دية العاقلة

17 مارس 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
2٬356 زيارة

دية العاقلة

قراءةٌ فقهيّة استدلاليّة جديدة

الشيخ يوسف الصانعي(*)

ترجمة: حسن مطر

المقدّمة

بُني النظام الحقوقي للإسلام على رأس جبل يقوم على سفحٍ من مختلف أنواع الأنظمة القبلية البالية، وهي أنظمة وثيقة الصلة بالعصبيات الجاهلية التي يتم الدفاع عنها من قبل أنصارها بشكلٍ أعمى. ولم تكن تلك التقاليد لتفرق بين قتل العمد أو قتل الخطأ، ولم يكن لينجو الأهل الأقربون، ولا الأبعدون، من طائلة الملاحقة من بطش ذوي القتيل وانتقامهم، بل قد تتسع دائرة الانتقام، لتشمل هدم بيوتهم، وحرق ضياعهم، وإهلاك حرثهم وأنعامهم.

في ظلّ مثل هذه الظروف تم بناء منظومة حقوقية حديثة تقوم على الوحي والعقل والأخلاق، بالإضافة إلى الحفاظ على بعض التقاليد والأعراف الحسنة. وكان مما تميّز به هذا النظام الحقوقي الجديد أن مَنْ قام بتقنينه وتشريعه هم من أعدل وأكثر الناس إرادة لخير الناس، ولم تكن لهم في ذلك غايةٌ غير الحفاظ على كرامة الإنسان، ولم يجعلوا من الدين ذريعةً لمنح الامتيازات لبعض الناس، ولم تكن القرابة والعشيرة عندهم تشكّل حصانةً وامتيازاً لأحد، أو تشكل دعامة لتفضيل أحد على أحد، بل يتساوى عندهم إخوتهم في الدين مع نظرائهم في الخلق. في مثل هذه الثقافة تمثل رعاية الحقوق القمّة التي ترتفع على جميع المصالح الأخرى. وقد تم التعبير عن هذه الحقيقة بالقول: «لا يصلح ذهاب حقّ أحدٍ»([1]).

يقوم بناء هذا النظام على أصل «العدالة والإنصاف». وهي عدالة يتفاوت فيها الأمر بين القاصر والمقصّر.

تقع المسؤولية على كل شخص بمقدار قصوره أو تقصيره، ولا يهدر دم أي إنسان محقون الدم. ولذلك بدأت النزعة القبلية بانتشار الإسلام تستبدل محاباة القبلية بالنزعة الإنسانية والمدنية الجديدة، وأضحى كل إنسان هو المسؤول عن عمله، ولا يمكن له أن يلقي مسؤولية عمله على كاهل الآخرين، وإن الحفاظ على المجتمع والحيلولة دون الفساد مسؤولية تقع على الجميع، وقد ورد في الحديث النبوي الشريف: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤولٌ عن رعيته»([2]).

 

موضوع البحث

المشهور بين فقهاء الإمامية أن المسؤولية في قتل الخطأ المحض (الدية) تقع على عاتق كيانٍ يُسمّى «العاقلة»، ويتمثل هذا الكيان بأقرباء القاتل من ناحية الأب([3]).

وقد واجه هذا الحكم منذ البداية الكثير من التحديات والإشكالات، من قبيل: القول بأنه يعارض الأصل القائل بأن المسؤولية الجنائية تقع على عاتق الجاني فقط، الأمر الذي دعا الفقهاء إلى تقديم تبريرات مختلفة لهذا الحكم.

ونحن نسعى في هذا المقال إلى بيان وتقرير نظرية الشيخ يوسف الصانعي، مدعومةً بالقواعد والعمومات والإطلاقات القرآنية، استناداً إلى منهج الفقه الجواهري([4])، في معرض إثبات أن هذا الرأي مع وجود مَنْ يخالفه، من أمثال: الشيخ المفيد، لا يمكن أن يكون إجماعياً. وإن عمدة الأدلة التي يستند إليها المشهور، وهي الروايات، تعاني بدورها من مشاكل أساسية من حيث السند والدلالة، وتعارض العمومات والإطلاقات القرآنية والعقل المستقلّ. وإن القدر المتيقَّن من الأدلة الروائية السالمة من المعارض والمخالف هو اقتصار ضمان العاقلة على المورد الذي تكون فيه العاقلة هي المتكفِّلة بالجاني، أو تُعَدّ عرفاً هي المسؤولة عن جنايته.

بيان بعض المفردات والمصطلحات

أـ الدية

المنقول عن أهل اللغة أن كلمة «الدية» كانت في الأصل: «ودي»، حذفت «الواو» من أولها، واستبدلت بـ «هاء» في آخرها، فأصبحت «دية»، وأخذوا يجمعونها على «ديات»([5]).

وقال ابن منظور الأفريقي في (لسان العرب): «الدِّية ـ بالكسر ـ حقّ القتيل»([6]).

وقد تم التعبير عن «الدِّية» في (المصباح المنير) بـ «بدل النفس»؛ وذلك إذ يقول: «ودى القاتل القتيل (دية): إذا أعطى وليَّه المال، الذي هو بدل النفس».

وكما نلاحظ فإن هذه الكلمة من الناحية اللغوية مصدر يستعمل بمعنى المفعول، أي الدية بمعنى «الودي»، بدلاً من اسم المفعول، بمعنى «ما يؤدّى»، وهو ما يصطلح عليه في اللغة الفارسية بـ «قيمة الدم» أو «ضريبة الدم».

وقد قال الشهيد الثاني في «مسالك الأفهام» في تعريف الدية: «الديات جمع دية، وهي المال الواجب بالجناية على الحرّ في نفسٍ أو ما دونها. وربما اختصت بالمقدّر بالأصل، وأطلق على غيره اسم الأرش»([7]).

من خلال الالتفات إلى الألفاظ المستعملة من قبل اللغويين، ومنها ما هو مستعملٌ من قبل الفقهاء مع فارقٍ طفيف، ومع الالتفات إلى تعبير بعضهم عن الدية بوصفها «بدل النفس» أو «عوض النفس»، يمكن لنا أن نستنبط أن النظر إلى موضوع الدية يكمن في اعتبارها نوعاً من الخسارة المقدَّرة من الناحية الشرعية كتعويضٍ لتدارك الضرر والخسارة.

 

ب ـ العاقلة

اسم فاعل من «عَقْل» بمعنى الدية. والعاقلة ـ على قولٍ ـ جمع تكسير للعاقلة، وعلى قولٍ آخر: لفظ مفرد، وإنّ تاءه تبع لموصوف محذوف تقديره «جماعة». وعليه يكون الأصل: «جماعة عاقلة»([8]).

وعلى أيّ حال فإن العاقلة تعني مَنْ يدفع الدية. كما قال صاحب (جواهر الكلام): «لعقلهم عنه، أي تحمُّلهم العقل، وهو الدية عنه»([9]).

وقال بعض: إن العاقلة من العقل، بمعنى المنع، وإنما سميت العاقلة عاقلةً لأنها تمنع الفرد. كما قال الشيخ في (المبسوط): «…ومنهم مَنْ قال: إنما سمّيت بالعاقلة لأنها مانعة، والعقل: المنع»([10]).

وأما في ما تمنعه العاقلة فقد قال بعض: إنها تعني منع أولياء القتيل من التعرُّض إلى القاتل بعد دفع الدية. وذهب آخرون إلى القول بأن وجه تسمية الدية عاقلة من باب مسؤولية العاقلة في مقابل الشخص قبل ارتكاب القتل، وقال في ذلك: «قيل: إن العقل لغة: المنع. ومنه: العقال؛ لمنع البعير من النفور. والعاقلة تمنع الإنسان من العبث؛ لئلا يقع بعبثه قتل، فتعقله العاقلة»([11]).

وأما في المصطلح الفقهي فإن «ضمان العاقلة» يعني تعهُّد ومسؤولية الأقرباء الذكور من جهة الأب بدفع الدية في موارد الجناية على النفس فما دون ذلك، إذا صدرت من الجاني عن طريق الخطأ.

 

آراء الفقهاء في بحث ضمان العاقلة

لقد ذهب أكثر الفقهاء إلى الحكم بضمان العاقلة مطلقاً، بمعنى أن العاقلة تضمن دفع الدية فيما لو وقع القتل أو الجناية خطأ، وثبت ذلك بالبينة، سواء كان للعاقلة دورٌ في ذلك أم لا. فعلى أيّ حالٍ لا يتحمل الفرد الجاني أي ضمان في مقابل هذا العمل، سواء أكان فقيراً أم غنياً.

قال الشيخ الطوسي في هذا الشأن: «دية النفس على العاقلة في قتل الخطأ، وفي أطرافه كذلك، بلا خلاف»([12]).

أما صاحب الجواهر فقد تنزَّل درجة واحدة عن رأي الشيخ الطوسي وأضرابه، من الذين يرَوْن وجوب الضمان والدفع على العاقلة، حيث اعتبر الجاني ضامناً، ولكن دفع الدية يعتبر تكليفاً على العاقلة، وقال: «إن التدبّر في النصوص، وقاعدة اختصاص الجناية بالجاني دون غيره، أنها عليه، وإنْ أدَّتْ العاقلة عنه»([13]).

وفي مقابل هذه الآراء يبدو رأي الشيخ المفيد واضحاً، فإنه بعد أن اعتبر دية قتل الخطأ على العاقلة، قال: «إذا قامت البينة على الإنسان بأنه قتل خطأ ألزمت عاقلته الدية ـ على ما بيَّناه ـ، وترجع العاقلة على القاتل؛ فإنْ كان له مالٌ أخذت منه ما أدته عنه؛ وإنْ لم يكن له مالٌ فلا شيء لها عليه»([14]).

كما ذهب سلاّر في (المراسم)([15])، والقطب الراوندي في (فقه القرآن)([16])، إلى تأييد ما ذهب إليه الشيخ المفيد بعباراتٍ متقاربة.

ومن المعاصرين ذهب الشيخ يوسف الصانعي ـ بعد ردّ رأي المشهور ـ إلى القول بأن ضمان العاقلة يقتصر على العاقلة التي لم تقُمْ بواجبها ومسؤوليتها([17]). وسوف نفصِّل في بيان دليله على هذا الكلام لاحقاً.

 

الأصل في المسألة

طبقاً للمنهج السائد في المباحث الفقهية، يجب أولاً ـ قبل الدخول في مناقشة الأدلة ونقضها وإبرامها ـ بيان الأصل في المسألة، حتّى يتضح لنا التكليف في موضوع دفع الدية فيما لو عجزنا عن الحصول على دليلٍ معتبر في هذا الشأن.

فنقول: هناك إجماعٌ ـ إلى حدٍّ ما ـ من قبل الفقهاء على أن الأصل في خصوص ضمان العاقلة هو «براءة الذمة»، بمعنى: براءة ذمّة العاقلة، وتعلُّق الضمان بالجاني. إلا أنهم عدلوا عن هذا الأصل لوجود الدليل. ومن البديهي أنه في حال فقدان الدليل أو إثبات عدم حجّيته لا بُدَّ من الرجوع إلى ذلك الأصل، وهو عدم ضمان العاقلة، ووجوب الضمان على الجاني. وإليك بعض عباراتهم في هذا الخصوص:

قال الشيخ الطوسي في كتاب (الخلاف): «لأن ذمّة العاقلة بريئة في الأصل، وشغلها يحتاج إلى دليلٍ»([18]).

وقال في موضعٍ آخر: «لو كنا نحن وحكم العقل لما قلنا بهذا الحكم [ضمان العاقلة] »([19]).

كما ذهب ابن إدريس الحلّي في ردّ ضمان العاقلة في باب «شبه العمد» إلى التأكيد على هذا الأصل، وقال بأن الخروج عنه بحاجةٍ إلى دليلٍ قوي وغالب وفائق على سائر الأدلة. وقد صرّح في هذا الشأن قائلاً: «لأنه خلاف الإجماع، وضدّ ما تقتضيه أصول مذهبنا؛ لأن الأصل براءة الذمة… ولا يرجع في ذلك إلى أخبار آحاد؛ لأنّها لا توجب علماً ولا عملاً»([20]).

كما نجد التمسُّك بهذا الأصل في عبارة المحقق الحلّي في كتاب (نكت النهاية) ([21])، والعلامة الحلي في (مختلف الشيعة) ([22]) أيضاً.

وقد ذهب الشيخ صاحب (جواهر الكلام) إلى اعتبار دليل الأصل ـ على غرار ما ذهب إليه صاحب (رياض المسائل) ـ هو قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام: 164؛ الإسراء: 15؛ فاطر: 18؛ الزمر: 7)([23]).

فالنتيجة أن الأصل على عدم ضمان العاقلة. وإن الخروج عن مثل هذا الأصل الواضح ـ المستند إلى الأدلة القرآنية والعقلية والاعتبارات العقلائية ـ لا يمكن أن يقوم على روايةٍ أو بضع روايات ضعيفة أو مجملة أو مبهمة. بل لا بُدَّ ـ على حدّ تعبير ابن إدريس الحلّي ـ من «دليلٍ قاهر»؛ لنعدل عن هذا الأصل([24]). من هنا لا بُدَّ في الخروج عن هذا الأصل من الاقتصار على القَدْر المتيقَّن.

 

أدلة الرأي المشهور

ذهب المشهور من الفقهاء في قولهم بضمان العاقلة مطلقاً إلى دليلين:

 

الأول: الإجماع

في بيان هذا الدليل نكتفي بنقل عبارة صاحب (الجواهر)؛ إذ يقول: «هي على العاقلة، بلا خلاف أجده بيننا، بل وبين غيرنا فيه، كما اعترف به بعضهم، إلاّ من «الأصمّ» منهم الذي لا يعتدّ بخلافه، وكذا الخوارج، بل عن الخلاف دعوى إجماع الأمّة عليه، قال: (وخلاف الأصمّ لا يعتدّ به)»([25]).

الثاني: الروايات

لقد ذهب صاحب (مفتاح الكرامة) ـ وهو من القائلين برأي المشهور ـ إلى القول: «إن دليل هذه المسألة [ضمان العاقلة] هو الإجماع؛ والأخبار المتواترة»([26]).

وفي ما يلي سنأتي على نقد استدلال المشهور بالروايات.

 

نقد أدلة المشهور

أـ الإجماع

إن الإجماع والأخبار المذكورين في بعض عبارات الأصحاب معاً يمثِّلان الأدلة الحصرية للقائلين بضمان العاقلة.

ومن الواضح جدّاً أن ذكر الإجماع مع الأخبار في سياقٍ واحد يؤدّي إلى احتمال استناد الإجماع إلى تلك الأخبار، الأمر الذي يوجب زعزعته؛ لاحتمال كونه ـ بعبارة أخرى ـ مدركيّاً، ولا بُدَّ حينها من الرجوع إلى ذلك المدرك، الذي هو الأخبار، وعندها يفتقر الإجماع إلى الاعتبار بوصفه دليلاً مستقلاًّ.

ومن ناحيةٍ أخرى فإن وجود الاختلاف في المسائل المتنوّعة لبحث العاقلة؛ إذ يستند كل واحد إلى رواية، يجعلنا نشكِّك ـ على نحوٍ جادّ ـ في الاعتماد على الإجماع وتواتر الأخبار في ما يتعلق بضمان العاقلة.

وفي ما يلي نشير إلى جانب من هذه الاختلافات:

 

الاختلاف الأول: في معنى «العُصْبة»

إن الارتباط الوثيق والعميق بين معنى «العاقلة» وكلمة «العصبة» في كلام الشيخ الطوسي يترك تأثيراً مباشراً على تعيين معنى العاقلة. فقد قال في كتاب (الخلاف) بشأن معنى «العُصْبة»: «العاقلة كل عصبة خرجت عن الوالدين والمولودين، وهم الإخوة وأبناؤهم ـ إذا كانوا من جهة أبٍ وأمٍ أو من جهة أب ـ، والأعمام وأبناؤهم، وأعمام الأب وأبناؤهم، والموالي. وبه قال الشافعي وجماعة أهل العلم»([27]).

وكما نشاهد فإنه في هذا الكلام لم يأتِ على ما يثبت أن عصبة الرجل يجب أن تكون من أهل ميراثه.

ولكنْ في المقابل نجد الفاضل الهندي ينقل عن (النهاية)، و(الغنية)، و(الإصباح)، رأياً آخر يصرّح بأن «العُصْبة» هم ورثة الدية؛ إذ يقول: «قيل في النهاية والغنية والإصباح: العُصْبة هو مَنْ يرث الدية»([28]).

ومستند هذا الرأي روايات، من قبيل: مرسلة يونس([29]). وقد ذكر ابن جنيد الإسكافي في هذا الخصوص عبارةً تحمل هذا المضمون قال فيها: «العاقلة هم المستحقون لميراث القاتل من الرجال العقلاء، سواء كانوا من قِبَل أبيه أو أمه»([30]).

 

الاختلاف الثاني: حدود دائرة العاقلة

أما الاختلاف الثاني، المستند بدوره إلى الروايات أيضاً، فهو اختلافٌ في حدود وسعة العاقلة، وما إذا كانت تختص بالأقارب من الأب، من أمثال: الأعمام والإخوة وأبنائهم، أم يكون الأب وأولاده من العاقلة أيضاً. وقد أشار صاحب (الجواهر) إلى هذا الاختلاف في الآراء.

وفي ما يلي ننقل إليك خلاصة كلامه، مع تغيير طفيف لا يضرّ بمجمل المعنى: «لكنْ هل يدخل الآباء وإنْ علوا، والأبناء وإنْ نزلوا، في العقل؟ قال في (المبسوط) و(الخلاف) و(الوسيلة) ومحكيّ (المهذب): لا يدخلون، بل نسبه ثاني الشهيدين إلى المشهور، بل في الخلاف دعوى إجماعنا عليه… من هنا كان الأقرب دخولهما، وفاقاً للإسكافي، والمفيد، والشيخ في (النهاية) و(الحائريات)، والحلّي، ويحيى بن سعيد، وأبي العبّاس، والفاضلين، والصيمري، والشهيد في (اللمعة)، وغيرهم، وظاهر التنقيح على ما حكى عن بعضهم، ولذا نسبه في (الإيضاح) إلى الشهرة، بل عن الحلّي الإجماع عليه…»([31]).

الاختلاف الثالث: الاختلاف في ضمان العاقلة

وهناك اختلافٌ هامّ آخر محتدم في ضمان العاقلة، وهو الخلاف المتمثل بين الشيخ المفيد وأتباعه من جهةٍ، والشيخ الطوسي وأتباعه من جهةٍ أخرى.

فقد سلك الشيخ المفيد ـ في بحث ضمان العاقلة ـ منهجاً منطقياً جمع فيه بين العقل والنقل، في كيفية دفع الدية، قائلاً: «إذا قامت البينة على الإنسان بأنه قتل خطأ ألزمت عاقلته الدية ـ على ما بيَّناه ـ، وترجع العاقلة على القاتل؛ فإنْ كان له مال أخذت منه ما أدته عنه؛ وإنْ لم يكن له مال فلا شيء لها عليه»([32]).

أما النظرية التي يدّعيها الشيخ الطوسي فلم يتمّ العثور على دليل لها([33])، بَيْدَ أن سلاّر قد استحسنها([34])، وعمد العلامة في «مختلف الشيعة» إلى التعريف بها على أساس الموازين الاجتهادية الصحيحة، وقال: «ولا بُعْد فيه، بل فيه أيضاً الجمع بين المعقول والمنقول؛ فإن الإجماع لمّا دلّ على تضمين العاقلة، والعقل لمّا دلّ على أن العقوبة إنما تجب على الجاني، جمع شيخنا المفيد ـ بذهنه الثاقب وفكره الصائب ـ بين الدليلين، وألزم العاقلة ضمان الدية؛ لدلالة الإجماع عليه، وجعل لها الرجوع على الجاني؛ تعويلاً على دليل العقل. وشيخنا أبو جعفر الطوسي& أصاب حيث قال: لست أعرف به نصّاً»([35]).

 

النتيجة

أولاً: إن هذا الإجماع المدَّعى إنما هو إجماعٌ مدركي، فاقد للاعتبار، ولا يصلح للاحتجاج.

وثانياً: كيف يمكن ادعاء الإجماع على هذه المسألة التي كانت محطّ الكثير من الاختلافات منذ البداية؟ نعم، أقصى ما يمكن ادعاء الإجماع عليه هو ضمان العاقلة في قتل الخطأ على نحو الإجمال. ونحن نوافق على ذلك، بَيْدَ أن الذي يقع مورداً للبحث والتأمُّل هو إطلاق هذا الضمان.

 

ب ـ نقد الروايات

اتّضح مما تقدّم في مورد الإجماع أن الدليل الوحيد في باب ضمان العاقلة هو الروايات المتعدِّدة والمختلفة الواردة في المصادر الروائية. وربما أدى العدد الكبير لهذه الروايات إلى توهُّم تواتر الحكم بضمان العاقلة في قتل الخطأ، أو على حدّ تعبير صاحب الجواهر: «إنْ لم تكن متواترةً فهي مقطوعة المضمون»([36]).

وفي ما يلي سوف نناقش في كلّ واحدة من الروايات التي استند إليها المشهور؛ لنثبت عدم وجود روايةٍ واحدة ـ من التي تعرّف العاقلة بوصفها ضامنة للدية بقول مطلق ـ سالمة من الإشكال، متناً وسنداً.

هذا مضافاً إلى ما تواجهه من المشاكل الكثيرة الأخرى، من قبيل: مخالفتها للكتاب، والقواعد العقلية والعقلائية المسلَّمة والثابتة.

وقبل كل شيء لا بُدَّ من التأكيد على أن أصل وجود كيان باسم «العاقلة» ـ التي تعتبر في بعض الموارد ضامنة بعد ثبوت وقوع القتل عن خطأ ـ هو القَدْر المتيقَّن من الروايات المتواترة على نحو الإجمال، وهو أمرٌ غير قابل للإنكار، إنما الذي يقع مورداً لنقدنا وإشكالنا هو إطلاق ضمان العاقلة.

الرواية الأولى: وهي رواية أبي ولاّد، عن الإمام الصادق× قال: «ليس فيما بين أهل الذمة معاقلة في ما يجنون من قتلٍ أو جراحة، إنما يؤخذ ذلك من أموالهم، فإنْ لم يكن لهم مالٌ رجعت الجناية على إمام المسلمين؛ لأنهم يؤدّون إليه الجزية، كما يؤدي العبد الضريبة إلى سيده…»([37]).

إن هذه الرواية صحيحةٌ من حيث السند. ولكنها ـ كما هو واضح ـ ترتبط بعدم وجود المعاقلة بين أهل الذمة. وعلى فرض ثبوت المفهوم لا تدلّ على أكثر من وجود المعاقلة بين المسلمين. وعلى حدّ تعبير المقدس الأردبيلي: «ويفهم أن بين المسلمين معاقلة مجملاً من صحيحة أبي ولاّد»([38]). ولا أحد ينكر أصل وجود العاقلة.

الرواية الثانية: وهي روايةٌ طويلة، سوف نقتصر على نقل بعضها كما يلي: «أتي أمير المؤمنين× برجلٍ قد قتل رجلاً خطأ، فقال له أمير المؤمنين×: مَنْ عشيرتك وقرابتك؟ فقال: ما لي بهذا البلد عشيرة، ولا قرابة، قال: فقال: فمن أيّ البلدان أنت؟ قال: أنا رجلٌ من أهل الموصل، وُلدتُ بها، ولي بها قرابة وأهل بيت، قال: فسأل عنه أمير المؤمنين× فلم يجِدْ له بالكوفة قرابة، ولا عشيرة، قال: فكتب إلى عامله على الموصل: أما بعد فإنّ فلان بن فلان ـ وحليته كذا وكذا ـ قتل رجلاً من المسلمين خطأ…»([39]).

إن هذه الرواية تعرف برواية «سلمة بن كهيل»، وهي ضعيفةٌ؛ لوجود سلمة بن كهيل هذا في سندها، وما عرف عنه من ضعف العقيدة والمذهب. وقد قال المحقق الحلّي في «شرائع الإسلام»([40])، والشهيد الثاني في «شرح اللمعة الدمشقية»، بضعفها([41]).

ثمّ إن متن هذه الرواية يشتمل على مطالب قد أوجبت ضعفها، من قبيل: إنها اعتبرت أهل البلد عاقلة أيضاً، وهو ما لم يقُلْ به أحدٌ من الفقهاء، وعلى حدّ تعبير صاحب (الجواهر): «مطرحة لم نجِدْ عاملاً بها»([42]).

وحتّى على فرض إثبات ذلك فإنها لا تدل على أكثر من أصل ضمان العاقلة. وهو ما لا ننكره، ولكنّها لا تحتوي على إطلاقٍ في هذا الخصوص.

الرواية الثالثة: عن يونس بن عبد الرحمن، عمَّنْ رواه، عن أحدهما’، أنه قال: «في الرجل إذا قتل رجلاً خطأ فمات قبل أن يخرج إلى أولياء المقتول من الدية أن الدية على ورثته، فإنْ لم يكن له عاقلة فعلى الوالي من بيت المال»([43]).

أولاً: إن سند هذا الحديث مرسل.

وثانياً: إن هذا الحديث لا دلالة فيه على ضمان العاقلة، بل يدلّ على عدم ضمانها. وكأنّ دفع القاتل للدية أمرٌ مفروغ عنه عند السائل، وقد أقرّه الإمام على ذلك.

الروايتان الرابعة والخامسة: رواية الحسين بن مهران، عن أبي عبد الله×؛ وأبي حمزة، عن الإمام الباقر×، قال: «سألتُه عن امرأةٍ دخل عليها لصّ ـ وهي حبلى ـ، فوقع عليها فقتل ما في بطنها، فوثبت المرأة على اللصّ فقتلته، فقال: أما المرأة التي قتلت فليس عليها شيءٌ، ودية سخلتها على عصبة المقتول، السارق»([44]).

وفي رواية أبي حمزة جُعلت على معقلة اللصّ.

وتعتبر الرواية من حيث السند مهملةً؛ لوجود محمد بن سهل؛ إذ لم يَرِدْ في توثيقه ولا في عدم توثيقه شيءٌ. كما أنها لوجود الفاصلة الزمنية بين ابن محبوب وأبي حمزة تعدَ مرسلةً بحذف الواسطة بينهما.

وفي ما يتعلق بمتن كلا الحديثين من الضروري الالتفات إلى أن الرجل الذي يقع على المرأة الحبلى، ويقتل جنينها، لا يكون قتله للجنين خطأً. ولذلك كان صريح الرواية اعتبار دم السارق هدراً. وقد اعتبر صاحب «الجواهر» الوجه في ذلك أن قتل السارق من قبل المرأة إنما كان دفاعاً([45]).

مضافاً إلى ذلك هناك في مقابل هاتين الروايتين روايةٌ أخرى يرويها محمد بن فضيل، عن الإمام الرضا×، تحمل ذات مضمون الرواية السابقة، بَيْدَ أن الإمام أوجب فيها دية الجنين على القتيل، وهو مطابقٌ للقواعد والأصول الثابتة والمستفادة من القرآن الكريم والعقل: «سألت أبا الحسن× عن لصٍّ دخل على امرأةٍ حبلى، فوقع عليها، فألقت ما في بطنها، فوثبت عليه المرأة فقتلته، قال: بطل دم اللصّ، وعلى المقتول دية سخلتها»([46]).

الرواية السادسة: عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر× قال: «كان أمير المؤمنين× يجعل جناية المعتوه على عاقلته، خطأً كان أو عمداً»([47]).

وهناك رواياتٌ أخرى تحمل ذات هذا المضمون، مع فارق أن رواية إسماعيل بن أبي زياد ـ خلافاً لرواية محمد بن مسلم، لم تتحدَّث عن العاقلة، وإنما أوجب الإمام× الدية على قومه. وإليك نصّها: «إن محمد بن أبي بكر كتب إلى أمير المؤمنين× يسأله عن رجلٍ مجنون قتل رجلاً عمداً؟ فجعل الدية على قومه، وجعل خطأه وعمده سواء»([48]).

فلو لم نشكِّك في سند هذه الروايات، وقبلنا بمتونها على ما فيها من الاختلاف، نجد أن المشكلة الرئيسة في هذه الروايات تكمن في اختصاصها بالمجنون؛ إذ لا يشكّ أحد في ضمان عاقلته؛ إذ هي المسؤولة عن أفعاله. إلاّ أن هذه الرواية تفتقر إلى الصلاحية اللازمة للاستدلال بها على المسألة مورد البحث، وهي ضمان فعل الفرد العاقل البالغ المسؤول عن أفعاله وأعماله.

الرواية السابعة: عن محمد الحلبي، قال: سألتُ أبا عبد الله× عن رجلٍ ضرب رأس رجلٍ بمعول؛ فسالت عيناه على خدَّيْه، فوثب المضروب على ضاربه، فقتله؟ قال: فقال أبو عبد الله×: «هذان متعدّيان جميعاً، فلا أرى على الذي قتل الرجل قوداً؛ لأنه قتله حين قتله وهو أعمى، والأعمى جنايته خطأ يلزم عاقلته، يؤخذون بها في ثلاث سنين، في كلّ سنة نجماً، فإنْ لم يكن للأعمى عاقلة لزمته دية ما جنى في ماله، يؤخذ بها»([49]).

إن سند هذا الحديث مجهولٌ؛ لوجود محمد بن عبد الله بن هلال.

كما أن متن الحديث لا ينسجم مع القواعد، رغم اعتبار الإمام في البداية لكلا الطرفين معتدياً، إلاّ أنه في الختام حكم بخطأ الأعمى، وأنه لم يتعمد القتل.

وفي المقابل هناك روايةٌ أخرى قريبةٌ منها في المضمون: عن أبي عبيدة، عن الإمام الباقر×، بشأن جنايات شخصٍ أعمى. وقد حكم الإمام فيها ـ خلافاً لهذه الرواية ـ بأن الجناية تقع عليه. وإليك نصّها: «سألتُ أبا جعفر× عن أعمى فقأ عين صحيح، فقال: إن عمد الأعمى مثل الخطأ، هذا فيه الدية في ماله، فإنْ لم يكن له مال فالدية على الإمام، ولا يبطل حقّ امرئ مسلم»([50]).

وقد علَّق الشهيد الثاني في «مسالك الأفهام» على رواية أبي عبيدة، عن الإمام الباقر×؛ ورواية الحلبي، عن الإمام الصادق×، قائلاً: «وهاتان الروايتان مشتركتان في الدلالة على أن عمد الأعمى خطأ، وفي ضعف السند، ومختلفتان في الحكم، ومخالفتان للأصول؛ لاشتمال الأولى على كون الدية تجب ابتداءً على العاقلة، ومع عدمها تجب على الجاني، وهذا مخالفٌ لحكم الخطأ؛ وفي الثانية مع جعله الجناية كالخطأ أوجب الدية على الجاني، ومع عدم ماله على الإمام، ولم يوجبها على العاقلة. وظاهرٌ اختلاف الحكمين، ومخالفتهما لحكم الخطأ»([51]).

الرواية الثامنة: عن أبي بصير قال: سألتُ أبا عبد الله× عن رجلٍ قتل رجلاً متعمداً، ثم هرب القاتل، فلم يقدر عليه؟ قال: إنْ كان له مالٌ أخذت الدية من ماله، وإلاّ فمن الأقرب فالأقرب؛ وإنْ لم يكن له قرابة أدّاه الإمام؛ فإنه لا يبطل دم امرئ مسلم»([52]).

وعلى الرغم من أن هذه الرواية موثقةٌ، ولكن حيث يدور البحث حول قتل العمد لا نجد لها صلةً ببحث قتل الخطأ، ووجوب الدية على العاقلة.

مضافاً إلى أن مدَّعى المشهور يقوم على وجوب الدية على العاقلة أولاً وبالذات، وفي أمثال هذه الروايات جعلت الدية ابتداءً في مال الجاني، ثم تطرح بحث الأقرباء أو العاقلة.

الرواية الأخرى: خبر ابن أبي بصير، عن أبي جعفر×، وهي شبيهةٌ برواية أبي بصير.

وقد وردت في مورد قتل العمد، ولا صلة لها بقتل الخطأ، وموضوع العاقلة([53]).

الرواية التاسعة: عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر× قال: «لا تضمن العاقلة عمداً، ولا إقراراً، ولا صلحاً»([54]).

إن سند هذه الرواية ضعيفٌ؛ لوجود عليّ بن أبي حمزة البطائني([55]). وهناك روايات أخرى تحمل ذات المضمون أو قريباً منه أيضاً([56]).

وإذا تجاوزنا الضعف السندي في هذه الروايات، وقبلنا بصدورها، فإن هذه الروايات ـ كما هو واضحٌ ـ إنما تتحدّث عن عدم ضمان العاقلة فيما إذا كان القتل عمداً، أو الصلح على الدية، أو إقرار الفرد بقتل الخطأ. وفي مقابل ذلك وجود الضمان في حالة الإثبات بالبينة.

وبعبارةٍ أخرى: إن الرواية في مقام بيان نفي أصل الضمان، وإثبات أصل الضمان، بمعنى أنها تثبت ضمان العاقلة على نحو الإجمال في مورد ثبوتها بالبيِّنة، إلا أنها ليست في مقام بيان ما إذا كان هذا الضمان مطلقاً أو مقتصراً على ظروف وشرائط خاصّة. ومن البديهي أن هذا المقدار من الدلالة لا ينكره أحدٌ، وإن القَدْر المتيقَّن منه عندما تكون العاقلة مقصِّرة في القيام بمسؤوليتها الشرعية والعرفية عند وقوع القتل.

الرواية العاشرة: عن أبي مريم، عن أبي جعفر× قال: «قضى أمير المؤمنين× أن لا يحمل على العاقلة إلاّ الموضّحة فصاعداً».

وكما قال المحقق الحلّي صاحب (الشرائع): «إن هذه الرواية ضعيفة»([57]).

مع أن هذه الرواية في مقام بيان مقدار ضمان العاقلة، ولا إطلاق فيها بالنسبة إلى أصل المسألة.

وبعبارةٍ أخرى: إن محتوى هذه الرواية يقول: إن العاقلة التي عليها فرض الضمان في الموضحة والتي قبلها ضامنة، ولكنها لم تبين متى يتعيَّن على العاقلة أن تضمن خطأ الفرد؟ فهل هي ضامنة بشكلٍ مطلق وفي جميع الموارد ـ الأعمّ من حالة التقصير ـ أم لا؟ إنها ساكتةٌ، وليست في مقام البيان من هذه الناحية.

الرواية الحادية عشرة: عن محمد بن مسلم قال: قال أبو جعفر×: أيّما ظئر قوم قتلت صبيّاً لهم، وهي نائمةٌ فقتلته، فإنّ عليها الدية من مالها خاصة إنْ كانت إنما ظاءَرَتْ طلب العزّ والفخر، وإنْ كانت إنما ظاءَرَتْ من الفقر فإن الدية على عاقلتها»([58]).

إن هذه الرواية المروية بطرق مختلفة، والتي أفتى على أساسها أساطين الفقهاء والمجتهدين، من أمثال: المحقق الحلّي في (شرائع الإسلام)([59])، خيرُ شاهدٍ على عدم إطلاق ضمان العاقلة.

الرواية الثانية عشرة: مجموعة أخرى من الروايات الواردة في المصادر الروائية، والتي تتعرّض إلى أصل مسألة ضمان العاقلة في قتل الخطأ، ونفي الضمان عنها في حالة العمد، من قبيل: «إن العاقلة لا تضمن عمداً، ولا شبهة…، وإنما تضمن الخطأ المحض»([60]).

وبغضّ النظر عن الإشكال السندي لبعض الروايات، فإن الرواية الصحيحة من حيث السند، وهي رواية محمد بن قيس، عن الإمام الباقر×، إنما هي في مقام بيان بحث العتق أو الإرث. من هنا لا يمكن أن نستفيد منها إطلاق وجوب الدية على العاقلة في جميع صور قتل الخطأ، سواء أكانت العاقلة مقصِّرة أم لا، وسواء أكان القاتل قادراً على دفع الدية أم لا.

 

النتيجة

إن هذه الروايات ـ التي تمثِّل الدليل الوحيد الذي يتمسّك به القائلون بإطلاق ضمان العاقلة، وادّعوا التواتر وحصول اليقين على أساسها ـ لا شيء منها في مقام بيان إطلاق ضمان العاقلة عند وقوع القتل عن خطأ، وإنما هي بصدد بيان أمور أخرى، من قبيل: عدم وجود كيان العاقلة بين أهل الذمة، وتعيين العاقلة، وكيفية تقسيم الدية بينهم، وعدم ضمان العاقلة في قتل العمد، وسائر الجهات الأخرى المرتبطة بهذا الكيان الاجتماعي بشكلٍ من الأشكال، والتواتر الإجمالي في أصل ضمان العاقلة، وهو ما نلتزم به أيضاً. وأما أن تكون العاقلة ضامنة في جميع صور قتل الخطأ فهو ما لا يمكن فهمه من هذه الروايات على نحو القطع واليقين.

وبعد بيان روايات هذه المسألة ننتقل إلى الإشكالات الأخرى الواردة على هذه الروايات، على فرض القول بإطلاقها:

 

الإشكال الأول: مخالفتها للقرآن الكريم

لا شَكَّ في أن الرواية مهما كانت درجتها من الاعتبار السندي فإنها إذا كانت ـ من حيث المحتوى ـ مخالفةً لآيات القرآن الكريم تكون فاقدة للحجّية، ولا يعود بالإمكان الاستناد إليها بوصفها من الأدلة الفقهية الحجّة شرعاً.

ومن هنا على فرض وجود الإطلاق في روايات ضمان العاقلة إلا أن هذا الإطلاق؛ حيث يخالف آيات القرآن الكريم، يكون ساقطاً عن الحجّية.

وإن تقرير مخالفة هذه الروايات للقرآن الكريم في بعض صوره في غاية الوضوح. فعلى سبيل المثال: إذا كان القاتل بالغاً وعاقلاً، وكان متمكِّناً من الناحية المالية، ولم تكن العاقلة ـ في المقابل ـ تتمتّع بالرفاه المادي، ولم تكن هي المسؤولة عن إدارة شؤون الجاني؛ كي نعتبرها مقصِّرة، فإن فرض الدية على قرابة القاتل دون أن يكون لها دورٌ في الجناية سيكون من مصاديق حمل عقوبة شخصٍ على آخر، وهو مخالف لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام: 164، الإسراء: 15، فاطر: 18، الزمر: 7)([61]). كما أنه مخالفٌ لسائر الآيات الأخرى الدالّة على مسؤولية الفرد تجاه أعماله([62]).

قد يُقال: إن هذه الآية إنما تتحدّث عن عدم تحميل أحد عقوبة معصية اقترفها شخصٌ آخر، وأما في مسألة قتل الخطأ فلا تكون هناك معصيةٌ أساساً، وإنما هو مجرد خطأ. وعليه تكون الآية أجنبيةً عن مسألة قتل الخطأ.

ولكننا نقول في الجواب:

أولاً: لقد عمد الفقهاء في مواضع متعددة من كتبهم الفقهية ـ ومنها: بحث ضمان العاقلة ـ إلى الاستناد إلى هذه الآية في صورة إقرار الشخص، أو وقوع القتل على نحو شبه العمد، مع أن هذه الحالات لم تنطوِ على معصية قطعاً.

ومضافاً إلى ذلك هناك من الفقهاء مَنْ صرّح ـ في مورد العاقلة ـ بأنها استثناء من هذه الآية، واعتبرها عدولاً عنها، أو مخصِّصة لها، وهو فرع القول بشمول الآية للمعنى المنظور لنا. وهو شاهدٌ واضح على أن فهمه لكلمة «الوزر» لم يكن بمعنى الذنب والمعصية؛ وذلك إذ يقول: «دلّ العقل على اختصاص الفاعل بأثر جنايته، دون غيره، ونصّ الكتاب على مثل ذلك بقوله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام: 164). لكنْ عدل عن ذلك في الخطأ إلى تحمل العاقلة»([63]).

وثانياً: إن «الوزر» لغة يعني الثقل، وهو يشمل جميع أنواع الثقل، بما في ذلك تحمل الضريبة المالية الثقيلة على الفرد غير المذنب، دون مبرِّر منطقي معقول، ولا سيَّما إذا كان القاتل نفسه متمكناً من الناحية المادية.

وقد يُقال في الفرار من المخالفة والتعارض بين الروايات وهذه الآية الكريمة: إن الآية تختصّ بالآخرة ومرحلة الحساب والعقاب في يوم القيامة، ولا ربط لها بالأمور الدنيوية.

ولكننا نقول في الجواب: إن هذا الاختصاص يفتقر إلى الدليل؛ لأن الله تبارك وتعالى في مقام بيان حقيقة غير قابلة للإنكار، وهي أن كل شخص مسؤول عن أعماله وسلوكه دائماً وأبداً. وقد قال العلامة الطباطبائي في تفسير هذه الآية: «قد تبيَّن بما مرّ أن مجموع الجملتين: ﴿وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا﴾ (الأنعام: 164) و﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ سيق لإفادة معنىً واحد، وهو أن ما كسبته نفسٌ يلزمها ولا يتعداها، وهو مفاد قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر: 38)»([64]).

مضافاً إلى ذلك هناك فهمٌ فقهي صريح لبعض هذه الروايات([65])، ولم يرفع أحدٌ من الفقهاء يده عن الآية بسبب هذا الفهم، بل على العكس من ذلك تماماً؛ إذ استندوا إلى هذه الآية في كتبهم الفقهية([66])، ومن بينها ما نحن فيه.

 

الإشكال الثاني: مخالفة العقل

إن من المسائل التي تناولها العلماء، وتلقوها بالقبول: عدم حجّية الروايات التي تخالف أحكام العقل، والتي تحتوي على مدلول مخالف للعقل.

قال الشيخ المفيد: «إنْ وجدنا حديثاً يُخالف أحكام العقول اطرحناه؛ لقضية العقل بفساده، ثم الحكم بذلك على أنه صحيح خرج مخرج التقية، أو باطل أضيف إليهم»([67]).

من هنا فإن من جهات ضعف الروايات التي تمسَّك بها المشهور مخالفة إطلاقها لحكم العقل. ومن السهل إدراك هذه المخالفة من خلال الالتفات إلى هاتين المقدّمتين اللتين تكرّرتا مراراً في عبارات الفقهاء. وذلك ببيان:

أولاً: لقد دلّ العقل على اختصاص أثر الجناية بفاعلها، ويعتبر توجيه العقوبة إلى شخصٍ آخر ظلماً وأمراً قبيحاً. كما نرى ذلك في عبارة الفاضل المقداد؛ إذ يقول: «دل العقل على اختصاص الفاعل بأثر جنايته، دون غيره، ونصّ الكتاب على مثل ذلك بقوله: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾»([68]).

وثانياً: إن هذه الروايات ـ طبقاً لرأي المشهور ـ قد رفعت أثر الجناية المتمثل بالدية عن كاهل الجاني، وألقَتْه على عاتق العاقلة.

وبالتالي فإن مدلول هذه الروايات ـ على فرض ثبوته ـ مخالفٌ للعقل. وعليه لا مندوحة من القول بسقوطه عن الحجّية، ويكون لذلك بحاجةٍ إلى توجيهٍ، كما نرى ذلك من الشيخ المفيد، حيث عمد إلى توجيه هذه الروايات بالالتفات إلى هذا الأمر، وإنْ واجه اعتراضاً شديداً من ابن إدريس الحلّي، بَيْدَ أن العلامة الحلّي عاتب ابن إدريس على تجاهله المقام العلمي الرفيع للشيخ المفيد، واعتباره كلامه مخالفاً للإجماع. وإليك نصّ عبارة العلامة الحلي في هذا الشأن: «هذا جهلٌ من ابن إدريس وتخطئة لشيخنا الأعظم، مع أنه الأصل في إنشاء المذهب وتقريره، والعارف بمذاهب الناس والمجمع عليه والمختلف فيه، القيِّم بالأصولين، المهذِّب لهما، الباحث مع الخصوم، العالم بما يجوز له فيه المخالفة والموافقة. مع أن هذا القائل الجاهل إنما يعتدّ بإجماع الطائفة، ويعتقد رئاسة شيخنا المفيد، وأنه رأس هذه الطائفة، وأوّل مَنْ أظهر علم الإمامية وفقه آل محمد× بعد السلف»([69]).

ثم أشار العلامة الحلّي ـ بعد ذلك ـ إلى هذه القاعدة العقلية في توجيه نظرية الشيخ المفيد، القائمة على الرجوع إلى العاقلة لأخذ الدية منها عوضاً عن القاتل؛ إذ قال: «ولا بُعْد فيه، بل فيه أيضاً الجمع بين المعقول والمنقول؛ فإن الإجماع لمّا دلّ على تضمين العاقلة، والعقل لمّا دلّ على أن العقوبة إنما تجب على الجاني، جمع شيخنا المفيد ـ بذهنه الثاقب وفكره الصائب ـ بين الدليلين، وألزم العاقلة ضمان الدية؛ لدلالة الإجماع عليه، وجعل لها الرجوع على الجاني؛ تعويلاً على دليل العقل»([70]).

والملفت أن أصحاب النظرية المشهورة قد التفتوا إلى مخالفة قولهم لدلالة العقل، ولكنهم لم يستطيعوا أن يخلِّصوا أنفسهم من قيود الرواية المخالفة لمقتضى العقل.

وهو أمرٌ يدعو إلى العجب. كما قال الشيخ الطوسي في هذا الشأن: «وإلزام دية قتل الخطأ العاقلة ليس هو مؤاخذةُ البريء بالسقيم؛ لأن ذلك ليس بعقوبةٍ، بل هو حكم شرعي تابع للمصلحة. ولو خلينا والعقل ما أوجبناه»([71]).

أو المحقق الأردبيلي الذي رأى في إلزام العاقلة بدفع الدية ـ إلا في الموارد المنصوصة ـ مخالفة للعقل والنقل؛ إذ يقول: «لأن إلزام العاقلة خلاف العقل والنقل ظاهراً، إلاّ في المنصوص»([72]).

يُضاف إلى ذلك أن الدليل العقلي لا يمكن تخصيصه، ولا يمكن تجاوز حكم العقل لبعض الروايات ذات الإشكال السندي والدلالي.

وإن هذه المخالفة الكامنة في إطلاق الضمان على آخر بدلاً من ذات الشخص الجاني هو الذي أدّى ببعض الفقهاء منذ القِدَم إلى توجيه ضمان العاقلة. من هنا فإن هذه التوجيهات والتبريرات المذكورة هي في حدّ ذاتها تحمل تأكيداً ضمنياً على أنّ تحميل ضمان الجاني على شخصٍ آخر مخالفةٌ للعقل والقواعد العرفية والمباني الدينية، ولا يمكن قبوله، الأمر الذي يستدعي بذل كلّ هذه الجهود في إطار توجيهه وتبريره، من قبيل: التوجيه الذي ذكره ابن شهرآشوب في بعض كتبه، قائلاً: «إلزام دية قتل الخطأ ليس هو مؤاخذة البريء بالسقيم؛ لأن ذلك ليس بعقوبة، بل هو حكم شرعي تابع للمصلحة. ولو خُلِّينا والعقل ما أوجبناه. وقيل: إن ذلك على وجه المواساة والمعاونة. وقيل: لكي ينصح الأقرباء بعضهم بعضاً. وقيل: لاستحقاق المواريث»([73]).

أو ما جاء في عبارة المحقق الحلّي في كتاب (نكت النهاية) من تبرير هذا الحكم بالقول: إن العدول عن الأصل في الضمان إنما هو رفقٌ بالجاني؛ إذ لم يقصد القتل عامداً([74]).

وفي ما يلي نتناول بعض هذه التوجيهات بالنقد والمناقشة:

 

بعض التوجيهات والإجابة عنها

أـ العاقلة كيان دعم وحماية

هناك مَنْ قال بأن ضمان العاقلة إنما هو حمايةٌ، وتكافلٌ طبيعي بين الأقرباء لحماية بعضهم بعضاً، ومن ذلك قول بعضهم: « إلزام دية قتل الخطأ ليس هو مؤاخذة البريء بالسقيم… وقيل: إن ذلك على وجه المواساة والمعاونة»([75]).

 

نقد التوجيه

إن هذا التوجيه لا ينسجم كثيراً مع الأدلة المتوفّرة ـ ولا سيَّما طبقاً للفهم المشهور ـ، ولا يمكن اعتباره توجيهاً جامعاً وكاملاً؛ إذ إن هذه الأدلة حتّى عندما يعترف ذات الشخص بدافع من الوجدان الأخلاقي، ويقرّ بأنه قد ارتكب قتلاً، ولكنه لا يستطيع دفع الدية لكونه فقيراً، ومع أن منشأ هذا الدعم والتكافل قوي جدّاً إلا أنها لم تَرَ ذلك لازماً، وفي المقابل عندما لا يكون القاتل بحاجةٍ إلى مثل هذا الدعم والحماية قد أوجبت ذلك على العاقلة.

ومن جهةٍ أخرى: إن التعاون والتكافل عمل في غاية الحسن، وقد أمرت به الشريعة، ولكننا في بحث ضمان العاقلة نجد كلاماً يتحدّث عن الوجوب والإلزام بهذا النوع من التعاون والتكافل، وذلك على نحوٍ غير متعارف؛ إذ يعتبر الشخص الخاطئ غير مسؤول عن جنايته، وفي المقابل يفرض على الآخر (المتمثِّل بالأقرباء أو المجتمع) دفع جميع الدية.

كما أن هذا لا ينسجم مع المعنى اللغوي للتعاون والتكافل.

 

ب ـ مَنْ له الغُنْم فعليه الغُرْم

عندما تكون القرابة مصدراً للآثار الإيجابية التي ينتفع بها الفرد، من قبيل: الميراث وما إلى ذلك ـ مما أشارت له بعض الروايات في هذا الشأن ـ، فمن الطبيعي أن يتم الالتزام بتبعاتها الجانبية أيضاً، كما هو الحال بالنسبة إلى دية قتل الخطأ، وإن التعبير بقاعدة: «مَنْ له الغُنْم فعليه الغُرْم» يتناسب مع هذا المورد.

 

نقد التوجيه

يجب القول في الجواب عن هذا الكلام: تقدَّم في الصفحات السابقة أن الرواية التي ترى العاقلة عبارة عن ورثة الشخص الجاني قد أعرض عنها أغلب الفقهاء؛ لضعف سندها ومحتواها.

مضافاً إلى أن هذا التبرير والتوجيه لا يكون في بعض الموارد جامعاً ولا مانعاً؛ إذ إن بعض الموارد تشتمل على «غنم»، دون أن تشتمل على أيّ «غرم».

 

ج ـ تطبيق العدالة

إن من أضعف التوجيهات المذكورة في باب ضمان العاقلة هو التوجيه الذي يذكره عبد القادر عودة، وهو من المفكِّرين البارزين من أهل السنة([76])، ببيان أن: «لو أخذنا بالقاعدة العامة فتحمل كل مخطئ وزر عمله لكانت النتيجة أن تنفذ العقوبة على الأغنياء، وهم قلةٌ، ولامتنع تنفيذها على الفقراء، وهم الكثرة، ويتبع هذا أن يحصل المجني عليه أو وليّه على الدية كاملة إنْ كان الجاني غنياً، وعلى بعضها إن كان متوسط الحال، أما إذا كان الجاني فقيراً، وهو كذلك في أغلب الأحوال، فلا يحصل المجني عليه من الدية على شيء، وهكذا تنعدم العدالة والمساواة بين الجناة، كما تنعدم بين المجني عليهم, فكان ترك القاعدة العامة إلى هذا الاستثناء واجباً؛ لتحقيق العدالة والمساواة».

نقدٌ وتوجيه

بهذا البيان من الضروري أن نتحدّث حول خصوص إتلاف الأموال من قبل الفقراء أيضاً، واعتبار الأغنياء أو غيرهم ـ بمن فيهم العاقلة ـ مسؤولين عن التعويض!

ومن جهةٍ أخرى: ألا تقتضي العدالة في الحدّ الأدنى أن يتحمل الجاني الضريبة من ماله إذا كان متمكناً من الناحية المالية؟!

 

الرأي المختار وأدلّته

من خلال مجموع الأدلة المتقدمة يمكن الاستنتاج والالتزام بكلّ ثقةٍ أن ضمان العاقلة ليس مطلقاً، وإنما يقتصر على المورد الذي يثبت فيه أن العاقلة قد قصّرت ـ بنحوٍ ما ـ في أداء مسؤوليتها في رعاية القاصر من الطفل والمجنون، والأخذ بيد الفقير، الأمر الذي يساعد على توفر بيئة خصبة لوقوع الجرم.

وإن الالتفات إلى الأمرين التاليين يساعد على فهم المسألة:

أولاً: بنظرة تاريخية عابرة ندرك بوضوح أن الدِّين في ما يتعلق بباب الديات والقصاص قد اتخذ مساراً يعمل فيه على تضييق دائرة الضمان، وحصرها بالفرد الجاني؛ إذ كانت جميع الجرائم في الجاهلية تقع عقوباتها ـ الأعمّ مما لو كانت خطأ أو عمداً ـ على جميع أفراد العشيرة والقبيلة، بل تطال أحياناً حتّى النساء والأطفال والبهائم والأشياء. ثم جاء الإسلام ليقوم بالتفصيل في هذه المسألة، وذلك من خلال تقسيم الجنايات إلى ثلاثة أقسام([77])، وهي المسائل التي سبق للقرآن الكريم أن فصّلها في آيات القصاص، حيث عمد إلى تضييق دائرة المسؤولية وحصرها بالفرد الخاطئ والجاني والقاتل فقط.

ونلاحظ هذه الرؤية في عبارة فقيهٍ محقِّق بحجم صاحب الجواهر، رغم وجود الكثير من الأدلة بشأن ضمان الإمام تحت عنوان العاقلة في قتل الخطأ، حيث عمد& إلى اتخاذ مسلكٍ مختلف يصبّ في اعتبار الفرد الجاني هو المسؤول عن سلوكه؛ إذ يقول: «أما احتمال كونه على الإمام مطلقاً حتّى في مثل هذا الزمان على وجهٍ يبطل دم المسلم لعجز الإمام، أو أنه يقوم مقامه نائب الغيبة فيؤدّيه ممّا يتفق قبضه منه من مال الخمس أو من غيره من الأنفال، أو يؤدّيه من غير ذلك مما يرجع إلى المسلمين بناءً على أن الأداء من بيت مالهم لا ماله، فهو شبه الخرافة في الفقه… فلا محيص حينئذٍ عن القول بكونه على الجاني…»([78]).

وثانياً: إن مسألة ضمان العاقلة من الأمور الإمضائية التي تكون ملاكات أحكامها واضحة، ويمكن من خلال النظرة العامة ودراسة أدلتها الوصول إلى نقاط تأثيرها ومناط وملاك أحكامها. فعلى سبيل المثال: إن وضع عمل المجنون أو الأطفال الذين تقع كفالتهم على الآخرين على عاتق الوليّ ـ وهو أمرٌ شائع حالياً ومقبول من قبل جميع المجتمعات البشرية ـ، أو في الموارد التي يفتقر فيها الشخص إلى الوليّ، أو الذي يعجز عن دفع الدية، يعتبر «الإمام» ـ الذي هو تعبيرٌ كنائي عن الحكومة ـ هو المسؤول. وهذا بدوره أمرٌ مقبول من قبل جميع المجتمعات، أو في باب دفع التعويض من قبل العاقلة حيث يكون التعويض قليلاً (أقلّ من الموضحة)، ويمكن للأفراد تحمله عادة، يرفع المسؤولية عن عاتق العاقلة.

وعليه فإن جميع هذه الموارد تشهد بأن ليس في البين تعبُّدٌ لا يمكن فهمه قد صدر من قبل الشارع المقدَّس؛ كي نتمكن من خلال رواية أو روايتين أن نجعل حكماً لا يمكن فهمه عقلاً أو عرفاً، ويكون في الوقت نفسه مخالفاً للقرآن الكريم والقواعد العقلائية.

 

أدلّة الرأي المختار

على الرغم من عدم الحاجة إلى البحث عن دليل لإثبات الرأي المختار في هذه المسألة، بعد فقدان الدليل المعتبر على إثبات نظرية الضمان المطلق، إلاّ أننا مع ذلك لا نرى بأساً في البحث عن أدلّةٍ تثبت رأينا.

 

الدليل الأول: القرآن الكريم

يشتمل القرآن الكريم على العديد من الأدلة على ضمان شخص الجاني. وفي ما يلي نستعرض جانباً منها:

الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ (النساء: 92).

قال أمين الإسلام الطبرسي: «لو خلينا وظاهر الآية لقلنا: إن دية الخطأ على القاتل، لكنْ علمنا بسنّة الرسول والإجماع أن الدية في الخطأ على العاقلة»([79]).

وقال المحقق الأردبيلي في مورد ظهور الآية: «وظاهر الآية والعقل لزومها على القاتل، إلاّ أن النصّ والإجماع حملها على العاقلة»([80]).

كما قال الفاضل الجواد في تأييد هذا الظهور: «ظاهر الآية يقتضي كونهما معاً عليه، إلاّ أن النصّ والإجماع فرّق بينهما، وأوجبها على العاقلة، فهو معلومٌ من خارج»([81]).

فعلى الرغم من أنه يقبل بظهور الآية في وجوب الدية والكفارة جمعاً على القاتل، إلاّ أنه يرفع اليد عن الظهور؛ للدليل الخارجي.

وقد ذكر صاحب الجواهر سبب هذا الفهم من الآية، قائلاً: «بل لعله المنساق من الآية، ولو بسبب جمع الكفّارة، التي لا إشكال في كونها عليه، مع الدية».

ومن الواضح أنه بالالتفات إلى ظهور هذه الآية الشريفة، المعتضدة بتأييد الكثير من الفقهاء والمفسِّرين، مع مطابقتها للعقل، تكون الدية على عاتق القاتل.

وإنّ تجاهل هذا الظهور يحتاج إلى دليلٍ محكم، وأن يكون أوضح من هذا الظهور.

وقد تقدَّم أنه لا يوجد مثل هذا الدليل المطلق.

الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام: 164؛ الإسراء: 15؛ فاطر: 18؛ الزمر: 7)([82]).

توجيه الاستدلال بهذه الآية الشريفة بتقرير: إن حمل الدية على العاقلة يمثل في الحقيقة تحميل وزر القاتل على عاتق آخر، وهو منفيٌّ بصريح هذه الآية.

قال العلامة الطباطبائي: «…أي: لا تحمل نفس حاملة حمل نفس أخرى، أي لا يؤاخذ بالذنب إلاّ مَنْ ارتكبه»([83]).

إن جملة: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ في هذه الآية ـ والتي تكررت في العديد من الآيات الأخرى، ويؤيّد مضمونها بما قبلها وما بعدها، وتشهد عليها آيات أخرى من القرآن الكريم أيضاً ـ تبيِّن قاعدة عامة بشأن مسؤولية الفرد في مقابل ما يصدر عنه من الأفعال، وهي مسؤولية عقلية وفطرية تماماً، وعلى حدّ تعبير الفاضل المقداد: إنه أمر دلّ عليه العقل، وقد صرَّح القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى([84]).

وقال في الإيضاح، في البحث المتعلِّق بولد الزنا، وأسباب عدم جواز «حمل وزر شخص على شخصٍ آخر»: «﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، فلا يجوز أن يؤخذ ولد الزنا بذنب أبيه؛ لأنه ظلم، والله تعالى يستحيل عليه الظلم؛ ولقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ (الكهف: 94)»([85]).

إن حمل العقوبة على شخصٍ آخر غير المذنب ظلمٌ، والظلم محالٌ على الله تعالى.

 

النتيجة

حيث إن هذه الآية الشريفة في مقام بيان مسألة عقلية وفطرية تماماً، وهي تعبّر عن تطابق التكوين والتشريع العادل، وعلى حدِّ التعبير السائد في علم الأصول: إن لسان الدليل العامّ يأبى التخصيص؛ إذ إن مرجع ذلك إلى تخصيص الحكم العقلي والفطري. بل إن كل قانون شرعي يَرِدُ في الكتاب والسنّة إذا كان موافقاً لحكم العقل، بمعنى أن يكون للعقل في ذلك الموضوع حكم متطابق مع قانون الشرع، لم يكن ذلك الخطاب الشرعي قابلاً للتخصيص.

وقال الإمام الخميني& بشأن قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: 2): «ثم إنه بعد إدراك العقل قبح ذلك، أي الإعانة على الإثم، وتهيئة أسباب المنكر والمعصية، لا يمكن تخصيص حكمه وتجويز الإعانة عليها في موردٍ»([86]).

إذ لا يمكن القول ـ طبقاً للقانون العادل الذي يحكم عالم الخلق ـ: إن كل شخص رهنٌ بعمله، ولا أحد يحمل وزر غيره، إلاّ في مورد العاقلة؛ إذ تكون مكلفة بحمل وزر الآخر، أو نقول: لا ينبغي حمل عقوبة شخصٍ على عاتق شخص آخر؛ لما في ذلك من الظلم، إلاّ في هذا المورد.

وقد يقول شخصٌ: طبقاً لنظريتكم، حيث قلتم بمسؤولية العاقلة في بعض الحالات، يكون هناك إلقاءٌ لوزر الآخر على عاتق العاقلة، وبذلك تكونون قد خصّصتم هذه الآية أيضاً.

ولكننا نقول في الجواب: عندما تكون العاقلة (الأعمّ من الأقرباء أو الدولة) مسؤولةً عن رعاية شخصٍ، ولم تقُمْ بواجبها في هذا الاتجاه، فإنها في مثل هذه الحالة إنما تتحمل وزرها، لا وزر غيرها، وعليها أن تتحمَّل تبعات إهمالها وعدم مسؤوليتها.

 

الدليل الثاني: الروايات

إن من بين الأدلة على الرأي المختار الروايات التي تجعل الدية في قتل الخطأ على عاتق الجاني، وهي:

الرواية الأولى: عن أبي العباس، عن الإمام الصادق×، قال: «قلتُ: رمى شاة فأصاب إنساناً؟ قال: ذاك الخطأ الذي لا شَكَّ فيه، عليه الدية والكفارة»([87]).

وكما هو واضح فإن الإمام× في هذه الرواية قد صرَّح بوضع الدية والكفارة على عاتق الجاني.

وهو موافقٌ ـ بل مطابق ـ لمضمون الآية الشريفة، وعلى طبق القواعد والأصول العقلية والعقلائية.

وقال صاحب الجواهر، مشيراً إلى هذه الرواية: «إنه وإنْ كان المغروس في الذهن أن دية الخطأ على العاقلة ابتداءً، إلاّ أن التدبُّر في النصوص وقاعدة اختصاص الجناية بالجاني دون غيره، أنها عليه وإنْ أدَّتْ العاقلة عنه؛ إذ قد سمعت ما في خبري البقباق وغيره، بل لعله المنساق من الآية([88])، ولو بسبب جمع الكفّارة، التي لا إشكال في كونها عليه، مع الدية، فالجمع حينئذٍ بينها وبين ما دلّ على أنها على العاقلة…»([89]).

ثم استطرد بعد ذلك قائلاً: «أما احتمال كونه على الإمام مطلقاً، حتّى في مثل هذا الزمان، على وجهٍ يبطل دم المسلم لعجز الإمام، أو أنه يقوم مقامه نائب الغيبة فيؤدّيه مما يتفق قبضه منه من مال الخمس أو من غيره من الأنفال، أو يؤدّيه من غير ذلك مما يرجع إلى المسلمين، بناءً على أن الأداء من بيت مالهم لا ماله، فهو شبه الخرافة في الفقه… فلا محيص حينئذٍ عن القول بكونه على الجاني…»([90]).

الرواية الثانية: عن يونس بن عبد الرحمن، عن أحدهما’: «في الرجل إذا قتل رجلاً خطأ فمات قبل أن يخرج إلى أولياء المقتول من الدية، أن الدية على ورثته، فإنْ لم يكن له عاقلة فعلى الوالي من بيت المال»([91]).

وكما هو واضح من هذه الرواية فإنها تفترض وجوب دفع الدية على الجاني نفسه.

وهو حكمٌ موافق للقواعد، وعند موت القاتل يدفع الورثة الدية من تركة القاتل.

الرواية الثالثة: عن محمد بن مسلم قال: قال أبو جعفر×: أيّما ظئر قوم قتلت صبياً لهم، وهي نائمةٌ فقتلته، فإنّ عليها الدية من مالها خاصةً إنْ كانت إنما ظاءرت طلب العزّ والفخر، وإنْ كانت إنما ظاءرت من الفقر فإن الدية على عاقلتها»([92]).

وهناك من العلماء، من أمثال: الشهيد الثاني في (مسالك الأفهام)([93])، مَنْ تصور وجود ضعف في هذه الرواية، فامتنع عن العمل على طبقها.

إلاّ أن هذه الرواية ـ التي تُعَدُّ من محاسن كلمات أهل البيت^ ـ تبين ضابطة رئيسة ومتطابقة مع أسمى الأصول والقواعد الأخلاقية والإنسانية والحقوقية؛ إذ تقرِّر أن المرأة إذا اضطرها الفقر إلى المجازفة وقبول مسؤولية الحضانة ورعاية طفل رضيع تكون عاقلتها مقصِّرةً في القيام بدورها تجاهها؛ فتقع عليهم ـ لذلك ـ المسؤولية في التعويض عن تقصيرهم. وأما إذا لم تكن المرأة مضطرةً إلى القيام بهذا العمل، وإنما قامت به لمجرّد التفاخر والسمعة، وجب عليها أن تتحمَّل أعباء جريرتها. وعليه فإن هذا المضمون ـ خلافاً للشهيد الثاني ـ موافقٌ للقواعد والأصول الأخلاقية والحقوقية.

هذا، وإن الشهيد الثاني إنما يتحدّث عن ضعف سند هذه الرواية في الوقت الذي ينقلها المشايخ الثلاثة في كتبهم بطرق مختلفة([94]). كما تم نقلها في كتاب المحاسن للبرقي ـ وهو من الكتب الشهيرة ـ أيضاً([95]). من هنا تكون الرواية معتمدةً، ويقوم بناء العقلاء على حجّية أمثال هذه الرواية، حيث يكون مضمونها مطابقاً للعقل واعتبار النقل والرواية.

وعلى الرغم من تنوُّع طرق نقل هذه الرواية، إلاّ أن مضمونها واحدٌ، وقد نقلها مشاهير الفقهاء، من أمثال: المحقق في (شرائع الإسلام)، وقد أفتى على طبقها، وقال: «لو انقلبت الظئر فقتلته لزمها الدية في مالها إنْ طلبت بالمظاءرة الفخر، ولو كان للضرورة فديته على عاقلتها»([96]).

الرواية الرابعة: موثّقة عمّار الساباطي، حيث تتضمّن إجابة الإمام الباقر× عن سؤال في مورد شخصٍ ضرير فقأ عين رجلٍ صحيح، قال فيها: «إن عمد الأعمى مثل الخطأ، هذا فيه الدية في ماله، فإنْ لم يكن له مالٌ فالدية على الإمام، ولا يبطل حقّ امرئ مسلم»([97]).

الدليل الثالث: العقل

إن حكم العقل بضمان الشخص الخاطئ واضحٌ جداً، إلى الحدّ الذي يعبّر عنه الفقهاء بـ «القاعدة»؛ إذ يقولون: «قاعدة اختصاص الجناية بالجاني، دون غيره»([98]).

كما أن قبح مؤاخذة شخصٍ بجريرة آخر، أو تحميل أثر فعل شخص على آخر لا دور له فيه، من الوضوح بحيث استدلّ به فخر المحقِّقين في كتاب «إيضاح الفوائد» تحت عنوان: «قبح تحميل ولد الزنا وزر والدَيْه»، واعتبر ذلك ظلماً، ودحض الروايات الواردة في هذا الشأن([99]).

وهذه هي الحقيقة التي دفعت أنصار الرأي المشهور إلى الفرار منها من خلال تبرير وتوجيه حكم ضمان العاقلة.

كما أن العلامة الحلّي إنما برَّر مخالفة الشيخ المفيد للإجماع من خلال التمسّك بهذا الدليل العقلي([100]).

وهذا ما صرّح به المحقِّق الأردبيلي أيضاً.

واعتبره الفاضل المقداد متقدِّماً من حيث الرتبة على نصّ الآية الشريفة، فذكره قبل الآية، حيث قال: «دلّ العقل على اختصاص الفاعل بأثر جنايته، دون غيره، ونصّ الكتاب علـى مثل ذلـك، بقوله: ﴿وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: 2)»([101]).

كما رأى صاحب «الجواهر» تقدُّم ضمان الجاني في قتل الخطأ على بيت المال ـ حتّى في صورة حضور الإمام× ـ متطابقاً مع مفهوم العدالة([102]).

 

النتيجة

بالالتفات إلى ما تقدَّم لو ظهر أيّ خللٍ في سلوك الفرد، وأدّى ذلك إلى إلحاق الضرر والجناية في حقّ الآخرين، عُدَّ الكافل له مسؤولاً عن ذلك، وألزم التعويض والغرامة، وكان الضمان على عاتق وليّه. وحيثما تكون هذه المسؤولية، من قبيل: عاقلة المرأة الفقيرة التي تضطرّ إلى حضانة طفل من أجل كسب لقمة عيشها، حيث ينسب العُرْف والشرع التقصير إلى غير الفاعل، يلقى الضمان على عاتقه أيضاً. وفي الحقيقة فإن الضمان إنما ينتقل إلى العاقة المسؤولة، وذلك حيث تكون مقصّرة في القيام بمسؤوليتها.

ومن خلال الالتفات إلى مخالفة الحكم بـ «ضمان مطلق العاقلة» للأساليب والقواعد الفقهية الواضحة، وتعارضه مع القرآن الكريم، يبدو أن هذا التوجيه والتبرير أمر عقلائيّ وموافق لما يهدف إليه المشرِّع تماماً، بل هو في الحقيقة من أفضل الطرق للجمع بين الأدلة.

الهوامش

(*) أحد مراجع التقليد في إيران اليوم. تلميذ الإمام الخميني والسيد البروجردي، وعضوٌ سابق في مجلس خبراء القيادة. له آراءٌ فقهيّة عديدة مخالفةٌ لمشهور العلماء، ولا سيَّما في فقه المرأة.

([1]) انظر: الكليني، الكافي 7: 4، ح2، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1407هـ؛ الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 19: 310 ـ 311، باب ثبوت الوصية بشهادة مسلمين عدلين…، ح3، 5، مؤسسة آل البيت، ط1، قم المقدّسة، 1413هـ.

([2]) ابن أبي جمهور الأحسائي، عوالي اللآلي العزيزية في الأحاديث الدينية 1: 364.

([3]) طبقاً للمادة رقم (307) من قانون العقوبات الإسلامية تم تعريف العاقلة بأنها: (الأرحام النسبيون من الذكور من ناحية الأب والأم، أو الأب فقط، على ترتيب طبقات الأرث، بمعنى أنهم الذين يرثونه عند موته، فتقع عليهم مسؤولية دفع الدية بالتساوي).

([4]) نسبة إلى صاحب كتاب (جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام). المعرِّب.

([5]) انظر: الجوهري، الصحاح 6: 2521.

([6]) ابن منظور الأفريقي، لسان العرب 15: 383.

([7]) الشهيد الثاني، مسالك الأفهام 15: 315، مؤسسة المعارف الإسلامية، قم المقدّسة، 1413هـ.

([8]) انظر: ابن منظور الأفريقي، لسان العرب 14: 488.

([9]) النجفي، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام 43: 413.

([10]) المبسوط في فقه الإمامية 7: 173.

([11]) المقداد بن عبد الله، المعروف بـ (الفاضل المقداد السيوري)، التنقيح الرائع لمختصر الشرائع 4: 531، انتشارات مكتبة المرعشي النجفي، قم المقدّسة، 1404هـ.

([12]) الطوسي، الخلاف 5: 269، المسألة 84، دفتر انتشارات إسلامي، ط1، قم المقدسة، 1407هـ.

([13]) النجفي، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام 43: 444.

([14]) المفيد، المقنعة: 737، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، ط1، قم المقدسة، 1413هـ.

([15]) انظر: حمزة بن عبد العزيز، المعروف بـ (سلار الديلمي)، المراسم العلوية: 239، منشورات الحرمين، ط1، قم المقدسة، 1404هـ.

([16]) انظر: القطب الراوندي، فقه القرآن 2: 408، منشورات مكتبة المرعشي النجفي، ط2، قم المقدسة، 1405هـ.

([17]) انظر: يوسف صانعي، استفتاءات قضائي 1: 290، السؤال رقم 386، انتشارات برتو خورشيد، ط3، قم المقدسة، 1388هـ ش.

([18]) الطوسي، الخلاف 5: 269، المسألة 84.

([19]) الطوسي، التبيان 3: 294.

([20]) ابن إدريس الحلّي، السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي 3: 335، دفتر انتشارات إسلامي، ط2، قم المقدسة، 1410هـ.

([21]) انظر: المحقق الحلّي، نكت النهاية 3: 367، دفتر انتشارات إسلامي، ط1، قم المقدسة، 1412هـ.

([22]) انظر: العلامة الحلّي، مختلف الشيعة 9: 414، المسألة 85، دفتر انتشارات إسلامي، ط2، قم المقدسة، 1413هـ.

([23]) الأنعام: 164؛ الإسراء: 15؛ فاطر: 18؛ الزمر: 7. وانظر أيضاً: النجم: 38.

([24]) انظر: ابن إدريس الحلّي، السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي 3: 335.

([25]) النجفي، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام 43: 25.

([26]) انظر: العاملي، مفتاح الكرامة 10: 360 ـ 361، دار إحياء التراث العربي، ط1، قم المقدسة.

([27]) الطوسي، الخلاف 5: 277، المسألة 98.

([28]) الفاضل الهندي، كشف اللثام 11: 498.

([29]) انظر: الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 29: 397، باب حكم القاتل خطأ، ح1.

([30]) ابن جُنَيْد الإسكافي، مجموع فتاوى ابن جنيد: 355، دفتر نشر إسلامي، قم المقدسة، 1416هـ.

([31]) النجفي، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام 43: 420 ـ 421.

([32]) المفيد، المقنعة: 737.

([33]) انظر: الطوسي، الخلاف 5: 285، المسألة 108.

([34]) انظر: سلاّر الديلمي، المراسم العلوية: 239

([35]) العلامة الحلّي، مختلف الشيعة 9: 269، المسألة 4.

([36]) النجفي، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام 23: 25.

([37]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 29: 391، باب أن عاقلة أهل الذمة الإمام…، ح1.

([38]) الأردبيلي، مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان 14: 288، مؤسسة النشر الإسلامي، ط1، قم المقدسة، 1416هـ.

([39]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 29: 392، باب العاقلة والقسمة عليهم…، ح1.

([40]) انظر: المحقق الحلي، شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام 4: 271، انتشارات دار التفسير، ط3، قم، 1425هـ.

([41]) انظر: الشهيد الثاني، الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية 10: 310، كتابفروشي داوري، ط1، قم، 1410هـ.

([42]) النجفي، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام 43: 422.

([43]) الطوسي، تهذيب الأحكام 10: 172، ح16، دار الكتاب الإسلامي، ط4، طهران، 1407هـ؛ الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 29: 397، باب القاتل خطأ، ح1.

([44]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 29: 402، باب حكم مَنْ زنى بحاملٍ فقتل ولدها، ح1.

([45]) انظر: النجفي، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام 43: 88.

([46]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 29: 402، باب حكم مَنْ زنى بحاملٍ فقتل ولدها، ح2.

([47]) الطوسي، تهذيب الأحكام 10: 233، ح52؛ الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 29: 400، باب حكم عمد المعتوه والمجنون و…، ح1.

([48]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 29: 401، باب حكم عمد المعتوه والمجنون و…، ح5.

([49]) الطوسي، تهذيب الأحكام 10: 232 ـ 233، ح51؛ الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 29: 399، باب حكم عمد الأعمى، ح1.

([50]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 29: 89، باب حكم عمد الأعمى، ح1.

([51]) الشهيد الثاني، مسالك الأفهام 15: 168.

([52]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 29: 89، باب حكم القاتل عمداً إذا هرب، ح1.

([53]) انظر: الكليني، الكافي 7: 365، ح3؛ الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 29: 89، باب حكم القاتل عمداً إذا هرب، ح3.

([54]) الكليني، الكافي 7: 366، ح5؛ الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 29: 394، باب أن العاقلة لا تضمن عمداً و…، ح1.

([55]) انظر: اختيار معرفة الرجال: 831.

([56]) الطوسي، تهذيب الأحكام 10: 17، ح24، 25؛ الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 29: 396 ـ 400.

([57]) انظر: المحقق الحلّي، شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام 4: 272.

([58]) الكليني، الكافي 7: 370، ح2؛ الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 29: 265، باب حكم ضمان الظئر الولد، ح1.

([59]) انظر: المحقق الحلّي، شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام 4: 235.

([60]) انظر: محمد بن محمد بن الأشعث، الجعفريات: 129، مكتبة نينوى الحديثة، ط1، طهران؛ الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 29: 394، باب أن العاقلة لا تضمن عمداً و…، ح1، 2.

([61]) وانظر أيضاً: النجم: 38.

([62]) انظر: الأنبياء: 22، النحل: 93، النجم: 39، فصّلت: 46، الأنعام: 164.

([63]) المقداد بن عبد الله السيوري، التنقيح الرائع لمختصر الشرائع 4: 531.

([64]) الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 7: 396.

([65]) انظر: الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 28: 108، ح7، من أبواب حدّ الزنا.

([66]) انظر: النجفي، جواهر الكلام 41: 237.

([67]) المفيد، تصحيح الاعتقادات: 149.

([68]) المقداد بن عبد الله السيوري، التنقيح الرائع لمختصر الشرائع 4: 531.

([69]) العلامة الحلّي، مختلف الشيعة 9: 290، المسألة 4.

([70]) المصدر نفسه.

([71]) الطوسي، التبيان 3: 294.

([72]) الأردبيلي، مجمع الفائدة والبرهان 14: 155.

([73]) محمد بن علي بن شهرآشوب، متشابه القرآن ومختلفه 2: 220، دار بيدار للنشر، ط2، قم، 1369هـ.

([74]) انظر: المحقق الحلّي، نكت النهاية 3: 367.

([75]) انظر: القطب الراوندي، فقه القرآن 2: 412، مكتبة المرعشي النجفي، ط2، قم، 1405هـ. وقد تقدم هذا النصّ من: محمد بن عليّ بن شهرآشوب، في متشابه القرآن ومختلفه، فتأمَّلْ. (المعرِّب).

([76]) انظر: عبد القادر عودة، التشريع الجنائي الإسلامي 1: 674 ـ 677، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1415هـ.

([77]) انظر: الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 29: 35 ـ 41، باب تفسير قتل العمد والخطـأ وشبه العمد من أبواب قصاص النفس.

([78]) النجفي، جواهر الكلام 43: 446.

([79]) الطبرسي، مجمع البيان 5: 92.

([80]) الأردبيلي، زبدة البيان في أحكام االقرآن: 676، المكتبة الجعفرية، ط1، طهران.

([81]) الفاضل الجواد، مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام 4: 227.

([82]) وانظر أيضاً: النجم: 38.

([83]) الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 17: 35.

([84]) انظر: المقداد السيوري، التنقيح الرائع 4: 531.

([85]) فخر المحققين، إيضاح الفوائد 4: 426، مؤسسة إسماعيليان، قم، 1387هـ.

([86]) الخميني، المكاسب المحرمة 1: 196.

([87]) الطوسي، تهذيب الأحكام 10: 156، ح3؛ الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 29: 38، باب تفسير قتل العمد والخطأ وشبه العمد، ح9.

([88]) انظر: النساء: 92.

([89]) النجفي، جواهر الكلام 43: 444 ـ 445.

([90]) النجفي، جواهر الكلام 43: 446.

([91]) الطوسي، تهذيب الأحكام 10: 172، ح16؛ الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 29: 397، باب القتل خطأ، ح1.

([92]) الكليني، الكافي 7: 370، ح2؛ الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 29: 265، باب حكم ضمان الظئر الولد، ح1.

([93]) انظر: الشهيد الثاني، مسالك الأفهام 15: 352.

([94]) انظر: الكليني، الكافي 7: 370، ح2؛ الصدوق، مَنْ لا يحضره الفقيه 4: 119، دفتر انتشارات إسلامي، ط3، قم، 1413هـ؛ الطوسي، تهذيب الأحكام 10: 222، ح5.

([95]) انظر: البرقي، المحاسن 2: 305، دار الكتب الإسلامية، قم المقدسة، 1371هـ.

([96]) المحقق الحلّي، شرائع الإسلام 4: 235.

([97]) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 29: 89، باب حكم عمد الأعمى، ح1.

([98]) انظر: النجفي، جواهر الكلام 43: 444.

([99]) انظر: فخر المحققين، إيضاح الفوائد 4: 426، مؤسسة إسماعيليان، قم، 1387هـ.

([100]) انظر: العلامة الحلّي، مختلف الشيعة 9: 290، المسألة 4.

([101]) الفاضل المقداد السيوري، التنقيح الرائع لمختصر الشرائع 4: 531. إلاّ أن الآية المذكورة هناك هي قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾، وهي الأنسب. (المعرِّب).

([102]) انظر: النجفي، جواهر الكلام 43: 446.