد فقط. وقد اتّفقت كلمة المسلمين على ذلك؛ فكان المجتهد عندهم مأجوراً على كل حالٍ. وبذلك يكون الاختلاف بين علماء المسلمين أمراً طبيعياً، ويقوم حلُّه على التماس العذر لأتباع جميع المذاهب الأخرى.

الهوامش

(*) باحثٌ في الحوزة العلميّة، وحائزٌ على الدكتوراه في علم الكلام الشيعيّ.

([1]) ابن منظور، لسان العرب، مادة (جهد)، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 2002م.

([2]) انظر: السيد المرتضى، الذريعة إلى أصول الشريعة 2: 188، تصحيح: أبو القاسم گرجي، انتشارات دانشگاه طهران، 1376هـ.ش.

([3]) انظر: العلاّمة الحلّي، مبادئ الوصول إلى علم الأصول: 240؛ مصباح الأصول 3: 434، المطبعة العلمية، قم، 1404هـ.

([4]) انظر: محمد تقي الحكيم، الأصول العامة للفقه المقارن: 385، المؤسسة الدولية للدراسات والنشر، بيروت، 1409هـ.

([5]) ما بين المعقوفتين إضافةٌ من عندنا؛ لبيان ما تصيَّده صاحب المقال من مضمون كلام المحقّق الحلّي. المعرِّب.

([6]) المحقّق الحلّي، معارج الأصول: 180، تحقيق: محمد حسين الرضوي، مؤسسة آل البيت^ لإحياء التراث، قم.

([7]) السيد محمد باقر الصدر، دروس في علم الأصول (الحلقة الأولى): 31، تحقيق: عبد الجواد إبراهيمي شاهرودي ومحسن غرويان، دارالعلم، قم، 1430هـ.

([8]) الطوسي، الفهرست: 17، المكتبة المرتضوية، النجف، 1359هـ.

([9]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة 27: 62، مؤسسه آل البيت^ لإحياء التراث، قم، 1409هـ.

([10]) المجلسي، بحار الأنوار 1: 215، ح19، مؤسسة الوفاء للطباعة والنشر، بيروت، 1410هـ.

([11]) سنن أبي داوود 1: 2 ـ 8، تحقيق: إبراهيم سيد، دارالحديث، القاهرة، 1999م.

([12]) الطوسي، تهذيب الأحكام 3: 28، تحقيق: حسن الموسوي الخراساني، دار ‌الکتب ‌الإسلامية، ‫طهران، 1364هـ.ش.

([13]) انظر: فهرست أسماء مصنِّفي الشيعة، المشتهر بـ (رجال النجاشي): 306، تحقيق: موسى شبيري الزنجاني، جماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم، قم، 1416هـ؛ الطوسي، الفهرست: 564؛ ابن شهرآشوب، معالم العلماء في فهرست كتب الشيعة وأسماء المصنّفين: 90، باب الفاء، الرقم 627، المطبعة الحيدرية، النجف، 1380هـ.

([14]) انظر: الكليني، الأصول من الكافي 6: 92، تحقيق: محمد باقر البهبودي وعلي أكبر الغفاري، المكتبة الإسلامية، طهران، 1382هـ.

([15]) انظر: المصدر نفسه.

([16]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 1: 464.

([17]) الميرزا النوري، مستدرك وسائل الشيعة 17: 347، مؤسسة آل البيت^ لإحياء التراث، بيروت، 1408هـ.

([18]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 27: 37.

([19]) محمد أمين الأسترآبادي، الفوائد المدنية: 40، تحقيق: رحمة الله رحمتي الآراكي، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1424هـ.

([20]) سنن الترمذي 3: 608، تحقيق: شاكر أحمد محمد، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، 1395هـ.

([21]) البيهقي، السنن الكبرى 10: 196، دار الکتب العلمية، بيروت، 1424هـ.

([22]) المصدر نفسه.

([23]) آغا بزرگ الطهراني، توضيح الرشاد في تاريخ حصر الاجتهاد: 90، مطبعة خيام، قم، 1401هـ.

([24]) انظر: زين الدين عليّ بن يونس العاملي النباطي البياضي، الصراط المستقيم إلى مستحقّي التقديم 3: 236، تحقيق: محمد باقر البهبودي، المرتضوية، طهران، 1384هـ.ش؛ الجامع المسند الصحيح (صحيح البخاري) 8: 157، دار طوق النجاة، 1422هـ؛ محمد حسين الإصفهاني، الفصول الغروية في الأصول الفقهية: 406، دار إحياء العلوم الإسلامية، قم، 1404هـ. لقد وردت هذه الرواية في مصادر أهل السنّة، وتلقّاها علماء الشيعة بالقبول أيضاً. للمزيد من الاطلاع راجِعْ: معالم الأصول: 236.

([25]) الكليني، أصول الكافي 1: 58.

([26]) المصدر نفسه.

([27]) العاملي النباطي البياضي، الصراط المستقيم إلى مستحقّي التقديم 3: 236.

([28]) للمزيد من الاطلاع انظر: السيد عبد الحسين شرف الدين، المراجعات، بنياد معارف إسلامي، طهران، 1383هـ.ش.

([29]) انظر: محمود الشهابي، أدوار الفقه 1: 35، وزارت فرهنگ وإرشاد إسلامي، طهران، 1366هـ.ش؛ الآلوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 11: 48، دار الفكر، بيروت، 1414هـ.

([30]) انظر: العلامة الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 9: 404.

([31]) انظر: مرتضى مطهّري، مجموعه آثار (الأعمال الكاملة) 20: 186، انتشارات صدرا، طهران، 1384هـ.ش (مصدر فارسي).

([32]) للمزيد من الاطلاع في هذا الشأن يمكن الرجوع إلى جميع تفسيرات هذه الآية.

([33]) الكليني، أصول الكافي 1: 240.

([34]) انظر: محمد الغزالي، المستصفى في علم الأصول 2: 408؛ نجل الشهيد الثاني، شطر الأصول من كتاب معالم الدين وملاذ المجتهدين 1: 236.

([35]) انظر: الطوسي، العدّة في أصول الفقه 2: 631.

([36]) انظر: أبو حامد محمد الغزالي، المستصفى في علم الأصول 2: 401، إعداد: محمد عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1417هـ؛ ابن قدامة المقدسي، روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل 2: 350، مؤسسة الريّان للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 2002م.

([37]) أسد حيدر، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة 1: 254.

([38]) المصدر نفسه.

([39]) المصدر نفسه.

([40]) المصدر نفسه.

([41]) انظر: العاملي النباطي البياضي، الصراط المستقيم إلى مستحقّي التقديم 3: 236؛ صحيح البخاري 8: 157؛ الإصفهاني، الفصول الغروية في الأصول الفقهية: 406. لقد وردت هذه الرواية في مصادر أهل السنة، وتلقّاها علماء الشيعة بالقبول أيضاً. للمزيد من الاطلاع راجِعْ: معالم الأصول: 236.

([42]) العلامة الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 1: 293.

([43]) النوري، مستدرك الوسائل 18: 206.

([44]) المصدر السابق 18: 208.

([45]) المجلسي، بحار الأنوار 37: 113.

([46]) الكليني، الكافي 2: 18.

([47]) المصدر السابق 1: 376.

([48]) المصدر السابق 1: 377.

([49]) المصدر نفسه.

([50]) المجلسي، بحار الأنوار 1: 577.

([51]) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّي 1: 148، دار الكتاب، قم، 1363هـ.ش.

([52]) المجلسي، بحار الأنوار 72: 163.

([53]) محمد حسن النجفي، جواهر الكلام 4: 59، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1981م.

([54]) انظر: السيد روح الله الخميني، توضيح المسائل (بإضافة فتاوى: السيد الخوئي، والسيد الكلبايكاني، والشيخ الأراكي، والشيخ فاضل اللنكراني، والشيخ بهجت، والشيخ التبريزي، والسيد السيستاني، والسيد الخامنئي، والشيخ صافي الكلبايكاني، والشيخ مكارم الشيرازي، والسيد الزنجاني، والشيخ نوري الهمداني) 1: 126.

([55]) المجلسي، بحار الأنوار 22: 440.

([56]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 28: 323.

([57]) الكليني، الكافي 2: 389.

([58]) المصدر السابق 2: 24.

([59]) المصدر نفسه.

([60]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 11: 62.

الكاتب د. الشيخ مجيد شاكر سلماسي

د. الشيخ مجيد شاكر سلماسي

مواضيع متعلقة

اترك رداً