علم الإنسان بحقيقة الوجود الواجبي

26 أغسطس 2019
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
133 زيارة

علم الإنسان بحقيقة الوجود الواجبي

عند صدر الدين الشيرازي

الشيخ مجتبى النمر(*)

مقدّمة

كثيراً ما تعرض الفلاسفة ـ وبتَبَعهم المتكلّمون ـ إلى علم الله بمخلوقاته وبالجزئيات، وتباحثوا حول اقتصار علمه على العلم الحضوري أو شموله للعلم الحصولي أيضاً. ومثّل هذا الموضوع معتركاً للآراء بين الفلاسفة والمتكلّمين تارة؛ وبين المشائين وغيرهم تارةً أخرى. وكان لصدر المتألهين الشيرازي بدوره بعض النظرات الخاصة به في هذا المجال.

لكن ثمة جهة أخرى للبحث لم تأخذ نصيبها الكافي من الفحص والدراسة في الكتب الفلسفية المختلفة، وهي ما يرتبط بعلم الممكن ـ الإنسان تحديداً ـ بالواجب. ولا نقصد بعلم الممكن بالواجب هنا علمه بأصل تحقق واجب الوجود وثبوته، فهذا أمرٌ مفروغ عنه في هذه المرتبة من البحث، بل نقصد علمه بحقيقة الواجب وبوجوده الشخصي، هل هو ممكن أو ممتنع؟ وإذا فُرض إمكانه فبأيّ نحوٍ يحصل؟ وبأي وسيلة يتحقق؟ وما هي الإشكالات التي يمكن أن تثار حول فرضية الإمكان هذه؟

إنه من الشيِّق فعلاً أن نعرف هل يَسَع أحداً منا ـ نحن المحدودون الناقصون المتدثّرون بحجاب المادة الغليظ ـ أن يكون له وعيٌ ما بحقيقة الوجود الواجبي البسيط المُطلق؟ هل نتوفّر على إمكانية الدنوّ من الحضرة القدسية ومشاهدة عظمة الذات الإلهية مطلقة الكمال والمبرأة عن أيّ نقص، والمتعالية عن المادة ومتعلّقاتها؟ وإلى أيّ مدىً يمكن أن يبلغ هذا الوعي الشهودي لو كان ممكناً؟ وما هو الطريق الذي تُبلغ به هذه الغاية؟

لم يكن صدر المتألهين أول مَنْ تعرض لهذه المسألة بالبحث على مستوى الفلسفة الإسلامية، بل سبقه لذلك عدة من الفلاسفة المسلمين. ذكر صدر المتألهين من الموافقين لرأيه منهم الكندي والمحقق الشهرزوري، وأضفْتُ لهم شيخ الإشراق كما سيأتي. لكنه استطاع من خلال توظيف منظومته الفلسفية، ومبانيها المتعددة الفريدة، أن يصل إلى تحقيقه الخاصّ به في هذا الإطار، حيث ترشّح لديه من مجموع هذه المباني فهمٌ مستدلّ يفيد إمكان العلم بالواجب تعالى، بل يثبت وجوبه وضرورته.

الموضع الأساس الذي بحث فيه الملا صدرا هذا البحث هو ذيل البحث عن أن واجب الوجود لا ماهية له، وأن ماهيته إنيته، وذلك بعد تقسيم المواد إلى الثلاثة المعروفة ـ الوجوب والإمكان والامتناع ـ، حيث تطرق إلى بعض أحكام الواجب في هذا القسم من الكتاب، وهو المرتبط بالأمور العامة، وأحال البقية إلى الإلهيات بالمعنى الأخصّ([1]). وقد تابع الملاّ صدرا في ذلك بعض الحكماء قبله ممَّنْ تناول بعض الأحكام الخاصة بالواجب في الإلهيات بالمعنى الأعمّ (الأمور العامة)، وهي تلك الأحكام التي تشترك في خصوصية أنها لا تدخل في مجال إثبات وجود الواجب، ويكفي فيها افتراض وجوده([2]). وقد أثار الفخر الرازي شبهةً في هذا الصدد أراد من خلالها إثبات امتناع العلم بالله وانغلاقه، مع القول بنفي الماهية عنه. وهناك أفاض صدر المتألهين في بيان موقفه حول هذا الموضوع، في معرض الجواب عن هذا الإشكال. وأعاد طرح هذا البحث مرةً أخرى مفصلاً في كتاب المبدأ والمعاد، في جوابه عن إشكالٍ آخر يرتبط بخروج علم النفس بحقيقة الواجب عن قاعدة «كلّ ما كان وجوده أتمّ فمعقوله في الذهن أتمّ»([3]). وأشار إليه مرةً ثالثة على سبيل الإجمال في موضعٍ آخر من الأسفار([4]). وقد أتى ضمن معالجته لهذا الموضوع على عدّة مطالب هامة، يمكن عدّها من مواضع نظرية المعرفة الصدرائية، وهذا ممّا يضاعف أهمية هذا البحث.

والحقّ أن هذه المسألة هي واحدة من المسائل التي يتجلى فيها تناسق مباني الحكمة المتعالية وانسجامها. ومن هذه الجهة فإن إلقاء الضوء على هذه المسألة، والتعريف برأي الملا صدرا فيها، يعتمد على التعرُّف على مجموع هذا النظام الفلسفي الواحد والمترابط. غير أن هذه المسألة تستند بشكلٍ أخصّ إلى اثنين من مباني الحكمة المتعالية، وهما: الوجود الرابطي للممكنات؛ وإن الواجب إنّيته ماهيته. ولذلك كان من المناسب قبل الدخول في البحث عن أصل الموضوع أن نُمهّد له بالمرور في إطلالةٍ خاطفة على هذين الموضوعين، نورد فيها تعريفاً مقتضباً لهما، دون الخوض في الأدلة والبراهين عليهما.

1ـ الوجود الرابطي

للوجود الرابط اصطلاحٌ منطقيّ له معناه المرتبط بالأبحاث المنطقية. كما أن الفلاسفة قبل صدر المتألهين ذكروا معنىً لما يمكن أن يصطلح عليه بالوجود الرابطي خاصّاً بهم. غير أن ما فعله صدر المتألهين هو بيان معنى ثالث للوجود الرابطي، عمل فيه على تعميق المعنى المراد من الوجود الرابطي، مفرّقاً بين رأيه ورأي الفلاسفة قبله. كما أنه حرص ـ بعد أن بيَّن مراده ـ على إقامة البرهان عليه، ليأخذ اصطلاحه أبعاداً جديدة، ولتكون هذه المسألة من مبتكرات صدر المتألهين المهمّة، ومن أعمدة مباني فلسفته التي يترتب عليها كثيرٌ من النتائج واللوازم.

إلاّ أنه بحث عن هذا الموضوع بصورةٍ متفرقة في مواضع متعدّدة من كتابه الأسفار، وفي غيره من كتبه أيضاً. اقتصر في بعضها على بيان بعض الجهات من نظريته دون بعض، وربما اختلفت تعبيراته في بعضها. نلاحظ مثلاً أنه عند الكلام عن الأمور العامة في المجلد الأول من الأسفار فقط أفرد للبحث عن هذا الموضوع فصلين اثنين: الأوّل منهما كان الفصل التاسع من المنهج الأول من المرحلة الأولى؛ والثاني كان الفصل الأوّل من المرحلة الثانية. وجمع هذا الشتات ونظمه في نظريّة واحدة منسجمة يحتاج إلى بذل الجهد والتتبُّع، ولسنا في وارد القيام بمثل هذا المهمّ، بل سنقتصر على عرض النظرية بصورةٍ مجملة في إطارها العام.

يبتدئ صدر المتألهين في مقام توضيح مرامه بالوجود الرابط في القضايا، وينتقل منه إلى الوجود الرابطي في المعلولات والوجودات الإمكانية. وقد اختلف الشرّاح بعده في كون هذين الوجودين يرجعان إلى سنخٍ واحد، أم يفترقان إلى سنخين مختلفين([5]).

وذلك أنه ذكر في الفصل التاسع من المنهج الأول أن الوجود الرابطي يطلق ويقصد به معنيان:

الأوّل: الوجود في غيره، الذي يقع رابطاً في الحمليات الإيجابية في الهليات المركبة، مثل: الجسم أبيض؛ وذلك أنه يمكن أن نستلّ من هذا المثال نحوين من الوجود: الأوّل: وجود شيء له وجود في نفسه، مثل: وجود الجسم، ووجود البياض، ويُطْلَق عليه الوجود المحمولي؛ والثاني: وجود في غيره، وليس هو النسبة الحكمية الاتحادية «الهوهوية» التي تربط بين الموضوع و المحمول في صقع الذهن؛ إذ الكلام عن الوجود، لا عن المفاهيم، بل هو ما وراء هذه النسبة ممّا تحكي عنه([6])، بنحوٍ تكون العلاقة بين النسبة الحكمية والوجود الرابط كالعلاقة بين الماهية وجودها([7]). وهذه الجهة من البحث تشابه ما يتطرق إليه الأصوليون في المعنى الحرفي المُندكّ في طرفَيْه، والذي ليس له معنىً بمعزلٍ عنهما، ويتحوّر معناه بتبدُّل طرفيه.

الثاني: الوجود في نفسه، ولكّنه لغيره. والمقصود من الوجود في نفسه الوجود الذي يطرد العدم عن نفسه، بحيث يُعَدّ موجوداً من الموجودات، ويُذكر واحداً منها، ويصدق عليه مفاد كان التامّة، ثم إن هذا الوجود الذي في نفسه قد يكون لنفسه، أي لا يحمل أيّ معنىً ناعتي يتعلّق بغيره؛ وقد يكون لغيره، وهو الذي ـ بالإضافة لطرد العدم عن نفسه ـ يكون له وجودٌ نعتيّ يسلب نقصاً عن وجود غيره، كالأعراض الموجودة في غيرها، أو الصورة الموجودة لغيرها([8]). وربما يسمّى المعنى الأول الوجود الرابط، ويسمى المعنى الثاني الوجود الرابطي، وذلك كما يقول صدر المتألهين: «معنى الوجود الذي هو الرابط أن يكون الموضوع محمولاً، لا غير، ومعنى الوجود الرابطي وجود الشيء لنفسه، ولكن لا لنفسه، بل لغيره»([9]).

وفي هذا الصدد ينفرد صدر المتألهين برأيين يختلف فيهما مع مشهور الحكماء: الأوّل: إنه يرى أن القسم الأول من الوجود في نفسه ـ أي الوجود في نفسه لنفسه ـ مختصّ بالواجب تعالى. أما عند المشهور فهو يشمل أيضاً المفارقات الإبداعية؛ والثاني: إنه وإنْ كان يتفق مع المشهور في أن المعلولات ـ وهي القسم الثاني ـ وجودها في نفسها عين وجودها للعلة، إلاّ أنه يختلف معهم في أنه يرى أنها ليس لها حيثية غير هذه الحيثية الارتباطية بالجاعل؛ وذلك لأن المجعول عنده هو الوجود البسيط، فلا يحتمل التحيُّث بالحيثيات المختلفة. أما المجعول عند المشهور فهو إما الماهية ـ كما ينسب للرواقيين ـ، أو اتصافها بالوجود ـ كما ينسب للمشّائين ـ، فيمكن أن يُتصوّر لها ـ عندهم ـ حيثيات متعدّدة؛ بعضها استقلالي؛ وبعضها تعلّقي([10]). والحاصل أن الوجود الرابطي عند صدر المتألهين هو وجودٌ في نفسه لغيره، ليس له من الوجود إلاّ ارتباطه بجاعله وتعلّقه به، والتعلق ليس لازماً لذاته، كلزوم الزوجية للأربعة، بل إن الوجود الرابطي ليس شيئاً غير هذا الاحتياج والتعلّق بالواجب. ولذلك فإنه يرى أن المشهور «أثبتوا للممكن وجوداً مغايراً للوجود الحقّ، لكنْ على وجهٍ يكون مرتبطاً بالحقّ ومنسوباً إليه، بحيث لا يمكن أن ينسلخ منه الانتساب إلى المعبود الحقّ تعالى. وأما نحن فبفضل الله وبرحمته أقمنا البرهان… أن الممكن لا يمكن تحليل وجوده إلى وجود ونسبة إلى الباري، بل هو منتسب بنفسه لا بنسبةٍ زائدة، ومرتبط بذاته لا بربطٍ زائد»([11]).

فينتج عن ذلك أن تكون جميع الوجودات الإمكانية والإنّيات الارتباطية التعلقية ـ كما يُعبّر ـ اعتبارات وشؤون للوجود الواجبي غير مستقلّة في نفسها وبحَسَب الهوية، ولا يمكن ملاحظتها ذواتاً منفصلة؛ وذلك أن التابعية والتعلُّق بالغير والفقر والحاجة عين حقائقها، لا أن لها حقائق عرض لها التعلّق والفقر والحاجة([12]).

 

2ـ واجب الوجود ماهيته إنّيته

المقصود من هذه المسألة هو نفي الماهية بالمعنى الأخصّ ـ وهو ما يقال في جواب ما هو؟ ـ عن الواجب، وإثبات أن ماهيته بالمعنى الأعمّ ـ أي ما به الشيء هو هو ـ ليس شيئاً سوى إنّيته ووجوده، فليس له ماهيةٌ ووجود زائد عليها، بل ماهيته عين وجوده، «بخلاف الممكن، فإن له ماهيةً، وهي الحيوان الناطق، ووجوداً، وهو كونه في الأعيان»([13]) وقد اتفقت كلمة صدر المتألهين في هذا المعنى مع المشّائين وجمهور الحكماء([14])، بالرغم من أنه ينفرد برأيه في أصالة الوجود. ولذلك فإنه عندما أراد أن يقيم البرهان على هذه المسألة في بادئ الأمر ـ في الفصل الثالث من المنهج الثاني في الأمور العامة ـ استعار أدلة المشّائين أنفسهم، وسار على طريقتهم. لكنه عندما أفرد لهذه المسألة فصلاً في الإلهيات بالمعنى الأخصّ، وأعاد الكلام عنها مفصّلاً ـ الفصل الخامس من الموقف الأول ـ، غمز طريقة المشّائين المعتمدة على أصالة الماهية، وردّها، وأقام براهينه على الوجه الذي يتبنّاه([15]).

ويشير العلاّمة الطباطبائي في تعليقته أن البحث عن هذه المسألة ضروريّ، ولا تفي به أدلة إثبات وجود الواجب؛ لأن قصارى ما تثبته هذه الأدلة هو نفي الواسطة في الثبوت لوجود الواجب، أما نفي الواسطة في العروض للواجب فالذي يتكفّل بإثباته هو هذا البحث([16]).

علم الممكن بالواجب

في البحث عن أن واجب الوجود ماهيته إنيته ـ في قسم الأمور العامة من الأسفار ـ أقام الملا صدرا خمسة براهين لإثبات ذلك، فصّلها ودفع الإشكالات المثارة حولها، ثم استعرض خمسة شبهات أُوردت على هذا القول من الفخر الرازي ونظرائه. والإشكال الخامس منها كان إشكالاً للفخر الرازي تعرّض فيه للعلم بالواجب. وفي معرض الجواب عن هذا الإشكال تحديداً فصّل صدر المتألهين كلامه في علم الممكن بالواجب، وحرّر نظريته في هذا الموضوع.

لكنْ ما ينبغي أن يقال: أوّلاً: إننا عندما ننفي الماهية عن الوجود الواجبي فإننا نقوم بذلك بإخراج العلم به عن حريم الوجود الذهني ـ الذي مداره على الماهيات ـ، وسدّ باب العلم الحصولي به. ومن هنا يُثار السؤال الجدّي حول إمكان التعرّف على الله تعالى والعلم بحقيقته، ونحو حيازة هذا العلم على فرض إمكانه. وقد اتّخذ الفخر الرازي هذه الملاحظة مدخلاً للطعن على رأي مشهور الحكماء بنفي الماهية عن الواجب.

1ـ اعتراض الفخر الرازي

بعد أن بيّن الفخر الرازي مختاره في مسألة في نفي الماهية عن الواجب، وهو أن مفهوم الوجود الثابت للواجب مشتركٌ مع الممكنات ومقارنٌ للماهية، أفرغ وسعه للنقض على مشهور الحكماء، فأورد على مذهبهم أربعة اعتراضات ـ في المباحث المشرقية ـ، كان الثاني منها هو ما يتعلّق بمحل كلامنا، وهو يتفق مع الإشكال الخامس من «الشكوك» التي ساقها صدر المتألهين للقول بأن الواجب لا ماهية له، غير أن الصياغتين قد لا تتّفقان تماماً، وإنْ كان روح الإشكال محفوظاً في كلَيْهما.

أما ما ذكره الفخر الرازي فنصّه هو التالي: «إن الجمهور قد اتّفقوا على أن حقيقة الله غير معلومة للبشر، والبراهين القاطعة قائمةٌ على ذلك. فلو كانت حقيقته هي الوجود بشرط سلبه عن الماهية وجب أن تكون حقيقته معلومة للبشر؛ لأن الوجود أوّلي التصوُّر، والقيد السلبي أيضاً معلومٌ، فالوجود المقيد بالقيد السلبي معلومٌ، فإذن حقيقته مغائرةٌ للوجود المقيد بالقيد السلبي»([17]).

يتضح من خلال هذ النصّ أن الفخر الرازي أراد أن يثبت الانفصال بين حقيقة الواجب وبين وجوده، مما يترتّب عليه أن يكون وجود الواجب زائداً على حقيقته، وذلك بالاستعانة بواقع أن أحدهما معلومٌ دون الآخر، حيث إن الوجود أوّلي التصوُّر، بل هو أكثر التصوُّرات بداهة ووضوحاً، خلافاً لحقيقة الواجب، التي أجمع الحكماء على انغلاق باب العلم بها، وجاءت في ذلك الآيات والروايات المتعدّدة.

فإذا كان الأمر كذلك فلا يمكن أن يكون المعلوم وغير المعلوم شيئاً واحداً، بل لا بُدَّ أن يكون المعلوم غير غير المعلوم. وبتعبيرٍ آخر، ذكره في المحصل: «الذي يدل على أن واجب الوجود وجودُه زائدٌ على ماهيته أن وجوده معلومٌ، وماهيته غير معلومة، والمعلومُ غيرُ ما ليس بمعلوم»([18]).

ويمكن إرجاع هذا الإيراد إلى قياسٍ اقتراني من الشكل الثاني، وفق الترتيب التالي:

ـ وجود الواجب معلومٌ بالضرورة.

ـ حقيقة الواجب غير معلومة.

فالوجود المعلوم غير الحقيقة غير المعلومة([19]).

وفي مقام الجواب عن هذا الإشكال وردّه ذكر صدر المتألهين أوّلاً جواب المشهور من المشّائين، وفقاً لمبانيهم، وانتهى بعد ذلك إلى بيان جوابه هو وتعليقه، وذلك سيراً على عادته في البدء ببيان موقف المشهور، والانتقال منه بالتدريج إلى عرض رأيه الخاصّ به وتشييده.

2ـ جواب المشهور

أجاب المحقّق الطوسي عن هذا الإشكال ـ بعد التسليم بالكبرى التي تفيد أن المعلوم لا يمكن أن يكون هو عين ما ليس بمعلوم، وبعد التسليم بأن حقيقة الواجب لا يمكن العلم والإحاطة بها ـ بأن ما هو معلومٌ هو الوجود المطلق، الذي يشترك فيه الواجب والممكن، ويحمل عليهما حمل تشكيك، والذي هو أوّلي التصوّر، وهو مغايرٌ للوجود الخاصّ، الذي هو نفس حقيقة الواجب([20]). فينتج أن الوجود «الخاصّ» غير معلوم، والحقيقة كذلك، وهما شيءٌ واحد. أو كما يقول المحقّق الطوسي نفسه: «إن وجوده المعلوم هو المشترك بينه وبين غيره، وهو أمرٌ معقول يقع عليه وعلى غيره بالتشكيك، والذي هو غير معلوم هو وجوده الخارجي الخاصّ به، القائم بذاته، الذي لا يمكن أن يحمل على غيره»([21]).

وفي موضعٍ آخر قال: «الحقيقة التي لا تدركها العقول هي وجوده الخاصّ، المخالف لسائر الوجودات بالهوية، الذي هو المبدأ الأول للكلّ. والوجود الذي ندركه هو الوجود المطلق، الذي هو لازمٌ لذلك الوجود ولسائر الوجودات، وهو أوّلي التصوُّر. وإدراك اللازم لا يقتضي إدراك الملزوم بالحقيقة، وإلاّ لوجب من إدراك الوجود إدراك جميع الموجودات الخاصّة»([22]).

وبناءً على هذا الجواب يكون الفخر الرازي قد وقع في خلطٍ بين مفهوم الوجود العام المشترك وبين مصداق الوجود الخاص بالواجب. والذي أخذه في صغرى القياس هو مفهوم الوجود، أما ما وقع في النتيجة فهو مصداق الوجود الخاص([23]).

3ـ جواب صدر المتألهين

اختار صدر المتألهين أن يتعاطى مع هذا الإشكال بطريقةٍ مختلفة. فبَدَلاً من أن يذهب إلى النقاش في مفردة الوجود المذكورة في الاستدلال، والبحث عن حصول اللبس فيها بين المقدمة والنتيجة، آثر أن يطرح رأيه في الجانب الآخر من الادّعاء، الذي زعم المستشكل تسالم الحكماء على القول بامتناعه، وهو العلم بحقيقة الواجب. فترك الكلام عن الصغرى، وتحديد المراد منها، وذهب لنقد الكبرى ومنعها([24])؛ إذ لم يوافق ـ الملا صدرا ـ المستشكِلَ في الحكم على هذه المسألة بقولٍ واحد، بل رأى أنه لا بُدَّ من التفصيل بين الصور التي يمكن افتراضها في علم الممكن بالواجب. وإذا كان قول المستشكِل يصدُق في بعضها، فقد لا يصدق في الجميع. ومن هنا تحديداً يفتح صدر المتألهين نافذةً لإمكان علم الممكن بالواجب ببعض معاني العلم به، وينتقل منه لإثبات ضرورة هذا النحو من العلم بالواجب.

وقد حرّر نظريته هذه على مرحلتين مختلفتين؛ يتمّ في المرحلة الأولى، التي سمّاها بـ «لمعة إشراقية»، دراسة المسألة إلى مستوى من البحث أثبت من خلالها إمكان علم الممكن بالواجب للنفوس المتألهة، بل وتحقّقه لهم، وقد استفاد في هذه المرحلة من الحكماء المتقدمين عليه؛ وفي المرحلة الثانية، والتي أطلق عليها «حكمة عرشية»، يغوص إلى عمقٍ أبعد غوراً، ليثبت ضرورة هذا النحو من العلم لكلّ أحد، في بيان ينفرد بتشييده وإقامته.

الجواب عن المستوى الأول الدقيق «لمعة إشراقية»، العلم بالواجب في إطار العلم بالنفس

يَصدُر صدر المتألهين في هذا الجواب من موقع الاعتراف بأن الواجب لا ماهية له، ليُناقِش في دعوى أن لازم هذا القول هو امتناع العلم بحقيقة الواجب، وانغلاق باب إدراكه، وذلك بتعداد وفرز الأنحاء المتصوّرة للعلم بالواجب، وعرضها على هذا القول، لتتكشف بهذا التحكيم أيّ من هذه الأنحاء لا يُحيل العقل إمكانيته، وأيّ منها ليس كذلك. وقد جمع ذلك في مراحل ثلاث:

أـ العلم الحصولي بالواجب. وقد سلّم بعدم إمكان التعرّف على الواجب بالعلم الحصولي الصوري الكلي؛ إذ لا خلاف في ذلك عند أحدٍ من الحكماء والعرفاء، وهو مقتضى نفي الماهية عن الواجب تعالى، وعدُّ حقيقته عين وجوده العيني الخاص، ونفي زيادة هذا الوجود على الماهية، فإن الوجود الشخصي ليس شيئاً يمكن أن يُنال بالعلم الحصولي المعتمد على «الصور» و«الماهيات»؛ وذلك لأنه متمحّض في التشخُّص والتعين، ولا يمكن أن يتعدّد وتكون له أنحاء مختلفة من الوجود. خلافاً للماهية فإنها؛ لكونها أمراً مبهماً، لا تأبى التعدّد في أنحاء الوجود؛ فتوجد تارةً بتبع الوجود الخارجي، وتترتّب عليها الآثار الخارجية؛ وتوجد تارةً أخرى في الذهن، ليترتب عليها آثار الوجود الذهني([25]). أما الوجود العيني حيث إن حقيقته أنه في الأعيان فلا يمكن أن يأتي إلى الذهن مع الحفاظ على ذاتياته من الخارجية والتشخّص، وإلاّ لزم انقلاب الحقيقة عما كانت بحَسَب نفسها، كما يشير في موضعٍ آخر من كلامه([26]).

ولذلك يقول صدر المتألهين: «الواجب ليس غير الهوية الشخصية التي يُعبّر عنها بالوجود الصرف تارةً؛ وبالموجود البَحْت أو الوجود أو التشخّص أو الواجب البَحْت… وحقيقة الوجود هي عين الهوية الشخصية، لا يمكن تصوّرها ولا يمكن العلم بها إلاّ بنحو الشهود الحضوري. فهذا معنى قولهم: لا ماهية له. وليس هذا مجرّد اصطلاح لفظيّ، بل تحقيق حكمي، وبحث معنوي»([27]).

ب ـ العلم الحضوري الاكتناهي، الذي يحيط بحقيقة الواجب، أو العلم الإحاطي العقلي أو الحسّي. وهو بدوره مُسلَّم الاستحالة والامتناع؛ فإن سائر الموجودات معلولات للوجود الواجبي اللامتناهي، والمعلول شأنٌ من شؤون العلة، منطوٍ تحت قاهريتها وسلطتها، وحاضرٌ حاصل عندها، وليس لها حصولٌ تامّ عنده([28]). عدا عن أن المحدود والمتناهي لا يمكن أن يحيط بغير المحدود وغير المتناهي.

وبناءً على هذا الفرض والفرض السابق تكون كبرى الاستدلال تامّة وصادقة، ولا يمكن الجواب عنها إلاّ بمثل جواب المشهور. لكنْ هناك صورةٌ ثالثة محتملة للعلم بالواجب، تنتفي من خلالها الكبرى المذكورة، وهي الصورة التالية:

ج ـ لحاظ ذات الواجب تعالى المقدّسة عن الحصر والتقييد بالأمكنة والجهات والأحياز بالعلم الحضوري الشهودي بمعنى من معانيه، الراجع إلى كون وجود الممكنات مفاضاً عليها من المفيض ـ وهو الباري تعالى ـ، فيمكن لها أن تلاحظ مفيضها من جدول وجودها([29]). وتوضيح ذلك:

إن العلم الحضوري ليس على حدٍّ واحد، بل له ضروب مختلفة، يتفاوت بها العلم الحضوري شدّةً وضعفاً؛ فإن من العلم الحضوري:

أوّلاً: علم العلة بمعلولها؛ إذ هو من شؤونها، قائمٌ بها. وهو أقوى أقسام العلم الحضوري.

ثانياً: علم المجرّد بذاته وشؤونه. وهو يتلو القسم السابق في الشدّة والظهور للنفس.

ثالثاً: علم المعلول بعلته، من جهة كونها علّة له، مفيضة لوجوده. وهو أضعف أقسام العلم الحضوري([30]).

وقد أشار العلاّمة الطباطبائي إلى أن المشّائين يقصرون العلم الحضوري على النوع الأوّل، فيما يضيف الإشراقيون النوع الثاني والثالث، وتوافقهم مدرسة الحكمة المتعالية على ذلك، طبقاً لفكرة الوجود الرابطي([31]). هذا، ولا يمكن أن يكون للممكن علم حضوري من القسم الأول أو الثاني بالواجب تعالى؛ لأنه يرجع إلى الصورة الثانية من العلم الاكتناهي الإحاطي المستحيل، ومن هنا يستحكم السؤال ويتعقد حول إمكانية علمنا بالواجب، ونحو تحقّق هذا العلم.

يقول القاضي سعيد القمّي في شرح المرويّ عن المعصوم: (ولا يقدر الواصفون كُنْه عظمته): «قال بعض العرفاء: (إن العلم بكُنْه حقيقة الشيء لا يحصل إلاّ لنفس ذلك الشيء أو لعلته؛ فإن حصول الشيء لنفسه وحصوله لعلته مستلزمٌ العلم بالكُنْه، وما عدا هذين الحصولين ـ مثل: حصول العلة للمعلول، أو حصول شيء بصورته ـ فليس حصولاً، لكنه تلك الحقيقة…). ثم إنه× لما أبطل الاكتناه بصفاته، والاطلاع على كُنْه ذاته، وسد الطريق إلى ذلك بالوجوه الممكنة إلى تعرُّف الذوات والحقائق؛ إذ لا وجه له سبحانه حتّى يمكن العلم به تعالى من ذلك الوجه لخلقه، كان لسائلٍ أن يسأل: فما الطريق إلى معرفته عزَّ شأنه، حيث أمرنا بمعرفته، وكلفنا بعبادته، من طريق العقل والنقل، وقد قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾، وهو فرع المعرفة؟»([32]). ثم إنه اختار في مقام الجواب عن هذا السؤال المهمّ نفس جواب صدر المتألهين. ويقرب للنظر أنه استفاده منه، وخصوصاً أنه ـ أي القاضي سعيد القمّي ـ قد ساق نفس الشواهد التي أوردها صدر المتألهين في كلامه.

والجواب هو أن الاحتمال الأخير لا يزال مفتوحاً وممكناً، وهو أن يعلم الممكن بالواجب بالعلم الحضوري، الراجع لعلم المعلول بعلّته، ولحاظ المفاض عليه مُفيضَه، وذلك لمَنْ هذّب نفسه وأخضعها لإرادة مولاه، فأصبحت من النفوس الإلهية؛ إذ تكون الذات الإلهية معلومةً بالحضور الإشراقي لمثل هذه النفس الإلهية([33]).

وفي الحقيقة إن الذات الإلهية ـ كما يؤكّد صدر المتألهين ـ تتجلى لجميع الممكنات غاية التجلي، فإن الله عزَّ وجلَّ؛ لعظمته، وشدّة نوره النافذ، وعدم تناهيه، أقرب إلى كلّ أحدٍ من كلّ أحدٍ غيره، كما أشار إليه في كتابه المجيد بقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾، ولكنْ كلّ ممكنٍ ينال من تجلّي ذاته تعالى بمقدار سعته ووعائه الوجودي، ويحرم عنه بقدر ضعفه وقصوره وضيقه عن الإحاطة به؛ لبعده عن منبع الوجود؛ ولمقارنته للأعدام والقوى والمواد. فعجز البعض عن أن يستشرف مثل هذا الإشراق الحضوري ليس لمنع وبخل من الله عزَّ وجلَّ، بل لقصور فيه، وضيق في وجوده، وضعف في إدراكه؛ حيث إن شدة نورية النور الإلهي تحتاج إلى وجود سعيٍ لاستقبالها واستشرافها([34]).

ثم إن صدر المتألهين بعد بيانه لهذا المطلب أيَّده ببعض الشواهد من عبارات بعض الحكماء السابقين، ما يدلّ على أن ثمة مَنْ سبقه في هذا المعنى منهم. فذكر أوّلاً ما نسبه إلى يعقوب بن إسحاق الكندي، من قوله: «إذا كانت العلة الأولى متصلة بنا لفيضه علينا، وكنا غير متصلين به إلاّ من جهته، فقد يمكن فينا ملاحظته على قدر ما يمكن للمفاض عليه أن يلاحظ المفيض، فيجب أن لا ينسب قدر إحاطته بنا إلى قدر ملاحظتنا له؛ لأنها أغزر وأوفر وأشدّ استغراقاً»([35]).

وأردفه بكلام للمحقّق الشهرزوري في الشجرة الإلهية، يقول فيه: «الواجب لذاته أجمل الأشياء وأكملها؛ لأن كل جمال وكمال ورشح وظلّ وفيض من جماله وكماله، فله الجلال الأرفع والنور الأقهر، فهو محتجبٌ بكمال نوريته وشدّة ظهوره. والحكماء المتألِّهون العارفون به يشهدونه، لا بالكُنْه؛ لأن شدة ظهوره وقوّة لمعانه وضعف ذواتنا المجرّدة النورية يمنعنا عن مشاهدته بالكُنْه، كما منع شدة ظهور الشمس وقوة نورها أبصارنا اكتناهها؛ لأن شدّة نوريتها حجابها، ونحن نعرف الحقّ الأوّل ونشاهده، لكنْ لا نحيط به علماً، كما ورد في الوحي الإلهيّ: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾»([36]).

ويبدو لي أن الشهرزوري استفاد هذا المعنى من شيخ الإشراق، الذي يقول في بعض رسائله: «وشدة نوريته حجابٌ لنوريته، فاختفاؤه عنا لشدّة ظهوره، كيف والشمس مع جرميتها احتجبت لظهورها عن الأبصار؟ فالوجود كله منطوٍ في قهره، فالأجرام انطوَتْ في قهر النفوس، والنفوس منطوية في قهر نورية العقول، والعقول منطوية في قهر نورية المعلول الأول، وهو منطوٍ في نورية القيوم نور الأنوار. ونورية العقول لا تزيد على ذاتها، وإنْ كان فيها أنوار أخرى زائدة؛ لتجلّي العالي إلى السافل تجلياً سرمدياً ديمومياً، يعلمه العلماء المشاهدون، دون الظاهرين، الذين يقلِّدون الزبر، ولا يرتقون المشاهدة»([37]).

فيتضح إذن أن للقيوم نورية شديدة غاية في الظهور والتجلّي، وكمالها وشدة لمعانها تمنع العقول أن تحيط بها من خلال الأفكار والتصوّرات، وتمنع الحسّ كذلك من باب أَوْلى، ولا يرتقي إليها أصحاب النفوس الضعيفة. وهذا يرجع إلى قصور هؤلاء عن نيل المطلوب، وهو معنى كون شدّة النورية حجاباً لهؤلاء. أما أصحاب النفوس المتألهة فيعلمون بهذا التجلّي بالعلم الحضوري الإشراقي([38]). ومن هنا يتّضح الفارق بين الحجاب النوري ـ كما في المقام ـ والحجاب الظلماني؛ فإن الحجاب الظلماني يتضمن ثلاثة أركان: المحجوب والمحجوب عنه والحجاب؛ بينما في الحجاب النوراني ليس ثمة غير المحجوب والمحجوب عنه، وشدّة نورانية المحجوب من جهة وضعف قابلية المحجوب عنه من جهةٍ أخرى هي الحجاب([39]).

التناسب العكسي بين شدة الوجود وملاحظة المدارك الضعيفة

من المناسب أن نشير في هامش الكلام عن هذا الجواب «الإشراقي» إلى قاعدة مهمّة أسس لها الملا صدرا على قاعدة أن الوجود أصيلٌ ومشكك، تفيد أن هناك تناسباً عكسيّاً بين قوة الوجود وشدة نوريته من جهةٍ وبين إدراك المدارك الضعيفة له من جهةٍ أخرى، وذلك أن للوجودات الإمكانية وجوداً وماهية، وأن الذي يجعله الفاعل بالحقيقة أولاً وبالذات هو الوجود، فهو أثره المترتّب على جعله وإيجاده، أما الماهية فإنها؛ لتناهي ضعفها وكمونها، مستغنيةٌ عن الجعل و التحصيل([40])، وهي متواريةٌ في حجاب الظلمة والخفاء، مُعرّاة عن الوجود والظهور، ولولا الوجود لما كان لها نصيب من الظهور، فإن الوجود يظهر نفسه بالذات، ويظهرها بالعَرَض. وحيث إن للوجود مراتب تتفاوت شدّةً وضعفاً فإن ظهور الوجود في كلّ مرتبة من الأكوان يوجب ظهور مرتبة من مراتب الممكنات، وكلّما تنزّل في مرتبة أضعف وبَعُدَ عن منبع الوجود توافرت فرص الأعدام والماهيات للخروج بصفة الوجود ونعت الظهور، فيما يستتر الوجود بحجب المظاهر، ويختفي بصور المجالي، ويصطبغ بصبغ الأكوان. فهناك تناسبٌ عكسيّ بين شدة الوجود وظهور الماهيات؛ إذ كلما اشتدّ الوجود ضمرت الماهية حتّى ينتهي إلى أشدّ مراتب الوجود قوةً وظهوراً، وهو الوجود الواجبي، الذي تتلاشى عند أعتاب حضرته الماهية وتنفني، وكلما ضعف الوجود ظهرت الماهية وتقمّصته وتسربل بها. ثم إن «كلّ مرتبة من المراتب يكون التنزّل والخفاء فيها أكثر كان ظهورها للمدارك الضعيفة أشدّ. والحال بعكس ما ذكر على المدارك القوية، كمراتب أنوار الشمس بالقياس إلى أعين الخفافيش وغيرها. ولهذا يكون إدراك الأجسام التي هي في غاية نقصان الوجود أسهل على الناس من إدراك المفارقات النورية التي هي في غاية قوّة الوجود وشدّة النورية»([41]).

ينبّه الحكيم السبزواري على أهمّية أن لا يلتبس علينا المراد من تنزُّل الوجود، فنتوهَّم أنه المعنى اللغوي الظاهر من التنزُّل، وهو الانتقال اللازم لتخلية مقامه وتجافيه عن مراتبه. بل إن معنى الإفاضة من الشيء إلقاء الظلّ، بحيث يكون انبعاث الشيء من مصدره لا يوجب نقصان كمال ذلك المصدر، وعودته إليه لا تزيد على كماله. ويمثِّل لذلك في المحسوس بانعكاس ضوء الشمس على القمر، ثم منه إلى المرآة، ثم منها على الماء، ثم منه على الجدار([42]).

وفكرة التناسب العكسي هذه لها أصولٌ في كلمات العرفاء([43])، لا يبعد أن يكون صدر المتألهين قد عمل على توضيحها واستثمارها في بحثه، بعد أن استلهمها منهم. ومن اللطيف ما ينقله السبزواري من التمثيل لهذه الفكرة بتشبيه النور والظلمة المعنويين بمخروطين متعاكسين، قاعدة مخروط النور عند عالم العقل ورأسه عند عالم المادة، ومخروط الظلمة رأسه في عالم العقل وقاعدته في عالم المادة([44]).

صياغةٌ ثالثة لهذا الجواب على قاعدة اتحاد العاقل والمعقول

في موضع البحث الذي يشيد فيه صدر المتألهين نظريته في اتحاد العاقل والمعقول يقرّر أن النفس غيرُ قادرةٍ على المشاهدة التامة للذوات العقلية القائمة بذواتها ـ على قاعدة المُثُل الإفلاطونية ـ؛ وذلك لضعف إدراك النفس وتعلّقها بالجسمانيات الكثيفة، ولذلك فإن قصور النفس عن ملاحظة هذه الذوات يُشبه ـ لو أردنا أن نُمثّل له بالمحسوس ـ الإبصار في الجو المُغْبَرّ.

يعزو صدر المتألهين بعد ذلك ضعف الإدراك إلى ثلاثة مناشئ رئيسة: الأوّل: يرجع إلى القدرة الإدراكية للمُدْرِك ـ باسم الفاعل ـ، فإنها قد تكون ضعيفة وقاصرة كعقول الأطفال؛ وأما الثاني والثالث فيرجعان إلى المُدْرَك ـ باسم المفعول ـ، فهو قد يكون لفرط ضعفه ووهنه خفيّاً على العقل، يصعب عليه نيله، كالزمان والحركة والهيولى، وقد يكون لتناهي كماله وجلاله وشدّة ظهوره ونوريته وقاهريته، كالعقول الفعّالة، عصيَّ الإدراك على النفس الضعيفة. «وربما يغلب فرط جماله وجلاله على القوة المُدْركة، ويجعلها مقهورةً مبهورة من شدة نوريته وفرط قوته واستيلائه وقهره، بحيث لا يمكن إدراكه على التمام، كما في إدراك العقل لواجب الوجود جلَّ كبرياؤه»([45]).

وفي كتاب المبدأ والمعاد يقرِّر صدر المتألهين، ضمن «تنبيه قدسي»، قاعدة اتحاد العاقل بالمعقول. ويؤكد أن الحقائق تحصل بأنفسها للعقل، لا بأظلالها، ولا أشباحها، وأن «كلّ ما كان في وجوده أتمّ فمعقوله في الذهن أتمّ»([46]). فإنْ كانت الأشياء تامة الوجود خارج عقولنا، كالدائرة والمربع والعدد، فمعقولها في أذهاننا معقول تامٌّ أيضاً؛ وإنْ كانت ناقصة الوجود، كالحركة والزمان والهيولى، فمعقولها ناقصٌ أيضاً.

وبعد أن يؤسّس لهذه القاعدة المُحْكَمة يطرح على نفسه إيراداً، مفاده: إن واجب الوجود هو أتمّ الموجودات، وأكملها فعلية، وأرفعها مرتبة، فيجب بناءً على ذلك أن يكون المعقول منه بدوره على نهاية الكمال والتمام، والحال أننا لا نجد في أنفسنا أنها تتعقّل حقيقة الواجب بهذه المثابة من الوضوح والتمام.

ثم يُجيب بأن هذا ليس راجعاً إلى جانب الوجود الواجبي؛ إذ هو على الكمال الأقصى، بل هذا من جهة ضعف عقولنا، وانغماسها في المادّة، وملابستها القوى والأعدام. «فقد تبين وتحقّق من ذلك أنّا حيث كنا متلبسين بالمادّة، وكانت هي السبب في أن صارت جواهرنا بحَسَب التعلق بها بعيدةً عن الحقّ الأول، فيكون أذهاننا وعقولنا ممنوعةً عن إدراكه تعالى؛ لبعدها عن منبع الوجود من قِبَل سنخ ذاتها، ومقارنتها للمادّة، لا من قِبَله»([47]). ثم كرّر نفس الجواب، الذي أوردناه نقلاً عن الأسفار، بنفس الشواهد من الآيات والروايات ومن كلمات المتقدّمين، كيعقوب الكندي و الشهرزوري.

 

إشكالٌ على هذه اللمعة الإشراقية

ثم يورد صدر المتألهين على نفسه إشكالاً مهماً، يقول فيه: إننا لو جوَّزنا أن تكون الذات الإلهية معلومةً بالعلم الحضوري الإشراقي للنفوس المتألهة، ولا شَكَّ أن المُشاهَد بهذا العلم الحضوري والشهود الوجودي ليس إلاّ نفس حقيقة الواجب البسيطة، لا وجهاً من وجوهها، فإنّ هذا يساوي العلم بالكُنْه الذي سلَّمنا امتناعه، وفاقاً للبرهان والنقل، وما يلزم عنه لازمٌ باطل مثل هذا فهو حقيقٌ بالبطلان.

والجواب أن في هذا الإشكال إغفالاً لما ذكرناه أوّل الأمر، من أن هذا العلم وهذا اللحاظ هو لحاظ للمفاض عليه لمفيضه من زاوية الإفاضة هذه تحديداً، وعلمٌ من المعلول بعلته لكونها علته الموجِدة له، فإن للعلة حضورٌ ما يتسرّب إلى وجود المعلول من جهة معلوليته واحتياجه لعلته، التي هي عين وجوده. وبتعبيرٍ آخر: إن هذا العلم لا يكون إلاّ بحجابٍ أو حجب، وذلك أنه لا يحصل إلاّ من قناة علم الممكن بذاته أوّلاً، فإن علمه بذاته يقود لعلمه بعلته، وشهوده لذاته ينتهي إلى شهوده للمُفيض، وهذا حجابٌ وجوديٌّ لازم لكلّ أحدٍ من الموجودات، حتّى المعلول الأوّل، فهو لا يشاهد ذات الواجب إلاّ بواسطة عين وجوده هو، ومشاهدة نفس ذاته، فيكون شهود الحقّ الأول من جهة شهود ذاته([48]).

يقول القاضي سعيد القمّي في هذا الصدد، في تعليقه على كلام الشهرزوري المتقدِّم: «لعلّ مراده أن الذي يمكن للنفوس المتألهة من مشاهدته تعالى هو أن ذلك إنما يتأتّى من وراء حجابٍ هو ذواتهم، حتّى أن الصادر الأول لا يشاهده إلاّ بمشاهدة نفس ذاته المُفاضة منه تعالى، ويكون شهوده الحقّ بسبب شهود ذاته، وبحَسَب نفسه، لا بحسب ما هو المشهود عليه»([49]).

وقد استشهد صدر المتألهين في معرض كلامه على هذا المعنى بكلامٍ لابن عربي، في الفصوص، عند كلامه عن الحجب الظلمانية والنورانية، مفاده: إن العالم عين الحجاب لنفسه، فإن العالم يُدْرِك نفسه بلا حجاب، ويدرك الحقّ من وراء حجاب نفسه([50]).

فعلم الممكن بالواجب هنا ليس بسعة المعلوم، بل بسعة العالم. والعالم يأتي إلى حضرة المعلوم للمُشاهَدة والمُلاحَظة، وينال منها بقدر وعائه الوجودي. وإذا أردنا أن نشبه المعقول بالمحسوس ـ كما يقول الشيخ جوادي الآملي ـ فإن مَنْ يقف على شرفةٍ لينظر إلى الأفق الذي ليس له آخر فإن محدودية قدرته على الرؤية المعتمدة على قناة عينه لا تعني محدودية المَرئيّ والمُشاهَد، والغوّاص الذي يسبر أغوار المحيط العميقة حتّى لو كان متصلاً بهذا المحيط اللامتناهي إلاّ أنه لا يرى منه إلاّ بمقدار ما غاصه وما تنتهي إليه سعة نظره([51]).

وبتعبيرٍ آخر: إن المُشاهَد هو تجلّي الذات المفيضة للذات المُفاض عليها، من جهة إمعان هذه الذات المُفاض عليها النظر إلى ذاتها، وتنزّهها عن الشواغل والمتعلقات، وصفائها عن الكدورات والألواث، حتّى تتبدّى له أنوار العلّة الحقّة. وحتّى لو أقلع عن النظر إلى ذاته، ونصب بصر وجوده على الذات الإلهية، ووصل إلى حدّ الفناء، فإنه يبقى مقيداً محدوداً بوجوده، والمُشاهَدة عبر نافذة هذا الوجود([52]).

والمتحصِّل من هذا الجواب أن مثل هذا العلم الحضوري الإشراقي بالذات ممكنٌ، ولو لأصحاب النفوس الإلهية من الممكنات. ومع إمكانه لا تتمّ للفخر الرازي الكبرى التي ادّعاها، بل يثبت عدم صحتها على الإطلاق، فلا يُنتج ما ادّعاه، ويكون دليله مصادرةً على المطلوب.

الجواب عن المستوى الثاني «الحكمة العرشية» الأدقّ، العلم بالواجب من نافذة العلم بسائر الموجودات

في هذه الحكمة العرشية يكرّ صدر المتألهين مرّةً أخرى على كبرى الفخر الرازي، كما فعل في الجواب السابق الذي شاطر فيه بعض الحكماء ممَّنْ أورد كلماتهم. لكنه في الجواب السابق اكتفى بإثبات إمكان العلم بالواجب أو تحقّقه، وبواسطة العلم الحضوري فقط، ولأصحاب النفوس المتألهة فقط، وعبر نافذة العلم بالنفس فقط. أما في هذا الجواب فسيترقّى ويتوسّع جدّاً، فيثبت أن العلم بالواجب ضرورويٌّ، ولكلّ أحدٍ، وفي موارد العلم الحضوري أو الحصولي بالأشياء، وعبر نافذة العلم بالنفس ـ باعتبارها موجوداً من الموجودات ـ أو غيرها من سائر الموجودات.

وهذا الجواب يعتمد بشكلٍ أساس على قاعدة الوجود الرابطي، الذي أصّل له صدر المتألهين، ويتّضح من خلال تحليل معرفي إبستمولوجي للعلم. ولذلك فهو يتركّب من مقدّمات، رتّبها صدر المتألهين بلحاظ مدى وضوحها للمُخاطَب، وحاجته إلى معرفتها أوّلاً، ولم يراعِ التراتب المنطقي اللازم بينها([53]). وفي ما يلي أسرد عرضاً لهذا الجواب ضمن نقاطٍ لن ألتزم فيها بالترتيب الوارد بالدقّة.

النقطة الأولى: في بحث الوجود الذهني يتكلّم الفلاسفة عن أن للعلوم الحصولية معلومٌ بالذات يوجد في الذهن، ومعلومٌ بالعرض هو الواقعية الخارجية. وفي بحث العقل والمعقول يقرّر صدر المتألهين أن المعلوم بالذات ليس هو الماهية الذهنية، كما يذهب له بعض، بل المعلوم بالذات هو العلم، وهو من سنخ الوجود، بالمعنى الذي يفصله في موضعه. يقول «إن العلم هو المعلوم بالذات، والوجود هو الموجود بالحقيقة لا غير إلاّ بالعرض»([54]). فالمعلوم بالذات في جميع أطوار العلم الحضوري والحصولي، والحسّي والخيالي والعقلي، هو الوجود([55]). ويؤكّد صدر المتألهين أن المعلوم بالذات من كلّ شيء بناءً على ذلك ليس إلاّ نحو وجود الشيء المعلوم؛ إذ إن العقل يُدرك الأشياء بحقائقها، لا بأشباحها وظلالها، كما مرّ([56]).

النقطة الثانية: إن حقيقة الأشياء الممكنة الكثيرة، بناءً على نظرية الوجود الرابطي، هي سنخ حقيقة رابطية ليس لها من وجودها غير الحاجة والتعلّق بالوجود الحقّ القيوم، تتقوّم هوياتها العينية ـ التي هي مَحْض تعلّق ـ بوجوده تعالى، وهي تجليات ولمعات لجلاله وجماله، ليس أكثر. وهذا أمر يتبدّى بوضوحٍ أيضاً من خلال برهان الصدّيقين بالتقرير الصدرائي له([57]). وكذلك يُنقل عن المحقّق الداماد في التقديسات قوله: «وهو كل الوجود، وكله الوجود. وكل البهاء، وكله البهاء والكمال. وما سواه على الإطلاق لمعات نوره، ورشحات وجوده، وظلال ذاته»([58]).

النقطة الثالثة: يترشّح عن ذلك أن علمنا ـ أيّ علم ـ بالأشياء ـ أيّ شيء ـ لا يمكن أن يخلو من إدراك لله تعالى؛ إذ يكون إدراك أيّ شيء بناءً على ذلك «ليس إلاّ ملاحظة ذلك الشيء على الوجه الذي يرتبط بالواجب من ذلك الوجه الذي هو وجوده وموجوديته»([59]).

النقطة الرابعة: نخلص ممّا تقدّم أن كلّ علمٍ بأيّ شيءٍ هو علم بالله عزَّ وجلَّ، إلاّ أن العلم ـ كالجهل ـ على قسمين: بسيط؛ ومركّب. والعلم البسيط هو إدراك الشيء مع الذهول عن ذلك الإدراك وعن التصديق بحقيقة المُدْرَك؛ والعلم المركب هو عبارة عن إدراك الشيء مع الشعور والالتفات لهذا الإدراك ولحقيقة المُدْرَك، سواء حصل من جهة الكشف والشهود، وهو طريق يختصّ به الأولياء الخلّص والعرفاء، أم حصل بالبرهان والعلم الاستدلالي، كما يفعل العقلاء والمتفكّرون في صفات الله.

والعلم البسيط هو ما يقع فيه كثيرٌ من عامة الناس، لا يلتفتون فيه إلى أنهم في الحقيقة عالمون بالله، بل ربما أنكروا ذلك وجحدوه. أما العلم المركب ذو المرتبة الأشدّ فهو ممّا يُغْفَل عنه، ولا يتفطن له إلاّ خاصّة أولياء الله، فهم مَنْ يتفتّح وَعْيهم على حقيقة المُدْرَك، ويلاحظون الله عزَّ وجلَّ في كلّ شيء. ومنه ما نُسب إلى أمير المؤمنين أنه قال: «ما رأيتُ شيئاً إلاّ ورأيتُ الله معه».

وهناك عدة فوارق بين العلم البسيط والمركّب عدا ما ذكرنا، منها: إن العلم المركّب الحاصل عن طريق الكشف أو العقل هو مناطُ التكليف، وهو الذي يتطرّق له الخطأ والصواب، وهو المعيار في الحكم بالكفر والإيمان، ويحصل من خلاله التفاضل بين العرفاء، بخلاف العلم البسيط([60]).

النقطة الخامسة: بعد أن اتّضح ما مرّ يضيف صدر المتألهين بعض التفاصيل غير الدخيلة في أصل البرهان، فيقول: إن ما ذكرناه لا يشذّ عنه شيء من إدراكاتنا، حتّى إدراكتنا الحسّية. ولذلك فإن للإنسان أن يُدرك الوجود الحقّ، الذي هو المحبوب الأول والمقصود الكامل، بجميع القوى والجوارح، لا على النحو الذي يقول به المجسّمون، تعالى الله عن ذلك. ويُضيف: إن إدراك الله عزَّ وجلَّ بالمعنى الذي ذكرناه ليس خاصّاً بالإنسان، بل إن جميع الموجودات تشاطره ذلك، وهي عاقلةٌ من هذه الجهة، عارفةٌ بربّها، مسبّحة له، مشاهدة لجماله. واستشهد على ذلك ببعض الآيات الكريمة، مثل: قوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ (الإسراء: 44)»([61]).

ملاحظاتٌ ومداخلات عامة

1ـ الملاحظة الأولى

تبين بناءً على ما مرّ أن معرفة الله قد تتمّ بوجهٍ كلّي على مستوى إثبات أصل وجوده عبر البراهين والأدلة النظرية؛ وقد يكون من قبيل: العلم الحضوري الشخصي والإدراك الشهودي لحقيقة الواجب تعالى. وليس ثمة مانعٌ بعد ذلك من إمكان إفادة هذا النوع من المعرفة من بعض الآيات القرآنية التي تناولت موضوع معرفة الله عزَّ وجلَّ، كما يذهب له البعض، حيث ذكر أن آية الفطرة، وهي قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: 30)، وآية الميثاق، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (الأعراف: 172)، هي من هذا القبيل([62]).

2ـ الملاحظة الثانية

إن ما يبرع فيه صدر المتألهين وما يميّز منهجه هو حرصه البالغ على مقاربة جميع المسائل التي يتطرّق لها على أساس وجودي، فإنه شديد الإخلاص لأصالة الوجود، وهو ملتزمٌ غاية الالتزام بإخضاع فلسفته لهيمنتها، وإنْ فاته ذلك أحياناً من غير قصد. بل حتّى مقارباته الإبستمولوجية وتحقيقاته في نظرية الإدراك والمعرفة كانت تصدر عن هذا الملفّ، وتؤول إليه، وتدور في فلكه. يمكن أن نطالع في البحث الذي استعرضته آنفاً مجموعةً من القضايا المرتبطة بنظرية المعرفة التي نقّحها صدر المتألهين في هذا الباب أو استعان بها تُصادق على ما زعمتُه ونسبتُه إلى صدر المتألهين. فقد تعرض في هذا البحث لعدّة مطالب يمكن أن تكون نموذجاً لذلك، مثل: التفريق بين إدراك النفوس المتألهة والنفوس الضعيفة، والتناسب العكسي بين شدّة الوجود وضعف الإدراك للنفوس الضعيفة، وقاعدة أنه كلّما كان الشيء أتمّ في وجوده كان معقوله أتمّ، وتقسيم العلم الحضوري إلى أقسامه الثلاث، وتقسيم العلم إلى: البسيط؛ والمركب، وإثبات العلم بالله في علمنا بأيّ شيء. وحيث إن صدر المتألهين جمع كل هذه المسائل المعرفية في كلامٍ واحد فقد يكون من المناسب التعرُّض لبعضها على سبيل الإشارة:

 

أـ إدراك النفوس المتألّهة و إدراك النفوس الضعيفة

فرّق صدر المتألهين في أكثر من موضعٍ من البحث بين إدراك النفوس المتألهة وإدراك النفوس الضعيفة، فذكر على سبيل المثال أن التناسب العكسي بين شدة الوجود وسطوعه من جهة وضعف الإدراك وشحّة نيله للمُدْرك من جهةٍ أخرى إنما يقع لأصحاب النفوس الضعيفة، وأن الذي يسعه أن يدرك الباري تعالى بالشهود الإشراقي القائم على علم المعلول بعلتها من زاوية وجوده هم أصحاب النفوس المتألِّهة، دون غيرهم، وأن الذي يلتفت إلى علمه بالله من خلال علمه بالأشياء فيتحقّق عنده علم مركب غير مغفول عنه هم أصحاب النفوس المتألِّهة أيضاً. ويبدو أن الفارق بين هذين النوعين هو في القدرة الإدراكية والكشفية، لا في المُكْنة والتضلّع في القدرة على التحليل والتفكير والإثبات، وإنْ كان الإدراك الأتمّ والأكمل يتيح المجال للتقدّم لإقامة براهين لم يسنح للعقل الالتفات لها لولا هذا الإدراك. وربما عبر عنه صدر المتألهين بـ «البرهان الكشفي». وكثيراً ما يُعبِّر العرفاء عن الفارق بين إدراك النفوس المتألهة والنفوس الضعيفة بالفرق بين العقل المنوّر أو المستنير والعقل المشوب. وقد استعار صدر المتألهين نفسه تعبير العقل المنوّر في بعض كلماته([63])، وربما عبّر عنه بالقلب المنوّر([64]). والقول بالعقل المنوّر أو المستنير، والإدراكات الحاصلة للنفوس المتألهة، والاعتماد عليه في استقبال الحقائق واكتشافها، من امتيازات المدرسة الصدرائية، التي يفترق بها عن المدرسة المشّائية([65]).

ب ـ التعارض البَدْوي لقاعدتي صدر المتألهين

قد يظهر للوهلة الأولى، وبحَسَب النظر البدوي، أن في كلام صدر المتألهين الذي عرضناه تهافتٌ؛ فهو يثبت مرّةً أن ثمة تناسب بين شدة الوجود وضعف الإدراك؛ ويثبت مرة ثانية أن ما يكون وجوده أتمّ فمعقوله أتمّ.

ولكنّ هذا التعارض منحلٌّ في كلمات صدر المتألهين نفسه؛ فإن الذي يعرض له ضعف ظهور الوجود الشديد هم أصحاب النفوس الضعيفة، فإن سياق الكلام مرتبط بنحو إدراكهم، أما الكلام عن أن الموجود الأتمّ معقوله أتمّ فبلحاظ نفس الأمر. ولذلك أكّد صدر المتألهين أن واجب الوجود وإنْ كان في الوجود الأقصى والأعلى، ولكنّ إدراكنا له ضعيفٌ؛ لخورٍ وضعفٍ في إدراكنا ونفوسنا المتعلقة بالماديات والمرتبطة بها.

ج ـ العلم البسيط والمركّب، والعلم الإجمالي و التفصيلي

للعلم الإجمالي معانٍ متعدّدة مذكورة في المعاجم الفلسفية والأصولية والكلامية وغيرها: أحدها: العلم المغبوش المجتمع مع الخفاء، والغموض الناشئ من الانكشاف الناقص للحقيقة.

وقد يبدو أن ما ذكره صدر المتألهين من التفريق بين العلم البسيط والعلم المركب يرجع إلى هذا المعنى من العلم الإجمالي. غير أن الأمر في تقديري ليس على هذا النحو؛ لأن المُدْرَك في العلم الإجمالي بهذا المعنى هو مُدْرَك ناقص ضعيف؛ فيما المُدْرَك في العلم التفصيلي هو مُدْرَك تامّ واضح. فهناك خلافٌ بينهما في نحو ما يناله العقل من الحقيقة؛ فقد ينال شيئاً غير تامٍّ منها، وهو العلم الإجمالي؛ وقد يحيط بها وتنكشف لها بتمامها، وهو العلم التفصيلي.

أما في العلم البسيط والمركّب فإن المُدْرَك واحدٌ بلا فرق، غاية الأمر أن العالم في العلم البسيط غافلٌ عن بعض حيثيات هذا المُدْرَك، أو قُلْ: غافلٌ عن حقيقته، كما يُعبِّر صدر المتألهين، في حين أن العالم بالعلم المركب منتبهٌ لذلك ومتفطّنٌ له.

3ـ الملاحظة الثالثة

بعد رحيل صدر المتألهين بعقود قليلة، وتحديداً في عام 1674م كان الفيلسوف واللاهوتي الديكارتي الفرنسي مالبرانش (Nicolas Malebranche 1715) قد نشر أحد أهم كتبه والموسوم بـ «طلب الحقيقة». وطرح فيه ضمن فصل خاصّ، حمل عنوان: «نحن نرى الله في كلّ شيء»، نظريته التي تشابه من عدّة وجوه الجواب الثاني العرشي لصدر المتألهين، والتي يقرر فيها على غرار صدر المتألهين أننا نرى الله ليس في علمنا بالمعقولات الأزلية والأبدية فقط، بل حتّى في علمنا بالمتغيرات المادية. وبالجملة فإنه «ما من شيءٍ إذا تأمّلناه كما ينبغي إلاّ ردّنا إلى الله». لكنه لم يستند في ذلك إلى فكرة الوجود الرابط للمخلوقات بالنحو الذي كشف عنه صدر المتألهين، بل بنى رأيه على أساس ما قام به من تطوير الأصول الديكارتي، والذي انتهى فيه إلى أن الله امتدادٌ لا متناهٍ، والعالم بأسره امتدادٌ، وغاية ما في الأمر أنه يصير جزئياً عندما يؤثّر هذا الامتداد في نفوسنا، فيحدث إدراكات حسّية وألوان وأشباه ذلك، وفي الحقيقة «نحن نعيش في الله، ونتحرّك فيه، ونوجد فيه»، ولذلك فإن الله «وحده معلومٌ بذاته، وما من شيء نراه مباشرة إلاّ هو». لكنه يستدرك بعد أن اعتُرض عليه في هذا الصدد ليؤكّد أننا لا نرى الذات الإلهية في نفسها، بل نلحظ نسبتها للمخلوقات من الجهة التي تقبل مشاركة المخلوقات فيها([66]).

4ـ الملاحظة الرابعة

بنى صدر المتألهين جوابه الخاصّ به، الذي وصفه بـ «الحكمة العرشية»، على أن العلم بالأشياء ـ سواء كان بالعلم الحصولي أو الحضوري ـ هو في الحقيقة علم بوجوداتها، حيث يقول: «المُدْرَك بالذات من كلّ شيء عند الحكماء، بعد تحقيق معنى الإدراك وتخليصه عن الزوائد على ما يُستفاد من تحقيقات المحقّقين من المشّائين كما سيقرع سمعك، ليس إلاّ نحو وجود ذلك الشيء، سواء كان ذلك الإدراك حسياً أو خيالياً أو عقلياً»([67]). وحيث إن حقيقة الوجودات الإمكانية هي الربط والتعلق بالمُفيض المستقلّ فإن في العلم بها علمٌ بموجِدها. إلاّ أن السؤال هو: ما مقصود صدر المتألهين بأن إدراك الأشياء إدراك لوجوداتها؟ هل يُعقل أن يكون المقصود من ذلك مثلاً أننا لو أدركنا الأشياء الخارجية المادية مثلاً فإننا ندرك وجودها بوجودها الخارجي حقّاً؟ حيث يظهر أن صدر المتألهين يبني كلامه على لازم هذا المعنى قد يقال: إن ذلك يتنافى مع ما يُسلِّم به صدر المتألهين من امتناع مجيء الخارجي إلى الذهن، وإلا لزم الانقلاب المستحيل، كما مرّ.

ذهب الحكيم السبزواري إلى أن مراد الملا صدرا لم يكن ذلك، بل كان كلامه عن «المعلوم بالذات»، والمعلوم بالذات عند صدر المتألهين هو واقع العلم الذي هو نحو وجود، لا الماهية الذهنية، كما يذهب البعض([68]).

واختار هذا التفسير أيضاً الشيخ جوادي الآملي([69])؛ وذلك أن الماهية في وجودها المادي الجسماني غير قابلة للانتقال للعقل، لكنّ قوى النفس الإدراكية، التي هي مرتبة من النفس، تتّحد معها ضمن تركيب اتّحادي خاصّ في وجودها المثالي الحسّي أو الخيالي، أو في وجودها العقلي، حيث تكون جواهر معقولة مفارقة. ونتيجة هذا الاتّحاد واقعة بسيطة هي باعتبارٍ قوة إدراكية للنفس، وباعتبارٍ آخر صورة إدراكية منطبقة على المعلوم بالعرض([70]).

إلاّ أنه قد يَرِدُ إشكالٌ على هذا بأنه رجوعٌ إلى علم النفس الحضوري، فيكون الفارق بين هذا الوجه وبين الوجه السابق «اللمعة الإشراقية» هو أننا في الوجه السابق توصّلنا إلى العلم بالله من خلال الرجوع إلى النفس عبر العلم الحضوري للنفس بعلّتها، أما في هذا الوجه «الحكمة العرشية» فإننا نتوصّل إلى العلم بالله من خلال الرجوع إلى النفس عبر العلم الحضوري للنفس بذاتها وشؤونها ـ وهي العلم ـ، وبالتالي العلم بعلّتها هي وما اتّحدت به. وكأنّ في هذا رجوعاً إلى النحو الأوّل مع شيءٍ من التطويل، ورُبَما لا يمكن عدّه طريقاً مستقلاًّ عن الطريق الأول؛ إذ هو وفقاً لذلك بيان لبعض امتدادات المعنى الذي يقرّره الطريق الأول.

لكنه إشكالٌ غير تامّ إذا ما عرضناه على نظرية صدر المتألهين في العلم ضمن تركيبها الدقيق والمعقّد ـ وذلك بغضّ النظر عن القبول بها أو ردّها ـ؛ فإن حقيقة العلم عنده وإنْ كانت الاتحاد الوجودي مع الجواهر العقلية، إلاّ أنه يرى أن هذه الجواهر هي سنخ وجودٍ أشدّ من وجود صورها الخارجية المرتبطة بالمادّة، والمتغيّرة بتغيُّرها([71]).

يلخِّص هذه الفكرة العلاّمة الطباطبائي في النهاية، حيث يقول: «المعلوم عند العلم الحصوليّ بأمرٍ له نوعُ تعلُّق بالمادّة هو موجودٌ مجرّدٌ، هو مبدأ فاعليٌّ لذلك الأمر، واجدٌ لما هو كماله، يحضر بوجودها الخارجي للمُدْرَك، وهو علمٌ حضوريّ، ويتعقّبه انتقال المدرك إلى ما لذلك الأمر من الماهيّة والآثار المترتّبة عليه في الخارج. وبتعبيرٍ آخر: العلم الحصوليّ اعتبارٌ عقليّ يضطرّ إليه»([72]). فإذا كان المعلوم غير قابل للمجيء للذهن بوجوده الخارجي فإن ما يأتي إلى الذهن، أو بتعبيرٍ آخر: ما تتّحد به النفس، يفوق ذلك ويتوفّر على كمالاته وبدرجةٍ أشدّ. وبالاضافة إلى ذلك فإن صدر المتألهين في بحث اتحاد النفس بالعقل الفعّال، وفي تعقُّبه للسير التكاملي للنفس في القوس الصعودي، أثبت أن النفس بعد انفنائها في المبدأ الفيّاض، واستغراقها في مشاهدة الحقّ، ترى الأشياء كما هي عليه في الخارج، وتقف على حقائق الأشياء في موطنها الخاصّ به([73]).

ومهما يكن من أمرٍ فإنه يمكن بمراجعة نظرية صدر المتألهين في العلم التأكيد على أنه كان يعني ما يقول عندما زعم أننا عندما نعلم بالأشياء فإننا نعلم بها بحقائقها، والتي ليست هي شيء غير الربط والتعلّق بالمبدأ القيّوم. ويمكن تلخيص فكرته في تجرّد الصور الطبيعية وتجرّد النفس واتّحادهما ـ نحو من الاتحاد الخاص الذي يقبله ـ والعلم بالأشياء بحقائقها في عبارته التالية: «ألا ترى أن الصور الطبيعية تتكامل وتشتدّ إلى أن تتجرّد عن المادة، وتنقلب صورة عقلية موجودة في العالم الأعلى العقلي على وصف الوحدة والتجرّد. وكذلك النفوس بعكس ذلك كانت في عالم العقل شيئاً واحداً جوهراً مبسوطاً متحداً عقلياً، فتكثّرت وتنزّلت في هذا العالم، وصارت لضعف تجوهرها متشبّثة بأبدان طبيعية ساكنة في منازل سفلية، فليس في هذين الأمرين انقلابٌ في الحقيقة على الوجه المستحيل؛ فإن للأشياء النوعية والمفهومات المحدودة، كالإنسان والفلك والأرض والماء وغيرها، أنحاءً من الوجود، وأطواراً من الكون، بعضها طبيعية وبعضها نفسية وبعضها عقلية وبعضها إلهية أسمائية، فإنك إذا تعقّلت أو تخيّلت أرضاً أو سماء فقد حصلت في عقلك سماء عقلية وفي خيالك سماء خيالية، كلّ واحدة من الصورتين سماء بالحقيقة، لا بالمجاز، كما أن التي في الخارج عنك سماء، بل الصورتان الأوليان أحقّ باسم السماء وأَوْلى من التي في الخارج؛ لأن التي في الخارج مموّهة مغشوشة بغواشٍ زائدة وأمور خارجة عن ذاتها وأعدام وظلمات وأمور زائلة سائلة متجددة. وكذا الحال في كلّ نوع من الأنواع الطبيعية، فالكل في قضاء الله السابق على وجه مقدّس عقلي، فأيّ مفسدةٍ في أن يكون للنفوس التي هي صور بعض الأنواع الطبيعية كينونة على نحوٍ آخر في العالم العقلي؟ ومَنْ زعم أن كون معنى واحد موجوداً بوجودات متعدّدة متخالفة النشآت يوجب قلب الماهية وبطلان الحقيقة فليمتنع عنده العلم بحقيقة شي‏ء من الأشياء، فإن العلم بالأشياء الغائبة عبارةٌ عن وجود صورتها المطابقة لها عند العالم، وتلك الصورة للشي‏ء قد تكون عقلية وقد تكون خيالية وقد تكون حسّية حَسْب درجات قوة العالم بها»([74]). وزبدة المَخْض أن ما قام به صدر المتألهين من إفراد حكمته العرشية، وعدّها جواباً ثانياً، يبدو في محلّه إذا ما وضعناها في سياق نظرية العلم الصدرائية.

 

الهوامش

(*) باحثٌ وأستاذٌ في الحوزة العلميّة. من المملكة العربيّة السعوديّة.

([1]) هناك أعاد البحث مفصلاً عن أن واجب الوجود إنّيته ماهيته، لكنه لم يتطرّق لبحث علم الممكن للواجب.

([2]) راجع: جوادي الآملي، رحيق مختوم 2: 95.

([3]) صدر المتألهين، المبدأ والمعاد 36 ـ 40.

([4]) صدر المتألهين، الأسفار 6: 288 ـ 289.

([5]) ذكر ذلك واستقصى موارده عبد الرسول عبوديت، النظام الفلسفي لمدرسة الحكمة المتعالية 1: 282.

([6]) لاحِظْ: صدر المتألهين الشيرازي، الأسفار 1: 79.

([7]) عبد الرسول عبوديت، النظام الفلسفي لمدرسة الحكمة المتعالية 1: 284.

([8]) راجع: صدر المتألهين، الأسفار 1: 80؛ جوادي الآملي، رحيق مختوم 1: 524 ـ 525.

([9]) صدر المتألهين، تعليقه بر حكمة الإشراق: 103.

([10]) راجع: صدر المتألهين، المصدر السابق: 80 ـ 81.

([11]) المصدر السابق، 1: 330.

([12]) المصدر السابق، 1: 47.

([13]) المصدر السابق، 1: 96.

([14]) وشذّ عنهم الفخر الرازي، راجِعْ: الفخر الرازي، المباحث المشرقية 1: 31.

([15]) أشار لذلك عبد الرسول عبوديت، النظام الفلسفي لمدرسة الحكمة المتعالية 1: 55؛ لاحِظْ أيضاً: جوادي الآملي، رحيق مختوم 2: 97.

([16]) راجِعْ تعليقة العلامة الطباطبائي في الأسفار 1: 96.

([17]) الفخر الرازي، المباحث المشرقية 1: 34.

([18]) راجِعْ عبارته في تلخيص المحصّل للمحقّق الطوسي: 97.

([19]) لاحِظْ: جوادي الآملي، رحيق مختوم 2: 181.

([20]) صدر المتألهين، الأسفار 1: 113.

([21]) المحقّق الطوسي، تلخيص المحصل: 98.

([22]) المحقّق الطوسي، شرح الإشارات والتنبيهات 3: 33.

([23]) جوادي الآملي، رحيق مختوم 2: 180.

([24]) لاحِظْ تعليقة الحكيم السبزواري في الأسفار 1: 113.

([25]) صدر المتألهين، الأسفار 1: 114.

([26]) المصدر السابق 1: 37.

([27]) المصدر السابق 6: 84 ـ 85.

([28]) راجِعْ: صدر المتألهين، الأسفار 1: 114.

([29]) المصدر نفسه.

([30]) لاحِظْ: جوادي الآملي، رحيق مختوم 2: 183.

([31]) العلامة الطباطبائي، نهاية الحكمة: 318.

([32]) القاضي سعيد القمّي، شرح الأربعين: 404.

([33]) راجِعْ: صدر المتألهين، الأسفار 1: 214.

([34]) راجِعْ: المصدر نفسه. وقد نقلت فكرة صدر المتألهين في هذا المقطع بعبارته نفسه&.

([35]) المصدر السابق 1: 114.

([36]) الشهرزوري، الشجرة الإلهية 3: 272.

([37]) شيخ الإشراق السهروردي، رسائل شيخ الإشراق 1: 465.

([38]) صدر المتألهين، الأسفار 1: 115.

([39]) جوادي الآملي، رحيق مختوم 2: 188.

([40]) صدر المتألهين، الأسفار 1: 262.

([41]) المصدر السابق 1: 69؛ راجع أيضاً: المصدر السابق: 64.

([42]) لاحِظْ تعليقة السبزواري في المصدر السابق: 64.

([43]) لاحِظْ مثلاً: القيصري في مقدّمته على شرح فصوص الحكم: 24، حيث نسب إلى العرفاء قولهم: إن «الوجود ـ باعتبار تنـزُّله في مراتب الأكوان… يشتدّ خفاؤه…، وباعتبار قلتها تشتد نوريته».

([44]) لاحِظْ تعليقة السبزواري في الأسفار 1: 63.

([45]) راجِعْ: المصدر السابق 6: 288 ـ 289.

([46]) وهذه القاعدة تختلف اختلافاً أساسياً مع الأصل الهيغلي، الذي يفيد أن «كلّ معقول فهو موجود»؛ لأن صدر المتألهين يتكلم عن معقولية ما ثبت وجوده، فيما يأخذ هيغل المنحى المعاكس.

([47]) راجِعْ: المبدأ والمعاد: 36 ـ 38.

([48]) صدر المتألهين، الأسفار 1: 115.

([49]) القاضي سعيد القمّي، شرح الأربعين: 406.

([50]) صدر المتألهين، المبدأ والمعاد: 40؛ راجِعْ أيضاً: الكاشاني، شرح فصوص الحكم: 26.

([51]) جوادي الآملي، رحيق مختوم 1: 190.

([52]) صدر المتألهين، الأسفار 1: 203.

([53]) جوادي الآملي، رحيق مختوم 2: 194.

([54]) صدر المتألهين، الأسفار 6: 324.

([55]) المصدر السابق 1: 116.

([56]) لاحِظْ مثلاً: صدر المتألهين، المبدأ والمعاد: 37.

([57]) صدر المتألهين، الأسفار 6: 14 ـ 15.

([58]) نقله عن ذلك غيرُ واحد، منهم: الحكيم السبزواري في شرح الأسماء الحسنى: 480.

([59]) صدر المتألهين، الأسفار 1: 117.

([60]) راجع: المصدر السابق: 116 ـ 118.

([61]) صدر المتألهين، الأسفار 1: 118.

([62]) راجع تفصيل ذلك في: مصباح يزدي، خداشناسي در قرآن: 37 ـ 53.

([63]) صدر المتألهين، مفاتيح الغيب: 486.

([64]) صدر المتألهين، الأسفار 7: 233؛ 9: 179؛ العرشية: 271.

([65]) ذكر ذلك غير واحدٍ، منهم: الشيرواني. تأملي در ويژگي هاي روش شناختي مکتب فلسفي ملا صدرا. روش شناسي علوم إنساني، العدد 56: 21 ـ 22.

([66]) راجِعْ: د. قاسم كاكائي، الله ومسألة الأسباب بين الفكر الإسلامي وفلسفة مالبرانش: 25 ـ 28؛ يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة: 98 ـ 102.

([67]) صدر المتألهين، الأسفار 1: 116.

([68]) راجِعْ تعليقة السبزواري في المصدر السابق نفسه.

([69]) جوادي الآملي، رحيق مختوم 2: 195 ـ 160.

([70]) عبد الرسول عبوديت، النظام الفلسفي لمدرسة الحكمة المتعالية 2: 293،  306.

([71]) صدر المتألهين، الأسفار 8: 282.

([72]) العلامة الطباطبائي، نهاية الحكمة: 296.

([73]) صدر المتألهين، الأسفار 2: 360 ـ 362.

([74]) الأسفار الأربعة ‏8: 368 ـ 369.