شهادة المرأة في الإسلام

26 سبتمبر 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
3٬514 زيارة

شهادة المرأة في الإسلام

قراءة فقهية شاملة

ـ القسم الثالث ـ

ترجمة حيدر حب الله

المبحث الرابع: شهادة المرأة في النكاح

النكاح من الموضوعات التي رأى بعض الفقهاء عدم قبول شهادة النساء فيها، مع أن بعضاً آخر أفتى بقبولها.

الآراء والنظريات

مع الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الروايات، ثمة قولان هنا هما:

1 ـ عدم حجية ولا قبول شهادة النساء في النكاح، وهو مختار علماء مثل الشيخ المفيد([1])، والشيخ الطوسي في الخلاف([2])، وسلار([3])، وابن حمزة([4])، وابن إدريس([5])، ونجيب الدين([6])، وظاهر كلام العلامة الحلي في التحرير([7]).

2 ـ حجية شهادتهنّ وقبولها، ذهب إليه بعض العلماء مثل الصدوق الأول([8]) والثاني([9]) وابن الجنيد([10])، والطوسي في المبسوط([11])، وفي كتابيه الحديثيين: التهذيب([12])، والاستبصار([13])، وكذلك أبو الصلاح الحلبي([14])، وابن زهرة([15])، والمحقق الحلي في الشرائع([16])، والعلامة في القواعد والإرشاد([17])، وفخر المحققين في الإيضاح([18])، والشهيد الأول في الدروس([19])، وغيرهم من المتأخرين، بل أكثر الأصحاب قائل بهذا الرأي كما يقول الشهيد الثاني في المسالك([20])، بل إن ابن زهرة([21]) ادّعى الإجماع على هذا القول.

 

أدلة مانعي حجية شهادة المرأة في النكاح، دراسة ونقد

أ ـ الأدلّة

استدلّ لعدم الحجية هنا بروايتين، رغم أن أكثر الكتب الفقهية استندت فقط إلى رواية السكوني([22])، إلا أن المحقق الأردبيلي نقل الاستدلال برواية إسماعيل بن عيسى([23])، والخبران هما:

1 ـ رواية إسماعيل بن عيسى، سألت الرضا×: هل تجوز شهادة النساء في التزويج من غير أن يكون معهنّ رجل؟ قال: «لا، هذا لا يستقيم»([24]).

2 ـ رواية السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي× أنه كان يقول: «شهادة النساء لا تجوز في طلاق، ولا نكاح، ولا في حدود، إلا في الديون، وما لا يستطيع الرجال النظر إليه»([25]).

وكيفية الاستدلال بهاتين الروايتين ظاهرة واضحة.

ب ـ نقد أدلّة المانعين

أولاً: إن هاتين الروايتين ضعيفتان، فخبر السكوني ضعيف من حيث وجود بنان بن محمد([26]) فيه وهو غير موثق، كما أن إسماعيل بن عيسى([27]) الوارد في الرواية الأولى ضعيف.

ثانياً: ذكر الشيخ في التهذيب([28]) والاستبصار([29]) حمل هاتين الروايتين على التقية; لأن أهل السنّة يرون لزوم الشهادة في صحّة النكاح، على خلاف الطلاق. كما أن رواية داوود بن الحصين([30]) مؤيدة للتقية ومبيّنة لنظر أهل السنّة، ذلك أنه جاء فيها ذمّ الحكم بضرورة الشاهد الواحد في النكاح، إلا أن المحقق الأردبيلي([31]) أشكل على الشيخ الطوسي هنا معتبراً أن رواية داوود لا يمكنها أن تؤيد فرضية الحمل على التقية.

ولا يفوتنا عدم وضوح الوجه في إشكال الأردبيلي على الشيخ، ذلك أن الشيخ الطوسي أراد بيان نظر أهل السنّة وفتواهم من خلال رواية داوود، بعنى أنه جعل المستند كذلك، وعليه، فرواية داوود هي المستند في تحديد رأي أهل السنّة.

وقد ذكر الشيخ الطوسي حملاً آخر لهاتين الروايتين، وهو حمل «لا تجوز» على الكراهة([32])، ومؤيده عنده ـ كما جاء في الاستبصار([33]) ـ هو كلمة «لا يستقيم»، ذلك أنه لو كان المقصود عدم الجواز لقال: «لا تجوز»، ولم يقل: «لا يستقيم»، إلا أن هذا الحمل ضعيف، وقد أشار المحقق الأردبيلي ـ بأمره بالتأمل ـ إلى ضعف هذا الحمل، ويبدو أن وجه التأمل عنده، هو ورود كلمة «تجوز» في سؤال السائل، فسؤاله عن الجواز وعدم الجواز، وعليه فكلمة «لا» دالّة على نفي الجواز وعلى الحرمة، وحمل «لا تجوز» على الكراهة حملٌ على خلاف الظاهر، بل خلاف النص والصراحة.

أدلّة مجوّزي حجية شهادة المرأة في النكاح، وكيفية الاستدلال

أ ـ الأدلّة

1 ـ صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله×، أنه سئل عن شهادة النساء في النكاح، فقال: «تجوز إذا كان معهنّ الرجال»([34]).

2 ـ خبر أبي بصير، قال: سألته عن شهادة النساء؟ فقال: «تجوز شهادة النساء وحدهنّ على ما لا يستطيع الرجال النظر إليه، وتجوز شهادة النساء في النكاح إذا كان معهنّ رجل»([35]).

3 ـ خبر إبراهيم الحارقي (الحارثي أو الخارقي)، سمعت أبا عبد الله× يقول: «تجوز شهادة النساء فيما لا يستطيع الرجال أن ينظروا إليه، ويشهدوا عليه، وتجوز شهادتهنّ في النكاح»([36]).

4 ـ خبر محمد بن فضيل، قال: سألت أبا الحسن الرضا× قلت له: تجوز شهادة النساء في نكاح أو طلاق أو رجم؟ قال: «تجوز شهادة النساء فيما لا تستطيع الرجال أن ينظروا إليه وليس معهنّ رجل، وتجوز شهادتهنّ في النكاح إذا كان معهنّ رجل»([37]).

5 ـ خبر زرارة، قال: سألت أبا جعفر× عن شهادة النساء تجوز في النكاح؟ قال: «نعم»([38]).

6 ـ خبر أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد الله×، قال علي×: «شهادة النساء تجوز في النكاح»([39]).

7 ـ خبر داوود بن الحصين، عن أبي عبد الله× قال: سألته عن شهادة النساء في النكاح، بلا رجل معهنّ إذا كانت المرأة منكرة، فقال: «لا بأس به… والنكاح لم يجىء عن الله في تحريمه، فسنّ رسول الله’ في ذلك الشاهدين تأديباً ونظراً، لئلا ينكر الولد والميراث، وقد ثبتت عقدة النكاح (واستحلّ الفروج) ولا أن يشهد، وكان أمير المؤمنين× يجيز شهادة المرأتين في النكاح عند الإنكار»([40]).

8 ـ رواية فقه الرضا: «وتقبل شهادة النساء في النكاح والدَّين، وكل ما لا يتهيأ للرجال أن ينظروا إليه»([41]).

ب ـ كيفية الاستدلال

إن كيفية الاستدلال بهذه الروايات واضحة، كما أن الوجوه التي ذكروها لترجيح هذه الروايات على الروايتين المتقدمتين المعارضتين (خبر إسماعيل بن عيسى والسكوني) تصلح مؤيداً لتقوية الاستدلال بهذه الروايات هنا، وننقل هنا الوجوه التي جاءت في كلام المحقق الأردبيلي مكتفين بها: «ورواية الجواز أكثر وأوضح، مع تأييده بعموم أدلّة قبول الشهود وبأن الشريعة سهلة سمحة، وإذا كان المدعي هو الزوجة يكون الدعوى مالاً مثل النفقة والمهر»([42]).

والوجوه التي جاءت في كلام الأردبيلي أربعة هي:

1 ـ كثرة روايات الجواز وزيادتها على غيرها.

2 ـ كون روايات الجواز أوضح في الدلالة من غيرها.

3 ـ إنها مؤيّدة بـ: أ ـ عموم أدلة الشهود. ب ـ قاعدة السهولة والسماحة في شريعة الإسلام.

4 ـ إذا كان مدّعي النكاح هو الزوجة فإن الدعوى ستكون حينئذ دعوى مالية من حيث النفقة والمهر، وشهادة المرأة في الدعاوى المالية مقبولة.

إجماع صاحب الغنية([43]) والمناقشة فيه

يواجه هذا الإجماع إشكالين هما:

1 ـ وجود مخالفين من العلماء الكبار، مثل الشيخ المفيد والشيخ الطوسي، وقد أسلفنا الحديث عن ذلك فيما تقدّم.

2 ـ حيث كانت هذه المسألة محلاً لورود روايات، فإن هذا الإجماع سيكون مدركياً على فرض وقوعه وتحققه ; «فإنّ الإجماع حجة فيما ليس للعقل إليه سبيل ولا للنقل فيه دليل».

دراسة في تعارض الروايات في شهادة النساء في النكاح

ليس هناك بين روايات مسألتنا تعارضاً; ذلك أن التعارض متفرّع على حجية المتعارضين، وقد تقدّم أن روايات عدم قبول شهادة النساء (السكوني وابن عيسى) ضعيفة السند؛ فلا تكون حجةً ولا يستند إليها، في المقابل ثمة في الأخبار الثمانية الدالة على قبول شهادة النساء خبرٌ صحيح وهو صحيحة الحلبي، كما أن كثرة هذه الروايات يمكن أن يجعل فيها تواتراً إجمالياً..

مع ذلك كله، لو قلنا بوجود تعارض فلابد من تقديم الروايات الثماني على الخبرين الآخرين، نظراً لأكثريتها وأوضحيتها في الدلالة، وموافقتها لقاعدة السماحة والسهولة، وغير ذلك مما جاء في كلمات المحقق الأردبيلي.

أ ـ بيان المرجحات

1 ـ الكثرة السندية: فمن المرجحات غير المنصوصة في باب التعارض كثرة الروايات، وهنا يبلغ عدد الروايات الدّالة على قبول شهادة النساء ثماني روايات، فيما الدالّة على عدم القبول روايتين فقط، وعليه فالترجيح بالكثرة يقع في صالح ما دلّ على قبول الشهادة.

2 ـ مخالفة أهل السنّة: إن روايتي عدم قبول الشهادة موافقتان لأهل السنّة، وقد نقل الشيخ الطوسي في الخلاف([44]) عنهم ـ سيما الشافعي ـ أنه قال بعدم انعقاد النكاح إلا مع شهادة رجلين([45])، فيما روايات قبول الشهادة مخالفة لهم، وعليه فالترجيح يقع لصالح الروايات المخالفة لأهل السنّة.

ب ـ كيفية الجمع الدلالي بين الروايات

نظراً لعدم حجية الروايتين المستدلّ بهما على عدم قبول شهادة النساء في النكاح، لابد من القول بعدم وجود تعارض أساساً بين الروايات، من هنا فليس من حاجة لجمع سندي ولا للترجيح بالمزايا والمرجحات، كما لا حاجة إلى جمع دلالي أو تصرّف في إحدى الدلالات.

لكن لإكمال البحث ودراسة مختلف النظريات، نشير هنا إلى وجهين للجمع الدلالي بين طائفتي الروايات، وردا في كلمات بعض القائلين بقبول شهادة النساء في النكاح، وهما:

الجمع الأول: تحمل روايات عدم قبول الشهادة على حالة الانفراد، فيما تفسّر روايات القبول بحالة انضمام شهادة الرجال إلى شهادة النساء، ونتيجة هذا الجمع ما قيل من قبول شهادة النساء منضمّةً إلى شهادة الرجال، لا غير، ويؤيد هذا الجمع ما جاء في رواية إسماعيل بن عيسى من الروايات الدالة على عدم قبول شهادة النساء في النكاح من: هل تجوز شهادة النساء في التزويج من غير أن يكون معهن رجل؟ قال: «لا، هذا لا يستقيم»([46])، كما يؤيد بما جاء في الروايات الدّالة على قبول شهادة النساء مثل خبر محمد بن فضيل: «..وتجوز شهادتهنّ في النكاح إذا كان معهنّ رجل..»([47])، وما جاء في صحيح الحلبي: «تجوز إذا كان معهنّ رجل..»([48])، ورواية أبي بصير: «..وتجوز شهادة النساء في النكاح إذا كان معهنّ رجل..»([49])، ولا يفوتنا ذكر أن هذا الحمل قد جاء في شرح الإرشاد([50])، وغاية المراد([51]).

2 ـ حمل روايات القبول على صورة كون الزوجة هي المدّعية للنكاح، حيث لازمها النفقة والمهر، فترجع الدعوى إلى الأموال، وهي من الدعاوى التي تقبل فيها شهادة النساء، أما الروايتان الدّالتان على عدم قبول شهادتهنّ فتحمل على غير ذلك. وقد جاء هذا الجمع أيضاً في غاية المراد، وفي شرح الإرشاد للمحقق الأردبيلي.

وبالتأمل في هذين الجمعين يتضح أن الجمع الأول كان منطلقاً من وجود شاهد في الروايات، وهو على رغم كونه جمعاً عرفياً ودلالياً، إلا أنه لا توجد من بين هذه الروايات رواية معتبرة تصلح لتأييده سوى خبر الحلبي الصحيح السند، وهو معارض في صدره وذيله لصحيح داوود بن الحصين، ذلك أن داوود سأل الإمام في صدر الرواية: سألته عن شهادة النساء في النكاح بلا رجل معهنّ إذا كانت المرأة منكرة؟ فقال: «لا بأس به»، وقد ذكر الإمام الصادق في ذيل هذه الرواية: «وكان أمير المؤمنين× يجيز شهادة المرأتين في النكاح عند الإنكار»([52]).

وبناء عليه، فلا يمكن لصحيح الحلبي ـ نظراً لهذا التعارض ـ أن يكون شاهداً مؤيداً للقول بقبول شهادة النساء منضمّات إلى الرجال في النكاح، فمع الالتفات إلى هذا التعارض بين هاتين الروايتين الصحيحتين، ومع القول بتساويهما في جميع الجهات، نختار صحيح داوود بن الحصين وهو دالّ على قبول شهادتهنّ في النكاح بشكل مطلق منفردات ومنضمّات إلى الرجال، ونعمل بهذه الرواية، ذلك أن الحكم في الخبرين المتعارضين المتكافئين هو التخيير، وحتى لو قلنا بعدم تساوي الروايتين، فإنّ الترجيح يكون لصالح خبر داوود، ذلك أن الحكم الوارد فيه سهل يسير، وهو كذلك مطابق للاعتبار العقلائي وبناء العقلاء.

وقد يشكل على الأخذ برواية داوود بأنها مقيدة في صدرها وذيلها بحالة إنكار الزوجة، فلا تفيد القبول المطلق، وعليه فلا يمكنها معارضة صحيحة الحلبي الدالة على قبول شهادة النساء المنضمات إلى الرجال في تمام الموارد، سواء كانت المرأة هي المنكرة أم لم تكن، إلا أن هذا الإشكال غير وارد; ذلك أن ذكر قيد الإنكار في صدر الصحيحة إنما جاء لبيان أن السائل أراد أن يُفهم أن سؤاله عن مقام الاختلاف والدعوى والإنكار، لا في مقام الثبوت.

وخلاصة القول: إن الجمع بين الروايات الدّالة على جواز شهادة النساء بشكل مطلق وبين خبر السكوني الدال على عدم الجواز بشكل مطلق عبر القول بجواز الشهادة في صورة انضمامها إلى شهادة الرجال لا غير، جمعٌ تبرّعي غير تام; إذ ليس هناك أيّ شاهد أو خبر معتبر دال على التفصيل وعلى تقييد كلا الإطلاقين إلا صحيحة الحلبي التي تبتلي بالتعارض مع خبر داوود بن الحصين، وقد تقدم أن رواية داوود يؤخذ بها ـ عملياً ـ انطلاقاً من قاعدة التخيير أو حتى الترجيح، وتتنحّى جانباً صحيحة الحلبي، وعليه كيف يمكن لرواية متروكة عملياً بسبب التعارض أن تكون شاهداً على الجمع في مورد آخر؟!

ولا يفوتنا أن هناك روايات أخرى استشهد بها لصالح هذا الجمع، مثل رواية محمد بن الفضيل([53])، ورواية أبي بصير([54])، إلا أنها لضعفها السندي لا يمكنها أن تكون شاهداً على هذا الجمع، مضافاً إلى أن هذه الروايات أيضاً معارضة لصحيحة داوود بن الحصين وقد تقدّم الترجيح لصالح خبر ابن الحصين.

ومما تقدّم يظهر أن الجمع الثاني لا شاهد عليه أيضاً، وهو من أنواع الجمع التبرعي، ومما تقدم في جواب الإشكال على معارضة صحيح الحلبي لصحيح داوود يتبين أيضاً أن صحيح داوود بن الحصين([55]) لا يصلح هو أيضاً شاهداً على هذا الجمع.

المبحث الخامس: شهادة المرأة في الرضاع

تعدّ مسألة الرضاع من المسائل الفقهية التي وقع خلاف في قبول شهادة المرأة فيها، ولابد أن ننتبه إلى أن بحثنا في قبول الشهادة من حيث التحريم الناتج عن الرضاع.

نظرية قبول الشهادة في الرضاع، القائلون والأدلة

أ ـ القائلون بقبول شهادة النساء في الرضاع

الفقهاء القائلون بقبول شهادة النساء لوحدهنّ ودون انضمام أحد من الرجال إليهنّ في الرضاع، عبارة عن: الشيخ المفيد في كتاب المقنعة([56])، والشيخ الطوسي في شهادات المبسوط([57])، وسلار([58])، وابن حمزة([59]). وظاهر كلام ابن الجنيد([60])، وابن أبي عقيل([61])، دال أيضاً على قبول شهادتهن في الرضاع، وكذلك الحال مع المحقق الحلي([62])، والعلامة الحلي([63])، والشهيد الأول في الدروس([64])، واللمعة([65])، والشهيد الثاني في الروضة([66])، والمسالك([67])، حيث اختاروا هذا القول، بل تخطّى السيد المرتضى في الناصريات([68]) ذلك ليدّعي الإجماع على هذا القول.

ب ـ أدلة نظرية الأخذ بشهادة النساء في الرضاع

1 ـ إن شهادة النساء في الرضاع مشمولة للعموم المستفاد من رواية عبد الكريم حيث يقول×: «تقبل شهادة المرأة والنسوة إذا كنّ مستورات»([69]).

2 ـ إن الشهادة على الرضاع مشمولة لنصوص خاصة([70]) دالة على جواز شهادة النساء في الأمور التي لا يستطيع الرجال النظر إليها، فحيث يحرم على الرجال النظر في الرضاع يلزم ـ غالباً ـ زوال حقّ المدعي إذا لم نقبل شهادة النساء، وهذا مخالف لروح باب القضاء وهدفه، وهو إحقاق الحق، وعليه فالرواية والدراية يستدعيان الأخذ بشهادة النساء في الرضاع.

3 ـ مرسلة ابن بكير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله×، في امرأة أرضعت غلاماً وجارية، قال: «يعلم ذلك غيرها»؟ قال: لا، قال: فقال: «لا تصدّق إن لم يكن غيرها»([71]).

وكيفية الاستدلال أنّه يستفاد من مفهوم الشرط في جملة: «لا تصدّق إن لم يكن غيرها» أنه إذا كان مع المرأة شخص آخر فإنّ شهادتها في هذه الحال تكون مقبولة، وكلمة «غير» أعم من الرجل والمرأة، بناءً عليه يستفاد من هذه الرواية أنه إذا كان هناك شاهدان من النساء في الرضاع فإنه تقبل شهادتهما.

4 ـ الإجماع، حيث ادعى السيد المرتضى في الناصريات([72]) الإجماع على قبول شهادة النساء في الرضاع.

نظرية عدم قبول الشهادة في الرضاع، القائلون والأدلّة

أ ـ القائلون بنظرية عدم قبول شهادة النساء في الرضاع

والقائلون بهذه النظرية هم: الطوسي في كتاب الخلاف([73])، وفي كتاب الرضاع من المبسوط([74])، وابن إدريس([75])، ويحيى بن سعيد الحلي([76])، وبعض الفقهاء ـ مثل ابن إدريس([77])، والعلامة في التحرير([78])، والشهيد في المسالك([79]) ـ نسبوا هذا القول إلى أكثر الفقهاء، رغم أن العلامة والشهيد الثاني من القائلين بقبول شهادة النساء في الرضاع، بل إن الشيخ الطوسي يدّعي في (الخلاف) صريحاً الإجماع على هذا القول، فيقول: «ولا تقبل في الرضاع أصلاً»([80]).

ب ـ أدلّة القائلين بعدم قبول شهادة النساء في الرضاع

1 ـ أصل عدم حجية الظنون، فشهادة الشهود من الظنون والحجج الظنية وهي تحتاج إلى حجة تثبت حجيتها، كما يقول الطوسي في الخلاف: «الأصل أن الإرضاع وإثبات ذلك يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدلّ على أن بشهادتهنّ يثبت ذلك»([81]). وعليه فأصالة عدم حجية الظنون في شهادة النساء في الرضاع هي الحاكمة، فتوجب عدم حجية شهادتهنّ فيه.

2 ـ المرسلة التي ذكرها الشيخ الطوسي في المبسوط حيث قال: «فقد روى أصحابنا أنه لا يقبل شهادتهنّ»([82]).

3 ـ الإجماع الذي ذكره الطوسي صريحاً في كتاب الخلاف([83]).

ج ـ نقد أدلّة عدم حجية شهادة النساء في الرضاع

1 ـ إشكال الاستدلال الأول: سوف نتعرّض قريباً وبتفصيل لموثقة السكوني والإشكالات الواردة عليها.

2 ـ إشكال الاستدلال الثاني: يمكن التمسّك بالأصل عندما لا يكون هناك أدلّة على خلافه، وقد بحثنا فيما سبق هذه الأدلّة، وسوف نذكر في خاتمة البحث أيضاً أدلّة أخرى، وعليه فلا وجه للاستناد إلى الأصل، وكما يقال: الأصل دليل حيث لا دليل.

3 ـ إشكال الاستدلال الثالث: إن عدم قبول قول المرضعة في هذه المرسلة إنما هو من باب أنها لوحدها أو لأن شهادتها تبرّعية أو لأنها مدّعية، وفي الصورة الأولى لا تقبل شهادتها لأنها في معرض التهمة والاتهام، وأما في الصورة الثانية فلأنه لابد أن يكون الشاهد مغايراً لطرفي الدعوى، والذي يؤيد احتمال كونها مدعية نهي الإمام الصادق بقوله: «لا تصدّق»، وبناءً عليه، فوجود الغير لا تأثير له في قبول شهادة المرأة المرضعة; ذلك أن شهادة الغير لا تخرج المرضعة عن الادّعاء والتبرع، وفي النتيجة فما قيل من أن ظاهر المفهوم هو تصديق المرأة المرضعة إذا كان معها غيرها، مجرّد ظهور تسامحي، ذلك أن المرضعة ـ سواء كانت مدّعية أم متبرعة ـ لا تقبل شهادتها ولا تصدّق، حتى لو كان معها غيرها، بل التصديق حينئذ يكون مربوطاً بغيرها، والمشهود به إنما يؤخذ به لأنه مما شهد به الآخر لا المرضعة; ولهذا قيل ـ من باب المسامحة ـ: إنه مع شهادة الغير تصدّق شهادة المرضعة، فالتصديق في هذا المفهوم نظير الوصف بحال المتعلّق، ومثل ما قيل: إنّ خبر الواحد المحفوف بالقرينة القطعية حجة، فالحجة هنا ـ بحسب الحقيقة ـ من متفرعات القرينة القطعية وإنما تنسب للخبر من باب المسامحة.

وخلاصة القول: إن الرواية غير دالّة على تصديق المرضعة، ولا على الأخذ بشهادة المرأة الواحدة إذا انضم إليها غيرها، فما ذكره بعضهم من أن (الغير) لا فرق فيه بين الرجل والمرأة، فشهادته توجب تصديق شهادة المرأة المرضعة، ومن ثم فتكون شهادة المرأة في الرضاع مقبولة… كله غير تام.

4 ـ إشكال الاستدلال الرابع: لا وجود للمرسلة التي نقلها الطوسي في أيّ من الكتب الروائية، حتى الشيخ نفسه الذي نقلها في مباحث الشهادات من كتاب المبسوط([84])، لم يعمل بها هناك، بل أفتى ـ على خلافها ـ بقبول شهادة النساء في الرضاع.

5 ـ إشكال الاستدلال الخامس: لا يمكن الاستدلال بالإجماع في مثل هذه الموارد، وذلك:

أولاً: إن الكثير من الفقهاء قائلون بقبول شهادة النساء في الرضاع.

ثانياً: إنّ هذا الإجماع معارض بإجماع السيد المرتضى في كتاب الناصريات.

ثالثاً: إن الشيخ الطوسي الذي ادعى الإجماع في المبسوط والخلاف، خالفه هو نفسه في كتاب الشهادات من المبسوط، وحكم بقبول شهادة النساء في الرضاع، ومع الأخذ بعين الاعتبار أن كتاب المبسوط ألّف بعد كتاب الخلاف، وأن بحث الشهادة فيه جاء بعد بحث الرضاع، فإن الإجماع سيكون ركيكاً جداً هنا; ذلك أنّ مدّعي الإجماع نفسه قد خالفه صريحاً في آخر نظرياته; إذ النظرية النهائية للشيخ الطوسي كانت قبول الشهادة.

تحقيق واستنتاج

مع الالتفات لأدلّة القائلين بقبول شهادة النساء في الرضاع، والإشكالات الواردة على أدلة القائلين بعدم قبولها، ومع الأخذ بالقاعدة المستفادة من بناء العقلاء ـ والقائمة على عدم التمييز بين الرجل والمرأة في الشهادة وأن الملاك في باب الشهادات هو عدالة الشاهد ورؤيته بعينيه لما يشهد عليه ـ وهو البناء المؤيّد بعموم رواية عبد الكريم، يمكن الخروج بالنتيجة التالية وهي: إن شهادة النساء في الرضاع مقبولة حتى لو لم ينضم إليهنّ الرجال، وليس في الأدلّة دليل يمكنه أن يخدش في هذا الارتكاز العقلائي في باب الرضاع.

المبحث السادس: شهادة المرأة في إثبات القتل

ونبحث هنا في قبول شهادة المرأة في إثبات القتل الذي يوجب القصاص.

 

الآراء والنظريات

يوجد في مسألة شهادة المرأة بالقتل الموجب للقصاص ثلاثة آراء، وتجدر الإشارة إلى أن القائلين بقبول شهادتهنّ في القتل الموجب للقصاص أو القائلين بالتفصيل، لا يقبلون الشهادة المنفردة، بل يشرطون القبول بانضمام الرجال إليهنّ.

النظرية الأولى: عدم قبول شهادة النساء في القتل مطلقاً، أي إن شهادتهنّ لا توجب القصاص ولا الدية، سواء انضمت إليها شهادة الرجال أم لم تنضم، وسواء كانت منفردة أم مأخوذة شهادةُ الرجال معها. وهذا القول هو مختار فقهاء مثل الشيخ الطوسي في الخلاف([85])، وابن إدريس([86])، والمحقق الحلي في كتاب القصاص من الشرائع([87])، والعلامة في التحرير([88])، وفي قصاص القواعد([89])، وكذا قصاص الإرشاد([90]).

النظرية الثانية: قبول شهادة النساء في القتل مطلقاً، وإيجابها القصاص، وقد اختار هذا القول فقهاء مثل: المحقق الحلي في كتاب الشهادات من الشرائع([91])، والعلامة في كتاب القضاء (المقصد الخامس في الشهادات) في إرشاد الأذهان([92])، وكتاب القضاء (المقصد التاسع في الشهادات) في القواعد([93])، وابن أبي عقيل([94])، وابن زهرة([95])، والمحقق الأردبيلي([96]).

النظرية الثالثة: القول بالتفصيل بين القصاص فلا يثبت بشهادة النساء في القتل، وبين غيره حيث تثبت الدية، وهذا القول هو مختار الكثير من الأصحاب([97])، مثل الطوسي في النهاية([98])، وابن الجنيد([99])، وأبي الصلاح([100])، وابن البراج([101])، وفخر المحققين([102])، والعلامة في المختلف([103]).

وأخيراً نشير إلى أمر يستحق الذكر ولا يخلو من فائدة، وهو أنه نُسب في الكتب الفقهية القولُ بقبول شهادة النساء في القصاص مطلقاً إلى الشيخ الطوسي في المبسوط، ويبدو أن العلامة الحلّي في المختلف([104]) أوّل من ذكر هذه النسبة وتبعه بعض العلماء الذين جاؤوا بعده، مثل الشهيد الأول في غاية المراد([105])، والفاضل النراقي في المستند([106])، وكل من سعى لاستخراج مصدر هذا الأمر أرجع إلى كتاب المبسوط (8: 172) مع أن الشيخ في هذا المصدر بعينه يصرّح بعدم قبول شهادة النساء في القتل الموجب للقصاص، وهذا نصّ عبارته: «أحدها لا يثبت إلا بشاهدين ذكرين، وهو ما لم يكن مالاً ولا المقصود منه المال ويطلع عليه الرجال… والجناية الموجبة للقود… وقال بعضهم: يثبت جميع ذلك بشاهد وامرأتين، وهو الأقوى إلا القصاص».

وشبيه هذه العبارة جاء في المبسوط (7: 248) في فصل «في ذكر الشهادة على الجنايات» حيث يصرّح هناك بعدم قبول شهادتهنّ في القتل الموجب للقصاص، ولا نعرف كيف وقع هذا الاشتباه في كتب الفقهاء؟! إلا إذا قلنا: لعلّ نظرية القبول المطلق موجودة في سطور هذا الكتاب إلا أننا لم نر شيئاً من هذا.

الأدلة، نقد وتعليق

أ ـ أدلة نظرية عدم حجية شهادة النساء في إثبات القتل

يستند القائلون بعدم حجية شهادة النساء في القتل الموجب للقصاص إلى دليلين:

الأول: القاعدة المشار إليها في كلمات الفقهاء والمستند إليها في موارد عديدة، وهي قاعدة عدم قبول شهادة النساء في غير الأمور المالية أو المقصود منها المال، مع إمكان اطلاع الرجال عليها، وقد جاء هذا الاستدلال في كلام الشيخ الطوسي في الخلاف([107])، والمبسوط([108]).

الثاني: الروايات التي ذكرها بتمامها الحر العاملي([109]) في باب مستقل، وهي عبارة عن:

1 ـ خبر أبي بصير: قال: سألته عن شهادة النساء؟ فقال: «تجوز شهادة النساء وحدهنّ على ما لا يستطيع الرجال النظر إليه، وتجوز شهادة النساء في النكاح إذا كان معهنّ رجل، ولا تجوز في الطلاق، ولا في الدم…»([110]).

2 ـ خبر إبراهيم الحارقي عن الصادق×: «..وتجوز شهادتهنّ في النكاح، ولا تجوز في الطلاق ولا في الدم»([111]).

3 ـ خبر محمد بن الفضيل في حديث طويل عن الرضا×: «.. ولا تجوز شهادتهنّ في الطلاق، ولا في الدم»([112]).

4 ـ خبر زرارة عن الصادق×:..قلت: تجوز شهادة النساء مع الرجال في الدم؟ قال: «لا»([113]).

5 ـ خبر ربعي عن الإمام الصادق×: «لا تجوز شهادة النساء في القتل»([114]).

6 ـ خبر ابن مسلم، قال: «..ولا تجوز شهادة النساء في القتل»([115]).

7 ـ خبر غياث بن إبراهيم ـ مع تغيير طفيف ـ عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي×، قال: «لا تجوز شهادة النساء في الحدود، ولا في القود»([116]).

8 ـ خبر موسى بن إسماعيل بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن علي×: «لا تجوز شهادة النساء في الحدود، ولا قود»([117]).

وتؤيد هذه المجموعة من الروايات بروايتين أخريين هما:

أ ـ دلالة الحصر في موثقة السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي× أنه كان يقول: «شهادة النساء لا تجوز في طلاق… إلا في الديون، وما لا يستطيع الرجال النظر إليه»([118]); فهذه الرواية دالّة ـ بمفهوم الحصر الذي فيها ـ على عدم قبول شهادة النساء فيما يستطيع الرجال النظر إليه، والقتل من هذه الأشياء.

ب ـ الروايات الدالّة على عدم قبول شهادة النساء في الحدود، فهي تؤيد القائلين بعدم قبول شهادتهنّ في القتل، ذلك أنه يطلق الحدّ على القتل أيضاً، وقد أطلق، والشاهد على ذلك رواية جميل بن دراج ومحمد بن حمران:.. تجوز شهادة النساء في الحدود؟ فقال: «في القتل وحده…»([119]).

ب ـ أدلّة نظرية حجية شهادة النساء في القصاص

ويستند أنصار نظرية حجية شهادتهنّ هنا إلى عدة روايات هي:

1 ـ صحيحتا جميل بن دراج ومحمد بن حمران فيما سألاه للإمام الصادق×: أتجوز شهادة النساء في الحدود؟ فقال: «في القتل وحده، إنّ عليّاً× كان يقول: لا يبطل دم امرء مسلم»([120]).

2 ـ خبر أبي الصباح الكناني عن الصادق× أنه قال: «قال علي×: شهادة النساء تجوز في النكاح، ولا تجوز في الطلاق، وقال: إذا شهد ثلاثة رجال وامرأتان جاز في الرجم، وإذا كان رجلان وأربع نسوة لم يجز، وقال: تجوز شهادة النساء في الدم مع الرجال»([121]).

3 ـ مضمرة زيد الشحام: سألته عن شهادة النساء؟ قال: فقال: «لا تجوز شهادة النساء في الرجم إلاّ مع ثلاثة رجال وامرأتين، فإن كان رجلان وأربع نسوة فلا تجوز في الرجم»، قال: فقلت: أفتجوز شهادة النساء مع الرجال في الدم؟ قال: «نعم»([122]).

ج ـ أدلة نظرية التفصيل في الشهادة بين الدية والقصاص

سعى بعضهم ـ لحلّ التعارض الموجود بين الروايات ـ إلى التصرّف في المراد في كل من الطائفتين، وقالوا: إن الروايات الدالّة على نفوذ شهادة النساء في القتل تُحمل على إثبات الدية ولا يثبت القصاص بها، أما الروايات الدالّة على عدم نفوذ شهادة النساء فتُحمل على القصاص، وتكون النتيجة عدم ثبوت القصاص في شهادة النساء بالقتل وثبوت الدية بها. وقد اعتبر أنصار هذا الجمع رواية غياث([123])، وخبر موسى بن إسماعيل([124]) شاهدين عليه; ذلك أنه في هاتين الروايتين صرّح بعدم نفوذ شهادتهنّ في القود، وهو يعني القصاص، فعن علي× قال: «لا تجوز شهادة النساء في الحدود، ولا قود»([125])، كما ورد القود في خبر موسى بن إسماعيل.

وهذا الحمل يشبه الفتوى الواردة في حدّ الزنا والتي قال بها بعضهم، حيث ذهبوا إلى أنه لو شهد رجلان وأربعة نسوة على زنا المحصن فلا يجري الرجم، إلا أن حدّ الزاني أو الزانية يقام حينئذ.

ومن بين من تبنّى هذا الجمع: الشيخ الطوسي في كتاب النهاية([126])، لكنّ الحلّي صاحب الشرائع([127]) اعتبر هذا الجمع والقول بالتفصيل نادراً شاذاً، فيما نسبه الشهيد الثاني في مسالك الأفهام([128]) إلى جمع كثير من الأصحاب، أما صاحب الجواهر فاعتبر هذا التفصيل مخالفاً للقواعد، فقال: «وإن كنا لم نتحققه مع شدّة مخالفته للقواعد»([129])، لكنه رأى أن هذا الجمع بين الروايات أولى وأفضل من القول باختصاص الروايات التي تقبل بشهادتهنّ في القتل، بأنواع القتل الذي فيه الدية فيما تفسّر الروايات الرافضة لشهادتهنّ بالقتل الموجب للقصاص([130]).

والذي يبدو أن السبب في مخالفة هذا الجمع للقواعد هو أنه إذا كانت شهادة النساء حجةً يثبت بها القتل العمدي، فلا فرق حينئذ بين القصاص والدية، بل يترتب الأثران معاً، ذلك أن ترتب بعض الأحكام فقط على موضوع ثبت بالحجّة مخالفٌ للقواعد والضوابط والفهم العرفي، حتى لو كان هذا التبعيض في الحجية لا مانع فيه ثبوتاً وعقلاً من طرف الشارع والمقنّن، فبإمكان الشارع بإعمال التعبّد أن يعتبر دليلاً ما حجةً في بعض الآثار دون بعضها الآخر، إلا أن هذا الإعمال للتعبد يحسب في نظر العرف والعقلاء غير صحيح بل شاذ، وكما قلنا مراراً فإن الشارع إذا أراد إعمال التعبد فهو بحاجة إلى نصوص كثيرة وأدلّة محكمة صريحة في إفادة أن قصد الشارع إعمال هذا التعبد، الأمر المفقود في مسألتنا هنا.

جمعٌ آخر بين الروايات، التفصيل بين الانفراد والانضمام

ذكر جماعة آخرون جمعاً آخر بين الروايات وقالوا: إن الروايات التي تفيد عدم نفوذ شهادة النساء بجملة «لا تجوز» خاصة بصورة الانفراد دون انضمام شهادة الرجال إليهنّ، أما الروايات المجوّزة فتختص بحال الانضمام، وهذا معناه أنه لا تجوز شهادة النساء منفردة وتجوز مجتمعة.

وعدم صحة هذا الجمع واضح بعد ملاحظة الروايات; ذلك أن نتيجته تخالف صراحة بعض الروايات، وعلى حدّ تعبير صاحب الجواهر([131]): مخالفة لظاهر بعض أو أكثر الروايات; ففي بعض الروايات جاء التصريح في كلام السائل بأن شهادة النساء في القتل منضمّة إلى الرجال، وذلك مثل خبر زرارة: سألت أبا جعفر×.. قلت: تجوز شهادة النساء مع الرجال في الدم؟ قال: «لا»([132]). وكذلك الحال في رواية محمد بن فضيل([133]) وخبر إبراهيم الحارثي([134])، حيث تتحدّثان عن حد الرجم والزنا فتريان عدم حجية شهادة ثلاثة رجال مع امرأتين، كما تم في الرواية نفسها نفي شهادة النساء في القتل، وهو ما يدلّ على أن شهادتهنّ فيه غير نافذة حتى مع انضمام الرجال; ذلك أن وحدة السياق قرينة على أن القدر المتيقن من جملة: «لا تجوز» هو عدم الجواز حتى لو انضمت شهادتهنّ إلى شهادة الرجال.

التعارض بين الروايات، الحلول والمقترحات

مع الأخذ بعين الاعتبار عدم إمكان الجمع الدلالي والعرفي بين هاتين المجموعتين من الروايات، واستقرار التعارض وبقائه، قدّم الفقهاء ـ لحلّ مشكلة التعارض هنا ـ قولين مختلفين هما:

1 ـ القول بالتخيير بين المتعارضين، وانقسم أنصار هذا القول إلى فريقين: أ ـ ترجيح روايات عدم الحجية. ب ـ ترجيح روايات الحجية.

2 ـ القول بالتساقط التام والرجوع إلى الأصول.

أ ـ نظرية التخيير

1 ـ ترجيح روايات عدم الحجية

رجّح بعضهم روايات عدم قبول شهادة النساء، واعتبروا أن من المرجحات كثرة السند، فروايات عدم الحجية ثماني، فيما روايات الحجية أربع أو ثلاث (إذا حسبنا صحيحة جميل وحمران واحدةً)، وعليه فالترجيح لصالح الأكثرية السندية، أي لروايات عدم الحجية.

2 ـ ترجيح روايات الحجية

وفي مقابل الفريق الأول، ذهب جماعة إلى ترجيح روايات قبول شهادة النساء انطلاقاً من أمور ثلاثة:

1 ـ إن علة الحكم بقبول شهادتهنّ جاءت في صحيحة جميل وحمران، وهي: «لا يبطل دم امرء مسلم»، وبيان العلّة يعدّ بنفسه مرجّحاً على الروايات التي لا ذكر فيها للعلّة.

2 ـ إن روايات الحجية مؤيدة بروايتين تقبلان ـ إلى حدّ ما ـ شهادة النساء في القتل، وهما:

أ ـ خبر عبد الله بن الحكم، قال: سألت أبا عبد الله× عن امرأة شهدت على رجل أنه دفع صبياً في بئر فمات، قال: «على الرجل ربع دية الصبي بشهادة المرأة»([135]).

ب ـ رواية محمد بن قيس، عن أبي جعفر× قال: «قضى أمير المؤمنين× في غلام شهدت عليه امرأة أنه دفع غلاماً في بئر فقتله، فأجاز شهادة المرأة بحساب شهادة المرأة»([136]).

وكيفية تأييد هاتين الروايتين هي أن الإمام حكم بربع الدية بشهادة امرأة واحدة، وهذا دليل على أنّ شهادة النساء في القتل مقبولة.

3 ـ إن صحيحتي جميل ومحمد بن حمران موافقتان لبناء العقلاء وللارتكازات العقلائية.

ب ـ نظرية التساقط

ذهب بعضهم إلى التساقط عند التعارض، وعدم ترجيح أيٍّ من الروايات على الأخرى، وإنما نستفيد حكم هذه المسألة من عموم الحصر في موثقة السكوني، إذ جاء فيها أنه قال×: «شهادة النساء لا تجوز في طلاق ولا نكاح، ولا في حدود، إلا في الديون وما لا يستطيع الرجال النظر إليه»([137]).

فكلمة «إلا» من أدوات الحصر، ومعناها أن شهادة النساء مرفوضة في تمام الموارد إلا في حالتين وموردين، وأحد مصاديق هذا العموم وهو: عدم جواز شهادة النساء في تمام الموارد، هو شهادتهنّ في القتل، وهنا لا علاقة لنا بالمستثنى منه وهو «في طلاق ولا نكاح ولا في حدود»، وعليه لا يرد إشكال التعارض بين المستثنى منه وما دل من الروايات على قبول شهادة النساء في بعض الحدود، وإنما نعتمد على مفهوم الحصر ونستدلّ بالاستثناء، وهو يدل على حصر الجواز بهذين الموردين.

الإشكالات الواردة على نظرية التساقط

1 ـ إن القاعدة في الخبرين المتعارضين المتكافئين اللذين لا مزية لأحدهما على الآخر هي التخيير، لا التساقط، فالتساقط وإن كان قاعدةً عقلائية وعقلية في المتعارضين، إلا أن التعارض بين خبرين متكافئين قامت الشهرة والسيرة الفقهية على التخيير فيهما([138])، كما أشار إلى ذلك الشيخ الكليني في مقدمة الكافي: «فاعلم يا أخي أرشدك الله، أنه لا يسع أحداً تمييز شيء مما اختلف الرواية فيه عن العلماء برأيه، إلا على ما أطلقه العالم بقوله×:.. ونحن لا نعرف من جميع ذلك إلا أقلّه ولا نجد شيئاً أحوط ولا أوسع من ردّ علم ذلك كلّه إلى العالم×، وقبول ما وسّع من الأمر فيه بقوله×: «بأيما أخذتم من باب التسليم وسعكم»([139]).

2 ـ إن الحصر هنا لا يفيد العموم من رأس حتى يقال: إنه يرجع بعد التساقط إلى العام الفوقاني، وهو الحصر; ذلك أن الحصر في الاستثناء ـ خصوصاً في الاستثناء المنقطع ـ إنما يعني أن الاستثناء دليل على العموم في المستثنى منه أي أنه لم يخرج أي فرد من أفراد المستثنى منه ولم يُستثن، بل كل الأفراد محكومون بحكم المستثنى منه، إلا مورد الاستثناء، وهذا يدلّ في الاستثناء المنقطع بدلالة أقوى وظهور أوضح، ذلك أنّ المستثني يريد أن يقول: إنه لم يخرج أيّ فرد من أفراد عموم المستثنى منه بأي وجه من الوجوه، إلى حد أنه لو تقرّر وجود استثناء فإنه لابد أن يكون استثناءً لغير أفراد المستثنى منه.

وبناءً عليه، فلا يدل الاستثناء في رواية السكوني على أزيد من عمومية المستثنى منه (وهو الحدود، والنكاح، والطلاق)، فلا يشمل الموارد الخارجة عن الموارد المذكورة في المستثنى منه، وهذا معناه أن حكم المستثنى منه ـ وهو عدم جواز شهادة النساء ـ لا يشمل غير موارد المستثنى منه، ومن جملة ذلك القتل.

إضافةً إلى ذلك، يعارض التعميم في الحدود ـ وهي جزء من المستثنى منه وحكمها عدم قبول شهادة النساء فيها ـ خبر جميل([140]) الذي يدل على أنّ شهادة النساء في القتل ـ وقد جعل فيه جزءاً من الحدود ـ مقبولة، حيث قال: أتجوز شهادة النساء في الحدود؟ فقال: «في القتل وحده..»، وعليه فلا يمكن الأخذ بعموم خبر السكوني والاستدلال به.

تحقيق واستنتاج

مع الأخذ بعين الاعتبار أن القاعدة في الخبرين المتعارضين المتساويين من تمام الجهات، عملاً بسيرة الأصحاب وفتوى المشهور، هي التخيير، نعمل في الأخبار المتعارضة في باب شهادة النساء في القتل، بما دلّ على قبول شهادتهنّ، وحيث إنه لا مفرّ من ترجيح إحدى الطائفتين على الأخرى، فإننا نرجّح روايات الطائفة الثانية، والتي تدل على قبول شهادة النساء في القتل الموجب للقصاص; وذلك لوجوه نجده معها غير خال من القوّة، وهذه الوجوه هي:

وجوه ترجيح أخبار حجية شهادة المرأة في القتل

1 ـ توجد في روايات الطائفة الثانية صحيحة جميل بن دراج ورواية محمد بن حمران، والأخيرة مثل الرواية الصحيحة لها اعتبار وقيمة; ذلك أن محمد بن حمران إما محمد بن حمران النهدي وهو شخص موثوق مطمئن له، أو هو محمد بن حمران بن أعين الذي اعتبره صاحب جامع الرواة([141]) متحداً مع سابقه، وحتى لو لم يكونا شخصاً واحداً، بل اعتبرنا محمد بن حمران هنا هو محمد بن حمران بن أعين الشعباني الذي لم يرد فيه توثيق، إلا أن وجود مدائح له من نوع أنه من المشايخ ونقل أصحاب الإجماع لرواياته… كلّه دال على وثاقته وحجية رواياته. وعلى هذا الأساس تكون رواياته حسنةً([142])، حتى لو جرى التعبير عادةً عن رواياته بالصحيحة([143]).

أما في روايات الطائفة الأولى، فيمكن القول بوجود روايتين صحيحتين; ذلك أن احتمال أن «ربعي» قام بتقطيع خبر ابن مسلم على أساس اعتماده عليه، وحذف الواسطة ـ وهي محمد بن مسلم ـ ثم فصل جملة: «لا تجوز شهادة النساء في القتل»([144]) ليضعها منفصلةً في مكان آخر وبعنوان رواية مستقلة([145]).. هذا الاحتمال قوي وقابل للاهتمام به; ذلك أنه من البعيد أن يسمع ربعي الرواية مرةً عن الإمام الصادق وينقلها عنه، ثم يرويها مرةً أخرى عن محمد بن مسلم ويسمعها منه، مع أن جمل الروايتين واحدة تقريباً، والمنقول عنه فيهما واحد، وهو الإمام الصادق.

2 ـ إن روايات الطائفة الأولى (عدم الحجية) موافقة لأهل السنّة; فيما روايات الحجية مخالفة لهم، ومن المرجحات المسلّمة في باب التعارض بين الروايات الأخذُ بما خالف القوم، وهذا الوجه عمدة وجوه تقدم روايات الحجية على روايات عدم الحجية.

المبحث السابع: القاعدة الكلية في عدم قبول شهادة النساء

ثمة أقسام من حقوق الله وحقوق الناس ذكرت في الفقه لا تقبل فيها إطلاقاً شهادة النساء، ويؤخذ فيها فقط بشهادة رجلين، وبعض هذه الموضوعات هو: الرجوع في الطلاق، العدّة، الوكالة، الوصية، الجناية الموجبة للقصاص، العتق، الولاء، التدبير، الجرح والتعديل، العفو في القصاص، الإسلام، النسب، الهلال([146])، وموضوعات مثل: حدّ السرقة، وشرب الخمر، والارتداد، والقذف([147]).

ولابد من الالتفات إلى أن الفقهاء في موارد حقوق الناس طرحوا قاعدةً عامة على الصيغة التالية: «كل ما ليس بمال ولم يقصد منه المال، لا يثبت إلا بشاهدين ذكرين عدلين». وقد اعتبروا أن شهادة النساء في تمام هذه المصاديق غير مقبولة،فيما أضاف فقهاء آخرون ـ مثل صاحب كشف اللثام ـ قيداً آخر على هذه القاعدة حيث قالوا: «ما لا يثبت إلا بشاهدين ذكرين عدلين وهو ما يطلع عليه الرجال غالباً، وما لا يكون مالاً، ولا المقصود منه المال»([148]).

الآراء والنظريات في القاعدة العامة

استند الفقهاء بأجمعهم تقريباً لعدم قبول شهادة النساء في حقوق الناس إلى هذه القاعدة، إلى حدّ أن الشهيد الأول في الدروس([149]) نسبها إلى إجماع الأصحاب، إلا أنّ المحقق الأردبيلي([150])، والنراقي([151]) لم يقبلا هذا الإجماع، حتى أن الأوّل منهما ذهب إلى عدم وجود دليل على مثل هذه القاعدة أساساً، معتبراً أنه لا يوجد دليل على عدم قبول شهادة النساء في بعض هذه الأمور، مثل الوكالة، والنسب، والوصية، بل تقبل شهادتهنّ في هذه الموارد([152]).

ويقول صاحب الجواهر بعد نقل كلام الدروس وكشف اللثام: «ولكن لم أقف في النصوص على ما يفيده، بل فيها ما ينافيه»([153])؛ إذ قبلت شهادة النساء منضمات إلى الرجال في بعض الموارد التي هي من تطبيقات هذه القاعدة.

وحتى أهل السنّة لم يذكروا دليلاً على هذه القاعدة، بل اعتبروا الحكم شبيهاً بالحدود والقصاص اللذين لا تقبل فيهما شهادة المرأة، قال في المغني والشرح الكبير: «لنا أنه ليس بمال ولا المقصود منه المال، ويطلع عليه الرجال، فلم يكن للنساء في شهادته مدخل، كالحدود والقصاص»([154]).

أدلة القائلين بالقاعدة، دراسة نقدية

أ ـ أدلّة القاعدة

نستنتج من التأمل في كلمات الفقهاء أنهم وإن اعتبروا هذه القاعدة ضابطةً كلية في عدم قبول شهادة النساء، إلا أنهم أشكلوا عليها سواء على مستوى الصغرى أم على مستوى الكبرى، إذ هناك الكثير من الموارد التي ذكروها بوصفها مصداقاً لهذه القاعدة، إما قاموا بإرجاعها إلى دعوى مالية أو أنه قامت عليها بالخصوص روايات دالّة على قبول شهادة النساء مع الرجال فيها، ولم يقرّ أيّ من الذين نقلوا هذه القاعدة بوجود مستند لها من كتاب أو سنّة، بل إنّ بعضهم مثل صاحب الجواهر ـ كما تقدم ـ صرّحوا بوجود ما يخالفها في النصوص([155])، أما صاحب المستند الذي أقرّ بعدم وجود نص في مورد هذه القاعدة فقد حاول ذكر دليل آخر لها، سنشير إليه في بيان الأدلّة.

1 ـ رواية السكوني: عن جعفر، عن أبيه، عن علي×، أنه كان يقول: «شهادة النساء لا تجوز في طلاق، ولا نكاح، ولا في حدود، إلا في الديون وما لا يستطيع الرجال النظر إليه»([156]).

وقد ذكر صاحب مستند الشيعة بياناً مفصّلاً للاستدلال بهذه الرواية، على أساس أن الحصر فيها ـ وهو أحد معاني «إلا» ـ يدل على أن خلاف حكم المستثنى منه منحصر في المستثنى، وأنه من أفراد المستثنى منه، ذلك أنّ الاستثناء من الإيجاب سلب، ومن السلب إيجاب، وعليه يغدو معنى الرواية على الشكل التالي: إن شهادة النساء في الطلاق والنكاح والحدود غير نافذة إلا ـ فقط وفقط ـ في الديون، وما لا يتمكّن الرجال من النظر إليه.

ويواصل النراقي بيانه بأنه يمكننا من الحصر الموجود في الرواية الخروج بقاعدة عامة، فيكون هذا الحصر دليلاً على عدم حجية شهادة النساء وكذلك دليلاً على تأسيس القاعدة، على أساس أن كل موضوع لا يصدق عليه عرفاً ولغةً أنه من الدَّين فشهادة النساء لا تكون نافذةً فيه. «بل يمكن إثبات أصل القاعدة به أيضاً; لعدم كون كلّ ما كان مصداقاً لها ديناً لغةً ولا عرفاً، فعدم القبول فيما يندرج تحتها هو الصحيح»([157]).

2 ـ الإجماع: والذي يظهر أن ادعاء الإجماع هنا جاء فقط من الشهيد في الدروس([158]).

ب ـ نقد أدلّة القاعدة

كما تقدم، فالدليل على القاعدة هو الحصر المستفاد من رواية السكوني، والذي اعتمد عليه النراقي في المستند، وهو استدلال يمكن مناقشته من جهتي: السند والدلالة معاً.

1 ـ وقفة مع خبر السكوني

1 ـ 1 ـ دراسة في سند الرواية

يوجد في سند هذه الرواية بنان بن محمد بن عيسى الأشعري القمي غير الموثق، مع أنهم قالوا في حقه: «إنه شيخ الإجازة»([159])، أو تحدّثوا عن كثرة رواياته، كما أن مجموعة من الرواة قد رووا عنه، وهذه جميعها ليست من أدلّة الوثاقة، والعجيب أن بعضهم ذكر في اعتبار الرجل أن بنان هو أخو أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري الذي خرج حافي القدمين ليستقبل البرقي الذي كان بنفسه أخرجه من المدينة. ومن الواضح أن مثل هذه الأمور لا توجب التوثيق.

2 ـ 1 ـ دراسة في متن الرواية ودلالتها

ذكر صاحب المستند أن الحصر الموجود في الرواية يفيد أن الحكم المخالف المستثنى منه منحصر في المستثنى، لا غير إطلاقاً، وفي جوابه نقول:

أولا: إذا أريد أن يدلّ الحصر على هذا المطلب ويكون مؤكداً في الحصر، فلا بد أن يكون المستثنى منه عاماً ويكون الاستثناء منقطعاً، أما هنا فالاستثناء وإن كان منقطعاً إلا أن المستثنى منه ليس بعام; إذ لم تذكر فيه سوى بعض الموضوعات مثل النكاح والطلاق والحدود، وظاهر بيان المثال في الموضوعية لا العمومية.

ثانياً: يعارض الحكم بعدم الجواز في المستثنى منه هنا روايات أخرى حكمت بجواز شهادة النساء في موارد مذكورة ضمن المستثنى منه، تماماً كما بيّنا في مبحثي: القتل الموجب للقصاص وكذا الطلاق ـ وهما مما يشملهما المستثنى منه ـ حيث ذكرنا كيفية حصول التعارض، والأمر الجدير ذكره هنا أن الشيخ الطوسي في التهذيب([160]) والاستبصار([161])، حمل هذه الرواية على التقية، فيما جعل خبر داوود بن الحصين([162]) شاهداً على هذه التقية، وعليه فرواية السكوني ليست حجةً حتى نستند إلى مفهومها للخروج بما نحن فيه.

2 ـ دراسة الإجماع

ناقش المحقق الأردبيلي([163]) في الإجماع المدّعى في الدروس([164])، كما قَبِلَ النراقي بعدم انعقاد الإجماع هنا([165])، أما الشيخ الطوسي في الخلاف والذي يتسم منهجه فيه بادّعاء الإجماع في أكثر المباحث، انطلاقاً من كون هذا الكتاب ألّف في الفقه المقارن، وبهذا المقدار يطرح الإجماع في المذهب أو أن يقال: إن الإجماعات التي فيه إجماعات جدلية… إن الطوسي في الخلاف هنا لم يدّع الإجماع، بل اكتفى بالقول: «دليلنا أن ما اعتبرناه مجمع على ثبوت هذه الأحكام به، وما ادّعوه ليس عليه دليل»([166]).

استنتاج وتحليل

مع الأخذ بعين الاعتبار ما أقرّ به الأصحاب من عدم وجود نصّ على هذه القاعدة، وانطلاقاً من عدم تمامية أدلّتها، وأن أبرز دليل كان كلام الشيخ الطوسي في الخلاف حيث ذكر حجية شهادة الرجال نظراً لكونها القدر المتيقن من أدلة الشهادة، على أساس أنه لا خلاف في قبول شهادة النساء في الدعاوى، أما في غيرها فمحلّ خلاف، ومع الأخذ بعين الاعتبار أصالة عدم الحجية، فيكون الأصل عدم حجية شهادة النساء في موارد الشك، وعليه فقبول شهادة النساء منفردات أو مع الرجال في مثل هذه الموارد حيث لا نصّ يدل على الخلاف، لا يخلو من قوّة لوجهين:

1 ـ بناء العقلاء على العمل بشهادة الشهود، وعدم وجود فرق بين الرجل والمرأة في أمور ليس الجنس مناطاً للحجية فيها.

2 ـ إلغاء الخصوصية العرفية عن الرجال في أدلّة الشهادات، إذ من المعلوم أن الذكورية لا مدخلية لها في الشهادة وإثبات الواقع والحق، وأنّ ما هو المناط في قبول الشهادة وحجيتها هو العدالة والوثاقة، وهما شرط في الرجل والمرأة معاً.

إشكال على بناء العقلاء في شهادة المرأة، ردّ وتفنيد

قد يشكل على الاستدلال ببناء العقلاء هنا، من حيث إن الارتكازات العقلائية إنما تكون حجةً عندما لا يرد ردعٌ من الشارع عنها بحيث يحرز عدم الردع، وفيما نحن فيه يمكن أن يكون الشارع قد ردع هنا، غايته لم يصلنا هذا الردع، وعليه فمع الشك في الرادعية أو مع عدم إحرازها لا يمكننا التمسّك ببناء العقلاء.

ويمكن القول في جواب هذا الإشكال: إن عدم الردع في أمثال هذه الموارد محرز، إذ هي من الارتكازات العقلائية المسلّمة والواضحة، فالشارع أو المقنّن لو أراد الردع عن مثل هذا النوع من البناءات العقلائية لزمه الردع عبر جملة نصوص كثيرة وواضحة، ولا نصوص في المقام.

وبيان ذلك أن كيفية الردع لا بد أن تكون ـ من حيث الوضوح والجلاء والاستحكام ـ متناسبةً مع بناء العقلاء، مثل ردع الشارع عن القياس، وإلا حصل الاطمئنان العقلائي بعدم الردع، ذلك أن العقلاء لا يعتنون بمحض احتمال صدور الردع وعدم وصوله إلينا، وقد بيّنا أنه لا دليل على أصل هذه القاعدة، وعليه يغدو بناء العقلاء في هذه الموارد حجةً ودليلاً على قبول شهادة النساء، إلا في الموضوعات التي قام الدليل بالخصوص على عدم قبول شهادة النساء فيها.

الهوامش

(*) باحث وأستاذ في الحوزة العلمية، من إيران.

([1]) المقنعة: 727.

([2]) الخلاف 6: 256، مسألة: 4.

([3]) المراسم: 233.

([4]) الوسيلة: 222.

([5]) السرائر 2: 139.

([6]) الجامع للشرائع: 542.

([7]) تحرير الأحكام الشرعية 5: 267.

([8]) حكاه عن علي بن محمد (والد الصدوق) في المختلف 8: 480، مسألة: 74.

([9]) المقنع: 402.

([10]) مجموعة فتاوى ابن الجنيد: 327.

([11]) المبسوط 8: 172.

([12]) تهذيب الأحكام 6: 280.

([13]) الاستبصار 3: 25.

([14]) الكافي في الفقه: 439.

([15]) غنية النزوع: 439.

([16]) شرائع الإسلام 4: 125.

([17]) قواعد الأحكام 3: 499; وإرشاد الأذهان 2: 159.

([18]) الإيضاح 4: 432.

([19]) الدروس 2: 137.

([20]) مسالك الأفهام 10: 252.

([21]) غنية النزوع: 439.

([22]) وسائل الشيعة 27: 362، كتاب الشهادات، باب 24، ح42.

([23]) مجمع الفائدة والبرهان 12: 424.

([24]) وسائل الشيعة 27: 362، كتاب الشهادات، باب 24، ح39.

([25]) المصدر نفسه، ح42.

([26]) تنقيح المقال 1: 184، رقم: 1396.

([27]) المصدر نفسه 1: 141، رقم: 864.

([28]) تهذيب الأحكام 6: 280 ـ 281.

([29]) الاستبصار 3: 25.

([30]) وسائل الشيعة 27: 360، كتاب الشهادات، باب 24، ح35.

([31]) مجمع الفائدة والبرهان 12: 425.

([32]) تهذيب الأحكام 6: 280، ذيل ح769.

([33]) الاستبصار 3: 25، ح79.

([34]) وسائل الشيعة 27: 351، كتاب الشهادات، باب 24، ح2.

([35]) المصدر نفسه، ح4.

([36]) المصدر نفسه: 352، ح5.

([37]) المصدر نفسه، ح7.

([38]) المصدر نفسه: 354، ح11.

([39]) المصدر نفسه: 357، ح25.

([40]) المصدر نفسه: 360، ح35.

([41]) مستدرك الوسائل 17: 426، كتاب الشهادات، باب 19، ح8.

([42]) مجمع الفائدة والبرهان 12: 425.

([43]) ابن زهرة الحلبي، غنية النزوع: 439.

([44]) الخلاف 6: 252، مسألة: 4.

([45]) ابن قدامة، المغني 7: 339، و 12: 8.

([46]) وسائل الشيعة 27: 362، كتاب الشهادات، باب 24، ح39.

([47]) المصدر نفسه: 352، ح7.

([48]) المصدر نفسه: 351، ح2.

([49]) المصدر نفسه، ح4.

([50]) مجمع الفائدة والبرهان 12: 425.

([51]) غاية المراد 4: 128.

([52]) وسائل الشيعة 27: 360، كتاب الشهادات، باب 24، ح35.

([53]) المصدر نفسه: 352، ح7.

([54]) المصدر نفسه: 351، ح4.

([55]) المصدر نفسه: 360، ح35.

([56]) المقنعة: 727.

([57]) المبسوط 8: 172.

([58]) المراسم: 233.

([59]) الوسيلة: 222.

([60]) مجموعة فتاوى ابن الجنيد: 328.

([61]) حكاه عنه في مختلف الشيعة 8: 491، مسألة: 74.

([62]) شرائع الإسلام 4: 126; والمختصر النافع: 288.

([63]) مختلف الشيعة 8: 491؛ مسألة: 74؛ وقواعد الأحكام 3: 499؛ وتحرير الأحكام الشرعية 4: 268.

([64]) الدروس 2: 138.

([65]) اللمعة الدمشقية: 86.

([66]) الروضة البهية 3: 144.

([67]) مسالك الأفهام 14: 258.

([68]) الناصريات (الجوامع الفقهية): 212، المسألة: 160.

([69]) وسائل الشيعة 27، كتاب الشهادات، باب 24، ح5، 9، 42.

([70]) المصدر نفسه، ح5، 9، 10، 42، 50.

([71]) المصدر نفسه 20: 401، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالرضاع، باب 12، ح3.

([72]) الناصريات (الجوامع الفقهية): 212، مسألة: 160.

([73]) الخلاف 6: 258، مسألة: 9.

([74]) المبسوط 5: 311.

([75]) السرائر 2: 137.

([76]) الجامع للشرائع: 542.

([77]) السرائر 2: 115.

([78]) تحرير الأحكام الشرعية 5: 268.

([79]) مسالك الأفهام 14: 259.

([80]) الخلاف 6: 258، كتاب الشهادات، مسألة: 9.

([81]) المصدر نفسه.

([82]) المبسوط 8: 175.

([83]) الخلاف 6: 258، مسألة: 9.

([84]) المبسوط 8: 175.

([85]) الخلاف 6: 252، مسألة: 4.

([86]) السرائر 2: 138.

([87]) شرائع الإسلام 4: 203.

([88]) تحرير الأحكام الشرعية 5: 267.

([89]) قواعد الأحكام 3: 613.

([90]) إرشاد الأذهان 2: 215.

([91]) شرائع الإسلام 4: 126.

([92]) إرشاد الأذهان 2: 159.

([93]) قواعد الأحكام 3: 499.

([94]) حكاه عنه في المختلف 8: 483، المسألة: 74.

([95]) غنية النزوع: 439.

([96]) مجمع الفائدة والبرهان 12: 427.

([97]) ورغم أن الحلي في الشرائع 4: 203، اعتبر هذا القول شاذاً، إلا أن الشهيد الأول في غاية المراد 4: 131، قال: إنه قولُ كثير من الفقهاء.

([98]) النهاية: 333.

([99]) مجموعة فتاوى ابن الجنيد: 327.

([100]) الكافي في الفقه: 436.

([101]) المهذب 2: 558.

([102]) الإيضاح 4: 434.

([103]) مختلف الشيعة 8: 434، مسألة 74.

([104]) المصدر نفسه: 483، مسألة 74.

([105]) غاية المراد 4: 129.

([106]) مستند الشيعة 18: 282.

([107]) الخلاف 3: 252، مسألة: 4.

([108]) المبسوط 8: 172.

([109]) وسائل الشيعة 27: 350، كتاب الشهادات، باب 24.

([110]) المصدر نفسه: 351، ح4.

([111]) المصدر نفسه: 352، ح5.

([112]) المصدر نفسه، ح7.

([113]) المصدر نفسه: 354، ح11.

([114]) المصدر نفسه: 358، ح27.

([115]) المصدر نفسه، ح28.

([116]) المصدر نفسه، ح29.

([117]) المصدر نفسه: 359، ح30.

([118]) المصدر نفسه: 363، ح42.

([119]) المصدر نفسه: 350، ح1.

([120]) المصدر نفسه.

([121]) المصدر نفسه: 357، ح25.

([122]) المصدر نفسه: 359، ح32.

([123]) المصدر نفسه: 358، ح29.

([124]) المصدر نفسه: 359، ح30.

([125]) المصدر نفسه.

([126]) النهاية في مجرد الفقه والفتاوى: 333.

([127]) شرائع الإسلام 4: 203.

([128]) مسالك الأفهام 14: 255.

([129]) جواهر الكلام 41: 164.

([130]) المصدر نفسه.

([131]) المصدر نفسه: 165.

([132]) وسائل الشيعة 27: 354، كتاب الشهادات، باب 24، ح11.

([133]) المصدر نفسه: 352، ح7.

([134]) المصدر نفسه، ح5.

([135]) المصدر نفسه: 359، ح33.

([136]) المصدر نفسه: 357، ح26، ولا يوجد أثر لجملة: «بحساب شهادة المرأة» في هذه الرواية بحسب نقل الصدوق.

([137]) المصدر نفسه: 362، ح42.

([138]) الأنصاري، فرائد الأصول ج2؛ المشهور ـ وهو الذي عليه جمهور المجتهدين ـ الأول (التخيير)؛ للأخبار المستفيضة، بل المتواترة الدالة عليه.

([139]) أصول الكافي 1: 8، خطبة الكتاب.

([140]) وسائل الشيعة 27: 350، كتاب الشهادات، باب 24، ح1.

([141]) جامع الرواة 2: 105.

([142]) تنقيح المقال 3: 11، الرقم: 10631.

([143]) مجمع الفائدة والبرهان 12: 427.

([144]) وسائل الشيعة 27: 358، كتاب الشهادات، باب 24، ح27.

([145]) المصدر نفسه، ح28.

([146]) النراقي، مستند الشيعة 17: 291.

([147]) النجفي، جواهر الكلام 41: 158.

([148]) الفاضل الهندي، كشف اللثام 10: 326.

([149]) الدروس الشرعية 2: 137.

([150]) مجمع الفائدة والبرهان 12: 423.

([151]) مستند الشيعة 17: 291.

([152]) مجمع الفائدة والبرهان 12: 423، 424.

([153]) جواهر الكلام 41: 159.

([154]) المغني والشرح الكبير 12: 8.

([155]) جواهر الكلام 41: 159.

([156]) وسائل الشيعة 27: 361، كتاب الشهادات، باب 24، ح42.

([157]) مستند الشيعة 18: 292.

([158]) الدروس 2: 137.

([159]) المامقاني، تنقيح المقال 3: 11، الرقم: 10631.

([160]) التهذيب 6: 281.

([161]) الاستبصار 3: 25.

([162]) وسائل الشيعة 27: 360، كتاب الشهادات، باب24، ح35.

([163]) مجمع الفائدة والبرهان 12: 423.

([164]) الدروس الشرعية 2: 137.

([165]) مستند الشيعة 18: 291.

([166]) الخلاف 6: 253، كتاب الشهادات، مسألة: 4.