سليمان بن داوود المنقري وكتابه في الحديث

8 يناير 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
759 زيارة

سليمان بن داوود المنقري وكتابه في الحديث

د. محمد كاظم رحمتي(*)

ترجمة: د. نظيرة غلاّب

ظلت مسألة تدوين وتنقيح الكتب الحديثية، وروايتها، والبحث في كيفية تعامل المحدِّثين اللاحقين مع هذه الكتب، والمعايير والمباني التي تبنّوها في نقلهم عنها، موضوعاً هامشياً؛ وذلك لغياب المادة العلمية الأولية الكامنة في الكتب الأولى؛ نتيجة لاندراسها وضياعها؛ لأسباب ذكرتها كتب تاريخ الحديث.

الكتب الحديثية الأولى، التي جمعها ودوَّنها المحدِّثون الأوائل، لم تنقل إلينا بصورتها الأولية، فقد قام تلامذتهم بدورٍ كبير في تنقيحها وتهذيبها لثلاث طبقات توالت بعدها.

ويمكننا تتبُّع هذه الظاهرة ضمن سيرة ابن إسحاق، الذي ذكر شواهد ومعلومات كثيرة في هذا الموضوع، وعن أهمية دور الرواة في المراحل اللاحقة في عملية تهذيب وتنقيح تلك الكتب.

وفي الواقع دور رواة الكتب الحديثية في تنقيح وتهذيب الكتب الحديثية الأولى التي نقلوها عن شيوخهم وأساتذتهم قد يبدو واضحاً، بحيث نلاحظ اختلاف الكتاب الحديثي الواحد من راوٍ إلى آخر، وهو بحثٌ ذكر له ابن إسحاق دلائل متعدّدة، بل إن رواة تلك الكتب كان لهم دورٌ مماثل في تنقيح نفس متن الروايات.

ورغم وجود معلومات موثوقة عن دور رواة كبار في رواية الكتب الحديثية، وتنقيحهم وتهذيبهم للكتب الحديثية الأولى، أمثال: ابن أبي عمير(217هـ)، حُمَيْد بن زياد(310هـ)، إلا أن هذا الموضوع لم يلْقَ عليه الضوء بالمستوى الذي يجعله بحثاً معمقاً في الدراسات الحديثية.

كذلك إنّ صور وأنماط تعاطي المدارس الحديثية الإمامية خلال القرنين الثالث والرابع مع هذا الإرث الحديثي الهائل من المواضع التي ـ رغم أهميتها ـ لم تأخذ ما تستحقّه من العناية والاهتمام.

وبعبارةٍ أخرى: رغم تداول المدارس الحديثية في القرنين الثالث والرابع الهجريين للكتب الحديثية القديمة، إلاّ أن الملفت هو كيف نقلوها إلينا، ورووها لنا.

نستشرف أهمّية الموضوع ضمن هذه الدراسة من خلال تتبُّع نمط تعاطي مدرستي قم وبغداد مع كتاب سليمان بن داوود المنقري الحديثي، كواحدٍ من جملة تلك الكتب الحديثية الأولى.

إلى جانب ذلك نشير إلى أهمّية الاطّلاع على علاقة المحدِّثين الإمامية مع الكتب الحديثية المشتركة، والمعايير التي استندوا عليها في ضبطهم للكتب الحديثية الشيعية التي نقلها رواة من أهل السنّة، وعن السبب في توجُّههم إلى تلك الكتب.

وغيرُ خفيٍّ أن أهمّية هذا التحقيق في كونه يسبر أغوار البحث في المناهج والمباني العلمية الدقيقة التي صار عليها علماء الإمامية في نقدهم وتحقيقهم في تلك الكتب. ونحن نسلِّط الضوء على ذلك من خلال كتاب أبي أيّوب داوود بن سليمان البصري المنقري، المشهور بـ (الشاذكوني)(234هـ).

ترجمة سليمان بن داوود المنقري

يبقى ما ذكره الخطيب البغدادي(463هـ) في ترجمته لسليمان بن داوود المصدر الأهمّ والأصل؛ إذ معظم المصادر الأخرى التي تناولت ترجمته قد استندت إلى أقوال الخطيب البغدادي.

اللهمّ إلاّ بعض المصادر القليلة التي حاولت أن تأتي بالجديد، كما هو حال السمعاني، الذي نقل عن تاريخ أصفهان، لابن مردويه، أن سبب شهرة سليمان بالشاذكوني ـ الشاذكونه نوع من الحصير ـ نسبة إلى حرفة والده، الذي كان يشتغل بالتجارة بالشاذكونه في اليمن([1]).

لم يَرِدْ في الكتب شيءٌ عن المراحل الأولى من حياته، ولا عن تاريخ ولادته، ومحل تولّده.

لكنّ شهرته بالبصري يمكن اعتباره قرينةً دالّة على أنه سكن البصرة مع عائلته.

وذُكر أنه كان كثير السفر، فقد سافر إلى الكوفة، والتقى حفص بن غياث، وسمع من جمع من رواة الكوفة غير الإمامية، وخاصّة هؤلاء الذين روَوْا عن الإمام الصادق×، فسمع منهم الحديث.

ويحتمل أن يكون قد جمع ما سمعه من هؤلاء الرواة في كتابٍ.

وما قيل حول نسبة الكتاب إليه كان على أساس أن الكتاب المذكور قد رواه شخصان آخران: الأوّل: تلميذه قاسم بن محمد الأصفهاني؛ والآخر: محمد بن أبي بشر، نقله عن حسين بن هيثم، عنه.

وممّا قاله الخطيب البغدادي في سليمان بن داوود الشاذكوني أنه كان حافظاً مكثراً.

قدم بغداد، وجالس الحفّاظ بها، وذاكرهم.

ثم خرج إلى أصفهان، فسكنها، وانتشر حديثه بها، واشتهر بالحديث بعد أن أقام بأصفهان.

كان سفره إلى بغداد في سنة 180هـ([2]). ولما قدم بغداد كانت له مع بعض كبار محدِّثي السنّة، أمثال: أحمد بن حنبل، ابتداءً، علاقات طيبة، لكنّه؛ وبسبب بعض الروايات التي رواها، تكدَّرت العلاقات بينه وبينهم.

ومن جملة تلك الروايات الرواية المرتبطة بكلام رسول الله‘ حول الرؤية التي رأى فيها بني أمية كالقردة والخنازير يتناوبون على منبره([3]).

والظاهر أنها الرواية التي جلبت له سخط وغضب محدِّثي السنّة، فلم يَبْقَ منهم في علاقة معه سوى أحمد بن حنبل، الذي ظلّ يرى في الشاذكوني المحدِّث الورع، والعارف بأبواب الرواية، على ما ذكر أبو يحيى الساجي في تصحيحه لفهرست أبي عبيد قاسم بن سلاّم الهروي، والذي فهرس فيه كبار محدِّثي أهل الحديث، وقال: إنّ ابن سلاّم الهروي وقع في الخطأ؛ إذ لم يأتِ على ذكرالشاذكوني، الذي كان أكبر حافظ للحديث بين أهل الحديث في زمانه.

ورغم ذلك نجد أن المصادر الرجالية لدى أهل السنّة، وخاصة العراقيين منهم، قد انهالت على الشاذكوني بأوصاف التضعيف والتوهين. فقد قالوا فيه: إنه كان يضع الحديث، وكان يشرب الخمرة، وتهماً أخرى مسَّتْ أخلاقه. والتفصيل الكامل لكلّ هذه الاتهامات أوردها الخطيب البغدادي في ترجمته لداوود بن سليمان الشاذكوني في مصنَّفه (تاريخ مدينة السلام).

داوود بن سليمان ورواج كتابه في الحديث بين أوساط المحدِّثين الإمامية

تعرَّضت الفهارس والمصادر الإمامية القديمة لذكر سليمان بن داوود.

ذكره الشيخ الطوسي(460هـ) في الفهرست([4]) باسم سليمان بن داوود المنقري، وقال: إن له كتاباً كان مشهوراً بين الأصحاب.

وهذا الكتاب الحديثي وفق الأسانيد التي ذكرها الشيخ الطوسي([5]) كان مشهوراً بين المحدِّثين القمّيين، ورواه جملةٌ منهم، أمثال: سعد بن عبد الله الأشعري، وعبد الله بن جعفر الحميري، وآخرين.

وذكر لكتاب داوود بن سليمان طريقين متّصلة في قاسم بن محمد.

وبالنسبة لهوية قاسم بن محمد فالمحتمل أن يكون هو قاسم بن محمد الجوهري الكوفي، أو ربما هو قاسم بن محمد القمّي، والمعروف بـ (كاسولا).

لكنْ؛ نظراً لما عرف عن الشاذكوني أنه أقام بأصفهان في أواخر حياته، فالمرجَّح أن يكون المقصود بقاسم بن محمد هو قاسم بن محمد القمّي الأصفهاني([6]).

ويتقوّى هذا الترجيح بلحاظ الطبقات؛ فالشاذكوني وكاسولا من طبقة واحدة، بينما تأتي طبقة قاسم بن محمد الكوفي الجوهري، وهو ممَّن روَوْا عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم×، مع طبقة رجالات الإمام الكاظم، وهي طبقة مشايخ الشاذكوني، وليست تُطابِقُ طبقة تلامذة الشاذكوني([7]).

ومن القرائن الأخرى على هويّة قاسم بن محمد بعض الروايات التي نقلت عن كتاب المنقري بواسطة أحمد بن محمد بن خالد البرقي وعليّ بن إبراهيم القمّي، والتي ذكر في سلسلة أسنادها شهرة قاسم بن محمد الأصفهاني([8]).

يعتبر كتاب داوود بن سليمان الحديثي؛ بلحاظ سلسلة الأسناد المرويّ بها، واحداً من المصنَّفات الحديثية المعدودة المتداولة في العراق، التي قام بنقلها المحدِّثون القمِّيون من قم إلى بغداد، وانتشرت روايته في العراق، على عكس ما كان مشهوراً، حيث أساس الموروث الحديثي المتداول بين محدِّثي قم قد دوِّن أول الأمر في العراق، وخاصّة في الكوفة. وبعد ذلك، وإثر هجرة علماء العراق إلى قم، أو على إثر سفر القمّيين إلى العراق، انتقل ذلك الموروث الحديثي من الكوفة (المنشأ) إلى قم.

روى كتاب الشاذكوني في العراق كبار المحدِّثين، أمثال: ابن أبي جيد القمّي، وابن بابويه القمي. روى ابن أبي الجيد كتاب الشاذكوني برواية أبي الوليد القمّي. ورواه الشيخ الصدوق روايةً عن أبيه وشيخه ابن الوليد. ولمكانة ابن الوليد القمّي المتميِّزة والعالية كانت روايته لكتاب الشاذكوني موجبةً لأن يلقى رضاً واسعاً بين محدِّثي الشيعة في العراق، الذين انكبّوا على روايته بشكلٍ واسع([9]).

والنجاشي، رغم ذهابه إلى القول بعدم إمامية الشاذكوني (ليس بالمتحقّق بنا)، إلاّ أنه وثَّقه، وذكره ضمن الذين نقلوا الحديث عن جماعة أصحاب الإمام الصادق×، غير أنه روى عن جماعة أصحابنا من أصحاب جعفر بن محمد×. وذكر طريقه في نقل كتاب الشاذكوني، وهي تختلف عن طريقي الشيخ الطوسي، وتعدّ من ضمن متفرّدات النجاشي. لكنّ الظاهر أن النجاشي ذكر هذه الطريق المنفردة عمداً، حتّى يبين مبلغ شهرة كتاب الشاذكوني، ومدى أهمّيته([10]).

أحمد بن محمد بن خالد البرقي([11]) ومحمد بن يعقوب الكليني من محدِّثي قم الذين نقلوا روايات متعدِّدة من كتاب الشاذكوني.

وكان قاسم بن محمد القمّي الأصفهاني الراوي المشترك لمنقولاتهم عن الكتاب المزبور. وقد كان لقاسم بن محمد الفضل الكبير في رواية وتدوين كتاب الشاذكوني وروايته بين الشيعة.

ومن الجدير بالإشارة أن الروايات المنقولة عن كتاب الشاذكوني في مجموعها روايات أخلاقية.

وقليل منها فقهي، نقل فيها سليمان بن داوود روايات عن أئمّة الشيعة.

كما يشتمل على روايات تساوق الاتجاهات الكلامية والسياسية الشيعية، والتي كانت في ذكر مثالب بني أمية. والظاهر أن هذه الروايات هي السبب في شهرة الكتاب، واعتماده بشكلٍ واسع بين الشيعة الإمامية.

الشيخ محمد بن يعقوب الكليني(329هـ) نقل من كتاب الشاذكوني، والذي كان لديه بواسطة عليّ بن إبراهيم القمّي. وعليّ بن إبراهيم القمّي روى الكتاب عن والده وعليّ بن محمد القاشاني، عن قاسم بن محمد القمّي الأصفهاني.

وممّا نقله الشيخ الكليني عن سليمان بن داوود المنقري روايات عن الإمام الصادق×، بواسطة حفص بن غياث([12])، وسفيان بن عيينة([13])؛ وأخرى بواسطة حمّاد بن عيسى الجهني([14])، وفضيل بن عياض.

وما نقله عنه، في ما رواه عن الإمام الباقر×، كان بواسطة سفيان بن عيينة، عن مسعر بن كدام([15]).

ونقل عنه بعض الروايات التي رواها عن الإمام السجاد×، التي رواها بواسطة عبد الرزّاق بن همام الصنعاني، عن معمر بن راشد، عن الزهري([16]).

وروايته عن الإمام الكاظم× من طريق حفص بن غياث([17]).

ونقل مطلباً عنه، عن شهر بن حوشب، بواسطة نصر بن إسماعيل الثمالي.

طريق الشيخ الصدوق(381هـ) ـ والذي كانت لديه نسخة من الكتاب المذكور ـ كما بيَّنها في قسم مشيخة مَنْ لا يحضره الفقيه([18]) بواسطة والده، عن سعد بن عبد الله الأشعري، عن قاسم بن محمد القمّي الأصفهاني، عن المنقري.

ورغم أنه كانت لديه نسخ أخرى للكتاب من طريق رواة آخرين فقد اكتفى بذكر النسخة الأولى بنفس الطريق في باقي آثاره، وهو الأمر الذي يحيلنا إلى ترجيح فكرة اختلاف النسخ الأخرى بطرقها المختلفة عن بعضها البعض.

العناية بكتاب داوود بن سليمان المنقري، والمعروف بالشاذكوني، تكشف بما لا مجال فيه للتردُّد اهتمام المتقدِّمين من علماء الإمامية الجادّ بموروث الأئمّة الحديثي، بحيث لم يغفلوا حتّى الكتب الحديثية التي اشتملت على أحاديث أئمّة أهل البيت^، والتي دوَّنها محدِّثو العامّة وعلماؤهم.

ويمكن تتبُّع قسم كبير من كتاب سليمان بن داوود المنقري ضمن أصل كتاب حفص بن غياث، حيث يحتمل بشكلٍ قويّ أن يكون سليمان بن داوود قد أخذه، وأعمل فيه تغييرات كثيرة، بالزيادة تارةً، وبالنقصان تارةً أخرى، حتّى تغيَّرت هوية الكتاب الأصل بشكلٍ تامّ([19]).

والدليل على تغاير هوية الكتابين ما أورده الشيخ الصدوق(381هـ) ضمن قسم مشيخة مَنْ لا يحضره الفقيه، حيث كانت لديه نسختان لكلا الكتابين، وبيَّن اختلافهما عن بعضهما البعض، وتحدَّث عن أن طريقه لكتاب حفص بن غياث كانت بثلاثة طرق: الأولى: طريق أبيه، الذي روى الكتاب عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن حفص بن غياث؛ والثانية: بواسطة عليّ بن أحمد بن موسى بن المتوكِّل، الذي روى الكتاب عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي بطريقه عن حفص بن غياث؛ والثالثة: روايته للكتاب المذكور بالطريق المشهور، والتي كانت متداولةً بين رواة قم، يعني والده، عن سعد بن عبد الله الأشعري، عن قاسم بن محمد الأصفهاني ابن كاسولا، عن سليمان بن داوود المنقري، عن حفص بن غياث([20]).

وكذلك تحدّث الشيخ الصدوق([21]) عن كتاب سليمان بن داوود المنقري بشكلٍ منفصل عن كتاب غياث بن حفص.

ويمكن تحصيل مغايرة هوية الكتابين واختلاف الواحد عن الآخر من خلال ما أورده الشيخ ابن بابويه في كتابه مَنْ لا يحضره الفقيه، حيث قال عن كتاب حفص بن غياث: روى حفص بن غياث عن…. أما بخصوص كتاب سليمان بن داوود المنقري فقد قال: وروى سليمان بن داوود المنقري عن حفص بن غياث….

وهو كما يلاحظ تمييزٌ بين الكتابين، وفصلٌ بينهما.

ونقل الشيخ الصدوق للكتابين ضمن كتابه مَنْ لا يحضره الفقيه مؤيِّد آخر وقرينة أخرى على اختلاف الكتابات الأخرى التي تمَّتْ للكتاب، ورويت بطرق مختلفة([22]).

موقف مدارس الحديث الإمامية من كتاب المنقري، وكيفية تلقّيهم له

من النقاط الأخرى المهمّة المرتبطة بكتاب سليمان بن داوود المنقري نوع تلقّي مدارس الحديث الإمامية في قم وبغداد له، والذي اختلف بين القبول والرفض.

وبالجملة يمكن الحديث عن وجود اتجاهين أو مدرستين رئيستين في الحديث بين الإمامية خلال القرنين الثالث والرابع الهجريّين، تمثّلتا في: مدرسة قم، وهي مدرسة سعد بن عبد الله الأشعري وعبد الله بن جعفر الحميري، التي بيَّن مبانيها واتجاهها تلميذهما ابن الوليد، الذي مكَّنها من أن تكون الاتجاه السائد في قم؛ ومدرسة عليّ بن إبراهيم القمّي ونخبة تلامذته محمد بن يعقوب الكليني. كلا المدرستان تختلفان اختلافاً ملحوظاً، سواء بلحاظ المشرب أو بلحاظ المباني.

اختيار الشيخ محمد بن يعقوب الكليني لطريقٍ خاص في النقل من كتاب المنقري ليس ذا أهمّية. فالأمر لا يعدو أن يكون طبيعياً ضمن شيوع هذه الطريقة بين كلّ المحدِّثين، بحيث يقوم كلّ واحدٍ بترجيح طريق على الآخر.

لكنّ المهم في تعاطي الكليني مع الكتاب المذكور يكمن في نظرة الكليني الماهوية للكتاب؛ إذ يلاحظ في ما نقله الكليني عن الكتاب المذكور أنه اقتصر فيها على شقّه المتعلِّق بالروايات الأخلاقية، باستثناء موردٍ واحد أجبر فيه الكليني على نقل روايةٍ خاصّة بإجبار أمّ ولد بإرضاع ولدها([23]).

وهذا في مقابل إقبال الشيخ الطوسي التامّ على الروايات الفقهية([24])، ولم ينقل الروايات الأخلاقية إلاّ في موارد قليلة جدّاً.

والمستنتج من هذه المعطيات أن الشيخ محمد بن يعقوب الكليني وأستاذه عليّ بن إبراهيم القمّي في احتمالٍ قوي لم يكونا ينظران لكتاب المنقري على أنه مصدرٌ فقهيٌّ يمكن الاعتماد عليه في هذا المجال، وإنما هو أثرٌ أخلاقيّ([25]).

ومشابهةً لما وقع في مدرسة بغداد، نجد التيّار الحاكم في مدرسة قم، ونقصد به تيار ابن الوليد القمّي، قد تعاطى مع كتاب المنقري في جانبه الأخلاقي، انسجاماً مع عنوان الكتاب الظاهر في الأخلاق، وكذلك مع شقّه الفقهي.

فالكتاب لدى مدرسة قم، وتيّار ابن الوليد خاصّة، مصدرٌ أخلاقيّ وفقهيّ. ومثاله الواضح: كتاب مَنْ لا يحضره الفقيه، الذي أورد فيه ابن بابويه الروايات الفقهية المختلفة التي نقلها المنقري في كتابه([26]).

ولعلّ السبب في اختلاف نظرة مدرستي قم لنصوص كتاب المنقري هو رواية الكتاب بواسطة المحدِّثين القمّيين، وخاصة بسبب رواية ابن الوليد، الذي يحتمل أن يكون سبباً مؤثِّراً في نظرة المحدِّثين العراقيين للكتاب.

كلّ هذه الاستنتاجات لا تمنعنا من الإقرار أن التعرُّف على الكليني وابن الوليد باعتبارهما حلقة وصل بالتيّارين الرئيسين في قم خلال القرنين الثالث والرابع لا زالت بحاجةٍ إلى المزيد من البحث والتحقيق.

لكنْ بالجملة يمكن القول: إن المتسالم عليه هو وجود تيارين أصليين في الحديث في قم: تيار سعد بن عبد الله الأشعري وعبد الله بن جعفر الحميري، وهو التيار الغالب في وسط المحدِّثين القمّيين؛ وتيار عليّ بن إبراهيم الكوفي.

لكنّ هذا لا يعفينا من الاعتراف بأنّ التعرُّف على نقاط اختلاف أحدهما عن الآخر، وكتاباتهما، لا زال متوقِّفاً على البحث المكثَّف والتحقيق العلمي الجادّ.

وبعبارةٍ أخرى: إن المعرفة بخصوصيات وخصائص التيارين الأخيرين يمكن الوصول إليه من خلال تتبُّع مسلكهما في التعامل والتعاطي مع الكتب الحديثية، والطرق التي روى بها كلُّ واحدٍ منهما تلك الكتب.

الهوامش

(*)باحثٌ متخصِّصٌ في التراث والدراسات القرآنيّة والحديثيّة. من إيران.

([1]) انظر: أحمد بن علي، المشهور بالخطيب البغدادي، تاريخ مدينة السلام وأخبار محدّثيها وقاطنيها من العلماء من غير أهلها ووارديها 1: 55 ـ 64، تحقيق: شار عواد المعروف، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1422هـ ـ 2001م؛ السمعاني، الأنساب، جزءٌ من مطلب حول الشاذكونه، نقلاً عن تاريخ أصفهان، لأبي بكر بن مردويه، حول سبب تسمية سليمان بن داوود المنقري بالشاذكوني. وظاهراً هذا اللقب موضوع على سليمان بن داوود؛ لأنه لم يعثر على تسمية أحد آخر به سواه. كما أن وجود مثل هذه التسمية في زمن ازدهار الحضارة الإسلامية بعيد عن الصحّة. كما أن غياب أي معلومة عن أبيه على رغم التفاصيل الكثير حول الشاذكوني نفسه يمكن أن تكون دليلاً على حداثة إسلامه، وأنّ هذا اللقب كان له قديماً كأحد الأسماء الإيرانية القديمة. (انظر: عبد الكريم بن محمد السمعاني، الأنساب 3: 371 ـ 372، تقديم وتعليق: عبد الله عمر البارودي، دار الجنان، بيروت، 1408هـ ـ 1988م.

([2]) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد 10: 55.

([3]) تاريخ بغداد 10: 59 ـ 60.

([4]) الطوسي، الفهرست: 221.

([5]) المصدر نفسه.

([6]) انظر: الطوسي، الفهرست: 372؛ رجال النجاشي: 315.

([7]) انظر: رجال النجاشي: 315، ذكر ذلك في ترجمته للجوهري بروايته عن الإمام الكاظم×.

([8]) انظر: أحمد بن محمد بن خالد البرقي، كتاب المحاسن 2: 439، تصحيح: السيد جلال الدين الحسيني، طهران، 1370هـ ـ 1330هـ.ش؛ الكليني، الكافي 1: 39، 406؛ 2: 88. كذلك حول المنقري والروايات المروية عنه في الكتب الأربعة انظر: التستري، قاموس الرجال 8: 494 ـ 495؛ السيد الخوئي، معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة 8: 25، 256 ـ 260، 457 ـ 460، دار الزهراء، بيروت 1403هـ ـ 1983م.

([9]) انظر: الطوسي، الفهرست: 221.

([10]) العلامة التستري في تصحيحه لمقالة النجاشي: إن الشاذكوني نقل عن مجموعة من الإصحاب الإمامية الرواة عن الإمام الصادق×، وعرف الرواة المذكورين بأنهم لم يكونوا إماميّة، وأقام على ذلك شواهد متعدّدة، قال: ظاهر عبارة النجاشي ليس أن روايات الشاذكوني كانت منحصرة في النقل عن الإمامية من أصحاب الإمام الصادق×، بل بمعنى أنه روى عن رواة مختلفة، نقلوا الحديث عن الإمام الصادق، البعض منهم من أصحابنا وإمامية، كحمّاد بن عيسى. (انظر: محمد تقي التستري، قاموس الرجال 5: 266، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1430.

وبخصوص طريق النجاشي لا بُدَّ من التوضيح التالي: إنه رغم اختلاف طريق النجاشي عن طريقي الطوسي، والمشهورة بين محدِّثي قم، إلا أنها تشترك معها في الراوي قاسم بن محمد القمي الأصفهاني، المعروف بـ (كاسولا). وبعبارةٍ أخرى: الحديث عن الكتاب الحديثي المذكور، وبالأساس كل الكتب التي نقلها أهل السنة في التراث الشيعي لها نفس الخصوصية، بحيث تمثِّل ظاهرة متميزة ضمن الكتب الحديثية القديمة لأهل السنّة في القرنين الثاني والثالث الهجريين. للاطّلاع على أهمية هذه الكتب الحديثية في القرون الأولى راجع: السيد علي آقايي، حلقه مشترك وپيوند آن با اصطلاحات حديثي، مجلة تاريخ وتمدّن إسلامي، السنة الثامنة، العدد 15: 59 ـ 98، ربيع وصيف 1391هـ.ش.

([11]) المحاسن 1: 233؛ 2: 330 ـ 331، 360، 439.

([12]) محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، صحّحه: علي أكبر الغفاري 1: 35؛ 2: 87، 128، 148، 263؛ 3: 10 ـ 12؛ 8: 128، 143، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1363هـ.ش.

([13]) الكليني، الكافي 1: 406؛ 4: 521.

([14])الكليني، الكافي 6: 479؛ 8: 348.

([15]) الكليني، الكافي 5: 9 ـ 10. وبالنسبة لنظم كتاب سليمان بن داوود الشاذكوني ليس هناك نظم معين. ويعتقد أن الراوي المهمّ لهذا الكتاب قاسم بن محمد الأصفهاني قد أعاد نظم الكتاب وفق الأساس المعتمد في المسند، حيث نظمه وفق أسماء الرواة. وربما يكون نفسه سليمان بن داوود مَنْ نظم روايات كتابه على أساس أسماء الرواة.

والشاهد على هذا المدعى الأخير ما قاله النجاشي حول كتاب حديثي من روايات فضيل بن عياض، الذي جمع فيه روايات عن الإمام الصادق×. والملفت في كلام النجاشي طريقه إلى الكتاب المذكور ـ أخبرنا علي بن أحمد (ابن أبي جيد القمّي)، عن محمد بن الحسن، عن سعد، عن القاسم بن محمد الإصبهاني قال: حدَّثنا سليمان بن داوود، عن فضيل، بكتابه. وذلك لأن طريق النجاشي هذه هي نفسها الطريق الرائجة عن كتاب الشاذكوني، والتي تشتمل على روايات فضيل بن عياض. انظر: النجاشي، فهرست أسماء مصنِّفي رجال الشيعة، المشهور برجال النجاشي: 310 (المطلب الأخير هو كذلك قرينة على أن النجاشي قد كان يعرف كتاب الشاذكوني برواية ابن أبي جيد، لكنّه فضل الرواية بالطريق الآخر؛ لشهرتها)؛ السيد حسين مدرسي الطباطبائي، الموروث الشيعي المكتوب من القرون الأولى الهجرية: 282 ـ 283، ترجمة: السيد علي قرائي ورسول جعفريان، قم، نشر بتاريخ 1386هـ.ش. وفهرس هذه الروايات المنقولة من الكتاب المذكور موجودةٌ في الموروث الشيعي.

([16]) الكليني، الكافي 1: 39.

([17]) الكليني، الكافي 2: 130.

([18]) مَنْ لا يحضره الفقيه 4: 467.

([19]) لقد اهتم علماء الإمامية بروايات أئمّة الشيعة، والكتاب المذكور يكشف عن الخصلة المتداولة بين علماء السنّة خلال القرون الأولى، وما كانت عليه حال علماء السنّة في استقبالهم لروايات أئمة الشيعة. وقد قدّمت للطبع موضوعاً حول دقّة نظر المحدِّثين الإمامية في نقل ورواية الكتب الحديثية المذكورة، تحت عنوان (الآاراء الحديثية لمتقدِّمي علماء الإمامية بخصوص كتب حديث الأئمّة التي دونها رواة سنّة).

([20]) مَنْ لا يحضره الفقيه 4: 473.

([21]) مَنْ لا يحضره الفقيه 4: 467.

([22]) بناء على ماذكر النجاشي حول كتاب حفص بن غياث، في كتابه فهرست أسماء مصنفي الشيعة: 135، فالكتاب يشتمل على ما يقارب 170 حديثاً. والكتاب كان معروفاً لدى محدِّثي العراق. وقد رواه النجاشي رواية عن مجموعة من الأصحاب، نقلاً عن ابن عقدة. وطريقه رواية عن عمر بن حفص، عن أبيه. كما رواه النجاشي كذلك برواية أبي الحسن عليّ بن أحمد بن محمد بن طاهر، والذي كانت له إجازة عامة، عن ابن الوليد. وكانت لكتاب حفص بن غياث طرق أخرى بين محدِّثي قم وبغداد. والشيخ الطوسي في الفهرست: 158، في إشارة له لكتابٍ حفص، قال: إنه نقل كتاب حفص برواية الشيخ الصدوق، الذي رواه عن أبيه ومحمد بن حسن بن الوليد القمّي، والذي رواه رواية عن سعد بن عبد الله الأشعري وعبد الله بن جعفر الحميري، عن محمد بن حفص، عن أبيه. ويوجد إشكالٌ في الطريق التي ذكرها الشيخ الطوسي؛ فمحمد بن حفص يحتمل أن يكون تصحيفاً لعمر بن حفص، وربما توجد إشكالات أخرى في سلسلة هذاالسند.

([23]) الكليني، الكافي 6: 41 ـ 42.

([24]) انظر: الطوسي، الاستبصار 3: 2، 3؛ 4: 54؛ الطوسي، تهذيب الأحكام 4: 115 ـ 116؛ 6: 124، 136 ـ 137، 141، 142، 144، 146 ـ 147، 151 ـ 153، 261 ـ 262، 294، 311 ـ 312، 314، 377، 396؛ 7: 454؛ 8: 107، 316؛ 9: 381؛ 10: 155.

([25]) انظر: الكليني، الكافي 1: 35، 39، 406؛ 2: 88 ـ 89، 128، 130 ـ 131، 148 (نفس الروايات في 8: 143)، 606؛ 3: 430 ـ 431؛ 4: 290، 521 ـ 522؛ 5: 9 ـ 10، 10 ـ 12، 45 ـ 46؛ 6: 41 ـ 42، 479؛ 8: 142 ـ 144، 348 ـ 349.

وهناك مطلبٌ آخر تجدر مقارنته مع اختلاف سند التحريرات المختلفة للكتاب المذكور متن الأحاديث التي نقلتها تلك الكتب رواية نقلها الشيخ الطوسي نقلها الكليني في كتابه عن كتاب المنقري حول حروب الإمام علي× (5: 10 ـ 12) لا تختلف كثيراً في متنها عن ما أورده (4: 114 ـ 116؛ 6: 136 ـ 137)، لكنّ مزيداً من البحث في هذا الجانب قد يبيِّن الاختلاف بين المدارس الحديثية في قم وبغداد في تعاملهم مع الكتاب، ووجود تيارين غالبين في مدرسة قم، ونعني بهما: تيار سعد بن عبد الله الأشعري وعبد الله بن جعفر الحميري، وكان هو التيار الغالب، وتلميذهما ابن الوليد؛ وتيّار عليّ بن إبراهيم الكوفي وتلميذه محمد بن يعقوب الكليني، وموقفهما من كتب الواقفة على ما ذكرنا ضمن بحثٍ خاص، انظر في هذا: محمد كاظم رحمتي، علماء الإمامية وموروث الواقفة الحديثي: 269 ـ 285، بمناسبة تكريم الأستاذ محمد علي مهدوي راد، بمساعدة رسول جعفريان، نشر مؤرخ، قم، 1391هـ.ش.

([26]) انظر: كتاب مَنْ لا يحضره الفقيه 1: 419 ـ 420؛ 2: 99 ـ 100، 282 ـ 283، 480، 488؛ 3: 51، 139، 298 ـ 299، 435؛ 4: 71 ـ 72، 319.

التحرير الكامل لوصيّة لقمان لولده أثناء السفر أوردها الصدوق بشكلٍ كامل (2: 296 ـ 298). وهي تختلف اختلافاً يسيراً مع المتن الذي أورده الكليني في الكافي 8: 384 ـ 349. ونقل الشيخ الصدوق في كتبه الأخرى روايات عن كتاب حفص بن غياث برواية الشاذكوني، أو من كتاب الشاذكوني مباشرةً، ومن جملتها انظر: الآمالي: 118، 315 (بقرينة الطريق المذكورة في مشيخة الفقيه 4: 473 حديثين نقلهما عن كتاب حفص بن غياث برواية الشاذكوني)، 714، 764 ـ 765، 766؛ التوحيد: 116، 120، 327، 366 ـ 367، 416؛ الخصال: 41، 64 ـ 65، 11، 119، 239، 240 ـ 241، 274 ـ 274، 278، 386، 407 ـ 438، 434 ـ 537.