رؤيةٌ حول حمل الروايات على التقية

30 يوليو 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
306 زيارة

رؤيةٌ حول حمل الروايات على التقية

عند الشيخ الطوسي

السيد محمد كاظم المددي الموسوي(*)

ترجمة: مرقال هاشم

1ـ التقية في المرحلة السابقة لعصر الشيخ الطوسي

في بداية المرحلة الأولى من الحضور المستقلّ لفقهاء الشيعة بعد عصر الأئمة، منذ منتصف القرن الهجري الثالث وصولاً إلى ظهور الشيخ الطوسي في القرن الهجري الخامس، رغم الحضور القويّ لمفهوم التقية في الفقه بوصفه مسألةً فقهية هامّة، إلاّ أننا قلّما نجد حَمْلاً للروايات على التقية كوسيلةٍ لعلاج الأخبار المتعارضة.

ففي المصادر الروائية، ولا سيَّما المتقدّم منها، يندر أن نعثر على كتابٍ ـ من الكتب التي وصلتنا ـ يتعرَّض صاحبه لحمل الروايات على التقية. فإن كتباً من قبيل: «فقه الرضا»، و«مسائل عليّ بن جعفر»، و«قرب الإسناد»، للحميري، و«المحاسن»، للبرقي، و«النوادر»، للأشعري، و«الجعفريات»، لمحمد بن الأشعث، و«دعائم الإسلام»، للمغربي، و«كامل الزيارات»، لابن قولويه، و«معاني الأخبار»، للصدوق، هي من أهمّ المصادر الروائية المتقدّمة، ومع ذلك لا نرى في أيٍّ منها أثراً لحمل الروايات على التقية، إلاّ الصدوق في نهاية القرن الهجري الرابع، حيث نجد له في كتاب «مَنْ لا يحضره الفقيه» روايتين فقط حَمَلهما على التقية([1])، ومع ذلك فإن البيان الذي يذكره الشيخ الصدوق لتوجيه حمل هاتين الروايتين على التقية، والموضع الذي حدث فيه التعارض، يختلف بوضوحٍ عن مواضع وأساليب الشيخ الطوسي وغيره من المتأخِّرين، على ما سيأتي توضيحه لاحقاً.

وفي ما يتعلق بالكتب الفقهية كذلك لا نجد الحمل على التقية يأتي بداعي السبب في عدم اختيار قولٍ عند وجود الاختلاف. ومن هنا فإن «المقنع» و«الهداية»، للشيخ الصدوق، و«تأويل الدعائم»، للمغربي، و«المراسم»، لسلاّر، و«الكافي»، لأبي الصلاح، و«المهذب» و«الجواهر»، لابن البرّاج، و«المقنعة» و«الإعلام» و«الإشراف» و«المهر» و«النساء»، للشيخ المفيد، لم يتمّ التعرّض في أيٍّ منها لمسألة الحمل على التقية. وحتّى في موارد التعاطي مع الروايات المخالفة، والاضطرار إلى حلّ التعارض ـ كما حصل للشيخ المفيد في «المقنعة» في خصوص مسألة الحضور في المشعر الحرام ـ تمّ حمل الرواية المعارضة على الندرة، ونسبة الرواية المختارة إلى التواتر([2]).

والمورد الوحيد في هذه المرحلة، في نهاية القرن الهجري الرابع وبداية القرن الهجري الخامس، هو للسيد المرتضى، أستاذ الشيخ الطوسي، حيث ذكر الحمل على التقية في موضعين. وعلى الرغم من ذلك فإن التمعُّن في مبناه في خبر الواحد يثبت أن هذا الحمل منه على التقية لم يكن من قبيل: حمل الشيخ الطوسي، وإنما كان أشبه بـ «إلزام المخالف بما يعتقد». وخيرُ شاهدٍ على ذلك تصريحُه في مسألة ترجيح روايات العدد أو الرؤية في شهر رمضان بهذا الخصوص؛ حيث صرَّح بعدم وجود أثر للحمل على التقية مع القول بعدم حجّية خبر الواحد. ومن هنا لا يمكن للخصم أن يتّخذه دليلاً([3]). كما أنه في موضعٍ آخر من هذا البحث ينتقد أصل توظيف الحمل على التقية وفقاً لأيّ مبنى، معتبراً إيّاه منهجاً مفتقراً إلى ما يضمن صحّته([4]).

2ـ التقية في عصر الشيخ الطوسي

بعد ظهور الشيخ الطوسي في القرن الهجري الخامس اتَّخذ حمل الروايات على التقية فجأةً مستوىً مختلفاً، وسرعان ما تحوّل هذا النوع من الحمل إلى أداةٍ شائعة الاستعمال في التعاطي مع الروايات. وقد عمل في البداية على تفعيل هذا النوع من الحمل على نطاق واسع في مجموعتيه الروائيتين: «تهذيب الأحكام»؛ و«الاستبصار». ومن ذلك، على سبيل المثال: إنه في كتاب «الاستبصار» وحده عمد إلى حمل مئتين وعشرين رواية ـ ممّا يقرب من خمسة آلاف وخمسمئة رواية ـ على التقية. وقد تم استعمال هذا الحمل في بعض الأحيان بوصفه التبرير الوحيد لحلّ التعارض([5])، وفي بعض الموارد يذكر بوصفه احتمالاً من بين سائر المحتملات الأخرى([6]).

وكان من نتائج ذلك وقوع انفرادات، وحتّى ظهور عناوين جديدة في الأبواب الفقهية، تعتبر بالقياس إلى الفقه المتقدِّم غير مسبوقةٍ من حيث الأسلوب، ومن حيث النتيجة أيضاً. ففي جميع الموارد التي حمل فيها الروايات في الفقه على التقية كانت تختلف في الموضوع أو النتيجة عن فقه المتقدِّمين، من قبيل: الرواية التي لم يستند إليها غير الشيخ، وفي الفقه لم يتعرَّض لأصل المسألة أحدٌ غيره([7]).

كما تمّ توظيف هذا الأسلوب والمنهج من قِبَل المتأخِّرين عن الشيخ الطوسي أيضاً. وعلى الرغم من وجود بعض مراحل الأُفول، ولا سيَّما بسبب نبذ مباني الشيخ الطوسي في ما يتعلَّق بحجّية خبر الواحد، فقد تمّ في الفقه بعده في نهاية المطاف القبول بموارد حمله على التقية، وتمّ توظيف وتوسيع أسلوبه ومنهجه على نطاقٍ واسع.

3ـ الفرضية الأولى بشأن سبب وجود الاختلاف بين مرحلتين

إن الفرضية السائدة بشأن بيان السبب في حدوث هذا التغيير وهذا الاختلاف المبنائي تقوم على التحليل القائل بأن المتقدِّمين عند تأليف الكتب الروائية كانوا يذكرون مجرّد الروايات المقبولة عندهم بوصفها روايات صحيحة، وفي كتبهم الفقهية لا يتعرَّضون لغير الروايات التي يرَوْنها معتبرة، ويفتون على أساسها طبقاً لمبانيهم. وعليه كان من الطبيعي أن لا يتعرَّضوا في كتبهم إلى حمل الروايات على التقية؛ لكونهم قد حذفوا هذه الروايات في مرحلةٍ سابقة على التأليف. ومن هؤلاء: الشيخ الصدوق، حيث صرّح بوجود مثل هذا المنهج في مقدّمة كتاب «مَنْ لا يحضره الفقيه»، ببيان أن مراده في هذا الكتاب لم يكن شبيهاً بمقصد سائر المؤلِّفين الذين يذكرون كلّ ما وصل إليهم من الروايات، وإنما الذي يريده هو ذكر مجرّد الموارد التي أفتى على طبقها، وحكم بصحتها، والتي يرى أنها حجّةٌ بينه وبين الله([8]). وهذا على خلاف منهج الشيخ الطوسي الذي كان يرمي إلى جمع كافّة الروايات الصحيحة والسقيمة، وهو ما صرَّح به الشيخ في مقدّمة كتاب «تهذيب الأحكام»، حيث يقول: إنه ـ بعد ذكر الآيات والروايات والإجماعات المعتمدة ـ يذكر كذلك الروايات التي لا تنافي هذه المصادر، ثم يتعرَّض إلى بيان وجه هذه الروايات من التأويل الذي يؤدّي إلى الجمع بينها، وصولاً إلى بيان وجه فسادها([9]). ومن الواضح أن سبب هذا الأمر أنه لم تبْقَ ـ في الأساس ـ رواياتٌ متعارضة في كتب المتقدّمين؛ كي تمسّ الحاجة لاحقاً إلى الحمل على التقية في علاجها، لا أنهم لم يكونوا ليستفيدوا من هذا النوع من الحمل أصلاً. وفي الحقيقة إنهم قد استفادوا من الحمل على التقية قبل أن يباشروا التصنيف والتأليف، وبذلك قاموا بحذف الروايات المتعارضة وغير المعتبرة، وهكذا لم يبْقَ من أثرٍ لها في تراثهم وكتبهم.

4ـ الفرضية الثانية بشأن سبب وجود الاختلاف بين مرحلتين

إن الفرضية الأولى تبدو بحَسَب الظاهر منسجمةً مع الشواهد التاريخية المتعلقة بعمل وأسلوب الأصحاب. إلاّ أن ملاحظة جانبٍ آخر من الشواهد، وإعادة قراءة المستندات التاريخية، يثبت وجود إشكالاتٍ جادّة. ومن هنا يتمّ طرح فرضية ثانية بشكلٍ جادّ.

وترى هذه الفرضية أن عدم وجود الحمل على التقية ينشأ من عدم اعتقاد المتقدِّمين بهذا الأسلوب والمنهج (منهج الشيخ الطوسي) عند حصول التعارض. وطبقاً لهذه الفرضية لم يكن لدى المتقدِّمين حاجةٌ للاستفادة من حمل الروايات على التقية، وإنهم في حلّ التعارض كانوا يستفيدون من أساليب أخرى. وهذا على خلاف طريقة المتأخِّرين، حيث كانوا يعملون على حلّ التعارض من خلال الاستناد إلى القواعد العامّة، من قبيل: حمل الروايات الموافقة للعامة على التقية، بغضّ النظر عن خصوصيات المورد، وهي القواعد التي تمّ إنتاجها وبلورتها في إطار تكامل وازدهار علم الأصول. وقد كانت طريقة حلّ الأصحاب المتقدِّمين للتعارض، مع فقدان طريقة الحمل على التقية وغيرها من القواعد العامة، تكمن في دراسة كلّ روايةٍ بشكل مستقلّ على أساس القرائن والشواهد التاريخية، من ناحية المضمون، ومن ناحية السند. وهو المنهج المنسجم مع الكلام المأثور عن الأئمة الأطهار^ بشأن خصائص مواضع التقية، وكيفية التعاطي معها. ويترتّب على ذلك ضبط تلك المواضع، وتناغمها مع النتيجة المترتِّبة على ما نشاهده من أعمال المتقدِّمين بالفعل. ويمكن لها أن تكون بياناً لهذا الوضع، حيث تمّ مجرّد نقل الروايات المعتمدة أيضاً. وفي موارد ذكر الروايات المتعارضة، بَدَلاً من الاستعانة بقاعدةٍ عامة، تتمّ دراسة الشواهد والقرائن الموافقة والمخالفة.

وفي ما يلي نبحث في الشواهد الدالّة على تأييد هذه الفرضية، وردّ الفرضية الأولى.

أـ وجود الاختلاف المبنائي في دائرة حجّية خبر الواحد

إن أهمّ شاهد على وجود الاختلاف المبنائي بين الشيخ الطوسي والمتقدِّمين، والذي يبيّن بوضوح اختلافهم المبنائي بشأن الحكم على الروايات، يكمن في مسألة حجّية خبر الواحد. فإن الشيخ الطوسي قد سلك طريقاً مغايراً لعمل الأصحاب. فقد كان أستاذه السيد المرتضى([10])؛ بسبب عدم وجود دليل شرعي، بعد عدم إفادة العلم وإمكان التعبُّد العقلي، والشيخ المفيد([11])؛ من حيث استحالة إفادة العلم، كانا يقولان بعدم حجّية خبر الواحد. أما الشيخ الطوسي فإنه بعد ذهابه إلى القول بإمكان التعبُّد عقلاً؛ بسبب وجود الدليل الشرعي، على الرغم من عدم إفادة العلم ومجرّد إفادة الظنّ، كان أول مَنْ قال صراحةً بحجّية خبر الواحد([12])، وذكر الإجماع في ما ذكر من الأدلة الشرعية على حجّيته، معتبراً ذلك موضع إجماع الأصحاب([13]).

وقد كان لاتخاذ هذا المبنى تأثيرٌ مباشر في بحث تعارض الروايات؛ إذ في حالة القول بالحجّية التعبّدية؛ بسبب وجود الدليل الشرعي، حتّى مع فرض التعارض، سيكون كلا الطرفين المتعارضين حجّة، ولا بُدَّ أن يكون هناك مرجِّحٌ؛ كي يؤيّد صحّة مضمون أحد الخبرين. وإنّ حمل الرواية الموافقة للعامة على التقية ـ بَدَلاً من الخَدْش في أصل صدورها ـ يمثِّل مرجِّحاً يحافظ على الحجّية وسلامة الخبر، وفي الوقت نفسه يُسقطه من الاعتبار، ويحلّ التعارض.

ومن هنا فإن المتقدِّمين لم يقولوا بحجّية خبر الواحد انطلاقاً من عنوان الخبر، بل كانوا ينظرون إلى الخبر بما هو مفيدٌ للعلم. وإن الروايات في الأساس لم تكن لها حجّية تعبُّدية، ليتمّ بعد ذلك ـ في حالة حصول التعارض ـ المحافظة على حجّيتها بواسطة الحمل على التقية، بل إن مضمون كلّ رواية عند إفادة العلم يعتبر حجّةً، ومن بين الأمارات على إفادة العلم عدم كون الرواية صادرةً بداعي التقية. وبالتالي فإنهم كانوا يدرسون كلّ رواية قبل حصول التعارض بشكلٍ مستقلّ، ويعتبرونها مفيدة للعلم أو غير مفيدة له. وكان ذلك على خلاف طريقة الشيخ الطوسي، الذي لم يكن ينظر في الأساس إلى الرواية بوصفها صحيحةً وحجّة إلاّ بعد حصول التعارض. وعليه فإن الشيخ الطوسي؛ بسبب مبناه في حجّية خبر الواحد، كان يعمل من جهةٍ على جمع الأخبار التي لم يعمل بها الأصحاب، وكان من جهةٍ أخرى يعمد إلى توظيف الحمل على التقية؛ للمحافظة على حجِّيتها. في حين أن غيره من الأصحاب ـ كالسيد المرتضى ـ؛ حيث لم يقولوا بحجّية خبر الواحد، كانوا يتبعون ملاكات العلم في هذا الشأن، ولذلك فإنهم لم يكونوا بحاجة إلى الحمل على التقية. كما أنهم من ناحيةٍ أخرى لم يكونوا يتعرَّضون في الأساس إلى أبحاث التعادل والتراجيح، بل لم يكونوا يحملون هاجس التعارض، كما ذكر السيد المرتضى هذه المسألة في بحث إمكان وعدم إمكان التعبّد بخبر الواحد في فصلٍ مختصر، إذ قال: إننا حيث لا نعتقد بحجّية خبر الواحد لسنا بحاجةٍ للدخول في بحث فروع هذه المسألة، من تقسيمات الخبر إلى مسائل التعارض([14]). وفي المجموع فإن الاختلاف في حجّية خبر الواحد يمثِّل علامة هامّة تبيّن اختلاف المتقدِّمين المبنائي في مواجهة الروايات، وكيفية الحكم بشأنها، كما يوضِّح منزلة الحمل على التقية في هذه المسألة أيضاً.

ب ـ الاستفادة من أساليب الآخرين أو السكوت في موارد بيان التعارض

إن دراسة موارد نقل التعارض، وكيفية تعاطي المتقدِّمين مع اختلاف الأقوال، من المؤشِّرات الأخرى على وجود الاختلاف المبنائي بينهم وبين الشيخ الطوسي. وفي أغلب الموارد التي نقلها المتقدِّمون بشأن وجود التعارض أو الأقوال المخالفة عمدوا إلى حلّ التعارض القائم من خلال الأساليب الأخرى الناظرة إلى دراسة كلّ رواية بشكلٍ مستقلّ، بعيداً عن الحمل على التقية. كما أن هذه المسألة تجعل من صحة الفرضية الأولى أمراً مشكوكاً فيه، ولازم تلك الفرضية حذف الموارد المرتبطة بالتعارض من كلام المتقدِّمين، والإبقاء على مجرّد أقوالهم المختارة. ولكننا في الوقت نفسه نشاهد الكثير من الموارد في آثار تلك المرحلة، حيث تعرَّض فيها أصحابها إلى الروايات المتعارضة مع الأقوال والروايات المختارة، الأمر الذي يثبت أن الأصحاب كانوا يتعرَّضون إلى بحث التعارض، ولم يكن الأمر كما لو أنهم كانوا قد بحثوا هذه المسائل في مرحلةٍ سابقة على تأليف الكتب.

وفي ما يلي سنأتي على ذكر موارد معيّنة من التعارض في أحد كتب تلك المرحلة، وهو كتاب «المقنعة»، للشيخ المفيد، مع توضيح أسلوب حلّ التعارض في كلّ واحدٍ من تلك الموارد:

1ـ «وإذا أخذ الرجل حجّة ففضل منها شيءٌ فهو له، وإنْ عجزت فعليه. وقد جاءت روايةٌ أنه إنْ فضل ممّا أخذه فإنه يردّه إنْ كانت نفقته واسعةً، وإنْ كان قتَّر على نفسه لم يردّه. وعلى الأول العمل، وهو أفقه»([15]).

فنجد الشيخ المفيد هنا يرجِّح الرواية الثانية على الرواية الأولى؛ بمجرد ذكر «الأفقه» و«على الأول العمل»، ويرى وجوب العمل على طبقها.

2ـ «فإنْ حضر المشعر الحرام قبل طلوع الشمس من يوم النحر فقد أدرك الحجّ؛ وإنْ لم يحضره حتى تطلع الشمس فقد فاته الحجّ. وقد جاءت روايةٌ أنه إنْ أدركه قبل زوال الشمس فقد أدرك الحجّ. غير أن هذه الرواية جاءت من نوادر الأخبار، وما ذكرناه متواترٌ ظاهر من الآثار»([16]).

وفي هذا المورد يصف الشيخ المفيد الرواية التي اختارها بمجرّد التعبير عنها بـ «وما ذكرناه متواترٌ ظاهر من الآثار». وكذلك في رد الرواية المعارضة يكتفي بالقول: «غير أن هذه الرواية جاءت من نوادر الأخبار».

3ـ «وابن السبيل، وهم المنقطع بهم في الأسفار، وقد جاءت روايةٌ أنهم الأضياف، يُراد به مَنْ أضيف لحاجته إلى ذلك، وإنْ كان له في موضعٍ آخر غنى ويسار، وذلك راجعٌ إلى ما قدَّمناه»([17]).

وهنا ينقل الشيخ المفيد روايةً أخرى تذكر لـ «ابن السبيل» معنىً مختلفاً. ولكي يحلّ تعارضها مع معنى الرواية المختارة عمد إلى حمل ذلك التعبير المختلف على ذات المعنى الموجود في الرواية الأولى.

ج ـ الاختلاف المبنائي في تعريف مخالفة العامّة

المسألة الأخرى التي تبيِّن وجهاً آخر من هذا الاختلاف وجود التفاوت في تعريف مخالفة الرواية للعامّة. فخلافاً لاتّجاه الشيخ الطوسي، الذي يضع فيه كل رواية تحتوي على شائبة الانفراد في مظانّ التقيّة بشكلٍ مطلق، يبدو من المتقدِّمين أنهم يتبنّون في هذا الشأن مبنىً مضيّقاً بشدّة، حيث يحصرون روايات التقية في أبواب خاصة. إن هذه المسألة كما تشكِّل دليلاً على عدم استفادة المتقدِّمين من القواعد العامة، فإنها تدلّ أيضاً على أنهم لم يكونوا بوارد حذف الروايات المحمولة على التقية قبل التأليف الدالّ على عدم الاستفادة من هذا الحذف. وهناك عبارةٌ للشيخ المفيد في نهاية «الرسالة العددية» تبيِّن هذه المسألة بوضوحٍ. فهو في معرض ردّ الادّعاء القائل بأن الرواية موضع البحث صادرةٌ بداعي التقية قال: إن حمل الرواية الموافقة للعامة على التقية يرتبط في الأساس بمواضع مدح أعداء الله، والترحّم على خصماء الدين، ويصرِّح بأن هذه الروايات لا تشمل الروايات الفقهية([18]).

د ـ اختلاف أسلوب الحمل على التقية في الموارد المحدودة

بالالتفات إلى أن مسألة وجود الروايات الصادرة بداعي التقية، وسقوطها عن الحجّية، حقيقةٌ تاريخية ثابتة ومسلَّمة عند الشيعة في جميع المراحل يجب ـ على القاعدة ـ أن يَرِدَ ذكرٌ لموارد منها في كتب المتقدِّمين أيضاً. والمسألة الهامّة في البين هي أن كيفية المواجهة مع هذه الظاهرة وأسلوب حلّها كانت تختلف اختلافاً ماهوياً عن مرحلة الشيخ الطوسي. ومن هنا فإن هذه الموارد المعدودة من الحمل على التقية تمثِّل بدورها شاهداً مهمّاً آخر على وجود الاختلاف المبنائي. ففي كتاب «مَنْ لا يحضره الفقيه»، للشيخ الصدوق، الذي يمثِّل المورد الوحيد بين كتب المتقدِّمين في حمل الروايات على التقية، نجد أن أسلوب حمل الرواية على التقية والموقف المتَّخذ من التعارض الحاصل يختلف بشكلٍ واضح عن أساليب الشيخ الطوسي. ففي الروايتين اللتين تمّ حملهما على التقية تذكر التقيّة بوصفها أمراً تمّ إحرازه بالقرائن، وأنها الوجه الوحيد الناظر إلى الواقعية الخارجية والتاريخية، خلافاً لطريقة الشيخ الطوسي، حيث يستفيد في أكثر الموارد من الحمل على التقية بوصفه طريق الحلّ المحتمل إلى جانب سائر المحامل الأخرى، من قبيل: الحمل على الاستحباب، والخَدْش في السند، دون أن تكون هناك أمارةٌ بالخصوص على كون الرواية صادرةً بداعي التقية([19]).

هـ ـ روايات التقية في المصادر الروائية، والفتاوى المستندة إليها في الكتب الفقهية القديمة

إن من أهمّ الشواهد التي تثبت وجود الاختلاف بين مبنى المتقدِّمين وبين الشيخ الطوسي وجود رواياتٍ حملها الشيخ على التقية، بينما تمّ تصحيحها في كتب المتقدِّمين. إن أكثر الروايات التي حملها الشيخ الطوسي في كتبه ـ من قبيل: «التهذيب» و«الاستبصار» ـ على التقية قد تمّ حذفها في المصادر الروائية المتقدِّمة. ويمكن لهذا أن يكون دالاًّ على اعتقاد أصحاب تلك المصادر بصدور تلك الروايات بداعي التقية. بَيْدَ أن هناك عدداً كبيراً من الروايات المحمولة على التقية لم يتمّ حذفها، فهي مذكورةٌ في المصادر القديمة دون أدنى إشارةٍ إلى صدورها بداعي التقية. إلاّ أن هذه الروايات بالقياس إلى المحذوفات قليلةٌ جداً. ولكنْ يمكن لها رغم ذلك أن تطرح شبهةً جادة تجاه هذه النظرية، وهي أن المتقدِّمين كانوا بدورهم يحملون على التقية ما حمله الشيخ على التقية أيضاً، ومن هنا فإنهم لم يذكروها في مصادرهم.

وفي ما يلي نذكر بعض الأمثلة من الروايات التي حملها الشيخ الطوسي في «الاستبصار» أو «تهذيب الأحكام» على التقية، وذكرها الشيخ الصدوق في كتابه «مَنْ لا يحضره الفقيه» أو «علل الشرائع»، والشيخ الكليني في كتاب «الكافي» أيضاً:

1ـ الشيخ الطوسي، الاستبصار 1: 331؛ الشيخ الصدوق، علل الشرائع 2: 342.

2ـ الشيخ الطوسي، الاستبصار 1: 387؛ الشيخ الصدوق، مَنْ لا يحضره الفقيه 1: 262.

3ـ الشيخ الطوسي، تهذيب الأحكام 7: 298؛ الشيخ الكليني، الكافي 5: 356.

4ـ الشيخ الطوسي، تهذيب الأحكام 7: 480؛ الشيخ الكليني، الكافي 5: 532.

كما أن هناك روايات على مستوى آخر موجودة في المصادر الروائية الرئيسة، ومع ذلك حملها الشيخ الطوسي على التقية، الأمر الذي يثبت في الجملة وجود الاختلاف المبنائي بين الشيخ وأصحاب تلك المصادر والرواة الأصليين، وهو غير اختلافه المبنائي مع الجامعين لتلك الكتب الروائية. ويمكن لنا أن نذكر الأمثلة التالية على ذلك:

1ـ الشيخ الطوسي، الاستبصار 1: 211؛ محمد بن محمد الأشعث الكوفي، الجعفريات: 204.

2ـ الشيخ الطوسي، الاستبصار 1: 313؛ مسائل عليّ بن جعفر: 238.

3ـ الشيخ الطوسي، تهذيب الأحكام 8: 17؛ مسائل عليّ بن جعفر: 281.

من الممكن أن تحمل موارد الروايات الموجودة في كتب المتقدِّمين على الندرة واختلاف الآراء بينهم وبين الشيخ الطوسي، بَيْدَ أن هناك علامةً فارقة في الكتب الفقهية للمتقدِّمين تُعَدّ الأهمّ في هذا الشأن؛ فهناك في الكتب الفقهية القديمة الكثير من الموارد التي حملها الشيخ الطوسي على التقية، وحذفها المتقدِّمون في مصادرهم الروائية، ولكنهم عملوا بها، وأفتوا على طبقها، فهي روايات لم تُذْكَر في كتب المتقدِّمين لسببٍ من الأسباب، إلاّ أن العمل والإفتاء على طبقها يثبت بوضوحٍ أن عدم ذكرها لم يكن بداعي التقية. وهذا الأمر يثير الشكّ في صحّة الفرضية الأولى؛ لأنها ذكرت أن حذف تلك الروايات في كتب المتقدِّمين كان بداعي التقية، في حين أن هؤلاء المتقدِّمين قد عملوا بها في كتبهم الفقهية، وهذا يدلّ على اعتمادهم الموازي لنقل تلك الروايات، إنْ لم يكن أشدّ من ذلك. فهناك ـ على سبيل المثال ـ في كتاب «المقنع»، للشيخ الصدوق، روايات كثيرة نقلها على شكل فتوى، إلاّ أن الشيخ الطوسي وآخرين عمدوا إلى حملها لاحقاً على التقية([20])، وإن هذه الرواية عمد حتّى الشيخ الصدوق نفسه في كتاب «مَنْ لا يحضره الفقيه» إلى حملها على التقية أيضاً([21]).

و ـ العناوين الفقهية غير الموجودة في تراث المتقدِّمين

بغضّ النظر عن الروايات، فإن انفراد الشيخ الطوسي، وعدم وجود سابقة لهذا المستوى من الحمل على التقية، في جميع موارد حمل الشيخ لروايةٍ على التقية في كتبه ورسائله الفقهية ـ سواء في الموارد الاستدلالية أو الفتوائية ـ، حيث لم يكن هناك شخصٌ قبله قد سبقه في حمل تلك الرواية على التقية ـ رغم أن أكثر الروايات التي يستند إليها قد ذُكرت من قبل الأصحاب ـ، ولم يحكم أحدٌ بكون تلك المسألة صادرةً بداعي التقية، مضافاً إلى أنه في بعض الموارد لا يكون أصل ذلك الفرع الفقهي والعنوان الذي يطرحه الشيخ موجوداً في فقه المتقدِّمين أساساً، إن هذا المستوى من الانفراد في الفقه الفتوائي والاستدلالي ـ ولا سيَّما في الموارد التي لا يكون أصل العنوان مطروحاً في فقه المتقدِّمين ـ يمكن أن يكون شاهداً جادّاً على وجود اختلاف الرأي المبنائي بين الشيخ الطوسي والمتقدِّمين من الأصحاب في باب الحمل على التقية؛ إذ لو لم يكن مثل هذا الاختلاف المبنائي موجوداً لكانت هذه المسائل والعناوين موجودةً بحَسَب القاعدة في فقه المتقدِّمين أيضاً. كما كان يتعيَّن عليهم عند ذكر هذه الروايات في موارد ذكرها حملها على التقية أيضاً. في حين أنهم لم يفعلوا ذلك. وهذا أمرٌ أدّى في نهاية المطاف إلى إنتاج مسائل وعناوين جديدة في فقه الشيخ الطوسي.

وفي ما يلي نذكر جميع موارد حمل الشيخ الطوسي للروايات في كتبه الفقهية على التقية، مع مقارنتها من حيث المستند الروائي والحكم الفقهي بالمصادر الفقهية السابقة له:

1ـ في بحث المسح استند الشيخ الطوسي إلى روايةٍ لم يذكرها أحدٌ، على الرغم من وجود رواياتٍ أخرى بمضمونها، وأما في الفقه فلم يتعرَّض أحدٌ من العلماء المتقدِّمين في الفقه إلى هذه المسألة، سوى السيد المرتضى، حيث تناولها بالبحث، ولكنْ دون إشارةٍ منه إلى هذه الرواية. وبذلك كان الشيخ الطوسي هو أوّل مَنْ تعرَّض لها([22]).

2ـ في بحث الإرث([23]) ذكر الشيخ المفيد هذه الرواية في كتاب «الإعلام» ضمن ما انفردت به الإمامية، دون أن يحملها على التقية([24])، وإنما حملها على تعجُّب وإنكار الإمام، الأمر الذي يعكس بوضوحٍ مدى الاختلاف بين منهج الشيخ المفيد ومنهج الشيخ الطوسي. وقد تقدَّمت نماذج مشابهة لذلك. كما أن السيد المرتضى ـ بالالتفات إلى أصل مبناه في عدم حجّية خبر الواحد ـ يردّ هذه الرواية من الأساس، ولا يراها حجّةً([25]).

3ـ في بحث الصلاة([26]) ذكر الشيخ الصدوق هذه الرواية في كتابه «مَنْ لا يحضره الفقيه»، ثم حملها ـ بعد التوضيح ـ على الجواز([27]). وأما في الفقه فلم يذكر السيد المرتضى([28]) والصدوق([29]) وأبو الصلاح سلاّر([30]) وأبو الصلاح الحلبي([31]) سوى الحكم بعدم الجواز، دون أن يتعرَّضوا إلى الرواية. وفي كتبٍ من قبيل: «الهداية»، للشيخ الصدوق، لم يتمّ التعرُّض حتّى إلى الحكم، وتمّ الاكتفاء بذكر عنوان «باب ما يجوز الصلاة فيه وما لا يجوز».

4ـ في بحث الإرث([32]) لا وجود لأصل هذه الرواية، حتّى في كتب الشيخ الطوسي نفسه. وإنما أقرب الروايات الموجودة بشأن نصرانيّ أسلم ثمّ عاد إلى نصرانيّته([33]). وإنّ هذه الرواية ذاتها لم يتعرَّض لها أحدٌ، غير الشيخ الطوسي. وفي الفقه أيضاً لم يتعرَّض أحدٌ قبل الشيخ الطوسي إلى ذكر هذا الباب والعنوان.

5ـ في بحث الفقاع([34]) لم يذكر الرواية التي يستند إليها هذا الحكم سوى الشيخ الطوسي فقط([35]). وفي الفقه ـ كما في المورد السابق ـ لم يتعرَّض أحدٌ قبل الشيخ الطوسي إلى هذا العنوان.

ز ـ عدم وجود حمل لموضع على التقية في تراث المتقدِّمين

إلى جانب الحمل على التقية، فإن من الطرق الأخرى للجمع بين الروايات المتعارضة حمل موضع إحدى الروايتين على حالة التقية، ببيان أن مراد الإمام في الرواية الأندر هي الحالة التي يكون الشخص فيها على حالة التقية، خلافاً لحمل الرواية نفسها على التقية، حيث لا يكون فيها للإمام مرادٌ جدّي أساساً. إن الالتفات إلى الاختلاف الماهوي بين هذين الحملين يثبت أن أسلوب المتقدِّمين في اختيار وانتخاب مجرّد الروايات المعتبرة كان يؤدّي إلى حذف الروايات المحمولة على التقية من الأساس. بَيْدَ أن هذا الأسلوب يجب ـ على القاعدة ـ أن لا يؤدّي إلى حذف الروايات الخاصّة بموضع التقية؛ لأن هذه الروايات صحيحةٌ قطعاً، وإنّ حكمها مرتبطٌ بحالة التقية. وعليه لو كان سبب عدم مشاهدة توظيف المتقدِّمين للحمل على التقية هو حذف الروايات الصادرة بداعي التقية فيجب إبقاء موارد حمل الموضع على التقية على حاله، وأن تشاهد كثرة في تراث المتقدِّمين مشابهة للمتأخِّرين. في حين أن الوضع على العكس من ذلك تماماً؛ إذ قلَّما نشاهد في تراث المتقدِّمين حملاً لموضع على التقية. ففي جميع مواطن كتاب «مَنْ لا يحضره الفقيه» ـ على سبيل المثال ـ لا نجد إلاّ مورداً واحداً من هذا الحمل([36]). إن هذا الأمر، بالإضافة إلى كثرة وجود هذا الحمل في تراث الشيخ الطوسي والمتأخِّرين عنه، يشكِّل أمارةً قوية على أن المتقدِّمين لم يكونوا يعتقدون بالحمل على التقية في حلّ التعارض على نطاقٍ واسع، كالذي نشهده عند المتأخِّرين، لا على نحو حمل ذات الرواية على التقية، ولا على نحو حمل موضع الرواية على التقية. والشاهد الآخر الذي يزيد من أهمّية هذا الأمر، ويُثبت وجود الاختلاف المبنائي في هذا الشأن، ويعمل على بيانه بمزيدٍ من الوضوح، هو أن جميع الموارد التي حمل الشيخ مواضعها على التقية قد ذكرها المتقدِّّمون دون أيّ قيدٍ أو شرط، الأمر الذي يُثبت بوضوحٍ ـ بالالتفات إلى إمكان جمعه مع حذف الروايات الصادرة بداعي التقية ـ أنّ المتقدِّمين لم يكونوا يعتقدون بالحمل على التقية بأيّ صورةٍ من الصور. هناك الكثير من الموارد التي تمّ حمل موضعها في بابٍ واحد من «الاستبصار» على التقية، في حين أنها ذُكرت في المصادر الروائية الأخرى دون هذا الحمل([37]).

ح ـ كثرة الأحكام الفقهية المرتبطة بالتقية في جميع الأبواب

ربما ادُّعي أن عدم أنس المتقدِّمين بالحمل على التقية لم يكن من جهة الاختلاف المبنائي في أسلوب ونهج التعاطي مع الروايات، وإنما يعود السبب في ذلك إلى أن مسألة التقية لم تكن في الأساس جزءاً من المسائل الشائعة في الفضاء العلمي لدى الشيعة، وأن الأصحاب لم يهتمّوا بها كثيراً. بَيْدَ أن هذا الإشكال سيرتفع بأدنى نظرةٍ على الكتب الفقهية لتلك الحقبة، حيث يتبيَّن أن مسألة التقية في فقه تلك الفترة كانت أكثر نفوذاً وتأثيراً بالقياس إلى فقه المرحلة المتأخِّرة، بحيث إن الأصحاب كانوا يتعرَّضون إلى حكم افتراض التقية في أكثر الأبواب والعناوين الفرعية، وعمدوا إلى التفريع في هذا الفرض أيضاً. وهذا النهج على خلاف الفقه المتأخِّر، حيث تمّ تحويل تكليف المكلَّف في التقية بشكلٍ عام إلى العمومات. كما أن هذا هو غير القول بأن قرب عصر المتقدِّمين من عصر الأئمة، وكذلك استمرار الظروف القاسية على الشيعة في تلك المرحلة، جعل التقيّة تمثِّل مشكلةً فعلية بالنسبة لهم، وليس كمثل عصر المتأخِّرين؛ إذ كانت التقية بالنسبة لهم تمثِّل مسألة تاريخية. وعليه لا يمكن في المجموع أن نستفيد من عدم توظيف الأصحاب للحمل على التقية أن مفهوم التقية كان غريباً عليهم. بَيْدَ أن عدم غرابة التقية عندهم يمكن لها أن تشكِّل دليلاً قوياً على أنهم إنما لم يكونوا يستفيدون من الحمل على التقية عالمين عامدين. فعلى سبيل المثال: يتمّ ذكر عدّة فقرات من أحد الكتب الفقهية المتقدِّمة، تمّ الحديث فيها ضمن تضاعيف الأبواب المختلفة بشأن فرض التقية مراراً وتكراراً([38]).

الاستنتاج

في إطار بيان أسباب وجود الاختلاف بين العلماء المتقدِّمين والشيخ الطوسي يمكن التوصُّل ـ من خلال دراسة جميع الشواهد ـ إلى أنه؛ بسبب وجود الاختلاف المبنائي في كيفية التعاطي مع الروايات، لم يكُنْ حمل الروايات الموافقة للعامة على التقية ـ بوصفه طريقاً لحلّ التعارض ـ طريقاً متداولاً بين المتقدِّمين، وإنهم في مقام اختيار الروايات وفي مقام الإفتاء لم يكونوا يستفيدون من هذه الوسيلة إلاّ في الموارد النادرة. وعند عدم الاستفادة من هذا الأسلوب والأساليب العامة الأخرى كان منهج المتقدِّمين من الأصحاب في التعاطي مع الروايات يقوم على دراسة كلّ رواية بشكلٍ مستقلّ على أساس القرائن والشواهد التاريخية، من ناحية المضمون، ومن ناحية السند. خلافاً لرؤية المتأخِّرين في البناء على القواعد العامة، على أساس أصول وقواعد من قبيل: حمل الرواية الموافقة للعامة على التقية.

وبنفس النسبة لا يمكن للفرضية الأخرى، التي تعتبر عدم وجود الحمل على التقية في الكتب الفقهية والمصادر الروائية لدى المتقدِّمين مجرّد مسألة أسلوبية ناظرة إلى حذف روايات التقية قبل مرحلة التأليف، أن تكون دقيقةً.

الهوامش

(*) باحثٌ في حوزة قم العلميّة.

([1]) انظر: محمد بن عليّ بن بابويه (المعروف بالشيخ الصدوق)، مَنْ لا يحضره الفقيه 1: 102؛ 3: 48، دفتر انتشارات إسلامي، قم، 1403هـ.

([2]) انظر: محمد بن محمد بن النعمان (المعروف بالشيخ المفيد)، المقنعة: 432، المؤتمر العالمي للشيخ المفيد، قم، 1413هـ.

([3]) انظر: رسائل الشريف المرتضى 2: 31، دار القرآن الكريم، قم، 1405هـ.

([4]) انظر: المصدر السابق 2: 61.

([5]) انظر محمد بن الحسن الطوسي، الاستبصار 1: 63، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1390هـ.

([6]) انظر: المصدر السابق 1: 7.

([7]) انظر: الطوسي، الرسائل العشر: 264، دفتر انتشارات إسلامي، قم، 1414هـ.

([8]) انظر: الصدوق، مَنْ لا يحضره الفقيه 1: 3، 1403هـ.

([9]) انظر: الطوسي، تهذيب الأحكام 1: 3، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1407هـ.

([10]) انظر: المرتضى، الذريعة 2: 519، انتشارات دانشگاه طهران، طهران، 1376هـ.ش؛ وله أيضاً: رسائل الشريف المرتضى 1: 203.

([11]) انظر: المفيد، مختصر التذكرة: 44، المؤتمر العالمي للشيخ المفيد، قم، 1413هـ.

([12]) انظر: الطوسي، تهذيب الأحكام 1: 100، 1417هـ.

يجدر التنبيه إلى أن ابن إدريس قد نقل كلام السيد المرتضى في كتاب (السرائر) باختلافٍ يسير، حيث أثبت كلمة (دوري)، بَدَلاً من عبارة (قد روى)، وبذلك يختلف المعنى كلّياً. انظر: ابن إدريس الحلي، السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي 1: 51، دفتر انتشارات إسلامي، قم، 1410هـ، نقلاً عن: وسام الخطاوي، المناهج الروائية عند الشريف المرتضى، هامش رقم 164، 1427هـ.

([13]) لقد عمد المحقِّق الأول في نقده لنظرية الشيخ الطوسي إلى إسناد كلامه إلى روايةٍ عن الإمام الصادق× قال فيها: «خذوا بأبعدهما من قول العامة»، ورأى أن الشيخ الطوسي إنما أصدر تلك الفتوى على أساس هذه الرواية تعبُّداً، وليس بمناط أنها أقرب إلى الواقع بمخالفة العامة، أو وجود احتمال التقية في الموافق للعامة. انظر: علي محمدي، شرح رسائل 7: 281، دار الفكر، ط7، قم، 1387هـ.ش (مصدر فارسي).

انظر: الطوسي، تهذيب الأحكام 1: 126، 1417هـ.

([14]) انظر: المرتضى، الذريعة 2: 78، 1376هـ.ش.

([15]) المفيد، المقنعة: 443، 1413هـ.

([16]) المصدر السابق: 432.

([17]) المصدر السابق: 241.

([18]) انظر: المفيد، الردّ على أصحاب العدد: 48، المؤتمر العالمي للشيخ المفيد، قم، 1371هـ.ش.

([19]) انظر: الصدوق، مَنْ لا يحضره الفقيه 1: 102؛ 3: 48، 1403هـ.

([20]) انظر: الصدوق، المقنع 14: 45، 51، مؤسسة الإمام الهادي، قم، 1415هـ.

([21]) انظر: الصدوق، مَنْ لا يحضره الفقيه: 101، 189، 338، 368.

([22]) انظر: الطوسي، الخلاف 1: 80، دفتر انتشارات إسلامي، 1361هـ.ش.

([23]) انظر: المصدر السابق 4: 77.

([24]) انظر: المفيد، الإعلام: 67، المؤتمر العالمي للشيخ المفيد، قم، 1413هـ.

([25]) انظر: المرتضى، الناصريات: 410، رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية، قم، 1417هـ؛ وله أيضاً: الانتصار: 565، 1415هـ.

([26]) انظر: الطوسي، النهاية: 97، دار الفكر العربي، بيروت، 1400هـ.

([27]) انظر: الصدوق، مَنْ لا يحضره الفقيه 1: 262، 1403هـ.

([28]) انظر: المرتضى، الناصريات: 136.

([29]) انظر: الصدوق، المقنع: 80، مؤسسة الإمام الهادي، قم.

([30]) انظر: حمزة بن عبد العزيز (المعروف بأبي الصلاح سلاّر)، المراسم: 63، منشورات الحرمين، قم، 1404هـ.

([31]) انظر: تقي الدين بن نجم الدين (المعروف بأبي الصلاح الحلبي)، الكافي في الفقه: 141، مكتبة أمير المؤمنين، إصفهان، 1403هـ.

([32]) انظر: الطوسي، النهاية: 667.

([33]) انظر: الطوسي، الاستبصار 4: 193، 1390هـ.

([34]) انظر: الطوسي، الرسائل العشر: 264.

([35]) انظر: الطوسي، الاستبصار 4: 96.

([36]) انظر: الصدوق 1: 341.

([37]) انظر: الطوسي، الاستبصار 1: 235، 256، 334، 335، 341، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1390هـ.ش.

([38]) انظر: النعمان بن محمد المغربي، تأويل الدعائم 1: 349؛ 3: 19، دار المعارف، القاهرة؛ المفيد، المقنعة: 80، 114، 1413هـ.