ظاهرة الاحتياط في التراث الفقهي – المبادئ والشرعية

10 يونيو 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
4٬468 زيارة

ظاهرة الاحتياط في التراث الفقهي – المبادئ والشرعية

ترجمة: حيدر حب الله

أثارت محاضرة ألقاها الشيخ محمد إبراهيم الجناتي في مدينة إصفهان أوائل العقد الأخير من القرن الماضي جدلاً، إذ نقد فيها ظاهرة الاحتياطات في الفتاوى، وكان من أبرز الردود ما سجّله الشيخ رضا اُستادي، وقد رغبت bنصوص معاصرةv بفتح bوجهتي نظرة لمسألة واحدةv، فترجمت مقال أستادي؛ ومقالاً لجناتي جاء رداً على أستادي، يطلع القارئ عليهما تباعاً في هذا العدد.

مدخل ــــــــــ

قدّم أحد الفضلاء ــ حفظه الله تعالى ــ في الملتقى الذي عُقد في أحد المراكز العلمية في مدينة إصفهان، دراسةً حملت عنوان: bتأثير عنصري الزمان والمكان في تكوين الحكم الشرعيv، وقد احتوت هذه الكلمة على أفكار صحيحة ومتينة ذات فائدة، إلا أنها اشتملت ــ في الوقت عينه ــ على ما لا يمكن قبوله لفقيهٍ مطّلع على أساسيّات الفكر الفقهي، والمؤسف أكثر أن أسلوبها في العرض والبيان جعل فقهاء الشيعة العظام ــ رضوان الله تعالى عليهم ــ تحت المساءلة وفي موضع التشكيك.

ومن جملة الاعتراضات التي سجّلتها هذه الكلمة، عبثيّة احتياطات الفقهاء في رسائلهم العمليّة؛ فقد قيل ــ على سبيل المثل ــ : إن الشارع المقدّس حكم بصيرورة الركعات الأربع اثنتين في السفر؛ تخفيفاً على عباده وتسهيلاً لأمرهم، إلا أننا نجد في الكتب الفقهية حديثاً عن الاحتياط بالجمع بين الأربع والاثنتين.

أعتقد أن هذا التعاطي الظاهر بالصلاح يمكنه أن يترك أثراً سيئاً على أولئك الذين لا يملكون اطلاعاً كافياً أو يملكون معلومات سطحية وطفيفة، مما يدفع لفقدان ثقتهم بالفقه والفقهاء الشيعة، ذلك أنهم يرون ــ من ناحيةٍ ــ أن الإمام الخميني وسائر مراجع التقليد قد ذكروا في كتاب bتوضيح المسائلv وغيره عشرات المرات عبارة الاحتياط الوجوبي أو الاستحبابي، ثم يسمعون من أحد رجال الفضل والأساتذة أن هذه الاحتياطات توقع عباد الله في حرج وكُلفة دون وجهٍ منطقي يُذكر، كما تُساهم في تقديم صورة مستعاضة عن صورة الإسلام الحقيقي.

من هنا، أحسست أن مسؤوليّتي تتطلّب الدفاع عن الفقه وفقهاء الشيعة، بغية الحفاظ على ثقة الناس واعتقادها، وقد جعلت ذلك ضمن هذا البحث، على شكل مقاطع مركّزة، حتى أكشف خطأ الادعاء المذكور أعلاه.

أنواع الاحتياط ــــــــــ

يمكن تصوّر الاحتياطات الواردة في الرسائل العملية والكتب الفقهية لمراجع التقليد على أنحاء عدّة هي:

النحو الأول: أن يعتقد الفقيه أن مجموعة الأدلّة المتوفرة بين يديه تفضي به إلى اليقين بأن الحكم الإلهي في هذا الموضع أو ذاك هو الاحتياط، أي أن المفتي يُصدر لمقلّده فتوى بلزوم الاحتياط، وفتوى الاحتياط هذه تستمدّ شرعيّتها من الأدلّة، وهذا القسم من الاحتياط يلزم المقلّد العملَ به دون الرجوع إلى مجتهدٍ آخر.

فإذا ما توصّل المجتهد غير الأعلم ــ مثلاً ــ إلى العمل بالتخيير في حالة التعارض بين الخبرين المتعادلين، طبقاً لما فهمه من روايات باب التعارض، أما الفقيه الأعلم فتوصّل إلى أن حكم الله فيهما هو الاحتياط، ثم أفتى على وفق ما توصّل إليه بلزوم احتياط المكلّفين… فإن المقلّد لا يمكنه في هذه الحالة الرجوع في فتوى الاحتياط هذه إلى المجتهد غير الأعلم ممّن أفتى بالتخيير، ولعلّ هذا هو مقصود فقيه أهل بيت العصمة آية الله العظمى السيد الحاج أحمد الخوانساري ! من قوله: bإذا كان عدم الافتاء من جهة الخدشة والإشكال في المدرك وعدم تمامية المدارك عنده في المسألة، فلا وجه للرجوع إلى غير الأعلم؛ لأن مدرك فتواه في المسألة مخدوش في نظر الأعلم، فالمتعيّن هو الاحتياطv.

النحو الثاني: أن يستنبط الفقيه حكم المسألة من أدلّتها، فإذا قال ــ مثلاً ـ: إن الخمس في الهبات والعطايا المالية غير واجبٍ؛ فإنه يعتمد في ذلك على الحجّة والدليل، إلا أنه رغم وجود دليلٍ بين يديه على عدم وجوب الخمس يحتمل وجوبَه في الواقع، ذلك أن قيام الدليل المقطوع الحجية على عدم الوجوب لا يساوق قيام الدليل القطعي على ذلك، من هنا يعقب الفقيه فتواه بعدم الوجوب بقوله: والاحتياط الاستحبابيّ يقتضي تخميس الهبات والعطايا لو زادت عن مؤونة سنته([1]).

وفي هذا النوع من الاحتياطات يلزم على المقلِّد العمل بفتوى مرجعه أو العمل وفق الاحتياط الاستحبابي، دون الرجوع إلى فقيهٍ آخر.

النحو الثالث: أن يذهب الفقيه ــ عقب الرجوع إلى الأدلّة وبذل تمام جهده وسعيه ــ إلى الاحتياط الوجوبي بلزوم أن يكون الذكر في الركوع مرّةً واحدة إذا جاء بصيغة: bسبحان ربي العظيم وبحمدهv، وثلاث مرات إذا جاء بصيغة bسبحان اللهv ([2])، ومعنى هذا الكلام أن المجتهد لم يتمكّن من تحصيل الاطمئنان بكفاية مطلق الذكر عبر الروايات والأصول العملية.

من هنا يـخيّر مقلّديه بين العمل بالاحتياط أو الرجوع إلى مجتهدٍ آخر توصّل إلى كفاية مطلق الذكر؛ انطلاقاً من الروايات أو الأصول العملية، تماماً كالطبيب الذي لا يطمئن إلى تحديده واستنتاجه رغم ما بذله من جهد وسعي، فيُرجع المريضَ إلى طبيب آخر، مما يدلّ على التزامه الأخلاقي وأمانته الرفيعة، إن الحال في الفقيه كذلك، فانطلاقاً من تقواه وتديّنه والتزامه.. لا يفتي بشيء جازماً ما لم يحصل له اطمئنان به.

النحو الرابع: أن يمتنع الفقيه عن الإفتاء على أثر عدم مراجعته للأدلّة أو لا أقلّ من عدم المراجعة الكافية والكاملة، فيطلب من مقلّديه الاحتياط أو الرجوع إلى مجتهد آخر، بحيث يجعلهم مخيّرين في ذلك.

إننا نسأل أولئك الذين يقولون: إن هذه الاحتياطات أرهقت الناس وأثقلت كاهلهم: أي أنواع الاحتياط تقصدون؟ هل القسم الأول، وهو فتوى وليس احتياطاً، أم بقية الأقسام التي ترك فيها الناس مخيريّن لا ملزمين؟ فإذا ما مال شخص نحو الاحتياط فمن غير الإنصاف الاعتراض عليه؛ ذلك أن الاحتياط في العمل أمر حسن عقلاً وشرعاً، لا ممّا يستحق الإنسان عليه الاعتراض أو الذم، كما سنبيّن لاحقاً إن شاء الله تعالى.

اللجوء الاضطراري إلى الاحتياط ــــــــــ

إذا ما أخبر عادلٌ أن السفر يصدق على الثمانية فراسخ، فإن الاحتياط الواجب يستدعي القصر في الصلاة فيه مع الإتمام أيضاً، كما يتطلّب الجمع بين الصيام فيه والقضاء([3])، وإذا ما سافر في الأرض المغصوبة اقتضى الاحتياط الوجوبي الجمع في الصلاة بين القصر والإتمام([4]).

ولو سافر للصيد بغية كسب المال وجب الاحتياط بالجمع أيضاً([5])، وهكذا الحال في أهل البادية الذين يطوون المسافة للعثور على مكان يجعلونه منزلاً لهم ومرتعاً لحيواناتهم([6]).

وإذا ما سافر شخص إلى حدّ لم يعُد يسمع أذان البلد فيه لكنه يرى جدرانها، أو لا يرى جدرانها مع سماعه صوت الأذان لزمه الاحتياط هنا لو أراد الصلاة في هذا الموضع، وذلك بالجمع بين القصر والإتمام([7])، أما المسافر الذي يعود إلى بلده فيرى جدران بلدته ويسمع أذانها فإنه يجب عليه إتمام الصلاة، لكن المسافر الذي يقصد الإقامة عشرة أيام في مكانٍ ما، يلزمه الاحتياط بتأخير الصلاة حتى الوصول إلى منزله إذا شاهد الجدران وسمع الأذان أو يفرض عليه الجمع بين القصر والإتمام([8]).

من الواضح أن صلاة الظهر في الحضر أربع ركعات وفي السفر ركعتان، إلا أن الفقيه عندما يعجز عن تحديد كون هذا المصلّي مسافراً أو غير مسافرٍ حتى مع التمسّك بالاستصحاب، فلا مناص له عن أن ينصّ على لزوم الاحتياط بالجمع بين القصر والتمام أو الرجوع إلى مجتهدٍ آخر؛ ذلك أن هذه الحالات وأمثالها لا تجري فيها أصالة البراءة، إذ هناك علم بالتكليف، والعقل والشرع يحكمان بضرورة الاحتياط.

قد يغفل الكاتب أو المتكلّم أحياناً أو ينطلق من عناصر أخرى غير الغفلة ليقيم دليلاً على مقصوده، فيقع ضدّه منه، وعلى سبيل المثال ما لاحظناه في الملتقيات التي عقدت لدراسة النظريات الفقهية للإمام الخميني ) ــ مروّج الفقه الجواهريّ ــ بغية الاقتداء به؛ لتفادي أو إصلاح بعض الأخطاء أو النواقص التي نشاهدها في بعض المعالجات الفقهية، إذ شاهدنا أن منهج الإمام الخميني ! وآلياته في الإفتاء قد تعرّضا لنقد شديد من جانب البعض بصورةٍ غير مباشرة.

إن هذه المسائل التي ذكرناها ــ نقلاً عن رسالة الإمام الخميني العملية (الفارسية) وهي: bتوضيح المسائلv ــ والتي حكم فيها الخميني بلزوم الاحتياط بالجمع بين القصر والإتمام، قد اتخذت نقداً عليه، فادّعى بعضهم أنها مخالفة لنظر الشارع سبحانه وتعالى، عندما هدف من قصر الصلاة التخفيفَ على الناس.

وقد ذكر هذا الكاتب المواضع التي ذكر فيها الإمام الخميني في كتاب الطهارة ــ فقط ــ من bتوضيح المسائلv أكثر من مائة احتياط وجوبي، وهذا بنفسه دليل على أن الاحتياط له نظريّته وبناؤه الفقهي، وكلّ من يعتبر هذه الاحتياطات بلا مبرر فإنه يورد إشكالاً على المنهج الاجتهادي للإمام الخميني.

الاحتياط في العمل وفق المنظورين: العقلي والديني ــــــــــ

يُقصد بالاحتياط في العمل أن يتيقن المكلّف من عدم وجوب أمر ما إلا أنه يشك هل هو حرام أو جائز؟ فيتركه احتياطاً، كأن يتيقن بأن الاستماع إلى بعض الألحان والأغاني ذات الخصوصية المعينة غير واجب، فإذا لم يستمع فلا يكون قد ترك واجباً، إلا أنه يحتمل كونه جائزاً كما يحتمل كونه من مصاديق الغناء المحرّم، من هنا يحتاط ــ عملياً ــ بتجنب استماع ذلك الصوت.

وهكذا الحال لو حصل يقين بعدم حرمة أمرٍ ما، إلا أنه شُك في جوازه أو وجوبه، فإنه يحتاط بالقيام به، كأن يتيقن الإنسان بعدم حرمة غُسل الجمعة، لكنه يرتاب: هل هذا الغسل جائز (مستحب) أو واجب؟ فيحتاط بالإتيان به.

وعلى المنوال عينه، أن يتأكّد المكلّف من قيامه بما تمليه عليه الوظيفة الظاهرية للشرع، لكنه يظلّ يحتمل أن يكون الحكم الواقعي الحقيقي مختلفاً فلا يكون قد أتى به، فيقوم بالاحتياط حتى يستيقن أنه أتى بوظيفته الواقعية، وعلى سبيل المثال، قد يقوم هذا المكلّف ــ طبقاً لفتوى مرجعه ــ بأداء صلاة الجمعة يوم الجمعة في عصر الغيبة، ويكون فعله هذا هو وظيفته الظاهرية، إلا أنه في الوقت نفسه يبقى يضع احتمالاً في أن تكون الوظيفة الواقعية صلاةَ الظهر وعدم كفاية صلاة الجمعة يومها عصر الغيبة، فيحتاط هنا بالإتيان بصلاة الظهر عقب صلاة الجمعة.

أو يعلم أنه لو كان مسافراً قصرت صلاته، إلا أنه يحتاط بالجمع بين القصر والتمام في المواضع التي يتردّد فيها في تحديد كونه مسافراً أو حاضراً، فلا يدري هل تحقق فيه وصف المسافر شرعاً أم لا؟

إن هذا النوع من الاحتياطات في الميدان العملي، لا سيما ترك محتمل الحرمة، أو فعل محتمل الوجوب، يعدّ في نظر العقل والعقلاء أمراً حسناً ومستحسناً، كما يمتدحون هذا العبد ــ وهو في مقام إطاعة مولاه ــ بل يرونه مستحقاً للثواب والمكرُمة.

لقد ورد ت تأكيدات كثيرة على الاحتياط العملي في الآيات القرآنية، وفي الروايات الشريفة بشكل أكبر،وقد اعتبرته النصوص نوعاً من الضمان الذي يحفظ الإنسان من الذنوب، أي أن من يترك محتمل الحرمة أو يفعل محتمل الوجوب من البعيد جداً على مثله التورّط في الحرام البيّن أو ترك الواجب الواضح الوجوب، وهذه نماذج من تلك الروايات:

1 ــ عن الإمام الباقر %: bالوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكةv([9]).

2 ــ عن رسول الله 3: bحلال بيّن، وحرام بيّن، وشبهات بين ذلك؛ فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات، ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرّمات، وهلك من حيث لا يعلمv ([10]).

3 ــ وعن علي %: bلا ورع كالوقوف عند الشبهةv ([11]).

4 ــ وعنه % أيضاً أنه قال: bحلال بيّن، وحرام بيّن، وشبهات بين ذلك، فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم فهو لما استبان له أترك، والمعاصي حمى الله فمن يرتع حولها يوشك أن يدخلهاv ([12]).

5 ــ وعن الصادق %: bأورع الناس من وقف عند الشبهةv ([13]).

ومن الواضح أن هذا النوع من الروايات المروية عن النبي 3 وعن علي % والصادقين ‘ تدعو بأكملها للاحتياط في العمل، كما تعتبره من القيم الرفيعة بل من أهمّها، وإذا ما اعتبرنا ترك ما يحتمل وجوبه نوعاً من محتمل الحرمة فستكون هذه الروايات بأجمعها شاملةً لنوعي الشبهة، أي محتمل الوجوب ومحتمل الحرمة.

ومع هذا كلّه، كم يبدو مثيراً للعجب أن يطرح بعضهم علامات استفهامٍ حول الاحتياط!! بل يدعو الناس إلى نبذه والإعراض عنه!! فالإمام الخميني يذهب إلى كراهة اجتماع الرجل والمرأة ــ ولا محرميّة بينهما ــ في مكان خلوة، بل الاحتياط الشديد يقتضي الترك عنده([14])، وطبقاً لذلك إذا احتاط رجل أو امرأة متديّنة مسلمة في هذا الذي اعتبراه مكروهاً جائزاً، ألا يكون ذلك دليلاً على إيمانهما والتزامهما الدينيين؟! ألا يشهد ذلك على خوفهما من التورّط في الحرام؟! هل من الصحيح القول: إن الله أراد تسهيل عمل الناس وتيسيره فلماذا تقولون: اتركوا هذا العمل أو ذاك احتياطاً؟!

ونقرأ في رسالة الإمام الخميني: bيحرم نظر الرجل إلى بدن المرأة من غير المحارم، بلا فرق بين أن يكون ذلك بشهوة أو بدونها، كما يحرم النظر إلى وجهها وكفّيها مع شهوة، بل الأحوط وجوباً ترك النظر إليها ولو عن غير شهوةv ([15])، فهل إذا ما احتاط شخص وترك النظر بدون شهوةٍ يلزمنا مدحه أو ذمّه؟ ألا يحفظ ذلك الدينَ وطهارة الناس أم أن الأفضل القول: إن الشارع سبحانه قد سهّل أمر شريعته فلا تعقّدوا الأمور؟

وخلاصة القول: إن الاحتياط في مقام العمل مستحسن محمود في العقل والشرع، وموجب لبلوغ الكمالات النفسانية، بل هو اقتداء واتّباع لأولياء الله سبحانه، ممن يجتنبون ــ على الدوام ــ المشتبهات فضلاً عن الشبهات والمعاصي، وإذا ما استطاع مجتمعنا أن يبلغ ــ يوماً من الأيام ــ مرتبة يصحّ القول عنه فيها: إنه مجتمع محتاط، فإن ذلك سوف يكون أكبر مفخرةٍ لمجتمعٍ إسلامي.

حُسن الاحتياط في الدين ــــــــــ

ثمّة في مصادرنا الحديثية روايات دالّة على حُسن الاحتياط في تمام ما يتعلّق بالدين وشؤونه، وبعبارةٍ أخرى يلزم حفظ الذات من سوء الأحداث عبر ممارسة الاحتياط.

1 ــ عن رسول الله 3: bمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينهv ([16]).

2 ــ وعنه 3: bدع ما يريبك إلى ما لا يريبك؛ فإنك لن تجد فقدَ شيء تركته لله عزوجلv ([17]).

3 ــ وعن علي %: bأخوك دينك، فاحتط لدينكv ([18]).

4 ــ وعن الإمام الصادق %: bلك أن تنظر الحزم، وتأخذ بالحائطة لدينكv([19]).

5 ــ وعن أحدهم (: bليس بناكب عن الصراط من سلك سبيل الاحتياطv([20]).

6 ــ وعن الإمام الصادق %: bخذ بالاحتياط في جميع ما تحبّ إليه سبيلاًv([21]).

7 ــ ويُسأل الإمام الكاظم % عن وقت صلاة المغرب والإفطار في شهر رمضان المبارك فيجيب: bأرى أن تنظر حتى تذهب الحمرة، وتأخذ بالحائطة لدينكv ([22]).

وبناءً عليه، يلزمنا أن نكون من أهل الاحتياط كلّما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، كما يلزمنا دعوة الناس أن يكونوا كذلك، وبذلك نضمن لهم ولنا ديننا ونحفظه، والحالة الوحيدة التي لا يكون فيها الاحتياط مطلوباً ولا مرغوباً فيه شرعاً، نتيجة مصالح أهمّ، ونتيجة لوازم سيئة غير مرضية يحتمل أن يجرّها هذا الاحتياط.. هي الطهارة والنجاسة، فالشارع لم يرغب بالاحتياط فيهما، من هنا، يقول السيد محمد كاظم اليزدي الطباطبائي (1337هـ) في bالعروة الوثقىv: bطريق ثبوت النجاسة أو التنجّس العلم الوجداني أو البينة العادلة، وفي كفاية العدل الواحد إشكال، فلا يُترك مراعاة الاحتياط، وتثبت أيضاً بقول صاحب اليد، بملك أو إجارة أو إعارة أو أمانة، بل أو غصب، ولا اعتبار بمطلق الظن وإن كان قوياً، فالدهن واللبن والجُبن المأخوذ من أهل البوادي محكوم بالطهارة وإن حصل الظن بنجاستها، بل قد يقال بعدم رجحان الاحتياط بالاجتناب عنها، بل قد يكره أو يحرم إذا كان في معرض حصول الوسواسv.

قاعدة الاحتياط من مآخذ الفتوى ــــــــــ

يلزم ــ لاستنباط أيّ حكم من أحكام الشرع المقدّس ــ الرجوع في البداية إلى الكتاب والسنّة؛ لأخذ حكم الله تعالى منهما، إلا أنه كلّما لم نعثر على آية قرآنيةٍ على الحكم أو لا تكون دلالتها واضحةً فيه، وكذا في الرواية، بحيث لا تكون دلالتها ظاهرة أو يكون سندها غير تام، أو تكون صادرةً على نحو التقية أو مردّد أمرها بحيث لا يحصل وضوح ولا اطمئنان بها، وهكذا نفقد الإجماع أو الشهرة التي يمكنها أن تكون حاكيةً عن السنّة الشريفة، كما نفقد بناء العقلاء الذي يعدّ حجة عندما ينضمّ إليه إمضاء الشارع وتقريره له، وعدم ردع المعصومين ( عنه..

في حالةٍ من هذا النوع، يلزمنا الرجوع ــ في المرحلة الثانية ــ إلى الأصول العملية، ذلك أن القانون العام يقضي بأن الأصل دليلٌ حيث لا دليل، أي أنه في كلّ حالةٍ لم يتوفر كتابٌ ولا سنّة تجيب عن تساؤلنا الفقهي، فلا بد أن يكون المجيب هو الأصل العملي.

وتعني الأصول العملية ــ وهي أربعة ــ الاستصحاب (وعندما تصل النوبة إليه فهي لا تبلغ الأصول الثلاثة الأخرى الباقية)، والبراءة، والاحتياط، والتخيير، فعندما يدور الأمر بين محذورين فالمورد مورد تخيير، كأن يحصل للإنسان يقين بوجود تكليف ما في هذه الحالة، لكنه لا يعرف هل هو وجوب الإتيان بعملٍ في زمان خاص أو حرمة فعله في هذا الزمان، ويقال لهذه الحالة ــ اصطلاحاً ــ : دوران الأمر بين المحذورين، فالمكلّف مخيّر بين القيام بهذا العمل وتركه؛ ذلك أن الاحتياط في حالةٍ كهذه غير ممكن إطلاقاً.

أما إذا حصل عندنا شك في التكليف، كأن يشك الإنسان هل الإقامة للصلاة ــ بعد الأذان ــ واجبة أم لا؟ فإن أصل البراءة يقضي بعدم الوجوب، أو يتردّد ويشك هل تجب صلاة أوّل الشهر أم لا؟ وهنا أيضاً يحكم بعدم الوجوب، استناداً إلى أصالة البراءة.

أما في حالة الشك في المكلّف به، مع العلم بأصل وجود التكليف وإمكان الاحتياط، فيلزم فيها الاحتياط، ومثال ذلك أن يعلم شخص أنه يجب عليه إقامة صلاة الظهر، أي أن مبدأ التكليف بصلاة الظهر معلوم، إلا أنه وقع في حالةٍ لا يدري فيها أهو مسافر أم حاضر؟ وهذا معناه أن لديه شكاً في المكلّف به، فهل يلزمه الإتيان بأربع ركعات أم بركعتين، كما أن الاحتياط ممكن هنا، فليس الوضع من حالات دوران الأمر بين المحذورين، وعليه يلزم الإفتاء بلزوم الاحتياط بالجمع بين الصلاتين بالنسبة للمجتهد، والجمع عملياً بينهما بالنسبة للمكلّف المبتلى بالحالة المذكورة.

وهذا معناه أن الاحتياط يمكن أن يكون مستنداً للفتوى في بعض الحالات، إما بحكم العقل، أو بحكم الشرع والعقل معاً، وإذا ما أراد فقيهٌ أن يتخلّى عن الاحتياط بشكل تام، وأن لا يأتي على ذكره بتاتاً ففي فقاهته واجتهاده شك، تماماً كما إذا أراد التخلّي عن أصالة الاستصحاب أو البراءة.

وتجدر الإشارة إلى أن فقهاءنا في كثير من الموارد رغم تمكّنهم من الاستناد إلى أصالة البراءة ظاهراً إلا أنهم يحتاطون، ولا يبدون إفتاءً يستند إلى البراءة، وهذا شاهد من شواهد التزامهم وتديّنهم، كما سنشير إليه قريباً.

ظاهرة الاحتياط في الفتوى ــــــــــ

جاء في بعض أخبار الملاحم الغيبية أنه يأتي زمان يعدّ فيه المعروف منكراً، إن واحداً من مصاديق هذا الأمر هو الاحتياط في الفتوى، ذلك أن الفقهاء كانوا على الدوام متواصين بالاحتياط فيها، وكلّ تاريخنا الفقهي يؤكّد أن فقهاءنا العظام والمنافحين الأساسيين عن الإسلام والمذهب الشيعي كانوا يتبعون في ذلك الكلمات النورانية للرسول الأكرم 3 والأئمة الأطهار (، أما اليوم فنجد من بات يعدّ هذا المعروف منكراً.

يكتب الفقيه المغفور له الحاج ملا أحمد النراقي، صاحب كتاب مستند الشيعة، أحد أفضل الكتب الفقهية الاستدلالية عندنا، في نهاية إجازته لأخيه bآغا كوجكv مؤلّف شرح إرشاد العلامة الحلي، والمتوفى عام 1268هـ، يقول: bوأشترط عليه أيّده الله ما اشترط عليّ مشايـخي من التثبّت والاحتياط في الفتوى والعمل؛ ليطمئن من الوقوع في مهاوي العثرة والزللv ([23]).

وفي إجازة الشيخ الأنصاري يكتب: bوأشترط عليه ــ أيّده الله بتأييده ــ ما اشترط عليّ مشايخي العظام من التثبت في القول والعمل؛ ليطمئن من الوقوع في مهاوي العثرة والزلل، وسلوك سبيل الاحتياط المنجي عند المرور على الصراط، وأن لا ينساني من الدعاء عند الخلواتv ([24]).

ويكتب الشيخ كاظم الشيرازي، أحد تلامذة الميرزا محمد تقي الشيرازي (المعروف بالميرزا الثاني) في إجازته لبانوي إصفهاني صاحبة كتاب bأربعين هاشميةv: bفلها العمل بما استنبطت من الأحكام.. وعليها بالاجتهاد وسلوك طريق الاحتياطv([25]).

كما يكتب العلامة المجلسي في بعض إجازاته لبعض طلابه وتلامذته: bوأخذت عليه ما أخذ عليّ من ملازمة التقوى، وسلوك سبيل الاحتياط في النقل والعمل والفتوىv، كما يكتب أيضاً: bأوصيه بما أوصيت به من ملازمة التقوى، ورعاية الاحتياط التام في النقل والفتوى؛ فإن المفتي على شفير جهنّمv، وأيضاً: bوآخذ عليه ما أخذ عليّ من ملازمة التقوى، ورعاية نهاية الاحتياط في النقل والفتوىv، وأيضاً: bوأوصيه بما أوصيت به من ملازمة تقوى الله سبحانه في جميع الأحوال والأزمان، ودوام مراقبته في السرّ والإعلان، وسلوك مسلك الاحتياط في جميع الأمور، لا سيما في النقل والفتوىv ([26]).

ويكتب الفاضل الهندي صاحب الكتاب القيّم bكشف اللثامv في نهاية هذا الكتاب يقول: bووصيتي إلى علماء الدين وأخواني المجتهدين.. إذا ثنيت لهم الوسائد، وقصدوا الإفتاء، لم يقطعوا في الخلافيات، بجواب وإن ظنوا الصواب، وليس لنا إلا الاحتياط في الدين، ومجانبة المجازفة والتخمينv ([27]).

وفي آخر إجازته لأحد طلابه، يكتب المولى محمد تقي المجلسي: bمراعياً للاحتياط في النقل والفتوىv ([28])، كما يكتب أستاذ المولى عبدالله التستري آخر إجازته له يقول: bمأخوذاً ما أخذه الله عليّ من ملازمة التقوى، والاحتياط في الفتوى، ومراقبته على الوجه الذي يُرجىv ([29]).

أما الشهيد الثاني (965هـ) فيكتب في إجازته لوالد الشيخ البهائي: bوآخذ عليه في ذلك بما أخذ عليّ من العهد بملازمة تقوى الله سبحانه فيما يأتي ويذر، ودوام مراقبته، والأخذ بالاحتياط التامّ في جميع أموره، خصوصاً في الفتيا، فإن المفتي على شفير جهنمv ([30]).

وفي رواياتٍ شوهدت بخط الشهيد الأوّل , جاء: عن أبي عبدالله %: bخذ بالاحتياط في جميع أمورك ما تجد إليه سبيلاً، واهرب من الفتيا هربك من الأسد…v([31]).

من هنا، كان ابن طاووس ــ صاحب كتاب الإقبال ــ وهو من علمائنا الكبار الذين يشهد لهم الجميع بالطهارة والقداسة… يقول: إنني لم أرد ميدان الفتيا، خوفاً من أن أذكر حكم الله اشتباهاً عن غير قصد، فأكون من مصاديق الآية الشريفة: >ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل<([32]).

وهذا هو ما يدفع الفقيه في كثير من الحالات إلى الاحتياط مع إمكان أخذه بأصالة البراءة؛ ليحكم بالجواز، أو الحلية، أو عدم الحرمة، أو عدم الوجوب.. نعم، قد يكون هذا الاحتياط منه وجوبياً تارةً واستحبابياً أخرى، وكلّ واحدٍ منهما له ملاكه ومبرّره، لم يصدر جزافاً أو يُذكر اعتباطاً، والمسائل الاحتياطية الوجوبية الناتجة عن عدم مراجعة المصادر يفترض أن تكون نادرة جداً، فإنهم إنما يفتون أو يحتاطون عقب مراجعة المصادر ودراسة الموضوع.

أفرضوا أن فقيهاً بحث مفصّلاً في موضوع طهارة أو نجاسة أهل الكتاب، فتوصّل ــ عبر الجمع والتوفيق بين الروايات ــ إلى طهارتهم الذاتية، فإذا ما قيل بضرورة اجتنابهم فإن ذلك لم يكن إلا لنجاستهم العرضية الطارئة عليهم وعلى أبدانهم، كشربهم الخمر أو أكلهم لحم الخنزير، وبعبارة موجزة ما ورد مما يوحي بنجاستهم إنما كان لعدم تورّعهم عن النجاسات، لكن هذا الفقيه ــ رغم ذلك ــ يرى فتاوى قدماء فقهاء الشيعة قائلةً بالنجاسة، فهل يصحّ ذمّه على الاحتياط في فتواه أم المفروض مدحه؟!

جاء في خاتمة الرسالة التي حملت اسم bطهارة الكتابي في فتوى السيد الحكيمv، ومؤلّفها هو مخاطبنا الرئيس في هذا المقال: bإن ما جاء في هذا الجزء من طهارة الكتابي الذاتية إنما هو على ضوء القواعد العلمية الفقهية، وأما الاحتياط في مقام الفتوى ــ لمن يقول به ــ فلأجل أن في مخالفة الشهرة جرأةً والاحتياط طريق النجاةv.

نعم، فلولا الجوّ المشحون، والوقوع تحت تأثير أشخاص غير مطّلعين، بل مغرضين، لكان لا بد لنا أن نكتب هذا الذي كتبناه قبل عشرين عاماً في هذه الرسالة، وأن لا نخشى أحداً، كما كانت الحال عليه في القرن السابق أو القرون الثلاثة السابقة أو الألفية التي مضت، بل نقول ــ بكل جرأة وطمأنينة ــ : إن للاحتياط مكانته وقيمته، وأيّ فقيه يمرّ على الفقه بانياً على ترك الاحتياط فلا بد أن تثار علامات الاستفهام حوله.

من هنا كان الإمام الخميني ! ــ رغم كلّ آرائه التي استقلّ بها ــ مصرّاً على الاحتياط، لم يرفع يده عنه، واجباً كان أو مستحباً، في ثنايا كتاب bتحرير الوسيلةv، ليُعلمنا بذلك أن الفقه الجعفري والفقه التراثي والفقه الجواهري يقوم في منهجه على ذلك، وأنه لا يجوز لنا الانحراف عنه أو الانصراف.

ويصل بنا البحث عن بعض المواضع التي ربما يخلق فيها الاحتياط مشكلةً، فما هو العمل في هذه الحال؟ وماذا يتطلّب الموقف من الفقيه المجتهد أو مرجع التقليد، أو الحاكم الشرعي أو المتصدّي لمنصب ولاية الفقيه؟

الاحتياط وإشكالية الحرج والمشقة ــــــــــ

ربما يتصوّر أحياناً أو يقال: إن احتياطات مراجع التقليد تفضي إلى إلقاء الناس في الحرج والارتباك، مما يحوّل الشريعة السهلة السمحة إلى مجموعة من الأحكام الصعبة الشاقة المضنية، بل قد تؤدي ــ بالنسبة لمجتمع ديني مثل مجتمعنا الإيراني الذي يريد إدارة بلاده طبقاً لأحكام الشريعة ــ إلى خلق مشكلات لمسؤولي البلاد وإعاقة أعمالهم،وفي نهاية المطاف، خلق أزمات لعامّة أفراد الأمّة.

ولكي نجيب عن هذا المقول يجب إلفات النظر إلى نقاط عدّة:

أولاً: لا يعني الاحتياط الواجب إلزاماً بالعمل، بل ــ وكما أشرنا من قبل ــ تخييراً بين الأخذ بالاحتياط أو الرجوع إلى فقيهٍ آخر، وعليه فإذا نصّ أحد مراجع التقليد على احتياط وجوبي يقضي بإسدال النساء الستر على وجههنّ، وكنتم ترون أن هذا الاحتياط يخلق مشكلةً في العصر الحاضر، فإن حلّ هذا المشكل يكمن في الرجوع إلى فتوى مجتهدٍ آخر يكون هو الأعلم بعد مرجع التقليد الذي تعملون برأيه، فإذا قال بعدم وجوب ستر الوجه والكفين ارتفع المحذور، إلا إذا كان المجتهدون الجامعون لشرائط الإفتاء قد احتاطوا جميعاً، فإن هذا يغدو أشبه بالفتوى الملزمة بستر الوجه، يجب العمل بها، والسؤال عن العمل في حال صيرورة الفتوى ــ لا الاحتياط ــ مشكلاً في حدّ نفسها يتطلب موضوعاً آخر منفصلاً عن بحثنا هنا.

ثانياً: قد تولّد احتياطات المجتهدين في بعض الأحيان مشكلةً أو مشكلات لعامّة الناس وآحاد المجتمع، إلا أن ذلك ليس بالقاعدة العامة المطّردة، ففي مناسك الحج التي كتبها الشيخ مرتضى الأنصاري (1281هـ) على أساس الاحتياط، احتياطاتٌ كثيرة، إلا أنه ومنذ تأليفها اتّبع مراجع التقليد الذين أتوا بعده ــ في غالبيتهم ــ منهجه وما توصّل إليه، ولهذا كانت مناسكهم مبنيةً على الاحتياط بدرجةٍ أو بأخرى، من هنا كان أداء الشيعة الحجّاج طيلة قرن ونصف مضت قائماً على ذلك، إلا أننا لم نسمع شيئاً عن أيّ معضلٍ واجههم، بل إننا نواجه مشكلات مسبّبة عن كثرة الحجّاج في الذبح بمنى، والصلاة خلف مقام إبراهيم، والسعي بين الصفا والمروة في الطابق الثاني وما شابه ذلك من موضوعات، وهي مشكلات لاحظنا أن مراجع التقليد قاموا بحلّها، وأنهم لم يرضوا بإيقاع الناس ــ في أيّ موردٍ من الموارد ــ في الحرج والمشقة.

ثالثاً: تتحوّل الكثير من الاحتياطات الواجبة ــ بمرور الزمان وإثر تقدّم البحوث الفقهية ــ إلى فتوى أو احتياطٍ استحبابي، إلا أن المعترضين يرون ذلك شاهداً على مقالتهم، فقد قيل سابقاً: إن الأحوط أن تكون صيغ المعاملات باللغة العربية، كما كتب في الرسائل العملية أن الاحتياط الوجوبي يقتضي أن تكون صيغة عقد الزواج باللغة العربية، وإذا ما كان الزوجان غير عربيين فإن عليهما اتخاذ وكيل عنهما لإجراء صيغة العقد، أما اليوم فتصرّح الرسائل العملية بصحة تمام العقود بغير اللغة العربية، بما في ذلك الزواج عندما لا يكون طرفا العقد عالمين بالعربية، حيث يمكنهما إجراء العقد باللغة التي يعلمانها كالفارسية، فهل من الصحيح أن نذكر هذه القضايا على أنها إشكال يسجّل على الرسائل العملية؟!

رابعاً: واليوم تقع البلاد والعباد والمجتمع بستة وخمسين مليون شخص (إيران) تحت إشراف الوليّ الفقيه، فأنصفوا! أيّ من تلك الاحتياطات الواجبة سبّبت مشكلةً للناس والوطن، هل فعلت ذلك الاحتياطات الواجبة للإمام الخميني ,، فلماذا نرفع شعاراً بلا معنى؟! هل مشكلة النساء اليوم في الاحتياط الوجوبي القاضي بضرورة ستر الكفين؟! هل يُشكل ستر الكفين أزمةً للبلاد؟!

كلا، إن المشكلة في أن الكثير من النساء والفتيات قد سقطن تحت تأثير الثقافة الغربية، وعادات الغرب وتقاليده، وهو عدوّنا التاريخي، وإن علينا أن نطيح بهذه الثقافة ونقتلعها بإذن الله تعالى، لا أن نتوهم أن الإفتاء بعدم لزوم ستر الوجه والكفين (وقد أفتينا) هو ما يحلّ مشاكلنا وأزماتنا.

التحامل على الفقهاء لأغراض أخرى ــــــــــ

ونحاول في نهاية مقالتنا هذه تغيير مخاطبنا؛ ذلك أن من كنا نتحدّث معه سابقاً لسنا على شك في أنه لا يقصد ما سنقوله الآن، بل نتحدّث مع أولئك الذين ينتقدون أحياناً الفقه ومناهج الاستنباط، والفقهاء العظام للشيعة واحتياطاتهم، إنني هنا أقف ناصحاً لهؤلاء ببضع كلمات:

لقد توصّلنا ــ عبر مراجعتنا لمجموع ما كتبه هؤلاء وقالوا ــ إلى أنهم يهدفون ترويج بعض الأعمال التي يرونها جائزةً، دون أن يكون لديهم أي التزام بفتاوى مراجع التقليد دامت بركاتهم، فهم يبحثون ــ لكلّ أمرٍ ــ على فقيه من الماضين أو المعاصرين يتناغم معهم وتتلائم كلماته مع آرائهم، فيكرّرون كلامه، ويسمّونه الإسلام الواقعي.

إلا أننا نرى أن هناك فرقاً بين البحث الفقهي للفقهاء والمختصّين حول صناعة التماثيل وبيعها وشرائها واقتنائها بحيث ينظرون هل تغيّر الموضوع اليوم عن سابقه ليكون له حكم آخر أم بقي على حاله ليبقى حكمه..؟ وبين النزوع نحو التحليل والتجويز، ليكون ذلك ــ في مثالنا ــ أمراً مسلّماً، حتى يجدوا في كلمات الفقهاء ما يدعم قولهم هذا ورغبتهم هذه.

ثمة اختلاف بين أن نقول: يلزم البحث في المسائل المستحدثة والمستجدة، مع الأخذ بعين الاعتبار كلمات المتخصّصين فيها، وأن نصدر من البداية حكماً وفتوى، ثم ننتظر ما يؤيد فتوانا هذه من الفقهاء، إن الفرق بين الحالين كبير جداً.

إن المفترض بنا أن نفكّر ونحن نعيش في محيطٍ كمحيطنا: كيف يمكن اتخاذ سبيل أفضل لدفع النساء نحو الستر بمفهومه الحقيقي في الإسلام المحمدي! لا أن نعقد ندوات وملتقيات لإبداء bالشادورv لباساً غير إسلامي، بحجة أنه كان قبل الإسلام أيضاً، مع أن bالشادورv من أفضل أنواع اللباس والستر للنساء، ونتوهّم أننا بذلك نقنع لابسات الشادور بتركه، وأنتم تعرفون كم هو الفرق الكبير بين هذا اللباس وتلك الألبسة المثيرة للشهوة إلى أبعد الحدود.

ويصل بنا الكلام إلى الحديث عن الموسيقى وتحديد أيّ من أنواعها هو المطرب وأي منها لا يكون كذلك بل يكون جائزاً، أو تلك المباحث الفقهية القائمة على مستندات وأدلّة والتي تبحث حول الغناء وارتباط حرمته بحرمة محتواه أم أن الحرمة متصلة بكيفية الصوت وإيقاعه الموسيقي، إن هذا المنطق في درس الموضوعات الفقهية يختلف تماماً عن النمط الذي ينفي حرمة هذه الأشياء، ويسخر من أي عُلَب العطار جاءت هذه الفتاوى؟ ويدّعي أن الإسلام قد انقلب على يد هؤلاء وتغيّر؟ ذلك أن الإسلام محبّ للفن وللجمال، بل يروّج لهما…

إن المؤمن المتدين الثوري هو الذي لا يتدخّل في غير اختصاصه، حتى لو أمكنه تهيئة أرضية هذا البحث للفقهاء، إن المتخصص والفقيه والمتدين والثوري هو الذي:

أولاً: لا يسيء الأدب مع الفقهاء والعظماء حماة الإسلام المقدّس منذ ألف عام، وحافظي التشيع الأصيل.

ثانياً: أما في الأبحاث التي يرون أنفسهم فيها أصحاب رأي، فعليهم أن يحترموا آراء الآخرين،وأن لا يستبدلوا البحث مع أصحاب الرأي الآخر بإثارة الدراسات الخلافية في المحافل العامة، وفي حضور عامة الناس وعوامهم فقط، دون أن يكون هناك طرف آخر.

ثالثاً: وإذا ما فعلوا ذلك، فعليهم أن يصرّحوا بأن هذا مجرّد رأي من الآراء، وأن على الناس اتباع مراجعهم في قضاياهم الشرعية، أما فيما يرتبط بالبلاد عامة والوطن ككل فإن عليهم اتباع قائدهم والولي الفقيه.

*    *     *

الهوامش



(*) المدير السابق للحوزة العلمية في مدينة قم، باحث ومحقق في التراث الإسلامي.



[1] ــــ الإمام الخميني، توضيح المسائل (فارسي)، المسألة: 1753، طبعة بنياد بزوهشهاي إسلامي، آستان قدس رضوي.

[2] ــــ المصدر نفسه، المسألة 1028.

[3] ــــ المصدر نفسه، المسألة 1275.

[4] ــــ المصدر نفسه، المسألة 1298.

[5] ــــ المصدر نفسه، المسألة 1301.

[6] ــــ المصدر نفسه، المسألة 1305.

[7] ــــ المصدر نفسه، المسألة 1318.

[8] ــــ المصدر نفسه، المسألة 1319.

[9] ــــ وسائل الشيعة 18: 112.

[10] ــــ الكليني، الكافي 1: 67.

[11] ــــ نهج البلاغة، الخطبة: 87.

[12] ــــ الصدوق، من لا يحضره الفقيه 4: 53.

[13] ــــ الحر العاملي، وسائل الشيعة 18: 118.

[14] ــــ الخميني، توضيح المسائل، المسألة 889.

[15] ــــ المصدر نفسه، المسألة 2433.

[16] ــــ وسائل الشيعة 18: 127.

[17] ــــ المصدر نفسه: 124.

[18] ــــ أمالي الشيخ الطوسي: 68.

[19] ــــ جامع أحاديث الشيعة 1: 90، الطبعة الرحلية.

[20] ــــ المصدر نفسه.

[21] ــــ المجلسي، بحار الأنوار 2: 260؛ والري شهري، ميزان الحكمة 2: 548.

[22] ــــ وسائل الشيعة 18: 122، نقلاً عن تهذيب الأحكام للطوسي.

[23] ــــ انظر: التستري، قاموس الرجال، المجلّد الحادي عشر.

[24] ــــ زندكاني شيخ أنصاري: 129.

[25] ــــ علماء معاصرين: 314.

[26] ــــ راجع كتاب إجازات العلامة المجلسي.

[27] ــــ اختصرنا عبارته.

[28] ــــ بحار الأنوار 107: 84.

[29] ــــ المصدر نفسه 106: 93.

[30] ــــ المصدر نفسه 105: 170.

[31] ــــ وسائل الشيعة 18: 127.

[32] ــــ انظر: إجازات البحار: 18، الطبعة الحجرية.