فلسفة الحقوق والقانون

8 أبريل 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
683 زيارة

فلسفة الحقوق والقانون

د. محمود حكمت نيا(*)

ترجمة: حسن مطر

مقدّمة ــــــ

إن الفلسفات المضافة حقولٌ أو فروع علمية تنظر إلى ذات العلوم المضافة إليها نظرة خارجية شاملة، وبأسلوب عقلاني ناقد ومباشر. وإن من الفلسفات المضافة «فلسفة الحقوق». ويمكن العثور على المسائل والمباحث العامّة لفلسفة الحقوق ضمن عناوين، من قبيل: «فلسفة الحقوق»([1])، أو «نظرية الحقوق»([2])، أو «علم الحقوق»([3])، أو «الفلسفة الحقوقية»([4]). وبالإضافة إلى هذه المسائل يمكن العثور على فلسفة الحقوق على نحو أكثر تخصُّصاً، واتجاهات خاصّة تشتمل على عناوين مختلفة. وفي هذا المقال نسعى إلى تكوين رؤية مختصرة وعابرة إلى فلسفة الحقوق وأمّهات المسائل المبحوثة فيها.

1ـ تعريف فلسفة الحقوق ــــــ

يتألَّف مصطلح «فلسفة الحقوق» (على شكل مضاف ومضاف إليه) من كلمتين، هما: «الفلسفة»؛ و«الحقوق». إن الحقوق بمعنى عامّ عبارة عن «مجموعة من القواعد الجامعة والمُلزمة التي تحكم الحياة الاجتماعية للناس؛ من أجل إحلال النظام، وتطبيق العدالة، ويتولّى رجال الحكم والدولة مهمّة تطبيقها»([5]).

إن هذه القواعد تتبلور ضمن إطار الحاجة والمباني الفكرية، والأطر العلمية والثقافية في قالب المصطلحات والقواعد والتصنيفات والأشكال الخاصة، وعلى أساس مصادر خاصّة، ويُطلق عليه مصطلح النظام الحقوقي، ويتمّ في ذلك المصطلح إضافة كلمة «الحقوق» إلى ذلك النظام الخاص. فعندما نذكر الحقوق الإسلامية ـ على سبيل المثال ـ نريد بذلك النظام الحقوقي للإسلام([6]).

ومضافاً إلى ذلك لربما تمّ التأسيس لعلم معيّن لتعليم الحقوق، أو النظام الحقوقي الخاص، يطلق عليه اسم الحقوق أيضاً. وعلى أيّ حال يمكن للفلسفة أن تضاف إلى كلّ واحد من هذه العناوين المذكورة.

وعلى هذا الأساس يمكن استعمال فلسفة الحقوق في أربعة معانٍ، وهي:

1ـ الفلسفة الحقوقية، بمعنى الفلسفة بوصفها مجموعة من القواعد المشتملة على الأوصاف المتقدّمة.

2ـ فلسفة الحقوق، بمعنى الفلسفة بوصفها علماً يدرس هذه القواعد.

3ـ فلسفة الحقوق، بمعنى فلسفة النظام الحقوقي الخاصّ، من قبيل: فلسفة الحقوق في الإسلام، أو فلسفة القوانين العرفية([7]).

4ـ الفلسفة الحقوقية، بمعنى الفلسفة بوصفها علماً تتمّ بلورته لتحليل وفهم وتفسير النظام الحقوقي الخاص.

وإنّ المراد من الحقوق في مقالنا هذا هو المعنى الأول من المعاني الأربعة المتقدّمة، أي إنها مجموعة من القواعد الحاكمة على العلاقات والروابط الاجتماعية التي تتمتع بالضمانة الإجرائية والتطبيقية، بغضّ النظر عن تبلورها ضمن نظام معيّن.

أما الكلمة الأخرى التي يجب الالتفات لها في ما نحن فيه فهي كلمة «الفلسفة». إن للفسلفة معاني متعدّدة ومختلفة، وقد شهدت تطوّرات على مرّ التاريخ. إن الفلسفة في معناها القديم عبارةٌ عن مطلق العلوم المعقولة، ولم تكن تشمل العلوم المنقولة. وأما في المعنى الآخر فهي عبارةٌ عن «العلم بأحوال الموجود بما هو موجودٌ، لا بما له من تعيُّن خاص»([8]).

أما هنا فلا يُراد من الفلسفة أيّاً من المعاني المتقدّمة، إلاّ أنها في الوقت نفسه ليست أجنبيةً أو بعيدة عنها؛ لأن فلسفة الحقوق ليست من سنخ العلوم النقلية، بل هي بصدد البحث في الضرورات والمحظورات الحقوقية على نحوٍ عقلانيّ. ومن ناحيةٍ أخرى تدرس أحوال وعوارض الحقوق والقواعد الحقوقية من حيث كونها حقوقية أو يجب أن تكون كذلك، بغضّ النظر عن الحقل الحقوقي الخاص الذي يحتويها. فلو شبَّهنا الحقوق بالجسم فإن دراسة الجسم تكون على نوعين؛ فأحياناً تدرس خصوصيات كل جسم بشكل مستقلّ؛ وتارةً يُدرس مجموع الجسم أو أجزاؤه من حيث كونها جزءاً من مجموع الجسم. ودراستنا هي من السنخ الثاني للفلسفة.

وهناك مَنْ عمد ـ بدلاً من تعريف الفلسفة من طريق الموضوع ـ إلى تعريف ووصف الآلية الفلسفية. في هذه الرؤية «يسعى الفيلسوف من خلال دراسته الدقيقة إلى تقييم وَعْينا وعقيدتنا بشأن العالم بشكلٍ عامّ، والعالم الإنساني بشكلٍ خاصّ. ومن خلال هذا البحث والتحقيق يبذل الفيلسوف جهداً لرسم صورةٍ عامة ومنتظمة عن جميع ما نعلمه ونفكِّر فيه ونطرحه. إن إدراك هذا النوع من الأفكار العامّة يعمل على طرحٍ جامع وشامل، يمكِّن الفرد العادي من مناغمة رؤيته عن الكون والأمور الإنسانية، وأن يقيس أفعاله وأعماله وسلوكه على أساسها»([9]).

وبهذا المعنى يكون ما يقوم به فيلسوف الحقوق هو الدراسة النقديّة لمجموع الحقوق، وتقديم صورة عامّة عنها. مضافاً إلى ذلك تستعمل الفلسفة في معانٍ أخرى أيضاً. وبهذا المعنى لا تكون الفلسفة العلمية منفصلة عن سائر العلوم الأخرى، بل إن نسبة العلوم إلى الفلسفة من قبيل: مرتبة من المعرفة إلى مرتبة أخرى أكمل منها بشأن أمرٍ ما([10]). وبهذا المعنى تكون فلسفة الحقوق مرتبة أكمل من معرفة الحقوق وقواعدها.

وبالالتفات إلى المعاني المتقدّمة يمكن تعريف فلسفة الحقوق بمفهوم «التفكير»([11]) الخارجي([12]) والانتقادي([13]) بالنسبة إلى مجموع القواعد العامّة والملزمة؛ لغاية إحلال النَّظْم، وإقامة العدل. وعلى هذا الأساس فإن الفلسفة من سنخ التفكير الذي ينظر إلى الأمور من خارجها، بعيداً عن القواعد الداخلية والنظام الحقوقي، والذي يبحث في الحقوق برؤيةٍ انتقادية([14]).

نشهد في بعض المؤلَّفات الفلسفية ـ ولا سيَّما في الأعمال التقليدية للقارّة الأوروبية ـ تفريقاً بين «فلسفة الحقوق» و«النظرية الحقوقية». فقد عمدت هذه الرؤية إلى تخصيص «النظرية الحقوقية» بالجانب التحليلي([15]) والعلم الحقوقي([16])، واعتبر لها أربعة حقول دراسية، وهي:

1ـ التحليل الحقوقي([17]): وهنا يتمّ بحث أمور من قبيل: مفهوم الحقوق([18]) بشكلٍ عام، والمعايير الحقوقية([19])، والنظام الحقوقي، والمفاهيم (المصطلحات) الحقوقية، والآليّات الحقوقية([20])، ومصادر الحقوق.

2ـ علم المنهج الحقوقي([21]): وفي هذا القسم يتمّ بحث «نظرية التشريع»([22])، والحكم بشأن الحقوق([23])، والذي يتضمَّن تفسير القواعد، ومناطق الفراغ، والتضادّ، والتعارض، والاستدلال بشأن القواعد مورد البحث.

3ـ نظرية المعرفة([24]): وفيها يتمّ بحث علم المعرفة الحقوقية([25])، ومنهج معرفة الآراء الحقوقية.

4ـ تحليل المضمون العقائدي للحقوق: بمعنى دراسة القِيَم التي يتمّ ذكرها في الحقوق صراحةً، إلاّ أنها موجودة في التشريع، والقرارات القضائية، والتحليلات النظرية للحقوق، بشكلٍ ضمنيّ، وهي من الأمور التي على الرغم من عدم ذكرها في أيّ قاعدة حقوقية، إلاّ أنها حاضرةٌ في ذهن أصحاب القرار الحقوقي.

إن لـ «النظرية الحقوقية» من الناحية النظرية والتطبيقية في الحقوق قيمة كبيرة. فهي من حيث تشريحها لظاهرة الحقوق وبيانها لتعقيداتها تشتمل على قيمة نظرية، ومن حيث تلبيتها للحاجة التطبيقية في حقل علم المنهج في تفسير القوانين وفنون التشريع وبيان التركيبة الحقوقية تحظى بأهمّية عملية وتطبيقية.

أما القسم الآخر من علم الحقوق فهو «فلسفة الحقوق». وفي هذه التركيبة تعمل فلسفة الحقوق على الاهتمام بالقسم المعياري من علم الحقوق، حيث تهتمّ به من هذه الناحية.

وفي هذا الحقل يتمّ بحث مشروعية القواعد الحقوقية([26])، والعلاقة والنسبة بين القواعد الحقوقية والقواعد الأخلاقية، ومضمون القيم الحقوقية التي هي من قبيل: العدالة، والمساواة، والإنصاف، والأمن الحقوقي، وما إلى ذلك([27]).

وبشكلٍ عامّ يمكن القول بأن «الحقوق» يمكن بحثها من زاويتين: الأولى: من الناحية التوصيفية، وأنّ هناك قواعد؛ والأخرى: من الناحية «المعيارية»، والاهتمام بمسألة أن الحقوق تشتمل على أمور قيمية و«ضرورات ومحظورات». وحيث إن هذين البحثين يختلفان في سنخَيْهما على المستوى الماهوي يمكن لنا أن نرصد لهما حقلين مختلفين من البحث أيضاً.

وبعبارةٍ أخرى: يمكن دراسة المباحث والمسائل المتعلّقة بالحقوق وقواعدها على مستويين: المستوى الحقوقي الداخلي؛ والمستوى الحقوقي الخارجي. كما يمكن تناول المسائل الحقوقية الخارجية من ناحيتين: الناحية التوصيفية؛ والناحية المعيارية.

وفي هذا النطاق يبدو أنّه بالإمكان أن نجعل فلسفة الحقوق شاملة لكلا الناحيتين: التوصيفية؛ والمعيارية، واستعمالها ضمن تعريفٍ واحد شامل. وطبقاً لهذا التحليل يمكن القول: إن فلسفة الحقوق عبارةٌ عن الدراسة الخارجية للقواعد الملزمة بأسلوب عقلاني ـ انتقادي.

والمسألة الأخرى التي يجب الاهتمام بها هنا هي أننا في الحقوق نبحث أحياناً في القواعد، وأحياناً يتمّ بحث الأفعال أو ترك الأفعال بالنسبة إلى أولئك الذين يطبِّقون تلك القواعد. وبعبارةٍ أخرى: أحياناً يكون موضوع البحث والتحقيق هو الأفعال وتبعاتها، على الرغم من أننا نتمكَّن من خلال هذا البحث الحكم بنحوٍ ما بشأن الحقوق، ومن ناحيةٍ أخرى يمكن بحث هذه الحقوق بشكلٍ مباشر. وقد ذكرنا قيد المباشر هنا لنثبت أن القواعد الحقوقية تتبلور أحياناً على شكل أفعال الإنسان، ويمكن بحث آثارها من هذه الناحية أيضاً. كما أن هذا البحث وإنْ كان بحثاً حقوقياً خارجياً، إلاّ أنه لا يتعلَّق بذات الحقوق مباشرة، بل من ناحية أنه يقع مورداً للعمل. بَيْدَ أن هذه الدراسة خارجةٌ عن مباحث فلسفة الحقوق أيضاً؛ لأن القواعد الحقوقية لا يتمّ بحثها هنا بشكلٍ مباشر، إنما الذي يقع موضوعاً للبحث هو فعل الأفراد، أما القواعد الحقوقية فهي تبحث بشكلٍ غير مباشر. وبالالتفات إلى هذا الأمر يجب القول: إن فلسفة الحقوق من الناحية الخارجية والانتقادية، ومن خلال الأسلوب العقلاني، تبحث في مجموعة من القواعد الحقوقية بشكلٍ مباشر.

 

2ـ أهمّية فلسفة الحقوق ــــــ

إن لفلسفة الحقوق أهمّية نظرية وعملية كبيرة. فمن الناحية النظرية تؤدّي مباحث فلسفة الحقوق إلى فهم الحقوق ومفاهيمها الرئيسة وأنظمتها الحقوقية بشكلٍ دقيق وعميق. ومن خلال ذلك سوف تتّضح مفردات من قبيل: العدل والأمن والحرّية والمساواة ونظائر ذلك. وتتمّ دراسة نسبة كلّ واحد من هذه الأمور إلى الأمور الأخرى، مع بيان موارد التعارض والتزاحم فيما بينها. فعلى سبيل المثال: تتمّ الإجابة عن السؤال القائل: ما الذي علينا فعله في حالة التعارض بين الأمن والحرّية؟ أو بين العدل والأمن؟ ويتمّ إيضاح ثبات القواعد وتغيُّرها، ويتمّ بيان ما هي القضية الثابتة؟ وما هي القضية المتغيّرة في النظام الحقوقي؟ وما هي الضابطة على فرض التغيُّر؟ ويتمّ بيان حدود الحقوق مع الحقول المسانخة، من قبيل: الأخلاق، وما إليها، وما هي نسبة واجبات ومحظورات هذين الحقلين إلى بعضهما؟ مع بيان ماهية القضايا في كلّ حقلٍ، وما هي مصادرها؟ وهل هناك اختلافٌ بين قواعد هذين الحقلين؟ وما الذي يجب فعله في حالة الاختلاف؟ وفي الحدّ الأدنى يتمّ تحديد موارد الغموض والإجمال فيها. وسوف يتمّ التعرّف على موقع المدارس الحقوقية، وتأثيرها على تركيبة الحقوق، وسوف يتّضح التأثير الذي تتركه كلّ واحدة من هذه المدارس على الحقوق وبنيتها. ومضافاً إلى ذلك فإن لفلسفة الحقوق فوائد تطبيقية كثيرة. إن هذه المباحث تشكِّل أرضية صالحة لفهم الأنظمة الحقوقية واختلافاتها، وبالتالي إمكان أو عدم إمكان تطبيقها. ومن خلال معرفة الأنظمة الحقوقية فلسفياً سيتّضح أسلوب التطبيق والمقارنة أيضاً. إن لمباحث فلسفة الحقوق في التشريع وفكرة التقنين دوراً كبيراً. إن هذا النوع من المباحث سوف يؤدّي إلى تسهيل فهم القوانين والقواعد. ومضافاً إلى ذلك تلعب دوراً مؤثِّراً في المناهج والأساليب التفسيرية والحكم والتطبيق، ولربما أمكن لها أن تكون نافعةً في تعديل وتكميل وإصلاح القوانين أيضاً.

والأهمّ من ذلك كلِّه أنه يمكن، طبقاً لما تمّ التوصل إليه في حقل فلسفة الحقوق، بناء أرضيّة مناسبة لرسم السياسات في دائرة الحقوق وتطبيق العدالة.

 

3ـ أهمّ مسائل فلسفة الحقوق ــــــ

يباشر العلماء والمفكِّرون حالياً دراسة مساحة واسعة من المسائل والمباحث تحت عنوان (فلسفة الحقوق). فعلى سبيل المثال: تمّ إصدار موسوعة فلسفة الحقوق من قِبَل (324) عالماً في حقل فلسفة الحقوق وسائر الحقول التابعة لفلسفة الحقوق، من حوالي (40) بلداً، وقد أشرف (كريستوفر بري غري) على تحقيقها، وقد تمّ تنظيم موضوعات فلسفة الحقوق في هذه الموسوعة ضمن خمسة عشر محوراً عامّاً، وما يقرب من الـ (450) عنواناً فرعياً. وإن هذه المحاور عبارةٌ عن:

1ـ تاريخ فلسفة الحقوق.

2ـ المدارس والمناهج.

3ـ معرفة الشخصيات.

4ـ مجالات الحقوق.

5ـ الحقوق الجزائية.

6ـ الحقوق الإدارية.

7ـ الحقوق الخاصة.

8ـ الحقوق العامة.

9ـ الحقوق الوضعية.

10ـ حقوق الأموال.

11ـ حقوق الجنح (المسؤولية المدنية).

12ـ مسائل منظومة الحقوق.

13ـ الحقوق والإطلاق.

14ـ النظام والمنهج.

15ـ التفسير والاستدلال.

يتّضح جيداً أن بعض هذه المحاور يتعلّق بفلسفة الحقوق؛ والبعض الآخر هو ذات فلسفة الحقوق. فمثلاً: عندما يُدرس تاريخ فلسفة الحقوق فسوف تدور مسائله بشأن فلسفة الحقوق، وكذلك معرفة الشخصيّات والتعريف بعلماء فلسفة الحقوق يتعلّق مباشرة بفلسفة الحقوق أيضاً، ولا يكون من جملة مسائل فلسفة الحقوق.

المسألة الأخرى الجديرة بالاهتمام هي أنّ هذه المحاور تقوم على أساس القوانين العُرْفية، وإن المصطلحات المستعملة فيها ناظرةٌ بدورها إلى منظومة القوانين العرفية أيضاً. في حين أنه لا بُدَّ في فلسفة الحقوق من تضافر الجهود لتحديد مصطلحات المحاور بعيداً عن النظام الحقوقي، إلاّ إذا كان المحقّقون والمؤلِّفون بصدد دراسة منظومة الحقوق العُرْفية. كما عمد كلّ واحد من المؤلِّفين الآخرين في هذا الحقل إلى بيان المسائل طبقاً لما يحمله من الهواجس والهموم والاهتمامات الفكرية، دون أن يكون في وارد تقديم منظومة منطقية عن المسائل، بحيث يكون لها بناءٌ جامع ومانع([28]). والطريق الآخر لمعرفة مسائل فلسفة الحقوق يقوم على أساس معرفة موضوع وغاية هذا الحقل، بمعنى أن نسعى ـ من خلال الحصول على تعريفٍ ما ـ إلى العثور على مسائله، وتصنيفها ضمن طبقات مناسبة. بَيْدَ أن الذي يجب الالتفات إليه هو أننا نشهد في كلّ يوم ظهور دراسات نظرية وانتقادات جديدة في حقل الحقوق. إن جذور بعض هذه المسائل يعود إلى موارد الحقوق الداخلية، وبعضها الآخر يتعلّق بحقول العلوم والأفكار والمعارف البشرية التي تؤثِّر على حقل الحقوق، وتشكِّل تحدِّياً أمام المعلومات الراهنة. وحصيلة الكلام هي أنّ مسائل فلسفة الحقوق قد تختلف من مرحلةٍ إلى أخرى. فإذا أردنا أن نحكم بشأن هذه المسائل وجب علينا القول: إنما نستطيع تقديم ضابطة يمكن على أساسها لكلّ بحثٍ أن يعثر على مكانته العلمية الخاصّة. وبعبارةٍ أخرى: إنما يمكن تحديد معيار لسنخ مباحث فلسفة الحقوق فقط. وبشكلٍ عامّ يمكن القول: إن مسائل فلسفة الحقوق ناظرةٌ إلى ماهية الحقوق، وأما عن أيّ بُعْدٍ من أبعاد الحقوق الراهنة تبحث هذه الحقوق؟ فهذا يرتبط بحقول ومسائل العلوم البشرية.

وحيث تشهد مسائل العلوم تحوُّلاً وتكاملاً فإن هذا الأمر يؤثّر في فلسفة الحقوق أيضاً. فعلى سبيل المثال: لم تكن الحركة النَّسَوية في الماضي مطروحة، ولم يكن لتقسيم الناس إلى ذكورٍ وإناث من تأثير في حقل الحقوق، ولا سيَّما في فهم وتفسير قواعد الحقوق. أما اليوم فيقوم البعض بدراسة اختلاف الأجناس في مختلف الحقول ـ الأعمّ من حقل المعرفة والأخلاق والحقوق والسياسة ـ، ومن هنا تخضع «الحقوق» بدورها إلى هذا النوع من الأبحاث أيضاً.

وكذلك لم نشهد في الماضي اهتماماً بالمسائل المتعلّقة بالفهم الفلسفي، وبالتالي لم يتمّ طرح الكثير من المسائل في مجال الحقوق أيضاً. أما اليوم فقد ظهرت الكثير من المسائل في هذا الحقل، وتركت بتأثيرها على الحقوق.

يُضاف إلى ذلك أن المدارس الفكرية تترك تأثيرها على الحقوق وفهمها بشدّة، لتغدو هي نقطة الالتقاء والنزاع بين مختلف المذاهب الفكرية بشأن فلسفة الحقوق.

وبالالتفات إلى ما تقدَّم يمكن وضع مسائل فلسفة الحقوق ضمن محورين عامّين: محور يتناول الحقوق بشكلٍ عامّ؛ ومحور يتناول الأجزاء والمفاهيم الحقوقية.

يمكن تقسيم المسائل المتعلّقة بالحقوق بشكل عام إلى: المباني، والمصادر، والأهداف، والميثولوجيا، والتفسير، والتطبيق، ومعرفة الحقوق، وارتباط الحقوق بعلوم أخرى، من قبيل: الارتباط بين الحقوق والأخلاق. كما يمكن اعتبار المسائل المتعلقة بأجزاء الحقوق أموراً من قبيل: ماهية قاعدة الحقوق، ومفاهيم العدالة، والحقّ، والنظم، والتكليف والتعهّد، وثبات وتفسير القواعد، وما إلى ذلك. وبطبيعة الحال هناك في كلّ نظامٍ حقوقي مسائل خاصّة يتمّ بحثها ودراستها في الفلسفة الخاصّة بذلك النظام. فلو ألقينا نظرة على النظام الحقوقي في الإسلام ـ على سبيل المثال ـ سوف نجد أن لهذا النظام الحقوقي مسائل خاصّة لا وجود لها في الأنظمة الأخرى. ومن تلك المسائل الهامة ـ مثلاً ـ السؤال القائل: هل الخطابات القرآنية مفهومة لعامّة الناس، أو أن هذه الخطابات لا يمكن فهمها إلاّ لعددٍ خاصّ من الناس، وإن الآخرين إنما يتوصّلون إلى فهم هذه الخطابات اعتماداً على فهم هذا العدد الخاصّ؟ وكما هو واضحٌ فإن هذه المسألة من مختصّات القرآن، ولا يمكن أن تكون مطروحةً في الأنظمة الحقوقية الأخرى. وسوف نشير لاحقاً إلى بعض المسائل الهامّة في فلسفة الحقوق.

أـ قاعدة الحقوق ــــــ

يعلم الجميع بوجوب التبعية للقوانين والقواعد الحقوقية. وخلافاً للقواعد الأخلاقية البحتة فإن التخلّف عن هذه القواعد يستدعي حقّ الضمان التطبيقي المناسب والملموس، من قبيل: بطلان العمل الحقوقي، والإلزام بفعله أو تركه، ودفع الغرامة، أو حتّى تحمل العقوبة، بل قد يدفع المتخلِّف والمتمرِّد حياته ثمناً لتخلُّفه. والسؤال الجوهري المطروح هنا: ما هو منشأ هذا النوع من الإلزام؟ ولماذا يجب اتّباع القواعد الحقوقية واحترامها؟ ولماذا يمكن لبعض الناس أن يضعوا هذا النوع من القواعد، ويلزموا عامّة الناس باحترامها وعدم التخلُّف عنها؟ إن الإجابة عن هذه «الأسئلة» يعتبر قاعدةً حقوقية([29]).

وهنا لا بُدَّ من الالتفات إلى أن الكلام في مبحث قاعدة الحقوق يدور حول دليل ومنشأ إلزامية القواعد بشكلٍ عامّ، بغضّ النظر عن أيّ منظومةٍ أو مؤسسة حقوقية تكون هي مورد البحث. وبعبارة أخرى: عند السؤال عن «السبب» الملزم يقع السؤال تارةً عن أصل الإلزام في القواعد الحقوقية؛ وتارةً عن المؤسسة والمنظومة الحقوقية الخاصّة. فعندما نتحدَّث حول شرعية العقوبة أو شرعية الحقوق والقواعد الأُسَرية ـ على سبيل المثال ـ يكون البحث متعلّقاً بمنظومةٍ ومؤسّسة خاصّة، وليس عن الحقوق بشكلٍ عامّ. وفي الحالة الثانية نروم معرفة سبب وجود هذه المنظومة في الحقوق. وبعبارةٍ أخرى: لماذا يتمّ إضفاء الشرعية على مثل هذه المنظومة؟ فعلى سبيل المثال: لماذا يمكن لعدد من الأفراد أن يعاقبوا الآخرين، بل وحتّى أن يحكموا عليهم، وينزلوا بحقِّهم عقوبة الإعدام؟ إن اختلاف هذين الحقلين من البحث واضحٌ. فالأول يعود إلى أصل اللزوم، والثاني إلى نوع خاصّ من الإلزام أو الضمانة التنفيذية الخاصّة، من قبيل: العقوبة، أو حتّى نوع خاص من العقوبات، مثل: الإعدام. بَيْدَ أننا نلاحظ في بعض الكتابات المتعلّقة بفلسفة الحقوق خلطاً بين هذين النوعين من الأبحاث؛ فقيل ـ مثلاً ـ بشأن مبنى الحقوق: «إن المبنى عبارة عن أصلٍ أو قاعدة عامّة يقوم عليها النظام الحقوقي، ويتمّ وضع القوانين والقواعد الحقوقية على أساسها»([30])؛ أو قيل في تعريف آخر: «إن المبنى عبارةٌ عن أكثر القواعد والملاكات شموليةً، والتي تقوم عليها القواعد الأخرى»([31]).

وفي ما نحن فيه، وطبقاً لهذا الاتجاه، يتمّ اعتبار الأصول العامّة والأحكام الأوّلية والعناوين الثانوية هي المبنى والقاعدة والركيزة في الحقوق الإسلامية، حيث تستنبط منها أحكام الموارد الجزئية([32]). وبشكلٍ عام فإن «المبنى» قد اعتبر مرادفاً لـ «ملاكات الأحكام»([33]).

وهكذا نلاحظ أن هذه التعاريف ـ على فرض صحّتها ـ إنما ترتبط بمباني الأنظمة والمؤسسات الحقوقية، دون مبنى القواعد الحقوقية بشكلٍ عامّ.

والنتيجة هي أن مبنى الحقوق هو الدليل على إلزامية القواعد الحقوقية، بغضّ النظر عن المؤسسة أو الحكم والقاعدة الخاصّة.

والأمر الآخر الذي يجب الالتفات إليه هنا هو اختلاف مبنى الحقوق عن فلسفة الأحكام، حيث تمّ الالتفات إليه في الحقوق الإسلامية. ففي فلسفة الأحكام يتمّ الحديث عن الأهداف والآليات والآثار الوضعية للحكم، الأمر الذي قد يؤثِّر في وضعها وإظهار معقوليتها، وأمّا في المبنى الحقوقي للحكم فإنما نسعى إلى الدليل على مشروعية ذلك الحكم. وبطبيعة الحال قد يكون لهذا النوع من الآثار مدخليّة في العثور على المبنى. وعلى أيّ حال يمكن تقسيم المواقف والآراء بشأن أسس ومباني الحقوق بشكلٍ عامّ إلى قسمين: الآراء العقلانية؛ والآراء التي تنزع إلى تحكيم الإرادة.

1ـ النزعة العقلانية ــــــ

يقوم أساس القول بالنزعة العقلانية على أن القواعد الحقوقية هي منشأ الإلزام في حدّ ذاتها، وإن الأفراد يرَوْن أنفسهم ملزمين بتطبيق القواعد والقوانين واحترامها، بغضّ النظر عن مقام المُعْلِن عن تلك القواعد.

في هذه الرؤية، وبدلاً من البحث في مقام الواضع للحقوق، وتبرير وجود مثل هذا الحق له، يتمّ الحديث ـ في الغالب ـ عن مضمون القواعد الحقوقية، وثبوت الإلزام لهذا النوع من القواعد. ومن بين المدارس الحقوقية تؤمن مدرسة الحقوق الطبيعية ببداهة الافتراض القائل بأن الإنسان قادرٌ على تحديد الأصول والسلوك الاجتماعي الصحيح بشكل مستقلّ عن أيّ نوعٍ من أنواع القوانين الرسمية أو الحكم القانوني الموضوع من قبل الحكام والمشرِّعين، وأن يُلزم نفسه بتطبيقها بمعزل عن وجود السلطات التنفيذية والقضائية. وعلى الرغم من أن هذه الرؤية لا تعمِّر طويلاً، بَيْدَ أن بالإمكان العثور على جذورها في مؤلَّفات أرسطوطاليس؛ إذ يقول في هذا الشأن: «إن جزءاً مما يُسمَّى بالحقوق السياسية له جذورٌ طبيعية، والجزء الآخر يقوم على الأسس التشريعية والقانونية. والطبيعي منها ما يكون له أثرٌ واحد في جميع المواطن، ولا ربط له باختلاف الآراء والمواقف»([34]). يشير أرسطوطاليس في هذا الكلام إلى أمرين رئيسين: الأوّل: إن جذور القواعد والقوانين طبيعية؛ والآخر: إن الإنسان قادر على إدراك هذه القواعد والقوانين.

وهناك مَنْ جاء بعد عصر أرسطوطاليس ليشير إلى نفس هذه المطالب. فها هو (غريشيوس) يقول في هذا الشأن: «لو فكَّرنا بشكلٍ صحيح فسوف نجد أن أصول الحقوق (الطبيعة) في حدّ ذاتها تحمل نفس وضوح الأمور التي ندركها بحواسّنا الخارجية»([35]). وقد تمَّتْ الإشارة في هذا الكلام إلى إدراك الإنسان بشكل أوضح.

من هنا يذهب القائلون بالحقوق الطبيعية إلى رفض ضرورة وضع هذه القوانين من قبل الحكّام بشكلٍ صريح، حيث يرَوْن أن وجود هذه القواعد والقوانين يتجاوز إرادة الحكّام.

وبالتالي فإن مدرسة الحقوق الطبيعية ترفض مذهب الحكّام القائل بـ «عدم وجود قانون غير عادل»، وتسعى إلى فتح طريق أمام تقييم القوانين، وتُقيِّد يد الحكّام في وضع القواعد والقوانين الحقوقية، وتعمل ـ في سياق وضعهم ضمن الأُطُر العقلانية ـ على البحث عن طرق للإشراف عليهم. إن نظرية الحقوق الطبيعية تشتمل في المجموع على ثلاث خصائص هامّة. وإنّ كلّ نظرية من نظريات الحقوق الطبيعية تقدِّم عدداً من القوانين الرئيسة والأساسية، بحيث يمكن على أساسها الحكم بشأن القوانين.

الخصوصيّة الأولى: إن مشروعية هذه القواعد ذاتية، ولا تحتاج إلى «وضع». ولا يوجد اتّفاق بين المنظِّرين في الحقوق الطبيعية بشأن عدد عناوين هذه القواعد.

الخصوصية الثانية: إن الحقوق الطبيعية نظرية أخلاقية ومثالية، تتجاوز حدود المطالب العملية للإنسان.

الخصوصية الثالثة: إن الإنسان في هذه الرؤية كائنٌ مختار، وإنه يطيع هذه القواعد والقوانين ما دامت منسجمةً ومتناغمة مع العقل([36]).

وفي مقابل هذه الرؤية ذهب بعضٌ آخر إلى تعداد سبعة معايير للنظريات الحقوقية، بدلاً من الاقتصار على الضوابط الثلاث المتقدّمة. ومن هذه المعايير السبعة هناك أربعة معايير خاصّة بالحقوق الطبيعية، والمعايير الثلاثة الأخرى ترتبط بنظريات الحقوق الأخلاقية ـ المثالية، الأعمّ من تلك التي تندرج في قالب النظريات الفطرية والطبيعية ومن غيرها. ولا بُدَّ من إضافة هذا التوضيح، وهو أن مدرسة الحقوق الطبيعية تعتبر فرعاً من مدارس الحقوق المثالية، وعليه فإن معايير المدارس الأخلاقية موجودةٌ في مدرسة الحقوق الطبيعية أيضاً.

أما المعايير المشتركة في الحقوق الطبيعية والأخلاقية فهي عبارةٌ عن:

1ـ المعيار التعميمي والشمولي([37])، والقابلية على التعميم والشمولية([38]).

2ـ معيار الحرّية، بمعنى أننا قبل أن نتمكّن من إسناد التقصير الأخلاقي أو الحقوقي إلى سببٍ وعامل معيّن يجب أن نفترض حرّيته الفردية.

3ـ معيار الكرامة الذاتية([39]) للإنسان.

وبالإضافة إلى هذه المعايير الثلاثة المشتركة هناك أربعة معايير أخرى خاصّة بالنظريات الحقوقية الطبيعية، وهي:

1ـ إن الإنسان كائن عقلاني، وعليه فإنه يمتلك القدرة على إدراك وفهم القواعد الحقوقية.

2ـ عندما تمسّ الحاجة إلى تطبيق الأصول والقواعد العامة على الموارد الجزئية تستعمل العقلانية العملية([40]) بوصفها أسلوباً لتوجيه العمل. وعلى هذا الأساس هناك طريقٌ معقول لتشخيص القواعد.

3ـ وجود القِيَم الجوهرية التي لا تعتبر في حدّ ذاتها وسيلة للوصول إلى أهداف أخرى. وبعبارةٍ أخرى: هناك قِيَم تعتبر في حدّ ذاتها هدفاً غائياً، لا آليّاً. وعليه فإن هذه القيم تشتمل على اعتبار ذاتي، ولا تحتاج إلى وضعها من قبل المشرِّع والمقنِّن.

4ـ إن القِيَم الجوهرية تعبِّر عن كمال المطلوب، وتخرج الإنسان من الوضع القائم، لتدخله في الوضع المطلوب والمنشود([41]).

من خلال الالتفات إلى هذه الضوابط ندرك أنّ هناك في الحقوق قواعد وقوانين عامّة تشتمل على اعتبار ذاتي، ويمكن تطبيق هذه القواعد على قواعد أكثر منها جزئية. وهناك للتطبيق طريق عقلاني مناسب. وحيث تمثِّل هذه القواعد كمالاً للإنسان، وحيث إن الإنسان ينشد الكمال، فإنه يُلْزِم نفسه برعاية هذه القواعد والقوانين. وعلى هذه الشاكلة يتبلور النظام الحقوقي القائم على القواعد الطبيعية.

2ـ النزعة الإرادية ــــــ

في مقابل النزعة العقلانية تطرح النزعة الإرادية نفسها. طبقاً لهذه الرؤية لا يكمن مبنى اعتبار القواعد الحقوقية في ذاتها، بل إن اعتبارها يكمن في الإرادة التي قامت بوضعها. وعليه بدلاً من الحديث عن ذات القوانين من الأجدر أن نتحدَّث عن مشروعية الإرادة التي وضعت هذه القواعد. وبالالتفات إلى مختلف الآراء يمكن لهذه الإرادة أن تنبثق عن الإرادة التشريعية لله تعالى، أو عن إرادة الشخص الذي يحظى من قبل الله بالأهلية لاختيار أو وضع القواعد الاجتماعية، أو عن إرادة الحاكم السياسي الذي يحكم الناس، وعليه بطبيعة الحال أن يثبت للناس شرعية حكومته في وقتٍ سابق. وطبقاً لرأيٍ آخر يمكن لمشروعية القواعد أن تنشأ عن إرادة الشعب أو المجتمع، من خلال وضع القوانين الحقوقية المُلْزِمة؛ إمّا بشكل مباشر؛ أو من طريق الممثِّلين والوكلاء الذين ينتخبهم لهذه الغاية. وعليه فطبقاً لجميع هذه الآراء تمّ القول بأن الإرادة هي منشأ اعتبار القواعد الحقوقية. وبطبيعة الحال لا بُدَّ من التأكيد هنا على أن تمام الكلام يدور حول حقوقية القواعد، دون مطلوبيّتها؛ إذ قد يرى شخصٌ أن القاعدة الطبيعية مطلوبة، ولكنّه لا يراها مشتملةً على الاعتبار الحقوقي. ويمكن مشاهدة نموذج لهذا التفكير في مؤلَّفات توماس هابز.

فعلى الرغم من أن هابز لا ينكر القوانين الطبيعية، ولكنّه منخرطٌ في سلك القائلين بالنزعة الإرادية، حيث قال في تعريف القاعدة الطبيعية: «إن القاعدة الطبيعية عبارةٌ عن حكمٍ أو قاعدة عامّة يتمّ اكتشافها بواسطة العقل، وتمنع الإنسان من ارتكاب فعلٍ يؤدّي إلى تدمير حياته، أو يسلبه ما من شأنه أن يوفِّر له سبل السعادة في الحياة، أو يمنعه من ترك فعلٍ يعتقد أنه الطريق الأفضل للمحافظة عليها»([42]).

ولكنْ حيث إن توماس هابز لا يرى القواعد الطبيعية وحدها كافيةً لضمان الأمن فإنّه يذهب إلى ضرورة حشد جميع القوى ووضعها بيد شخصٍ واحد أو مؤسّسة واحدة([43])، تعمل على إلزام الناس وإجبارهم على تطبيق القوانين. وبالتالي فإن القانون مهما كان صحيحاً لا تثبت له الحجيّة، إلاّ إذا تمتَّع بدعامةٍ توفِّرها له الدولة والسلطة([44]).

وبالإضافة إلى هابز، يذهب أغلب أصحاب النزعة التحقُّقية إلى القول بأن الحقوق هي الدستور الحاكم. ويمكن لهذا الدستور أن يصدر مباشرة عن الحاكم، وذلك بأن يصدر أمراً صريحاً بالقيام بأمرٍ ما، أو أن يتمّ هذا الأمر بشكلٍ غير مباشر، وذلك من طريق السكوت عن عُرْفٍ سائد بين الناس، فيُفْهَم من هذا السكوت أنّه يؤيِّد ذلك العُرْف.

وقد خالف المذهبُ التاريخي مذهبَ الحقوق الطبيعية بشدّةٍ، قائلاً بأنّ جذور اعتبار الحقوق لا تكمن في ذات القواعد، وإنما في الروح الوطنية.

وهكذا الأمر بالنسبة إلى القائلين بعلم الاجتماع الحقوقي، حيث قالوا بضرورة البحث عن جذور اعتبار القوانين في الوجدان العامّ.

تشترك جميع هذه الآراء في عنصر واحد، وهو قولها بأن مبنى اعتبار القواعد الحقوقية يكمن في الإرادة، وليس في ذات القوانين، رغم أن كلّ واحد من هذه الآراء قطع طرقاً متنوِّعة في إنكار الحقوق الطبيعية، وإثبات مشروعية القواعد، وقُدِّمت في هذا السياق أدلّة مختلفة.

3ـ مبنى الحقوق في الفكر الديني ــــــ

سعى البعض إلى الإجابة عن مسألة المبنى الداخلي للحقوق من طريق التمسُّك بالمفاهيم الدينية، حيث نرى نماذج من هذا التفكير في الأفكار اليونانية (الإغريقية) القديمة، وفي اللاهوت المسيحي، والكلام والفقه الإسلامي.

يمكن تقسيم الآراء الدينية إلى قسمين عامّين، وهما: النزعة الإرادية البحتة؛ والنزعة الإرادية الحكيمة التي وضع لها (دلفكيو) مصطلح اللاهوت العقلي (أو نصف العقلي)([45]).

إن المشكلة الأولى التي تواجه المسلك اللاهوتي البسيط وذا النزعة الإرادية البحتة هي العدالة. طبقاً لهذه النظرية تقوم الحقوق على مجرّد الإرادة الإلهية، أي على الأوامر والنواهي الصادرة من قبل الموجود الأسمى والأفضل من كلّ ما سواه. ويحتمل أن يكون الجواب الأوّل الذي أعطي ـ بموجب هذ النظرية ـ عن مسألة العدالة المثيرة للقلق هو: «إن العدالة تطلق على الأمر الذي تتعلّق به إرادة الله تعالى»([46]).

وعلى أساس النظرية الثانية ليست العدالة تلك التي تأمر بها الذات الإلهية؛ انطلاقاً من رغبتها، بل إن العدالة هي الشيء الذي يأمر به الله تعالى؛ انطلاقاً من اتّصافها بالحقيقة، بحيث لا يمكن حتّى لقدرة الله وحرّية سلوكه وأدائه أن تحيد عنها([47]).

ويتمّ طرح هاتين الرؤيتين بين المسلمين أيضاً. فإنّ الذين ينكرون حُسْن وقُبْح الأفعال يُصِرُّون على النزعة الإرادية البحتة والبسيطة، وفي مقابلهم العَدْلية، الذين يدافعون عن النزعة الإرادية الحكيمة، التي هي شديدة القرب من النزعة العقلانية([48]). وقد تمسَّك أتباع كلا الرؤيتين لإثبات رأيه بأدلةٍ لا بُدَّ من دراستها في الموضع المناسب.

ب ـ معرفة الحقوق ــــــ

إن الإبستيمولوجيا([49])، أو نظرية المعرفة([50])، تعتبر فرعاً من فروع الفلسفة التي تبحث في ماهية وحدود المعرفة، وفرضيّاتها ومبانيها، وتعمل على تقييم قابلية الاعتماد والتعويل على الدعاوى المعرفية([51]).

من خلال هذا التعريف يتّضح أن علم المعرفة يختلف عن فلسفة العلم([52])؛ فإن فلسفة العلم تبحث في أساليب وأهداف العلم، في حين أن علم المعرفة يبحث في ذات المعرفة([53]). وفي اللغة الفرنسية تطلق عبارة (علم المعرفة) على حقل يبحث في طرق تحصيل المعرفة، ونقد نتائجها.

وبالالتفات إلى التعريف العامّ لعلم المعرفة يمكن تعريف علم معرفة الحقوق بوضوحٍ أيضاً. فإن علم معرفة الحقوق يبحث في حقلٍ خاصّ من حقول المعرفة، ولذلك قيل في تعريفه: «إن معرفة علم الحقوق عبارةٌ عن التأمّل الانتقادي للمعرفة الحقوقية الحاصلة، وطرق الحصول عليها»([54]).

ورد في هذا التعريف قيد «الانتقادي». ويشير هذا القيد إلى أن علم المعرفة الحقوقية لا يسعى إلى معرفة ما هو الموجود فقط، بل إنه كذلك يحكم بشأن قيمة مثل هذه المعرفة أيضاً.

وإذا أردنا تعريف علم المعرفة الحقوقية بشكلٍ أوضح، والتمييز بين عمل الحقوقي وفيلسوف الحقوق، أمكن القول: إن الحقوق تطلق على مجموع القواعد المشتملة على ضمانة تطبيقية وتنفيذية، وتحكم العلاقات الاجتماعية. وباختصارٍ يمكن أن نطلق على هذه القواعد تسمية «الأوامر الحقوقية»([55]). إن كلاًّ من الحقوقي وفيلسوف الحقوق يسعى إلى معرفة «الدساتير والأوامر الحقوقية». مع فارق أن الحقوقي يبحث في خصوص ما يتمّ طرحه بوصفه أمراً، ويخضعه للدراسة. وهو يدرسه من خلال تفسير حقله الشمولي، ولرُبَما تمّ إبداء الرأي بشأن صحّتها واعتبارها من خلال الالتفات إلى الآليّات والأدوات الحقوقية. في حين أن علم معرفة الحقوق يبحث في الأمر الحقوقي بوصفه معرفة وظاهرة معرفية، ويعمل من الناحية المعرفية على تقييم أسلوب التوصّل إلى هذه المعرفة. فعلى سبيل المثال: إن العالم المختصّ في معرفة الحقوق يعمل على مقارنة معرفة الحقوق بالمعرفة الحاصلة من العلوم التجريبية، ويبحث في سنخها. وفي الرؤية الأولى تبدو المعرفة في العلوم التجريبية مختلفةً عن المعرفة في علم الحقوق. إن موضوع الحقوق هو سلوك الإنسان وفعله. وإن السلوك والأفعال تتحقّق في زمنٍ خاصّ، وفي ظروف خاصّة، وعلى هذا الأساس فهي تشتمل على خصوصية تاريخية، أي إنّ كل سلوك يقع مرّةً واحدة، وذلك في ظلّ ظروف خاصّة، وإن هذا العمل بصفاته الخاصة غير قابل للتكرار، في حين هناك قابلية للتكرار في الظواهر الطبيعية، وعلى هذا الأساس يتمّ التخطيط لأسلوب فهم الظواهر. وبالالتفات إلى هذه الحقيقة يدرك المختصّ في معرفة الحقوق استحالة الاستفادة من أسلوب المعرفة التجريبية في معرفة الظواهر الحقوقية، وأنه يجب توظيف أسلوبٍ مناسب آخر لمعرفة الظواهر في هذا الحقل.

أو أن الكلام في الحقوق والقواعد الحقوقية يدور حول «الضرورات والمحظورات». إن معرفة هذا السنخ من الأمور يختلف كثيراً عن سنخ «الوجود والعدم»، ولا يمكن من الناحية المعرفية أن نرصد لكلا هذين الحقلين أسلوباً واحداً، أو إذا ادّعى شخصٌ توظيف أسلوب واحدٍ وجب عليه في الحدّ الأدنى إثبات ذلك.

وبشكلٍ عامّ فإن موضوع معرفة الحقوق هو مفهوم الحقوق وأشكاله الأساسية، من قبيل: المعايير الحقوقية، وموضوعات القضايا الحقوقية، والمفاهيم الحقوقية الجوهرية، وما إلى ذلك، ممّا يتمّ بحثه برؤيةٍ معرفية.

ج ـ مصادر الحقوق ــــــ

سبق أن قلنا: إن السؤال في فلسفة الحقوق يقع أحياناً عن أسباب الإلزام بالقواعد والقوانين. وإن الإجابة عن هذه الأسباب يُعدّ من «مباني الحقوق». وبعد اتّضاح المباني، يواجه فيلسوف الحقوق سؤالاً آخر، وهو: أين يمكن العثور على القواعد الحقوقية؟

إن موضع استخراج القواعد الحقوقية يعتبر «مصدر الحقوق». إن لمصادر الحقوق ارتباطاً وثيقاً بمباني الحقوق؛ إذ من خلال اتّضاح المبنى يمكن العثور على المصدر.

فعندما نتحدَّث عن رؤية الحقوق الطبيعية والنزعة العقلانية ـ على سبيل المثال ـ ستكون الفطرة هي المصدر الأوّل للحقوق. وبعد القبول بهذا المصدر يتمّ طرح مباحث هامّة أخرى، من قبيل:

ما هو أسلوب استنباط وفهم القواعد الفطرية؟ مع الالتفات إلى وجود الكثير من القواعد في الحياة الاجتماعية، والتي يرى الناس أنفسهم ملزمين بإطاعتها، أو أن الحكومات تلزم الناس بإطاعتها.

كيف يتمّ تمييز هذا النوع من القواعد وفصله عن القواعد الفطرية؟ هل يمكن القول: إن ميزة وخصوصية القواعد الفطرية تكمن في عموميتها من الناحية الزمانية والمكانية، حتّى إذا لم تكن القاعدة عامّة من الناحية الزمانية والمكانية لا تكون فطرية؟ من هنا إذا كانت القاعدة مقبولةً من قبل الجميع أمكن الحكم بأنها فطرية، وإذا لم تكون مورداً لقبول الجميع أمكن القول بعدم فطريتها. وفي المقابل يذهب أصحاب النزعة الإرادية إلى القول بأن مصدر الحقوق هو الشيء الذي يمكن له أن يعبِّر عن إرادة المشرِّع. ففي الحقوق الإسلامية ـ مثلاً ـ عندما تعتبر الإرادة الحكيمة لله تعالى أساساً وقاعدة لمشروعية القوانين فإن أسس الحقوق ـ التي يتمّ التعبير عنها في المصطلح الأصولي والفقهي بـ «الأدلة» أو «الحُجَج» ـ عبارةٌ عن الأمور التي تعبِّر عن إرادة الشارع. وعليه عندما نقول في الحقوق الإسلامية: إن القرآن حجّة فإنّ هذا يعني أن مفاد الآيات القرآنية يُعبِّر عن الإرادة التشريعية والحكيمة لله تعالى، وإن القواعد الحقوقية يتمّ الحصول عليها من هذا النصّ. وبطبيعة الحال هناك الكثير من المباحث المطروحة في أصول الفقه حول أساليب استنباط القواعد من هذا المصدر، ولا بُدَّ من بحث ذلك في محلِّه. ويجري نفس هذا الكلام بشأن «سُنَّة المعصومين» أيضاً. ومن خلال هذه الرؤية يتّضح موقع مفاهيم من قبيل: سيرة العقلاء، والعُرْف، والعقل، والإجماع، وسائر الأدلة وحجّيتها. فعلى سبيل المثال: إذا وقع الكلام في أصول الفقه عن حجّية سيرة العقلاء تصبّ كل الجهود ـ من خلال التعرُّف على خصوصيات وصفات الشارع، وطريقة تشريعه ومضامين أحكامه ـ في توحيد مسلكه مع مسلك العقلاء؛ لكي نتمكّن ـ بعد إثبات اتّحاد المسلك والمنهج ـ من نسبة سيرة العقلاء إليه؛ بغية إثبات الحجّية لهذه السيرة. ويوجد ما يُشبه هذا الكلام في سائر الآراء المطروحة في النزعة الإرادية، ويتمّ الحكم طبقاً للمبنى بشأن مصادر من قبيل: القوانين الوضعية، والقواعد العُرْفية، والنظريات الحقوقية، والتوجُّه القضائي. وبطبيعة الحال بعد تعيين المصادر يتمّ البحث في أمور من قبيل: ترتيب هذه المصادر، وأسلوب الاستفادة منها، وطريقة تفسير القواعد في كلّ مصدرٍ، بوصفها من المباحث التالية التي تجب دراستها بدقّةٍ.

د ـ أسلوب معرفة الحقوق ــــــ

إن لـ «أسلوب المعرفة» كمصطلح استعمالاتٍ متنوّعةً:

فتارةً يستعمل أسلوب المعرفة بمعنى إدراك الأدوات والفنون وطرق تحصيل المعرفة في حقل معرفي معيَّن. وبهذا المعنى عندما نذكر «أسلوب معرفة الحقوق» نريد بذلك طرق وأدوات وفنون الوصول إلى القواعد الحقوقية. يمكن التعبير عن هذا الاستعمال بـ «أسلوب الحقوق».

أما الاستعمال الآخر لأسلوب المعرفة فهو لبيان الأسس النظرية لمذهب فلسفي معيّن. ومن طريق معرفة الأسس والمفاهيم الرئيسة لمذهبٍ ما يمكن لنا أن نستعرض منطق فهم ذلك المذهب. وعليه فإن أسلوب معرفة الحقوق في هذا الاستعمال يعني معرفة أسس المذهب الحقوقي؛ للوصول إلى منطق فهم ذلك المذهب.

وأما الاستعمال الثالث لأسلوب المعرفة فهو الإشارة إلى علم يدرس أساليب الوصول إلى المعرفة. وفي هذا الاستعمال يكون أسلوب معرفة الحقوق جزءاً من علمٍ يبحث في أساليب الحصول على القواعد الحقوقية. إن أهمّ غاية في أسلوب المعرفة في كلّ علم هي توظيف الأصول والقواعد المنهجية للتمكُّن من الوصول إلى المعرفة، أو الاقتراب منها في الحدّ الأدنى، ومن ناحيةٍ أخرى يمكن تقييم المعطيات المعرفية، وإبداء الرأي بشأن صحّتها أو خطئها.

إن الحقوق تتعاطى مع مسائل أساليب المعرفة من جهتين: الأولى: بلحاظ اكتشاف القواعد من المصادر؛ والأخرى: تفسير القواعد المستخلصة من المصادر.

توضيح ذلك: إننا نكون أحياناً بصدد الحصول على القواعد المعتبرة من المصادر، كأن نروم ـ على سبيل المثال ـ الوصول إلى قاعدة حقوقية من القرآن الكريم. وهنا لا بُدَّ أوّلاً من الاعتماد على أسلوبٍ مناسب للوصول إلى النصّ المشتمل على القاعدة الحقوقية، وبعد ذلك لا بُدَّ في الخطوة التالية من تفسير النصّ الحقوقي الذي تمّ الحصول عليه، وتبيين أبعاد موضوعه وحدوده، مع تحديد مساحته التنفيذية.

إن بين أسلوب معرفة الحقوق والمباني والمصادر علاقةً وثيقة؛ لأن هذه العلاقة هي التي تحدِّد ما الذي يجب اكتشافه؟ وما هي النتيجة المترتِّبة على تطبيق الأسلوب؟ فلو كنّا من ناحية المبنى الحقوقي من القائلين بالنزعة الإرادية تعيَّن علينا في الأسلوب أن نعمل بشكلٍ تكون نتيجة إعمال الأسلوب هي إحراز إرادة المشرِّع.

كما تحظى مصادر الحقوق في أسلوب المعرفة بأهمّية أيضاً؛ إذ لكلّ مصدر خصائص لا يمكن الحديث عن الأسلوب من دون أخذها بنظر الاعتبار. فعندما نتحدّث عن المصادر في النظام الحقوقي في الإسلام ـ على سبيل المثال ـ تنقسم المصادر إلى قسمين عامّين، وهما: المصادر البيانية أو اللفظية؛ والمصادر غير اللفظية. إن لكل واحدٍ من هذين النوعين خصائص يجب أخذها بنظر الاعتبار في أسلوب الفهم.

وبالإضافة إلى ذلك يبدو دور المفسِّر والمبيِّن هامّاً في ما نحن فيه، وعلينا أن نرى أين موقع المفسِّر من سياق الفهم؟ فهل المفسِّر في سياق الفهم مجرّد عنصر يعمل على تطبيق الأسلوب، دون أن يكون لمتبنّياته ورواسبه وخصوصياته غير القليل من التأثير؟ وبعبارةٍ أخرى: هل يجب التقليل من دور المفسِّر مهما أمكن، وجعل حضوره في سياق الفهم باهتاً، أم على العكس من ذلك، حيث يكون دور المفسِّر كبيراً في الفهم، ويجب فهم هذا الدَّوْر، والعمل على تنظيمه؛ أو أن الدَّوْر كلُّه للمفسِّر، والقول بأن المفسِّر هو المحور؟ إن نصّ وإرادة المقرِّر لا تحظى بأهمّية كبيرة، أو ـ على فرض أهمّيتها ـ يستحيل الوصول إليها. هذا، وإذا تجاوزنا ذلك كلَّه قد نواجه هنا مسألة فلسفية أخرى، يجب الاهتمام بها قبل الدخول في بحث أسلوب المعرفة، وهي: ماهية الفهم. فعلينا أن نرى ما هي الماهية الفلسفية للفهم؟ ومن خلال التعرُّف على هذه الماهية يمكن الدخول في أسلوب المعرفة. وهذا هو الشيء الذي يتمّ بحثه اليوم في الهرمنيوطيقا الفلسفية، ويشكِّل أساس مسائل الأساليب المعرفية في حقول جميع العلوم.

وباختصارٍ يمكن لنا ـ بعد التعرّف على ماهية الفهم أو افتراض نظريةٍ ما ـ البحث في أسلوب المعرفة في الحقوق. وفي هذا البحث هناك مدخلية لثلاثة عناصر، وهي: أوّلاً: أساس التقنين؛ وثانياً: المصدر؛ وثالثاً: المفسِّر والإنسان بوصفه مُدْرِكاً. وهنا يأتي دور تعيين ما هو المحور في سياق الفهم. ومع افتراض المحورية يمكن على أساس ذلك بيان قواعد الأسلوب. فهل المحورية لإرادة المشرِّع، وعليه لا بُدَّ في الأسلوب من البحث عن الإرادة، أم المحورية للنصّ، والقول بأن الذي يحظى بالأهمّية هو النصّ دون سواه، وعليه لا بُدَّ من الالتفات في سياق الفهم إلى النصّ فقط، أم أن المحورية للمفسِّر وخصوصياته، ولا بُدَّ من طرح قواعد الفهم عند الإمكان في هذه الناحية؟

وبطبيعة الحال أيّاً كان هو المحور لا يمكن تجاهل الأمور الأخرى، إلاّ أنها لن تلعب الدور الأساسي. ومهما كان فإنّ اتخاذ القرار في هذا الشأن ـ وخاصّة في حقل الحقوق الإسلامية ـ بحاجةٍ إلى تحقيق ودراسة أخرى، يجب أن نقوم بها في الموضع المناسب([56]).

هـ ـ سائر المسائل ــــــ

ما تقدَّم يمثِّل جانباً من العناوين الرئيسة لفلسفة الحقوق، وقد تناولنا الحقوق فيها بشكلٍ عامّ. وبالإضافة إلى هذه الموارد هناك موارد هامّة أخرى، من قبيل: أهداف الحقوق، وعلاقة الحقوق بالأخلاق، وعلاقة الحقوق بالدين، وما إلى ذلك من الأمور الهامّة.

4ـ مفاهيم الحقوق الأساسية ــــــ

تطالعنا في الحقوق مفاهيم جوهرية تحظى معرفتها وتحليلها بأهمّية قصوى، وهي مفاهيم من قبيل: القاعدة الحقوقية، والحقّ، والتكليف، والعدالة، والأمن، والضمانة التنفيذية، والعقوبة، وما إلى ذلك.

إن بعض هذه المفاهيم من الأهمّية بحيث تغدو بنفسها مشتملة على حقلٍ معيّن من المسائل الفلسفية. فإن «فلسفة الحقّ» و«فلسفة العقوبة» ـ على سبيل المثال ـ تشكِّل جزءاً هاماً من المسائل الفلسفية. وقد عمد الكثير من المذاهب الفلسفية والمفكِّرين إلى التنظير في هذه الحقول. فعندما نواجه مفهوم الحقّ ـ مثلاً ـ تلاحقنا أسئلةٌ جوهرية من قبيل: ماهية الحقّ، وعلاقته بالتكليف، ومصاديق الحقّ، وموضوع الحقّ، ومَنْ عليه الحقّ، وهل ماهية الحقّ ماهية اعتبارية أم انتزاعية؟ وما إلى ذلك من الأمور. ويمكن لمعرفة هذه الماهية أن تعمل على إيضاح مختلف أبعاد الحقوق.

وهكذا الأمر في فلسفة العقوبة، فهناك أسئلةٌ أساسية وجوهرية، من قبيل: ما هو الدليل على شرعية العقوبة؟ وما هي أهداف العقوبة؟ وعلى أساس ذلك يتمّ تحديد مقدار وأنواع العقوبات أيضاً.

الاستنتاج ــــــ

تناولنا في هذا المقال مفهوم الحقوق، ومعنى الفلسفة، لنصل إلى نتيجةٍ مفادها: إن فلسفة الحقوق تدرس الحقوق بنظرةٍ خارجية، ورؤية انتقادية، من خلال انتهاج الأسلوب العقلاني. ومن المعاني المذكورة للحقوق أردنا المعنى القائل بأن الحقوق مجموعة من القواعد الحاكمة على الحياة الاجتماعية المشتملة على ضمانة تنفيذية مناسبة. وقلنا: إن مسائل فلسفة الحقوق تحتوي على حقلين عامين، يرتبط أحدهما بمجموع الحقوق، والآخر يتعلّق بالأجزاء والمفاهيم الأساسية للحقوق. ومن خلال معرفة ودراسة مسائل فلسفة الحقوق تتّضح ماهية هذا الحقل من المعرفة، ويتمّ إدراك منظومته المنهجية، ويغدو بالإمكان متابعة متغيّراته بشكلٍ دقيق، والعثور على الحقوقية المناسبة بشكلٍ يواكب متغيّرات الحياة الاجتماعية، والوصول إلى الأمن المقترن بالعدالة والحرّية.

الهوامش

(*) أستاذٌ جامعيّ في مجال القانون والحقوق، وعضو الهيئة العلميّة في معهد الثقافة والفكر الإسلامي.

([1]) philosophy of law.

([2]) legal theory.

([3]) gurisprudence.

([4]) legal philosophy.

([5]) انظر: ناصر كاتوزيان، فلسفه حقوق (مصدر فارسي) 1: 55.

([6]) انظر: عبد الحسين شيروي، حقوق تطبيقي (مصدر فارسي): 116 ـ 117.

([7]) common law.

([8]) انظر: مرتضى مطهري، الأعمال الكاملة (مصدر فارسي) 5: 130.

([9]) انظر: ريتشارد بايكين وأفروم استرول، كلّيات فلسفه: 2، ترجمه إلى الفارسية: السيد جلال الدين مجتبوي.

([10]) انظر: مرتضى مطهري، الأعمال الكاملة (مصدر فارسي) 5: 137.

([11]) reflection.

([12]) external.

([13]) critical.

([14]) Hoecke, Mark Van. 1999, Jurisprudence (The philosophy of Law). Edited by: Christopher Berry Gray. New York: Garland Publication, INC. p. 459.

([15]) analytical part.

([16]) Jurisprudence.

([17]) analysis of law.

([18]) law.

([19]) legal norm.

([20]) function of law.

([21]) methodology of law.

([22]) theory of legislation.

([23]) adjudication of law.

([24]) theory of science.

([25]) إن مصطلحات من قبيل: علم معرفة الحقوق (epistemology of law)، ونظرية جوهر الحقوق (fundamental theory of law)، ونظرية الحقوق العامّة (general theory of law)، تستعمل بأجمعها في معنىً واحد. انظر:

Ghirardi, Olsen, A. 1999. Epistemology of law (The philosophy of law). Edited by: Christopher Berry Gray. New York. Garland Publication, INC. P. 261.

([26]) Legitimate on of the law.

([27]) Hoecke, Mark Van. 1999, Jurisprudence (The philosophy of Law). Edited by: Christopher Berry Gray. New York: Garland Publication, INC. p. 460.

([28]) انظر: مارك تيبيت، فلسفه حقوق، ترجمه إلى الفارسية: حسين رضائي خاوري، 1384هـ.ش.

([29]) انظر: ناصر كاتوزيان، فلسفه حقوق (مصدر فارسي) 1: 39.

([30]) انظر: دفتر همكاري حوزه ودانشگاه، در آمدي بر حقوق إسلامي (مصدر فارسي): 169.

([31]) انظر: المصدر نفسه.

([32]) انظر: المصدر نفسه.

([33]) انظر: المصدر السابق: 174.

([34]) أرسطوطاليس، سياست «السياسة»، ترجمه إلى الفارسية: حميد عنايت، الكتاب الخامس، الفصل السابع.

([35]) انظر: فيليب مالروي، أنديشه هاي حقوقي: 650، ترجمه إلى الفارسية: مرتضى كلانتريان.

([36]) Wollheim, Richard. (1998). Natural law (The Encyclopedia of Philosophy). Edited by Paul Edwards Macmillan Publishing Co. V, 5. U. S. A, 1976. P. 450.

([37]) universality.

([38]) universalizability.

([39]) inherent dignity.

([40]) practical reasonableness.

([41]) Campell Black, Blacks law Dictionary. 1999. P. 581.

([42]) توماس هابز، لوياتان: 162، ترجمه إلى الفارسية: حسين بشيريه، 1380هـ.ش.

([43]) انظر: المصدر السابق: 192.

([44]) انظر: المصدر السابق: 262.

([45]) انظر: جورجو دلفكيو، فلسفه حقوق: 226، ترجمه إلى الفارسية: جواد واحدي، 1380هـ.ش.

([46]) انظر: المصدر نفسه.

([47]) انظر: المصدر نفسه.

([48]) انظر: محمد تقي، هداية المستشرقين: 433؛ الملا هادي السبزواري، شرح الأسماء الحسنى: 107؛ السيد محمد حسين الطباطبائي، تفسير الميزان 8: 361، 14: 98، 20: 298؛ السيد محمد باقر الحكيم، تفسير سورة الحمد: 263؛ محمد رضا المظفَّر، أصول الفقه 1: 204.

([49]) epistemology.

([50]) theory of knowledge.

([51]) انظر: ديفد هاملين، تاريخ معرفت شناسي: 262، ترجمه إلى الفارسية: شابور اعتماد، 1374هـ.ش.

([52]) philosophy of science.

([53]) انظر: ديفد هاملين، تاريخ معرفت شناسي: 262.

([54]) انظر: المصدر نفسه.

([55]) legal dogmatic.

([56]) انظر: دفتر همكاري حوزة ودانشگاه، مباني جامعه شناسي (مصدر فارسي): 150، سمت، طهران، 1373هـ.ش؛ باملا آبوت، جامعه شناسي زنان، ترجمته إلى الفارسية: السيدة منيجة نجم عراقي: 278، نشر ني، طهران، 1380هـ.ش؛ أحمد الواعظي، هرمنوتيك (مصدر فارسي)، پژوهشگاه فرهنگ وأنديشه إسلامي، ط1، طهران؛ باقر ساروخاني، روشهاي تحقيق در علوم اجتماعي، پژوهشگاه علوم إنساني ومطالعات فرهنگي، طهران، 1377هـ.ش.