ضمان الخسارات المالية الناشئة عن الأضرار البدنية

20 مايو 2016
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
381 زيارة

ضمان الخسارات المالية الناشئة عن الأضرار البدنية

د. علي مظهر قراملكي(*)

أ. فاطمة قدرتي(**)

ترجمة: نظيرة غلاب

تمهيد

يعتبر موضوع «الخسارة الزائدة على الدية» من المباحث المستجدّة في الفقه. وقد تعرض لها الفقهاء إما على شكل مقالٍ خاصّ؛ أو ضمن الإجابة عن الاستفتاءات. كذلك لم تتضمّن المجامع الحديثية إلا القليل من الروايات التي تتعرض إلى هذا الموضوع بالتفصيل والتبيين. بينما الموضوع، سواءٌ بلحاظ علمي أم عملي، حائزٌ على أهمية كبرى؛ حيث إنّه إلى جانب الصدمات والأضرار البدنية التي تنشأ عن فعل الجاني تكون لتلك الأضرار خسارات تستتبع مصاريف وتكاليف مالية، كمصاريف التداوي والعلاج وغيرها، التي تتجاوز قيمتها في أغلب الأحوال قيمة ومقدار الدية. وفي هذه الحال لن يكون من مجالٍ سوى رفع هذه المنازعات إلى القضاء وذوي الاختصاص؛ لإيجاد الحلّ وتسوية الخلاف.

ونسعى في هذا المقال إلى الكشف عن الجانب الفقهي في المسألة من خلال عرضٍ للأدلة والآراء حول عدم انحصار جبران الخسارة في الدية، وبالتالي يصبح ضمان الخسارات الإضافية ثابتاً. وهذا ما سنبيِّنه من خلال دراسة الأدلة الواردة في الموضوع، حيث سيتبين في نهاية البحث ومناقشة أدلّة المخالفين، وكذا المؤيِّدين، أنها تشمل هذا النوع من الضمان.

في النظام الحقوقي غير الإسلامي لا وجود لشيء باسم (الدية)، ويستطيع المجني عليه المطالبة بالخسارات المترتبة على الأضرار اللاحقة ببدنه، نظير: مصاريف العلاج والتداوي وما يحتاجه في مثل هذه الحالة. لكنْ في الفقه الإسلامي؛ حيث توجد الدية التي تتفاوت قيمتها وفق الشروط الموضوعية، يكون مجالٌ للتساؤل: هل الدية هي عوضٌ عن الأضرار اللاحقة ببَدَن المجني عليه أم أن لها عنواناً آخر غير ذلك، بحيث يمكن للمجني عليه ـ إلى جانب الدية ـ المطالبة بتعويض وجبران ما زاد عنها؟

إن تعيين وتشخيص حدود ونطاق الضمان في الحوادث التي ينشأ من ورائها عاهات وأضرار بالبدن لازمٌ لاستيفاء الجواب عن العديد من الأسئلة المطروحة في هذا الإطار، مثل:

1ـ بالنظر إلى ماهية الدية كيف يكون الضمان في الخسائر المالية الناتجة عمّا لحق البدن من أضرار؟

2ـ هل حكم ضمان الدية خاصّ؟ وهل مقدار الدية تعبُّدي؟

كلّ ما يمكن قوله في القوانين والنظريات الفقهية أنها غير واضحة في ما يخصّ هذا الموضوع. وبلحاظ أهمية الموضوع استشعرنا ضرورة تتبُّع أدلة وجوب الدية وضمان الحوادث، وتحليلها، بما يلامس قيمة الموضوع، ويلبي ضرورة من ضروريات المجتمع في العصر الحاضر.

لذا فبعد أن نطرح محدودية ضمان الأضرار في الخسارات الزائدة على الدية سنعمل على عرض كلّ الآراء الواردة في إمكان المطالبة بالخسارة الزائدة عن الدية، ومن ثم نعمل على تحليلها ونقدها بما يتوافق وحجم الموضوع.

 

محدودية الضمان في الخسارات وفق ماهية الدية

في ما يخصّ محدودية ضمان الصدمات والآفات عندما يراد دفع الدية يأتي السؤال التالي: هل الجاني ضامن لكلّ التبعات المالية الناشئة عن الإصابات التي لحقت بَدَن المجني عليه، أم أن مسؤوليته تنحصر في الدية، أم أنه في حال تجاوزت المصاريف قيمة الدية يكون الضامن معنياً بدفع الدية وما زاد عنها؟

إن تعيين حدود المسؤولية والضمان في الخسارات الزائدة على الدية متوقف بشكلٍ مبدئي على بحثنا في ماهية الدية؛ لأننا إذا حدَّدنا ماهية الدية في التدارك والتعويض فإن الضامن، وبعد إثبات ضمان كل الخسارات المالية، يكون معنياً بأداء ما زاد على الدية من مجموع الخسارات المالية. وبأسلوب آخر نستطيع القول: إن المبلغَ المحدَّد اليوم في الدية إذا كان مقصود الشارع منه هو تعويض المجني عليه في ما لحقه من أضرار وخسارات فإنّه غير مستوفٍ لهذا المقصود، ويكون على الجاني أن يؤدي الفرق الزائد عن الدية. نعم، هذا إذا ثبت أن الشارع قد وضع الدية لغرض التعويض عن الخسارات البدنية، وإلاّ فإنّ التعويض سيأخذ أبعاداً أخرى.

أما إذا ثبت لدينا أن الدية ذات ماهية جنائية ففي هذه الحال لا بُدَّ من النظر إلى نوعية وأشكال التدابير التي نصّها الشارع في باب التعويض عن الخسارات والمصاريف التي تكبّدها المجني عليه. وإذا ثبت الضمان في هذه الحال فإن الجاني، إلى جانب دفع الدية، يكون ملزَماً بدفع الخسارات المالية التي يطالبه بها المجني عليه، والتي تتناسب وقيمة الأضرار الجسدية التي لحقت به.

من هنا نجد الضرورة تلحّ علينا، وبالدرجة الأولى، بدراسة ماهية الدية، وحدود الاختيارات المتاحة أمام المجني عليه؛ لكي يمكنه المطالبة بتكاليف ومصاريف ما زاد على الدية.

 

أـ الدية طبيعتها التعويض والتدارك

وفقا لإحدى النظريات فالدية تعتبر من زمرة الديون([1])؛ وذلك لأنها أولاً: ورغم أن قيمتها مشخصة، إلاّ أنها يمكن أن تختلف من موردٍ إلى آخر، بينما ميزان العقوبات لا يتغيَّر؛ ثانياً: إنّ أولياء الدم أو المجني عليه يمكنه العفو عن الجاني وإسقاط الدية؛ لأنها تندرج في ما يطلق عليه في عُرْف الشارع بحقّ الناس، ولها خصوصياته([2]). وعموماً في باب الجرائم ضد الأشخاص فإن القانون ينظر إلى المجني عليه في ما يخصّ ما لحقه من جراحات وصدمات. وممّا جاء في لجنة الاستفتاءات في مجلس القضاء الأعلى في قسم إظهار النظر، عدد 925/7، المؤرخ بـ 26/2/63، في تعيين الضابطة في حقّ الناس: «يتبين أن كلّ جرم يكون سبباً في الإضرار بالشخص أو أشخاص خاصّين يندرج ضمن حقّ الناس…»([3]). ووفق إجماع الفقهاء فإنّ أداء حقّ الناس منوطٌ بمطالبة صاحب الحقّ([4]).

في ما يخصّ الدية فإن الشارع إذا تناولها من حيثية عامّة وجزائية فصلاحيات القاضي في إجراء أنواع العقوبات محدودة ومنصوص عليها، ولا يكون عفو المجني عليه مؤثراً أو مانعاً لها. وهو ما عبَّرت عنه المادة 294 من قانون العقوبات المنصوص عليها في الشريعة بشكلٍ صريح: «إن الدية مالٌ جعله الشرع على الجناية النفسية أو العضوية حقّاً للمجني عليه ولأولياء الدم». ولأن أولياء الدم لهم الحقّ في إسقاطها والعفو عنها، بالإضافة إلى شرط العقل في المجني، دليل على أن الدية ليست ذات طبيعة جزائية والجنائية.

ونشير إلى أن العديد من فقهاء المذاهب الاسلامية يعبِّرون عن الدية بلفظ «الضمان»([5])، والضمان بإجماع فقهاء المذاهب هو التعويض، وليس عقوبة إجرامية([6]).

من هنا فالدية هي «تعويض شرعي»، طبيعتها وماهيتها جبران الضرر، جعل لها الشارع قانوناً خاصاً يختلف عن التعويض في غير الدية في جبران الضائع والمتلف والأضرار الأخرى. وقد اختلفت آراء الفقهاء في ما تكون الدية تعويضاً عنه:

 

تعويض عن حقّ الحياة وحقّ التمتُّع بالبدن

جمع بعض فقهاء أهل السنّة بين ضمان تكاليف العلاج والمداواة وبين الضمان في الدية. ورأَوْا أن الدية تعويض للمجني عليه عمّا فقده من عضوٍ أو عن الصدمات النفسية، وغير ناظرة إلى كلّ الخسارات. لذا فالمجني عليه يمكنه إلى جانب الدية المطالبة بالتعويض عن مصاريف ما لحقه من خسارات، فيكون الجاني ضامناً كذلك لكلفة العلاج والطبابة([7]). والسبب في اتّخاذهم هذا النظر كون الشارع لم يعين نوعية المنافع التي يتمّ التعويض عنها بالمال، والتي لا تقبل ذلك، بل هي أمورٌ موكولة إلى العرف يقضي فيها بحَسَب ما هو متعارف([8]). وظاهر تعبير بعض فقهاء الإمامية عن الدية ببدل النفس يدعم هذا الرأي، ويزيد في قوته([9]).

ووفقاً لهذا الرأي فإن المجني عليه له الحقّ في المطالبة بالخسارات المالية التي لحقت به جرّاء الطبابة والمعالجة بشكلٍ مستقلّ عن المطالبة بحقّ الدية، وليس أن الجاني إنما يدفع ما زاد على الدية. طبعاً إذا اعتبرت الدية بدلاً وتعويضاً عن النفس يصبح ميزان الدية متساوياً وواحداً مهما كان جنس المجني عليه، ذكراً أو أنثى، مسلماً أو ذمياً، عبداً أو حراً. كما أنها لن تختلف بين ما وقع في الأيام الحرام أو في غيرها. لكنّ الواقع غير هذا، فهي تختلف باختلاف الحالات والأزمان. بالإضافة إلى أن هذا النظر يتنافى وظاهر الروايات، ففي بعض الروايات الجاني ضامنٌ للخسارات الناتجة عن الطبابة والمداواة ضمن الدية، وليس خارجها([10]).

 

الدية عوض عن الألم والمعاناة

ملاك هذه النظرية في مقولتها كون نفس الإنسان وفق النظرية القانونية غير قابلة للمعاملة أو المعاوضة بالمال، طوعاً أو قسراً. لذا فالدية لا يمكنها أن تكون تداركاً عن النفس أو العضو المتضرِّر، وبالنتيجة تكون الدية شكلاً من أشكال جبران الخسارات المعنوية. وبالتالي يصبح للمجني عليه الحقّ، بالإضافة إلى الدية، في المطالبة بتعويض الخسارات الزائدة عن الخسارات المعنوية، وأن يطالب بجبران الضرر المالي([11]).

أما هذا النظر فلا يخلو من إشكال:

أولاً: من الممكن أن نفترض نقص العضو بالنسبة إلى الشخص الميت، والذي بطبيعة الحال لن يسبب له ألماً أو معاناة. وبالطبع مع هذا الفرض لا تسقط الدية؛ لأنه وفق القول المشهور للفقهاء فالدية حقّ ثابت ثبوتاً قطعياً([12]). كذلك هناك روايات متعدّدة في هذا الموضوع([13]). كذلك نجد مشهوراً بين فقهاء الإمامية، ضمن تنظيم المادة 494 من قانون المجازاة الإسلامية، أي المادة المختصّة بالجنايات المرتكبة في حقّ الميت، التأكيد على حق الدية.

ثانياً: ظهور روايات باب الدية في أنها ضمان للشخص والنفس والأعضاء. ونذكر ـ على سبيل المثال ـ صحيحة عبد الله بن ميمون، عن أبي عبد الله× قال: «إذا دعا الرجل أخاه بليلٍ فهو له ضامنٌ حتّى يرجع إلى بيته»([14]). ففي هذه الرواية «الشخص» مورد حكم الضمان، وبالتالي يكون هذا الرأي مخالفاً لظهورات روايات باب الدية، وللمشهور من أقوال الفقهاء.

 

الدية عوض عن مطلق الخسارة (أعمّ من العضوية أو المالية)

وفق هذه النظرية فإن صدور الحكم بالدية يسقط كلّ الدعوات للمطالبة بضمان الخسارات والتعويض عن كلّ الأضرار الحاصلة للمجني عليه. كما تسقط معها المطالبة بأيّ مبلغ أو تكلفة إضافية. وبعبارةٍ أخرى: إن الدية هي عوض عن مجموع الخسارات اللاحقة بالمجني عليه، وبصدورها يصبح الجاني غير معنيّ بتحمل أيّ خسارة مهما كان نوعها([15])؛ لقاعدة لا ضرر، والإطلاق في قواعد لزوم تعويض الضرر. ففي حالةٍ ما تشمل الدية الخسارات الناشئة من تكلفة العلاج والآلام وتفويت المنفعة، لكن الدية غير شاملة لكل هذه الموارد وليست تعويضاً عنها.

ويلاحظ أن هذا النظر يتوافق وظاهر روايات باب الدية([16])، كما يتناسب وحكم الفقهاء بأن الدية هي تعويض عن الخسارة البدنية للمصدوم. وفي هذه الحال إذا ثبت الحكم بضمان الخسارات، بالإضافة إلى قيمة الدية، فإن الجاني يكون مطالباً بأداء ما به التفاوت بين الدية وتكلفة الخسارة فقط.

وعلى ما يبدو فإن هناك إشكالات على النظرية القائلة بالطبيعة التداركية والجبرانية للدية؛ لأن الاعتقاد بالصبغة المدنية المحضة للدية (أي إنها من ضمن الديون، وأن الدية تعويض) يجعل من إثبات حقوق إضافية للمجني عليه أمراً في غاية الصعوبة والتعقيد؛ لأن ما يظهر من هذا الأمر أن المشرِّع في مقام بيان كيفية جبران الخسارة، وميزان القيمة التي على الجاني أداؤها قد نظر إلى تمام الخسارة، وليس فقط إلى جزءٍ منها. بالإضافة إلى أننا إذا اعتبرنا الدية تعويضاً عن الخسارة التي لحقت بالمجني عليه فهنا لن يكون تمييز بين الصدمة التي كانت عن عمدٍ والتي كانت عن غير عمد؛ لأن الدية في هذه الحالة ستكون ضمن الديون الواردة في قسم حقّ الناس، الأمر الذي يعني وجوب أدائها في جميع الحالات والصور، مع أننا نعلم أن الفقهاء لا يجوِّزون إعطاء الدية لغير المسلمين من وَرَثة الميت، بل ترجع أموال ودية المسلم في هذه الحالة إلى الحاكم الشرعي([17]). وهذا الرأي الفقهي يؤيِّده منطوق الآية الشريفة 92 من سورة النساء التي تبين أن دية المسلم متعلِّقة بورثته المسلمين: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. ونشير إلى أن من ملازمات القول بأنّ ماهية الدية تكمن في التعويض عن الخسارة، وأنّها دين، أن الشخص المرتكب للجناية هو المسؤول عن الضرر؛ لأن الأضرار الواردة هي من عمله وارتكابه، بينما الواقع يجعله مسؤولاً عن دفع الدية فقط.

 

ب ـ الدية ذات ماهية جزائية

لم يحدِّد المتقدمون من فقهاء الإمامية، أمثال: الشهيد الأول والشهيد الثاني، تعريفاً خاصاً للدية، وإنما اقتصروا في ذلك على عرض مصاديق، وهو الأمر الذي غيَّب أيّ فرصة للتعرُّف على نظريتهم بخصوصها. لكنْ وبالنظر في الأحكام التي جعلوها لها نستطيع الكشف عن ماهية الدية عندهم؛ وذلك لأن البحث على لسان الحقوقيين إنما يدور حول الجنائي والمدني. لكنْ وبشكلٍ عام فالملاحظ أن فقهاء الإمامية ينظرون إلى الدية على أنها قابلة للتغليظ، فيكون تعيين مقدارها وحجمها بيد الشارع (إذ لو كانت عبارةً عن تعويض عن الخسارة فإن الشارع لن يكون له دخل في تعيين مقدارها…)، ولهذا فهم يرَوْن اندراجها ضمن باب عقوبات الجاني.

ويلاحظ وجود هذا المنحى في المواد القانونية المتعلِّقة بالدية، حيث تندرج قوانين الدية ضمن قانون العقوبات الإسلامية. لكنّ قسماً آخر من فقهاء الإمامية قد كشفوا النقاب عن تعاريف للدية. فعلى سبيل المثال: عرَّف صاحب رياض المسائل الدية بأنها «عقل»؛ لأنها تعقل وتمنع جرأة الأفراد على الإقدام على الجريمة، من قتلٍ وسفك الدماء المحرّمة([18]). وعرَّفها آخرون بأنها المال الذي يؤدّيه الفرد الجاني عقوبةً له عما ارتكبه من جرم([19]). إن التدقيق الكافي في هذه التعاريف يبين أن الدية نوع من المجازات والعقوبات؛ لأنه في التعريف الأول توجه أصحابه إلى العبرة من العقوبات، والتي تكمن في اتخاذ العبرة والمنع؛ وفي التعريف الثاني يلاحظ استعمال عناوين مثل: المجرم والجناية، وهو الذي يكشف في الجملة عن الطبيعة الجزائية للدية. ولعل وضع كتاب الدية جنباً إلى جنب قرب كتاب الحدود والقصاص يشير إلى أنهم ينظرون إليها على أنها تعني العقوبة والجزاء.

ومن خلال هذا التعريف ففي حال تمّ إثبات مسؤولية الجاني عن الخسارات المالية التابعة للجناية فإن الجاني مطالَبٌ، بالإضافة إلى الدية، بضمان الخسارات بشكلٍ مستقلّ.

وبطبيعة الحال فالقول بأن الدية ماهيتها جزائيّة لا يخلو من إشكال:

أولاً: في القتل الخطأ العاقلة هي المسؤولة عن إعطاء الدية. وهذا يتنافى كلياً مع الأصل في المجازاة، والذي يقوم على شخصانيتها.

ثانياً: إن وفاة الجاني لا يسقط حقّ الدية، وهو ما ينافي الأصل الجاري في المجازاة القانونية، حيث إنه بوفاة الجاني تتوقَّف المتابعة([20]).

ثالثاً: إذا كانت الدية مجازاةً فلماذا تُعْطى لأولياء الدم؟ ولماذا في بعض الموارد يكون بيت المال هو المطالَب بدفعها لمستحقّيها؟([21]).

رابعاً: إنّ الهدف من وضع الجزاء المالي لمعاقبة الجاني هو أن يرتدع عن تكرار هذا الفعل، بينما نجد المشرِّع قد جعل للجاني أن يختار بين الأقلام الستّة المخصّصة في الدية([22]).

ويلاحظ كذلك تخيير الجاني بين الأقلام الستّة في المادة 297ق.م، وللقائل الحق في القول: إن التخيير المتاح للجاني إنما هو من باب التدبير، حتى لا يمتنع الجاني بأيّ حجّة عن أداء ما عليه من حقّ الدية، وبالتالي يتمكّن في المقابل المجني عليه من أخذ ديته كاملة وفق ميزان الشرع، مع العلم أن هذه الإجازة في الاختيار بين أقلام الدية تتاح في حال كانت الدية عن القتل، وغير معطاة للجاني في حال قطع العضو أو الجراحات. ومن هنا لن تكون فرصةٌ أمام الطعن في المجازاة، وخصوصاً أن الفارق بين قيمة كلّ واحد من الأقلام الستة في الدية كبير، وهو ما يتنافى وطبيعة التعويض وتدارك الضرر([23]).

ولكن يمكن الإجابة عنه بأنّه من المفترض أن يكون قد أخذ بعين الاعتبار مثل هذه الحالة، بحيث يكون قد عين أنواعاً من المجازاة تصلح لأن يجازى بها الجاني المعسر. لكنّ الملاحَظ أنّ الشارع في حالة عدم قدرة الجاني على دفع الدية المستحقة عليه؛ لفاقته وعسره، يقوم هو بدفعها عنه؛ تفادياً لتضييع حقوق المجني عليه أو أوليائه. مع ملاحظة أنّ المشرِّع في حالة القتل العمد أو شبه العمد يعتبر الجاني مسؤولاً عن أداء ما عليه من الدية. ومما جاء في هذا الخصوص ضمن المادة (304ق.م.ا) و(المادة 313 ق.م.ا): «الدية في القتل العمد وشبه العمد على الجاني. وإذا فرّ فالدية تؤخذ من أمواله. وإذا لم يكن له مالٌ فأقاربه مطالَبون بدفعها عنه، مع مراعاة الأقرب ثم الأقرب. وإذا لم يكن لأقاربه مالٌ فما داموا غير متمكِّنين مادّياً من دفعها حينها تؤخَذ من بيت المال». لكنّ المشكل في هذا القانون أنّه إذا سلَّمنا بالطبيعة المجازاتية للدية فإنّه في حال لم تكن لأقارب الجاني في القتل العمد أو شبه العمد المُكْنة من دفع الدية يقوم بيت المال بدفعها عنه. ورغم أنّ الشارع قد لاحظ في هذا التدبير حقوق المجني عليه، إلاّ أنّه يفوِّت الفرصة على مجازاة الجاني، وهو ما يختلف ومقولة الطبيعة المجازاتية للدية. بالإضافة إلى أن اختلاف القيمة بين العناصر الستّة في الدية جعل الفقهاء يضعون تفسيرات واجتهادات محاولين إيجاد تناسب بين مجموع الآيات والروايات الواردة في الموضوع. فعلى سبيل المثال: قال السيد محمد حسن المرعشي في اختلاف قيمة الأقلام الستة في الدية: «بالنظر في الآيات والتحقيق الدقيق في الروايات الواردة في الموضوع فإنّ غير الإبل باقي الأقلام قد عيّنت حتّى تناسب قيمة الجمل. إذاً ففي حال تعين واحد من هذه الأقلام لا بُدَّ وأن تتساوى قيمتها وقيمة الجمل. فالشارع قد عين مائتي بقرة، وألف خروف؛ لأن قيمتها في ذلك الزمان تساوي قيمة مائة جمل. وإذا كانت هذه القيمة غير متساوية اليوم فلا يجب الاكتفاء بذلك العدد»([24]). مع الإشارة إلى أن العلاّمة المرعشي لا يات الواردة في الموضوع ن من الشارع بل لابد من تحصيل العدد الذي يرى للجمل موضوعية في الدية، بل المهم هو قيمته([25]). بينما هناك فقهاء آخرون يرَوْن جميع العناصر الستة أصيلة في الدية، لكنْ بالنظر إلى الروايات في باب القضاء ووظائف القاضي في الفصل في الدعوى يتبين أن المخيَّر بين عناصر الدية ليس هو الجاني، بل القاضي، بناءً على إجراءات في البحث حول ملابسات الجريمة، وما يقوم عليها من آثار وعوارض اجتماعية ومختلف التبعات الناجمة عنها، ولأجل قطع النزاع بين المتخاصمين، والوفاء بجبران الخسارات، فإنّ القاضي مخيَّر بشكل يستوفي شروط العدالة في أن يحكم بأيّ واحد من تلك الأقلام الستّة([26]). وبطبيعة الحال هناك آراء أخرى غير ما ذكرناه. وعلى العموم فإنّ ما طُرح من استفسارات والأجوبة التي تمَّت عنها، لا يمكنها أن تكون أدلّة تامّة على مقولة الماهية الجزائية للدية.

ج ـ الدية ذات طابع وماهية مزدوجة

القول بالطابع الحقوقي للدية نظرٌ تلقّى القبول وسط العديد من العلماء المسلمين([27])؛ وذلك لأن الدية في حقيقة الأمر من الأمور الاعتبارية. لذا فوحدة أو تكثر ماهيتها من الأمور التي ينظرها الذهن والاستعمال الاجتماعي؛ فمن وجهة مختلفة يمكنها أن تأخذ الطابع الجزائي أو الطابع المدني([28]). كذلك فإن أكثر الذين يؤمنون بالماهية المزدوجة للدية يرَوْن أن قيمة الخسارة اللاحقة بالمجني عليه هي نفسها قيمة الدية. فحسب نظريتهم كما أن الحاكم الشرعي لا يمكنه الزيادة أو النقيصة في قيمة ومقدار الدية، كذلك المجني عليه لا يمكنه المطالبة بأكثر من قيمة الدية([29]). وقد جادل البعض في هذه النظرية بالقول: إنه إذا كان الهدف الأساس من المجازاة المالية هو التضييق والتعسير على الجاني؛ حتّى ييأس من جرمه، فالضرورة تستلزم الأخذ بعين الاعتبار الوضع المالي للجاني، حتّى تستوفي الدية هدفها، لكنّ الملاحظ أن مقدار الدية هو واحدٌ، لا فرق فيه بين أن يكون الجاني فقيراً أو غنياً، ممّا يعني أن هدف الدية ليس المجازاة([30]). ويرى البعض أن تعيين وتقدير مقدار الدية نوعٌ من المجازاة المالية، الذي لا يخلو من تأثير سلبيّ على الجاني، لكنّ دفعها للمجني عليه أو لأولياء الدم، بدلاً من دفعها إلى خزانة الدولة، يعطي تلك الدية صفة الغرامة. وكذلك فإن استثناء الدية والضمان في حالات الاضطرار أو حالات الضرورة، مع العلم أنه في هذه الحالات ستقوم العاقلة أو بيت المال بدفع الدية عوضاً عن الجاني، يسلب الطابع الجزائي عنها، وفق رؤية المشرِّع.

 

اتخاذ المبنى والنظرية المنتَخَبة في البحث

في ما يخصّ كون الدية في الواقع عوضاً عن الخسارات البدنية فقط، أم إنها أعمّ من ذلك، حيث إنها عوض عن الأضرار المالية والنفسية، أم إنها في الأساس ذات خاصية جزائية، فالظاهر من خلال مجموع الروايات الواردة والمرتبطة بموضوع الدية، وبالنظر إلى تعاريف الفقهاء للدية، والتي اعتبروها في عنوانها الكلّي عوضاً عن النفس، وكذلك بالنظر المشهور لها، فإن الدية في بعدها الماهوي هي تعويضٌ وجبران للأضرار، وتعويضٌ عن فقدان النفس والعضو. ولإثبات ضمان التكاليف في غير النفس لا بُدَّ من اعتماد نفس الأدلّة المستعملة في الضمان (كبناء العقلاء، قاعدة التسبيب، قاعدة الإتلاف، و…).

وبالطبع فإن اعتماد هذا المبنى لا يخلو من نقاشٍ؛ لأن هدف المشرِّع من قراءته للروايات الواردة في باب الدية في أن الدية جبرانٌ وتعويض عن الأضرار البدنية هو الكشف عن المبنى والملاك في تعيين الضرر والخسارة الناشئة عن الأذى الذي لحق بالعضو أو بالنفس. والسبب في الجري وراء تعيين هذا المعيار هو بشكلٍ كلّي لأن تعيين ميزان الضرر في هذه الموارد أمرٌ لا يخلو من التعقيد؛ إذ بسبب تعيين الضرر والخسارة بشكلٍ صريح في بعض المواقع (مثلاً: مع الأخذ بعين الاعتبار تكاليف الطبابة والدواء) يمكن أن يصير ميزان الضرر والخسارة هذا بديلاً عن معيار المشرِّع النوعي والفرضي…، وخصوصاً إذا عرفنا أن بعض الروايات، نظير: صحيحة ابن ميمون، ترى الجاني مسؤولاً عن ضمان تكاليف الطبابة والعلاج ضمن الدية، والحال أن تكاليف العلاج والمداواة هي في الحقيقة جزءٌ من الخسارات المالية([31]). وعلى ما يبدو لو تمّ القول بأن الدية ذات طبيعة جبران وتدارك وتعويض مطلق الخسارة (المالية والبدنية) لكان هذا أكثر تناسباً وتوافقاً والروايات الواردة في الدية. ومواصلةً للموضوع سيكون لنا ضمن البحث في الأدلة فرصةٌ في تبيين الروايات المذكورة.

كذلك في الجواب عن ذلك النقاش فإنّه وفقاً لمبدأ أسبقية نص المشرِّع يصبح لزاماً اعتبار الدية جبراناً وتعويضاً عن مطلق الضرر البدني (من فقد النفس أو العضو، الجروح وتفويت الانتفاع من العضو)، وإنّما يتم إثبات الضمان في ما يتعلق بسائر التكاليف بأدلة الضمان الثابتة في كتب الفقه. ولعلّ القول بأن مقدار الدية أمرٌ تعبُّدي لا يتنافى وجبران الخسارة الزائدة عن مقدارها، حتّى لو قلنا: إن الشارع قد جعل الدية لمجموع الخسارات المالية والبدنية؛ لأن أدلة الضمان حاكمة على أدلة الدية، لذلك فإنّ أدلة الدية ليست لها قابلية تخصيص هذه الأدلة الفقهية. والنتيجة أن الفرد الجاني إلى جانب ميزان الدية مطالَب بأداء ما به التفاوت في ما يتعلّق بتكاليف الخسارات؛ لأن الدية لتغطيها، وليس أنها تضمن بشكلٍ منفصل عن الدية مجموع الخسارات الزائدة عنها.

النظريات المطروحة ضمن باب إمكان المطالبة بالخسارة الزائدة عن الدية

بدءاً نشير إلى أن كتب الفقه الاستدلالي لم تكن لها سابقة في طرح هذه النظريات. وقد طرحتها بعد أن تمّ إعمال قانون المجازاة الإسلامية في مدوّنات المحاكم العدلية، وذلك ضمن مقالات أو استفتاءات. ونحن في هذا المقال سنسعى، بالإضافة إلى بيان أدلة كلّ واحدة من تلك النظريات، إلى عرض المناقشات الواردة فيها كذلك.

 

أـ وجوب تعويض كلّ الخسارات

وفقاً لإحدى النظريات فإن المجني عليه له كامل الحقّ في المطالبة بتعويض عن كلّ الخسارات الناشئة عن الأضرار التي كان فعل الجاني سبباً أو علّة مباشرة فيها([32]).

ويرى بعض الفقهاء المعاصرين الحقّ في المطالبة بتلك الخسارات. مع التذكير أن المادة 7 ـ 112، والتعليق 2 في لائحة المقترحات القانونية في قانون الإجراءات الجنائية، قد أيَّدت المطالبة بالتكاليف المتعارفة الزائدة عن الدية.

وفي ما يخصّ هذه النظرية هناك مجموعة من الأدلة التي تطرح، ويمكن تقسيمها إلى قسمين:

1ـ أدلة خاصّة (أعمّ من أن يكون دليلاً لفظياً أو غير لفظي). وهي تدل على المدَّعى بشكل مباشر.

2ـ أدلة عامّة، أو نفس القواعد الفقهية، والتي يجب أن نثبت انطباقها على الموضوع.

 

1ـ الأدلة الخاصّة

1ـ1ـ روايات في ضمان الجاني لقسمٍ من تكاليف العلاج

جاء في وسائل الشيعة حول الحكم في الجروح بأقلّ من السِّمحاق، نقلاً عن كتابَيْ الكافي والتهذيب:

الرواية الأولى: صحيحة أبي مريم، عن أبي جعفر× قال: «قضى أمير المؤمنين× أنْ لا يُحمل على العاقلة إلاّ الموضِحَةُ فصاعداً، وقال: ما دون السِّمحاق أجرُ الطبيب سوى الدية»([33]).

فالعاقلة حسب هذه الرواية المرويّة عن الامام الباقر× غير مطالبة إلاّ في جروح الموضحة وما فوقها، أما في ما هو أقلّ من السِّمْحاق فهي تدفع أجر الطبيب، سوى الدية.

الرواية الثانية: صحيحة غياث، عن جعفر الصادق×، عن أبيه×، عن الإمام عليّ× قال: «ما دون السِّمْحاق أجرُ الطبيب»([34]).

والرواية تقول أنّه في أقل من السِّمْحاق أجر الطبيب.

 

طريقة الاستدلال

حين يكون قسمٌ من تكاليف العلاج في مورد أقلّ من السِّمحاق حَسْب الرواية يكون لازم الأداء. والنقطة التي نجنيها من هذا الاستدلال أنّ هدف الشارع من جعل الدية هو جبران كلّ الخسارة الواردة على المجني عليه. وعليه تكون قد أجابت في ما يخصّ كلّ الخسارة. ولهذا ففي الجراحات السطحية، والذي أشارت إليه الرواية بالموضحة، يكون الواجب فقط أداء تكاليف علاجها. وهي في الحقيقة تمثِّل القسم الأعظم من تكاليف العلاج الكلّي.

وبهذا فإذا كان بأيّ سببٍ كزيادة مصاريف العلاج، بحيث لا تغطيها الدية كاملة، فالواجب تأمين الناقص، وواجب على الجاني ضمانها.

 

نقد الاستدلال

الاعتراض الأول: ظاهر الرواية خاصّ؛ لأن عبارة «ما دون السِّمحاق» جاءت في مقابل «ما فوقه». لذا فتجاوز الموارد المذكورة إلى غيرها لا يخلو من إشكال.

إذن ففي ما فوق السمحاق يكون الجاني أو عاقلته ضامنة للدية المقدَّرة شرعاً، وأما في ما هو أقلّ من السمحاق يكون تعويض المجني عليه في ما لحقه من خسارة في ما يخص تكاليف العلاج.

وفي الردّ على الإشكال نستطيع القول: إن تفصيل الدليل يكون بالقول: إنه في السمحاق وما دونه عموماً تكون الأضرار الملحقة بالبدن مختصرة، في حين أن الأساس في تكاليف العلاج أن تعوّض خسارات التطبيب والعلاج، وبالتالي في ما فوق السمحاق، حيث تكون عادةً الخسارات الجسمية وتكاليف العلاج مرتفعة، وغالباً ما تكون الدية غير كافية لتغطية تكاليف العلاج، في هذه الحال (ما فوق السمحاق) يجب تعويض القدر الزائد على الدية بشكلٍ أَوْلى. وهذا في الحقيقة يؤيِّد مدَّعانا من قبل، ونستطيع من باب قياس الأولوية في ما يخصّ الرواية أن نثبت كذلك وجوب تعويض ما فوق السمحاق.

الاعتراض الثاني: توجد روايات تعين الدية في ما دون السمحاق، كصحيحة زرارة، ورواية منصور بن حازم، حيث جعلت لـ «الباضعة» (تمزُّق الجلد من دون خروج دم) ثلاث جمال، أو كما عيَّنت لـ «الدامية» (الجرح مع الدم) جملين اثنين، وفي «الحارصة» (الخدش الصغير) الدية جمل.

إذن يتّضح تعارض مضمون الرواية مورد الاستدلال ومجموعة من الروايات الأخرى. لذا فإن العمل بها غير ممكن، سواء بلحاظ التساقط (إذا تعارضا تساقطا) أو القول بالتقية أو غيرهما.

وبهذا الإشكال نستطيع الجواب قائلين: إن الرواية مورد الاستدلال والروايات الأخرى إنما تتعارض من هذا اللحاظ «ما دون السمحاق غير معيَّن في الدية»، لكنّ تعويض أتعاب الطبيب والعلاج خارجةٌ عن التعارض.

بل نستطيع القول: إن الرواية الشاهد هنا لا تحكي عدم وجوب الدية في ما هو أدنى من السمحاق، بل إن أجرة الطبيب تنضاف إلى عهدة الجاني، ولا تعارض. وفي غير هذا فإن التعارض مع التجزئة المذكورة غير قابل للرفع([35]).

وعلى هذا الأساس فهناك بعض الفقهاء يرَوْن أنه في الحال الذي يمكن للإجماع تحصيل جواب من أدلّة المخالفين يكون العمل بمضمون الروايات المتقدّمة بلا مانع([36]).

 

1ـ2ـ روايات باب حدّ السرقة

هناك رواياتٌ أخرى، نظير: صحيحة محمد بن قيس، روايات محمد بن مسلم والحارث بن حزيرة وغيرهم، الواردة في باب حدّ السرقة([37])، يمكن الاستناد إليها في ضمان تكاليف العلاج، حتى مع كون هذه الروايات في باب السرقة، وليس في الجراحات التي يقوم بها الجاني ضدّ المجني عليه. لكنّ ظاهر حكم الإمام هو وجوب تعويض تكاليف العلاج على بيت المال. إذن فبيت المال ضامنٌ لمثل هذه التكاليف. من هنا فأينما كان الجرح من باب إعمالٍ للعدالة وممارسة للحقّ، كما هو في إقامة الحدود الشرعية، فالواجب أداء تكاليف العلاج، وأينما كانت الجراحات بسبب إقدامات الجاني فإنّ الواجب كذلك ضمان كلفة العلاج من باب أَوْلى؛ لدخولها في باب حقّ الناس.

ومع ثبات الضمان بالنسبة إلى تكاليف العلاج فإنْ صدق الضرر المالي عليها فلا فرق بين أجرة الطبيب وتكاليف الذهاب إلى المشفى، وكذا تكاليف المطالَبات العدلية. وكما أنّ الجاني مطالَبٌ بأداء أجرة الطبيب وتكاليف معالجة الجراحات وسائر التكاليف المرتبطة، مثل: المستشفيات وتكاليف التنقل والمحاكم.

 

1ـ 3ـ سيرة العقلاء

يرى العقلاء أن إتلاف مال الغير موجبٌ لضمانه، وأن الخسارات الزائدة على الدية، ومن جملتها: تكاليف العلاج، وتكاليف المؤسّسات العدلية، يجب تأديتها أيضاً، وخصوصاً أن وصف السلامة والصحّة بالقياس مع المرض والأضرار الجسمية من الأمور الخاصة التي يرغب فيها ويطلبها العقلاء، بل إن الصحة والسلامة من الأمور التي يرى العقلاء لها أهمّية أعظم من المال. من هنا فكل فرد قام بإلحاق الضرر والمساس بصحّة وسلامة فردٍ آخر معنيٌّ بنفقة العلاج وتعويض المجنيّ عليه عن كلّ الخسارات. وبالطبع هناك شروط يكون معها الحقّ في المطالبة بالخسارات. وهذا الأسلوب والسلوك من العقلاء لم يعترِضْ عليه التشريع الإسلامي، ولم يرَ فيه خروجاً على العَدْل.

بالإضافة إلى ما سبق فهناك روايات تتحدّث فعلاً عن ضمان السلامة بشكلٍ صريح، كالرواية التي تجعل المُضيف ضامناً لسلامة ضيفه، أو كهذه الرواية: محمد بن الحسن بإسناده عن جعفر بن محمد، عن عبد الله بن ميمون، عن أبي عبد الله× قال: «إذا دعا الرجل أخاه بليلٍ فهو له ضامنٌ حتى يرجع إلى بيته»([38]). فالمجال الملاحظ في ضمان المضيف ليلاً في ما يخصّ رجوعه إلى بيته هو وصف سلامته، مع الإشارة إلى أنّ هناك روايات حيث يكون ادّعاء الإجماع هنا كذلك ملفتاً([39]).

كما أن المعيار في الضمان عند العقلاء ليس هو إتلاف وضياع المال، بل معيار الضمان عندهم هو فقدان الملكية. وعليه كل مالك خسر ماله أو حصل له نقص فيه؛ بسبب عمل شخصٍ آخر، سواء أتلفه أو أخذ منه أو صرفه تحت الضغط، فالفرد الذي كان وراء هذه الخسارة ضامنٌ لها، ويجب عليه تعويض صاحب المال.

ومضافاً إلى هذا فقد جرى العقلاء على وجوب ردّ حقّ الآخرين، أعمّ من أن يكون مالاً أو غيره. وعدّ الصحة والسلامة من العلل والأمراض من حقوق الإنسان أمرٌ بديهي. كما أن العقلاء قد جرَوْا على أنّ عدم تعويض الخسارة الناشئة عن جرمٍ ظلمٌ، والظلم قبيح. من هنا فعدم ضمان كلّ الخسارات محرَّمٌ عقلاً، فكيف إذا أضفنا رأي الشرع الذي يرى كذلك هذه الحرمة، ويزكّي نظر العقلاء؟!([40]).

 

نقد لهذا الاستدلال

هناك من المراجع الحاضرين مَنْ يخالف جبران الخسارة الزائدة عن الدية، وهم عموماً يرَوْن أن القول بجريان سيرة العقلاء في هذه المسألة لا يخلو من إشكال؛ لأن صحة هذا القول منوطٌ أولاً: بأن الدية ذات طابع مدني محض، وأن لها جبران الخسارات المعنوية والمادية الواردة على الخاسر.

ثانياً: إن قيمة النفقة والتكلفة في ذاك العصر كانت قليلة ورخيصة، بحيث إن الدية كانت تغطي وبشكلٍ تامّ كلّ الخسارات. ولذلك لم يكن هناك لزوم كي تذكر الروايات ضمان الجاني لتكاليف العلاج وغيرها من النفقات الأخرى.

ثالثاً: كان بإمكان هذا الادّعاء أن يحلّ لنا الإشكال لو ادّعينا أن الأصل في الدية في عصر المعصومين^ كان هو سيرة العقلاء، واستناداً إلى الخسارات التي لحقت الضحية، حتّى نثبت اليوم وجوب إضافة المقدار المحتاج، حتّى تكون مسؤولة عن كلّ الخسارات والأضرار.

وردّاً على ما طرح نستطيع القول: إنّه سبق أن عرضنا أدلّة القائلين بالماهية المدنية للدية، وناقشناها بما يستوفي الحاجة. بالإضافة إلى كون الدية تشريعاً، وهذا لا يتنافى والقول بجريان سيرة العقلاء فيها. فمن المحتمل أن الشارع في تعيينه للدية قد أمضى نفس تلك السيرة ونفَّذها، وعيَّن الضمان من خلال نفس تلك السيرة، ولا نستطيع القول في المقابل: إن الشارع في تعيينه للدية قد ردع عن تلك السيرة؛ فالشارع في العديد من الموارد إنّما أجرى سيرة العقلاء فيها تحت اصطلاحات، كالإمضاء([41]).

 

2ـ الأدلة العامّة

2ـ 1ـ قاعدة الإتلاف

مفاد القاعدة أنه إذا أتلف شخصٌ؛ بسبب من الأسباب، مالاً متعلقاً بالآخرين، أو المنفعة المترتِّبة عنه، وجب عليه أداء قيمته أو مثله. وبالرغم من أن موضوع القاعدة عند الفقهاء هو المال، إلاّ أن ما يفهم من كلام صاحب الشرائع في بحث الضمان وبحث موجبات ضمان الدية أنّ ظاهر التلف يتعلَّق بالمال([42])، وكذلك بالنفس أو العضو ونحوها([43]).

وأما تطبيق القاعدة على موضوع البحث فيتمّ من خلال تقريبين:

 

البيان الأوّل

وفق قاعدة التلف فإن أيّ تلف يستوجب الضمان، ما يعني أن إتلاف أيّ طرف أو عضو من جسم الإنسان من قِبَل الآخرين يعني أنّ المُتلِف مسؤولٌ عن جبران كل الخسارات المترتبة على هذا الإتلاف، مهما كانت الخسارات، وسواء كانت مادية أو معنوية. وإذا ذهبت عناصر صحّة وسلامة المجني عليه، وهي خسارة في عين العقلاء عظيمة، وأغلى من الملكيات المادية، إذن لا بُدَّ من اعتبار الجاني مسؤولاً عن هذه الخسارة، وملزَماً بأداء ما أتلفه.

 

نقد البيان الأوّل والجواب عليه

في مقام نقد البيان الأول يرى بعض المحقِّقين أن موضوع قاعدة الإتلاف جاء على أساس عبارة: «مَنْ أتلف مال الغير فهو له ضامنٌ»، أو روايات هذا الباب التي جاءت كلّها مقتصرة موضوع القاعدة على المال، وليس النفس. وفي المادة 328 و331 من القانون المدني، الذي أسِّس بناء على قاعدة الإتلاف، وكان سبباً في تشريعها، فإنّ موضوع هاتين المادتين هو «المال»([44]).

ويبدو أن التلف لا يصدق على النفس والعضو في اللغة فحَسْب، بل كذلك هو في اصطلاح الفقهاء. وكما جاء في «العناوين»، في مقدّمة عنوان قاعدة الإتلاف، حيث عيَّن الموارد التي قال الفقهاء بجريان القاعدة فيها، وكان من ضمن تلك الموارد «إتلاف النفوس أو الأطراف، لحُرٍّ أو عبد»([45]). وكذلك يلاحظ في الروايات أنّها استعملت الضمان والتلف في موارد غير المال، نحو:

ـ ضمان شاهد الزور للصداق، الدية أو المال المتلَف([46]).

ـ الروايات التي تتحدَّث عن ضمان الرجل لمَنْ دعاه إلى بيته، وفي الطريق إليه تعرض له كلب صاحب البيت، فأصابه بالضرر([47]).

ـ الروايات الدالّة على أن الرجل إذا قام بتخويف راكبٍ حتّى أسقطه عن مركبه فهو له ضامنٌ([48]). وغيرها.

 

البيان الثاني

إن الجاني مجبَر؛ بسبب ما ارتكبه من جنايةٍ، على دفع المال في أمور مثل: تكاليف العلاج، المعاملة القضائية، وغيرها. وهذه المخارج والتكاليف مصداقٌ للتلف، والإتلاف موثَّق في حق الجاني للمجني عليه، إذن فهذا الضمان في عهدة الجاني. فالدية المال الذي جعل الشارع الجاني ضامناً له، وما دام مغطّياً لكلّ المصاريف فالجاني مطالَبٌ بأدائها لا غير، لكنْ إذا لم يكن هذا المال (الدية) كافياً فإنه وعلى أساس قاعدة الإتلاف على الجاني أداء قيمة الدية، بالإضافة إلى ما به التفاوت بالنسبة إلى الخسارات الناشئة عن الجناية.

وممّا جاء في المادة 328 من القانون المدني، في خصوص قاعدة الإتلاف: «مَنْ أتلف مال غيره فهو له ضامنٌ، وعليه دفع مثله أو قيمته، سواء أتلف عن عمدٍ أو عن غير عمد، وأعمّ من أن يكون المال عيناً أو منفعة. وإذا أصابه بالعيب أو بالنقص فهو ضامن لقيمة ذاك المال بمقدار ما نقص منه أو عيب فيه».

ومن إطلاق ومضمون هذه القاعدة نستنتج أن عدم تقصير الفاعل «الجاني» لا يعدّ سبباً في تحميل الخسارة للمتضرِّر، وما دامت العلاقة بين الفعل والضرر ورجوع علّتهما موجودة فليس هناك سبيلٌ لدفع المسؤولية عن المرتكِب والفاعل.

 

2ـ 2ـ قاعدة التسبيب

رغم أن لفظ «التسبيب» لم يرِدْ في الروايات، إلاّ أنه من خلال مجموع الروايات تستخلص قاعدة كلّية مفادها: إذا ارتكب شخصٌ جناية في حقّ شخص آخر فهو مسؤولٌ عن جنايته.

ومبحثنا هنا هو أن الجاني؛ بسبب الجرم الذي ارتكبه في حقّ المجني عليه، قد تسبَّب لهذا الأخير في تكاليف ومصاريف، وبذلك فالجاني سببٌ في ذهاب بعض أموال المجني عليه، ودوره مسبِّب لتلك الخسارات المالية. ورغم أنه موردٌ من موارد اجتماع السبب والمباشر، إلاّ أنّه من خلال ما سبق فإنّ قوّة السبب عاملٌ في جعل الضمان على الجاني، والمباشر بالجناية في هذا الوضع مسلوب الاختيار، وإرادته ثانوية أمام عمل الجاني. لذا فإنّ ضعف المباشر وقوّة السبب محرَز في القضية([49]). ومع ذلك فملاك الضمان سببٌ في هذه القاعدة، حيث إنّ استناد تلف المال إليه جاء إثر استناد الجناية إليه في حقّ المجني عليه، وهو خالٍ من كلّ إشكال. ومن جهة كونه حكماً عقلائياً، والعقلاء لا يقولون بالفرق بين الدية وسائر الخسارات، نستطيع تقبُّل الحكم بالضمان الوارد في الروايات على أنه حكمٌ كليّ، والنظر إليه على أنه لا يختصّ بالدية وحدها. والروايات المذكورة رغم أنها تنصرف إلى الدية، إلا أنه؛ للقرينة المذكورة، يمكننا تعميمها، بحيث تشمل كلّ تلك المواضيع([50]).

ويطرح إشكالان على تطبيق قاعدة السبب على المسألة المطروحة:

الأول: لقد كرَّر بعض الفقهاء مراراً أنّه كلما كان بين الفعل والسبب العاقل المختار واسطة فإن استناد العمل إلى السبب مقطوع عُرْفاً([51]). وعليه فإن المصاريف التي يبذلها المجني عليه مباشرة لا تستند إلى عامل الجناية، وبالتالي فلا يقوم عليها ضمان. وكما جاء في الروايات ضمان السبب([52]) في موارد نظير: فتح الباب للسارق، أو فتح رباط رجل العبد العاقل، أو إرشاد السارق إلى أموال الآخرين، حيث ليس هناك حكم بالضمان لمَنْ أرشد إلى المال أو فتح رباط العبد أو غيرهما؛ وذلك لأن السارق أو العبد الآبق كلاهما عاقلان مختاران، وكانا واسطة بين الفعل والسبب([53]).

جواب الإشكال الأول: ذكر أن ملاك المسؤولية في الضمان هو صدق التلف عرفاً على الشخص. والتسبيب كعنوان عُرْفي هو من هذا الباب. وهذه المسألة في علم الفقه لا تندرج ضمن الحكم الشرعي حتّى لا تقبل التخلف، بل لها عناوين أخرى، نحو: الإغراء، شاهد الزور، و…؛ حيث إن حكم الضمان فيها بدليل قاعدة التسبيب حتّى مع وجود المباشر العاقل البالغ المختار. وبصرف النظر عن أن وضوح الأمثلة قابل للترديد، فإن إرشاد السارق أو فتح رباط رجل العبد لا يعني كونهما مسلوبَيْ الاختيار([54]).

وعلى أيّ حال فمن خلال ملاحظة مجموع روايات ضمان السبب يحصل اليقين، أو في أقلّ الأحوال الاطمئنان، بأن تلك الموارد ليست لها خصوصية، بل هي مصاديق كبرى كلّية بهذا المعنى: متى وقعت إرادة المباشر؛ بسبب الجهل أو الاضطرار أو الإجبار، تحت تأثير عاملٍ آخر فإنّ ما تحقق في الخارج (في الواقع) استناده بالسبب أقوى، وجعل الضمان له من طرف الشارع مناسب، وبالتالي يستبعد أن يكون جعل الشارع للضمان في هذه الروايات من باب الحكم التعبُّدي.

الثاني: حتى ولو تمّ قبول أنّ التلف مع وجود العاقل المختار يستند إلى السبب فإنّ مصاريف المجني عليه لن تكون ضمن مصداق التلف؛ لأن تلك المصاريف هي للاستفادة في العلاج والطبابة، أو لإقامة دعاوى قضائية، ولا يشملها التلف عُرْفاً. وكتب بعض الفقهاء: «إن من باب الإنصاف أنّ ذهاب المال والأضرار الناتجة عنه لا يصدق عليه عنوان التلف؛ لأنه في واقع الأمر الاستفادة من المال، وليس تلفه، وإلاّ كنا مجبرين على اعتبار كلّ المال الذي يصرف الإنسان على نفسه ومصالحه نقصاً في المال، مع أن موارد الحكم بالضمان لا تشمله»([55]).

جواب الإشكال الثاني: أولاً: حصر صدق عنوان التلف بإبادة وسحق المال فيها نظر؛ وذلك لأنه قد تنقص قيمة المال، أو قد يخرج المال من تحت ملكية الآخرين، ويشمل عنوان التلف كلّ ذلك.

ثانياً: إنّ القدر المتيقَّن من ضمان المال إثر التسبيب حين يكون الفعل التسبيبي حراماً شرعاً، وهو ما يعتبر في حدّ ذاته جنايةً([56])، ما يعني أن إتلاف أعضاء البدن تعدّ جناية، وتستتبع بالتالي ضمان المصاريف التي تصرف عليها في الدواء والعلاج وما شابه([57]).

ومن خلال ما سبق، وطبقاً لقاعدة الإتلاف بالتسبيب، يمكن استنباط مسؤولية الجاني عن الخسارات الزائدة على الدية.

والتسبيب سواء بالفعل أو بترك الفعل يزيد من مساحة موجِبات الضمان، وينظر فيه من الأول إلى احتمال وقوع الضرر المالي أو النفسي. وجاءت المادة 331 من القانون المدني، في باب التسبيب، لتقول: «كلّ مَنْ كان سبباً في تلفٍ ماليّ عليه أن يعوِّض صاحبه مثله أو قيمته. وإذا سبَّب نقصاً أو عيباً فيه عليه أن يبذل سعر أو قيمة ما عيب أو نقص فيه».

وبناء على ذلك، وبالإضافة إلى تكاليف الطبابة، فإن الخسارات الناشئة عن المحاكم والمرافعات العَدْلية تدخل ضمن عنوان التسبيب. وفي الحقيقة فإنّ التسبيب من المسؤوليّات المَدَنية ذات الصلاحيات الواسعة، ولها أوجه واسعة ومختلفة، بمعنى أنها لا تنحصر في نوعٍ واحد أو قضيّة شخصية واحدة.

كذلك وجدنا الإدارة القانونية للقوّة القضائية، ضمن الرأي الاستشاري المرقوم في محله، والهيئة العامة للديوان العالي الوطني، في مذكّراتها؛ واستناداً إلى قاعدة التسبيب، يعلنان جواز المطالبة بما زاد على الدية.

 

2ـ 3ـ قاعدة لا ضرر

في تطبيق القاعدة على الموضوع مورد البحث يطرح تقريبان:

 

البيان الأول

إن الاستفادة من قاعدة لا ضرر لإثبات الضمان في مسألةٍ يمكن أن يتّخذ شكلاً منطقياً، كما بيَّنه بعض الفقهاء([58]). ونحن بدورنا نقبل أن القاعدة، بالإضافة إلى نفيها لحكم الضرر، تثبت الحكم كذلك بالموازاة. ومن هنا فإذا كانت القاعدة المزبورة تثبت الحكم، إلى جانب نفيها لحكم الضرر، فإننا نستطيع من خلال قاعدة لا ضرر استفادة الأحكام التالية:

1ـ عدم جواز إيراد الضرر. وإذا سبَّب عملُ أحدٍ الضرر للآخر وجب عليه جبران ذلك الضرر، وتعويض المتضرِّر عنه.

2ـ لا يجوز دفع الضرر بالضرر، والضرر مرتبط بالموارد والأشكال المتعارف عليها، كردّ المبيع المعيب.

وفي تأييد هذا النحو من الاستفادة من القاعدة يستند إلى مجموعة من الروايات، ومن جملتها: صحيحة ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبي، عن أبي عبد الله× قال: سألتُه عن الشيء يوضَع على الطريق، فتمرّ الدابة، فتنفر بصاحبها، فتعقره؟ فقال×: كلّ شيء يضرّ بطريق المسلمين فصاحبه ضامنٌ لما يصيبه([59]).

وكذلك في روايةٍ أخرى عن الإمام الصادق× أنه قال: «كلّ مَنْ أضرّ بشيء من طريق المسلمين فهو له ضامنٌ»([60]).

والظاهر أن مراد الإمام× في كلتا الروايتين المذكورتين الدية الناشئة عن الإضرار بالغير. إذن يمكن الخلوص إلى أنّ حديث النبيّ الأكرم|: «لا ضرر» دليلٌ كافٍ في إثبات ضمان كلّ الخسارات الناشئة عن جرمٍ، سواء كانت تلك الخسارات قابلةً للجبر بواسطة الدية أو بغير الدية، كما لو كانت زائدة عنها.

وقد قال صاحب «العناوين»، متعجِّباً من رأي صاحب «عوائد الأيام»، والمبني على عدم صلاحية قاعدة لا ضرر لجعل الحكم: «إن مقتضى القاعدة استنباط عنوان الضرر. وهذا ممكنٌ من خلال منحيَيْن: إما أنّ الضرر في الأصل غير وارد؛ أو هو بعد الاعتراض الجبر والتدارك. نعم، في المنحى الثاني لا وجود للضرر كذلك؛ لأن انطباقه متعلِّق بعدم وجود الجبر. أمّا إذا كان غير هذا، ورفع الضرر (الذي يساوي الضمان) ليس لازماً شرعاً، فإن جوازه ووقوعه سيكون ثابتاً، وهذا خلاف الفرض. أمّا الجواب فيكون حول: مَنْ يكون الرافع؟ وبطبيعة الحال؛ ووفق المعطيات، فلن يكون غير الفاعل للضرر؛ وذلك لثلاثة أمور:

الأوّل: فعل الضرر بلحاظ كونه عملاً قبيحاً يجب على الفاعل جبرانه؛ بدليل الحكم القطعي العقلي.

الثاني: إن النهي عن الإضرار يعني تحريم بقائه، إذن في حال مُكْنة الفاعل للضرر من رفعه عن المتضرِّر فإنّ هذا يصبح واجباً في حقّه.

الثالث: إن ما يتبادر من النصوص الواردة في الموضوع إلزام الفاعل للضرر من رفع الضرر عن المتضرِّر، وهو نفس المعنى المتعارف في العُرْف المشهود»([61]).

 

البيان الثاني

إذا قلنا بأن قاعدة لا ضرر إنّما تتحدث عن انتفاء حكم الضرر ففي هذه الحال نستطيع بنحوٍ من الأنحاء؛ ومن خلال الاستناد إليها، إثبات لزوم أداء الخسارات الزائدة. تماماً كما فعل بعض الفقهاء([62])، وبعض الحقوقيين([63])، حيث كتبوا: «حين لا يكون واجباً على الشارع تشريع أحكام الضرر يكون بالتالي عدمها سبباً في وجود أحكام الضرر على الشارع واجباً»؛ لأن عدم تشريعها مستلزم لوجود الحكم الموجِب للضرر. وحين تتحقَّق الخسارة بحيث تكون زائدة على الدية، ولا يكون حكمٌ بضمانها، فمراجعة المتضرِّر لعامل الضرر قصد المطالبة بتعويض الضرر سيكون حراماً…، يعني عدم الحكم يستلزم حرمة مراجعة المتضرِّر والمطالبة بتعويض عن الخسارات. وهذه الحرمة بدورها تفصح عن أن حرمة المراجعة حكمٌ وجودي. وهذا الأمر الوجودي يستلزم الضرر، ومثل هكذا حكمٌ منتفٍ في الشرع المقدَّس… ومن هنا لازم نفي حرمة مراجعة المتضرِّر ومطالبته بحقّه في رفع الضرر هو جواز جبران الضرر.

 

ب ـ عدم قبول المطالبة بالخسارة الزائدة على الدية

ذهب بعض الفقهاء إلى القول بعدم إمكان المطالبة بالخسارة الزائدة على الدية. ونذكر منهم على سبيل المثال: الإمام الخميني&، السيد محمد رضا الكلبايكاني&، حيث قالا: أخذ أيّ شكل من الخسارات غير ما هو معيَّن في الدية في الجنايات غير جائز، ولا شرعية له([64]). وكذلك وجدنا الشيخ محمد علي الأراكي يقول، في ما يرتبط بإمكان أخذ المجني عليه تكاليف العلاج: «لا يمكنه أخذ مصاريف وتكاليف العلاج الزائدة عن الدية»([65]).

وبالإضافة إلى مناقشة أصحاب هذا الرأي لأدلّة الطرف الآخر، القائل بإمكان المطالبة بالخسارات الزائدة على الدية، فقد استندوا في إثبات مدَّعاهم إلى مجموعة من الأدلة، ومن جملتها:

1ـ إطلاق الآيات والروايات (عدم احتمال جبران الخسارة الزائدة على الدية من طرف الشارع) اني 1حقه ..

لقد جعل الشارع المقدَّس من خلال الآيات والروايات الجاني ضامناً للدية، أما في ما يخصّ مصاريف الطبابة وتكاليف العلاج وباقي الخسارات الأخرى التي ترِدُ على المتضرِّر جراء عمل الجاني فلم يُدْلِ بشيء. ومن سكوت الشارع في هذا الخصوص يتبيَّن أن الجاني غير ضامن للزائد على الدية. وهذا ما يتبيَّن من قوله تعالى في الآية الشريفة: ﴿…وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (النساء: 92).

كما نستفيد نفس المعنى من مجموعة من الروايات الواردة في الموضوع. ومن تلك الروايات: ما رُوي عن الإمام الصادق×: «ما كان في الجَسَد منه اثنان ففيه نصف الدية، مثل: اليدين، والعينين. قال: قلتُ رجل فُقِئَتْ عينُه؟ قال: نصف الدية. قلت: فرجلٌ قُطعَتْ يده؟ قال: فيه نصف الدية. قلتُ: فرجلٌ ذهبَتْ إحدى بيضتَيْه؟ قال: إنْ كانت اليسار ففيها ثلث الدية، قلتُ: ولِمَ؟ أليس قلتَ: ما كان في الجَسَد منه اثنان ففيه نصف الدية؟! فقال: لأنّ الوَلَد من البيضة اليُسْرى»([66]).

الملاحظ في الرواية الشاهد، والتي كان فيها الإمام× في مقام تبيين ما على الرجل إذا ألحق ضرراً بجسد غيره؛ إذ السائل يسأل والإمام× يجيب، أن الأساس الذي كان يستعمله الإمام× في كلّ أنواع الجراحات والأضرار هو الدية. وبعبارة أخرى: إن القرآن والروايات رغم أنّهما في مقام بيان أحكام الدية، إلاّ أنّهما سكتا في ما يخصّ الزائد عن الدية. وعملاً بالقاعدة: «السكوت في مقام البيان يجري مجرى البيان شرعاً، فيكون من الكاشف الفعلي، كالتقدير»([67])، يكون سكوت المشرِّع دليلاً على عدم جواز المطالبة بالخسارات الزائدة على الدية.

وبالإضافة إلى أنّ الجواب على الاستدلال لا يمكن من خلال التمسّك بماهية الدية، من جهة كون ماهية الدية ليست مدنية وتداركية، فلا تتعين بذلك طريقة جبران الخسارات الواردة على المتضرِّر، بل يكون المتلِف ضامناً فقط لما تعيَّن، سواء كانت الدية ذات طبيعة مدنية أو جزائية أو كلاهما. هذا مضافاً إلى أنْ لا أثر لضمان ما زاد على الدية في تلك الروايات.

نقد الاستدلال

إحدى مقدّمات الحكمة أنّ المتكلِّم في مقام البيان. وفي مقام التردُّد يكون العمل بالأصل العقلائي حيث يفترض أنّ المتكلِّم في مقام البيان. لكنّ اختلاف زماننا عن زمان المعصوم يسقط هذا الأصل العقلائي، وينفي إمكان الاستفادة منه في الاستدلال([68]). وبعبارة أخرى: إن وجود القدر المتيقَّن في مقام التخاطب، بحيث يكون سبباً في انصراف اللفظ إلى القدر المتيقَّن، يقف مانعاً في وجه الاستناد والاستدلال بالإطلاق([69]). وفي موضوع البحث القدر المتيقَّن موجودٌ في كلام كلٍّ من المعصوم والسائل؛ لأنّ الامام× حين يقول: «ثبوت نصف الدية كاملاً على الجاني» فإنّ ذهن المخاطب إنّما ينصرف إلى المصاديق الرائجة في زمانه، ومن البعيد جدّاً أن يتصور المخاطب أنّه سيأتي زمانٌ لن تكون الدية كافيةً في تغطية الخسارات الواردة على المجني عليه من علاجٍ وطبابة. ومن هنا لا نستطيع إثبات أن المتكلِّم كان في مقام بيان كلّ المصاديق، ومتعرِّضاً لكل القيود التي تتعلَّق بمتعلَّق الحكم والموضوع، وخصوصاً إذا قصد بالإطلاق هنا الإطلاق المقامي، وحينها لن يكون للإطلاق اللفظي أيّ اعتبار.

ولعلّ سكوت الروايات عن الخسارات الزائدة على الدية كان بسبب أنّ الدية كانت تغطي جميع المصاريف والتكاليف، بل لعل قيمتها ومقدارها كان أكثر مما يحتاج إليه المجني عليه، ما يعني وجود مقتضى ضمان تكاليف العلاج والدواء، وهذا يعني تعيين الشارع لهذا الضمان ضمن المقدار الذي عيَّنه. وبالتالي لا توجد حاجة إلى ذكر وجوب أداء تكاليف العلاج ومختلف الخسارات إلى جانب المقدار الثابت موضوعاً.

أو يُقال، كما ذهب إليه بعض الفقهاء: إن سكوت الروايات يطرح احتمالاً آخر، مفاده أنّ الروايات إنما تنظر إلى ما يلحق البَدَن المجني عليه من عيوب ونقائص إثر الجرم والمعصية المرتكبة في حقّه، ولا تنظر إلى الخسارات الأخرى المالية والمادية التي قد تلحق بالمجني عليه([70]).

أما إذا قلنا بالماهية الجزائية للدية، أو أن الدية ذات ماهية في جبران الضرر، ولكنْ بشكلٍ تكون فقط في صدد جبران الخسارات الواردة على البَدَن، نستطيع إعطاء توجيهٍ آخر لسكوت الروايات، وهو أن جبران الإضرار والخسارات، كذهاب المال أو تكاليف ومصاريف العلاج، يحتاج إلى معيارٍ وملاك آخر غير الموجود في تعيين الدية. وهذا هو السبب في عدم ذكر روايات الدية لضمان الأموال (كثَمَن اللباس) التي فقدت أثناء الجرم، أو جبران الأضرار والخسارات التي نشأت عن الجرم، وعدم الإشارة إليها. فإذا كانت مصاريف العلاج محسوبةً على النقص في الأموال، أو كانت الخسارات الواردة على المجني عليه خارج البَدَن تُحسَب على الجانب المالي، وليست محسوبة على الأضرار التي لحقت المجني عليه في بَدَنه، كنقص العضو وحصول العيب فيه، فالظاهر أنّ الروايات خارجةٌ موضوعاً عن الكلام فيها؛ لأنها إنما نظرت إلى العيوب والنقائص التي تلحق بالبَدَن، وليس كلّ الخسارات الأخرى الخارجة عن البَدَن بما هو بَدَن. ومن هنا فسكوت الروايات لا يُعتبر دليلاً على انتفاء الضمان في ما عدا أضرار البدن.

وبالإضافة إلى ما سبق، ولكلّ الاحتمالات المطروحة، لا يوجد شيءٌ نرى أن الشارع قد ردَّ به أو نفى به عدم وجود الضمان بالنسبة إلى ما زاد على الدية. ووجود أدلة باب الضمان في المسألة مؤيِّد آخر على مدَّعانا.

لكنّ المسألة المهمة في النظر القائل بلزوم جبران كلّ الخسارات أن ليس كل خسارةٍ تقبل المطالَبة بجبرانها، بل هناك ضوابط في ما يخصّ شروط قبول المطالبة بالخسارة، وتحميل مسؤوليتها للجاني، كوجود الضرر، ارتكاب فعل يسبِّب الإضرار والخسارات، الارتباط السببي المباشر بين الفعل والخسارة. أما الخسارات الناشئة عن السقوط أثناء التدريب، أو أثناء العمل، حيث تتعرَّض منافع للضرر، من غير أن يكون هناك ربطٌ مباشر، فلا مجال للمطالبة بالضمان. بينما إذا تعرَّضت منفعة يقطع بالحصول عليها إلى الاضمحلال والانتفاء بواسطة فعل الجاني مباشرة، كأن يكون فعل الجاني سبباً في منع المتضرِّر من الحضور في معاملةٍ مقرَّرة، و…، يمكن أن تؤخَذ بعنوان الضرر المسلَّم والقطعي، ويكون الفاعل ضامناً للخسارات الواقعة.

 

2ـ تقييم الشارع للدية

يرى المخالفون لإمكان المطالَبة بالخسارة الزائدة على الدية أنّ قدر الدية أمرٌ تعبُّدي. وإذا نظرنا إلى الدية من باب الجبران، وأردنا بذلك إثبات لزوم جبران الخسارة الزائدة على الدية على الجاني، فسنُواجَه بمانعٍ مفاده أنّ مقدار الدية معيَّن من طرف الشارع المقدَّس، وأيُّ تغيير في هذا القدر والمقدار يعتبر اجتهاداً في مقابل النصّ([71]). وهذا هو السبب الذي منع العديد من الفقهاء المعاصرين من قبول القول بالضمان في ما زاد على الدية.

 

نقد الاستدلال

 نستطيع القول: إنّ تعبُّدية مقدار الدية ـ والذي نقبله بدورنا ـ يختلف في الأساس عن تعبُّدية تسديد الدية، حيث لا يمكن القول: إن تعبُّدية الثاني نستخلصها من مجرّد سكوت الروايات، وخصوصاً أن بعض الروايات قد صرَّحَتْ بضمان مصاريف وتكاليف العلاج ضمن تصريحها بالدية، ونذكر منها: رواية أبي مريم، عن الإمام أبي جعفر الباقر×، أنه قال: «قضى أمير المؤمنين× أنْ لا يحمل على العاقلة إلاّ الموضحة فصاعداً، وقال: ما دون السِّمْحاق أجر الطبيب سوى الدية»([72]).

لذلك وكما بيّنّا في نهاية بحث ماهية الدية، وفي الجواب ضمن هذا النقاش اعتماداً على الأصل الأوّلي في تقدُّم نصّ الشارع، أنّ الدية إنما جعلها الشارع لجبران مطلق الضرر البدني (فقدان النفس، أو قطع العضو، الجراحات، وتفويت الانتفاع بالأعضاء). ومن خلال ذلك نستطيع القول: إنّ تعبدية مقدار الدية لا يتنافى وجبران الخسارة الزائدة عليها؛ وذلك لأن الأدلة المتعلِّقة بتقويم الشرع للدية إنّما قيّمت النفس والعضو المتعرّض للتلف، بينما لم يتضمَّن هذا التقييم الخسارات الأخرى، والتي يمكن حسابها واردة على المجني عليه.

وحتّى وفق المبنى المنتخَب، والقول المشهور الذي يذهب إلى أن الشارع شرَّع الدية لمجموع الخسارات المالية والبدنية، في هذه الحال كذلك لن يكون تقييم الشارع للدية مانعاً للضمان؛ لأنه في حال أثبتنا الضمان فإنّ أدلّته ستكون حاكمةً على أدلّة الدية. لذا فإن أحكام الدية غير قابلة لتخصيص هذه الأدلّة الفقهية. ومن هنا يصير إمكان المطالبة بالدية وما به التفاوت، أي علاوةً على الدية يؤدّي ما زاد عنها، حيث لا يمكن للدية تغطيته وجبران الضرر الذي ألحق بالمجني عليه جرّاء جرم الجاني.

كذلك ليس هناك دليلٌ على نوعية المنافع القابلة للمعاوضة بالمال وغير القابلة لتلك المعاوضة، ويبقى العُرْف هو المحدِّد لها، والمميِّز لكلا نوعَيْها. وهناك من الفقهاء مَنْ لم يقبل مقولة تعبُّدية الدية، وفق الاستدلال الذي أدرجناه سابقاً؛ إذ لا يعقل في نظرهم أن يجعل الشارع المقدَّس شيئاً كافياً لجبران الخسارات، وهو غير كافٍ في الأصل في تغطية كلّ خسارات المجني([73]). مضافاً إلى ـ وكما ذكرنا سابقاً ـ أنّ الدية في زمن الصدور كانت تغطي كلّ الخسارات المالية الواردة على المجني عليه وتجبرها. ومن هنا؛ ولعلّة تغيُّر الظروف، إذا لم نفهم ونأخذ بعين الاعتبار هدف وغرض الشارع سنعمل على تضييع حقوق الآخرين.

وإنْ قلنا: إن الشارع جعل الدية لجبران الخسارات، أعمّ من المالية والبدنية، ففي هذه الحال، وفي ما يتعلَّق بمقدار المصاريف التي تعتبر اليوم زائدة عن الدية، نستطيع القول: إنه؛ وانطلاقاً من أن عنوان الدية ومقدارها حكمٌ إمضائيّ، وهو ما يعني أن الشارع استند إلى حكم العقلاء بما هم عقلاء في ذاك الزمان في تعيين ميزان الدية، والتي بمقتضى الشروط الزمانية كانت كافيةً في جبران كلّ الخسارات الواردة على المجني عليه، وهو ما يعطينا الحقّ في إيجاد ميزانٍ آخر تُحْسَب فيه مصاريف الأضرار والخسارات، نعوِّض به معيار الشارع في تحديد قيمة الدية ومقدارها.

وبعبارة أخرى: إن القبول بتعبُّدية ميزان الدية لا يعني القبول بتعبُّدية انحصار دفعها، وكما تقول القاعدة: «إثبات الشيء لا ينفي ما عداه».

 

3ـ الإجماع

الإجماع هو الدليل الثالث الذي يستند إليه المخالفون لتحميل الجاني الخسارات الزائدة على الدية. وهو الاستدلال الذي لم يقُلْ به القائلون بمسؤولية الجاني عن أداء الخسارات التي تلحق المجني عليه، من مصاريف العلاج والتكاليف المحكمة([74]).

ويرى مَنْ يستدل بالإجماع أنّ الحكم بالضمان سيجد له جواباً من خلال هذا الإجماع([75]).

 

نقد الاستدلال

بالنسبة إلى طرح الإجماع في الخسارات الزائدة على الدية لا وجود له في كتب المتقدِّمين كالدية ها . الخسارات عيين ميزان الدية و التي بمقتضى ، وإنما يدخل ضمن الطروحات المعاصرة، مع الإشارة إلى أن تحقُّق الاجماع غير مسلَّم به، بالإضافة إلى أنه ليس هناك اتّفاق في وجهات النظر بين الفقهاء والمرجعيات الحالية حوله. وكلّ ما نستطيع قوله من خلال قراءة المتون الفقهية: إن الفقهاء لم يتعرَّضوا إلى مسألة مسؤولية الجاني بالنسبة إلى مصاريف العلاج وتكاليف المحاكمات وغيرها من المصاريف الناشئة عن الخسارات التي تحصل للمجني عليه من فعل الجاني بشكلٍ مباشر. وإنّ عدم تعرضهم لهذه المسألة لا يمكنه أن يحيلنا إلى مثل هذا الإجماع.

أما في الروايات فلم نجد دلالةً لفظية على عدم الضمان لهذه الخسارات. وإن الروايات قد سكتَتْ عن الخوض في الموضوع، بل رأينا في رواية أبي مريم، عن الإمام أبي جعفر×، تصريحاً بضمان مصاريف العلاج ضمن الدية([76]).

ومن هنا فسكوت الروايات لا يدلّ على عدم ضمان الجاني للخسارات التي نشأت وبشكلٍ مباشر عن نقصٍ في بَدَنه أو عيب فيه؛ نتيجة جرم الجاني وجنايته في حقّ المجني عليه. فإذا كانت تكاليف العلاج ومصاريفه تتجاوز مقدار الدية فالروايات التي تحدَّثت عن مطلق الخسارات تجعل احتمال حقّ المجني عليه في ما زاد على الدية وارداً. ومن تلك الروايات التي تحدَّثت بشكلٍ واضح عن ضمان سلامة الآخر: رواية محمد بن الحسن بإسناده عن جعفر بن محمد، عن عبد الله بن ميمون، عن أبي عبد الله× قال: «إذا دعا الرجل أخاه بليلٍ فهو له ضامنٌ حتّى يرجع إلى بيته»([77]). وواضح أن ضمان الرجل للضيف إنّما هو ضمان لسلامته. وكذلك صحيحة الحلبي، عن الإمام الصادق×: «كلّ مَنْ يضرّ بطريق المسلمين فهو ضامنٌ لما يصيبه»([78]). وكذلك يمكن أخذ معتبرة الكناني، روايةً عن أبي الصلاح، قال: «قال أبو عبد الله×: مَنْ أضرّ بشيءٍ من طريق المسلمين فهو له ضامن»([79])، دليلاً على ضمان الخسارات الزائدة على الدية.

 

النتيجة

ـ بعد مناقشة ماهية الدية والآراء المطروحة في مسألة محدوديّة المطالبة بالخسارات الزائدة على الدية تمّ إثبات أن تشريع الدية هو من باب التعويض عن مطلق الخسارات (يعني أعمّ من الخسارة البدنية أو المالية). وفي حال تمّ إثبات إمكان المطالبة بتمام الخسارات (الخسارات التي ترتبط بشكلٍ مباشر بفعل الجاني) فإنّ الجاني سيكون ملزَماً بأداء ما به التفاوت عن مبلغ الدية.

ـ في مقام إثبات ضمان الخسارات المالية؛ واستناداً إلى الأدلّة الخاصة والعامة المطروحة في المسألة، فإن المطالبة بالخسارات أمرٌ ممكن ووارد. وبالتالي تمّ من خلال مباني إطلاق الروايات إثبات أنّ حصر التعويض من لدن الشارع فقط في الدية أمرٌ يقبل النقاش، مع بيان أنْ لا إطلاق في المقام؛ وفق الأدلّة السابقة، وإنّما الشارع قد سكت في قبل هذا التعويض، وهو ما فسح المجال لتعدُّد الأقوال في تفسير هذا السكوت واحتمالاته.

ـ في مقابل الأدلة التي تثبت الضمان هناك عدة أدلة يستند إليها المخالفون. فبالإضافة إلى انحصار الحكم بالدية، وذلك تحت عنوان «الروايات تعين الدية في الموارد التي يكون فيها الضَّرَر جسمانياً»، وأن مقدار الدية تعبُّدي، وهو ما جعل العديد من الفقهاء يستنكفون عن القول بضمان الجاني لما زاد على الدية، تمّ إثبات أن وجود تلك الروايات لا ينفي إمكان المطالبة بما زاد على الدية. فسكوت الروايات المتعلِّقة بالموضوع، والذي يرجع سببه إلى عدم ظهور مثل هذه المسألة في عصر الصدور، وكذلك تحليل الوضع الاقتصادي والاجتماعي لزمن الصدور، يقودنا إلى القول بأن مقدار الدية كان يغطي كلّ المصاريف، وبما يزيد عن حاجة المجنيّ عليه.

 

الهوامش:

(*) أستاذٌ مساعد، وعضو الهيئة العلميّة في قسم الفقه ومباني الحقوق الإسلاميّة في كلية الإلهيّات في جامعة طهران.

(**) طالبةٌ في مرحة الدكتوراه في قسم الفقه ومباني الحقوق الإسلاميّة في كلية الإلهيّات في جامعة طهران.

([1]) مرعشي شوشتري، ديدگاه هاي نو در حقوق كيفري إسلام 2: 45 ـ 42؛ أبو القاسم گرجي، الديات: 53.

([2]) شيري، سقوط مجازات در حقوق کيفري إسلام وإيران: 112.

([3]) سؤال وجواب من لجنة الاستفتاءات والمستشارين القانونيين لمجلس القضاء الأعلى 2: 8.

([4]) الخوئي، مباني تکملة المنهاج 1: 227؛ عودة، التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي 2: 484 ـ 487.

([5]) الكاساني، بدايع الصنايع في ترتيب الشرايع 10: 4671.

([6]) النظام، الفتاوی الهندية في فقه الحنفية 6: 25؛ الطرابلسي، المهذّب 2: 198؛ السرخسي، المبسوط 26: 92.

([7]) أحمد السراج، ضمان العدوان في الفقه الاسلامي: 148.

([8]) المصدر السابق: 158.

([9]) الشهيد الثاني، الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية 2: 421.

([10]) الحر العاملي، وسائل الشيعة 29: 396.

([11]) فتحي بهنسي، العقوبة في الفقه الإسلامي: 48.

([12]) الطوسي، النهاية في مجرد الفقه والفتوی 2: 531؛ الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية 2: 445.

([13]) وسائل الشيعة، ج29، باب 24 من أبواب ديات الأعضاء، ح2، 4، 5، 6.

([14]) وسائل الشيعة 29: 274، باب 36، ح2.

([15]) إدريس، الدية: 348 ـ 349.

([16]) وسائل الشيعة 29: 283، أبواب الديات فما بعد.

([17]) الخميني، تحرير الوسيلة، ج2، الميراث؛ الصافي الگلبايگاني، هداية العباد، ج2، الميراث، الأمر الثالث؛ الحسيني السيستاني، منهاج الصالحين، ج3، مسألة 957.

([18]) الطباطبائي، رياض المسائل 14: 373.

([19]) الخميني، تحرير الوسيلة 2: 553؛ الخوئي، مباني تكملة المنهاج 2: 186.

([20]) البند الأول من مادة القانون 6 الإجراءات الجنائية.

([21]) كاتوزيان، حقوق مدني، ضمان قهري، مسئوليت مدني 1: 55.

([22]) النجفي، جواهر الكلام 42: 6، 7.

([23]) عنايتي راد ومجموعة أخرى، نقد وبررسي مستندات قانون مجازات إسلامي در خون بهاي مسلمان، فصليّة (مطالعات إسلامي)، العدد 79: 155.

([24]) المرعشي، ديه وضرر وزيان ناشي أز آن، المجلّة القضائية والحقوقية (دادگستري)، العدد 14: 10.

([25]) المصدر نفسه.

([26]) نقد وبررسي مستندات قانون مجازات إسلامي در خون بهاي مسلمان، فصليّة (مطالعات إسلامي)، العدد 79 : 190.

([27]) الحسيني، مجازات مالي در حقوق إسلام: 19؛ السنهوري، مصادر الحق في الفقه الإسلامي 1: 50؛ فتحي بهنسي، العقوبة في الفقه الإسلامي: 150.

([28]) كاتوزيان، حقوق مدني، ضمان قهري، مسئوليت مدني 1: 59؛ الآشوري، آيين دادرسي وكيفري: 267.

([29]) إدريس، الدية: 347؛ السراج، ضمان العدوان في الفقه الإسلامي: 152.

([30]) مير سعيدي، ماهيت حقوقي ديه: 83.

([31]) وسائل الشيعة 29: 396، 19: 249.

([32]) المرعشي، ديه وضرر وزيان ناشي أز آن: 42.

([33]) وسائل الشيعة 29: 396، الباب 2 من أبواب العاقلة.

([34]) المصدر السابق 19: 294.

([35]) المصدر نفسه.

([36]) تكملة منهاج الصالحين 2: 548.

([37]) انظر: وسائل الشيعة 28: 300 وما بعدها، باب أنه لا بُدَّ من حسم يد السارق إذا قطع وعلاجها والإنفاق عليه حتّى تبرأ.

([38]) وسائل الشيعة 29: 274، الباب 36، ح5.

([39]) جواهر الكلام 42: 78.

([40]) الهاشمي الشاهرودي، بايسته هاي فقه جزا (مجموعة مقالات): 135.

([41]) الحسيني، بررسي مباني فقهي ضمان خسارات زائد بر ديه، فصليّة (فقه قضايي)، العدد 2.

([42]) المحقق الحلي، شرائع الإسلام: 763.

([43]) المصدر السابق: 1019.

([44]) جواهر الكلام 36: 40؛ إمامي، الحقوق المدنية 1: 408.

([45]) المراغي، العناوين 1: 323.

([46]) وسائل الشيعة 18: 243 ـ 238.

([47]) المصدر السابق 19: 189.

([48]) المصدر السابق 19: 188.

([49]) جواهر الكلام 37: 46.

([50]) المرعشي، ديه وضرر وزيان ناشي أز آن، المجلّة القضائية والحقوقية (دادگستري)، العدد 1.

([51]) الشهيد الاول، الدروس 3: 107؛ الشهيد الثاني، الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية 7: 33.

([52]) وسائل الشيعة 29: 233 وما بعدها، أبواب موجبات الضمان.

([53]) الحسيني، بررسي مباني فقهي ضمان خسارات زائد بر ديه، فصليّة (فقه قضايي)، العدد 2.

([54]) المصدر نفسه.

([55]) عميد الزنجاني، موجبات ضمان: 126.

([56]) المراغي، العناوين 2: 442؛ الطباطبائي، رياض المسائل 14: 19؛ النائيني، منية الطالب في الحاشية علی المکاسب 1: 294.

([57]) الحسيني، بررسي مباني فقهي ضمان خسارات زائد بر ديه، فصليّة (فقه قضايي)، العدد 2.

([58]) مكارم الشيرازي، القواعد الفقهية 1: 85؛ البجنوردي، القواعد الفقهية 1: 316.

([59]) وسائل الشيعة 29: 243.

([60]) المصدر نفسه.

([61]) المراغي، العناوين 1: 311.

([62]) الأنصاري، فرائد الأصول: 373.

([63]) المحمدي، قواعد فقه: 174.

([64]) الكريمي، موازين قضايي أز ديدگاه إمام خميني: 75؛ الكلبايكاني، مجمع المسائل 3: 249.

([65]) الأراكي، رسالة الاستفتاءات: 232.

([66]) وسائل الشيعة 29: 283.

([67]) الجعفري اللنكرودي، المبسوط في مصطلحات القانون 3: 2180.

([68]) النائيني، فوائد الأصول: 574.

([69]) المصدر السابق: 575.

([70]) الهاشمي الشاهرودي، آنچه كه بزهكار، أفزون بر ديه، بايد بپردازد، مجلة فقه أهل البيت (الفارسية)، العدد 5 ـ 6.

([71]) الفاضل الهندي، كشف اللثام والإبهام 2: 235.

([72]) وسائل الشيعة 19: 303.

([73]) المرعشي، ديدگاه هاي نو در حقوق كيفري إسلام: 192.

([74]) الخوئي، مباني تكملة المنهاج 2: 548.

([75]) المصدر نفسه.

([76]) وسائل الشيعة 19: 303.

([77]) وسائل الشيعة 29: 274، الباب 36، ح5.

([78]) وسائل الشيعة، ج19.

([79]) وسائل الشيعة، ج17، الباب 12.