علاقة علم الأصول بالعلوم الأخرى

13 فبراير 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬278 زيارة

علاقة علم الأصول بالعلوم الأخرى

ودور الشهيد الصدر في تطويرها

د. الشيخ عبد الهادي الفضلي(*)

موضوع البحث

يحاول البحث إلقاء الضوء على دور أستاذنا الكبير المغفور له الشهيد الصدر في تطوير موضوع علاقة علم أصول الفقه بالعلوم والمعارف الأخرى، لتشمل العلوم الاجتماعية، بما يُعَدّ من تجديداته في الدرس الأصولي المعاصر.

عناصر البحث

1ـ أهمّية علم أصول الفقه.

2ـ ظاهرة التفاعل بين العلوم.

3ـ علاقة علم الأصول بالعلوم الأخرى عند الأصوليين.

4ـ انطلاقة التجديد الأصولي عند الشهيد الصدر.

5ـ تجديده في تصنيف المواد الأصولية.

6ـ تجديده في إضافة عنصر التطبيق الأصولي.

7ـ تجديده في توسيع دائرة علاقة علم أصول الفقه بالعلوم الأخرى، لتشمل العلوم الاجتماعية.

8ـ مثالان لذلك، من خلال المقارنة بدراساتٍ سابقة عليه؛ للتوضيح والتوثيق، وهما:

أـ تعريف الحكم الشرعي.

ب ـ علاقة اللفظ بالمعنى.

أهداف البحث

 يهدف البحث إلى:

1ـ بيان دور حوزة النجف العلمية في التطوير الأصولي، من خلال بحوث ودراسات الشهيد الصدر.

2ـ بيان الانفتاح العلمي في دراسات الشهيد الصدر؛ ليكون تعلُّم وتعليم العلوم الإسلامية متماشياً مع تعليمات ونظريات التربية الفكرية المعاصرة.

أهمّية علم أصول الفقه

يُعَدّ علم أصول الفقه الإسلامي من أهمّ العلوم الإسلامية، من حيث الأصالة في الفكر، والعمق في البحث، والاستقلالية عن التأثُّر بتجارب مماثلةٍ سابقة، فلم يكن هناك قبله علم أصول فقه مدوَّن لحضارةٍ أخرى أو أمّةٍ أخرى.

كما أنه لم يُسْبَق بعلم أصول قانون مدوَّن، وربما استمد أصول القانون في بعض تجاربه من أصول الفقه الإسلامي؛ لأنه ـ أعني أصول القانون ـ نشأ في وقتٍ متأخِّر عن أصول الفقه بكثير.

يقول الدكتور سمير عالية: «وأما لجهة نشأة علم أصول القانون فإنه من ابتكار العصر الحديث، بعد أن مرّ بمرحلتين، اجتازهما في تطوُّره:

المرحلة الأولى: بدأت في منتصف القرن السادس عشر، وقد انحصرت خلالها مباحث هذا العلم في نطاق مصادر القانون وفكرة العدل الطبيعي، التي تمتدّ جذورها إلى الفكر الإغريقي.

وأما الثانية: فقد افتتحها الفيلسوف الألماني (كانْت)(1724 ـ 1804م)، الذي وضع أسس الفلسفة الوضعية، ونهج بها نهجاً عقليّاً، نفذ من خلاله إلى البحث في القانون وأصوله.

وقد تتابعت بعد ذلك الدراسات في أصول القانون على يد العلماء الإنجليز والألمان، الذين كانوا السبّاقين في تطويره»([1]).

وقد انتهج الأصوليون المسلمون في البحث الأصولي الإسلامي المنهج الكلامي، متأثِّراً بالفلسفة وعلم المنطق.

وطبيعة هذه المعارف أنها تعمِّق البحث، حيث يتحرَّك الفكر داخل إطار الاحتمالات والإيرادات؛ بغية الوصول إلى الحقيقة.

كما أن طبيعة هكذا بحوث تؤصِّل الرأي الذي ينتهي إليه الباحث، فتبتعد به عن التقليد.

وهي ـ أعني الأصالة والعمق والاستقلالية ـ سماتٌ مميزة، عرفت بها الدراسات الإسلامية في العلوم الشرعية.

ظاهرة التفاعل بين العلوم

من الظواهر المنهجية في العلوم، على اختلاف موضوعاتها وتنوُّع أهدافها، ظاهرة التفاعل فيما بينها، فقلَّ أن يوجد علمٌ لا يفيد من العلوم الأخرى.

فمثلاً: (علم اللغة) أفاد من علومٍ أخرى استعان بها في مختلف أفكاره ونظرياته، أمثال: علم الاجتماع العام، وعلم الأجناس البشرية، وعلم الوراثة، وعلم الحياة العام، وعلم وظائف الأعضاء، وعلم التشريح، وأمراض الكلام، والتاريخ، والجغرافيا([2]).

وكذلك (علم القانون)، فهو الآخر، وكمثالٍ آخر أيضاً، له علاقته بعلوم أخرى استعان بها وأفاد منها، أمثال: علم الاجتماع، وعلم الاقتصاد، وعلم السياسة، وعلم التاريخ، والفلسفة، وعلم النفس، وعلم المنطق، وعلم الفقه، وعلم الأخلاق([3]).

وعلم أصول الفقه الإسلامي لا يختلف عن سائر العلوم في ترسُّم هذا السلوك المنهجي المشار إليه، فكانت له أكثر من علاقة بأكثر من علم.

علاقة علم أصول الفقه بالعلوم الأخرى

لم يعتَدْ العلماء الأصوليون على دراسة علاقة علم الأصول ببقية العلوم والمعارف الأخرى، التي تُعَدُّ في المنهج العلمي الحديث من أساسيات البحوث العلمية.

ويرجع هذا ـ في ما أقدِّر ـ إلى أن المنهج العلمي القديم (علم المنطق) لم ينصّ على لزوم إدراج هذه النقطة في قائمة موضوعات المقدّمة العلمية، ودراستها جَنْباً إلى جَنْب مع موضوعاتها الأخرى.

غير أننا بإلقاء نظرة متأنِّية وفاحصة للدرس الأصولي نستطيع أن نتعرَّف العلوم التي لعلم أصول الفقه علاقةٌ بها، استعانها واستفاد منها، وهي:

1ـ علم المنطق.

2ـ علم الكلام.

3ـ الفلسفة الإسلامية.

4ـ الفقه الإسلامي.

5ـ علوم اللغة العربية: النحو والصرف والبلاغة والمعجم والدلالة.

6ـ علوم القرآن: التفسير والنزول والنَّسْخ والقراءات.

7ـ علوم الحديث: الدراية وأسماء الرجال وأصول علم الرجال.

ولأن علم الأصول لم يتوسَّع في علاقاته بالعلوم الأخرى قبل عصرنا هذا، في كلّ ما كُتب فيه من رسائل وكتب، وما أُلقيَ فيه من دروس ومحاضرات، بقي يستصحب حالته السابقة، وأعانه على ذلك ظاهرة التقديس لكلِّ قديمٍ لقِدَمه.

وعندما انفتحت الدراسة الحوزوية في النجف الأشرف على نظريات ونتائج العلوم الاجتماعية الحديثة أفاد منها العلماء المتطلِّعون لتطوير مناهج الدراسة في الحوزة العلمية؛ لتكون بمستوى مقتضيات المعاصرة.

وعوامل هذا:

1ـ قراءة الدَّوْريات العلمية.

2ـ قراءة الكتب والدراسات في العلوم الحديثة.

3ـ إنشاء كلِّية الفقه، وإدخال أكثر من علمٍ من العلوم الاجتماعية في برنامجها الدراسي، أمثال: علم الاجتماع، وعلم النفس، والتربية، وأصول التدريس، والتاريخ الحديث، والفلسفة الحديثة، وعلم القانون من خلال نظرية الالتزام، وتاريخ الأدب العربي.

وكان من أولئك العلماء الحوزويين المتطلِّعين للتطوير، وهم قلّةٌ جدّاً، أستاذنا الشهيد الصدر.

انطلاقة التجديد الأصولي عند الشهيد الصدر

كانت العوامل المشار إليها فيما تقدَّم قد هيَّأَتْ لأستاذنا المفكِّر المربّي أن ينطلق في تطوير الدرس الأصولي؛ ليضعه في موضع المعاصرة المطلوبة له.

 يُضاف إلى تلكم العوامل عاملٌ آخر مهمّ، كان الحافز المباشر له إلى إعداد كتابه الأصولي الدراسي بحلقاته الثلاث، هو: الطلب الذي تقدَّمَتْ به إلى سماحته كلِّية أصول الدين ببغداد ليُعِدَّ لها مقرَّراً دراسيّاً لمادة علم أصول الفقه.

فقد كان هذا العامل هو الدافع له في أن يجدِّد في المناحي التالية:

تجديده في تصنيف المواد الأصولية

انطلق إلى هذا من إدراكه أن علم أصول الفقه يبحث في أدلّة الفقه التي عبَّر عنها بـ (العناصر المشتركة)، فكان لا بُدَّ ـ في هَدْيه ـ من تصنيف موادِّه وفق هذا، وحَسْب مستوياتها في الدلالة والاستدلال بها.

فصنَّفها كالتالي:

1ـ القطع.

2ـ الأدلّة المحرزة.

3ـ الأصول العملية.

4ـ التعارض بين الأدلة.

ذلك أن الدليل قد يفيدنا حكماً قطعيّاً، وهو الدليل القطعي؛ وقد يفيدنا حكماً ظنّياً، وهو الدليل المحرز؛ وقد يعطينا الوظيفة العملية، عند عدم وقوفنا على الحكم، وهو الأصل العملي.

وهَدَف بهذا إلى إدخال العنصر التربوي، مقارناً للعنصر التعليمي، في هذه المادّة العلمية؛ وذلك لكي يستحضر الطالب الأصولي دائماً أن وظيفة علم الأصول هي تهيئة أصول الاستدلال الفقهي للوصول إلى الحكم الشرعي، ولكي يكون دائماً على علمٍ بكيفيّة استخدام القواعد في عملية الاستنباط في مستوى المجال، وفي مستوى الرتبة.

وهذا من ناحيةٍ منهجية وتربوية مهمٌّ جدّاً أن يُلتَزَم به في المقررات الدراسية.

وهذا أيضاً ما لم نألفه في الكتب الأصولية التي تعارف طلبة الحوزات العلمية على دراستها كمقرَّرات دراسية، أمثال: (المعالم) و(القوانين) و(الرسائل) و(الكفاية)؛ لأنها لم تؤلَّف لتكون كتب تعلُّم وتعليم، وإنما أُلِّفت كدراساتٍ وبحوث علمية غير مستهدف منها أن تكون مقرَّرات دراسية.

وهكذا كتبٌ تستهلك في دراستها وقتاً أكثر من المطلوب بكثير.

وأيضاً لأنها تفتقد العنصر التربوي لا تضع الطالب مع الغاية من دراسة العلم وجهاً لوجه.

تجديده في إضافة عنصر التطبيق الأصولي

حقَّق& التجديد المشار إليه من منطلقين مهمّين، هما:

1ـ إدراكه أن علم أصول الفقه علمٌ تطبيقي، يتعامل الفقيه مع قواعده في مجال الاستنباط، فيطبِّقها على مواردها عند الاستدلال.

2ـ إنه& كان في معرض إعداد مقرَّر دراسي، وأهمّ ما يلزم توافره في المقرَّر الدراسي الفكر التعليمي والتطبيق التربوي؛ ليتكامل العنصران: النظرية؛ والتطبيق، في تكوين الذهنية العلمية لدى الطالب.

وقد وُفِّق في هذا توفيقاً مهمّاً، ومتميِّزاً، من ناحيةٍ تعليمية، ومن ناحيةٍ تربوية.

تجديده في توسيع دائرة علاقة الأصول بالعلوم الأخرى

عرضنا ـ فيما تقدَّم ـ أسماء وعناوين العلوم التي لعلم أصول الفقه علاقة بها، وتفاعل معها، مستفيداً من معطياتها الفكرية ومنطلقاتها المنهجية.

ولأنَّ نتائج علم الفقه هي موادّ نظام سلوك الإنسان في حياته الفردية وحياته الاجتماعية يلزم الفقيه أن يطَّلع على العلوم الاجتماعية، ويلمّ بها؛ لما لها من دَوْرٍ في تعريف المجتمع بواقعه ومختلف شؤونه.

وأيضاً لأن علم أصول الفقه يدرس الظواهر اللغوية العامّة، ومن أهمّها: (دلالة الألفاظ)، وهي ـ الآن ـ فرعٌ مهمّ من فروع علم اللغة العامّ، وذات ارتباط وثيق بعلم النفس اللغوي، وبعلم الاجتماع اللغوي، لا غنى للباحث الأصولي عن الرجوع إليها والإفادة منها.

وأيضاً لأن علم أصول الفقه يدرس، إلى جانب الظواهر اللغوية العامة، الظواهر الاجتماعية العامة، المتمثِّلة في ما يُعْرَف أصوليّاً بالوظائف العملية، وفي العُرْف الاجتماعي، وبناء أو سيرة العقلاء، لا غنى له عن الاطلاع على العلوم التالية والإلمام بها: علم الاجتماع العام، علم النفس الاجتماعي، التاريخ، علم الاقتصاد العام، علم الاقتصاد السياسي، علم القانون، علم السياسة.

وهذا ما لمسناه عند أستاذنا العظيم الشهيد الصدر.

وللتمثيل والتوثيق أعرض نموذجين من هذا الجديد المفيد، جاءا في الموضوعين التاليين:

1ـ تعريف الحكم الشرعي.

2ـ علاقة اللفظ بالمعنى.

وسوف أتعامل معها بشيءٍ من التصرُّف؛ لما دوَّنْتُه في كتابي (دروس في أصول الفقه الإمامي)، وهو قيد الإعداد([4]).

تعريف الحكم الشرعي

لكي نتعرَّف مدلولات التعريفات الأصولية للحكم الشرعي، وتوضيح المقارنة بينها؛ بغية الإعراب عن دور سيدنا الشهيد الصدر في توسيع علاقة علم الأصول إلى التفاعل مع علم القانون، والإفادة من مفاهيمه ومصطلحاته، علينا أن نمهِّد لذلك بذكر مراحل الحكم الشرعي التي ذكروها؛ لأن التعريفات الأصولية ارتبطت بهذه المراحل ارتباطاً أَمَدَّها بمعنى الحكم، أو استمدَّتْ هي عن طريقه معنى الحكم، وهي:

مرحلة إنشاء الحكم، وهي مرحلة جعل الحكم من قِبَل الله تعالى. ولنسمِّها: مرحلة الاعتبار، أو مرحلة التشريع.

مرحلة تبليغ الحكم، وهي مرحلة صدور الخطاب المتضمِّن للحكم المجهول من قِبَل الله تعالى، وتبليغه للناس من قِبَل النبيّ|. ولنسمِّها: مرحلة النصّ.

مرحلة فهم الخطاب، وهي مرحلة تعامل الفقيه مع الخطاب لاستنباط الحكم الشرعي منه، أي إن الحكم في هذه المرحلة هو أثرُ الخطاب الشرعي. ولنسمِّها: مرحلة الاستدلال.

فأيُّ هذه يطلق عليه الحكم؟

الاعتبار الشرعي (التشريع).

أو الخطاب الشرعي (النصّ).

أو أثر الخطاب الشرعي (الاستدلال).

عرَّف بعضهم الحكم بأنه: «ما ثبت بالخطاب»، أي إنه الأثر أو المعنى الذي يستفيده الفقيه من الخطاب.

قال بهذا ابن عابدين من فقهاء الحنفية.

وأُشكل عليه: بأنه لا يشمل جميع مراحل الحكم.

وعرَّفه المشهور بأنه: «خطاب الله المتعلِّق بأفعال المكلَّفين، اقتضاءً وتخييراً».

وأُشكل عليه: باقتصاره على مرحلة الخطاب، أي إنه لا يشمل جميع مراحل الحكم.

إن الخطاب تبليغٌ للحكم، وليس هو الحكم؛ لأن الحكم هو أثر الخطاب المستفاد منه، أي إنه المعنى المستفاد من نصّ الخطاب.

إن التعريف بصورته هذه هو تعريف للحكم التكليفي، الذي هو أحد قسمي الحكم الشرعي، أي إنه غير شامل للقسم الثاني للحكم الشرعي، وهو الحكم الوضعي؛ وذلك لأن قيد الاقتضاء، الذي هو الطلب أو الإلزام، يُدخل الوجوب والندب والحرمة والكراهة، وقيد التخيير يُدخل الإباحة، ويبقى الحكم الوضعي خارج حريم التعريف، مع أنه داخلٌ في مفهوم الحكم.

ومن هنا، أضاف غير واحد ممَّنْ عرَّفوا الحكم من الأصوليين إلى التعريف المذكور قيد الوَضْع، فقالوا: «الحكم هو: خطاب الله المتعلِّق بأفعال المكلَّفين اقتضاءً أو تخييراً أو وَضْعاً».

ومع هذا ـ فيما يبدو لي ـ يبقى التعريف قلقاً من ناحيةٍ فنّية؛ ذلك أن الحكم الوضعي لا يتعلَّق بفعل المكلَّف مباشرة، وإنما يتعلَّق بالشيء الذي له علاقةٌ بفعل المكلَّف، كأسبابه وشروطه وموانعه.

ولهذا عدل بعضُهم عن التقييد بالاقتضاء والتخيير والوضع إلى التقييد بالتعلُّق المباشر أو غير المباشر، كما في التعريف القائل بأن الحكم هو: «الاعتبار الشرعي المتعلِّق بأفعال العباد تعلُّقاً مباشراً أو غير مباشر».

وأيضاً هو بما فيه من عدولٍ عن (الخطاب) إلى (الاعتبار) يكون أَوْلى لشموله جميع المراحل.

وهنا يأتي دَوْر الشهيد الصدر، الذي تنبَّه إلى أن التعبير بـ (الخطاب) أو (أثر الخطاب) أو (الاعتبار) تعبيرٌ بالمصطلح الفلسفي، الذي ينأى بالدارس عن فهم معنى الحكم الشرعي بالشكل الذي يمسّ واقعه، ويرتبط باعتباره نظام حياةٍ بواقع الإنسان فرداً ومجتمعاً، فرأى أن ليس أمامه إلاّ أن يفيد من علم القانون، فيستعير منه المصطلح المناسب، ويقرنه بالتعريف المناسب، ليبرز الحكم بمفهومه الذي يعرب عن طبيعته وواقعه كنظام حياةٍ.

وفي الوقت نفسه يكون شاملاً لجميع مراحل الحكم.

وقد رأى هذا في كلمة (تشريع)، فعرَّفه بما نصُّه: «الحكم هو: التشريع الصادر من الله تعالى لتنظيم حياة الإنسان وتوجيهه»([5]).

ونخلص من هذا إلى أن الإمام الصدر حقَّق بتعريفه الجديد أكثر من فائدة، منها: إضافة علم القانون إلى العلوم التي لعلم الأصول علاقة بها.

وهو شيءٌ ضروريّ؛ لما بينهما من آصرة قربى؛ لأن كلاًّ منهما تشريع.

وهذا ما لم تقف عليه إلاّ في كتابه الأصولي، وكتاب معاصره أستاذنا الكبير السيد محمد تقي الحكيم (الأصول العامّة للفقه المقارن).

إنه انفتاحٌ موفَّق ومطلوب؛ لما بين أصول الفقه وأصول القانون من علاقةٍ وثيقة؛ لأن كلاًّ منهما أصول تشريع، كما أشرت.

الإعراب عن الحكم الشرعي بأنه نظام حياة الإنسان

وهو نقلةٌ عظيمة وضرورية، وفي الوقت نفسه هي نقلةٌ موفقة، حيث انتقل بالفقه الإسلامي من وضعه عند الآخرين بأنه تكليفٌ فردي، الغاية منه هي أن يحقِّق الإنسان عبوديته لله تعالى من خلال امتثاله، وذلك بالتأكيد ـ إلى جانب ما ذكروه ـ على أنه نظام حياة الإنسان في هذه الدنيا، في مقابل الأنظمة الأخرى، بما يبرز للآخرين الجانب الاجتماعي من الإسلام، باقتصاده وسياسته وإلخ، من خلال استعمال الكلمة المناسبة التي تعمّ الحكم بجميع مراحله، وهي كلمة (تشريع).

علاقة اللفظ بالمعنى

من مهمات مسألة دلالة اللفظ محاولة معرفة نمط علاقة اللفظ بالمعنى.

وهي من القضايا التي تناولها بالبحث الفلاسفة الأقدمون؛ وعلماء اللغة المحدثون؛ وبين هؤلاء وأولئك علماء أصول الفقه، قديماً وحديثاً.

وأقدم إطارٍ ثقافي بُحثَتْ فيه هذه المسألة هو الفلسفة الإغريقية. فقد تناولها بالدرس الفيلسوف اليوناني سقراط، ومن بعده تلميذه أفلاطون، ومن بعده تلميذه أرسطو.

واختلف فيها رأيا سقراط وأرسطو، وانتقل خلافهما مع الترجمات العالمية للفلسفة الإغريقية إلى الفلسفات الأخرى.

فدخلا مجال الفلسفة الإسلامية. وكان أقدم مَنْ تعامل معهما من فلاسفة المسلمين متكلِّمة المعتزلة، وعلى رأسهم عبّاد بن سليمان الصيمري.

وعن طريق المعتزلة انتقلت المسألة ـ وبما تحمل في طياتها من الرأي اليوناني والآخر المعتزلي ـ إلى الدراسات اللغوية العربية. وكان أقدم مَنْ أثارها على صعيد البحث اللغوي عالم اللغة وخِرِّيت صناعتها أبا الفتح ابن جنّي، في كتابه اللغوي القيِّم، الموسوم بـ (الخصائص).

وكذلك عن طريق المعتزلة دخلَتْ عالم البحوث الأصولية الإسلامية، واستقبلها الفقهاء المسلمون بالتحليل والنقد والإضافة والحذف. واستمرَّتْ يُدار النظر فيها، ويثار الجدل حولها، بما تمخَّض عن أكثر من نظريّةٍ أصولية إسلامية في تعريفها، اتَّسمت بالشمولية والعمق.

فكان في أصول الفقه السني بحثٌ في الرأيين اليونانيين، وأكثر من نقدٍ لهما. ولعل أوفى مَنْ استوفى ذلك الفخر الرازي في (المحصول).

ولكنْ وبعد استقرار المذاهب الفقهية السنّية، وتوقُّف حركة الاجتهاد في الدرس الفقهي السنّي، توقَّف العطاء الفكري السنّي في المسألة، وتركَّز الدرس الأصولي السنّي في استرجاع وعرض الآراء القديمة في المسألة. بينما نجده في أصول الفقه الشيعي مستمرّاً، ومتطوِّراً تطوُّراً تجديديّاً، فقد نَقَدَ النظريات الأولى وبلورها، وجاء بنظرياتٍ أخرى، وبخاصّة في مجال التعريف، دلَّل فيها على مدى تعمُّق النظرة العلمية الجادّة لديه.

وفي أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، وعند انبثاق ما يُعْرَف بعلم الدلالة، دلفَتْ المسألة وبقوّةٍ إلى علم اللغة الحديث، وقطعت فيه شَوْطاً بعيداً، في إفراز نظريات جديدة ذات قيمةٍ علمية مهمة.

وبعد أن تبيَّنّا كلّ هذا الذي يرتبط بشكلٍ مباشر أو غير مباشر بتاريخ المسألة، ننتقل إلى محاولة معرفة نمط ونوعية العلاقة القائمة بين اللفظ والمعنى، الذي هو موضوع المسألة، وذلك من خلال استعراض الأقوال في المسألة، وهي:

رأي سقراط

 وهو أقدم رأيٍ في المسألة ممّا وصل إلينا. نقله عنه تلميذه أفلاطون، في محاوراته([6]). ومحصَّلته: إن العلاقة بين اللفظ والمعنى علاقة ذاتية، وصلة طبيعية، لا تختلف عن الصلات الطبيعية الأخرى، القائمة بين الأسباب ومسبّباتها، والعلل ومعلولاتها، كالصلة بين النار والاحتراق، والخصب والنماء.

فاللفظ سببٌ وعلة وجود المعنى في الذهن، ووجود المعنى في الذهن معلولٌ ومسبّب لوجود اللفظ في الذهن، الذي تنتقل صورته إليه عن طريق الحسّ، سماعاً أو قراءةً أو نطقاً.

وكما ترى أن هذه الصلة التي افترضها سقراط غير واضحة، وإلاّ لكان كل إنسان يستطيع أن يفهم كلّ لغات العالم بمجرد معرفته لألفاظها. ويبدو أن اليونانيين الذين تبنّوا رأي سقراط «لمّا تبين لهم غموض هذه الصلة بين ألفاظ لغتهم اليونانية ومدلولاتها، ولم يستطيعوا لها تعليلاً مقبولاً، تستريح إليه النفس، وتطمئن إليه العقول، أخذوا يفترضون أن تلك الصلة الطبيعية كانت واضحةً سلسلة التفسير في بدء نشأتها، ثم تطوَّرَتْ الألفاظ، ولم يَعُدْ من اليسير أن تتبين بوضوحٍ تلك الصلة، أو نجد لها تعليلاً وتفسيراً»([7]).

رأي أرسطو

ذهب أرسطو إلى أن الصلة بين اللفظ والمعنى صلةٌ اعتبارية، اصطلح عليها العُرْف أو الناس (أبناء مجتمع اللغة).

ضمَّن رأيه هذا كتاباته في الشعر والخطابة.

فالفرق بين رأي أرسطو وبين رأي سَلَفه سقراط هو فرق التباين بين الواقع والاعتبار، والتكوين والتشريع.

ولعلّ أرسطو إنما قال بهذا نتيجة ما رآه من النقد العلمي المتين الذي وُجِّه لرأي سقراط.

رأي ابن جنّي

إن مَنْ يرجع إلى كتاب (الخصائص)، لابن جنّي، وبخاصّة في فصل (الاشتقاق الأكبر)، سوف يراه يحوم حول حمى سقراط، ومَنْ حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، وربما وقع فيه. فهو يؤكِّد على ضرورة وجود المناسبة بين طبيعة اللفظ كصوت وطبيعة المعنى كواقع، تلك المناسبة التي تمسَّك بها المعتزلة القائلون بمقالة سقراط؛ ليحققوا وجود المرجِّح الكاشف عن أن العلاقة بين اللفظ والمعنى طبيعية، لا عرفية، كما سيأتي.

ولنعرض ـ هنا ـ شاهداً واحداً من كلام ابن جنّي في موضوع الاشتقاق الأكبر، قال: «ومن ذلك (أي من الاشتقاق الأكبر): تقليب (ج ب ر) فهي ـ أين وقعت ـ للقوّة والشدة، منها:

جبرت العظم والفقير إذا قوَّيْتُهما، وشدَدْتُ منهما.

والجبر: الملك؛ لقوّته، وتقويته لغيره.

ومنها: رجل مجرَّب، إذا جرَّسته الأمور ونجَّذته، فقويت متنه، واشتدت شكيمته.

ومنه الجراب؛ لأنه يحفظ ما فيه، وإذا حُفظ الشيء ورُوعي اشتدّ وقوي، وإذا أُغفل وأُهمل تساقط ورذي.

ومنها: الأبجر والبُجرة، وهو القوي السُّرّة.

ومنه: قول عليّ ـ صلوات الله عليه ـ: «إلى الله أشكو عُجَرِي وبُجَري»، تأويله: همومي وأحزاني.

وطريقه: أن البُجْرة كلّ عقدة في الجسد، فإذا كانت في البطن والسرّة فهي البُجْرة، والبَجْرة، تأويله: أن السرّة غلظت ونتأت، فاشتدّ مسّها وأمرها.

وفسّر أيضاً قوله: (عُجْري وبُجْري) أي ما أُبْدي وأُخْفي من أحوالي.

ومنه: البُرْج، لقوّته في نفسه، وقوّة ما يليه به.

وكذلك البَرَج؛ لنقاء بياض العين، وصفاء سوادها، وهو قوّة أمرها، وأنه ليس بلونٍ مستضعف.

ومنها: رجَّبت الرجل إذا عظّمته وقوَّيت أمره.

ومنه: رجب؛ لتعظيمهم إيّاه عن القتال فيه.

وإذا كرمت النخلة على أهلها، فمالت، دعموها بالرُجْبة، وهو شيءٌ تسند إليه؛ لتقوى به.

والراجبة: أحد فصوص الأصابع، وهي مقوّية لها.

ومنها: الرباجي، وهو الرجل يفخر بأكثر من فعله، قال: وتلقاه رباجيّاً فخوراً. تأويله: أنه يعظِّم نفسه، ويقوّي أمره»([8]).

رأي الأصوليين السنّة

لم يَزِدْ علماء أصول الفقه السنّيون على الرأيين اليونانيين، إلاّ بما وجّهوه من نقدٍ لرأي سقراط.

وقد تبنّى عبّاد بن سليمان الصيمري، وأهل التكسير (علم الحروف)، وبعض المعتزلة، رأي سقراط، «وزعموا أن بين اللفظ والمعنى مناسبةً ذاتية مخصوصة، منها نشأت دلالته عليه»([9]).

وتبنّى جمهورهم رأي أرسطو، فقالوا: إن العلاقة بين اللفظ والمعنى نشأت بسبب الوضع.

إلاّ أنهم اختلفوا في الواضع: هل هو الله تعالى، أو البشر، أو أن الألفاظ الموضوعة بعضها من الله وبعضها من الناس؟

فقال الفخر الرازي: «كون اللفظ مفيداً للمعنى: إمّا أن يكون لذاته؛ أو بالوضع، سواء كان الوضع من الله تعالى، أو من الناس، أو بعضه من الله تعالى وبعضه من الناس. فهذه احتمالات أربعة:

الأوّل: مذهب عبّاد بن سليمان الصيمري.

والثاني: وهو القول بالتوقيف: مذهب الأشعري وابن فُوْرَك.

والثالث: وهو القول بالاصطلاح: مذهب أبي هاشم وأتباعه.

والرابع: هو القول بأن بعضه توقيفي وبعضه (اصطلاحي)، وفيه قولان:

منهم مَنْ قال: ابتداء اللغات يقع بالاصطلاح، والباقي لا يمتنع أن يحصل بالتوقيف.

ومنهم مَنْ عكس الأمر، وقال: القدر الضروري الذي يقع به الاصطلاح توقيفي، والباقي اصطلاحي، وهو قول الأستاذ أبي إسحاق (الإسفراييني). وأما جمهور المحقِّقين فقد اعترفوا بجواز هذه الأقسام، وتوقَّفوا عن الجزم»([10]).

وأشار الرازي إلى دليل الصيمري بقوله: «واحتجّ عبّاد بأنه لو لم يكن بين الأسماء والمسمَّيات مناسبة بوجهٍ ما لكان تخصيص الاسم المعين بالمسمّى المعين ترجيحاً لأحد طرفي الجائز على الآخر من غير مرجِّح، وهو محالٌ.

وإنْ حصلت بينهما مناسبةٌ فذلك هو المطلوب».

وأجاب عنه بقوله: «والجواب: إنْ كان الواضع هو الله تعالى كان تخصيص الاسم المعين بالمسمّى المعين كتخصيص وجود العالم بوقتٍ مقدّر، دون ما قبله أو ما بعده.

وإنْ كان الناس فيحتمل أن يكون السبب خطور ذلك اللفظ ـ في ذلك الوقت ـ بالبال، دون غيره، كما قلنا في تخصيص كلّ شخصٍ بعلمٍ خاصّ، من غير أن يكون بينهما مناسبة»([11]).

وأجيب عنه في بعض مناقشات أصول الفقه الإمامي لهذا الرأي بأن «المحال هو الترجُّح بدون المرجِّح، كوجود المعلول بدون العلة، لا الترجيح بدون المرجِّح، لإمكان تساوي الأغراض في تحصيل غرضٍ واحد مطلوب، كتساوي الرغيفين من الخبز في الإشباع، فيؤتى بأحدهما تخييراً لحكم العقل بالتخيير حينئذٍ، وإلاّ لزم فوات هذا الغرض؛ إذ مقتضى محالية الترجيح بلا مرجِّح فواته مع تساوي الدخيل فيه من جميع الجهات، بل عدم إمكان الإتيان بواحدٍ مما له دَخْل فيه ـ كما هو مقتضى المحالية ـ، مع أنه خلاف الوجدان والعقل؛ لإمكان الإتيان بأحدهما بداهةً، كما أنه لا وجه لتفويت الغرض المطلوب»([12]).

والملحوظ هنا أن أصول الفقه السنّي توقَّف عند تبنّي الرأيين اليونانيين دونما إضافةٍ، إلاّ في حدود ما أشرْتُ إليه من نقدٍ.

وقد يرجع هذا ـ في ما أقدِّر ـ إلى تأكيدهم على دراسة الأصول العقلية، كالقياس، أكثر من تأكيدهم على الأصول النقلية (اللغوية).

رأي الأصوليين الشيعة

وقد أطال علماء أصول الفقه الإماميون من الشيعة البحث في حقيقة الوَضْع. وأهمّ ما انتهوا إليه من آراء وأقوال هي:

نظرية التعهُّد

وهي للملاّ علي النهاوندي، صاحب (تشريح الأصول). قال في تعريف الوضع بـ «أنه عبارةٌ عن تعهُّد الواضع والتزامه بإرادة المعنى من اللفظ في استعمالات للفظ بلا قرينة»([13]). «وتبعه في ذلك أهل لغته»([14]).

نظرية الاختصاص

وهي للملاّ محمد كاظم الخراساني، قال في كتابه (كفاية الأصول): «الوضع هو: نحو اختصاص اللفظ بالمعنى، وارتباط خاصّ بينهما، ناشئ من تخصيصه به تارةً؛ ومن كثرة استعماله فيه أخرى»([15]).

 

نظرية الرمز

وتعني أن اللفظ علامة ترمز للمعنى. وهي للفيلسوف الشيخ محمد حسين الأصفهاني، في كتابه (نهاية الدراية)، قال في تعريف الوضع: هو: «جعلُ اللفظ علامةً على إرادة المعنى».

نظرية الاعتبار

وتعني أن الوضع اعتبار له واقع. وهي للأصولي الشيخ ضياء الدين العراقي، وخلاصته: «إن الوضع أمر اعتباري، إلاّ أنه يختلف عن الأمور الاعتبارية الأخرى بأن ما يتعلَّق به الاعتبار يتحقَّق له واقع، ويتقرَّر له ثبوتٌ واقعيّ كسائر الأمور الواقعية. فهو يختلف عن الأمور الواقعية من جهة أنه عبارةٌ عن جعل العلقة واعتبارها، ويختلف عن الأمور الاعتيادية بأن ما يتعلَّق به الاعتبار لا ينحصر وجودُه بعالم الاعتبار، بل يثبت له واقعٌ في الخارج».

نظرية التنزيل

ويقرِّرها ويقرّها السيد البجنوردي في كتابه (منتهى الأصول)، بتعريفة الوضع بأنه: «عبارةٌ عن الهوهوية والاتحاد بين اللفظ والمعنى في عالم الاعتبار. ومثل هذه الهوهوية والاتحاد الاعتباري يمكن أن يُوجَد في عالم الاعتبار بالجعل والإنشاء تارةً؛ وبكثرة الاستعمال أخرى»([16]).

نظرية الجعل الاعتباري

وهي للشيخ أبي الحسن المشكيني، في (حاشيته على كفاية الأصول)، قال: «قد وقع الخلاف في ماهية الوضع المتحقِّق بين اللفظ والمعنى، وأنه هل هو تخصيصه به، أو اختصاص لديه، أو تعهُّدٌ من الواضع، وتبعه في ذلك أهل لغته؟

وهو بالمعنى الأول والثالث من صفات الواضع، بخلاف الوسط، فإنه من صفات اللفظ.

وحقيقته ـ بناءً عليه ـ هو العلاقة الحاصلة بين اللفظ والمعنى بواسطة جعل الواضع، نظير: الملكية الحاصلة بإنشاء مَنْ بيده الاختيار، وغيرها من الأمور القابلة للجعل التشريعي الاستقلالي، على ما حقَّقناه في الاستصحاب وغيره. وهذا هو الأقوى؛ لحصوله وجداناً بكثرة الاستعمال، وليس فيه تبانٍ، ولا تخصيص»([17]).

نظرية الاقتران الشرطي

وهي لأستاذنا الشهيد الصدر&، جاء في (الدليل اللفظي): «وتحقيق الكلام في تشخيص حقيقة الوضع أن يُقال بأن الله سبحانه وتعالى قد جعل من الإحساس بالشيء سبباً في انتقال الذهن إلى صورته، فالانتقال الذهني إلى الشيء استجابة طبيعية للإحساس به. وهذا قانونٌ تكويني.

ويوجد قانونان تكوينيان ثانويان يوسِّعان من دائرة تلك الاستجابة الذهنية:

أحدهما: قانون انتقال صورة الشيء إلى الذهن عن طريق إدراك مشابهه، كانتقال صورة الحيوان المفترس إلى الذهن بسبب رؤية رَسْمٍ مشابه له على الورق.

ثانيهما: قانون انتقال صورة الشيء إلى الذهن عن طريق إدراك الذهن لما وجده مشروطاً ومقترناً بذلك الشيء على نحوٍ أكيد بليغ، فيصبح هذا القرين في حكم قرينه، من حيث إيجاد نفس الأثر والاستجابة الذهنية التي كان يُحْدثها على الذهن عند الإحساس به. وهذا هو ما يسمى في المصطلح الحديث بالمنبِّه الشرطي، والاستجابة الحاصلة منه بالاستجابة الشرطية.

وهذا الاقتران والإشراط الذي يوجب الاستجابة المذكورة لا بُدَّ وأن يكون على وجهٍ مخصوص، أي لا يكفي فيه مطلق الاقتران، بل لا بُدَّ وأن يكون اقتراناً مركَّزاً مترسِّخاً في الذهن؛ إما نتيجة كثرة تكرُّر الاقتران خارجاً أمام إحساس الذهن، وهذا هو العامل الكمّي لتركيز الاقتران؛ أو نتيجة ملابسات اكتنفت الاقتران، ولو دفعةً واحدة، جعلَتْه لا ينمحي عن الذهن، وهذا هو العامل الكيفي.

والإنسان تحدث استجابته الذهنية وفق هذه القوانين الثلاثة. فإذا أطلق شخص مثلاً صوتاً مشابهاً لزئير الأسد انتقل إلى الذهن تصوُّر ذلك الصوت نتيجة الإحساس السمعي به، وهو تطبيق القانون الأول؛ ثم ينتقل الذهن من ذلك إلى تصوُّر الزئير نتيجة المشابهة بينهما، وهذا تطبيق القانون الثانوي الأول؛ ثمّ ينتقل من ذلك إلى صورة الأسد نفسه اللازم خارجاً مع صوته، وهذا تطبيق للقانون الثانوي الثاني.

وقد حاول الإنسان أن يستفيد من القانونين التكوينيين الثانويين في مقام التعبير عن مقصوده ونقله إلى ذهن مخاطبه، فاعتمد على القانون الثانوي الأول في استخدام الإشارات التعبيرية والتصويرية التي تنقل المعاني إلى الذهن على أساس التشابه. ولمّا كان قد اعتاد أن ينتقل من الأصوات إلى أسبابها و أشكال مناشئها على أساس الاقتران الخارجي فقد اتَّجه إلى توسيع نطاق الاستفادة من الأصوات واستخدامها في مجال تفهيم الآخرين أيضاً باستخدام القانون الثانوي الثاني، عن طريق جعل لفظٍ أو صوتٍ مخصوص مقترناً ومشروطاً بمعنىً مخصوص اقتراناً أكيداً، ناشئاً من التكرار أو نتيجة عامل كيفي معين، وبذلك نشأت العُلْقة الوضعية، أعني السببية والاستتباع بين ذلك الصوت المخصوص والمعنى المخصوص.

وهكذا تولَّدت ظاهرة اللغة في حياة الإنسان، وبدأت تتكامل وتتوسَّع من صيغ بدائية محدودة إلى صيغ متكاملة أكثر شمولاً واستيعاباً للألفاظ والمعاني.

هذا هو حقيقة الوضع؛ فالواضع بحَسَب الحقيقة يمارس عملية الإقران بين اللفظ والمعنى بشكلٍ أكيد بالغ. وهذا الاقتران البالغ إذا كان على أساس العامل الكمّي ـ كثرة التكرار ـ سُمِّي بالوضع التعيُّني؛ وإذا كان على أساس العامل الكيفي سُمِّي بالوضع التعييني»([18]).

نظرية الربط

وهي للسيد الروحاني، في مجموع محاضراته الأصولية، الموسومة بـ (منتهى الأصول)، بقلم: تلميذه الشهيد السعيد السيد عبد الصاحب الحكيم، قال: «إن الوضع عبارةٌ عن جعل الربط والملازمة والعلقة بين اللفظ والمعنى»([19]).

رأي اللغويين المحدثين

وأوّل ما يطالعنا من آراء اللغويين المحدثين في المسألة رأي همبولت(1835م) (Humboldt)، الذي ذهب في المسألة مذهب سقراط.

عرض رأيه هذا معتبراً إيّاه من أنصار المناسبة الطبيعية بين الألفاظ والدلالات العالم اللغوي جسبرسن (Otto Jespersen)، في كتابه:

(Language its nature, development and origin, chapter xx)([20]).

ثم نلتقي بعده برأي دي سوسير(1913م) (De Saussure)، الذي ذكره في كتابه (Cours De Linguistique Generale Quatrieme, edition Payot, 1949).

ومؤدّاه أن الكلمة علامة للمعنى.

ويتمّ هذا عن طريق العلاقة المتبادلة بين اللفظ (الصورة السمعية) والمعنى (الفكرة)، تلك العلاقة التي هي نمط من تداعي المعاني، حيث تدعو الفكرةُ الصورةَ السمعية، وتدعو الصورةُ السمعية الفكرةَ، أي إن الإنسان عندما يسمع الصوت (اللفظ) ينتقل ذهنه المعنى، وعندما يرى المعنى ينتقل ذهنه إلى اللفظ([21]).

وقد نلمح تقارباً بين رأي دي سوسير ـ المذكور أعلاه ـ ورأي الشيخ محمد حسين الأصفهاني(1942م)، المقدَّم ذكره.

ولكنْ من المستبعد جدّاً أن يكون الشيخ الأصفهاني قد اطَّلع على رأي دي سوسير، فتبنّاه؛ لأنه لا يحسن اللغة الفرنسية، كما أنه لم يقدَّر له الاتصال بالأساتذة العرب الجامعيين العائدين من فرنسا.

فالأمر لا يعدو أن يكون ذلك منه نظرةً إلى واقع اللغة، وإفادة هذا الرأي منه، تماماً كما فعل دي سوسير.

وهي من النظريات الاجتماعية التي نظرت اللغة كظاهرة اجتماعية، وتلمست نوعية العلاقة من خلال تعامل أبناء المجتمع مع الألفاظ في التفاهم وما إليه. وهي نظرة تقوم على أساس الاستقراء من خلال الملاحظة.

وأخيراً، نكون مع أحدث النظريات في المسألة، وهي نظرية الاقتران التكراري، التي استعرضتها الدكتورة نوال عطية، في كتابها (علم النفس اللغوي)، فقالت: «ومصطلح المعنى مصطلح عامٌّ، كثيراً ما نتناوله في لغتنا اليومية العادية. إلاّ أنه قد دارت مناقشات عدّة حول هذا المصطلح، بطريقة غير موضوعية، مدّةً من الزمن. فكان الجدلُ الفلسفي الذي لم يؤدِّ إلى الفهم العلمي للعمليات المتضمّنة في تكوين معنى اللفظ، كما لم يَصِفْ أهمّية معنى اللفظ في السلوك اللفظي.

وفي الواقع إن الأسس التي قامت عليها عملية تعلُّم معنى اللفظ قد ظهرت في الاشتراط الكلاسيكي من حيث الاقتران التكراري بين مثيرين؛ لصدور استجابةٍ ما. وقد أوضح أوزجود Osgood(1935) حدوث مثل هذه العملية في التعلُّم اللغوي، وهي: أن معنى اللفظ ينشأ من عملية اقتران بين اللفظ وبين المثير الشيء الدالّ على هذا اللفظ.

بمعنى أن المثيرات اللفظية (أصوات كلامية) تقترن مع مثيرات شيئية اقتراناً منتظماً متكرّراً. مثال ذلك: حينما تقول الأم لطفلها كلمة (كرة) مرّات عديدة في اللحظة التي يتطلَّع فيها إلى المثير الشيئي نفسه، وهو الكرة، أو تقول كلمة (قطة) في حضور القطّة أمام عيني الطفل، أو تقول: (لا)، وتدفع الطفل بشدّةٍ بعيداً عن شيءٍ ما، أو تنزع شيئاً ما من يده. ففي كل من هذه الحالات يوجد اقترانٌ منتظم ومتكرِّر بين مثيرين: أحدهما: عبارة عن مثير لفظي؛ والآخر: عبارة عن مثير شيئي»([22]).

والاقتران التكراري هو الاقتران الشرطي الذي عرض له السيد الصدر، واختاره.

وهو ـ كما قلتُ ـ يلتقي وطبيعة منهج البحث في اللغة، حيث يقوم على الاستقراء من خلال الملاحظة.

وأخيراً إذا استثنينا رأي الشيخ الأصفهاني والسيد الصدر؛ لأنهما ـ كما ألمحْتُ ـ يتمشيان مع متطلَّبات منهج البحث في اللغة، باعتمادهما الاستقراء من خلال الملاحظة، فإنه يُؤخَذ على الفلاسفة اليونانيين أنهم استخدموا ـ منهجيّاً ـ لدراسة ظاهرة علاقة اللفظ بالمعنى الطريقة العقلية الاستنتاجية.

وهذا قد يتأتّى لو أن الألفاظ اللغوية في جميع اللغات كانت قد وُضعت بكاملها منذ الزمن الغائر في القِدَم، حيث لا يُستطاع إخضاع الحادثة للملاحظة الاستقرائية.

أما وأن اللغة ـ وكما نشاهده في لغتنا العربية ـ تُمِيتُ ألفاظاً استغنَتْ عنها، وتُحيي ألفاظاً افتقرَتْ إليها، يكون استخدام طريقة الملاحظة الاستقرائية ميسَّراً.

والذي نشاهده من خلال إيماننا بأن اللغة ظاهرةٌ اجتماعية أن اللفظ يستعمل من قبل أبناء مجتمع اللغة في المعنى؛ بسبب الحاجة إلى ذلك، وبشكلٍ تلقائي، ثم يشتهر وتترسَّخ دلالته.

كما أننا نشاهد المؤسسات العلمية اللغوية، أمثال: مجامع اللغة العربية، تضع الألفاظ للمعاني، وتنصّ على ذلك.

ومن ملاحظة هذا الواقع، وهو امتدادٌ للواقع الاجتماعي القديم، نستطيع أن نقول ـ نتيجةً لما تقدَّم ـ: إن اللفظ يرتبط بالمعنى بسبب استعمال أبناء مجتمع اللغة، أو بسبب ربطه به من قبل المؤسّسات اللغوية والمعنيين بذلك، وتنصيصهم عليه.

وقد ألمح إلى مثل هذا النقد الدكتور إبراهيم أنيس، في كتابه (دلالة الألفاظ)، بقوله: «وظلَّتْ كلمتا (الطبيعية أو العرفية) محور الجَدَل والنقاش زمناً طويلاً بين مفكِّري اليونان، من لغويين وفلاسفة.

وكان كلٌّ من الفريقين يؤسِّس رأيه على مجرَّد المغامرة الفكرية، دون سندٍ علميّ، من ملاحظة دقيقة أو استقراء للحقائق.

ولكنَّهم جميعاً، كما يصفهم ستيورات شاس (Stewartchase)، في كتابه طغيان الكلمات (Tyrammy of words)، بقوله: إنهم مناطقة أقوياء، يندر نظراؤهم في العالم، إلاّ أنهم لم يزالوا على مقربة من المقدّمات البدائية، فلم تتخلّص عقولهم من سحر الكلمة، وحسبوا أنها ذات قوى كامنة فيها، كما قد يحسب الطفل أو معتقد الشعوذة. ولولا ذلك لما أقاموا كلّ شيءٍ على (اللوغوس)، وشغلوا العقول والنفوس بهذه الفكرة إلى اليوم»([23]).

هذا من حيث المنهج. أما من حيث الفكرة فلم يُضِفْ العلماء والمفكِّرون بعد سقراط وأرسطو إلاّ ما رأيناه من نقدٍ لرأي سقراط، وتفريعٍ على رأي أرسطو بالتعريفات المختلفة للوضع، الذي يُراد منه بيان نمط العلاقة بين اللفظ والمعنى، ووفق المنهج الفلسفي الذي يعتمد الاستنتاج، لا الاستقراء.

وفي النهاية، إنّ كلّ الذي تقدَّم من عرضٍ ونقد يسلمنا إلى أن العلاقة بين اللفظ والمعنى علاقة اقتران، كما ذهب إليه أستاذنا السيد الصدر، وكما هو المذهب النفسي اللغوي المشهور.

كما أنه يُوقِفُنا على مدى اهتمام أستاذنا العظيم بأمر تطوير العلاقة بين علم أصول الفقه والعلوم الأخرى، بتوسيع دائرتها لتشمل العلوم الاجتماعية؛ لما لها من دَوْرٍ مهمّ ضروري في مساعدة علم الأصول على الكشف عن كثيرٍ من الظواهر العلمية، التي هي موضوع بحثه، وداخلة في إطار اهتماماته.

أعلى الله مقام أستاذنا الرائد العظيم في فردوسه الأعلى، وجلّله بأجلّ تكريم، كِفَاءَ ما قدَّم من فكرٍ علمي عظيم، وخير إنسانيّ عميم، ووفَّقنا للسَّيْر على هَدْيه في ضوء نبراس ثقافته الجادّة الشاملة، والمجدِّدة الفاعلة، إنّه تعالى وليُّ التوفيق، وهو الغاية.

الهوامش

(*) أحد الفقهاء الشيعة البارزين. ومن أبرز مدوِّني الكتب الدراسيّة في العديد من الحوزات والجامعات الدينيّة، ومن روّاد الوعي والانفتاح والتقريب، رحمه الله تعالى. له عشرات المؤلَّفات في العلوم الإسلاميّة المختلفة. من المملكة العربيّة السعوديّة.

([1]) الدكتور سمير عالية، علم القانون والفقه الإسلامي: 10، ط1، 1991م.

([2]) انظر: الدكتور محمود السعران، علم اللغة، مقدّمة لقارئ عربي: 69، مبحث (علم اللغة يستعين بعلوم أخرى)، دار النهضة العربية، بيروت.

([3]) انظر: الدكتور سمير عالية، علم القانون والفقه الإسلامي: 110 ـ 111، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت،  ط1، 1985م.

([4]) صدر كتاب (دروس في أصول فقه الإمامية) بجزْأَيْه، بطبعته الأولى، في عام 1420ﻫ.

([5]) انظر: موضوع تعريف الحكم من الحلقة الثانية (دروس علم الأصول).

([6]) إبراهيم أنس في دلالة الألفاظ: 62، ط1980، نقلاً عن:

R.A. Wilson, The Miraculous Birth of Language P. 162.

([7]) المصدر نفسه.

([8]) الخصائص 2: 135 ـ 136، ط دار الكتب المصرية.

([9]) شرح مختصر المنتهى الأصولي وحواشيه 1: 193، ط 1393ﻫ.

([10]) المحصول 1: 181 ـ 182، ط2.

([11]) المصدر السابق: 183.

([12]) منتهى الأصول 1: 52 ـ 53، ط1.

([13]) منتهى الأصول 1: 14، ط2.

([14]) حاشية المشكيني على كفاية الأصول 1: 11.

([15]) حاشية المشكيني على كفاية الأصول 1: 10.

([16]) منتهى الأصول 1: 15.

([17]) حاشية المشكيني على كفاية الأصول 1: 11.

([18]) الدليل اللفظي: 77 ـ 79.

([19]) منتهى الأصول 1: 67.

([20]) انظر: دلالة الألفاظ: 68.

([21]) انظر: الدكتور السعران، علم اللغة: 303.

([22]) علم النفس اللغوي: 53.

([23]) دلالة الألفاظ: 63 ـ 64.