علم الأئمة^ في أصول الكافي

13 مايو 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
58 زيارة

علم الأئمة^ في أصول الكافي

نموذجٌ لكيفية المواءمة بين «الحديث» و«الكلام»

الشيخ جويا جهانبخش(*)

ترجمة: حسن علي مطر

تمهيد ــــــ

بآل محمدٍ عُرف الصوابُ *** وفي أبياتهم نزل الكتابُ

وهم حجج الإله على البرايا *** بهم وبحكمهم لا يُسترابُ([1])

إن مسألة علم النبي والأئمة^، رغم ما أحاط بها من الغموض (في الأزمنة البعيدة بفعل تأثير الغلاة، وفي الأزمنة القريبة بفعل القراءات الصوفية والفلسفية والحشوية لتراث الغلاة)، واضحة المعالم في حدِّ ذاتها.

لقد بعث الله تعالى خاتم أنبيائه في أرض الحجاز. وقد كان هذا الرسول ـ مثل سائر رُسُل الله ـ رجلاً من جنس البشر، وليس من جنسٍ آخر. وعلى الرغم من الأمنية التي لازمت الكثير من الناس في أن يبعث لهم أنبياء يَسْمُون على الناس (من قبيل: الملائكة مثلاً)، إلاّ أن إرادة الله سبحانه وتعالى قضَتْ في أن يكون جميع الأنبياء أناساً مثل سائر الناس (وإلاّ هل كان بإمكان الأنبياء أن يكونوا «أسوةً حسنة» وقدوة صالحة لسائر الناس؟).

وقد حلّ سائر أوصياء خاتم الأنبياء من الأئمّة الأطهار^، واحداً إثر آخر، محلّ رسول الله| في منصب الهداية والإرشاد. وكانوا بأجمعهم أناساً مدبّرين أتقياء، وعلى دراية ومعرفة كاملة بمضمون رسالة النبيّ، وكانوا هم الأقدر على حلّ العقد التي تتمثَّل في فهم وتفسير وتطبيق تلك الرسالة، ويعملون على توجيه الناس وهدايتهم، وإخراجهم من المشاكل التي تواجههم في فهم الرسالة. وقد كان علمهم بكتاب الله وسنّة رسول الله هي أداتهم في هذه القدرة على حلّ تلك العُقد. من هنا كان الأئمّة الأطهار^ مطَّلعين على الكتاب والسنّة، وفي غاية الكفاءة والقدرة على حلّ متشابهات ومحكمات الكتاب والسنّة، وتعليم الناس كيفية تطبيق تعاليمهما على أرض الواقع.

وكان هذا من لوازم مهامهم، ومن شروط كونهم من الأوصياء والخلفاء.

وبطبيعة الحال، وبتصريح مجموعةٍ من الروايات والأخبار المتنوّعة التي لا يمكن فيها احتمال الوضع والكذب، قد أخبر هؤلاء الأوصياء بخفايا الأمور، وتحدّثوا عن المغيَّبات، وصدرت عنهم الكرامات، مما يدلّ على علمهم ببعض الأمور الغيبية.

وبطبيعة الحال، لم يكن للنبي الأكرم|، ولا للأئمة الأطهار^، إحاطة شمولية بالغيب؛ حيث يُستفاد ذلك من صريح القرآن الكريم، والسنّة القطعية، والواقع الملموس من التاريخ بوضوحٍ.

فعلى الرغم من إخبارهم ببعض الأمور وجوانب من الغيب، من طريق الوحي والإلهام الإلهي وما إلى ذلك ـ وإن هذه الدرجة من علمهم بالغيب اكتسابية، وليست ذاتية ـ، لم يكونوا على علمٍ بجميع الأمور الغيبية.

إن دعوى أن النبيّ الأكرم والأئمّة الأطهار^ قد أحاطوا علماً بجميع المعلومات وأشخاص الأفراد وجميع الأمور، مجرَّد دعوى لا تقوم على دليلٍ، ولا يمكن لها أن تقف في مواجهة صريح «الكتاب» و«السنّة» و«الواقع التاريخي».

اتّفق المسلمون بأجمعهم على أن جبرائيل كان ينزل بالوحي على النبيّ الأكرم. وكان النبيّ ـ طبقاً لصريح القرآن والسيرة ـ ينتظر نزول الوحي للإجابة عن بعض الأسئلة، بل كان يقلق من إبطاء الوحي عليه([2]). ما هي طبيعة هذا الوحي الذي يتمّ انتظاره على هذه الشاكلة؟! هل كانت هناك أمور يعلمها النبيّ بالتفصيل قبل نزول الوحي بها؟!

ورد في صريح القرآن قوله تعالى: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ…﴾ (النساء: 164). فهل كان النبيّ قبل أن ينزل القرآن بقصص الأنبياء تدريجياً، وعلى طول فترة النبوّة ـ وحتّى التصريح بأنها من المغيَّبات ـ، على علمٍ بها؟!

وجاء في القرآن، في تصريحٍ آخر، قوله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ (التوبة: 101). فهل ينسجم صريح ﴿لاَ تَعْلَمُهُمْ﴾ مع القول بإحاطة النبيّ بجميع المغيَّبات؟!([3]).

وهكذا كان الأمر بالنسبة إلى أوصياء النبيّ أيضاً؛ حيث كانوا يقومون بإرسال الرُّسُل للاطّلاع على الأخبار والحوادث وتفقُّد الناس وما إلى ذلك، ولم يكونوا يحيطون علماً بالغيب.

وقد أفاد لبَّ الكلام المتكلِّمُ الشيعي الأبرز الشيخ المفيد، حيث قال في المسائل السروية: «…الشيعة… إنما إجماعهم ثابتٌ على أن الإمام يعلم الحكم في كلّ ما يكون، دون أن يكون عالماً بأعيان ما يحدث ويكون، على التفصيل والتمييز»([4]).

إن الكلام المهمّ للشيخ المفيد في المسائل العكبرية ـ والذي نقله العلامة المجلسي في مرآة العقول([5]) أيضاً ـ لا ينافي بطبيعة الحال علم الأئمة ببعض الأمور الغيبية ـ وليس جميع هذه الأمور ـ، التي يعلمها من خلال تعليم الله له، وإحاطته علماً بها. وقد قال المفيد نفسه في أوائل المقالات: «إن الأئمة من آل محمد| قد كانوا يعرفون ضمائر بعض العباد، ويعرفون ما يكون قبل كونه».

وبطبيعة الحال فهو نفسه الذي يضيف على ذلك قائلاً: «وليس ذلك بواجب في صفاتهم، ولا شرطاً في إمامتهم، وإنّما أكرمهم الله تعالى به، وأعلمهم إيّاه؛ للطف في طاعتهم، والتمسُّك بإمامتهم، وليس ذلك بواجب عقلاً، ولكنه وجب لهم من جهة السماع»([6]).

لقد كان تأكيد الشيخ المفيد على أن العلم بالحوادث ومعرفة جميع الأمور والموارد العينية ليس شرطاً في الإمامة، ونحن لا نقول بأن الإمام يعلم بجميع أمثال هذه الأمور. إن العلم الذي هو لازم الإمامة، والذي يعتبر القدر المتيقَّن من علم الإمام هو العلم بالدين، أو على حدّ تعبير المفيد: هو العلم بأحكام الأمور والحوادث.

وقال ابن شهرآشوب في كتابه القيّم (متشابه القرآن ومختلفه): «النبي والإمام يجب أن يعلما علوم الدين والشريعة، ولا يجب أن يعلما الغيب وما كان وما يكون؛ لأن ذلك يؤدّي إلى أنهما مشاركان للقديم تعالى في جميع معلوماته التي لا تتناهى…، ويجوز أن يعلما الغائبات والكائنات الماضيات أو المستقبلات بإعلام الله تعالى لهما شيئاً منها…»([7]).

قد نوَّه ابن شهرآشوب في هذا المورد بأن أمير المؤمنين عليّاً× كان ـ طبقاً لبعض الروايات ـ يعلم بمقتله([8])، كما كان يعرف قاتله. إلاّ أن ابن شهرآشوب يذهب إلى الاعتقاد بعدم إمكان أن يعلم الإمام ساعة مقتله بشكلٍ دقيق…([9]).

لا شأن لنا هنا بصحّة أو عدم صحّة المثال الذي يذكره ابن شهرآشوب؛ إذ قد يكون علم الإمام بالوقت الدقيق لمقتله ـ خلافاً لرأي ابن شهرآشوب ـ مقبولاً، ولا يؤدّي إلى مشكلة من زاوية علم الكلام([10]). إنما مكمن الكلام في تأكيد وتصريح أمثال هؤلاء الكبار على المفهوم الواضح المستفاد من «الكتاب» و«السنّة» و«الواقع التاريخي»، وهو عدم إحاطة علم الإمام× بالغيب([11]).

إن الذي يمنح هذه التصريحات أهمّية كبيرة هو تقابلها مع التصوّر الغالي لأولئك الذين ظنّوا أن النبيّ والإمام يحيطون علماً بجميع شؤون العالم إحاطةً كاملة، وعلى أساس هذا التصوُّر بادروا إلى تفسير وتحليل النصوص، بل حمَّلوا هذا التصوّر العجيب والمتناقض على التاريخ والثقافة الشيعية، وادّعوا أن الله تعالى ـ بناءً على المذهب المختار للشيعة الإمامية الاثني عشرية ـ قد أعطى الأئمّة^ علم كلّ شيء، حتّى لا يخفى عليهم علم شيءٍ في السماء والأرض.

غالباً ما يتمّ الترويج لمثل هذه العقائد بين عوامّ الشيعة من خلال الاستشهاد بظاهر عددٍ من روايات الكافي وبصائر الدرجات وما إليهما، دون إبداء أيّ حساسية كافية في ما يتعلّق بالاطمئنان بصدور أو دلالة هذه الروايات([12]). هذا في حين لو أن كانت الرواية تتعلّق بجزئيات الطهارة والنجاسة والنكاح والطلاق لا يمكن ـ طبقاً للمنهج الفقهي ـ أن تترك دون تحقيقٍ في سندها ومضمونها، وانسجامها أو عدم انسجامها مع سائر الأحاديث، بل حتّى مع استنباط المتقدِّمين والفتاوى المشهورة وما إلى ذلك.

نعلم أن الغلاة ـ ولا سيَّما في القرنين الثاني والثالث الهجريين ـ قد بذلوا جهوداً مضنية في وضع واختلاق الروايات، ونشر أفكارهم في التراث الشيعي المدوَّن. من هنا لم تكن جعبة المحدِّثين البارزين وكبار المتكلِّمين من الشيعة في تلك العصور، حتّى القرنين الرابع والخامس الهجريّين، تخلو من الحساسية الخاصّة تجاه الغلاة ورواسبهم الفكرية والعملية. وقد نجحوا إلى حدٍّ ما في طرد ونبذ الأفكار والعقائد الغالية.

ولكننا بدأنا نشهد في الآونة الأخيرة ـ للأسف الشديد ـ إقبالاً من قبل عددٍ من الفضلاء والنُخَب الشيعية على بعض التراث المدوَّن والروايات المأثورة عن الغلاة، واتَّخذوا منها موقفاً مختلفاً. بل إن هناك مَنْ عمد إلى النصوص الدينية الثابتة وغير الغالية ليخرجوا منها ـ وما زالوا ـ بتفاسير وتأويلات مفعمة بالغلوّ.

إن دراسة أسباب وعوامل هذا الاتجاه الخطير والنزعة المخيفة تحتاج إلى بحث وتنقيب كبير في الأفكار السائدة والدوافع المؤثِّرة في فكر وثقافة المروِّجين لتراث وأفكار الغلاة. إلاّ أن مثل هذا البحث الشامل خارجٌ عن طاقة هذا المقال. ولكنْ لا بُدَّ ـ مع ذلك ـ من الإشارة إلى هذا البحث، ولو بشكلٍ عابر.

بعد قرون من بداية الغيبة الكبرى بدأ التصوُّف ـ الذي كان حتّى ذلك الحين قد ازدهر في عالم أهل التسنُّن، واصطبغ بصبغةٍ سنية([13]) ـ بالتماهي والتلاقح مع التشيُّع تدريجاً. ومن خلال ظهور رجال من أمثال: السيد حيدر الآملي وجد ركام من الأفكار المتأثِّرة بفلسفة ابن عربي طريقه إلى دائرة الثقافة الشيعية، وأخذت الهاضمة الفكرية والثقافية للمجتمع الشيعي تألف اجترار التراث الصوفي (بكلّ أوزاره وأحماله وأثقاله).

وقد ضاعف ظهور نجم سلسلة الصفويين ـ من ذوي الخلفية الصوفية، ورغم التغيُّر الذي طال بعض توجُّهاتهم طوال فترة سلطانهم، إلاّ أنهم لم يفقدوا صبغتهم الصوفية، إلاّ بعد الاضمحلال بفعل فتنة الأفغان([14]) ـ من تأثير التصوُّف على التشيُّع، وهو تأثيرٌ لا نزال نشهد تداعياته إلى يومنا هذا، رغم كل المتغيِّرات التي طرأت على مسيرته، شدّةً وضعفاً.

لا شَكَّ في أن انتشار الآراء الصوفية واشتهار المناقب والمقامات الجزافية ـ التي اعتبرها المتصوِّفون لمشايخهم ـ قد شكَّل أرضية خصبة للإقبال على «الروايات التي نسجتها المخيِّلة الغالية»، أو «القراءة الغالية لمتشابهات الأخبار».

ويمكن القول: إن التوجيه الذي يذكره (دهدار الشيرازي) لعبارة «أنا بكلّ شيء عليم»، في الحديث المختلق والمنكَر الموسوم بـ (خطبة البيان)، إنما ينبثق عن مثل هذا المرتع؛ إذ يقول: «ينقل عن الآخذ من بيدر حضرة الولاية قوله: إن العالم بالنسبة إلى العارف بمنزلة الخوان المبسوط بين يديه. ويُنقل عن قدوة الأولياء الخواجة بهاء الدين النقشبند أنه قال: إنّ العالَم بالنسبة إلى العالِم كقلامة ظفره. ورُوي عن سيد التابعين أويس القرني ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: «مَنْ عرف الله لا يخفى عليه شيء». وعن قطب الأولياء العارفين المحقِّقين الشيخ الحاج محمد بن أبي النجم الخنجي ـ قدّس الله روحه العزيز ـ أنه قال: لا يخفى على الأولياء من أمّة محمد سرّ خلق بعوضةٍ. فإذا كان هذا هو حال المقترفين والآخذين من هذا البيدر كيف سيكون الحال بشأن صاحب البيدر نفسه؟!»([15]).

كما يقدِّم صورة صوفيّة ومتأثّرة بمنهج ابن عربي عن أمير المؤمنين×؛ لتكون مبرّرة لمثل هذا الكلام، إذ يقول: «…إن وجوده من حيث الاتحاد بالحقيقة المحمدية| شاملٌ لكلّ ما هو جزئي وكلّي من الممكنات، وروحه مرآة تجلي الذات مع جميع الأسماء والصفات…. وحيث أدرك نفسه يكون قد أدرك جميع مندرجات النفس أيضاً، وعليه سيكون عالماً بجميع الأشياء. ونقل عنه أنه أخبر قائلاً:

أتزعم أنك جُرمٌ صغير *** وفيك انطوى العالم الأكبر»([16]).

إن هذا النوع من النسيج الخادع، والمشوب بالحقّ والباطل، والرطب واليابس، والذي يذهل العقول ويسحرها، كان له الكثير ممَّنْ يشتريه منذ القرن الهجري السابع وحتى هذه اللحظة من تاريخ ثقافتنا العلمية التقليدية والحديثة. ولا زلنا نشهد في أهمّ مراكزنا العلمية التقليدية والحديثة مَنْ يتشدَّق بالرؤية المنبثقة عن الفتوحات المكّية وفصوص الحكم.

لسنا هنا بصدد تقييم هذه الغرابة (وإنْ كانت جديرةً بالتقييم في حدِّ ذاتها).

إن غايتنا من الاستشهاد بأفكار وتقوُّلات أمثال (دهدار الشيرازي) توجيه الأنظار إلى الأرضية الخصبة والمناسبة التي أوجدتها مثل هذه الأفكار والأقوال لتقبّل الآراء الغالية في دائرة المعرفة الدينية.

إن نوعاً من الأخبارية المتطرّفة، ولا سيَّما عند بعض الأخباريين في العصر الصفوي، مواكبة للتفكير الصوفي الغالي، قد مهَّد الأرضية لاستناد الحشوية على الأخبار الموضوعة والمشبوهة، والتمسّك المفرط بظواهر بعض الروايات الاعتقادية والأخلاقية. وعلى الرغم من انحسار المدّ الأخباري في أَوْج النزاع بين الأصوليين والأخباريين، والذي انتهى بالانتصار الساحق للأصوليين على الأخباريين في دائرة الفقه المصطلح، إلاّ أن الأخباريين لم يتلقّوا ضربةً مؤثِّرة في مجال العقائد والأخلاق، ولا سيَّما بالاستناد إلى الأفكار الصوفية السائدة ـ التي كانت تحظى بدعمٍ من قبل فلسفة صدر المتألِّهين ـ حيث شهدت نموّاً واتّساعاً مطَّرداً أيضاً.

في هذا الفضاء الملبَّد بالضباب الذي اشتدّ في الميل إلى الأفكار الغالية كان هناك مَنْ استند إلى بعض الروايات الموهمة لإحاطة الأئمّة علماً بجميع العالم ـ وفي الوقت الذي يتمّ تجاهل صحّة صدور هذه الأحاديث، إذا لم يتمّ التسليم بصحتها واعتبارها أمراً مفروغاً عنه ـ، فأخذوا يحكمون بشأن مسألة علم الإمام، ويرومون الوصول إلى النتائج من خلالها.

وعمد آخرون ـ من خارج الحَلَبة الشيعية، وبالنظر إلى استناد واستنتاج الجماعة المتقدّمة ـ إلى انتقاد الروايات والتراث الإمامي المأثور، من خلال الاعتماد على القراءة والتفسير والفهم المذكور ـ بزعمهم ـ؛ ليبطلوا أهمّية كتبٍ من قبيل: الكافي، وشخصيات من أمثال: الشيخ الكليني.

وبغضّ النظر عن صحّة تلك الروايات أرى أن الذي جرّأ الطاعنين على هذه الشاكلة، وأثار مثل هذا التعارض البيِّن بين الفكر المتين للمتكلِّمين البارزين، من أمثال: الشيخ المفيد والشريف المرتضى، وروايات هذا البحث في كتاب مثل: الكافي، هو تهافت منهج ورؤية بعض المؤلِّفين وعلماء الحديث، سواء في فهم النصّ أو في الجمع بين الروايات والأدلة.

ولا أجد حاجةً إلى التذكير بأن الزلاّت الصغيرة في مثل هذه الأبحاث الدقيقة يؤدّي إلى الكثير من الانحرافات الكبيرة للغاية.

ذهب بعض المحقِّقين إلى القول بأن «مقتضى الجمع بين الآيات والروايات هو أن معنى نفي الغيب عن المعصومين أنهم لا يعلمون الغيب من عند أنفسهم… وإن ما يعلمونه إنما يكون من طريق الوحي، أو الإلهام من قبل الله»([17]).

إن هذا الكلام وإنْ كان صحيحاً، ولكنّه ليس دقيقاً، ولا يختلف كثيراً عن مدّعى بعض الغلاة الذين يتصوَّرون أن الاختلاف الوحيد بين علم الإمام أو النبيّ وعلم الله يكمن في أن علم الله ذاتي، وعلم الإمام أو النبي اكتسابي، في حين أن صريح القرآن الكريم يقول: إن الله يعلم أموراً حجب علمها عن نبيِّه([18]). وكذلك صريح التاريخ على أن الأئمّة الأطهار^ كانوا يكتسبون المعلومات بشأن الكثير من الأمور الروتينية والأعيان والحوادث من الآخرين (فيستخبرون مثلاً الشخص الفلاني عن الواقعة الكذائية، أو يرسلون بريداً للوقوف على أحداث ولاية أو مدينة، أو العودة له بأخبارها مثلاً).

ومن الأمور التي تدعو إلى العجب، بل إلى الأسف، أن نرى مثلاً الشيخ محمد باقر كمره إي ـ تغمَّده الله بغفرانه ـ يقول، في توضيحه على ترجمة أصول الكافي، صراحةً: «…إن الآيات والأخبار الواردة في أن الإمام أو النبيّ لا يعلمان الغيب تدخل في عداد الآيات والأخبار المتشابِهة، ولا بُدَّ من البحث لها عن معنىً صحيح»([19]).

وبعبارةْ أخرى: لا بُدَّ من تأويل صريح الكتاب والسنّة، ولا بُدَّ من نبذ صريح التاريخ، والاعتماد بعد ذلك على فرضيّاتنا بالاستناد إلى روايات أغلبها ـ إذا لم نقُلْ: كلّها ـ موضع شكٍّ أو تأمُّل من حيث الصدور!

وأنا، رغم احترامي وتقديري للجهود والتضحيات الدينية للشيخ محمد باقر كمره إي، وعلى الرغم من علمي بما تعرَّض له هذا الرجل الخدوم من الجفاء، واعتباره من المظلومين في تاريخنا الثقافي المعاصر([20])، أجد نفسي آسفاً ومتعجِّباً جدّاً من طرحه المقترح و«الميثولوجي» المختار من قبله للتعاطي مع مثل هذه المسألة.

طبقاً لمقترح الشيخ محمد باقر كمره إي ومَنْ يسير على منهجه الفكري يجب القول: إن جميع الأسئلة الروتينية واستفهام الأئمّة المعصومين^ من الآخرين عن أحوالهم وشؤونهم لم يكن مراداً على الحقيقة، ولا بُدَّ من تأويله. وعليه نقول: ألا يستلزم هذا الكلام تخصيصاً للأكثر، والذي لا يخفى قبحه([21]) على أحد؟!

إن خطأ القول بالإحاطة العلمية للإمام بجميع أمور العالم واضحٌ في محله، ولكنْ من ناحية أخرى فإن هذا الكمّ الهائل من الأحاديث التي يستشهد بها أصحاب هذا الرأي؛ لإثبات كلامهم، يمكن المناقشة في أصل دلالتها على ما ذهبوا إليه. وحتّى التصوُّر القائل بأن الإمام إذا شاء أن يعلم بأيّ شيء علمه؛ مستندين في ذلك إلى روايات الكافي([22])، موضعُ كلامٍ ونقاش.

فقد رُوي في الكافي: «…عَنْ عَمَّارٍ السَّابَاطِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ× عَنِ الإِمَامِ: يَعْلَمُ الْغَيْبَ؟ فَقَالَ: «لا، وَلكِنْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْلَمَ الشَّيْءَ أَعْلَمَهُ اللهُ ذلِكَ»([23]).

إن هذا المعنى ـ أي إن الإمام إذا أراد أن يعلم الشيء علم به ـ قد ورد ـ بالإضافة إلى هذا الحديث ـ في ثلاثة أحاديث أخرى، في بابٍ واحد من أبواب الكافي([24]).

ولكنْ يبدو أنه ـ بحَسَب الظاهر ـ مقيَّد ببعض القيود.

هناك كلامٌ مرويّ عن أمير المؤمنين×، يبدو من عنوانه أنه قاله قبل فترةٍ من رحيله عن هذه الدنيا، يقول فيه: «أَيُّهَا النَّاسُ، كُلُّ امْرِئٍ لاقٍ مَا يَفِرُّ مِنْهُ فِي فِرَارِهِ. الأَجَلُ مَسَاقُ النَّفْسِ، وَالْهَرَبُ مِنْهُ مُوَافَاتُهُ. كَمْ أَطْرَدْتُ الأَيَّامَ أَبْحَثُهَا عَنْ مَكْنُونِ هَذَا الأَمْرِ، فَأَبَى اللَّهُ إِلاّ إِخْفَاءَهُ! هَيْهَاتَ عِلْمٌ مَخْزُونٌ»([25]).

وهذا كلامٌ واضح وصريح؛ فإن الإمام× حيث يقول: «كَمْ أَطْرَدْتُ الأَيَّامَ أَبْحَثُهَا عَنْ مَكْنُونِ هَذَا الأَمْرِ…» إنما يبحث عن شيء أو أشياء بشأن مطلق الموت (أو موته الخاص ـ كما استنبط بعض شرّاح نهج البلاغة ـ)، وعلى الرغم من سعيه إلى العلم به إلاّ أنه لا يصل إلى غايته ومبتغاه، وإن معنى قوله: «فَأَبَى اللهُ إِلاّ إِخْفَاءَهُ» لا يفيد غير ذلك([26]).

كما نرى هذا الحديث المذكور في نهج البلاغة منقولاً في كتاب الكافي أيضاً([27]). وقد ورد كذلك في بعض النصوص القديمة الأخرى، من قبيل: مروج الذهب، للمسعودي، أيضاً([28])، والتي هي من الأحاديث والروايات التي حظيت بالقبول على نحو الإجمال.

وعليه كأنّ المرادَ من القول: إن الأئمة يعلمون ما يشاؤون من الأشياء والأمور التي يريدون تعلُّمها ناظرٌ إلى الأمور التي هي من لوازم الإمامة، بمعنى الأمور التي بها قوام الدين والعلم به. وبعبارةٍ أخرى: إن روايات الكافي في هذا الشأن في مقام بيان أن لوازم الإمامة يتمّ وضعها لا محالة في دائرة علم الإمام، وليس كلّ شيء يروم الإمام معرفته، حتّى وإنْ لم يكن مرتبطاً بالإمامة أو شؤونها. وبطبيعة الحال قد يكون هناك الكثير ممّا هو خارج عن هذه الدائرة، ومع ذلك عندما يريد الإمام أن يعلمه فإن الله يُعلِّمه إياه، ولكنْ يبدو على الظاهر أن إطلاق تلك الملازمة بين الإرادة والعلم إنما تعود إلى دائرة خاصّة.

وروي في الكافي حديثٌ عن الإمام الباقر× أنه قال: «أَتَرَوْنَ أَنَّ اللهَ ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ افْتَرَضَ طَاعَةَ أَوْلِيَائِهِ عَلَى عِبَادِهِ، ثُمَّ يُخْفِي عَنْهُمْ أَخْبَارَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَيَقْطَعُ عَنْهُمْ مَوَادَّ الْعِلْمِ فِي مَا يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِمَّا فِيهِ قِوَامُ دِينِهِمْ؟!»([29]).

يَرِد في هذا النصّ بشكلٍ صريح الموادّ العلمية الضرورية بالنسبة إلى الإمام، والتي يضعها الله سبحانه وتعالى بين يديه؛ كي لا يلزم من إمامته نقض للغرض، وبذلك يُعدّ جواباً عن تلك المسائل وتفصيل تلك المباحث التي تعرض على الأئمة، وتشكِّل قوام الدين. ويبدو أن التأكيد والاستدلال الوارد في قوله: «فِي مَا يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِمَّا فِيهِ قِوَامُ دِينِهِمْ» يُثبت أن المراد من عدم إخفاء أخبار السماوات والأرض ـ الذي تقدَّم ذكره في القضية السابقة ـ هو أن الذي يجب عدم إخفائه هو هذا النوع من الأخبار التي بها قوام الدين، وليس جميع الأخبار.

وإذا ادّعى شخصٌ أنّ مراد القائل هو مطلق أخبار السماوات والأرض يَرِد هذا السؤال القائل: ما هي فائدة العلم بجميع أخبار السماوات والأرض؟ وما هي علاقته بـ «افتراض طاعة الأولياء على العباد»؟

وعليه فإنه طبقاً لهذا النصّ يطرح الإمام الباقر× وجوب طاعة الأئمّة على العباد؛ كي يتمكّنوا من تثبيت ما يلزم من توابع الإمامة. ولازم وجوب إطاعة الإمام كفاءته في القيام بالمسؤولية والمهام الموكَّل بها، وبعبارةٍ أخرى: كفاءته وبصيرته وعلمه في «ما فيه قوام دينهم». لا نعرف من السَّلَف متكلِّماً بارزاً يعتبر العلم بجميع أخبار السماوات والأرض من لوازم الإمامة، ومن «شروطها». من هنا إذا كان المراد من «أخبار السماوات والأرض» مطلق الأخبار، وليس راجعاً إلى مجرَّد ما به «قوام الدين»، خرج هذا القسم من النصّ ـ بطبيعة الحال ـ عن سياق الكلام؛ لأن سياق الكلام يرمي ـ بالاستناد إلى أصل «الإمامة» ـ إلى تثبيت «لازم» هذا الأصل، لا ذلك الذي لا يُعدّ «شرطاً»، ولا «لازماً»، (ولا سيَّما بالالتفات إلى ذهنية وتفكير المخاطَبين الذين كان يجب إقناعهم).

وعليه يمكن حمل الروايات التي تقول: إن الأئمة يعلمون بـ «ما كان» و«ما يكون» و«ما هو كائنٌ»([30]) على هذا العلم الذي هو من لوازم الإمامة، بمعنى أن الأئمة يعلمون جميع المسائل الدينية في الماضي والحاضر والمستقبل.

هناك في الكافي روايةٌ هي مضمون حوار بين هشام بن الحكم والإمام الصادق×، وفي ختام ذلك الحوار يذكِّر الإمام بأن حجّة الله يجب أن يكون قادراً على الإجابة عن أسئلة العباد. وهذه الرواية هي: «عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ× بِمِنًى عَنْ خَمْسِمِئَةِ حَرْفٍ مِنَ الْكَلامِ، فَأَقْبَلْتُ أَقُولُ: يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ فَيَقُولُ: قُلْ كَذَا وَكَذَا، قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، هَذَا الْحَلالُ وَهَذَا الْحَرَامُ أَعْلَمُ أَنَّكَ صَاحِبُهُ، وَأَنَّكَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِهِ، وَهَذَا هُوَ الْكَلامُ. فَقَالَ لِي: وَيْكَ! يَا هِشَامُ، لا يَحْتَجُّ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ بِحُجَّةٍ لا يَكُونُ عِنْدَهُ كُلُّ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ»([31]).

إن الذي يُعتبر معلومةً بديعة في هذا الحديث ـ من وجهة نظر راقم هذه السطور ـ هو بيان طريقة نظرة عالم شيعي بارز، مثل: هشام بن الحكم، إلى الإمام. لقد كان هشام يعتبر الإمام مسؤولاً عن الإجابة عن الأسئلة الفقهية، وربما كان ـ بالمقارنة إلى كبار الفقهاء في ذلك العصر، الذين كانوا يعتبرون من أبرز أصناف علماء الدين ـ ينظر إلى هذا البُعْد من شخصيّة الإمام، ولذلك فإنه فسَّر علم الإمام من خلال هذا البُعْد الفقهي أيضاً. ثمّ التفت بعد ذلك إلى مقام الإمام× بوصفه عالماً في علم الكلام أيضاً.

وبعبارةٍ أخرى: حتّى نُخب الشيعة، من أمثال: هشام بن الحكم ـ الذي كان يعرف إمامه بطبيعة الحال بوصفه «عالماً» ـ، كان في تفسير هذه الكلمة، وتحديد دائرة الاشتمال والدلالة، ينظر إلى مجالاتٍ خاصّة.

ولا علاقة لنا بمدى صحّة أو خطأ تصوُّره وذهنيّته (كما نشهد في الخبر السابق تصحيح وتبديل تصوُّر وذهنية هشام). إنما الذي نريد قوله هو وجود مثل هذا التصوُّر والذهنية، وإن توجيه الخطاب إلى أصحاب مثل هذه الذهنيات يستلزم افتراض انصراف الخطاب عنهم إلى المجالات الخاصّة التي تقدَّم ذكرها.

وعلى هذا الأساس من الطبيعي عندما يتحدَّث الإمام× في مخاطبة أمثال هؤلاء الأشخاص عن علمه الذي يفوق العلم المتعارف إنما يعتمد على الانصراف الذهني لدى المخاطَب إلى «المجالات الخاصّة»، بمعنى أنه يتوقَّع من المخاطب ـ بحَسَب ما يدركه عنه بوصفه إماماً ـ أن يفهم هذا الكلام، وأنه يراه على علمٍ كامل لا يشوبه نقصٌ في حقل الكتاب والسنّة والعقائد والأحكام، وليس في أمورٍ من قبيل: صناعة السيوف، أو فنون صناعة الخَزَف، مثلاً.

إن هذا النوع من القواعد يكون هو الحاكم على عرف الحوار. فعندما يرسلون شخصاً إلى مدير في مكتبةٍ عامّة أو إلى طبيب، ويقال له: يمكنك أن تسأل هذا المدير أو هذا الطبيب ما تشاء من الأسئلة، تكون دائرة دلالة هذه العبارة «كلّ شيء» محدودة بحَسَب مقام وعنوان الشخص المسؤول، وبذلك يتمّ تقييد دائرة معلوماته بحدود ما ينصرف إليه ذهن السامع. وفي مورد مدير المكتبة يعود مضمون «كلّ شيء» إلى علمه في حدود ما تشتمل عليه المكتبة العامّة من الكتب والمصادر والموسوعات ومؤلِّفيها وموضوعاتها، وفي مورد الطبيب يعود المضمون إلى جميع المسائل الطبّية الداخلة في مجال اختصاصه.

قال العلاّمة المجلسي في شرحه للحديث القائل: «يبسط لنا فنعلم، وقد يقبضه عنّا لبعض المصالح فلا نعلم»: «…ولو عُمِّم القبض والبسط في جميع العلوم فلا بُدَّ من تخصيصه بغير ما يحتاج الناس إليه من أمور الدين، بل كلّ ما يسألون عنه فإنّه قد ورد أنه لا يكون الإمام يسأل عن أمرٍ ويقول: لا أدري»([32]).

وقد صرَّح الحديث الوارد في بصائر الدرجات، والذي يستشهد به العلاّمة المجلسي في مرآة العقول، بأن علم الإمام في الحلال والحرام لا يُزاد: «…عن محمد بن سليمان الديلمي، عن أبيه قال: سألتُ أبا عبد الله× فقلتُ: جُعلت فداك، سمعتُك وأنتَ تقول غير مرّةٍ: لولا أنا نزداد لأنفدنا، قال: أما الحلال والحرام فقد والله أنزله الله على نبيِّه بكماله، وما يزداد الإمام في حلالٍ ولا حرام، قال: فقلتُ: فما هذه الزيادة؟ قال: في سائر الأشياء، سوى الحلال والحرام…»([33]).

إن ذلك التوضيح من قبل العلامة المجلسي، وهذه الرواية الواردة في بصائر الدرجات، يؤيِّدان أن ما يعلم به الإمام على نحو «ما كان، وما يكون، وما هو كائنٌ» هو المعلومات الواردة في دائرة الحلال والحرام، أو على حدِّ تعبيرنا: ما يلزم ويجب على الإمام معرفته في الدين.

لا بُدَّ من القول دون مواربةٍ: إن افتراض أن يعلم الإمام بـ «كلّ شيء»، وفي الوقت نفسه يُزاد في علمه من طريقٍ أو من عدّة طرق ـ على ما ورد في الروايات، وحظي بالقبول لدى الأخبارين أيضاً ـ ليس بالافتراض المعقول؛ إذ إن القول بأن شيئاً يزيد من علم الإمام يعني أنّ دائرة علم الإمام قبل أن يُزاد لها العلم الجديد كانت محدودةً، ليكون هناك موضعٌ لأن يزاد فيها.

فلو قلنا: إن التعبير بـ «كلّ شيء» يعني «كلّ شيء» في «حقل المعلومات الواجب على الإمام معرفتها»، وإن الإمام يعلمها فعلاً، ثمّ إن علمه بالأمور الأخرى والحوادث الجزئية وأعيان الأفراد هي التي تزداد بمرور الأزمنة، لا يبقى هناك موضعٌ للتناقض وعدم الانسجام في البين.

جاء في خطبةٍ من نهج البلاغة أنه قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، فَلأَنَا بِطُرُقِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنِّي بِطُرُقِ الأَرْضِ، قَبْلَ أَنْ تَشْغَرَ بِرِجْلِهَا فِتْنَةٌ تَطَأُ فِي خِطَامِهَا، وَتَذْهَبُ بِأَحْلامِ قَوْمِهَا»([34]).

وموضع الكلام يقع في الفقرة القائلة: «فَلأَنَا بِطُرُقِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنِّي بِطُرُقِ الأَرْضِ». فما معنى أن يقول أمير المؤمنين علي×: إنه أعلم بطرق السماء منه بطرق الأرض؟!

الوجه الأوّل أن يُقال: إن هذه العبارة تتضمَّن نوعاً من الأسلوب الأدبي والبياني، وإن المراد ليس هو أن الإمام يعلم بطرق السماء أكثر من علمه بطرق الأرض حقيقةً، وإنما أراد من خلال هذا التعبير أن يؤكِّد على أنه إذا كان عالماً بالسماء ـ وهي بعيدة المنال ـ فهو سيكون عالماً بالأرض ـ التي هي قريبة المنال ـ من بابٍ أَوْلى، ويكون هذا التعبير تأكيداً على علمه الكثير. وقد ذكر هذا المعنى بعض شرّاح نهج البلاغة في معرض شرحه هذه العبارة([35]). وقد ذُكرت ـ بطبيعة الحال ـ وجوه أخرى أيضاً([36]).

والوجه الجدير بالاهتمام في البين من زاوية حوارنا هو تفسير الكلام من خلال التمسُّك بظاهره، دون تأويلٍ وانصراف.

وقد عمد أحمد بن محمد الوبري الخوارزمي ـ وهو من أقدم شرّاح نهج البلاغة ـ إلى تأييد هذه القراءة صراحةً، حيث قال: «معناه أن علمه بالدين أَوْفى من علمه بالدنيا»([37]).

وبطبيعة الحال هناك آخرون من الذين قالوا هذا الكلام بالتفصيل في تلك الأزمنة البعيدة، ومنهم: قطب الدين الراوندي، حيث قال: «…معناه: أنا بالعلوم الشرعية التي أنزلت من طرق السماء أعلم منّي من الأمور الدنيوية التي تُعلم من طريق من طرق المشاهدة والاختبار، وهي معقولةٌ لي، فَسَلُوني عنها؛ فإنها مصالح وألطاف لكم»([38]).

هذا وقد ذكر ابن أبي الحديد المعتزلي كلاماً مشابهاً لهذا الكلام، حيث قال في هذا الشأن: «…أراد: أنا بالأحكام الشرعية والفتاوى الفقهية أعلم منّي بالأمور الدنيوية، فعبَّر عن تلك بطرق السماء؛ لأنها أحكام إلهية، وعبَّر عن هذه بطرق الأرض؛ لأنها من الأمور الأرضية»([39]).

كما ذكر ابن ميثم البحراني الكلام الأخير لابن أبي الحديد، وذكر كلام الوبري، وقدَّم تفسيراً آخر. وجميع هذه الأقوال ترى أن الإمام في استخدامه لكلمة «أعلم» قد أراد المعنى الحقيقي منها([40]).

وهناك ميلٌ لدى الشرّاح المعاصرين إلى التمسُّك بالمعنى الحقيقي في كلمة «أعلم»([41]).

مضافاً إلى أن نستذكر أنّ الأنبياء^ قد جاؤوا لتعريفنا بطرق السماء، ومن هنا فإن كلماتهم ورسالاتهم ونبوّاتهم تمثِّل في الحقيقة ذلك «السلّم السماوي» الذي يَرِد استخدامه في أدبنا العرفاني، من قبيل: قول المولوي جلال الدين الرومي: إن المنّة التي منَّ بها الله علينا تكمن في أنّه ذلل لنا سُبل الوصول إلى طرق السماء، (إن هذا الكلام سُلّم إلى السماء، وسوف يبلغها مَنْ يفهمه)([42])، (هناك سلالم خفية في العالم تصعد نحو السماء درجة درجة)([43]).

لا يسعنا العبور على هذه المسألة ببساطةْ، وهي أن الثورة التي قادها نبيّنا| والأئمّة الأطهار^ في العالم إنما كانت ثورة في دائرة العقائد والأخلاق والأحكام، وإنّ ما تمخّضت عنه رسالة هؤلاء المعصومين لم يكن من الكيمياء أو الفيزياء أو الرياضيات أو الطبّ. وبطبيعة الحال فقد تمكَّن المسلمون لاحقاً ـ وذلك بتأثير من الرؤية الإسلامية ـ من الإبداع في هذه العلوم، وكانت لهم خطوات جبّارة فيها، بَيْدَ أن هذا التأثير على المدى الطويل وبالواسطة شيء، والثورة المباشرة في هذا الشأن شيء آخر. لقد شارك النبيّ الأكرم| في الكثير من الحروب الإسلامية، ولم تشهد أيّ واحدةٍ من هذه الحروب تقدُّماً على مستوى التصنيع العسكري وتطوير السلاح من قبل النبيّ، بحيث يتفوّق فيه على ما يمتلكه الأعداء من الأسلحة في ذلك الوقت. وحتّى ما كان في حرب الخندق والأحزاب، الذي كان باقتراحٍ وتخطيط من سلمان ـ رضي الله عنه ـ، وهو الأمر الذي أثار دهشة العرب([44])، لم يكن اختراعاً من رسول الله|، ولا اختراعاً من سلمان الفارسي، وإنما كان حفر الخندق جزءاً من التكتيكات القتالية في ذلك العصر، غاية ما هنالك أنّه لم يكن معهوداً في شبه الجزيرة العربية، وكان معمولاً به في أماكن أخرى، مثل: إيران. وعليه فإن الثورة التي قادها النبيّ الأكرم| إنما كانت ثورة في العقائد والأحكام والأخلاق، وحتّى ما وقع من الحروب لم يُحدث فيه الإسلام نقلةً نوعية في مستوى التسلُّح، وإنما حصلت النقلة في الغايات والقِيَم القتالية على مستوى الأخلاق والأحكام التي ميَّزت الحروب الإسلامية من حروب غير المسلمين.

ومن هذه الزاوية يمكن لنا أن نعيد قراءة الكثير من النصوص المأثورة. ومن ذلك ما رُوي في الكافي عن الإمام الباقر×؛ إذ يقول: «لَوْ كَانَ لأَلْسِنَتِكُمْ أَوْكِيَةٌ لَحَدَّثْتُ كُلَّ امْرِئٍ بِمَا لَهُ وَعَلَيْهِ»([45]).

يتّضح من السياق أن المراد جميع العناصر الرئيسة للربح والخسارة الدينية، بمعنى ما يؤدّي بالإنسان إلى السعادة أو الشقاء. وفي هذه الحالة لن يكون هناك تهافتٌ بين هذه الروايات وآيات القرآن الكريم.

وطبقاً لروايةٍ في الكافي، يصف الإمام الصادق× نفسه بأنه عالِمٌ بما في السماوات والأرض والجنّة والنار، وما كان وسوف يكون، ثمّ اعتبر هذا العلم مكتسَباً ومستفاداً من كتاب الله، مستنداً في ذلك إلى كون القرآن الكريم تبياناً لكلّ شيء. تقول الرواية: «عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَعِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، مِنْهُمْ: عَبْدُ الأَعْلَى وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ بِشْرٍ الْخَثْعَمِيُّ، سَمِعُوا أَبَا عَبْدِ اللهِ× يَقُولُ: إِنِّي لأَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ، وَأَعْلَمُ مَا فِي الْجَنَّةِ وَأَعْلَمُ مَا فِي النَّارِ، وَأَعْلَمُ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، قَالَ: ثُمَّ مَكَثَ هُنَيْئَةً، فَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ كَبُرَ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ مِنْهُ؛ فَقَالَ: عَلِمْتُ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ إِنَّ اللهَ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ يَقُولُ: فِيهِ تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ»([46]).

بغضّ النظر عن عبارة: «فِيهِ تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ»، التي هي ليست عبارةً قرآنية، وإنما هي نقلٌ لمضمون قوله تعالى: ﴿تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ([47])، وعلى فرض صحّة صدور الحديث، فإن نفس إسناد ذلك العلم الواسع إلى «كتاب الله»، والاستشهاد بكون القرآن «تبياناً» لكلّ شيء على الجامعية التي يمكن لذلك العلم أن ينبثق عنها، جديرٌ بالملاحظة.

ما معنى كون القرآن الكريم «تبياناً»؟ وهل «التبيان» في القرآن يفيد سعة وإطلاق العلم المخزون فيه؟ ثمّ إذا كانت سعة علم الأئمّة المتناسبة والمستندة إلى كون القرآن تبياناً متناسبة ومتناظرة مع سعة المضمون القرآني فهل تستوعب الإطلاق؟!

إن البحث عن جامعية القرآن، ومعنى هذه الجامعية، بحثٌ مستقلّ. ولكنه حيث يرتبط ببحثنا لا يسعنا تجنُّب ذكره، ولو على نحو الإشارة.

خلافاً للرؤية السائدة بين بعض الناس العاديين، والقائمة على جامعية القرآن، بمعنى احتواءه واشتماله على كلّ شيء، كانت النظرة الغالبة لدى أغلب المحقِّقين ـ ولا سيَّما في عصر الصحابة والتابعين ـ على خلاف ذلك.

ففي ذلك العصر كان المتبادر ـ بحَسَب الظاهر ـ من «تبيان القرآن لكلّ شيء» هو الأوامر والنواهي والأحكام الواجبة والمحرَّمة، وكانوا يعتبرون مسألة جامعية القرآن ناظرةً إلى أحكام الشريعة([48]).

وعلى أيّ حال فإن كبار المفسِّرين، من أمثال: الشيخ الطوسي، والشيخ الطبرسي، وجار الله الزمخشري، يرَوْن تبيان وجامعية القرآن منحصرة في الأمور الخاصّة بالدين والمسائل الدينية. وحتّى في هذه الدائرة الدينية نجد مفسِّراً مثل: الفخر الرازي يضع قيوداً أشدّ. وبشكلٍ عامّ فإن هذه هي رؤية أغلب المحقِّقين الإسلاميين، القائم على استحالة عدم اعتبار كون القرآن تبياناً لكلّ شيء في دائرة خاصّة([49]).

وعلى حدّ تعبير المتخصِّص في الشؤون القرآنية، الشهير في عصرنا، الشيخ محمد هادي معرفت: إن الادّعاء القائل بأن القرآن يشتمل على جميع الأمور الدينية وغير الدينية كلام «لا موجب له، ولا دليل عليه». فهو لا موجب له؛ لأن وظيفة الشرع لا تكمن في بيان مثل هذه المسائل، ولا دليل له؛ لما نراه عياناً من أنّ الكثير من المعلومات البشرية العادية لم يَرِدْ ذكرها في القرآن([50]).

ثم إنه ليس من الإنصاف أن نجعل فهم تبيان وجامعية القرآن ـ الذي يراه الشيخ معرفت أقرب إلى الشعار الصحفي منه إلى الكلام العلمي ـ محوراً لفهم التشابه والتناظر القائم بين دائرة علم الإمام ومحتوى القرآن.

وفي ختام حديثٍ طويل ينقل الشيخ الكليني عن الإمام الصادق× أنه قال: «عِلْمُ الْكِتَابِ وَاللهِ كُلُّهُ عِنْدَنَا، عِلْمُ الْكِتَابِ وَاللهِ كُلُّهُ عِنْدَنَا»([51]).

وبالالتفات إلى المعنى الذي تقدَّم ذكره عن تبيانية وجامعية القرآن الكريم يبدو أن هذا الحديث ينطوي على معنىً متناغم مع ما ذكرناه حتّى الآن في باب علم الإمام.

وقد ورد في صدر هذه الرواية الطويلة في الكافي ـ والتي يؤكِّد فيها الإمام الصادق، طبقاً لنصّها وفي خاتمتها، أن عندهم جميع «علم الكتاب» ـ مطلبٌ في غاية الأهمّية؛ إذ ورد فيها: «عَنْ سَدِيرٍ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأَبُو بَصِيرٍ وَيَحْيَى الْبَزَّازُ وَدَاوُودُ بْنُ كَثِيرٍ فِي مَجْلِسِ أَبِي عَبْدِ اللهِ× إِذْ خَرَجَ إِلَيْنَا وَهُوَ مُغْضَبٌ، فَلَمَّا أَخَذَ مَجْلِسَهُ قَالَ: يَا عَجَباً لأَقْوَامٍ يَزْعُمُونَ أَنَّا نَعْلَمُ الْغَيْبَ. مَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ. لَقَدْ هَمَمْتُ بِضَرْبِ جَارِيَتِي فُلانَةَ فَهَرَبَتْ مِنِّي، فَمَا عَلِمْتُ فِي أَيِّ بُيُوتِ الدَّارِ هِيَ»([52]).

سيغدو من السهل الجمع بين صدر هذه الرواية وذيلها إذا قلنا: إن الإمام لا يعلم بكلّ الأمور الغيبية، ولكنّه يمتلك علم الكتاب. وبطبيعة الحال فإنّ جزئيات من قبيل: العلم بموضع اختباء الجارية وما إلى ذلك ليس جزءاً من علم الكتاب([53]).

طبقاً لهذه الرواية يقول سدير وآخرَين للإمام: «جُعِلْنَا فِدَاكَ، سَمِعْنَاكَ وَأَنْتَ تَقُولُ: كَذَا وَكَذَا، فِي أَمْرِ جَارِيَتِكَ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّكَ تَعْلَمُ عِلْماً كَثِيراً، وَلا نَنْسُبُكَ إِلَى عِلْمِ الْغَيْبِ»([54]).

ويمكن جعل الباقي من الحوار المرويّ عن الإمام، وما يذكره في باب إحاطته بعلم الكتاب، بياناً وتوضيحاً ناظراً إلى ما عبَّر عنه هؤلاء بقولهم: «تعلم علماً كثيراً».

ثم ورد في الكافي روايةٌ صريحة في تفصيل وتوسعة «علم ما قد كان وما سيكون»؛ إذ تقول: «…إِنَّ رَسُولَ اللهِ| لَمَّا أُسْرِيَ بِهِ لَمْ يَهْبِطْ حَتَّى أَعْلَمَهُ اللهُ ـ جَلَّ ذِكْرُهُ ـ عِلْمَ مَا قَدْ كَانَ وَمَا سَيَكُونُ. وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْ عِلْمِهِ ذَلِكَ جُمَلاً يَأْتِي تَفْسِيرُهَا فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَكَذَلِكَ كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ×، قَدْ عَلِمَ جُمَلَ الْعِلْمِ، وَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ فِي لَيَالِي الْقَدْرِ…»([55]).

وبالالتفات إلى هذا الحديث لا يعود القول بنوع من التقييد في دائرة «علم ما كان وما سيكون» خَرْقاً للإجماع، أو نقضاً للسنّة! ولو قال شخصٌ بأن المُراد من «ما كان وما يكون» ليس ذلك المعنى المطلق والشامل الذي لا يقبل الاستثناء، وليس من اللازم أن يكون المراد منتهى الظرفية اللغوية لهذا التعبير، لن يكون مبتدعاً.

والغريب أن رفع اليد عن ظاهر بعض الألفاظ والعبارة الواردة في الروايات أمرٌ شائع ومعروف في الاستنباطات الفقهية، حيث يقوم الفقهاء طبقاً لمسلمات الفقه بإخراج بعض الألفاظ والعبارات عن معناها الظاهري بكلّ بساطةٍ، ويصرفونها إلى نواحٍ أخرى، في حين أن الكثير لا يبدي مَيْلاً للقيام بالشيء نفسه في باب العقائد، ومن أجل المسلَّمات العقائدية (التي هي في الغالب أشدّ استحكاماً من المسلَّمات الفقهية)، فلا يبدي ولو شيئاً قليلاً من المرونة في رفع اليد عن عموم وإطلاق وظهور بعض الألفاظ الواردة ـ بالمناسبة ـ في أخبار الآحاد (وهؤلاء الآحاد إلى ذلك آحادٌ ضعاف! وليس لهذه الأخبار أدنى وزنٍ في إثبات العقائد!).

إن تقييد وتحديد دائرة دلالة اللفظ بالالتفات إلى الأدلّة والشواهد الأخرى من أكثر أساليب فهم النصّ تداولاً وشيوعاً بين عموم العقلاء، ومنهم: علماء الدين.

لا شَكَّ في أن توظيف هذا الأسلوب المعتبر لفهم النصّ أرجح من تكلُّفات الذين يقولون مثلاً ـ في الجمع بين الأخبار والشواهد والأدلّة ـ بأن الإمام يعلم شيئاً، ولا يعلم شيئاً أيضاً([56]).

وبعبارةٍ أخرى: إننا في مواجهة الروايات الموهِمة لإحاطة الأئمّة^ علماً بجميع الأمور، وما إلى ذلك من هذه المفاهيم، أمام ثلاثة طرق، وهي:

أـ طرد هذه الروايات ونبذها.

ب ـ تفسير وإيضاح هذه الروايات بأساليب فهم النصّ وفقه الحديث بشكلٍ يرفع التعارض بالأدلة القطعية.

ج ـ التفسير الغالي لهذه الروايات، وتوجيه التعارضات بأساليب صوفيةٍ، لا ينسجم بالضرورة مع المنطق والعُرْف والعقل([57]).

أما الطريق الأول فقد سلكه أغلب الذين بالغوا في التهجُّم على التراث الشيعي ـ ولا سيَّما منهم المتأثِّرون ببعض السلفية من أهل السنّة ـ، فقاموا بنفيها وإنكارها بلا هوادة، ولم يكتفوا بردِّها فحَسْب.

وأما الطريق الثالث فيسلكه في الغالب المتأثِّرون بالأفكار الغالية والحشوية والصوفية، من الذين هم أقلّ تورُّعاً من عدم رفع التعارض، وكذلك تعليق فهم النصّ على النظريات الصوفية والغالية التي هي موضع إشكالٍ في حدِّ ذاتها.

وأما الطريق الثاني فهو الطريق الذي يقتضيه الأسلوب والمنهج المدرسي في التفكير الكلامي والروائي لقدماء الإمامية، من أمثال: الشيخ المفيد، والسيد المرتضى. ويمكن من هذا الطريق الثاني أن نوضِّح كيف عمد المتكلِّمون البارزون، من أمثال: الشيخ المفيد، إلى إنكار الإحاطة العلمية للإمام بجميع جزئيّات العالم، وفي الوقت نفسه يُجلّ كتاباً مثل: (الكافي)، رغم احتوائه على تلك الروايات مورد البحث، بمعنى أنه بالإمكان أن نشرح كيف كان لشخصيّةٍ كبيرة مثل: الشيخ المفيد ـ وربما الكليني نفسه ـ أن تفهم هذه الروايات، بحيث تراها قابلةً للرواية والنشر.

لقد عمد الشيخ محمد باقر كمره إي ـ مترجم الكافي([58]) ـ إلى ترجمة مقالة الشيخ المفيد الواردة في المسائل العكبرية ـ والتي تقدَّم بعضها ـ. وإليك نصّها: «قوله [المدّعي]: إن الإمام يعلم ما يكون بإجماعنا. إن الأمر على خلاف ما قال. وما أجمعت الشيعة قطّ على هذا القول، وإنما إجماعهم ثابتٌ على أن الإمام يعلم الحكم في كلّ ما يكون، دون أن يكون عالماً بأعيان ما يحدث ويكون، على التفصيل والتمييز… ولسنا نمنع أن يعلم الإمام أعيان الحوادث تكون بإعلام الله تعالى له ذلك. فأما القول بأنه يعلم كلّ ما يكون فلسنا نطلقه، ولا نصوِّب قائله؛ لدعواه فيه من غير حجّة ولا بيان»([59]).

وقد أشكل الشيخ كمره إي في توضيحٍ لاحق له على مثل هذا الكلام الصادر عن «أساتذة الفنّ» ـ على حدِّ تعبيره ـ، وقال في ما قال: إن «أساتذة الفنّ» «عمدوا في مضائق الاعتراض إلى إنكار الأصول المسلَّمة في المذهب، كما نرى ذلك من ادّعاء الشيخ المفيد& الإجماع على خلاف الإجماع القائم على أن الإمام يعلم ما يكون، ولو أننا دقّقنا في تحليل كلامه ستكون نتيجته قيام إجماع الشيعة على جهل الإمام، والعياذ بالله»([60]).

تمضي الآن ـ حيث نخطّ هذه السطور ـ فترةٌ على رحيل الشيخ كمره إي عن هذه الدنيا الفانية، تاركاً قيلها وقالها، ولكنْ لنا أن نسأل أتباعه في هذا الكلام من باب تبيين القصد:

أوّلاً: ما هو المصدر المعتبر والقديم على إثبات «الإجماع القائم على أن الإمام يعلم كلّ ما يكون»؟! وأيّ نوعٍ من الإجماع هذا الذي لا يقول به كبار «أساتذة الفنّ»؟!

وثانياً: ما هي قيمة الإجماع المخالف لصريح الكتاب والسنّة القطعية والحقيقة التاريخية؟!

وثالثاً: ما هو المستند الذي يُعتمد عليه في توجيه هذا النوع من الاتّهام للشيخ المفيد ـ أعلى الله مقامه الشريف ـ، ونسبة الكذب إليه ـ نعوذ بالله من مثل هذا الادّعاء والافتراء ـ، وما هو الدليل عليه؟!([61]).

ورابعاً: تقوم عقيدة الشيعة على أن الإمام عالم بمسؤوليّته، ومحيطاً بأمور الشريعة والدين. وإذا قيل: لا نعهد مخلوقاً عالماً بجميع جزئيّات المعلومات وأعيان الأشخاص والحوادث والأحوال، فما هو مكمن القبح في كلامه؟! وما هي المشكلة والشناعة التي صدرت عنه، والتي تستوجب الاستعاذة منه بالله؟! (وهل الحقّ غير ذلك؟!).

وخامساً: إذا كان مجرَّد خروج بعض المعلومات عن دائرة علم شخصٍ ما ـ بما في ذلك الإمام× ـ يُسوِّغ إطلاق مفهوم «الجاهل» عليه فإنّ إطلاق «الجهل» لا على شخصٍ مثلي ومثل زيد وعمرو فحَسْب، بل حتّى على جميع المحقِّقين والمدرِّسين الأفذاذ في الحوزة والجامعة، سيكون سائغاً أيضاً! فهل يؤيِّد عُرْف أهل اللغة مثل هذا الإطلاق؟ …هذه هي البضاعة اللغوية لهؤلاء الذين يُقْحمون أنفسهم في البحوث والدراسات العقائدية، ويترجمون كلام الله وأقوال أئمّة الهدى^!

وسادساً: إذا كان خروج بعض المعلومات عن دائرة علم الأئمة^ يدعو إلى كلّ هذا الويل والثبور، ويستحقّ منا الاستعاذة بالله، فعلى الشيخ محمد باقر كمره إي ومَنْ يحذو حذوه أن يستعيذ عند قراءة القرآن الكريم ومصادر الحديث، ومنها: كتاب الكافي نفسه، الذي اشتمل على الزيادة في معلومات الأئمّة^، وعليه أن يواصل الولولة! …وهل تجب الاستعاذة بالله، والدعوة إلى الويل والثبور وعظائم الأمور، عند قراءتنا لحديث الكافي الذي يقول: «إن لله ـ عزَّ وجلَّ ـ علمين: علم لا يعلمه إلاّ هو، وعلم…(إلخ)»؟!

إن أكثر ما أردتُه من هذا المقال إلقاء ضوءٍ على التوفيق بين الحديث والكلام، بمعنى إثبات إمكانية تبنّي الاعتقاد الراسخ الذي كان يقول به كبار المتكلِّمين، من أمثال: الشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي وابن شهرآشوب، بشأن علم الإمام×، وعدم الاضطرار ـ في الوقت نفسه ـ إلى نبذ وإنكار بعض الأحاديث الواردة في الكافي، التي تبدو للوهلة الأولى غير منسجمةٍ مع تلك العقيدة.

وفي هذا الشأن، قبل أن يكون هناك مأزق في التمسّك بتلك الأحاديث ـ التي قد تكون في الأساس من أخبار الآحاد التي لا تجدي نفعاً في بناء العقيدة ـ يطفو على السطح توضيحٌ بنّاء حول أسباب موقف الشيخ المفيد مثلاً، الذي يعمل من جهةٍ على فتح المجال أمام القراءة المخالفة للغلوّ في أمر الإمامة، ومن جهةٍ أخرى يشيد بالكافي ويثني عليه، رغم اشتماله على عناوين وأبواب صارخة بشأن علم الأئمّة^. ألم يكن بإمكان الشيخ المفيد مثلاً ـ وهو المعروف بتضلُّعه في فقه الحديث، والدقّة في مقاصد الأحاديث المذكورة ـ أن يرى هذه الأحاديث ـ من خلال القراءة المقترحة في هذا المقال ـ غير متناغمة مع تلك العقائد الغالية؟!

إن ما ذكرناه من القراءة المقترحة بشأن الأحاديث المذكورة في الكافي هو ـ بطبيعة الحال ـ مجرّد اقتراح متواضع، قد يمكن تهذيبه وتشذيبه برؤيةٍ وفكرة متأنية، أو استبدالها برؤية أخرى. وكما يقول حافظ الشيرازي: لا أحد يعلم موضع القصد والغاية، وغاية ما نراه بصيص نور يلوح في الأفق. (المعرِّب)([62]).

الهوامش

(*) باحثٌ متخصِّص في مجال الكلام والحديث. له عدّة دراسات تحقيقية وتراثيّة قيِّمة.

([1]) بيتان من قصيدة عصماء لأبي الحسن عليّ بن عبد الله بن الوصيف، المعروف بـ «الناشئ الصغير» (أو الناشئ الأصغر)(271 ـ 365هـ). وقد نقلنا هذين البيتين عن كتاب مناقب آل أبي طالب× 4: 301، لابن شهرآشوب، دار الأضواء.

وقد نسب هذين البيتين خطأً إلى ابن فارض المصري أيضاً، واعتبرا دليلاً على تشيُّعه (انظر نقد ذلك عند: عباس القمي، الكنى والألقاب 1: 375). ولا تصحّ تلك النسبة، ولا تلك الدعوى.

هذا وقد نسب هذان البيتان إلى عمرو بن العاص أيضاً. (انظر: الميلاني، خلاصة عبقات الأنوار 4: 203).

وفي ما يتعلَّق بالناشئ الصغير قائل هذه الأبيات، والتحقيق بشأن صحّة نسبة هذين البيتين إليه، انظر: الأميني، الغدير 4: 28 ـ 33، 25 ـ 28.

([2]) انظر في هذا الشأن: سبب نزول قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (الضحى: 3)، عند كلٍّ من: الطوسي، التبيان 10: 368؛ الزمخشري، الكشّاف 4: 263؛ وتفاسير أخرى.

([3]) طبقاً لهذه الآية لا يرد أيّ إشكال على نبوّة النبي، حتّى إذا لم يكن محيطاً بالكثير من المسائل والأحداث والأحوال والأوضاع التي تدور حوله.

وعلى حدّ تعبير الشيخ المفيد في المسألة مورد تصريح هذه الآية: «وليس بمنكر أن يستر الله عن نبيه نفاق كثير من المنافقين…». (المسائل السروية: 94).

ولابن طاووس مثل هذا التصريح في معرض الحديث عن هذه الآية أيضاً. (انظر: سعد السعود: 223، منشورات الرضي).

ومن ناحيةٍ أخرى فإنّ الملفت للانتباه، أكثر من هذه الآية، آيةٌ أخرى، وهي: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (الأحقاف: 9).

قال الشريف المرتضى في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ﴾: «…والمرادُ بالآية: أنني لا أدري ما يفعل بي، ولا بكم، من المنافع والمضارّ الدنيوية، كالصحة والمرض، والغنى والفقر، والخصب والجدب. وهذا وجهٌ صحيح واضح لا شبهة فيه.

ويجوز أيضاً أن يريد أنّني لا أدري ما يحدثه الله من العبادات، ويأمرني به وإيّاكم من الشرعيات، وما ينسخ من الشرعيّات، وما يقرّ منه ويستدام؛ لأن ذلك كله مغيَّب عنه. وهذا يليق بقوله تعالى في أوّل الآية: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنْ الرُّسُلِ﴾، وفي آخرها: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾». (رسائل الشريف المرتضى 3، إعداد السيد مهدي الرجائي: 105).

وفي رؤية بعض الأئمّة في علم التفسير لا محذور في أن تكون الآية ناظرةً حتّى إلى الجوانب الأخروية، وأن يكون المراد عدم اطّلاع النبيّ| على بعض جزئيات وتفاصيل ثوابه وثواب سائر المؤمنين، وعقاب المنافقين والكفّار. (انظر: ابن شهرآشوب، متشابه القرآن ومختلفه 2: 14؛ الفيض الكاشاني، الصافي 6: 450).

وعن الزمخشري قوله: «يجوز أن يكون نفياً للدراية المفصّلة». (الكشّاف 3: 517).

وانظر بشأن هذه الآية الشريفة أيضاً: مجمع البيان 9: 139 ـ 140.

([4]) المسائل العكبرية: 69.

([5]) انظر: العلاّمة المجلسي، مرآة العقول 3: 125.

وقد نقل هذا الكلام الذي قاله المفيد المجلسي الثاني في بحار الأنوار 42: 257 أيضاً.

([6]) أوائل المقالات: 67، تحقيق: إبراهيم الأنصاري؛ المصدر السابق: 21، تحقيق: الدكتور مهدي المحقق (مع ضبط «اللطف» بدلاً من «للطف»)؛ والمصدر السابق: 77، ط. شيخ الإسلام الزنجاني والواعظ الجرنداني. ومن الواضح أن مراد الشيخ من «اللطف» هنا هو مضمون المصطلح الكلامي للطف، وليس المعنى اللغوي له.

([7]) ابن شهرآشوب، متشابه القرآن ومختلفه 1: 211.

([8]) لقد استعمل ابن شهرآشوب عبارة «على التعيين»، وقد طبعت في (المتشابه) «على التعيير» خطأً.

([9]) انظر: ابن شهرآشوب، متشابه القرآن ومختلفه 1: 211.

([10]) قارن: تراثنا، العدد 37: 72 (رسالة علم الأئمة^ بالغيب…).

([11]) يقول عبد الجليل القزويني الرازي ـ الذي يدعوه ابن فندق بإعجاب «أبو الكلام وابن بجدته» (معارج نهج البلاغة: 158، تحقيق: أسعد الطيب)، في بيانٍ طويل في باب علم الأئمة^: «…وإن المصطفى| مع جلالة ورفعة درجة النبوة عندما يكون في مسجد المدينة… لم يكن يعلم ما يفعله المسلمون في الأسواق والأمور الأخرى، حتّى كان جبرئيل هو الذي يحيطه علماً بها…» (نقض: 286 (مصدر فارسي)، تصحيح: المحدِّث).

وأما المصدر الآخر الذي كان وراء الوحي والإلهام وسيلةً وطريقاً آخر إلى علم الإمام والنبيّ| بالغيب فيحتاج إلى بحثٍ طويل.

وقد ذهب الشيخ المفيد إلى الاعتقاد بأن المواهب الإلهية، من قبيل: «التوسّم» و«التفرّس»، التي تكون عند بعض عباد الله المخلصين، والتي تمَّتْ الإشارة إليها في بعض النصوص الدينية، لا تورث «العلم» بالضرورة، بل قد لا تؤدي إلى أكثر من «الظنّ». (انظر في هذا الشأن: المسائل العكبرية: 97).

([12]) انظر مثال ذلك عند: السيد أبو الفضل نبوي قمي، أمراء هستي «در حكومت چهارده معصوم^ بر جميع موجودات» (مصدر فارسي)، ولا سيَّما ص 83، 84، 324، 329؛ محمد هادي شيخ الإسلامي، تجلّي ولايت (مصدر فارسي): 303، 321، 356؛ مير جهاني الطباطبائي، ولايت كليه 1: 167 ـ 254؛ القطيفي، الولاية التكوينية بين القرآن والبرهان: 83، 84.

والملفت أن هذا النوع من العقائد يجد له مجالاً للطرح في التوضيح والتعليق على مؤلّفات المخالفين لهذه الرؤية أيضاً. انظر مثال ذلك في: أوائل المقالات: 313 (تعليقة: السيد إبراهيم الأنصاري الزنجاني، دار المفيد، حيث يقول في مستهل تعليقاته: …علّقتها…، توضيحاً لبعض عباراته ومقاصده).

([13]) قارِنْ مثال ذلك في: تبصرة العوام: 122، تصحيح: عباس إقبال.

([14]) يمكن الوقوف على تداعيات بقاء ورواسب التكايا الصوفية في المناخ الصفوي في تراث الكبار، من أمثال: المجلسي الثاني(1110هـ)، حيث نجده رغم الموقف السلبي من المتصوّفة، وما يبديه أحياناً من النقد اللاذع لهم، يتحدَّث عن «صوفيان صفوت نشان» في ديباجة زاد المعاد: 3 (ط. إسلامية)، ويختم ترجمة الغري: 145 بـ «كما قال المولوي…».

([15]) دهدار الشيرازي، شرح خطبة البيان: 57، ط. أكبري ساوي.

([16]) المصدر السابق: 57 ـ 58.

([17]) أصول الكافي 2: 781، ترجمة (إلى الفارسية) وشرح: الشيخ محمد باقر كمره إي، ط. أسوة. وأصل الكلام عن (مرآة العقول). (انظر: مرآة العقول 3: 117). وقارن أيضاً: مير جهاني طباطبائي، ولايت كليه (مصدر فارسي) 1: 173.

([18]) قارِنْ الآية 101 من السورة التاسعة.

([19]) أصول الكافي 2: 784، ترجمة (إلى الفارسية) وشرح: الشيخ محمد باقر كمره إي، ط. أسوة.

([20]) في ما يتعلق بحياة وسيرة الفقيد الشيخ محمد باقر كمره إي انظر: رسول جعفريان، جريانها وسازمانهاي مذهبي إيران (1320 ـ 1357هـ.ش)(مصدر فارسي)، ط6.

([21]) لقد أدرك السيد محمد هادي شيخ الإسلامي ـ وهو من أنصار نظرية الإحاطة العلمية للإمام× بجميع أمور العالم ـ أدرك جيِّداً أن حمل التساؤلات والكلمات العادية الصادرة عن الأئمة^ على المجاز وخلاف الظاهر قبيحٌ، ومن هنا صار بصدد إيجاد حلٍّ لذلك. (انظر: تجلي ولايت (مصدر فارسي): 325). بَيْدَ أن الحلّ الذي يقترحه غير مفهوم بالنسبة لي في الحدّ الأدنى، وفي غاية التكلُّف، بل يشتمل على عين التناقض.

([22]) أصول الكافي 2: 296. وترجمة الحديث إلى الفارسية من عندنا. (المؤلِّف).

([23]) المصدر نفسه.

([24]) انظر: المصدر السابق: 297 ـ 298.

([25]) نهج البلاغة: 145، الخطبة رقم 149.

([26]) قارن: ابن ميثم البحراني، شرح نهج البلاغة 3: 209؛ الديباج الوضي 3: 1187؛ إرشاد المؤمنين 2: 219؛ العلاّمة الشيخ محمد تقي التستري، بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة 11: 28 ـ 30؛ الشيرازي، توضيح نهج البلاغة 2: 354 ـ 355.

وقد ارتضى العلاّمة المجلسي في مرآة العقول 3: 296 تأويلاً لهذا الكلام، ولكنّ هذا التأويل، بالإضافة إلى بعده عن النصّ، لا ينسجم مع فهم شرّاح نهج البلاغة (وقد أشار المجلسي نفسه إلى هذه النقطة الأخيرة).

([27]) أصول الكافي 2: 432؛ العلاّمة المجلسي، مرآة العقول 3: 293.

([28]) انظر: العلامة الشيخ محمد تقي التستري، بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة 11: 26، إعداد وترتيب: مؤسّسة نهج البلاغة، ط1ـ2، انتشارات المكتبة الحيدرية، 1426هـ.

([29]) أصول الكافي 2: 308.

([30]) انظر: المصدر السابق 2: 304 ـ 310.

([31]) المصدر السابق 2: 310. في المصدر تمّ وضع «لا»، في عبارة «لا يحتجّ»، بين معقوفتين.

([32]) العلامة المجلسي، مرآة العقول 3: 110.

([33]) بصائر الدرجات 2: 255، تحقيق: المعلم؛ و413، تحقيق: كوجه باغي (مع تغيير بسيط).

([34]) نهج البلاغة: 206، الخطبة رقم 189.

([35]) انظر: الشيرازي، توضيح نهج البلاغة 3: 157؛ البيهقي، معارج نهج البلاغة: 706، تحقيق: أسعد الطيّب.

([36]) انظر: الديباج الوضي 4: 1937 ـ 1938؛ إرشاد المؤمنين 2: 457.

([37]) البيهقي، معارج نهج البلاغة: 706، تحقيق: أسعد الطيّب. وفي شرح نهج البلاغة 4: 201، لابن ميثم البحراني، ورد ضبط «أوفى» بدلاً من «أوفر».

([38]) الراوندي، منهاج البراعة 2: 448، تحقيق: كوهكمري.

([39]) ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة 13: 16.

([40]) انظر: ابن ميثم البحراني، شرح نهج البلاغة 4: 200 ـ 201.

([41]) انظر نموذج ذلك في تفسير الشيخ محمد جواد مغنية لهذا النصّ، في كتابه في ظلال نهج البلاغة: 118، ط. سامي الغريري.

([42]) فروزانفر، زندگاني مولانا جلال الدين (مصدر فارسي): 162.

([43]) مثنوي معنوي (مصدر فارسي) 3: 1059، د: 5، ب: 2556، ط. لاهوتي.

([44]) انظر: السيرة الحلبية 2: 636.

([45]) أصول الكافي 2: 318.

([46]) المصدر السابق 2: 306.

([47]) انظر: مرآة العقول 3: 130.

([48]) انظر: محمد علي إيازي، جامعيت قرآن (مصدر فارسي): 87.

([49]) انظر تفصيل ذلك في: جامعيت قرآن: 88 ـ 112.

([50]) للمزيد من التفصيل في كلام الشيخ معرفت في هذا الشأن انظر: ضميمه اطّلاعات (مصدر فارسي)، العدد 23860: 8 ـ 9 (إحياء ذكرى الشيخ معرفت).

([51]) أصول الكافي 2: 296.

([52]) المصدر السابق 2: 294.

([53]) ولا بُدَّ من التذكير هنا استطراداً بأن الذين يرَوْن أن علم الغيب المنفيّ في نصّ القرآن الكريم والسنّة القطعية إنما هو علم الغيب الذاتي، دون الاكتسابي، لا يقدِّمون تبريراً مناسباً لسياق هذا النوع من الروايات.

([54]) أصول الكافي 2: 294.

([55]) المصدر السابق 2: 274.

([56]) لم أخترع هذا الادّعاء الغريب من نفسي. لملاحظة هذا الادّعاء انظر: محمد هادي شيخ الإسلامي، تجلّي ولايت (مصدر فارسي): 324 ـ 325.

([57]) وفي هذا الأسلوب العجيب والغريب يمكن طرح آلية جديدة لا تستقيم بحالٍ، من قبيل: دعوى «شمّ الولاية» أيضاً. (انظر: تجلي ولايت (مصدر فارسي): 35 (الهامش)).

([58]) قام الشيخ كمره إي بترجمة الكافي إلى اللغة الفارسية. (المعرِّب).

([59]) الشيخ المفيد، المسائل العكبرية 1: 77 ـ 78.

([60]) أصول الكافي 2: 788.

([61]) إنّه لممّا يدعو إلى القَرَف أن نرى بلوغ الانحياز لظنون وعقائد الحَشْوية والغلاة حدّ الانتقاص من الشيخ المفيد ـ رفع الله درجته ـ، رغم جلوسنا جميعاً ودون استثناء على خوان علمه وعمله. إن توجيه الإساءة إلى علماء من أمثال: الشيخ المفيد والسيد المرتضى ـ أعلى الله مقامهما ـ، واتهامهم بـ «القصور» ـ مع الأسف ـ، يُعتبر سلوكاً مدعوماً من بعض الاتّجاهات الغالية والصوفية. (انظر نموذج ذلك في: تجلي ولايت (مصدر فارسي): 349 ـ 354).

ثم إن هذا التعبير بـ «التقصير»، الذي يستعمله بعض الغلاة المتأخِّرين في حقّ كبار العلماء، من أمثال: الشيخ المفيد والسيد المرتضى، يذكِّرنا بالمصطلح الذي دأب الغلاة في عصر الأئمّة^ على استعماله بحقّ المخالفين المعتدلين من الشيعة لمسلكهم؛ إذ يصفونهم بـ «المقصِّرة»، مدَّعين أنهم لم يعرفوا الطبيعة الربّانية للأئمة^، وكانوا مقصِّرين من هذه الناحية. (انظر: هاينس هالم، الغنوصية في الإسلام: 19، تعريب: رائد الباش؛ المدرسي الطباطبائي، مكتب در فرايند تكامل (مصدر فارسي): 93، 97، 98، التحقيق الثالث).

([62]) ديوان حافظ الشيرازي: 250، تصحيح: عيوضي وبهروز، مع استبدال كلمة «معشوق» بكلمة «مقصود».