دور الروايات في تفسير القرآن عند العلامة الطباطبائي

1 ديسمبر 2016
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
976 زيارة

دور الروايات في تفسير القرآن عند العلامة الطباطبائي

نظرة نقدية وتحليلية حول اتهام منهج الطباطبائي بـ”حسبنا كتاب الله” في أطروحات الشيخ محمد السند

تمهيد

من العناوين المهمة التي وقع فيها الاختلاف بين الأخباريين والأصوليين مسألة حجية الظواهر القرآنية، إذ ذهب أصحاب الاتجاه الأخباري إلى عدم حجية ظواهر القرآن الكريم، لأنه -كما يعتقدون- جاء على وجه التعمية، ولا يفهمه إلا المخاطبون به[1]، في حين ذهب أصحاب الاتجاه الأصولي إلى خلاف ذلك وأثبتوا حجية الظواهر القرآنية[2]، غير أن هناك مسألة أخرى خاصة بالأصوليين لم يُحسم الخلاف بينهم حولها، وهي حول طبيعة العلاقة بين القرآن الكريم والسنة، فإذا كان كلاهما حجة؛ فهل المحورية للقرآن الكريم أم للسنة؟! وأيهما هو الحاكم على الآخر عملياً وبالخصوص عند وقوع الاختلاف؟! فهذه من الأسئلة المهمة والملحة للغاية، وذلك لما لها من نتائج وآثار تلقي بظلالها على أكثر من ميدان من ميادين المعارف الدينية كالتفسير والفقه والأخلاق وغيرها.

لقد ذهب بعض العلماء إلى القول بمحورية القرآن الكريم وحاكميته على السنة، وبالخصوص في تفسير القرآن الكريم، ومن أبرز رموز هذا الاتجاه صاحب الميزان العلامة الطباطبائي، الذي شدد على محورية القرآن وأهميته في تفسير القرآن من خلال اتباعه لمنهج (تفسير القرآن بالقرآن)، إلا أنه مع ذلك لم يترك البحث الروائي ويسقطه عن الاعتبار كما توهم بعض مخالفيه كالشيخ محمد السند، الذي ادعى أن منهج العلامة الطباطبائي ينسجم عملاً مع مقولة “حسبنا كتاب الله”، وذلك للإشارة إلى كونه يُسقط السنة عن الاعتبار، ولقد تكرر ذلك منه في أكثر من موطن ومورد، رغم أن من يُراجع تراث العلامة الطباطبائي يرى وبكل وضوح عدم صحة هذا الأمر على الإطلاق، وإنما كل ما في الأمر أنه يُشدد على كون القرآن الكريم هو المحور والأصل في تفسير القرآن الكريم وفي فهم المعارف الدينية.

من هنا سوف أسلط الضوء على هذه النقطة بالتحديد، وهي: (هل كان العلامة الطباطبائي يسير عملاً على منهج “حسبنا كتاب الله” كما ذكر الشيخ السند أم لا؟!)، علماً بأني لن أتطرق لتفاصيل ما ذكره الشيخ السند من نقد لمنهج العلامة الطباطبائي، ولن استعرض الأدلة التي ساقها لذلك أيضاً، وإنما سوف أتحدث عن أصل المسألة فقط، واعتذر من القارئ الكريم بسبب ما سوف يراه من طول بعض الاقتباسات التي قد تكون غير محبذة عادةً في الأبحاث العلمية، غير أني اضطررت لهذا الأمر، لأن هدفي من تناول هذا الموضوع هو إثبات بطلان دعوى الشيخ السند بكل هدوء من كلمات العلامة الطباطبائي نفسه.

هذا واسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل ما قدمته خالصاً لوجهه الكريم، وأن تعم الفائدة به عموم المؤمنين، وإن كنت أعلم بأني لم أستوفِ البحث حقه ولم أعالج كل ما ينبغي معالجته، فمثل هذا الموضوع كبير جداً وبحاجة لدراسة علمية مفصلة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن نوفق لها في المستقبل.

 

العلامة الطباطبائي وتفسير القرآن بالقرآن

يعتمد العلامة الطباطبائي منهج تفسير القرآن بالقرآن[3]، والمراد بهذا المنهج هو: “أن تكون النصوص القرآنية بعضها مفسراً للبعض، وإذا ما عرفنا أن التفسير هو الكشف عن معاني ومرادات النص القرآني فإنه في ضوء هذا المنهج يكون النص القرآني المراد كشف معانيه مُنكشفاً ومُفسراً-بصيغة اسم المفعول- بنص قرآني آخر”[4]. وهذا المنهج –منهج تفسير القرآن بالقرآن- يرى المعتقدين به بأنه “هو المنهج الأكمل والأتم الذي ينبغي أن يُسلك في تفسير القرآن، بل لا طريق أمامنا سوى الالتزام به فإن القرآن يفسر بعضه بعضاً، ويُصدق بعضه بعضاً، ويشهد بعضه على بعض”[5].

ولقد أكد العلامة الطباطبائي على اعتماده هذا المنهج في أكثر من مورد من كلامه منها ما يلي:

  • المورد الأول: في مقدمة تفسير الميزان بعد أن استعرض بعض المناهج التي سلكها المفسرون وقدم النقد لها نجده يبين أن فهم حقائق القرآن وتشخيص مقاصده العالية يتم على أحد وجهين: “أحدهما: أن نبحث بحثاً علمياً أو فلسفياً أو غير ذلك عن مسألة من المسائل التي تتعرض له الآية حتى نقف على الحق في المسألة، ثم نأتي بالآية ونحملها عليه، وهذه طريقة يرتضيها البحث النظري، غير أن القرآن لا يرتضيها كما عرفت، وثانيهماً: ان نفسر القرآن بالقرآن ونستوضح معنى الآية من نظيرتها بالتدبر المندوب إليه في نفس القرآن، ونشخص المصاديق ونتعرفها بالخواص التي تعطيها الآيات، كما قال تعالى: (إنا أنزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء) الآية، وحاشا أن يكون القرآن تبياناً لكل شيء ولا يكون تبياناً لنفسه، وقال تعالى: (هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) الآية، وقال تعالى: (إنا أنزلنا إليكم نوراً مبيناً) الآية، وكيف يكون القرآن هدىً وبينةً وفرقاناً ونوراً مبيناً للناس في جميع ما يحتاجون ولا يكفيهم في احتياجهم إليه وهو أشد الاحتياج! وقال تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) الآية، وأي جهاد أعظم من بذل الجهد في فهم كتابه! وأي سبيل أهدى إليه من القرآن!”[6].
  • المورد الثاني: في تفسيره لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ)[7]، حيث يقول في ختام البحث: “والمحصل: أن المنهي عنه إنما هو الاستقلال في تفسير القرآن واعتماد المفسر على نفسه من غير رجوع إلى غيره، ولازمه وجوب الاستمداد من الغير بالرجوع إليه، وهنا الغير لا محالة اما هو الكتاب أو السنة، وكونه هو السنة ينافي القرآن ونفس السنة الآمرة بالرجوع إليه وعرض الأخبار عليه، فلا يبقى للرجوع إليه والاستمداد منه في تفسير القرآن إلا نفس القرآن“[8].

فهذه العبارات من العلامة الطباطبائي -ويوجد غيرها أيضاً- تدل على كونه يتبنى كون القرآن الكريم هو المصدر الوحيد لاستنباط المعارف الدينية، مما جعل البعض يتوهم بأن العلامة الطباطبائي يعتمد منهج “حسبنا كتاب الله”، بمعنى أنه يُلغي السنة عن الاعتبار، ولكن سيأتي ما يثبت خلاف ذلك من كلمات العلامة الطباطبائي نفسه.

وقد يتساءل البعض قائلاً: من أين أتى العلامة الطباطبائي بهذا المنهج؟ وبالرجوع إلى تصريحاته نجده يؤكد أنه أخذ هذا المنهج من السنة المتمثلة في النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام، فهم الذين أرشدونا إليه، حيث قال: “ثم إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي علمه القرآن وجعله معلماً لكتابه … وعترته وأهل بيته الذين أقامهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا المقام … وقد كانت طريقتهم في التعليم والتفسير هذه الطريقة بعينها على ما وصل إلينا من أخبارهم في التفسير”[9]، بل إن العلامة الطباطبائي يؤكد في مورد آخر “على أن جماً غفيراً من الروايات التفسيرية الواردة عنهم عليهم السلام مشتملة على الاستدلال بآية على آية، والاستشهاد بمعنى على معنىً، ولا يستقيم ذلك إلا بكون المعنى مما يمكن أن يناله المخاطب ويستقل به ذهنه لوروده من طريقه المعين له”[10].

 

نماذج تأريخية عن تفسير القرآن بالقرآن

يعتبر تفسير القرآن بالقرآن من أقدم طرق التفسير، وتعود جذوره إلى زمن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة (ع) كما مر بنا في السابق من كلام العلامة الطباطبائي، وفيما يلي بعض النماذج الروائية على هذه الطريقة[11]:

  1. سُئل الرسول (ص) عن معنى “الظلم” في الآية الكريمة: (وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ)[12]، فأجاب (ص) وبالإستناد إلى الآية: “إن الشرك لظلم عظيم”[13]بأن المقصود بالظلم في الآية الأولى هو الشرك في الآية الثانية.
  2. استنتج الإمام علي (ع) من خلال الآيتين (وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ)[14]- (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً)[15]بأن أقل مدة للحمل هي ستة أشهر، فإذا كانت مدة الرضاع سنتين ومدة الحمل والرضاع معاً ثلاثين شهراً، ووضعنا الآيتين جنباً إلى جنب، تكون النتيجة واضحة، وهي أن أقل مدة للحمل ستة أشهر، وهذا نوع من تفسير القرآن بالقرآن.
  3. بين الإمام الباقر (ع) أن المقصود من الآية: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ)[16]هو القصر لصلاة المسافر، وذلك استناداً إلى الآية: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا)[17]، وأثبت وجوب القصر عن هذا الطريق.

وهذه الطريقة –تفسير القرآن بالقرآن- ليست مقتصرة على الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام، إذ ينقل الدكتور الذهبي في كتابه الشهير (التفسير والمفسرون) أن الصحابة كانوا يستخدمون هذه الطريقة في تفسيرهم أيضاً[18].

كذلك مارس مفسرو الشيعة قبل العلامة الطباطبائي هذا المنهج مع ظهور بعض التفاسير، مثل (التبيان) و(مجمع البيان)، وكذلك الأمر بالنسبة لمفسرو أهل السنة[19]، فالأمر ليس منحصر في العلامة الطباطبائي فقط، وهذا لا يعني عدم وجود اختلافات في بعض التفاصيل والجزئيات، وإنما مقصودي أصل المنهج وهو تفسير القرآن بالقرآن.

 

نقد منهج العلامة الطباطبائي عند الشيخ محمد السند

من خلال كلمات العلامة الطباطبائي السابقة يتضح بأنه يرى أن تفسير القرآن الكريم لابد أن يكون من خلال القرآن نفسه، وهذا ما جعل البعض كالشيخ محمد السند يتهمه عملاً بإسقاط السنة عن الاعتبار وبالتمسك بمقولة “حسبنا كتاب الله”، ولقد تكرر منه مضمون هذا الكلام في أكثر من مورد من كتبه ودروسه، وسوف أعرض بعضاً مما وقفت عليه فيما يلي:

  • المورد الأول: في دروسه في بحث خارج علم الأصول بعد أن تحدث عن نظرية العلامة الطباطبائي في تفسير القرآن بالقرآن ومناشئ هذه النظرية وآثارها والأدلة التي اعتمدها للوصول إليها قال الشيخ محمد السند: “ولكن مع الاحترام للعلامة الطباطبائي فان هذا المنهج كما مرّ بنا نتيجته ومقتضاه عملاً “حسبنا كتاب الله” وقد نحى هذا المنحى بعض تلامذة العلامة الطباطبائي”[20].
  • المورد الثاني: في كتابه (سند الأصول)، حيث ذكر في مبحث حجية ظواهر الكتاب عدة نظريات، منها: “النظرية الأولى: [المنسوبة إلى الأخباريين‏] النافية لحجّية ظواهر الكتاب، ويمكن أن نعبّر عنه بنظرية «حسبنا السنّة». النظرية الثانية: [لصاحب تفسير الميزان وأتباعه‏] وهي معاكسة للأولى تماماً ويمكن التعبير عنها بنظرية «حسبنا كتاب‏ اللّه‏» في فهمه مآلًا لا ابتداءً“[21].
  • المورد الثالث: في كتاب (الإمامة الإلهية) تحت عنوان (النظريات في تفسير المعية بين القرآن والعترة) يقول: “النظرية الأولى: حسبنا كتاب الله وأنه هاد، ولذلك ورد الأمر في تمييز الحجة عن اللاحجة من الروايات في عرضها على الكتاب الكريم، وهذا مؤيد بانه المعجزة الخالدة الباقية الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا خلفه، ودور اهل البيت هو كونهم مقدمة للقرآن الذي عليه المدار فإذا وصل واصل إلى تلك المفادات بأي طريقة كانت فبها ونعمت فيكون الآل طريق ليس إلا، ويستدل لهذا البيان بقوله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس)، و(يعلمهم الكتاب والحكمة) فدوره دور المعلم والدال على طريق التعليم والأصل هو القرآن، ويعضده ما ورد من تحدي المشركين بأن يؤتوا بمثل هذا القرآن فلو كان مغلقاً مقفلاً لما كان هناك معنى للتحدي، بل إن حجية قوله صلى الله عليه وآله مستمدة من معجزة القرآن وحجيته”[22]. ومن الواضح بأن كلامه هنا ينطبق أو لنقل أنه على الأقل يشمل العلامة الطباطبائي، وإن كان لم يذكر ذلك بصراحة كما هو الحال في الموردين السابقين.
  • المورد الرابع: في دروسه في تفسير القرآن الكريم في الدرس رقم (7) يقول: “معية الثقلين هذه معناها يعني احد الخرائط التي ترسم لنا العلاقة بين الثقلين معية الثقلين هي هذا لا حسبنا كتاب الله لا.. ولا نقول حسبنا السنة الشريفة للنبي واهل بيته بل لابد منهما معاً فلا الكتاب مفوضون نحن نفرد به ولا نحن مقطوعون عنه منأون عنه بل هما معا قرينية واقتران معي فبالتالي لا نستطيع ان نستفرد ونتفرد بالقران كما لسنا في نأي وابتعاد عن القران بل لابد منهما معاً”[23]. كذلك هنا أيضاً لم يشر للعلامة الطباطبائي بالاسم.
  • المورد الخامس: في كتابه (إسلام معية الثقلين)[24]، حيث يقول: “إن شعار “إسلام القرآن” أو “إسلام المصحف” ينطوي على مغالطة نظير المغالطة التي ينطوي عليها شعار “حسبنا كتاب الله” فإن “إسلام القرآن” أو “إسلام المصحف” حسب هذا الزعم هو الإسلام الذي يستنبطه أي شخص بحسب قدرته وفهمه البشري استعانة بقدرته المحدودة لفهم المصحف… “[25].

ويقول أيضاً: “ومن ثم كان شعار “حسبنا كتاب الله” شعار خداع وشعار تلبيس وتدليس وتحايل، فهل ينفك الكتاب عن أهل الكتاب المطهرين الذين يمسونه…؟ وهذا هو نظير دعوى تفسير القرآن بالقرآن، فإنه كما ترى ليس الا تفسير القرآن بجهد بشري ظني قد يخطأ وقد يصيب، استعانة بالقرآن التي يقف عليها المجتهد بحدود فهمه البشري من القرآن، لا أن القرآن الوحي ينطق ويفسر المصحف الصامت بنفسه”[26]. لاحظوا هنا أن الشيخ السند جعل مقولة “حسبنا كتاب الله” نظير دعوى تفسير القرآن بالقرآن!!

وفي مورد آخر من الكتاب نفسه يقول:”ولا يخفى على القارئ الكريم أن هذا هو الحاصل في يومنا هذا، وإن المنادي بـ “إسلام القرآن” مقابل “إسلام الحديث” يريد المروق من سنة المعصومين عليهم السلام بذريعة المصحف، وهو لا يعمل بالمصحف الآمر بالتمسك بالعترة قرينة معية للقرآن“[27]. ولا شك أن كلامه في هذا المورد ينطبق أيضاً على منهج العلامة الطباطبائي، لأنه جعل مقولة “حسبنا كتاب الله” نظير دعوى تفسير القرآن بالقرآن!!

وكملاحظة أولية على كلام الشيخ السند ألاحظ أنه لم يبين أن الكلام هو حول السنة المحكية والمنقولة وليس السنة الواقعية[28]، إذ تجاهل هذه النقطة رغم كونها في غاية الأهمية، وصور الأمر وكأن من يعتمد محورية القرآن في فهم المعارف الدينية كالعلامة الطباطبائي قد ألغى السنة تماماً وتمسك بمقولة “حسبنا كتاب الله” مع وجود المعصومين عليهم السلام بجانبه، وهذا بالتأكيد مجانب للصواب.

والأمر الآخر؛ نجد أن الشيخ السند استعمل للإشارة إلى منهج العلامة الطباطبائي مقولة “حسبنا كتاب الله” وهذه المقولة لها جذور تاريخية معروفة، وتحمل في طياتها دلالات سلبية كبيرة جداً لا يُتصور بل ولا يوجد أدنى احتمال أن يكون العلامة الطباطبائي ممن يتحملها ويلتزم بها، وهذا ما دفع الشيخ مصباح اليزدي للقول: “أمّا إذا قلنا: «حسبنا كتاب الله»، وأنّنا نقبل بكلّ ما جاء به القرآن الكريم، ولا نأخذ بأيّ شيء عداه، فإنّه يتحتّم علينا أكل لحم الكلب، والكثير من الأشياء التي تشمئزّ النفوس من ذكرها، والإقرار بحلّيتها وجواز أكلها. فهل أراد العلاّمة الطباطبائي، إذ أوصى بالاستناد إلى نفس القرآن نبذ هذه الروايات والقرائن كلّها؟ وهل يُحتمل مجرّد احتمال أنّه قصد ذلك فعلاً؟!“[29]. نترك الإجابة على تساؤلات الشيخ اليزدي للشيخ السند نفسه؟!

 

النظريات في دور الروايات في التفسير

لكي يتضح لنا بطلان كلام الشيخ محمد السند في اتهامه لمنهج العلامة الطباطبائي بـ”حسبنا كتاب الله”، فإنه من المهم التطرق بإيجاز للنظريات المختلفة لدور الروايات في العملية التفسيرية، وذلك لتكون لنا كمدخل لمناقشة ما طرحه الشيخ السند، وذلك في الآتي[30]:

  • النظرية الأولى: وهي النظرية التي لا تعترف بأي دور للنصوص الروائية لفهم القرآن، وربما هم أنفسهم أصحاب شعار: حسبنا كتاب الله.
  • النظرية الثانية: نظرية محورية السنة، ويُراد بها تفسير القرآن بالروايات المأثورة فقط لا غير، ولعل هؤلاء هم الذين أنكروا حجية ظواهر القرآن، واكتفوا بالنصوص الروائية لفهم القرآن وتفسيره.
  • النظرية الثالثة: نظرية محورية القرآن والسنة معاً، ويُراد بها اعتماد القرآن والروايات الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام كمصدرين أساسيين في العملية التفسيرية، على هذا فلا ينحصر دور النصوص الروائية في كونها مؤكدة ومعمقة فحسب، وإنما هي مصدر تفسيري أساسي.
  • النظرية الرابعة: نظرية محورية القرآن ومدارية السنة، وهي النظرية التي اعتمدها الطباطبائي في تفسيره.

 

محورية القرآن ومدارية السنة وليس “حسبنا كتاب الله”

إن النظرية التي يعتمدها العلامة الطباطبائي كما مر بنا آنفاً هي نظرية (محورية القرآن ومدارية السنة)، وجعل المحورية للقرآن لا يلغي الرجوع إلى المصادر الأخرى لا سيما الروايات، ولكن الدور الأساسي والمحوري يكون للقرآن والدور الثانوي –إن صح التعبير- يكون للسنة، حيث تمارس السنة دورين مهمين وهما:

  • أولاً: الدور التوكيدي: بمعنى أن الرواية تؤدي دوراً توكيدياً لما أسسه الفهم القرآني للقرآن.
  • ثانياً: الدور التعميقي: بمعنى تعميق الفهم القرآني، فالرواية كثيراً ما تُلفت النظر التفسري إلى مراتب معرفية قد يعسر الوصول إليها بدونها”[31].

ولكن هذا الدور التوكيدي والتعميقي لا يخرج الروايات عن دورها المداري، والمدارية في المقام اصطلاح خاص يقع في قبال اصطلاح تأخري تمثل بمجموعها النظريات المعتمدة في القراءة الدليلية للقرآن، وإن من يؤمن بهذا المنهج يعتقد بأن هذه النظرية (محورية القرآن ومدارية السنة الشريفة) هي النظرية الصحيحة في المقام التي تُحفظ بها كرامة القرآن وأهمية السنة ودورها في العملية التفسيرية[32].

من هنا نجد العلامة الطباطبائي يعبر عن القرآن الكريم بعبارة المصدر الأساسي، كما ذكر ذلك في كتابه (الشيعة في الإسلام) بقوله: “يعتبر كتاب الله (القرآن الكريم) هو المصدر الأساسي للفكر الإسلامي، وهو الذي يعطي الاعتبار والحجية للمصادر الدينية الأخرى…”[33].

لذلك نستطيع أن نقول وبكل ثقة أن النظرية التي يتبناها العلامة الطباطبائي ليست كنظرية (حسبنا كتاب الله)، لأنه بحسب هذه النظرية لا يجوز الاستغناء عن السنة كما هي في نظرية (حسبنا كتاب الله)، وإنما يتوجب النظر في الثقلين (الكتاب والسنة)، “ولازم ذلك أنه لابد في مقام الأخذ من أحدهما ملاحظة الآخر أيضاً، بحيث يلحظ مجموع الكتاب والسنة كأنهما كلام واحد، فكما لا يجوز العمل ببعض القرآن بقطع النظر عن بعضه الآخر وبدون التفات إلى مخصصاته ومقيداته في بعضه الآخر، ولا يجوز العمل بالسنة بقطع النظر عن القرآن، كذلك لا يجوز العمل بالقرآن بقطع النظر عن السنة”[34].

علماً بأنه حتى القائلين بالنظرية الأولى التي تؤمن بمقولة (حسبنا كتاب الله) والتي لا ترى أي دور للنصوص الروائية الكثير منهم يلتزم بذلك في حال السنة المنقولة والمحكية، وأما في حال السنة الواقعية فلا، لأن بعضهم يؤمن بحجية قول النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام، ولكن لديهم تحفظ لما نقل عنهم من روايات غير موثوقة.

وهناك سؤال وجه للسيد كمال الحيدري حول دور السنة في تفسير الطباطبائي، وأجاب عنه بإجابة يمكن أن تلخص الكثير من الكلام التي يُمكن أن يُقال في هذا الصدد، والسؤال هو: ما هو الدور الذي يلعبه التفسير بالمأثور عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته المعصومين عليهم السلام في المنهج التفسيري لصاحب “الميزان”؟ وأجاب بقوله: “الدور نفسه الذي ينهض به العقل في إضاءة الطريق في فهم معارف القرآن، يعطيه السيد الطباطبائي للرواية. ولكن ليس للرواية الواحدة أو الروايتين، بل للاتجاه العام الذي يسود الروايات. فمثلاً عندما يأتي إلى الروايات في مسألة التدبير يجد أنها كلها تتحرك باتجاه واحد يدل على أن الله سبحانه هو المدبر لكل شيء. بيد أن هذا التدبير يتم من خلال نظام الأسباب والوسائط التي تنبسط في عالم الوجود كالملائكة، والأسباب الطبيعية والعلل وهكذا”[35].

ويردف قائلاً: “في ضوء هذا الاتجاه العام الذي تفيده الرواية يفهم دور الإمامة بوصفها جزءاً من نظام الوسائط والأسباب الذي ابتني عليه الوجود. وهكذا بشأن الأمثلة الأخرى، حيث إذا ما رجع الإنسان إلى الروايات ثم جاء إلى القرآن، لأنارت الروايات له الطريق إلى اكتشاف معارف القرآن الكريم…”[36].

 

مكانة السنة وأدوارها عند العلامة الطباطبائي

قد يقول قائل: بأن ما تقدم من شرح يمثل رأي السيد كمال الحيدري ولا يمثل واقع حال منهج العلامة الطباطبائي، وذلك لأن كلماته وبالخصوص في مقدمة تفسيره الميزان –كالتي أوردنا بعضها في السابق- لا تشير إلى أي دور للسنة، ولذا من المهم أن ننقل بعض الموارد التي يتحدث فيها العلامة الطباطبائي نفسه عن دور السنة لديه، وذلك حتى نثبت من خلالها بأنه لا يلغي السنة عن الاعتبار ولا يلتزم عملاً بمقولة “حسبنا كتاب الله”[37]، وذلك في الآتي:

 

 النقطة الأولى: حجية السنة عند العلامة الطباطبائي

تحدث العلامة الطباطبائي عن حجية السنة في العديد من الموارد منها ما يلي:

  • المورد الأول: في قوله تعالى: ((وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ))[38]، حيث بين العلامة الطباطبائي حجية بيان النبي وأهل البيت (ع) بقوله: “وفي الآية دلالة على حجية قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيان الآيات القرآنية، وأما ما ذكره بعضهم أن ذلك في غير النص والظاهر من المتشابهات أو فيما يرجع إلى أسرار كلام الله وما فيه من التأويل فمما لا ينبغي أن يصغى إليه. هذا في نفس بيانه (صلى الله عليه وآله وسلم) ويلحق به بيان أهل بيته لحديث الثقلين المتواتر وغيره…”[39].
  • المورد الثاني: في قوله تعالى: ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ))[40]، حيث يقول: “وتعليم الكتاب بيان ألفاظ آياته وتفسير ما أشكل من ذلك، ويقابله تعليم الحكمة وهي المعارف الحقيقية التي يتضمنها القرآن، والتعبير عن القرآن تارة بالآيات وتارة بالكتاب للدلالة على أنه بكل من هذه العناوين نعمة يمتن بها – كما قيل –”[41]. إلى أن يقول: “فالتعليم القرآني الذي تصداه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المبين لما نزل من عند الله هو تعليم الحكمة وشأنه بيان ما هو الحق في أصول الاعتقادات الباطلة الخرافية التي دبت في أفهام الناس من تصور عالم الوجود وحقيقة الإنسان الذي هو جزء منه-كما تقدمت الإشارة إليه- وما هو الحق في الاعتقادات الفرعية المترتبة على تلك الأصول مما كان مبدأ للأعمال الإنسانية وعناوين لغاياتها ومقاصدها”[42].
  • المورد الثالث: في قوله تعالى: ((وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا))[43]، والتي جاء سياقها ضمن توزيع (الفيء) على المسلمين إلا أنه أكد على شمولها لكل ما آتاه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، حيث قال: “أي ما أعطاكم الرسول من الفيء فخذوه كما أعطى منه المهاجرين ونفراً من الأنصار، وما نهاكم عنه ومنعكم فانتهوا ولا تطلبوا، وفيه إشكال بأنهم سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقسم الفيء بينهم جميعاً فأرجعه إلى نبيه وجعل موارد مصروفه ما ذكره في الآية وجعل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن ينفقه فيها على ما يرى. والآية مع الغض عن السياق عامة تشمل كل ما آتاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حكم فأمر به أو نهى عنه“[44].
  • المورد الرابع: في قوله تعالى: ((لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا))[45]، إذ يقول: “الأسوة القدوة وهي الاقتداء والاتباع، وقوله: «في رسول الله» أي في مورد رسول الله والأسوة التي في مورده هي تأسيهم به واتباعهم له والتعبير بقوله: «لقد كان لكم» الدال على الاستقرار والاستمرار في الماضي إشارة إلى كونه تكليفا ثابتاً مستمراً“[46].
  • المورد الخامس: كذلك أكد العلامة الطباطبائي على حجية السنة في كتابه (الشيعة في الإسلام) جامعاً فيه جميع الموارد السابقة التي ذكرناها من تفسير الميزان، حيث يقول: “… فإن القرآن الكريم والذي يعتبر مصدراً أساسياً للفكر الديني الإسلامي، قد أعطى للسامعين حجية واعتبار ظواهر الألفاظ، وهذه الظواهر للآيات قد جعلت أقوال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في المرحلة الثانية بعد القرآن مباشرة، وتعتبر حجة كالآيات القرآنية، ويؤيده قوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ). وقوله جل شأنه: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)، وقوله تعالى أيضاً: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا). فإذا لم تكن أقوال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأفعاله وحتى صمته وإقراره. حجة كالقرآن الكريم، لم نجد مفهوماً صحيحاً للآيات المذكورة، لذا فإن أقواله صلى الله عليه وآله وسلم حجة لازمة الأتباع، للذين قد سمعوه صلى الله عليه وآله وسلم، أو قد نقل إليهم عن طريق رواة ثقاة، وكذلك ينقل عنه صلى الله عليه وآله وسلم عن طرق متواترة قطعية أن أقوال أهل بيته عليهم السلام كأقواله، وبموجب هذا الحديث والأحاديث النبوية القطعية الأخرى، تصبح أقوال أهل البيت تالية لأقوال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وواجبة الأتباع، وأن أهل البيت لهم المرجعية العلمية في الإسلام والأحكام الإسلامية فأقوالهم حجة يعتمد عليها سواءً كان مشافهة أو نقلاً”[47].

فجميع الموارد السابقة من كلمات العلامة الطباطبائي تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أنه ممن يعتقد بحجية السنة، وهذا لا ينسجم مع اتهامه بـالعمل بـمقولة “حسبنا كتاب الله” كما هو واضح.

 

النقطة الثانية: العلامة الطباطبائي والتحذير من التساهل في رد الروايات

إذا كان العلامة الطباطبائي من القائلين بحجية السنة كما أثبتنا ذلك آنفاً، فإنه من الطبيعي أن يُحذر من التساهل في رد الأحاديث الواردة عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام كما في الموردين التاليين:

  • الأول: في قوله تعالى: ((قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ))[48]، حيث يقول: “أقول: والأخبار في هذه المعاني كثيرة، متظافرة، وأنت إذا أجلت نظرة التأمل والإمكان فيها وجدتها شواهد على ما قدمناه، وسيجيء شطر من الكلام في بعضها. وإياك أن ترمي أمثال هذه الأحاديث الشريفة المأثورة عن معادن العلم ومنابع الحكمة بأنها من اختلاقات المتصوفة وأوهامهم، فللخلقة أسرار، وهو ذا العلماء من طبقات أقوام الإنسان لا يألون جهداً في البحث عن أسرار الطبيعة، منذ أخذ البشر في الانتشار، وكلما لاح لهم معلوم واحد بان لهم مجاهيل كثيرة، وهي عالم الطبيعة أضيق العوالم وأخسها فما ظنك بما ورائها، وهي عوالم النور والسعة”[49].
  • الثاني: موقفه ممن ينكر (روايات الرجعة)، حيث يقول: “وغير الشيعة وهم عامة المسلمين وإن أذعنوا بظهور المهدي ورووه بطرق متواترة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكنهم أنكروا الرجعة وعدوا القول بها من مختصات الشيعة، وربما لحق بهم في هذه الأعصار بعض المنتسبين إلى الشيعة، وعد ذلك من الدس الذي عمله اليهود وبعض المتظاهرين بالإسلام كعبدالله بن سبأ وأصحابه، وبعضهم رام إبطال الرجعة بما زعمه من الدليل العقلي … “[50]. ثم يقول: “وأما ما ناقشه في كل واحد من الروايات ففيه: أن الروايات متواترة معنى عن أئمة أهل البيت عليهم السلام، حتى عد القول بالرجعة عند المخالفين من مختصات الشيعة وأئمتهم من لدن الصدر الأول، والتواتر لا يبطل بقبول آحاد الروايات للخدشة والمناقشة، على أن عدة من الآيات النازلة فيها، والروايات الواردة فهيا تامة الدلالة قابلة الاعتماد … على أن هذه القضايا التي أخبرنا بها أئمة أهل البيت عليهم السلام من الملاحم المتعلقة بآخر الزمان، وقد أثبتها النقلة والرواة في كتب محفوظ النسخ عندنا سابقة تأليفاً وكتابة على الوقوع بقرون وأزمنة طويلة نشاهد كل يوم صدق شطر منها من غير زيادة ونقيصة فلنحقق صحة جميعها وصدق جميع مضامينها”[51].

ومن الغريب جداً أن الشيخ محمد السند نفسه الذي يصف منهج العلامة الطباطبائي بأنه عملاً كمنهج “حسبنا كتاب الله”، يستشهد بهذا المورد عندما كان بصدد الرد على أطروحات السيد كمال الحيدري حول التراث الروائي، حيث قال: “والحاصل أن رصانة تراث حديث أهل البيت عليهم السلام بلغت درجة يقول صاحب تفسير الميزان عنها في معرض الجواب عن الخدشة في روايات الرجعة: (والتواتر لا يبطل بقبول آحاد الروايات للخدشة والمناقشة… على ان هذه القضايا التي اخبرنا بها أئمة أهل البيت عليهم السلام من الملاحم المتعلقة بآخر الزمان وقد أثبتها النقلة والرواة في كتب محفوظة النسخ عندنا سابقة تأليفاً وكتابة على الوقوع بقرون وأزمنة طويلة نشاهد كل يوم صدق شطر منها من غير زيادة ونقيصة فلنحقق صحة جميعها وصدق جميع مضامينها)”[52]. ولا أدري كيف يستشهد الشيخ السند بهذا الكلام للعلامة الطباطبائي للدلالة على أهمية التراث الروائي، وهو ممن يتهم منهجه عملاً بمقولة “حسبنا كتاب الله”!!

 

النقطة الثالثة: السيد الطباطبائي والأدوار العامة للسنة

بعد أن عرفنا حجية السنة عند العلامة الطباطبائي أولاً، وعرفنا كذلك تحذيره من التساهل في رد السنة ثانياً؛ بقي لنا أن نتعرف على الأدوار التي يمكن أن يُستفاد فيها من السنة لديه، وسيكون في التالي:

  • أولاً: دور السنة في بيان التفاصيل كتفاصيل الأحكام والقصص وغيرها: حيث أكد العلامة الطباطبائي في تفسيره الميزان أن الآية الكريمة في قوله تعالى: ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا))[53]: “تدل دلالة واضحة على أن المعارف القرآنية يمكن أن ينالها الباحث بالتدبر والبحثنعم تفاصيل الأحكام مما لا سبيل إلى تلقيه من غير بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما أرجعها القرآن إليه في قوله تعالى: ((وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا))، وما في معناه من الآيات، وكذا تفاصيل القصص والمعاد مثلاً”[54].

وكذلك تعرض العلامة الطباطبائي لهذا الأمر في كتابه (الشيعة في الإسلام) بقوله: “يشير القرآن الكريم إلى كليات بعض المعارف الإسلامية وهي الأحكام والقوانين التشريعية، كالصلاة والصوم والمعاملات وسائر العبادات، ويتوقف تفصيلها بالرجوع إلى السنة (حديث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام). والبعض الآخر كالاعتقادات والأخلاق، وإن كانت مضامينها وتفاصيلها يفهمها العامة، لكن إدراك وفهم معانيها، يستلزم اتخاذ نهج أهل البيت عليهم السلام مع الاستعانة بالآيات، فإنها تفسر بعضها بعضاً، ولا يمكن الاستعانة برأي خاص، والذي أصبح من العادات والتقاليد، وباتت النفس تستأنس به.”[55].

  • ثانياً: دور السنة في التعليم وذلك بتسهيل الطريق وتقريب المقصد: بعد أن أكد العلامة الطباطبائي على أن تفاصيل الأحكام والقصص وغيرها تأخذ من بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم نجده يقول: “ومن هنا يظهر أن شأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا المقام هو التعليم فحسب، والتعليم إنما هو هداية المعلم الخبير، ذهن المتعلم وإرشاده إلى ما يصعب عليه العلم به والحصول عليه لا يمتنع فهمه من غير تعليم، فإنما التعليم تسهيل للطريق وتقريب للمقصد، لا إيجاد للطريق وخلق للمقصد … وهذا هو الذي يدل عليه أمثال قوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) الآية، وقوله تعالى: (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما يعلم الناس ويبين لهم ما يدل عليه القرآن بنفسه، ويبينه الله سبحانه بكلامه، ويمكن للناس الحصول عليه بالآخرة لأنه صلى الله عليه وآله وسلم يبين لهم معاني لا طريق إلى فهمهما من كلام الله تعالى فإن ذلك لا ينطبق البتة على مثل قوله تعالى: (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)، وقوله تعالى: (وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ)”[56].

ويردف قائلاً: “على أن الأخبار المتواترة عنه صلى الله عليه وآله وسلم المتضمنة لوصيته بالتمسك بالقرآن والأخذ به وعرض الروايات المنقولة عنه صلى الله عليه وآله وسلم على كتاب الله لا يستقيم معناها إلا مع كون جميع ما نقل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما يمكن استفادته من الكتاب، ولو توقف ذلك على بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان من الدور الباطل وهو ظاهر”[57].

  • ثالثاً: دور السنة في الهداية إلى أغراض القرآن ومقاصده: وفي ذلك يقول العلامة الطباطبائي تعليقاً على حديث الثقلين: “… والحديث غير مسوق لإبطال حجية ظاهر القرآن وقصر الحجية على ظاهر بيان أهل البيت عليهم السلام، كيف وهو صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لن يفترقا، فيجعل الحجية لهما معاً، فللقرآن الدلالة على معانيه والكشف عن المعارف الإلهية، ولأهل البيت الدلالة على الطريق وهداية الناس إلى أغراضه ومقاصده“[58].
  • رابعاً: دور السنة في التدرب على تفسير القرآن وفهمه: حيث يقول العلامة الطباطبائي: “وقد تبين أن المتعين في التفسير الاستمداد بالقرآن على فهمه وتفسير الآية بالآية وذلك بالتدرب بالآثار المنقولة عن النبي وأهل بيته صلى الله عليه وعليهم وتهيئة ذوق مكتسب منها ثم الورود والله الهادي“[59].

وإذا كانت السنة تقوم بكل هذه الأدوار العامة عند العلامة الطباطبائي كبيان التفاصيل للأحكام والقصص وغيرها، وكذلك التعليم والهداية إلى أغراض القرآن ومقاصده، بل إنه يرى أيضاً أن من خلالها يتم التدرب على تفسير القرآن وفهمه، فهل يا ترى يمكن أن ينسجم منهجه هذا عملاً مع مقولة “حسبنا كتاب الله” !!

 

النقطة الرابعة: كيفية استخدام الروايات لدى العلامة الطباطبائي

بعد أن عرفنا بعض الأدوار العامة للسنة في فكر العلامة الطباطبائي، فإنه من المهم الآن أن نتطرق لبعض النماذج التي تبين كيفية استخدامه لبعض الروايات في عملية فهم وتفسير القرآن الكريم، علماً بأني لن أتطرق لأمثلة ونماذج واضحة كالتي توضح تفاصيل الأحكام مثلاً أو أسباب نزول بعض الآيات أو ما شابهها، وذلك لأنها من الموارد الواضحة التي لا تحتاج إلى بيان وإثبات، وإنما سوف أقف على بعض النماذج الأخرى، وذلك فيما يلي:

أولاً: بيان مصاديق الآيات: كثيراً ما يستعمل العلامة الطباطبائي السنة للوقوف على بعض مصاديق الآيات القرآنية، وهناك العديد من الأمثلة منها:

  • المثال الأول: في قوله تعالى: ((اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ))[60]، حيث أن العلامة الطباطبائي بعد أن تطرق لبيان المراد من الآية نقل بعض الروايات وعلق عليها، منها الرواية التالية: “في الفقيه، وتفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام) قال: الصراط المستقيم أمير المؤمنين (عليه السلام) … أقول: وفي هذه المعاني روايات أخر، وهذه الأخبار من قبيل الجري، وعد المصداق للآية، واعلم أن الجري وكثيراً ما نستعمله في هذا الكتاب اصطلاح مأخوذ من قول أئمة أهل البيت (عليهم السلام)”[61]. ففي هذا المثال من الواضح أن الرواية بينت المصداق الأتم والأكمل لهذه الآية، وهو أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام، وإن كان معناها لا ينحصر بهذا المصداق فقط[62].
  • المثال الثاني: في قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ))[63] يقول العلامة الطباطبائي: “على أن الروايات متكاثرة من طرق الشيعة وأهل السنة على أن الآيتين نازلتان في أمير المؤمنين علي (عليه السلام) لما تصدق بخاتمه وهو في الصلاة، فالآيتان خاصتان غير عامتين…”[64]. ففي هذا المثال جاءت الروايات لبيان مصداق خاص ومحصور بأمير المؤمنين عليه السلام لا ينطبق على غيره بخلاف المثال الأول الذي أوضح المصداق الأكمل والأتم.

 

ثانياً: بيان الآيات الناسخة والمنسوخة في الأحاديث:

كما في قوله تعالى: ((وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا ۖ فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا))[65]، حيث يقول العلامة الطباطبائي: “في الصافي عن تفسير العياشي عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ) الآية هي منسوخة، والسبيل هي الحدود. وفيه عن الباقر عليه السلام سئل عن هذه الآية فقال: هي منسوخة، قيل: كيف كانت؟ قال: كانت المرأة إذا فجرت فقام عليها أربعة شهود ادخلت بيتاً ولم تحدث، ولم تكلم، ولم تجالس، وأوتيت بطعامها وشرابها حتى تموت أو يجعل الله لهن سبيلاً، قال: جعل السبيل الجلد والرجم. قيل: قوله: واللذان يأتيانها منكم؟ قال: يعني البكر إذا أتت الفاحشة التي آتتها هذه الثيب، فآذوهما؟ قال تحبس. الحديث”. وبعدها يردف بقوله: “أقول: القصة أعنى كون الحكم المجرى عليهن في صدر الإسلام الإمساك في البيوت حتى الوفاة مما رويت بعدة من طرق أهل السنة عن ابن عباس وقتادة ومجاهد وغيرهم، ونقل عن السدي أن الحبس في البيوت كان حكماً للثيبات، والإيذاء الواقع في الآية الثانية كان حكماً للجواري والفتيان الذين لم ينكحوا، وقد عرفت ما ينبغي أن يقال في المقام”[66].

 

ثالثاً: بيان تأويل الآيات:

مثال ذلك في قوله تعالى: ((مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيْعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيْعًا))[67]، حيث يقول العلامة الطباطبائي: “وفي الكافي، بإسناده عن فضيل بن يسار قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) قول الله عز وجل في كتابه: « وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيْعًا» قال: من حرق أو غرق قلت: من أخرجها من ضلال إلى هدى؟ قال: ذلك تأويلها الأعظم: أقول: ورواه الشيخ في أماليه والبرقي في المحاسن، عن فضيل عنه (عليه السلام)، وروي الحديث عن سماعة وحمران عن أبي عبد الله (عليه السلام). والمراد بكون الإنقاذ من الضلالة تأويلاً أعظم للآية كونه تفسيراً أدق لها، والتأويل كثيراً ما كان يستعمل في صدر الإسلام مرادفاً للتفسير…[68].

 

ثالثاً: (بيان شمول ما ورد في القرآن لموارد أخرى لم تبينها الآيات)

في قوله تعالى: ((وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا))[69]، حيث بين العلامة الطباطبائي أن السنة بينت شمول القصر في الصلاة في غير موارد الخوف كما تفيده الآية، حيث يقول: “والجملة قيد لقوله (فلا جناح عليكم)، وتفيد ان بدء تشريع القصر في الصلاة إنما كان عند خوف الفتنة، ولا ينافي ذلك أن يعم التشريع ثانياً جميع صور السفر الشرعي وإن لم يجامع الخوف فإنما الكتاب بين قسماً منه، والسنة بينت شموله لجميع الصور كما سيأتي في الروايات“[70].

 

النقطة الخامسة: العلامة الطباطبائي والأحاديث الضعيفة

يعتقد العديد من العلماء على كون خبر الواحد حجة في التفسير، ومن هؤلاء السيد الخوئي حيث ذكر في البيان: “نعم يعتبر في الخبر الموثوق به، وفي غيره من الطرق المعتبرة أن يكون جامعاً لشرائط الحجية، ومنها أن لا يكون الخبر مقطوع الكذب، فإن مقطوع الكذب لا يعقل أن يشمله دليل الحجية والتعبد، وعلى ذلك فالاخبار التي تكوون مخالفة للاجماع، أو للسنة القطعية، أو الكتاب، أو الحكم العقلي الصحيح لا تكون حجة قطعاً، وإن استجمعت بقية الشرائط المعتبرة في الحجية. ولا فرق في ذلك بين الأخبار المتكفلة لبيان الحكم الشرعي وغيرها“[71]. وأما السيد الطباطبائي فإنه يرى خلاف ذلك، إذ لا يعول على خبر الواحد الظني في التفسير والعقائد[72]، ولكن هذا لا يعني بأنه لا يستفيد من أخبار الآحاد في التفسير، بل إنه يستفيد حتى من أخبار الآحاد الضعيفة في بعض المجالات كتأييد المعاني المستنبطة من الآيات إن وافقتها، وكشاهد على المعنى اللغوي أيضاً، وفيما يلي بيان ذلك[73]:

  • المورد الأول: (مؤيدة للمستنبط من الآيات): يقول العلامة الطباطبائي حول قوله تعالى: ((كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا))[74] بعد أن نقل روايات متعددة من تفسير القمي والعياشي يدل مضمونها على نزول الوحي على عمران ووجود الفاكهة في محراب مريم في غير وقتها: “وبعض المفسرين شدد النكير على ما تضمنته هذه الروايات كالوحي إلى عمران ووجود الفاكهة في محراب مريم في غير وقتها، وكون سؤال زكريا للآية للتمييز فقال: إن هذه أمور لا طريق إلى إثباتها فلا هو سبحانه ذكرها، ولا رسوله قالها، ولا هي مما يعرف بالرأي ولم يثبتها تاريخ يعتد به، وليس هناك إلا روايات إسرائيلية وغير إسرائيلية، ولا موجب للتكلف في تحصيل معنى القرآن وحمله على أمثال هذه الوجوه البعيدة عن الأفهام. وهو منه كلام من غير حجة، والروايات وإن كانت آحاداً غير خالية عن ضعف الطريق لا يجب على الباحث الأخذ بها، والاحتجاج بما فيها لكن التدبر في الآيات يقرب الذهن منها، والذي نقل منها عن أئمة أهل البيت عليهم السلام لا يشتمل على أمر غير جائز عند العقل“[75].
  • المورد الثاني: (الاستفادة من الروايات كشاهد على المعنى اللغوي): كما في سورة الحمد في قوله تعالى: ((الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ))[76]، حيث يقول العلامة الطباطبائي: “وفي الكافي والتوحيد والمعاني وتفسير العياشي عن الصادق عليه السلام في حديث: والله إله كل شيء، الرحمن بجميع خلقه، الرحيم بالمؤمنين خاصة. وروي عن الصادق عليه السلام: الرحمن اسم خاص بصفة عامة والرحيم اسم عام بصفة خاصة. أقول: قد ظهر مما مر وجه عموم الرحمن للمؤمن والكافر واختصاص الرحيم بالمؤمن، وأما كون الرحمن اسماً خاصاً بصفة عامة والرحيم اسماً عاماً بصفة خاصة فكأنه يريد به أن الرحمن خاص بالدنيا ويعم الكافر والمؤمن والرحيم عام للدنيا والآخرة ويخص المؤمنين، وبعبارة أخرى: الرحمن يختص بالإفاضة التكوينية التي يعم المؤمن والكافر، والرحيم يعم التكوين والتشريع الذي بابه باب الهداية والسعادة، ويختص بالمؤمنين لأن الثبات والبقاء يختص بالنعم التي تفاض عليهم والعاقبة للتقوى”[77].

ويعلق صاحب كتاب (مناهج التفسير واتجاهاته) على ذلك بقوله: أن العلامة الطباطبائي استخرج بعض النقاط الدقيقة من الروايات بواسطة المعنى اللغوي والصفة المشبهة وصيغة المبالغة لها، ثم أتي بهذه الروايات كمؤيد وشاهد، وهذا هو أحد ابداعات العلامة في التعامل مع الروايات التفسيرية والذي يعطي نتيجتين هما:

  • إحياء الروايات التفسيرية التي تتسم بضعف السند.
  • دعم أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) بالقرآن لكي تكون مقبولة عند جميع المسلمين”[78].

وإذا كانت هذه طريقة العلامة الطباطبائي في التعامل مع الروايات الضعيفة فضلاً عن غيرها، فهل يُعقل أنه يلغي جميع الروايات بما فيها الروايات الصحيحة والمتواترة ويؤمن عملاً بمقولة “حسبنا كتاب الله”؟!

 

النقطة السادسة: نقد العلامة الطباطبائي عند الدكتور الشتيوى

حاول الدكتور أشرف فوزي الشتيوى في كتابه (منهج الشيعة الإثني عشرية في تفسير القرآن الكريم وعلومه عرض ونقد) نقد منهج العلامة الطباطبائي بسبب ايراده واعتماده على بعض الروايات في ثنايا تفسيره في المبحث الروائي، وسوف أنقل لكم فيما يلي بعضاً مما أورد الدكتور الشتيوى وكان محط لنقده، علماً بأني لن أخوض وأناقش ما ذكره من نقد رغم العديد من الملاحظات التي سجلتها عليه[79]، وذلك لأن هدفي هو أن يأخذ القارئ فكرة عن تعرض العلامة الطباطبائي للنقد نتيجة لتمسكه ببعض الروايات، وهذا مما يُدلل على كون العلامة الطباطبائي ليس ممن يتبع عملاً منهج “حسبنا كتاب الله”، وسيكون ذلك في التالي[80]:

أولاً: الاعتقاد بأن القرآن ليس حجة إلا بقيم: وهنا نقل عدة مطالب عن العلامة الطباطبائي وهي:

  • الأول: في قوله تعالى: (وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). قال الطباطبائي: “روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: أي الخلق أعجب إيماناً؟ فقالوا الملائكة، فقال: الملائكة عند ربهم فما لهم لا يؤمنون؟ فقالوا: نحن فقال أنا فيكم فما لكم لا تؤمنون؟ إنما هم قوم يكونون بعدكم فيجدون كتاباً في ورق فيؤمنون بهن وهذا معنى قوله: (واتبوا النور الذي أنزل معه أولئك المفلحون). والخبر لا بأس به، وهو من الجري والانطباق، وفي بعض الروايات أن النور هو علي –علي السلام- وهو أيضاً من قبيل الجري أو الباطن“.
  • الثاني: في قوله تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) يونس/85 قال الطباطبائي: “فضل الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ورحمته علي بن أبي طالب عليه السلام وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نعمة أنعم الله بها على العالمين بما جاء به من الرسالة ومواد الهداية، وعلي عليه السلام هو أول فاتح لباب الولاية.
  • الثالث: في قوله تعالى: (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) العنكبوت/49. قال الطباطبائي: “هم الأئمة. وهذا المعنى مروي في الكافي وفي بصائر الدرجات بعدة طرق.. وفي البصائر بإسناده عن بريد بن معاوية عن أبي جعفر –عليه السلام- قال: قلت له: بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم فقال: أنتم هم من عسى أن يكونوا؟.
  • الرابع: اعتقاده أن القرآن يهدي للولاية، ففي قوله تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) الإسراء/4 قال الطباطبائي: “نقلاً عن العياشي بسنده إلى أبي جعفر –عليه السلام- إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم. قال: يهدي إلى الولاية. ثم قال الطباطبائي: وهي من الجري ويمكن أن يرد به ما عند الإمام من كمال معارف الدين ولعله المراد مما في بعض الروايات من قوله: يهدي إلى الإمام.
  • الخامس: في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ* ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) آل عمران/33-34. قال الطباطبائي نقلاً عن العياشي عن الباقر –عليه السلام- أنه تلا هذه الآية فقال: نحن منهم ونحن بقية تلك العترة …[81].

ثانياً: تفسير القرآن بأقوال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم

ينقل الدكتور الشتيوى عن العلامة الطباطبائي قوله: “قال الطباطبائي في مقدمة تفسيره: “ثم وضعنا في ذيل البيانات متفرقات من أبحاث روائية نورد فيها ما يتسم لنا إيراده من الروايات المنقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأئمة أهل البيت –سلام الله عليهم أجمعين- من طرق العامة والخاصة، وأما الروايات الواردة عن مفسري الصحابة والتابعين، فإنا على ما فيها من الخلط والتناقض لا حجة فيها على مسلم”، بعدها يعدد الدكتور الشتيوى بعض الموارد كالتالي:

  • الأول: في قوله تعالى: (هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ) آل عمران/63، قال الطباطبائي: عن الصادق –عليه السلام- الذين اتبعوا رضوان الله هم الأئمة، وهم والله درجات عند الله للمؤمنين، وبولايتهم ومودتهم إيانا يضاعف الله لهم أعمالهم، ويرفع الله لهم الدرجات العلى، والذين باؤوا بسخط من الله، هم الذين جحدوا حق علي وحق الأئمة من أهل البيت، فباؤوا لذلك بسخط من الله.
  • الثاني: في قوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) آل عمران/169. فقال أيضاً عن الصادق –عليه السلام- هم والله شيعتنا حين صارت أرواحهم في الجنة، واستقبلوا الكرامة من الله عز وجل، علموا واستيقنوا أنهم كانوا على الحق وعلى دين الله عز وجل.
  • الثالث: في قوله تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ) النساء /54. نقل الطباطبائي عن الكافي بإسناده إلى الباقر –عليه السلام- قال: نحن الناس المحسودون، الحديث. ثم عقب الطباطبائي بقوله: وهذا المعنى مروي عن أئمة أهل البيت عليهم السلام مستفيضاً. بطرق كثيرة مودعة في جوامع الشيعة كالكافي، والتهذيب، والمعاني، والبصائر، وتفسيري القمي والعياشي وغيرها[82].

ثالثاً: تفسير القرآن بأقوال الأئمة عليهم السلام: وحول ذلك ينقل الدكتور الشتيوى المطالب التالية:

  • الأول: في قوله تعالى: (وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا)… مريم/58 قال الطباطبائي: وروى عن علي بن الحسين –عليه السلام- أنه قال: نحن عنينا… إلى أن قال وقد اتضح معنى الحديث بما قدمناه في تفسير الآية فإن المراد بالجملة أهل الهداية والاجتباء من غير التبين وهم عليهم السلام منهم كما ذكر الله سبحانه مريم منهم وليست بنبيه.
  • الثاني: في قوله تعالى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ*بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ) الرحمن:19/20 قال: الطباطبائي في سورة الرحمن في قوله تعالى: (مرج البحرين يلتقيان) قال: علي وفاطمة. بينهما برزخ لا يبغيان قال: النبي صلى الله عليه وسلم يخرج منهم اللؤلؤ والمرجان قال: الحسن والحسين.
  • الثالث: في قوله تعالى: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ*وَطُورِ سِينِينَ* وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) التين 1/3 قال الطباطبائي: “عن موسى بن جعفر عن آبائه –عليهم السلام- عن النبي صلى الله عليه وسلم التين والزيتون الحسن والحسين والطور علي والبلد الأمين النبي صلى الله عليه سلم وليس من التفسير في شيء.
  • الرابع: في قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا) آل عمران/7… قول الطباطبائي بأن الراسخين في العلم الذين يعلمون التأويل هم آل محمد ونقل من الكافي عن الصادق –عليه السلام-: نحن الراسخون في العلم ونحن نعلم تأويله[83]. …

نلاحظ هنا أن الدكتور الشتيوى في مجمل كتابه يُشكل على العلامة الطباطبائي بسبب ما أورده في المبحث الروائي من تفسيره، وليس ما نقلناه من الفصل الأول إلا نموذج بسيط جداً مما جاء في الكتاب، ومن أجل ذلك نجده يُشكك في كون تفسير الميزان للطباطبائي هو بالفعل تفسير للقرآن بالقرآن، حيث تحدث الدكتور الشتيوى قاصداً العلامة الطباطبائي بقوله: “فقد ادعى أنه يفسر القرآن بالقرآن وهذه دعوى عارية عن الصحة تماماً”[84]، وكل ذلك بسبب الأبحاث الروائية التي ذكرها في تفسيره، وإذا كان هذا هو حال الدكتور الشتيوى مع العلامة الطباطبائي، فلا أدري حقيقة كيف يصح للشيخ السند اتهام منهج العلامة الطباطبائي بإلغاء الأحاديث والتمسك عملاً بمنهج “حسبنا كتاب الله”؟!

كيف نجمع بين الأمرين؟!

قد يتساءل البعض قائلاً: كيف نجمع بين كلام العلامة الطباطبائي والذي يدل على كونه يرى أنه يجب الاكتفاء بالقرآن فقط في فهم وتفسير القرآن، وبين كلامه الآخر الذي يؤكد فيه على حجية السنة وأدوارها المتعددة؟! ألا يعطي هذا المبرر لبعض نقاده كالشيخ محمد السند عندما وصف منهجه بـأنه عملاً كمنهج “حسبنا كتاب الله”؟!

بالتأكيد أن ظاهر كلام العلامة الطباطبائي الذي أوردناه في بداية البحث يدل على عدم حاجة تفسير القرآن الكريم للروايات، بل عدم جواز ذلك، ولكننا عندما راجعنا كلماته في موارد أخرى، وبالخصوص في الآية 44 من سورة النحل اتضح لنا أنه يعتبر بيان النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) حجة أيضاً، ولذا فإن ظاهر كلامه في بعض الموارد التي ذكرناها لا يكشف عن مقصوده بصورة مطلقة، لأنه “لا يمكن الأخذ بالظهور الابتدائي لكلام العلامة الطباطبائي في ذيل الآية السابعة من سورة آل عمران[85]، ولا يعني كلامه إبعاد الأحاديث والقرائن النقلية بصورة كلية عن ساحة التفسير؛ لأنه قيد الكلام، ووضح المراد منه في الآية 44 من سورة النحل”[86]، وكذلك في موراد أخرى كالتي ذكرناها آنفاً.

وقد ذكر أحد تلامذته البارزين، وهو الشيخ عبدالله الجوادي آملي تفسيراً بالنسبة إلى استقلال القرآن الكريم لدى العلامة الطباطبائي يمكن اعتباره توضيحاً جيداً لكلامه، وهو كالتالي[87]:

  • أولاً: إن الثقلين لا يمكن أن يفترقا عن بعضهما البعض، بل هما متلازمان ويشكلان حجة إلهية واحدة، غاية ما هناك أن أحدهما يعتبر أصلاً والآخر فرعاً لذلك الأصل، أو أن أحدهما نصاً والآخر شرحاً له. فالقرآن والعترة لا يفترقان كما أنهما ليسا متعارضان، فرسالة الدين النهائية ترتبط بالقرآن والسنة.
  • ثانياً: إن القرآن الكريم لا يحتاج إلى الغير في سنده ولا في ظواهره ولا في رسم الخطوط الكلية للدين، وهو مستقل حدوثاً وبقاءاً، فهو الثقل الأكبر إلى الأحاديث التابعة إلى القرآن حدوثاً وبقاءاً، لأن المراد من الاستقلال هو الاستقلال النسبي وليس الاستقلال النفسي. ومن هنا فإن الاعتماد على الأصول العقلائية في فهم معاني وألفاظ القرآن لا ينافي استقلاله في الحجية والدلالة.
  • ثالثاً: ارتباط الروايات بالقرآن من حيث اعتبار السند، سواء كان ذلك في السنة القطعية، وأيضاً من ناحية حجية النص في خصوص السنة غير القطعية. ولكن بعد تأمين أصل اعتبار السنة بواسطة القرآن، فسوف تكون حجة مستقلة غير منحصرة شأنها شأن القرآن. فالقرآن مستقل في جميع شؤونه وغير مرتبط بالغير، ولكن لأن الدين يرتبط بالقرآن وسنة المعصومين (عليهم السلام) في عرض رسالته النهائية، ومن هذا الجانب فإن القرآن والسنة لا يمكن أن يفترقا في بيان مفاهيم الدين في الاعتقاد والعمل، بمعنى أن القرآن يتكفل بتبيين الخطوط الكلية للدين، وتتعهد السنة ببيان التفصيلات وجزئيات الأحكام[88].

 ولذلك كله نستغرب كثيراً من اتهام منهج العلامة الطباطبائي بـالعمل بمقولة “حسبنا كتاب الله”، وذلك لأن العلامة الطباطبائي كما مر بنا يؤكد على حجية السنة وأهميتها وأدوارها المتعددة!! علماً بأنه حتى من أطلق هذه الكلمة “حسبنا كتاب الله” قد أخذ بالسنة في حياته ولم يلغها تماماً، فكيف يُتصور ذلك من العلامة الطباطبائي؟! ولقد بين الشيخ حيدر حب الله ذلك بقوله: “أمّا شعار (حسبنا كتاب الله) فلا يرى فيه كثيرون أنّه يراد منه ترك السنّة، بقدر ما يعبّر عن حالة خاصّة وواقعة جزئيّة، وإلا فإنّ من أطلق هذه الكلمة قد أخذ بالسنّة في حياته مراراً، كما تفيد الشواهد التاريخيّة والحديثيّة”[89].

 

اعتراف مهم للشيخ محمد السند

بعد كل ما نقلناه من كلام للعلامة الطباطبائي حول حجية وأهمية وأدوار الروايات في منهجه، لعل البعض يتفاجأ متسائلاً: هل يٌعقل أن يكون الشيخ السند جاهل بمنهج العلامة الطباطبائي لهذا الحد؟!

وللإجابة على هذا السؤال أقول: لا أعتقد بأن الشيخ السند يجهل ذلك، بل إنني أقطع بعلمه به، والدليل على ذلك أنه ذكر موقف العلامة الطباطبائي ممن ينكر روايات الرجعة كما مر بنا سابقاً هذا أولاً، والأمر الآخر أني وجدت من خلال بحثي في كتبه ما يُشير إلى معرفته بهذا الأمر، ففي كتابه (الإمامية الإلهية) تحدث عن منهج العلامة الطباطبائي تحت عنوان (تفسير القرآن بالقرآن) بقوله: “أما العلامة الطباطبائي فانه يرى ان القرآن فيه بيان كل شيء، وفي تفسير كل آية يجب الرجوع إلى الآيات الأخرى التي توضح المراد والمقصود …”[90].

وبعد ذلك وتحت عنوان (تقييم نظرية العلامة) يقول: “إن أصل ما ذكره العلامة متين ونوافقه عليه، لكن النتائج التي رتبها على ذلك من استقلال الإنسان في تفسير القرآن بالقرآن بعد معرفة طريقة أهل البيت هذا غير صحيح، حتى أنه رضوان الله عليه لم يتبع ذلك في تفسيره[91].

فلاحظوا أن الشيخ السند قد اعترف هنا ضمناً بأن العلامة الطباطبائي لم يلغي السنة في تفسيره، لأنه ذكر أنه لم يلتزم بتفسير القرآن بالقرآن فقط، ومعنى ذلك أنه لا يتفق عملاً مع مقولة “حسبنا كتاب الله”، وهذا مما يُدلل على كون الشيخ السند يعلم بهذه الحقيقة عن العلامة الطباطبائي ويعرفها أتم المعرفة، ولكنه للأسف الشديد تجاهلها وبقي يرددها ويتهمه بها في أكثر من مورد وموطن.

 

كلمة الختام

تناولنا في هذا الموضوع بتحليل ونقد دعوى الشيخ محمد السند القائلة بكون منهج العلامة الطباطبائي ينسجم عملاً مع مقولة “حسبنا كتاب الله”، وأثبتنا بطلانها للآتي:

  • أن العلامة الطباطبائي يتبنى نظرية (محورية القرآن ومدارية السنة) وليس “حسبنا كتاب الله”، وهذه النظرية لا تُلغي الرجوع إلى الروايات، وإنما تجعل الدور الأساسي والمحوري للقرآن الكريم، وأما بالنسبة للروايات في هذا المنهج فتؤدي دورين مهمين: الأول: توكيد ما أسسه الفهم القرآني. والثاني: تعميق الفهم القرآني من خلال ما تُلفت إليه الروايات من مراتب معرفية قد يصعب الوصول إليها.
  • أننا أثبتنا من كلمات العلامة الطباطبائي نفسه أنه يرى حجية السنة ويستدل عليها ببعض الآيات منها: قوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)، وقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)، وقوله تعالى: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا).
  • نقلنا تحذير العلامة الطباطبائي من التساهل في رد الروايات لعدم تعقلها، حيث ذكرنا مثالين لذلك: الأول: في بحث الآية: (قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ …))، والثاني حول روايات الرجعة.
  • ذكرنا ما يراه العلامة الطباطبائي من أدوار مهمة للسنة منها: في بيان التفاصيل كتفاصيل الأحكام والقصص وغيرها، وفي التعليم بتسهيل الطريق وتقريب المقصد، وفي الهداية إلى أغراض القرآن ومقاصده، وفي التدرب على تفسير القرآن وفهمه.
  • شرحنا كيفية استخدام العلامة الطباطبائي للروايات عملياً في تفسيره، وذلك بذكر عدة نماذج منها: في بيان مصاديق الآيات، في بيان الآيات الناسخة من المنسوخة، في بيان تأويل الآيات، في بيان شمول ما ورد في القرآن لموارد أخرى لم تبينها الآيات.
  • بينا كيف يستفيد العلامة الطباطبائي من الأحاديث الضعيفة في بعض المجالات منها: كمؤيد للمعاني المستنبطة من الآيات إن وافقتها، وكشاهد على المعنى اللغوي.
  • تطرقنا لتعرض العلامة الطباطبائي للنقد من قبل الدكتور الشتيوى بسبب استشهاده ببعض الروايات في بعض الموارد منها: حول الاعتقاد بأن القرآن ليس حجة إلا بقيم، وتفسيره للقرآن بأقوال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك تفسيره للقرآن بأقوال الأئمة عليهم السلام.

فكل هذه الأمور التي وقفنا عليها بشيء من التفصيل تبين بطلان كلام الشيخ محمد السند، وبالإضافة إلى ذلك استشهدت أيضاً ببعض عبارات الشيخ السند نفسه في أحد كتبه، حيث بين فيها ضمناً أن العلامة الطباطبائي لم يُسقط السنة عن الاعتبار ولم يتمسك عملاً بمنهج “حسبنا كتاب الله” كما أدعى ذلك في موارد أخرى.
الهوامش:

[1] راجع ما ذكره محمد أمين الأسترابادي حيث يقول في الفوائد المدنية ص106: “إن القرآن في الأكثر ورد على وجه التعمية بالنسبة إلى أذهان الرعية، وكذلك كثير من السنن النبوية، وإنه لا سبيل لنا فيما لا نعلمه من الأحكام الشرعية النظرية أصلية كانت أو فرعية إلا السماع من الصادقين عليهم السلام. وإنه لا يجوز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر كتاب الله ولا من ظواهر السنن النبوية ما لم يعلم أحوالهما من جهة أهل الذكر عليهم السلام، بل يجب التوقف والاحتياط فيهما”.

[2] راجع كتاب أصول المظفر، ج2، ص135 وما بعدها، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية 1410هـ-1990م.

[3] للوقوف أكثر على هذا المنهج والتعرف على أدلة الموافقين والمعارضين، وكذلك أنواعه واختلاف الآراء حوله بين العلامة الطباطبائي والآخرين وأنواعه الرجوع إلى كتاب مناهج التفسير واتجاهاته، ص47-91. وكذلك كتاب الطباطبائي ومنهجه في تفسير الميزان، علي الاوسي، ص125 وما بعدها.

[4] منطق فهم القرآن الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي ج1، ص49 من أبحاث المرجع الديني السيد كمال الحيدري دام ظله، بقلم الدكتور طلال الحسن، دار فراقد للطباعة والنشر، قم-إيران، الطبعة الأولى 1433هـ 2012م.

[5] المصدر السابق، ج1، ص50. أيضاً راجع كتاب مناهج تفسير القرآن، من أبحاث سماحة المرجع الديني السيد كمال الحيدري، ص39-40، بقلم الدكتور طلال الحسن.

[6] الميزان في تفسير القرآن، للعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، ج1، ص14، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت-لبنان الطبعة الأولى المحققة 1417هـ -1997م.

[7] القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 7.

[8] الميزان في تفسير القرآن، ج3، ص89.

[9] الميزان في تفسر القرآن، ج1، ص15.

[10] المصدر السابق، ج3، ص100.

[11] مناهج التفسير واتجاهاته دراسة مقارنة في مناهج تفسير القرآن الكريم، تأليف محمد علي الرضائي، تعريب قاسم البيضائي ص49، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، الطبعة الثالثة بيروت 2011م.

[12] القرآن الكريم، سورة الأنعام، الآية 82.

[13] القرآن الكريم، سورة لقمان، الآية 13.

[14] القرآن الكريم، سورة لقمان، الآية 14.

[15] القرآن الكريم، سورة الأحقاف، الآية 15.

[16] القرآن الكريم، سورة النساء، الآية 101.

[17] القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 158.

[18] التفسير والمفسرون للدكتور محمد حسين الذهبي ج1، ص37 وما بعدها، دار الحديث للطباعة والنشر القاهرة، 1433هـ 2012م.

[19] مناهج التفسير واتجاهاته، ص51.

[20] بحث خارج الأصول- حجية ظواهر السنة، للشيخ محمد السند بتاريخ 29/3/1434هـ.

[21] سند الأصول، بحوث في أصول القانون ومباني الأدلة، ج‏2، ص195.

[22] (الإمامة الإلهية) بحوث آية الله الشيخ محمد السند، بقلم: السيد محمد علي بحر العلوم ج1، ص400، الأميرة للطباعة والنشر-بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1433هـ-2012م.

[23] دروس في تفسیر القرآن للشيخ محمد السند الجلسة رقم (7) لعام 1429-1430هـ.

[24] وفي هذا المورد لم يوجه الخطاب للعلامة الطباطبائي بشكل صريح، وإنما كان بصدد الرد على أحد الذين يتبنون نفس المنهج، وهو السيد كمال الحيدري، وذلك من خلال برنامج إسلام معية الثقلين والذي قرر ما جاء فيه في كتاب بعدها.

[25] إسلام معية الثقلين (لا إسلام المُصحف مُنسلخاً عن الحديث) أبحاث سماحة آية الله الشيخ محمد السند، إعداد وتقرير الشيخ إحسان المظفر، ص35، مطبقعة نينوا-قم المقدسة، الطبعة الأولى/1392 ه.ش-1435ه.ق.

[26] المصدر السابق، ص35-36.

[27] المصدر السابق، ص48. وهنا من المناسب أن أنقل ما ذكره الدكتور طلال الحسن في كتاب من محورية إسلام الحديث لى محورية إسلام القرآن، حيث يقول: “فلا يُقال بعد ذلك إن ما نلتزم به من إسلام القرآن هو تعبير آخر عن الاتجاه الأول أو تعبير عن تلك المقولة التي تقصي دور السنة الكامن في التبيين؛ فنحن نعتقد بدورها، ولكننا لا نراها مصدراً مستقلاً عن القرآن، ولا في قبال القرآن، وهدفها ودورها الحقيقي بيان تفاصيل ما أجمله القرآن، فالقرآن نزل فيه كل شيء ديني إجمالاً، والسنة تعرضت له تفصيلاً؛ وهذا هو الموافق لقوله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) النحل:44.

[28] هذه النقطة مهمة جداً، إذ لا يصح التعامل مع التراث الروائي الموجود بأيدينا الآن نفس معاملتنا مع السنة الواقعية وكأننا نسمع ونرى من المعصوم مباشرة.

[29] كلمة سماحة آية الله محمّد تقي مصباح اليزديّ في المؤتمر الدولي لمناقشة آراء العلاّمة الطباطبائي (رحمه الله) في تفسير الميزان.

[30] راجع كتاب اللباب في تفسير الكتاب، تأليف العلامة السيد كمال الحيدري، ص32 دار فراقد للطباعة والنشر، قم-إيران، الطبعة الأولى 1431هـ-2010م، وكذلك منطق فهم القرآن ج1، 51-52 في الهامش. يقول الدكتور طلال الحسن في الهامش: “4. نظرية محورية القرآن ومدارية السنة، ويُراد بها ما بينه السيد الأستاذ أعلاه، وهذه النظرية الرابعة هي النظرية المعتمدة عند السيد الطباطبائي في الميزان، وفي هذا الكتاب، وقد ارتأينا الوقوف عند هذه النظريات الأربع بهذا القدر الموجز لدفع ما قد يعتمل في ذهن البعض من إلغاء دور السنة الشريفة في العملية التفسيرية، وهو ما نلمحه عند بعض من يلمز كتاب (تفسير الميزان) بذلك، فلا الطباطبائي، وما عليه السيد الأستاذ في هذا الكتاب (قرآنيين) بحسب الاصطلاح، ولا هما أخباريان، ولا محوريان للقرآن والسنة الشريفة معاً”.

[31] منطق فهم القرآن، ج1، ص51. منقول بتصرف.

[32] المصدر السابق، ص51-52 منقول بتصرف.

[33] الشيعة في الإسلام، للعلامة الطباطبائي ص79، نشر بيت الكاتب للطباعة والنشر- اعداد مركز بقية الله الأعظم للدراسات (باء للدراسات)، الطبعة الأولى، بيروت 1999م.

[34] أصول التفسير والتأويل ص153-154.

[35] العلامة الطباطبائي لمحات من سيرته الذاتية ومنهجه العلمي، للمرجع الديني السيد كمال الحيدري، ص174.

[36] المصدر السابق، ص174-175.

[37] يمكن الرجوع إلى كتاب الطباطبائي ومنهجه في تفسيره الميزان، تأليف علي الاوسي، نشر معاونية الرئاسة للعلاقات الدولية في منظمة الاعلام الإسلامي طهران، إيران، الطبعة الأولى 1405هـ 1985م.

[38] القرآن الكريم، سورة النحل، الآية 44.

[39] الميزان، ج12، ص260.

[40] القرآن الكريم، سورة الجمعة، الآية 2.

[41] الميزان ج19، ص276.

[42] المصدر السابق، ج19،ص284.

[43] القرآن الكريم، سورة الحشر، الآية 7.

[44] الميزان، ج19،ص211-212.

[45] القرآن الكريم، سورة الأحزاب، الآية 21.

[46] الميزان، ج16، 294-295.

[47] الشيعة في الإسلام، ص77-78.

[48] القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 33.

[49] الميزان ج1، ص132.

[50] المصدر السابق، ج2، ص108.

[51] المصدر السابق، ج2، ص109-110.

[52] إسلام معية الثقلين، ص58.

[53] القرآن الكريم، سورة النساء، الآية 82.

[54] الميزان، ج3، ص97-98.

[55] الشيعة في الميزان، ص79-80.

[56] المصدر السابق، ج3، ص98.

[57] المصدر السابق، ج3، ص98.

[58] الميزان، ج3، ص100

[59] المصدر السابق، ج3، ص101.

[60] القرآن الكريم، سورة الحمد، الآية 6.

[61] الميزان، ج1، ص43-44. مع العلم أن السيد الطباطبائي ذكر العديد من الروايات في بحثه ولكني نقلت رواية واحدة كشاهد للمصداق كما أردت، ويمكن الرجوع للبحث للتفاصيل. ومن أجل ذلك ذكر الدكتور الشتيوى في كتابه منهج الشيعة الإثني عشرية في تفسير القرآن وعلومه عرض ونقد قاصداً العلامة الطباطبائي: “فقد ادعى أنه يفسر القرآن بالقرآن وهذه دعوى عارية عن الصحة تماماً فمن ذلكم ما أورده في كتابه في تفسير قوله تعالى: (اهدنا الصراط المسقيم الفاتحة/6 ومن الأدلة على أن الطباطبائي يفسر القرآن بهواه ورأيه المذموم الفاسد ما قاله في تفسير قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم) الفاتحة/6” وبعدها ينقل ما ذكرناه من الرواية التي نقلها عن الإمام الصادق أن الصراط المستقيم هو الإمام علي عليه السلام ص59-60.

[62] لتفاصل أكثر رجع مقالة (الجري والتطبيق القرآنيان.. قراءة أنموذجية روائية لتطبيقات القرآن على أهل البيت عليهم السلام وأعدائهم)، للدكتور محمد كاظم شاكر، دراسات قرآنية القسم الثاني، كتاب المنهاج 13، مركز الغدير للدراسات ولنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 1428هـ 2007م.

[63] القرآن الكريم، سورة المائدة، الآية 55.

[64] الميزان، ج6، ص8.

[65] القرآن الكريم، سورة النساء، الآية 16.

[66] الميزان، ج4، ص243.

[67] القرآن الكريم، سورة المائدة، الآية 32.

[68] الميزان، ج6، ص329-330.

[69] القرآن الكريم، سورة النساء، الآية 101.

[70] الميزان، ج5، 63.

[71] البيان في تفسير القرآن، للسيد الخوئي، ص399.

[72] لتفاصيل أكثر يمكن الرجوع إلى كتاب “نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي، للشيخ حيدر حب الله ص710 وما بعدها، فهناك بحث تحت عنوان (نظرية العلامة الطباطبائي والاتجاه المتشدد في الظن العقدي).

[73] منهج التفسير واتجاهاته، ص126-127منقول ببعض التصرف.

[74] القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 37.

[75] الميزان، ج3، ص213-214.

[76] القرآن الكريم، سورة الحمد، الآية 3.

[77] الميزان، ج1، ص26-27.

[78] مناهج التفسير واتجاهاته، ص127.

[79] طبعاً لدي العديد من الملاحظات على ما طرحه الدكتور الشتيوى في نقده من الناحيتين: الأسلوب والمضمون، بحيث أنني استغرب من كون هذا الكتاب رغم اللغة والكثير من العثرات هو فعلاً رسالة دكتوراه علمية، ولكن لست هنا بصدد بيان ذلك.

[80] منهج الشيعة الإثني عشرية في تفسير القرآن الكريم وعلومه عرض ونقد، تأليف الشيخ الدكتور أشرف فوزي الشتيوى المدرس بكلية المعلمين بالرياض سابقاً، مكتبة جزيرة الورد، القاهرة-مصر الطبعة الأولى 2014م. علماً بأن الكتاب كان في الأصل رسالة دكتوراه تحت عنوان: (منهج الشيعة الاثني عشرية في التفسير من كتاب “الميزان” للطباطبائي عرض ونقد.

[81] المصدر السابق، ص48-53.

[82] المصدر السابق، ص64-65.

[83] المصدر السابق، ص68-71,

[84] المصدر السابق، ص59.

[85] وهي قوله تعالى: (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ).

[86] مناهج التفسير واتجاهاته، ص103.

[87] مناهج التفسير واتجاهاته، ص103-104.

[88] مناهج التفسير واتجاهاته، ص103-104 نقلاً عن آية الله جواي آملي، تفسير تسنيم، ج1، ص155.

[89] القرآنيّون تاريخهم نشأتهم وآراؤهم، للشيخ حيدر حب الله. وهي نصّ المحاضرة التي اُلقيت في جامعة آل البيت العالميّة في مدينة قم، في إيران، بتاريخ 3 ـ 12 ـ 2013م، مع بعض التعديل والتصرّف من قبل الشيخ حب الله نفسه.

[90] الإمامة الإلهية ج1، ص39.

[91] المصدر السابق، ج1، ص42.