علم أصول الفقه

23 نوفمبر 2016
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
275 زيارة

علم أصول الفقه

المباحث الجديدة والمتابعات الحديثة

الشيخ ضياء الدين المحمودي(*)

مقدّمة

من الأبحاث المهمة جداً في أصول المتأخرين هو مبحث البراءة والاحتياط، والشبهات التي تحوم حول هذا البحث، حيث كثر حولها النقاش والكلام لدى المتأخرين، ولم تكن هذه الشبهات موجودة عند المتقدمين، سواء قلنا بعدم سنوحها لهم؛ لتسلطهم على الأدلة، أو قلنا: إنها من مميزات أصول المتأخِّرين وتطوّرها. وحاولتُ في بحثي هذا تذليل صعاب أبحاثها قدر الإمكان. ومَنْ يريد معرفة ما صنعناه فيها فليراجع أبحاثها في كتاب فرائد الأصول وكفاية الأصول، ويعتمد في فهم أبحاثها على الكتابين، ومن ثم ـ إذا وُفق إلى فهمهما بإذنه تعالى ـ أن يرجع إلى بحثنا هذا؛ ليقف حقاً على ما صنعناه([1]). ولعلّ المراجع الكريم عند مراجعته لمقالنا هذا لن يشاهد فيها مشكلاً خاصاً، ويتصوّر أن هذا البحث هو بحث واضح لا غبار عليه، ولم يوجد فيه إشكالات مهمّة تذكر. فالأمر كما رآه، وهو غير مشتبه في فكره. فالأمر كذلك. فالإشكالات والصعوبات دائماً إذا حلَّتْ لا يوجد فيها إشكال، فتنجلي عنها الإبهامات والغموضات. يقول المثل الفارسي: اللغز إذا كشف وحلّ يكون سهلاً وبسيطاً، وحال الطلسمات يكون كذلك، يكون بسيطاً وواضحاً إذا انكشفت مفاتيح أسرارها، وتجلّت رموز خفائها.

وهذا البحث من الأبحاث المستخدمة في أصول المتأخِّرين تقريباً، وليس له تاريخ طويل، وهو بدرجة من الأهمّية أن تطرق إليه الشيخ الأنصاري& في كتابه بشكلٍ مسهب في ثلاثمئة وأربعين صفحة، بل في حدود مجلّد واحد([2])، حيث يعكف المتعلِّمون على درسه في سنة كاملة مع ما يتحمّلون من الصعوبات والمشكلات، بغضّ النظر عمّا يصرفون من الأوقات والطاقات خلال دراستهم لكتاب الكفاية أو في بحوث درس الخارج. وصرف حول تحريره وتنقيحه في القرن الماضي جهودٌ جبارة من قبل أجيال متتالية وكثيرة من أهل العلم، من دون نتائج متناسبة مع تلك الجهود.

 

 قاعدة البراءة والاحتياط في الشبهات: الحظر والإباحة والوقف عند المتقدِّمين

مسألة الحظر والإباحة والوقف عند عدم العلم طرحت عند المتقدمين من الأصوليين، ولكن لم يتعرض لها غالباً متأخِّرو أصحابنا الأصوليين بهذا الشكل. فالكثير من المسائل الأصولية شبهات طرحت في الكلام عند المتكلِّمين من الجمهور في القرون الثلاثة الأولى، على حسب معارفهم الدينية وظروفهم العلمية، فكان التعبير عنها وتصوّرها يختلف بحسب الأفراد وأفكارهم وتصوّراتهم، فلم تكون أموراً ثابتة شرعية.

وأجاب بعض الأئمة الأطهار عن هذه الشبهات المستعصية بأجوبة موجزة شافية، ومختصرة كافية، تزعزع أساسها، وتبيد وجودها، ترفع الشبهات، وتظهر الحقائق، ولم تترك المجال لتماديها واستمرارها، إلاّ عند أولئك الذين لم يهتدوا بهداهم، ولم يستنيروا بضيائهم، فيكون البحث عنها مجرّد تذكير وتنبيه في إطار معارف أصحابنا، التي تفاوتت مواصفاتها مع معارف الجمهور.

وكانت مثل هذه الأبحاث عند متكلِّمي الجمهور من منظر العقل؛ لأنهم انسدّ عليهم في الغالب باب معارف الشرع، ولكنْ التبس على بعضهم وبعض أصحابنا الأمر، فاختلطت أبحاثها بمنظر الشرع أيضاً، مع أنّه إذا كان منظر الشرع في المسألة موجوداً فلا ينبغي الكلام والدخول في بحثها من منظر العقل.

قال الشيخ الصدوق في اعتقادات الإمامية، في باب الاعتقاد في الحظر والإباحة: اعتقادنا في ذلك أن الأشياء [المشكوكة] كلها مطلقة، حتّى يَرِدَ في شيءٍ منها نهيٌ([3]).

وقال الشيخ المفيد في شرحه: فأما بعد استقرار الشرايع فالحكم أنّ كل شيء لا نصّ في حظره فإنه على الإطلاق؛ لأن الشرايع ثبتت الحدود، وميّزت المحظور على حظره، فوجب أن يكون ما عداه بخلاف حكمه([4]).

ولكنْ نسب إليه الشيخ الطوسي خلاف هذا، وقال: وذهب كثير من الناس إلى أنها على الوقف، ويجوز كلّ واحد من الأمرين فيه. وهذا المذهب كان ينصره شيخنا أبو عبد الله، وهو الذي يقوى في نفسي([5]).

وقال السيد& في الحظر والإباحة على منظر العقل: اختلف الناس في ما يصحّ الانتفاع به، ولا ضرر على أحد فيه؛ فمنهم مَنْ ذهب إلى أنه مباح؛ ومنهم مَنْ وقف بين الأمرين. واختلف مَنْ ذهب إلى الحظر؛ فبعضهم ذهب إلى أن ما لا يقوم البدن إلاّ به ولا يتمّ العيش إلاّ معه على الإباحة، وما عداه على الحظر؛ وفيهم مَنْ سوَّى بين الكلّ في الحظر. وقال آخرون بالوقف، وجوَّزوا كل واحد من الأمرين ـ يعني الحظر والإباحة ـ. ولا خلاف بين هذه الفرقة وبين مَنْ قطع على الحظر في وجوب الكفّ عن الإقدام، إلاّ أنهم اختلفوا في التعليل، فمَنْ قال بالحظر كفّ لأنه اعتقد أنه مقدم على قبيح مقطوع عليه، ومَنْ يقول بالوقف إنما كفَّ لأنه لا يأمن من كونه مقدماً على محظورٍ قبيح. والصحيح قول مَنْ ذهب في ما ذكرنا صفته من الفعل إلى أنه في العقل على الإباحة([6]).

وهذه المسألة مشابهة لمسألة الإطلاق والتقييد عند المتأخِّرين. فالأصل في الأشياء والأمور الشرعية هو الإطلاق، ما دام لم يذكر له التقييد، ولم يعثر عليه؛ لأن التقييد يحتاج إلى مؤنة زائدة، والأصل عدمه، فإذا كان التقييد محلاًّ لنظر الشارع كان عليه البيان.

 

أصالة البراءة، أو الشكّ في الحكم الشرعي؛ لفقد النصّ

وقد ذكرنا في أوائل مبحث العقل ومكانته في أدلة الشرع، في مبحث ما يستقلّ به العقل، وقبح العقاب في ما لا دليل ولا نصّ فيه، في الاستدلال على البراءة عقلاً، وأوردنا مجموعة من الأدلة من كتاب الوافية، ومن أبحاث الوحيد البهبهاني&، التي نقلناها في مقام إثبات الإباحة من أدلة أخرى شرعية، حيث كانت توجب الشك في إثباتها بواسطة الدليل العقلي، من دون وجود دليلٍ شرعي مسبَق عليه، فلم يكن الدليل العقلي حينئذٍ دليلاً مستقلاًّ وأصلياً فيها، بل مؤيِّداً للدليل الشرعي، فإذا شئتَ فراجِعْها، فلن نكرِّرها في هذا المكان. ويمكن لنا مقارنة الأدلة المذكورة هناك مع الأدلة التي نذكرها هنا؛ للوقوف على الاختلافات والفوارق المحتملة بينها.

وذكر لأصل البراءة معنيان:

الأول: الإباحة والحلية في «الأشياء» «والأفعال»؛ لفقد النصّ، سواء قبل بعثة الرسل أو بعد ذلك عند عدم وجود نصّ، فالأصل الأولي والقاعدة الأولية في ما ليس له نصّ هي أصالة الإباحة والحلية.

الثاني: أصالة عدم الوجوب وعدم الحرمة عند الشك بالحكم، وإجمال النصّ الشرعي الخاصّ، وعدم العلم به بعد بعثة الرسل ومجيء النصّ أو النصوص، وإجمالها، وعدم خروجها من الظنون والاحتمالات في الحكم، وعدم التمكّن من الجزم به بواسطتها، وعدم وجود طريق آخر لإثباته بشكلٍ معتبر([7]).

وقد قسم بعض المتأخِّرين الشبهات التي ليس لها حكم سابق يمكن استصحابه، التي وقع الكلام في أنها محل البراءة أو الاحتياط، إلى: الشبهة الحكمية التكليفية؛ والشبهة المصداقية في المكلَّف به، بأن يكون منشأ الشك الأمور الخارجية، أو من ناحية ظواهر الأدلة الشرعية. وقسَّم كلاًّ منهما إلى: الشبهة الوجوبية؛ والتحريمية. وقسَّم كل واحد من هذه الأربعة إلى ثلاثة أخرى؛ بأن يكون الشك فقدان النصّ؛ أو إجماله؛ أو تعارضه ودورانه بين المحذورين: الحرمة والوجوب، حيث أوصل فروضها إلى اثني عشر فرضاً. ولم يقتفِ صاحب الكفاية أثره؛ لأن ملاك جريان البراءة في جميع الأقسام عنده واحد، وهو عدم وصول التكليف إلى المكلَّف([8]). وتشمل البراءة جميع أقسامها، إلاّ في فرض تعارض النصين، فحكمه مع وجود ترجيح في البين اختيار الحكم الراجح، ومع عدمه التخيير بينهما، وإنْ فصّل بعض الأخباريين بين الشبهة الوجوبية والتحريمية؛ فقبلوا جريان البراءة في الأولى، دون الثانية([9]).

قال في الكفاية: لو شك في وجوب شيء أو حرمته، ولم تنهض عليه حجة، جاز شرعاً وعقلاً ترك الأوّل، وفعل الثاني، كان عدم نهوض الحجة لأجل فقدان النصّ أو إجماله (واحتمال الكراهة أو الاستحباب)([10]).

وأما تعارض النصّين فليس محلاًّ للبراءة؛ لأنّه مع وجود ترجيح في البين فالواجب اتّباع الحكم الراجح، ومع فقده فكلا الحكمين حجّةٌ في حقه، وهو مخيَّر بينهما، كما سيأتي بحثه. والبراءة تجري في محلٍّ لم يتحقّق فيه حجة ودليل، ومع وجودهما لا تصل النوبة إليه.

 

التعارض الظاهري بين البراءة والاحتياط في الأدلّة الشرعية

كان التعارض بين الإباحة من جهة وبين الحظر والوقف والاحتياط من جهة أخرى في النقل والعقل تعارضاً شديداً، واختلف الناس فيه اختلافاً كثيراً. وكانت أكثر الأدلة النقلية الواردة في الشبهات مختلفة، فأكثرها تحكم بالحظر أو الوقف والاحتياط، وأقلها تأمر بالبراءة والإباحة، وإنْ كانت أدلة الأخيرة ليست بقليلة.

ويمكن القول: إن من وجوه كثرة أخبار الاحتياط والتأكيد عليه وتغليظه هو سيرة بعض الناس في العصور الإسلامية الأولى، عصر المعصومين، حيث لم يكونوا يهتمّون بتعلم الأحكام ومراجعتها؛ للعمل بها وتطبيقها والتقيد بها، وعدم اهتمامهم بمراجعة المعصومين؛ لأخذها، وتهاونهم في ذلك.

وقد رضوا المقام على الجهالة، وتضييع العلم وأهله، والتدين بغير العلم، والاستناد إلى عقولهم الضعيفة وآرائهم الواهية والاستحسانات الظنية، والاعتماد على الاجتهاد والتأويل من غير دليل شرعي، والتقليد للآباء والأسلاف والكبراء في دقيق الأشياء وجليلها. ولو كانت الجهالة جائزةً لأهل الصحة والسلامة لجاز وضع التكليف عنهم، وفي جواز ذلك بطلان الكتب وبعثة الرسل، وما كانوا محتاجين إلى السؤال والتعلم، شأنهم شأن البهائم وأهل الضرر والزمانة.

ويجب على الخلق أن يؤدّوا جميع الفرائض بعلمٍ وبصيرة ويقين؛ ليكونوا مستوجبين لثوابه وعظيم جزائه، ولم يبِحْ لهم الجهل به والإنكار لدينه، فقال جلَّ ثناؤه: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لاَ يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ (الأعراف: 169). وقال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ (يونس: 39). وقال المعصوم×: «مَنْ دخل في الإيمان بعلم ثبت فيه، ونفعه إيمانه؛ ومَنْ دخل فيه بغير علمٍ خرج منه كما دخل فيه». وقال×: «مَنْ أخذ دينه من كتاب الله وسنّة نبيّه صوات الله عليه وآله زالت الجبال قبل أن يزول، ومَنْ أخذ دينه من أفواه الرجال ردّته الرجال»([11]).

وأخبار البراءة تحمل على الإباحة بعد الفحص والتحقيق عن أهله، وعدم العثور على حكمٍ خاص في مورده، فلا تعارض بينها وبين أخبار الاحتياط، سواء دلت على الحظر أو التوقّف.

وجاء في مصباح الأصول: إن النزاع المعروف بين الأصوليين والأخبارين في مسألة البراءة إنما هو تمامية البيان من قبل المولى، وعدمه.

وأما عدم كون العبد مستحقّاً للعقاب على مخالفة التكليف، مع عدم وصوله إلى المكلَّف [بعد أن رجع إلى أدلة الأحكام، ووقف على مقتضاها]، فهي مسلَّمة عند الجميع، ولم يقَعْ فيه نزاع بين الأصوليين والأخبارين، كيف وأن العقاب على مخالفة التكليف غير الواصل من أوضح مصاديق الظلم؟! وقد دلَّت الآيات والروايات على أن الله سبحانه وتعالى لا يعاقب إلاّ بعد البيان، لئلا يكون للناس على الله حجّة، بل له الحجة البالغة.

وبالجملة عدم استحقاق العقاب في فرض عدم البيان ممّا لم ينكره، ولن ينكره، عاقل، إنما الخلاف بين الأصوليين والأخبارين في الصغرى، حيث ذهب أصحابنا الأخباريون إلى تمامية البيان، وقيام الحجّة على التكليف الواقعية؛ لوجهين:

الأول: العلم الإجمالي بثبوت التكاليف، وهو يقتضي الاحتياط.

الثاني: الأخبار الكثيرة الدالة على التوقّف عند الشبهة، وعلى الاحتياط في المشتبهات.

والعلم الإجمالي بثبوت التكاليف قد انحلّ؛ بما عثرنا عليه من الأحكام التي دلت عليها الأخبار، إلى الشكّ البدوي([12]).

 

مبحث الشكّ في الحكم الشرعي، وتقسيماته

وتنقسم الشكوك والشبهات إلى: الشبهات التي يوجد لها حالة سابقة وحكم سابق فمحلّ البحث عنها مبحث الاستصحاب؛ والشبهات التي ليس لها حالة سابقة وحكم سابق، وهي إما حكمية تكليفية؛ وإما مصداقية في المكلَّف به. والحكمية تحصل إما لفقد النصوص؛ أو لإجمالها؛ أو لتعارضها. فلنبدأ البحث من الشبهات الحكمية.

الشبهات الحكمية

1ـ الشبهة الحكمية التكليفية الابتدائية عند فقد النصّ: إذا دار حكم شيء للفقيه في هذه الشبهة بين الحظر ووجود إلزام شرعي، وعدمه؛ والإباحة؛ بسبب فقد النصوص والأدلة، فحكمه عند غالب العلماء الاحتياط في العمل وفي الفتوى قبل الفحص؛ وسبب ذلك العلم الإجمالي بوجود أحكامٍ كثيرة في الشريعة، والبراءة بعد الفحص إنْ لم يثبت له حكمٌ شرعي خاصّ؛ وذلك لإزالة هذا العلم الإجمالي بوجود أحكام شرعية معلومة في هذا المورد، وتبديل العلم الإجمالي بالأحكام المجهولة إلى شبهة بدوية فيه. وبيَّن الشارع أن الحكم الشرعي في الشبهة البدوية بعد الفحص في المسائل التي لا حكم فيها، أو لم يصل إلينا حكمه، هو الإباحة والحلية والجواز، إنْ لم يترتب على الإباحة والجواز مفسدة خاصة، كمَنْ شكّ في أن صلاة الليل واجبة أو لا، في الشبهة الوجوبية؛ أو مَنْ شك في أن أكل الأرنب حرام أو لا، في الشبهة التحريمية.

ونسب إلى بعض المناصرين للأمين الإسترآبادي الاحتياط بعد الفحص أيضاً؛ لوجود العلم الإجمالي بالأحكام الشرعية، وبقاؤها؛ وذهب آخرون إلى البراءة في الشبهة الوجوبية، والاحتياط في الشبهة التحريمية.

2ـ الشبهة الحكمية التكليفية الابتدائية؛ لإجمال النصوص: ويرجع الشكّ فيها إلى وجود إلزام شرعي في الحكم وعدمه، فيكون حكم المشكوك في هذه الشبهة عند غالب العلماء عين حكمها عند فقد النصّ والأدلة، وهو الحكم بالاحتياط قبل الفحص، وبالبراءة والإباحة بعد الفحص، إذا لم يثبت حكمٌ خاص له، كما لو شك في وجوب عمل خاصّ أو حرمته؛ لوجود الأمر به أو النهي عنه، فيحمل ذلك الأمر على الاستحباب، وذلك النهي على الكراهة.

3ـ الشبهة الحكمية التكليفية الابتدائية؛ لتعارض ظاهر النصوص: ويرجع الشك فيها إلى وجود إلزام شرعي في الحكم وعدمه، فيجب الفحص والرجوع إلى الأدلة؛ فإن لم يظهر الحكم الشرعي يجب الجمع بينها، بحمل الأمر على الجواز أو الاستحباب؛ لكي يتلاءم مع النهي التحريمي، وحمل النهي على الكراهة أو الجواز؛ لكي يتلاءم مع الأمر الوجوبي، فيمكن العمل بكلا الدليلين والحكمين، أو بأحدهما من باب التوسعة الشرعية التي وهبها الشارع للمكلَّفين، والتسليم لأوامره وما جاء به.

وإذا أمكن الجمع بأيّ طريقٍ يمكن ويحتمل فالحكم هو الترجيح لما هو الأرجح. ولو لم يحصل ترجيحٌ لأحدهما على الآخر بأيّ وجهٍ ممكن فالحكم هو التخيير. وذهب غالب المتأخّرين إلى التخيير رأساً. والدليل على المختار أدلّتنا الشرعية.

 

النصوص الدالة على الاحتياط في الشبهات الحكمية

أما النصوص التي تأمر بالاحتياط في الشبهة الحكمية فتحمل على النهي عن القول من دون علمٍ، وعلى عدم مراجعة الأئمة المعصومين^ الذين كان عندهم علم السنّة النبوية وعلم الشريعة كاملة، والقول والفتوى من دون علم، سواء كان ذلك من باب الجهل، أو التقصير والعناد. وقد أشرنا إلى الآيات التي يستند إليها في المقام، في كتاب الجديد في أصول الفقه. وأما الأخبار فمنها:

1ـ روى عمر بن حنظلة عن الصادق× قال: قال رسول الله|: «حلالٌ بيِّن، وحرامٌ بيِّن، وشبهاتٌ بين ذلك، فمَنْ ترك الشبهات نجا من المحرَّمات، ومَنْ أخذ بالشبهات ارتكب المحرَّمات، وهلك من حيث لا يعلم»([13]).

2ـ عن جميل بن درّاج، عن أبي عبد الله× قال: «الوقوف عند الشبهة خيرٌ من الاقتحام في الهلكة. إنّ على كل حقّ حقيقة، وعلى كل صواب نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه»([14]).

3ـ ما ورد عنهم^: «إنما الأمور ثلاثة: أمرٌ بيِّن رشده فيتبع؛ وأمرٌ بيِّن غيُّه فيجتنب، وأمرٌ مشكل يردّ علمه إلى الله تعالى ورسوله»([15]).

4ـ ما ورد في النهي عن القول بغير علم: عن أبي عبد الله× قال: «أنهاك عن خصلتين، فيهما هلك الرجال: أنهاك أن تدين الله بالباطل؛ وتفتني الناس بما لا تعلم»([16]).

5ـ عن زرارة، عن أبي جعفر× قال: سألتُه ما حقّ الله على العباد؟ قال: «أن يقولوا ما يعلمون؛ ويقفوا عند ما لا يعلمون»([17]).

6ـ وعن الصادق× قال: «مَنْ فرَّط تفرّط، ومَنْ خاف العاقبة تثبّت عن التوغل في ما لا يعلم، ومَنْ هجم على أمرٍ بغير علم جدع أنف نفسه»([18]).

7ـ وعن سيّدنا أمير المؤمنين× في وصيّته لابنه الحسن×: «ودَعْ القول في ما لا تعلم، والخطاب في ما لا تكلف، وأمسك عن طريق إذا خفت الضلالة؛ فإن الكفّ عند حيرة الضلالة خيرٌ من ركوب الأهوال»([19]).

8ـ وعن الباقر×، قال: «مَنْ أفتى الناس برأيه فقد دان الله بما لا يعلم، ومن دان الله بما لا يعلم فقد ضادّ الله([20])، حيث أحلّ وحرم في ما لا يعلم»([21]). إلى غير ذلك من النصوص.

 

نصوص البراءة في الشبهة الحكمية التكليفية بعد الفحص

والمقصود من البراءة هو الإباحة والحلّ في الأشياء والأفعال. وهناك معنى آخر للبراءة وهو عدم وجود إلزام وجوبي أو تحريمي. وقد ذكرنا الأدلة التي يستدل بها من القرآن الكريم على الإباحة في كتاب الجديد في أصول الفقه. وأما الأخبار فمنها:

1ـ ما رواه ابن بابويه في الفقيه، في باب القنوت بالفارسية، عن الصادق× قال: «كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهيٌ»([22]). وفي أمالي الطوسي: «حتّى يرد فيه أمرٌ أو نهي»([23]).

2ـ عن حمزة بن الطيّار، عن أبي عبد الله× قال: قال لي اكتب، فأملى عليَّ: «إن من قولنا: إن الله يحتجّ على العباد بما آتاهم وعرفهم، ثم أرسل إليهم رسولاً، وأنزل عليهم الكتاب، فأمر فيه ونهى، أمر فيه بالصلاة والصيام…، الحديث»([24]). فيظهر منه أن العقاب لا يكون إلاّ بعد البيان.

3ـ عن زكريا بن يحيى، عن أبي عبد الله× قال: «ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوعٌ عنهم»([25]). وغيرها من الروايات.

 

الشبهات المصداقية

ومن الشبهات التي ليس لها حالة سابقة هي الشبهات المصداقية في المكلَّف به، بعد أن كان أصل التكليف الإلزامي محرزاً لدى المكلف، بأن فرض أن التكليف معلوم بالإجمال، ولكن بعض مصاديق الحكم تردّد وتعارض بين أمرين أو أمور متباينة، سواء كان التردد في المصاديق لأسباب خارجية لا دخل لها بالشارع والنصّ الشرعي، كاشتباه فرد الحكم ومصداقه بأفراد مغايرة، كالشك بين الثوبين أو الإناءين أو الثياب والأواني في أن أيّاً منها تحقّقت فيها النجاسة، سواء كانت الشبهة محصورة أو غير محصورة، وكالشكّ في أن هذا اللحم ميتة أو مذكّى، إذا علمنا بالعلم الإجمالي باختلاط مورد أو موردين من الميتة مع لحوم السوق؛ أو لأسباب تشريعية ناشئة من أدلة الشارع، كإجمالها وإبهامها، أو لتعارض مفاهيم بعضها مع البعض بحسب الظاهر، فيتردّد أمر الواجب مثلاً في الشبهة الوجوبية بعد معلومية أصل الحكم ونوعه بين شيئين متباينين. فمثلاً: لو علم المكلف بوجوب أصل الصلاة عليه في ظهر الجمعة، ولكنّه تردّد في أن الواجب عليه فيها هو صلاة الظهر أو صلاة الجمعة، على فرض صحة هذا المثال، وعدم وجود حكم سابق محقّق في المسألة، من أن صلاة الظهر واجبة على المكلف في كل يوم.

أو تردّد أمر الواجب بين الأقلّ والأكثر حيث كان الواجب مركباً من الأجزاء والشرائط الفرضية، فتردّد أمره بين الفرد الحائز على الأجزاء الأقل أو الأكثر منها، ولما وصل أمر البحث إلى هنا فلا بُدَّ من تعريف الأقل والأكثر من أجزاء الواجب وشروطه، التي يمكن أن تكون محلّ وجوب.

تقسيم الواجب إلى: الواجب البسيط؛ والواجب المركَّب

تقسيم المركب إلى الأقلّ والأكثر الاستقلاليين والارتباطيين

قام بعض المتأخّرين بتقسيم الواجبات الشرعية إلى أصناف، منها: أن تتصور على شكل فعل بسيط، لا تركيب فيه ولا أجزاء، مثل: قصد امتثال الأمر في العبادات.

ومنها: أن تتصور على شكل واجب مركّب من الأجزاء والشرائط. فالواجب الذي كان مركباً من الأجزاء والشرائط إما أن تكون أجزاؤه وشرائطه مستقلّة؛ أو تكون غير مستقلة. ويعبر عن الأول بالمركب الاستقلالي، وعن الثاني بالمركب الارتباطي. والواجب المستقلّ، مثل: وجوب صوم شهر رمضان، صحة صيام كل جزء وكل يوم منه لا تتوقّف على صحة صوم أيّامه بالكامل؛ فإنّ كل فرد منها مستقلّ، ويقع امتثاله صحيحاً، ولا تحتاج صحّة امتثاله إلى امتثال كامل الأفراد. ومثل هذا خارج عن محل البحث في الشبهة المصداقية؛ لأن وجوب الأقل معلوم على كلّ تقدير، سواء قلنا بوجوب الأقل أو وجوب الأكثر، فيصح أيضاً، حتّى بناءً على أنه جزء من الأكثر الذي هو الواجب، مثلاً: لو دار الحكم الشرعي بين أن يكون رمضان تسعة وعشرين يوماً أو ثلاثين؛ لأن لكل فرد منه وجوبه الخاص، فلا ينحلّ العلم الإجمالي بوجوب أصل صوم رمضان، بالنسبة إلى الجزء الزائد الذي يسمّى بالأكثر، فلا يمكن القول: إن العلم التفصيلي بوجوب الأقلّ، وهو القدر المتيقَّن، أوجب زوال العلم الإجمالي بالنسبة إلى الأكثر، وإنه لا يوجد حينئذٍ علمٌ بوجوب تكليفه، وتبدّل العلم الإجمالي إلى شكٍّ بدوي بالنسبة إليه، فيكون حكمه حينئذٍ البراءة، كما قاله بعض المتأخرين([26])، فمنع الأدلة التي يتمسّك بها بوجوب الاحتياط في الأكثر ووجوب امتثاله، فلم يلتزم بقاعدة «الاشتغال اليقيني يقتضي الامتثال اليقيني»، ووجوب تحصيل اليقين بالبراءة، فقال: الاشتغال اليقيني إنما هو بالأقلّ، وغيره مشكوكٌ فيه.

ولم يميِّز المستدلّ استدلاله هذا، هل هو عقلي أو شرعي؟

أمّا العقل فلا يحكم به؛ لأنه لو صحّ لصحّ في جميع موارد الشبهة المصداقية ـ كالدوران بين المتباينين، والشبهات المصداقية الحادثة لأجل الأسباب الخارجية ـ؛ لعدم وجود خصوصية في المورد.

وأما الشرع فلا يسنده إليه، ولا يمكن زوال العلم الإجمالي بأصل التكليف بفعل الأقلّ، حتّى يقال: إن التكليف بالنسبة إلى الأكثر حينئذٍ شبهة ابتدائية، فالشك هاهنا في المكلَّف به شبهة مصداقية مردَّدة بين الأقل والأكثر، لا في التكليف، فيجب الاطمئنان من القيام بامتثال التكليف الإجمالي، وهذا لا يتحقَّق إلاّ بامتثال الأكثر.

فالأفضل إخراج البحث عن شكل النزاع بين أدلة البراءة، وهي الشبهة الحكمية التكليفية، وأدلّة الاحتياط، وهي شبهة المكلَّف به، بأن نقول: إن الشبهة لو حصلت من تعارض الأدلة الشرعية وإجمالها، ودار أمرها بين الأقلّ والأكثر، فالحكم فيها ـ كما تدلّ عليها الأخبار العلاجية ـ هو الجمع بين الدليلين، وهو دليل الأقلّ ودليل الأكثر، بحمل الأمر بالأكثر على الاستحباب، وحمل الأمر بالأقلّ على الوجوب، وبهذا الشكل ينحلّ المشكل، ويزول التعارض والإجمال.

وأما الدوران في المركَّب الارتباطي بين الأقلّ والأكثر من الأجزاء والشرائط والقيود فمرادهم من الأكثر ما هو مشتملٌ على الأقلّ، ومعنى الارتباط بينها أن المأمور به لو كان الأكثر فلا بُدَّ وأن يؤتى به، فإنْ أتى بالأقلّ لم يأتِ بالمأمور به، فيجب الإتيان بجميع أجزاء المركَّب وشروطه.

قال صاحب الكفاية: إن العلم الاجمالي بثبوت التكليف بينهما يوجب الاحتياط عقلاً بإتيان الأكثر؛ لتنجزه به، حيث تعلق بثبوته فعلاً. وتوهُّم انحلاله إلى العلم بوجوب الأقلّ تفصيلاً والشكّ في وجوب الأكثر بدواً فاسدٌ قطعاً([27]).

وقال أستاذنا الشيخ الصافي في تقرير بحث أستاذه السيد البروجردي&، في مقام بيانه لمرام المتأخِّرين: اعلم أن الشيخ& اختار في المسألة البراءة العقلية. ودليله على ما اختاره، حسب ما ذكره السيد الأستاذ&، هو أنّنا نعلم بالتفصيل بتوجّه الأمر إلى الأقلّ، ونشكّ في تعلّقه بالزائد، والعلم بتوجّه الأمر به يكفي في تنجّزه ووجوب امتثاله عند العقل، وحرمة مخالفته، بخلاف الزائد؛ للشك في تعلق الأمر به.

هذا، واختار المحقِّق الخراساني في المسألة: لزوم الاحتياط عقلاً بالإتيان بالأكثر؛ لأن تعلق التكليف بالأقلّ أو الأكثر يكون نظير المتباينين، لا يمكن الاحتياط، ولا يخرج المكلف عن عهدة التكليف المردّد إلاّ بإتيان كلٍّ منهما مستقلاًّ. وفي الأقلّ والأكثر الارتباطيين يتحقّق الاحتياط بالإتيان بالأكثر، ولا يجب عليه أن يأتي بالأقل مستقلاًّ، فافهَمْ وتدبَّرْ في ذلك؛ حتّى لا تتوهَّم ـ كما توهّمه البعض ـ أن كون النسبة بين الأقلّ والأكثر التباين يقتضي الإتيان بكلٍّ منهما مستقلاًّ([28]). انتهى مع التلخيص.

ويمكن تصوير البحث بهذا الشكل أيضاً، بأن نقول: إن الشك في التكليف بعد الفحص موردٌ للبراءة، وفي المكلَّف به موردٌ لقاعدة الاشتغال، وأما الشكّ في الأقل والأكثر الارتباطيين فيقع الكلام فيه من حيث إنه ملحق بالشكّ في المكلَّف به، ليكون مورداً للاحتياط والاشتغال، أو إنه ملحق بالشك في التكليف، ليكون مورداً للبراءة، فذكر في حكمه ثلاثة أقوال:

الأول: إنه مجرى قاعدة الاحتياط، وعدم جريان البراءة العقلية والنقلية فيه؛ للعلم بالتكليف وشغل الذمّة، فيستدعي الاحتياط والامتثال اليقيني بفعل الأكثر.

الثاني: البراءة عقلاً وشرعاً، وهو مختار الشيخ الأنصاري&.

الثالث: التفصيل بجريان البراءة النقلية، دون العقلية، وحكم العقل بالاحتياط، وهو مختار الشيخ النائيني&. وذهب صاحب الكفاية أيضاً إليه، ولكنْ في الأخير من مختاره ذهب إلى القول الأوّل، أي الاحتياط عقلاً وشرعاً.

فينظر البعض في هذه المسألة إلى أن التكليف بالأقلّ متيقَّن، وبالأكثر مشكوك فيه، فيلحق حكمه بحكم الشكّ في التكليف؛ وبعض آخر ينظر فيها إلى وحدة التكليف، وتردّده بين الأقلّ والأكثر، فيلحقه بالشكّ في المكلَّف به؛ ليكون اصل التكليف متيقّناً، وإنما الشك في الانطباق في الخارج على الأقلّ أو الأكثر، فيرجع الشكّ إلى الشكّ في المكلَّف به، الذي هو محلٌّ للاحتياط([29]).

 

أقسام الشبهات المصداقية، وتحقيق أحكامها

إن هذه الشبهات إما حاصلة من إجمال نصوص الشارع؛ أو تعارضها؛ أو لأسباب خارجية غير مرتبطة به. ولا يتصور في هذه الشبهة فقد النصّ، كما افترضه البعض في مخيلتهم؛ لأن الفرض أن النصوص جاءت بأصل الحكم وبيّنته. وهي على قسمين:

القسم الأول: الشبهة المصداقية بين المتباينين، أو الأقلّ والأكثر الارتباطيين؛ لإجمال النصوص وتعارضها. وحكمها هو الجمع بين الأدلة المتعدّدة المجملة أو المتعارضة؛ لدوران أمر الواجب فيها بين شيئين، سواء كانا من قبيل المتباينين كالظهر والجمعة، أو المتشابهين كالأقلّ والأكثر. والجمع بين أدلّتها ـ إنْ أمكن ـ يقتضي جواز ارتكاب الفعلين أو أحدهما. والجمع المعنوي في تعارض نصوصها إنْ كانت من قبيل الأمر والنهي عن شيءٍ واحد، فيمكن أن يحمل الأمر على الاستحباب أو الجواز، وحمل النهي على الكراهة، كما في الحكمين المتباينين. ولو كان فيه شكلان من الأمر؛ أحدهما يأمر بالأقل؛ والآخر يأمر بالأكثر، فيحمل الأمر بالأقل على الوجوب، والأمر بالأكثر على الاستحباب. ولو كان فيه نهيان فيحمل أحدهما ـ وهو النهي عن الأقلّ ـ على الحرمة، والآخر ـ وهو النهي عن الأكثر ـ على الكراهة. فيجب الجمع بين النصوص المتفاوتة والمتخالفة ظاهراً بشكلٍ يرتفع التعارض والتردّد، ويخرجها من التخالف والتناقض الظاهري في معناها؛ لأن الشارع لا يأمر بالتناقض، سواء كان تعارض معنى النصوص بين الوجوب وغير الوجوب، أو الحرمة وغير الحرمة، أو الوجوب والحرمة. وإذا أمكن الجمع فحكمها الترجيح، وعند عدم إمكانه يكون الحكم هو التخيير.

وعلى فرض عدم وجود الأدلة التي تأمرنا بالجمع بين المتعارضات والمجملات كان العقل يحكم بالاحتياط؛ لقاعدة أن الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية، فكان يأمر بوجوب الموافقة القطعية بامتثال الظهر والجمعة، أو القصر والتمام، عند دوران الحكم بينها، وإنْ لم يكن المثال تامّاً؛ لأنّه في مثل موردها يوجد لحكمهما حالة سابقة، فيمكن أن تستصحب.

القسم الثاني: الشبهة المصداقية لاشتباه المسائل الخارجية وأفراد الحكم في الخارج. وهي على قسمين: محصورة؛ وغير محصورة. وغرضهم من المحصور ما يعدّه العرف محصوراً، وكذا غير المحصور، وإلاّ فكلّ عدد فرض كائناً ما كان يكون متناهياً، والغرض من غير المحصور بمعنى أن عدّها وحصرها متعسِّر بحسب العرف.

والفرق بين المحصور وغير المحصور، كما في الفوائد، أن المحصور يمكن فيه التنزُّه عن الكلّ، بحيث لا يلزم الحرج المنفيّ؛ وغيره بخلافه. فلا يتحقّق العلم عادةً للمكلف الواحد بأنه ارتكب الجميع ممَّا فيه الحرمة. ولو ثبت أن المكلَّفين بأجمعهم ارتكبوا الكلّ لا يضر؛ لأن كلاًّ منهم مكلَّف بعلم نفسه، ولو لم يكن لم يكن تكليفٌ عليه، كما هو الحكم في وجدان المني في الثوب المشترك؛ لعدم علم كل واحد منهما بتكليفٍ وقع به، بخلاف ثوبَيْ شخصٍ واحد، يكون أحدهما غير المعلوم نجساً، فإنّ علمَ صاحبه به يوجب التنزُّه عنهما جميعاً، لا عن أحدهما.

ويظهر من الأخبار أن النجاسة لا يجب من أول الأمر الفحص عنها، هل أنّها بلغت ثوبه أم لا، بل لا يجب ذلك عند أمارةٍ محتملة أيضاً، بل متى علم بها ـ بحسب الاتفاق ـ تنزَّه عنها، وإلاّ فلا([30]).

وحكمهما العامّ في المسائل التي يعتمد فيها على الظاهر، ويتساهل في أمرها، مثل: النجاسة والتذكية، هو البراءة الشرعية، إلاّ في فردٍ منها، حتّى لا يستلزم المخالفة القطعية، وتخرج حينئذٍ عن الشبهة؛ لأنه يحصل العلم القطعي بمخالفته إذا ارتكب جميع الأفراد. فالبراءة الشرعية هي مقتضى النصوص.

 

الأخبار التي تدل على البراءة في الشبهة المصداقية

منها: قوله× في رواية عبد الله بن سنان: «كلّ شيء يكون فيه حلال وحرام فهو حلال لك أبداً، حتّى تعرف الحرام منه بعينه، فتدعه»([31])، فلا حاجة إلى الفحص وظهور واقع الأمر، ومعرفة حكمه الأصلي.

وقوله×، عن شراء الخيانة والسرقة؟ قال: «لا، إلاّ أن يكون قد اختلط (أي قد اشتبه) مع غيره، وأما السرقة بعينها فلا»([32]).

وما ورد في رواية إسحاق بن عمّار من جواز الاشتراء من العامل الذي يظلم، ما لم يعلم أنه ظلم فيه أحداً([33]).

وما ورد أيضاً في رواية أبي عبيدة، عن أبي جعفر×، من جواز الاشتراء من العامل الذي يعلم أنه يأخذ أكثر من الحقّ، حتّى تعرف الحرام بعينه([34]).

وهناك نصوصٌ أخرى ذكرناها في الجديد، نذكر طائفة منها هاهنا:

1ـ عن أبي الجارود قال: سألتُ أبا جعفر× عن الجبن، وقلتُ له: أخبرني مَنْ رأى أنه يجعل فيه الميتة؟ قال: «أمن أجل مكانٍ واحد يجعل فيه الميتة حرم في جميع الأرضين؟ إذا علمت أنه ميتة فلا تأكله، وإنْ لم تعلم فاشترِ وبِعْ»([35]).

2ـ وعن الباقر× قال: «إنْ كنت تعلم بأن فيه مالاً معروفاً رباً، وتعرف أهله، فخذ رأس مالك ورُدَّ ما سوى ذلك، وإنْ كان مختلطاً فكُلْه هنيئاً؛ فإنّ المال مالك»([36]).

3ـ وعن الصادق×: «لو أن رجلاً ورث من أبيه مالاً، وقد عرف أن في ذلك المال رباً، ولكن قد اختلط في التجارة بغيره، فإنه له حلالٌ طيب، فليأكله؛ وإنْ عرف منه شيئاً أنه رباً فليأخذ رأس ماله، وليردّ الزيادة»([37]).

4ـ وعن جراح المدائني، عن الصادق× أنه قال: «لا يصلح شراء السرقة والخيانة إذا عرفت»([38]). وغيرها من النصوص.

حكم الشبهة المحصورة وغير المحصورة

وحكم الشبهات المحصورة يختلف باختلاف الموضوع. وهو تابعٌ للأدلة الخاصة به؛ فتارة يجب على المكلف أن يحتاط، ولا يدع طرفاً واحداً من الأطراف المحتملة، ومن أمثلة ذلك: الدوران بين المتباينين، فمَنْ نسي من صلاة يومه واحدة، ولا يدري هل هي الثنائية أو الثلاثية أو الرباعية، صلّى ثنائية وثلاثية ورباعية.

دليله الأول النصّ؛ فقد سئل الإمام الصادق× عمَّنْ نسي صلاة واحدة من الخمس، ولا يدري أيتها؟ فقال: يصلي ثلاثاً وأربعاً وركعتين، فإنْ تكن الظهر أو العصر أو العشاء فقد صلّى أربعاً، وإنْ تكن المغرب أو الغداة فقد صلّى.

وهذا تعليلٌ لبراءة الذمة والخروج عن عهدة التكليف على كلّ فرض، وهو مطابقٌ للاحتياط العقلي.

الثاني: حكم العقل بأن التكليف اليقيني يستدعي الامتثال اليقيني.

والشبهة غير المحصورة لا يجب فيها الامتثال اليقيني والموافقة القطعية، تحريمية كانت أو وجوبية؛ حيث يعجز المكلف عادةً في الغالب أن يفعل جميع الأطراف فيها. فمَنْ نذر مثلاً أن يصوم يوماً معيناً من سنة معينة، ثم نسي تعين اليوم المنذور، يصعب عليه أن يصوم السنة بالكامل. ومَنْ علم أن في السوق ثوباً غصباً يشقّ عليه أن يجتنب عن كلّ ما فيه من ثياب، إذا احتاج إلى واحدٍ منها.

وقيل: لا فرق بين الشبهة من حيث الموافقة القطعية وعدم وجوبها، وإنما الفرق بينهما في المخالفة القطعية، فإنها تحرم في الوجوبية غير المحصورة؛ لمكان القدرة على ترك جميع الأطراف، ولا تحرم المخالفة القطعية في التحريمية غير المحصورة؛ لأن المخالفة القطعية فيها متعسِّرة وغير ممكنة عادة.

وإذا حرمت المخالفة القطعية تعيَّن وجوب الموافقة الاحتمالية بفعل بعض الأطراف.

فالشكّ في المكلَّف به في الشبهة المصداقية يرجع إلى الشكّ في التكليف بعد الفحص، والذي كان محكوماً بالبراءة، ولكنه لا يشمله هنا حكم البراءة؛ لوجود العلم الإجمالي بالتكليف، وحكمه ملفَّقٌ من الاحتياط والبراءة. فوجوب الاحتياط شرعاً فيه هو عند المخالفة القطعية، وأما عند المخالفة الاحتمالية فحكمه البراءة وجواز المخالفة. والبراءة هنا في الواقع استثناءٌ للحكم الشرعي في الشبهة الخارجية؛ للتخفيف على المكلَّف؛ لأن الفرض أنه عالمٌ إجمالاً بوجود المحرَّم في أفراده ومصاديقه، وأنه قادر على اجتناب كلّ الأطراف، وأن اجتنابه غير حرجيّ، ولا يترتب عليه عناء ومشقة وكلفة غير متعارفة، ومع ذلك خفِّف عليه بالبراءة، مع العلم بأن المعرفة بالتكليف وموضوعه والقدرة على الطاعة من دون عسرٍ شديد وحرج علّة تامة لإلزام المكلَّف بالموافقة القطعية. وعلى هذا الأساس وحده ترتكز القاعدة العقلية القائلة: إن التكليف اليقيني يقتضي الامتثال والفراغ اليقيني، إلاّ ما استثناه الشارع وخرج بالدليل، وهو من المسلَّمات. ففي الشك في الشبهة المصداقية الوجوبية في الأقل والأكثر الارتباطيين التكليفُ معلومٌ وظاهر، والشكّ جاء من ناحية أفراد المكلَّف به ومصداقيتهم؛ لأن التكليف فيه قطعيّ، فيستدعي الفراغ اليقيني، وذلك لا يتحقّق إلاّ بالاحتياط بفعل الأكثر، ولأنّنا نشكّ بأن الأقل يجزي، فيجب الاحتياط بفعل الأكثر.

وأما في الشبهة المحصورة لو كانت الشبهة تحريمية فلا يجوز المخالفة القطعية وارتكاب جميع الأطراف؛ للوقوع في المعصية يقيناً. وأما وجوب الموافقة القطعية بترك جميع الأطراف وإنْ كان أمراً عقلياً، لكنْ لا دليل عليه شرعاً، بل قام الدليل على عدم وجوبه، وعلى جواز المخالفة الاحتمالية بارتكاب بعض الأطراف؛ لأن كل طرف من أطراف الشبهة إذا نظرنا اليه مستقلاًّ زال ذلك العلم الإجمالي. هذا ولكن نسب إلى أكثر المتأخِّرين في الأصول ذهابهم إلى أن حكم الشبهة المصداقية هو الإباحة والبراءة، واستندوا فيها إلى النصوص الواردة فيها([39]).

ولسائلٍ أن يسأل: وهل يستسيغ العقل الإقدام على ما يظنّ أنه جرأة على الله ومعصيته من غير مؤمِّن ومبرِّر؟! وأيّ عاقل يشرب من أحد إناءين وهو على علم اليقين إجمالاً بأنّ السمّ في أحدهما قابع ونافذ، أو يرمي بسهمه رجلاً من اثنين له ثأر عند أحدهما، وله يقينٌ أن واحداً منهما بريءٌ، دون الآخر؟!

والجواب: إن الأمثلة التي أشير إليها خارجة عن الحكم المذكور بالبراءة؛ لأنه يترتب عليه المفسدة، وأمور وتبعات لا يرغب بها الشارع، بل يجري فيها الاحتياط. فمحل الكلام هو الشبهة المصداقية التي لم يتوجّه إليه أصلٌ موضوعي يبين حكم المورد. فمثل المرأة المردَّدة بين الزوجة والأجنبية خارج عن محل الكلام؛ لأن أصالة عدم الزوجية المقتضية للحرمة، بل استصحاب الحرمة، حاكمة ومقدّمة على أصالة الإباحة والبراءة. ونحوه: المال المردَّد بين مال نفسه وملك الغير، مع سبق ملك الغير له، وأما مع عدم سبق ملك أحد عليه فلا ينبغي الإشكال في عدم ترتُّب أحكامه عليه، من عدم جواز بيعه ونحوه([40]).

هذا والأحكام الفقهية توقيفيةٌ، ولا ضرورة أن تكون أحكام الوقائع المتشابهة واحدة ومتفقة، وأن توضع قوانين عامة قياسية لجميعها. ولا ضرورة أيضاً أن تكون مختلفة وغير متفقة، بل أحكام كلّ شيء وواقعة تكون بحسبها. وإن بحث البراءة والاحتياط في الشبهات التي ترتبط بالمكلَّف به منطبقٌ في الغالب على بحث النجاسة، والتذكية، وحلّية الأكل والمأكول، وبعض الأبحاث التي هي متّحدة معها في المناط والأحكام، وليس ضرورياً أن ينطبق على جميع الأحكام، بل لا ينطبق على الموارد التي يترتّب عليها تبعات سيئة، وأمور لا تحمل ولا يريدها الشارع. ولا مانع عقلاً أن يأذن الشارع بارتكاب بعض أطراف العلم الإجمالي في الشبهة التحريمية المصداقية المحصورة أو غير المحصورة ما دام الأمر والنهي تحت اختياره وقبضته، وحق الطاعة له. ولا محلّ هنا للقاعدة العقلية القائلة بأن التكليف اليقيني يستدعي الامتثال اليقيني والاحتياط؛ لأنه يمكن في بعض الحالات أن تخصَّص هذه القاعدة العقلية من قبل صاحب الشريعة. ولا مانع منه؛ لأنه هو صاحب الأمر والشريعة، وكلّ شيء بيد قدرته ومصلحته. والقول بوجوب الاحتياط عقلي وإرشادي محض. والقصد منه الأمن من المخالفة والاطمئنان بالموافقة. فإذا حصل لنا من جهة الشارع نفسه هذا الاطمئنان في ارتكاب بعض الأطراف فلا حاجة إلى الاحتياط.

 

النصوص التي تدلّ على الاحتياط في الشبهات المصداقيّة

ومن القرآن العظيم هي النصوص التي استند إليها للقول بالاحتياط في الشبهة التكليفية الحكمية. أما الأخبار الآمرة بالاحتياط فالأغلب أنها عامّة، تشمل الشبهة الحكمية والمصداقية. وأما التي يظهر منها أنها في الشبهة المصداقية، أو يمكن أن يكون ظهورها فيها أكثر، فمنها:

1ـ عن عبد الرحمن بن الحجّاج قال: سألتُ أبا الحسن× عن رجلين أصابا صيداً، وهما محرمان، الجزاء بينهما أو على كلّ واحد منهما جزاء؟ قال: «لا، بل عليه أن يجزي كلّ واحد منهما الصيد»، قلتُ: إن بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدْرِ ما عليه، فقال: «إذا أصبتم مثل هذا فلم تدْرُوا فعليكم بالاحتياط، حتّى تسألوا عنه فتعلموا»([41]).

وهذا الخبر وإنْ كان يرتبط بالاحتياط عند الجهل بالحكم الشرعي وعدم تعلمه، ولكنْ يمكن أن يكون قوله: «إذا أصبتم مثل هذا فلم تدْرُوا فعليكم بالاحتياط» شاهداً للشبهة المصداقية أيضاً.

2ـ عن العلاء بن سيّابة، عن أبي عبد الله×: «إن النكاح أحرى، وأحرى أن يحتاط فيه، وهو فرجٌ، ومنه يكون الولد»([42]). وغيرها من النصوص.

 

الجواب عن اعتراضات مقدَّرة

وحديث «كلّ شيء لك حلالٌ أو طاهر» وما أشبه لا ربط له بمسألة العلم الإجمالي في الشك في المكلَّف به، ولا يدلّ على الإذن والترخيص بارتكاب أطراف الشبهة، بل هو أجنبيٌّ وبعيد كلّ البعد عنه، وهو مرتبطٌ بالشبهة الحكمية التكليفية البدوية.

ولكنْ لا مانع أيضاً على الإطلاق من الأخذ بأصل الاباحة في أطراف الشبهة التحريمية مع العلم الإجمالي، ولا يلزم منه أيّ مخالفة ومصادمة مع الدليل القائل بوجوب ترك الحرام الواقعي؛ كي نطرح أصل الإباحة ولا نعمل به.

فظهر أن إعمال أصل الإباحة في جميع أطراف الشبهة في المكلَّف به يستدعي الترخيص بالمعصية، ونفي الحكم الثابت باليقين. لذا يحرم المخالفة القطعية. وأما المخالفة الاحتمالية، بالإقدام على بعض أطراف العلم الإجمالي والإحجام عن بعضها الآخر بمقدار الحرام أو الأكثر؛ تهرباً من الوقوع في المعصية القطعية، فهو مباحٌ بمقتضى الأدلة الشرعية الخاصة بهذه الشبهات.

 

استحباب الاحتياط في الشبهة المصداقية؛ للجمع بين أدلّة البراءة والاحتياط

لا شكّ أن ارتكاب بعض الشبهات فيه مظنّة قوية للوقوع في الحرمة، فمن الأفضل الاحتراز قدر الممكن منها.

وقال المولى مهدي النراقي& حول استحباب الاحتياط في الشبهة المصداقية: إن المجتهدين ذهبوا إلى استحباب الاجتناب هنا أيضاً، كما في ما لا نصّ فيه أيضاً؛ لأخبار الشبهة. ولا ريب أن الشبهة تصدق على ما اشتبه الموضوع فيه، كما تصدق على ما اشتبه الحكم الشرعي فيه؛ لأنه ليس للشبهة حقيقة شرعية. فالواجب الرجوع إلى العرف واللغة. وصدق الشبهة على ما اشتبه الموضوع فيه غير خفيّ على الأذكياء.

ويدلّ عليه أيضاً ما ورد عن مولانا أمير المؤمنين×، حيث قال: «إنّما سميت الشبهة شبهة؛ لأنها تشبه الحقّ. فأما أولياء الله فضياؤهم فيها اليقين، ودليلهم سمت الهدى…، الحديث»([43]).

قال الشيخ الصدوق&: خطب الإمام أمير المؤمنين× فقال: «إنّ الله حدَّ حدوداً فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تنقصوها، وسكت عن أشياء لم يسكت عنها نسياناً فلا تكلّفوها، رحمةً من الله لكم فاقبلوها».

ثم قال×: «حلالٌ بيِّن، وحرامٌ بيِّن، وشبهاتٌ بين ذلك. فمَنْ ترك ما اشتبه عليه من الإثم فهو لما استبان له أترك. والمعاصي حِمَى الله، فمَنْ يرتع حولها يوشك أن يدخلها»([44]).

ويدلّ عليه أيضاً بعض الأخبار المتقدّمة، كقوله×: «حلالٌ بيّن، وحرامٌ بيّن، وشبهاتٌ بين ذلك»([45])؛ فإنه يدل أن ما سوى اليقين شبهة. وما نحن فيه ما عدا اليقين.

وكذا قوله×: «إنما الأمور ثلاثة: أمرٌ بيِّن رشده فيتبع؛ وأمرٌ بيِّن غيُّه فيجتنب؛ وشبهاتٌ بين ذلك»([46]) يدلّ على المطلوب.

وكذا أمثال ما ذكرنا من الأخبار الدالّة على التثليث؛ لأنه يستفاد منها أن الأحكام تنقسم إلى ثلاثة؛ قسمان منها يقينيان؛ وواحد منها شبهة. فكل أمر لم يكن حلّيّته أو حرمته يقينية يكون شبهة، يستحب الاجتناب عنه، بناءً على ما ذهب إليه الأصوليون من أصحابنا؛ للجمع بين الأدلة.

ويدلّ على استحباب الاجتناب قول الصادق×: «تشوَّفت الدنيا إلى قوم حلالاً محضاً فلم يريدوها فدرجوا؛ ثم تشوَّفت إلى قوم حلالاً وشبهة فقالوا: لا حاجة لنا إلى الشبهة، وتوسَّعوا في الحلال؛ وتشوَّفت إلى قوم حراماً محضاً فطلبوها فلم يجدوها. والمؤمن يأكل في الدنيا بمنزلة المضطرّ»([47]).

وقوله أيضاً، عن آبائه^: إنّ النبيّ| قال: «لا تجامعوا في النكاح على الشبهة، وقِفُوا عند الشبهة»، يقول: «إذا بلغك أنك قد رضعت من لبنها وأنها لك محرم…، الحديث»([48]).

والعجب أن الأخباريين استدلّوا على التوقف في الشبهة في نفس الحكم الشرعي، أعني في ما لم يرِدْ به نصّ، ولم يعلم هل هو حلال أو حرام؟، بأخبار التثليث الدالة على الوقوف عند الشبهة، وصرّحوا بالإباحة في الشبهة في موضوع الحكم الشرعي، مع أن الشبهة الواردة في أخبار التثليث تصدق عليها.

قال بعض الأخباريين: إنْ قال قائلٌ: أيها السالكون في طريق الأعمال بدلالة الحديث، والجاعلون بناء أموركم على التثليث: «حلال بيّن؛ وحرام بيّن؛ وشبهات بين ذلك»، هل بلغكم بها حقيقة شرعية أم تحكمون فيها بحقيقة لغوية أو عرفية أو بأمارات قطعية أو ظنية؟ فإنْ كان لها حقيقة شرعية فبيِّنوها لنا، ولا نزاع، وإلا فكيف تحكمون بأن ما لا نصّ فيه وكلّ ما ليس بحلالٍ بيّن فهو شبهةٌ، مع أن الشارع قال: «شبهاتٌ بين ذلك»، ولم يقُلْ: كلّ ما كان بين ذلك فهو شبهةٌ.

وأجاب: لأن الذي ظهر بالتأمُّل والتتبع لواقع استعمال لفظ الشبهة أنه ليس له حقيقة شرعية ولا عرفية تخالف اللغوية، بل المعاني الثلاثة متّحدة، وهي ما كان فيه اشتباه وخفاء، وكان حكمه غير بيِّن، انتهى.

ولا يخفى أن هذا الجواب صريحٌ في أن الشبهة شاملة للشبهة في الموضوع، وهو ظاهر، بل الحقّ ـ على ما ذهب إليه بعض المجتهدين ـ أن الشبهة لا تطلق على ما لا نصّ فيه؛ لأن حكمه أعني الإباحة ظاهرٌ بيّن من الآيات والأخبار، لا اشتباه فيه، بل إطلاق الشبهة مقصورٌ على ما تعارض فيه النصّان، والشبهة في الموضوع.

والعجب أن الأخباريين جزموا بكون ما لا نصّ فيه داخلاً في الشبهة، وأخرجوا الشبهة في الموضوع عن الشبهة. ولا أدري ما دليلهم على ذلك! ([49]).

وفي فرائد الأصول: المعروف عدم وجوب الاجتناب في الشبهة غير المحصورة؛ للإجماع([50]). وفي الفوائد الحائرية: إن عدم وجوب الاجتناب عن غير المحصور مجمع عليه بين الكلّ، ولا ريب فيه، ومدار المسلمين في الأعصار والأمصار كان على ذلك. والعلم الإجمالي في غير المحصور لا يقاوم أدلة البراءة، بأن يدخلها في الحرام والنجس، ولكنْ الأَوْلى مهما أمكن التجنُّب عن الشبهات، وارتكاب الاحتياط في الفتوى، وعدم الاتّكال على أصل البراءة مهما أمكن؛ لأن ما ورد في الاحتياط يكون في غاية الكثرة والشدة، وموافق لمسلك النجاة، خصوصاً بعد ملاحظة وهن العمومات، وشمولها لما يقع فيه الاحتياط. والله الهادي إلى سبيل النجاة([51]).

 

الهوامش

_____________________

(*) باحثٌ في مجال علم الشريعة والحديث.

([1]) مصادر البحث: فرائد الأصول، كفاية الأصول، جامعة الأصول للمولى مهدي النراقي، علم أصول الفقه للشيخ مغنية، أنوار الأصول للشيخ ناصر مكارم، بيان الأصول للشيخ الصافي، مصباح الأصول تقريرات السيد الخوئي، الجامع في الأصول للكاتب، الفوائد الحائرية للوحيد البهبهاني.

([2]) راجع: فرائد الأصول، المجلد الثاني.

([3]) الاعتقادات للصدوق ـ مصنَّفات الشيخ المفيد ـ 5: 114.

([4]) شرح عقائد الصدوق: 244.

([5]) عدة الأصول 2: 742.

([6]) الذريعة 2: 332 ـ 333.

([7]) جامعة الأصول: 37، 39، 119.

([8]) مصباح الأصول 2: 252.

([9]) كفاية الأصول: 338، طبعة آل البيت.

([10]) كفاية الأصول: 339.

([11]) اقتباس من مقدمة الكافي 1: 5 ـ 8.

([12]) مصباح الأصول 2: 254 ـ 255، مع التلخيص.

([13]) الوسائل 18: 76؛ الكافي 1: 86.

([14]) الوسائل 18: 86، نقلاً عن رسالة الفقهاء للراوندي.

([15]) الكافي 1: 47.

([16]) الكافي 1: 42.

([17]) الكافي 1: 43.

([18]) الكافي 1: 37.

([19]) الوسائل 37: 160؛ نهج البلاغة 3: 44؛ شرح نهج البلاغة لابن ميثم 5: 7.

([20]) في جامعة الأصول: صادّ الله.

([21]) الكافي 1: 58.

([22]) الفقيه 1: 317؛ روضة المتقين 2: 349.

([23]) أمالي الطوسي: 63 (الطبعة الحجرية).

([24]) الكافي 1: 164.

([25]) توحيد الصدوق: 413، باب التعريف والحجة والبيان؛ الكافي 1: 164.

([26]) فرائد الأصول 2: 325 ـ 326.

([27]) الكفاية: 2: 228، بخطّ عبد الرحيم.

([28]) بيان الأصول للشيخ الصافي 3: 118 ـ 121.

([29]) مصباح الأصول (تقريرات السيد الخوئي) 2: 426؛ كفاية الأصول: 366، الهامش 1، طبعة آل البيت؛ بيان الأصول: 126.

([30]) الفوائد الحائرية: 246.

([31]) المحاسن: 496، ح601؛ الوسائل 35: 118، نقلاً عن الكافي والمحاسن.

([32]) الوسائل 17: 90، 335، نقلاً عن التهذيب.

([33]) الوسائل 5: 238؛ الكافي 17: 221.

([34]) الوسائل 17: 219، نقلاً عن الكافي 5: 228. وجميع هذه الأحاديث، بالإضافة إلى أحاديث كثيرة أخرى قد أوردناها في هذا البحث، في كتاب الجديد في أصول الفقه.

([35]) الوسائل 35: 119، نقلاً عن المحاسن.

([36]) الوسائل 18: 129، نقلاً عن الكافي والفقيه والتهذيب.

([37]) الوسائل 18: 128، نقلاً عن الكافي والتهذيب.

([38]) الوسائل 17: 236، نقلاً عن التهذيب ومستطرفات السرائر.

([39]) جامعة الأصول: 131.

([40]) فرائد الأصول 2: 127.

([41]) البحار 2: 281، نقلاً عن التهذيب.

([42]) الوسائل 20: 259، الباب 157 من أبواب مقدمات النكاح، ح3.

([43]) الوسائل 27: 141؛ نهج البلاغة 1: 58.

([44]) مَنْ لا يحضره الفقيه 4: 53، 193؛ نهج البلاغة، وعنه في البحار 2: 260؛ أمالي الشيخ المفيد مع تغاير قليل في اللفظ، وعنه في البحار 2: 263.

([45]) الوسائل 27: 157.

([46]) الكافي 1: 48، باختلاف يسير.

([47]) الوسائل 17: 82؛ التهذيب 6: 369؛ الكافي 5: 125.

([48]) الوسائل 20: 259.

([49]) جامعة الأصول: 140، مع التلخيص.

([50]) فرائد الأصول 2: 257.

([51]) الفوائد الحائرية: 247 ـ 239، مع التصرُّف.