رواية «ردّ الشمس لعليّ بن أبي طالب×»

15 سبتمبر 2019
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
189 زيارة

رواية «ردّ الشمس لعليّ بن أبي طالب×»

قراءةٌ نقديّة في السند والمضمون

أ. زُهرة نريماني(*)

ترجمة: حسن علي مطر

تحظى رواية «ردّ الشمس» بين الشيعة بشهرةٍ ومقبولية كبيرة. وبنفس النسبة تلقى إنكاراً من قبل العامة، ويتَّخذون منها وسيلة للتشنيع على الشيعة، وتصوير عقائدهم وآرائهم بوصفها من العقائد الخرافية وغير المنطقية.

لقد وردت هذه الرواية في الكثير من المصادر الشيعية، من قبيل: «الإرشاد»، للمفيد؛ و«علل الشرائع»، و«الأمالي»، للصدوق، و«قرب الإسناد»، للحميري، و«الخرائج»، للراوندي.

وقد نقله أهل السنة في ذيل الأحاديث المختلقة والموضوعة. فعلى سبيل المثال: عمد ابن الجزري، في كتاب «الموضوعات من الأحاديث والمرفوعات»، والكتاني في كتابه «تنزيه الشريعة»، إلى نقد وردّ هذا الحديث. وقد ألف ابن تيميّة الحراني كتاباً مستقلاًّ في هذا الشأن.

ومن هنا فإننا ـ شئنا أم أبينا ـ نرى أهمِّية خاصّة لفهم وإدارك هذا الحديث بشكلٍ صحيح.

وخلاصة مضمون روايات هذا الباب كالتالي: بعد أن أدّى رسول الله‘ صلاتي الظهر والعصر طلب الإمام علي بن أبي طالب× ليكون عنده، وبعد ذلك نزل الوحي على رسول الله‘، وهو واضعٌ رأسه في حجر عليّ×، فاستغرق رسول الله في ما يشبه النوم، إثر ما يسمَّى ببرحاء الوحي، وكان الإمام عليّ× لم يصلِّ صلاة العصر بعد. واستمرّ رسول الله على تلك الحالة حتّى غربت الشمس، وانقضى وقت أداء العصر. وبعد أن أفاق النبيّ، واطّلع على أن الإمام عليّ× لم يصلِّ العصر أداءً، دعا الله أن يردَّ الشمس؛ كي يتمكَّن الإمام عليّ× من إقامة صلاة العصر أداءً، لا قضاءً.

وقد روي في الصفحة 166 من الجزء الحادي والأربعين من كتاب بحار الأنوار، في باب «ردّ الشمس له، وتكلّم الشمس معه×» ما يقرب من اثنين وعشرين رواية، نكتفي منها بذكر ستّ روايات؛ رعاية للاختصار:

1ـ (نقلاً عن علل الشرائع): القطّان، عن عبد الرحمن بن محمد الحسني، عن فرات بن إبراهيم، عن الفزاري، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، عن أحمد بن نوح وأحمد بن هلال، عن ابن أبي عمير، عن حنان قال: قلتُ لأبي عبد الله×: ما العلّة في ترك أمير المؤمنين× صلاة العصر، وهو يحبّ أن يجمع بين الظهر والعصر، فأخَّرها؟ قال: إنه لما صلى الظهر التفت إلى جمجمة تلقاءه، فكلَّمها أمير المؤمنين×، فقال: أيتها الجمجمة، من أين أنت؟ فقالت: أنا فلان بن فلان ملك بلاد آل فلان، قال لها أمير المؤمنين×: فقصِّي عليَّ الخبر وما كنتِ وما كان عصرك، فأقبلت الجمجمة تقصّ خبرها، وما كان في عصرها من خيرٍ وشر، فاشتغل بها حتّى غابت الشمس، فكلَّمها بثلاثة أحرف من الإنجيل؛ لأنه لا يفقه العرب كلامها، قالت: لا أرجع وقد أفلت، فدعا الله ـ عزَّ وجلَّ ـ فبعث إليها سبعين ألف ملك بسبعين ألف سلسلة حديد، فجعلوها في رقبتها وسحبوها على وجهها حتّى عادت بيضاء نقية، حتّى صلّى أمير المؤمنين×، ثم هوت كهوي الكوكب. فهذه العلّة في تأخير العصر. وحدَّثني بهذا الحديث ابن سعيد الهاشمي عن فرات، بإسناده وألفاظه([1]).

2ـ (نقلاً عن أمالي الصدوق): القطّان، عن محمد بن صالح، عن عمر بن خالد المخزومي، عن ابن نباتة، عن محمد بن موسى، عن عمارة بن مهاجر، عن أم جعفر أو أم محمد بنتي محمد بن جعفر، عن أسماء بنت عميس، وهي جدّتها، قالت: خرجت مع جدّتي أسماء بنت عميس وعمي عبد الله بن جعفر، حتّى إذا كنّا بالضهياء حدَّثتني أسماء بنت عميس، قالت: يا بنية، كنا مع رسول الله‘ في هذا المكان، فصلى رسول الله‘ الظهر، ثم دعا علياً، فاستعان به في بعض حاجته، ثم جاءت العصر، فقام النبي‘ فصلّى العصر، فجاء علي× فقعد إلى جنب رسول الله‘، فأوحى الله إلى نبيه، فوضع رأسه في حجر علي× حتّى غابت الشمس، لا يرى منها شيء على أرض ولا جبل، ثم جلس رسول الله‘، فقال لعليّ×: هل صليْتَ العصر؟ فقال: لا، يا رسول الله، أنبئت أنك لم تصلِّ، فلما وضعتَ رأسك في حجري لم أكن لأحرِّكه، فقال: اللهم، إنّ هذا عبدك عليّ احتبس نفسه على نبيِّك فردَّ عليه شرقها، فطلعت الشمس، فلم يبْقَ جبل ولا أرض إلاّ طلعت عليه الشمس، ثم قام عليّ× فتوضأ، وصلّى، ثم انكسفت([2]).

3ـ (نقلاً عن علل الشرائع): أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن أحمد بن عبد الله القزويني، عن الحسين بن المختار القلانسي، عن أبي بصير، عن عبد الواحد بن المختار الأنصاري، عن أمّ المقدام الثقفية، قالت: قال لي جويرية بن مسهر: قطعنا مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب× جسر الصراة في وقت العصر، فقال: إن هذه أرض معذّبة، لا ينبغي لنبيّ ولا وصي نبيّ أن يصلّي فيها، فمَنْ أراد منكم أن يصلّي فليصلِّ، فتفرَّق الناس يمنة ويسرة يصلّون، فقلتُ أنا: والله لأقلِّدَنَّ هذا الرجل صلاتي اليوم، ولا أصلّي حتّى يصلّي، فسِرْنا، وجعلت الشمس تسفل، وجعل يدخلني من ذلك أمرٌ عظيم، حتّى وجبت الشمس، وقطعنا الأرض، فقال: يا جويرية أذِّنْ، فقلتُ: تقول أذِّنْ وقد غابت الشمس؟ فقال: أذِّنْ، فأذَّنْتُ، ثم قال لي: أقِمْ، فأقَمْتُ، فلما قلْتُ: «قد قامت الصلاة» رأيت شفتَيْه يتحرَّكان، وسمعت كلاماً كأنه كلام العبرانية، فارتفعت الشمس حتّى صارت في مثل وقتها في العصر، فصلّى، فلما انصرفنا هوَتْ إلى مكانها، واشتبكت النجوم، فقلتُ أنا: أشهد أنك وصيُّ رسول الله‘ فقال: يا جويرية، أما سمعت الله ـ عزَّ وجلَّ ـ يقول: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 74، 96؛ الحاقة: 52]؟ فقلتُ: بلى، قال: فإني سألت الله باسمه العظيم فردَّها عليَّ([3]).

4ـ (قرب الإسناد): محمد بن عبد الحميد، عن أبي جميلة، عن أبي عبد الله× قال: صلّى رسول الله‘ العصر، فجاء عليّ× ولم يكن صلاّها، فأوحى الله إلى رسوله عند ذلك، فوضع رأسه في حجر عليّ× فقام رسول الله‘ عن حجره حين قام وقد غربت الشمس، فقال: يا عليّ، أما صليت العصر؟ فقال: لا، يا رسول الله، قال رسول الله‘: اللهمّ إنّ عليّاً كان في طاعتك، فردَّت عليه الشمس عند ذلك([4]).

5ـ (نقلاً عن الخرائج): من معجزاته‘ أن علياً× بعثه رسول الله‘ في بعض الأمور بعد صلاة الظهر، وانصرف من جهته تلك وقد صلّى رسول الله‘ العصر بالناس، فلما دخل عليّ× جعل يقصّ عليه ما كان قد نفض فيه، فنزل الوحي عليه في تلك الساعة، فوضع رأسه في حجر عليّ×، وكانا كذلك حتى إذا غربت، فسُرِّي عن رسول الله‘ في وقت الغروب، فقال لعليّ×: هل صليت العصر؟ قال: لا، فإني كرهت أن أزيل رأسك، ورأيت جلوسي تحت رأسك وأنت في تلك الحال أفضل من صلاتي، فقام رسول الله‘، فاستقبل القبلة، فقال: اللهمّ إنْ كان عليّ في طاعتك وحاجة رسولك‘ فاردُدْ عليه الشمس؛ ليصلي صلاته، فرجعت الشمس حتّى صارت في موضع أوّل العصر، فصلّى عليّ×، ثم انقضَّتْ الشمس للغروب مثل انقضاض الكواكب. ورُوي أن النبي‘ قال: يا عليّ، إن الشمس مطيعةٌ لك فادْعُ، فدعا فرجعت، وكان قد صلاّها بالإشارة([5]).

6ـ (نقلاً عن الإرشاد، للشيخ المفيد): مما أظهره الله تعالى من الأعلام الباهرة على يد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب× ما استفاضت به الأخبار، ورواه علماء السِّيَر والآثار، ونظمت فيه الشعراء الأشعار: رجوع الشمس له× مرّتين: في حياة النبيّ‘ مرّة؛ وبعد وفاته أخرى. وكان من حديث رجوعها عليه المرّة الأولى ما رَوَتْه أسماء بنت عميس وأمّ سلمة زوجة النبي‘ وجابر بن عبد الله الأنصاري وأبو سعيد الخدري، في جماعةٍ من الصحابة: أن النبيّ‘ كان ذات يومٍ في منزله وعليّ× بين يديه، إذ جاءه جبرئيل× يناجيه عن الله سبحانه، فلمّا تغشّاه الوحي توسَّد فخذ أمير المؤمنين×، فلم يرفع رأسه عنه حتّى غربت الشمس، فاصطبر أمير المؤمنين× لذلك إلى صلاة العصر، فصلّى أمير المؤمنين× جالساً يومئ بركوعه وسجوده إيماءً، فلما أفاق من غشيته قال لأمير المؤمنين×: أفاتَتْك صلاة العصر؟ قال: لم أستطع أن أصلّيها قائماً لمكانك يا رسول الله، والحال التي كنتَ عليها في استماع الوحي، فقال له: ادْعُ الله حتّى يردّ عليك الشمس؛ لتصليها قائماً في وقتها كما فاتتك، فإنّ الله تعالى يجيبك؛ لطاعتك لله ورسوله، فسأل أمير المؤمنين× الله في ردّ الشمس، فردَّتْ حتّى صارت في موضعها من السماء وقت صلاة العصر، فصلّى أمير المؤمنين× صلاة العصر في وقتها، ثم غربت، فقالت أسماء: أما واللهِ لقد سمعنا لها عند غروبها صريراً كصرير المنشار في الخشب»([6]).

سند الحديث ــــــ

لقد استند العلاّمة المجلسي وآخرون إلى أسانيد هذه الروايات، وقالوا بصحّتها.

وفي موسوعة الإمام عليّ× هناك بحثٌ تفصيلي نسبياً تعرَّض في بدايته إلى مسألة شهرة هذا الحديث التي طبقت الآفاق، حيث رواه الكثير من الصحابة، ومنهم: الإمام عليّ×، والإمام الحسين×، وأسماء بنت عميس، وغيرهم. وبذلك أكَّدوا على صحّة الرواية، وأيَّدوها بنقل المتقدِّمين من العلماء لها. وفي الختام قالوا في الجواب عن الإشكالات الواردة عليها ـ ومن بينها: ضعف السند ـ: على فرض التسليم بضعف سند الرواية فإنه يُجْبَر باستفاضتها([7])، وهذا يكفي في الوصول إلى الاطمئنان بوقوع أصل الحادثة، وهذا يكفي في إثباتها([8]).

وفي المقابل جاء في «اللآلئ المصنوعة»، نقلاً عن الجوزقاني، قوله: «هذا حديثٌ منكر، مضطرب»([9]).

وفي هذا المقال نسعى ـ من خلال الالتفات إلى شرح حال رجال وسلسلة سند الرواية ـ إلى نقد الحديث من الناحية السندية. وما أكثر الروايات التي نقلت على أساس من الدوافع السياسية أو الدينية والمذهبية، مع ذكر الأسانيد الصحيحة والمتقنة لها، وبعد دراسة المحتوى والمضمون يتبيَّن أن هذه الرواية إنما هي من اختلاق الوضّاعين، وأنهم أرادوا من خلال اختلاقها الوصول إلى غاياتهم الخاصة.

والذي نحصل عليه من خلال مناقشة ودراسة هذه الروايات هو اشتمالها على الكثير من الاختلافات، التي قد تصل أحياناً إلى حدّ التناقض العجيب.

كما أن نقل الرواية بعباراتٍ مختلفة تقلِّل من قيمتها واعتبارها. فأحياناً يختلف مكان الحدث، وأحياناً يختلف الزمان، وأحياناً تختلف العلّة والسبب أيضاً. وهذا في حدّ ذاته يُشكِّل دليلاً على ضعفها وعدم إمكان الاعتماد عليها والاطمئنان إلى نقلها وروايتها. وعلى حدّ تعبير العلاّمة الشيخ محمد حسن المظفَّر: «إن خصوصيات الروايات متنافية من وجوه، وهو يكشف عن كذب الواقعة»([10]).

وفي ما يلي نستعرض موارد من اختلاف هذه الروايات:

التناقض في الروايات ــــــ

1ـ تذكر الرواية الأولى أن سبب ترك الإمام عليّ× لصلاة العصر هو حوارٌ دار بينه وبين جمجمة؛ في حين تذكر الرواية الثانية أن ذلك كان بسبب وضع النبي الأكرم‘ رأسه في حجر الإمام علي× أثناء نزول الوحي عليه، وأن الإمام لم يُرِدْ إزعاج النبيّ؛ خوفاً من أن يوقظه لو غيَّر موضعه؛ وفي الرواية الثالثة نجد السبب في هذه الحادثة هو شؤم الأرض ونحسها.

2ـ الاختلاف في الموضع الذي تمّ فيه ردّ الشمس. ففي الرواية الأولى ـ طبقاً لبعض القرائن والشواهد ـ وقعت هذه الحدثة في بيداء أو مقبرة؛ وبناءً على الرواية الثانية وقعت هذه الحادثة في أرضٍ يقال لها: الضهياء؛ وطبقاً للرواية الثالثة أنها حصلت في جسر الصراة؛ وأما الرواية السادسة فتقول: إن هذه الحادثة قد حدثت في بيت النبيّ الأكرم‘.

3ـ الاختلاف في أصل الحادثة؛ إذ طبقاً للروايات الخمسة الأولى كانت الصلاة قد فاتت الإمام بالكامل؛ أما الرواية السادسة فتحكي عن أداء الإمام للصلاة من جلوس؛ لعدم استطاعته أداءها عن قيام، وأنه أومأ في ركوعه وسجوده.

النقد العلمي لحديث «ردّ الشمس» ــــــ

إن من بين الملاكات الهامة لنقد الحديث المعطيات العلمية لدى البشر([11]).

ومن هنا فإننا سوف نتناول هذا الحديث بالنقد من هذه الناحية، فنقول:

حتّى ما قبل إثبات حركة الأرض ودورانها حول الشمس على يد غاليلو([12]) كانت نظرية بطليموس هي الحاكمة. وخلاصة نظرية بطليموس تقول: «إن الأرض كرة ساكنة في مركز الكون، وكان ثلاثة أرباع سطحها من الماء، تحيط بها كرة الهواء، ثم تليها كرة النار، وبعدها فلك القمر المحيط بكرة النار، ولم يكن في هذا الفلك نجمة غير القمر، وبعده فلك عطارد، ثم كوكب الزهرة، والشمس، والمريخ، والمشتري، وزحل يحيط كلّ واحد منها بالفلك السابق له.

ثم يأتي الفلك الثامن الذي يضمّ النجوم الثابتة، ثم الفلك الأطلس الخالي من جميع أنواع النجوم يُحيط بجميع الأفلاك الثمانية، ولا نهاية لقطره.

وسرعة حركة الفلك الأطلس بجميع أفلاكه الثمانية بحيث يدور حول الأرض دورة كاملة في يوم وليلة.

وعليه طبقاً لهذه النظرية تكون الأرض كرةً ساكنة وثابتة في مركز الكون والعالم، وسائر النجوم والسيارات تدور حولها.

وإذا قبلنا بمفاد هذه النظرية يجب علينا القبول بأن ظاهرة الليل والنهار إنما تحدث بفعل انتقال الشمس من مشرق الأرض وذهابها إلى مغربها، فتضيء بذلك الجهة التي تطلع عليها من الأرض، وهي في حركتها الدائمة حول الأرض تضيء الجانب الذي تطلع عليه من سطح الأرض. ومن هنا فإن الناحية المضاءة من الأرض هي التي تشهد ظاهرة غروب الشمس، وإن الجزء المظلم من الأرض هو الذي يشهد ظاهرة طلوعها. في حين أن الحقائق العلمية ترفض هذه المسألة وتبطل هذه النظرية.

إن ظاهرة طلوع الشمس لا تحدث من خلال طلوع الشمس وحركتها بنفسها، بل إن هذه الظاهرة إنما تحدث بفعل حركة الأرض حول نفسها، فيُضاء جانبها الذي يواجه الشمس أثناء دورانها، ويغرق نصفها الآخر في ظلامٍ دامس، وهكذا دواليك. ويكون نهار، ويكون ليل، وفي آخر لحظات الليل تنحرف الأرض قليلاً فينبلج النهار، وفي آخر لحظات النهار تميل الأرض قليلاً فندخل في غسق الليل([13]).

وبعد هذه المقدّمة لو قلنا بصحّة الرواية المذكورة سوف نصل إلى نتيجةٍ مفادها أن الأرض ثابتة والشمس وسائر النجوم تدور حولها. وهذا هو ما تقوله نظرية بطليموس التي أثبت علم الهيئة الحديث بطلانها.

وبعد هذه المقدّمة، والنظر إلى مجموع الروايات الواردة في خصوص ردّ الشمس، ندرك أن الرواية المذكورة تعبِّر عن ثبات وسكون الأرض ودوران الشمس حولها؛ إذ ورد في الرواية الأولى: «فدعا الله ـ عزَّ وجلَّ ـ فبعث إليها سبعين ألف ملك بسبعين ألف سلسلة حديد، فجعلوها في رقبتها، وسحبوها على وجهها، حتّى عادت بيضاء نقية».

وكما تلاحظون فإن هذه الرواية ناظرة إلى حركة الشمس وسكون الأرض وثباتها. في حين أن هذه المسألة قد ثبت بطلانها بالقطع واليقين، ولا يمكن للمعصوم× أن يتحدَّث بما يخالف القطع واليقين أبداً.

وقد جاء في كتاب «موسوعة الإمام عليّ×»: «ممّا لا رَيْب فيه أنّ وقوع مثل هذه الحادثة ـ التي كان لها مثالٌ قطعي في التاريخ ـ هو ليس محالاً عقلاً حتّى تعدّ خارج دائرة القدرة الإلهيّة»([14]). ولكنْ علينا أن ندرك أن ليس القيام بهذا الفعل فحَسْب، بل إن جميع الأفعال في جميع الأزمنة، لا تخرج عن دائرة القدرة الإلهية([15]). قال تعالى في أكثر من موضع من محكم الذكر الحكيم: ﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، إلاّ أن حكمة الله ومشيئته قد تعلَّقت ـ في الوقت نفسه ـ بأن تجري الأمور على وفق أسبابها ومسبّباتها العادية: «أبى الله أن يُجْري الأمور إلاّ بالأسباب».

فإذا كان الأمر بأن يقوم الله تعالى بفعل الأمور الخارقة من طريق قدرته، ودون أخذ نظام الأسباب والمسبّبات بنظر الاعتبار، وجب على الإنسان أن يترقَّب حدوث أمرٍ خارق في كلّ لحظة. وبعبارةٍ أخرى: إن ظاهرة ردّ الشمس وإنْ لم تكن محالاً في حدِّ ذاتها، ولكنّه من المحال وقوعها.

وخلاصة الكلام: إنه بناء على ما قاله مؤلِّف كتاب «ستارگان أز ديدگاه قرآن»: إن عملية ردّ الشمس تؤدّي إلى حدوث اضطراب في النظم الحاكم على حركة السيارات ضمن المجموعة الشمسية.

يُضاف إلى ذلك أن هذا الأمر لو كان قد حدث بالفعل لعلم به جميع الناس الذين كانوا يقطنون في ذلك الأفق من الأرض، ولرأوه بأمّ أعينهم، ولا سيَّما في وقت فضيلة صلاة العصر، التي تفصلها ثلاث ساعات عن غروب الشمس، ولنقلتها كتب التاريخ المحايدة أيضاً.

في حين لا نجد لحدوث هذه الظاهر أثراً في أيٍّ من المصادر التاريخية المعتبرة.

النقد المضموني لرواية ردّ الشمس ــــــ

بعد إعادة النظر في متن الرواية المتقدِّمة ومضمون نصِّها ندرك أن هذه الروايات ضعيفة، وتشتمل على غموض من حيث المحتوى والمفهوم.

فهي تعارض الآيات القرآنية تارةً؛ وتعارض الثوابت العلمية والعقلية تارةً أخرى.

وفي ما يلي نشير إلى بعض هذه الموارد:

1ـ إن المسألة التي وردت في أكثر هذه الروايات هي أن الإمام علي× قد فاته أن يصلّي صلاة العصر في وقتها، فالسؤال الذي يخطر في ذهن القارئ هنا هو: هل كان الإمام علي× في هذا الأمر قاصراً أم مقصِّراً؟

كيف يمكن للإمام علي× أن يترك فريضة أوجبها الله عليه، لمجرد أن يراعي الأدب استحباباً، ويترك رأس رسول الله‘ في حجره، في حين تؤكِّد الشريعة والفقه الإسلامي على ضرورة أداء الصلاة حتّى في أكثر الظروف حَرَجاً وصعوبة؛ فقد بيَّن الشارع حكم الصلاة بالنسبة إلى المسافر، والمجاهد والمقاتل، حتّى وهو يخوض غمار القتال وبلوغ القلوب الحناجر، وحكم صلاة الخوف، وصلاة الغريق. وعليه فإن الصلاة لا تُترك بحالٍ. فإذا كان الإمام عليّ×، طبقاً لهذه الروايات، قد ترك صلاته عامداً ـ والعياذ بالله ـ هل يكون ذلك معقولاً؟ وهل يمكن صدوره عن مثل الإمام عليّ بن أبي طالب×؟

ثم هل يمكن للشمس أن تعود القهقرى؟! وهل يمكن للزمان أن يعود؟

ثم حتّى إذا عادت الشمس يتعيَّن على الإمام أن يصلّي العصر أداءً وقضاءً.

يُضاف إلى ذلك أنه بعودة الشمس ـ على فرض الإمكان ـ سوف يتعلَّق الوجوب بثلاث صلوات؛ لطلوع الشمس، ولغروبها، وللحالة المتوسِّطة بين الطلوع والغروب([16])، بمعنى أنه بالإضافة إلى وجوب قضاء صلاة العصر عليه يجب عليه ـ بسبب تحقُّق الفوت ـ أن يؤدّي صلاة صبح جديدة بطلوع الشمس عليه، ومن ثم صلاة ظهر وعصر جديدة قبل غروب الشمس، لتجدُّد وقتها ثانيةً!

2ـ ورد في نقلٍ عن بحار الأنوار: «فسُرِّي عن رسول الله‘ في وقت الغروب، فقال لعليّ×: هل صليت العصر؟ قال: لا؛ فإنّي كرهْتُ أن أزيل رأسك، ورأيت جلوسي تحت رأسك وأنت في تلك الحال أفضل من صلاتي»!

وقد علق بعض المحقِّقين على ذلك متهكِّماً، الأمر الذي يعبِّر عن استبعاد هذا الكلام، قائلاً: أيكون بقاء رأس رسول الله‘ في حجر الإمام عليّ× أفضل من الصلاة؟ وهل هناك آيةٌ قرآنية تعتبر مجالسة رسول الله‘ أفضل من الصلاة؟ وهل هناك روايةٌ مأثورة عن رسول الله تؤيِّد هذا الأمر؟

إن هذه العبارة الواردة في الحديث قد تثير في الأذهان معلومة خاطئة تفيد أن منظومة رسول الله مستقلّة عن المنظومة الإلهية، وأن كل واحدة من هاتين المنظومتين تعمل لحسابها الخاصّ.

3ـ لقد ورد في بعض مضامين الرواية المأثورة في «بحار الأنوار» أن النبيّ الأكرم بعد أن اطّلع على أن الإمام عليّ× قد فاتته صلاة العصر رفع يديه بالدعاء قائلاً: «اللهمّ، إنْ كان عليٌّ في طاعتك وحاجة رسولك‘ فاردُدْ عليه الشمس؛ ليصلي صلاته». هذا في حين أن المتيقَّن ـ على فرض صحّة هذه الرواية ـ أن الإمام عليّ لم يكن في طاعة الله؛ إذ إن الله سبحانه وتعالى ـ طبقاً لما ورد في صريح القرآن الكريم ـ يقول:

ـ ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاَةَ﴾ (إبراهيم: 31).

ـ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (البقرة: 43).

ـ ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (طه: 132).

ـ ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (الإسراء: 78).

وعلى هذا الأساس يكون الإمام عليّ× ـ طبقاً لصريح هذا الحديث، على فرض صحّته ـ قد خالف هذا الأمر الإلهي.

ثم إذا كان الإمام عليّ× في طاعة الله فما الداعي إلى إرجاع الشمس؛ كي يعيد صلاته، فهو إنما أقام موازنةً بين واجبين إلهيّين، فرجَّح أحدهما أداءً، وسيأتي بالثاني قضاءً، فما هي الحاجة ـ في مثل هذه الحالة ـ إلى خرق الأنظمة والقوانين الطبيعية؟!

4ـ إن من بين الأدلّة التي جعلت هذه الرواية تحظى بالقبول من قبل الشيعة أنهم قد اعتبروها فضيلةً للإمام أمير المؤمنين×، في حين أنها قبل أن تكون فضيلة لهذا الإمام الهمام يجب اعتبارها واحدةً من فضائل رسول الله؛ لأن الشمس إنما رُدَّتْ استجابة لدعاء النبيّ بشأن عليّ×([17]). وقد ورد في «موسوعة الإمام علي×» أن هذا الحديث يمكن أن يُدْرَج ضمن فضائل الإمام عليّ×؛ لأن ردّ الشمس إنما تحقَّق لعلي×، في حين أن مجرَّد دعاء رسول الله‘ لشخصٍ لا يمكن أن يُعتبر لوحده فضيلة لذلك الشخص.

5ـ لقد ذهب البعض، من أمثال: أبي جعفر أحمد بن صالح الطبري المصري، وأبي جعفر أحمد بن محمد الطحاوي، إلى اعتبار ردّ الشمس من علامات النبوّة؛ إذ يقولون: «وكلّ هذه الأحاديث من علامات النبوّة»([18]).

وهنا يطرح هذا السؤال نفسه: لمَنْ يأتي الأنبياء بالمعاجز وعلامات النبوّة؟

من الواضح أن المعاجز والخوارق إنما تجترح لإقناع المنكرين للرسالة والرافضين للنبوّة، من قبيل: معجزة شقّ القمر، التي اجترحها النبيّ الأكرم‘ بطلبٍ من المشركين. وعليه ما معنى أن تجترح معجزة ردّ الشمس للإمام عليّ×؟ هل كان الإمام عليّ ـ وهو أوّل المؤمنين برسول الله‘ ـ في تلك اللحظة منكراً، حتّى يعود إلى إيمانه السابق، أو شاكّاً، فيعود له السكون والهدوء والطمأنينة؟!

6ـ لقد أشكل ابن الجوزي على هذا الحديث بإشكالين:

الأوّل: حتّى إذا عادت الشمس لا تعود صلاة العصر أداءً.

الثاني: لو وقعت لاشتهرت وتوفَّرت الهِمَم والدواعي على نقلها؛ إذ هي في بعض العادات جاريةٌ مجرى طوفان نوح، وانشقاق القمر.

وهذه المسألة هي التي يؤيِّدها علماء الحديث من الشيعة أيضاً. فعلى سبيل المثال: نجد المامقاني، في كتابه «مقباس الهداية»، بعد تعريفه بخصائص الحديث المختلق، يقول: «ومنها أن يكون إخباراً عن أمرٍ جسيم، تتوفَّر الدواعي على نقله بمحضر الجمع، ثم لا ينقله منهم إلاّ واحد»([19]).

7ـ الإشكال الآخر أن بعض صِيَغ هذا الحديث يقول: إن النبيّ الأكرم‘ كان قد صلّى بأصحابه جماعةً، في حين أن الإمام عليّ× لم يلتحق بالجماعة. وهنا يطرح هذا السؤال نفسه: ما الذي منع الإمام عليّ من الالتحاق بصلاة الجماعة، مع أنه كان مع النبيّ الأكرم في حينها؟

والإشكال الآخر: إن النبي ـ طبقاً لهذه الرواية ـ قد جمع بين صلاتي الظهر والعصر، ولكنْ يبدو أن الإمام عليّ× كان له رأيٌ آخر، وآثر التفريق بين الصلاتين، والإتيان بصلاة العصر في وقتها، فهل هو اجتهادٌ منه في مقابل اجتهاد رسول الله؟!

نقد الحديث بمعيار القرآن الكريم ــــــ

يستند القائلون بصحّة رواية «ردّ الشمس لعليّ بن أبي طالب×» إلى الآيات التالية من القرآن الكريم؛ إذ يقول الله تعالى على لسان النبيّ سليمان×: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ﴾ (ص: 32 ـ 33)، بتقريب أن هذه الظاهرة قد حصلت للنبيّ سليمان× أيضاً؛ إذ أُهدي له عددٌ من خيول السباق عند العصر، فانشغل بالنظر إليها حتّى فاتته صلاة العصر أيضاً، وعندما أفاق من غفلته كان الظلام قد اشتبك، وفاتته صلاة العصر. من هنا أخذ يسأل الله أن يردَّ الشمس له؛ كي يؤدّي صلاة العصر في وقتها.

وقد وقع الخلاف بين المفسِّرين في تفسير هاتين الآيتين. فهناك مَنْ اعتقد بهذا الأمر، وقال: حيث تحقّق ردّ الشمس لسليمان× لا يبعد أن يتكرَّر حدوثها لعلي×. ومن القائلين بهذه النظرية العلاّمة السيد محمد حسين الطباطبائي، حيث يذهب إلى الاعتقاد بعود الضمير في «ردّوها» إلى «الشمس»، بمعنى أن النبيّ سليمان× يأمر الملائكة بأن يردّوا عليه الشمس؛ كي يتمكَّن من أداء الصلاة في وقتها([20]).

وفي المقابل هناك مَنْ ذهب إلى القول بعودة الضمير في كلمة «ردّوها» إلى «الخيل»، لا إلى «الشمس»([21]).

ومضافاً إلى العلامة الطباطبائي، ذهب آخرون من كبار العلماء إلى بيان هذا الرأي أيضاً، من أمثال: الفخر الرازي في «التفسير الكبير»، والشيخ الطوسي في «التبيان» أيضاً. وفي ما يلي نشير إلى جانب من هذه الآراء:

جاء في التفسير الكبير، على هامش قوله تعالى: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ (ص: 32): «إن هذه المحبة الشديدة إنما حصلت عن ذكر الله وأمره، لا عن الشهوة والهوى»([22]).

وجاء في «تفسير التبيان» قوله: «قوله تعالى: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ معناه أن هذا الخيل شغلني عن صلاة العصر حتّى فات وقتها، وهو قول عليّ× وقتادة والسُّدّي، وروى أصحابنا أنه فاته الوقت الأول، وقال الجبائي: إنه لم يفُتْه الفرض، وإنما فاته نفل كان يفعله آخر النهار، ففاته؛ لاشتغاله بالخيل»([23]).

وقال في تفسير الجزء التالي من الآية: «وقوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ معناه توارت الشمس بالحجاب، يعني بالغيبوبة».

ثمّ استطرد الشيخ الطوسي قائلاً: «ثمّ قال لأصحابه: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾، يعني الخيل، فلما ردَّتْ عليه ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ﴾، وقيل: إن الخيل هذه حربها من غنيمة جيش، فتشاغل باعتراضها حتّى غابت الشمس، وفاتته العصر. قال الحسن: كشف عراقيبها، وضرب أعناقها، وقال: لا تشغلني عن عبادة ربّي مرّةً أخرى. وقيل: إنه إنما فعل ذلك على وجه القربة إلى الله تعالى، بأن ذبحها ليتصدَّق بلحومها، لا لعقوبتها بذلك. وإنما فعل ذلك لأنها كانت أعزّ ماله، فأراد بذلك ما قال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (آل عمران: 92)، وقال أبو عبيدة: يقولون: مسح علاوته، أي ضربها. وقال ابن عبّاس: جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حبّاً لها. وقال أبو مسلم محمد بن بحر: غسل أعرافها وعراقيبها؛ إكراماً لها، قال: لأن المسح يعبِّر به عن الغسل من قولهم: تمسّحت للصلاة»([24]).

وعليه فالذي يراه الشيخ الطوسي هو عودة الضمير في «ردّوها» إلى الخيل، لا إلى الشمس.

وبعد أن ذكر الإمام الفخر الرازي في تفسيره الاحتمالات الواردة بشأن مرجع الضمير في «ردّوها» قام بذكر أدلّة في سياق ردّ أن يكون مرجع الضمير في هذه الكلمة إلى الشمس، فقال: «رُوي أنه‘ لما اشتغل بالخيل فاتته صلاة العصر، فسأل الله أن يردّ الشمس. فقوله: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ إشارةٌ إلى طلب ردّ الشمس. وهذا الاحتمال عندي بعيدٌ والذي يدلّ عليه وجوه:

الأوّل: إن الصافنات مذكورة تصريحاً، والشمس غير مذكورة، وعود الضمير إلى المذكور أَوْلى من عوده إلى المقدَّر.

الثاني: إنه قال: ﴿إِنّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾. وظاهر هذا اللفظ يدلّ على أن سليمان× كان يقول: ﴿إِنّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي﴾، وكان يعيد هذه الكلمات إلى أن توارت بالحجاب. فلو قلنا: المراد حتّى توارت الصافنات بالحجاب كان معناه أنه حين وقع بصره عليها حال جَرْيها كان يقول هذه الكلمة، إلى أن غابت عن عينه، وذلك مناسبٌ. ولو قلنا: المراد حتّى توارت الشمس بالحجاب كان معناه أنه كان يعيد عين هذه الكلمة من وقت العصر إلى وقت المغرب، وهذا في غاية البُعْد.

الثالث: إنا لو حكمنا بعود الضمير في قوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ﴾ إلى الشمس، وحملنا اللفظ على أنه ترك صلاة العصر، كان هذا منافياً لقوله: ﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي﴾، فإنّ تلك المحبة لو كانت عن ذكر الله لما نسي الصلاة، ولما ترك ذكر الله.

الرابع: إنه بتقدير أنه× بقي مشغولاً بتلك الخيل حتّى غربت الشمس، وفاتت صلاة العصر، فكان ذلك ذنباً عظيماً وجرماً قوياً، فالأليق لهذه الحالة التضرُّع والبكاء والمبالغة في إظهار التوبة، فأما أن يقول على سبيل التهوُّر والعظمة لإله العالم وربّ العالمين: رُدُّوها عليَّ، بمثل هذه الكلمة العارية عن كلّ جهات الأدب عقيب ذلك الجرم العظيم، فهذا لا يصدر عن أبعد الناس عن الخير، فكيف يجوز إسناده إلى الرسول المطهَّر المكرَّم»([25]).

إن الفخر الرازي من خلال هذه الأدلة المحكمة والمقنعة والمتقنة يستبعد عودة هذا الضمير إلى الشمس، ثمّ يستطرد قائلاً: «الخامس: إن القادر على تحريك الأفلاك والكواكب هو الله تعالى، فكان يجب أن يقول: رُدَّها عليَّ، ولا يقول: رُدُّوها عليّ. فإنْ قالوا: إنما ذكر صيغة الجمع للتنبيه على تعظيم المخاطب، فنقول: قوله: ﴿رُدُّوهَا﴾ لفظٌ مشعر بأعظم أنواع الإهانة، فكيف يليق بهذا اللفظ رعاية التعظيم.

السادس: إن الشمس لو رجعت بعد الغروب لكان ذلك مشاهداً لكل أهل الدنيا. ولو كان الأمر كذلك لتوفَّرت الدواعي على نقله وإظهاره. وحيث لم يقُلْ أحدٌ ذلك علمنا فساده»([26]).

يمكن للأدلة التي يسوقها الفخر الرازي في إنكار ردّ الشمس للنبيّ سليمان× أن تكون أدلةً جيّدة على إنكار ردّ الشمس للإمام عليّ بن أبي طالب×.

يقول الفخر الرازي بشأن مرجع الضمير في «ردّوها»: «السابع: إنه سبحانه وتعالى قال: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِىِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾، ثم قال: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾. وعَوْدُ الضمير إلى أقرب المذكورين أَوْلى. وأقرب المذكورين هو الصافنات الجياد، وأما العشيّ فأبعدهما، فكان عَوْد ذلك الضمير إلى الصافنات أَوْلى»([27]).

 

نقد رواية «ردّ الشمس» على أساس الآيات الأخرى ــــــ

1ـ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ (يس: 38).

وهناك الكثير من الآراء المطروحة بشأن تفسير هذه الآية. وفي ما يلي نشير إلى بعضها:

«في قوله: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ أقوال:

أحدها: إنها تجري لانتهاء أمرها عند انقضاء الدنيا، فلا تزال تجري حتى تنقضي الدنيا. عن جماعةٍ من المفسِّرين.

وثانيها: إنها تجري لوقتٍ واحد، لا تعدوه، ولا يختلف. عن قتادة.

وثالثها: إنها تجري إلى أقصى منازلها في الشتاء و الصيف، لا تتجاوزها»([28]).

وبعد الذهاب إلى القول الثاني والثالث، وهما القولان القائلان بأن الشمس لا تتخلف عن مسارها أبداً، سندرك أن «ردّ الشمس» أمرٌ محال، ويبدو مستبعداً؛ إذ إن رجوع الشمس بمنزلة التخلُّف عن الإرادة والقانون الإلهي.

2ـ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (الأنعام: 92).

قال العلاّمة الطباطبائي في تفسير ذيل هذه الآية: «عرَّف تعالى هؤلاء المؤمنين بالآخرة بما هو من أخصّ صفات المؤمنين، وهو أنهم على صلاتهم ـ وهي عبادتهم التي يذكرون فيها ربّهم ـ يحافظون، وهذه هي الصفة التي ختم الله به صفات المؤمنين التي وصفهم بها في أول سورة المؤمنين، إذ قال: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾»([29]).

وعليه كيف يمكن للإمام علي بن أبي طالب× ـ وهو على ما هو عليه من أعلى درجات الإيمان، وذوبانه في ذات الله، حتّى أن الناطسي من الأطباء كان يغتنم فرصة استغراقه في الصلاة والانقطاع إلى الله في تلك الحالة؛ ليُخرج من جسمه السهم الذي أصابه في بعض الحروب، وتعذَّر إخراجه منه ـ أن يتهاون في أداء صلاته، حتّى تفوته، ويضطر إلى قضائها؟! ألا تعني نسبة هذا الأمر إلى الإمام× عليّ تقليلاً في مرتبته الإيمانية؟ هل يمكن لنا أن نتصوَّر علياً×، الذي يأمر بإيقاف القتال في ذروة احتدامها؛ بسبب حلول وقت الصلاة، ويجيب على بعض مَنْ اعترض بأن الظرف لا يساعد على أداء الصلاة، وأنه سيكون هناك متَّسعٌ لأدائها بعد الفراغ من القتال، قائلاً: إنما نقاتل من أجلها (أي من أجل الصلاة)، كيف يمكن له أن يتركها لمجرد أنه يمرّ بأرضٍ مشؤومة أو ملعونة، أو حَذَراً من إيقاظ النبيّ الأكرم‘، ويعتبر تركه للصلاة أفضل من أدائها في تلك الحالة؟!

3ـ قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ (المعارج: 23).

قال العلاّمة الطباطبائي: «في إضافة الصلاة إلى الضمير دلالةٌ على أنهم مداومون على ما يأتون به من الصلاة، كائنة ما كانت، لا أنهم دائماً في الصلاة، وفيه إشارة إلى أن العمل إنما يكمل أثره بالمداومة»([30]).

ألم يكن عليّاً× ـ وهو أوّل الناس إسلاماً وإيماناً وإقامةً للصلاة ـ هو القائل في كتاب له إلى أحد أصحابه: «صَلِّ الصَّلاةَ لِوَقْتِهَا الْمُوَقَّتِ لَهَا، وَلا تُعَجِّلْ وَقْتَهَا لِفَرَاغٍ، وَلا تُؤَخِّرْهَا عَنْ وَقْتِهَا لاشْتِغَالٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ عَمَلِكَ تَبَعٌ لِصَلاتِكَ»([31]).

وعنه× أيضاً أنه قال: «إِنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْكُمْ فَرَائِضَ فَلا تُضَيِّعُوهَا».

فهل يمكن أن نتصوَّر من صاحب هذا الكلام أن يقوم بتضييع مثل هذا الفرض، والعياذ بالله؟!

ألا نكون بترويجنا لمثل هذه الأحدايث ـ شئنا أم أبينا ـ من الذين ينالون من المكانة والمقام الشامخ والرفيع لهذا الإمام العظيم؟

وعليه يتَّضح مما تقدَّم أن هذه الرواية، مضافاً إلى ضعف سندها ومضمونها، تخالف القرآن والمعطيات العلمية البديهية للبشر. ولا تتناسب مع مكانة ومنزلة وشخصية الإمام عليّ×.

إن وجود هذا النوع من الروايات المختلقة والموضوعة في المصادر الروائية لدى الشيعة يخلق مبرّراً لهجمة المخالفين لأهل البيت^ على المصادر الروائية الشيعية، ولا سيَّما منها الأحاديث المتعلّقة بفضائل الإمام علي× خصوصاً، وأهل البيت^ عموماً. ولا يخفى ما في ذلك من مضاعفة الظلم الذي لحق بهم على طول التاريخ.

الهوامش

(*) باحثةٌ في علوم الحديث، ومن خرّيجي كلّية علوم الحديث في إيران.

([1]) المجلسي، بحار الأنوار 41: 166، ح1.

([2]) المصدر السابق، ح2.

([3]) المصدر السابق 41: 167، ح3.

([4]) المصدر السابق 41: 169، ح4.

([5]) المصدر السابق 41: 170، ح6.

([6]) المصدر السابق 41: 171، ح8.

([7]) الحديث المستفيض هو الخبر الذي تكثَّرت رواته في كل مرتبة، وقد يُسمَّى المستفيض بـ (المشهور)؛ لوضوحه. انظر: المامقاني، مقباس الهداية في علم الرواية 1: 129، مؤسسة آل البيت^، قم المقدسة، 1411هـ.

([8]) انظر: الريشهري، موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب×.

([9]) السيوطي، اللآلئ المصنوعة في الأحاديث 1: 336. وقد ذكر السيوطي الحديث المذكور بسندين، ثمّ عمد إلى ردّهما، مع ذكر الدليل على ذلك. ويمكن للقارئ الكريم؛ لمزيد من الاطلاع، أن ينظر إلى الكتاب المذكور: 336، باب مناسب الخلفاء الأربعة.

كما ذكر هذا الحديث أبو الحسن علي بن محمد بن عراق الكتاني في كتاب تزكية الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشيعية الموضوعة، من أربعة طرق، ثم بيَّن ضعفها السندي.

([10]) انظر: الريشهري، موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب× 11: 102.

([11]) انظر: محمد الصادقي الطهراني، ستارگان أز ديدگاه قرآن: 160 ـ 161.

([12]) الصحيح أن (كوبرنيق) هو الذي أثبت حركة الأرض ودورانها حول الشمس، أما ما قام به غاليلو فهو مجرّد إعادة صياغة هذه النظرية والدفاع عنها فقط. المعرّب.

([13]) انظر: م. برانلي فرانكلين، سيارات: 52، ترجمه إلى الفارسية: عادل أرنقي.

([14]) الريشهري، موسوعة الإمام علي بن أبي طالب× 11: 101.

([15]) انظر: النجم: 3.

([16]) انظر: الدكتور محمد صادقي، ويژگي زن در قرآن، مجلة: پژوهشهاي قرآني، السنة السابعة، العددان: 25 ـ 26، ربيع وصيف عام 1380هـ.ش.

([17]) الريشهري، موسوعة الإمام علي بن أبي طالب× 11: 95.

([18]) انظر: المصدر السابق 11: 100.

([19]) انظر: المامقاني، مقباس الهداية في علم الدراية 6: 404.

([20]) انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 17: 309، ترجمه إلى الفارسية: السيد محمد باقر الهمداني وآخرون.

([21]) انظر: الدكتور محمد صادقي، ويژگي زن در قرآن، مجلة: پژوهشهاي قرآني، السنة السابعة، العددان: 25 ـ 26، ربيع وصيف عام 1380هـ.ش.

([22]) الفخر الرازي، التفسير الكبير (مفاتيح الغيب) 26: 204.

([23]) محمد بن الحسن الطوسي، تفسير التبيان 8: 560.

([24]) المصدر نفسه.

([25]) الفخر الرازي، التفسير الكبير (مفاتيح الغيب) 26: 204 ـ 205.

([26]) المصدر السابق 26: 205.

([27]) المصدر نفسه.

([28]) الفضل بن الحسن الطبرسي، تفسير مجمع البيان 8: 240.

([29]) الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 7: 238، دار إحياء التراث العربي، ط1، بيروت، 2006م.

([30]) الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 20: 14، دار إحياء التراث العربي.

([31]) نهج البلاغة، الكتاب رقم 27.