فلسفة العلوم القرآنية

26 يناير 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
239 زيارة

فلسفة العلوم القرآنية

المفهوم والتاريخ والدور

د. علي نصيري(*)

ترجمة: حسن مطر

تمهيد ــــــ

إن «فلسفة العلوم القرآنية» ـ مثل سائر الفلسفات المضافة ـ تطلق على تلك المجموعة من البحوث السابقة من علوم القرآن، التي تمّ بحثها وتحقيقها قبل الدخول في مباحث وتعاليم هذا العلم. وفي الوقت الذي يتمّ نقد ومناقشة بعض هذه المباحث، من قبيل: ماهيّة ومنهج العلوم القرآنية من خلال الرؤية الخارجية، تلعب إلى حدٍّ ما دور قواعد مسائل ذلك العلم وأسسه، ويمكن لها أن تؤدّي إلى ترشيقها أو تطويرها.

يجب اعتبار الفلسفات المضافة بمثابة العمل على تنظيف أثاث البيت، وإعادة ترتيبه، والتي تؤدّي في نهاية المطاف إلى تقديم خدمات جليلة إلى ذلك العلم. فعلى سبيل المثال: تعمل فلسفة العلوم القرآنية على دراسة نقاط ضعف هذا العلم، والمؤلّفات المنجزة بشأنه، ونقاط ضعفه وقوّته، حيث إن التمعّن في هذا النوع من المباحث يرفع الكثير من المشاكل الماثلة أمام هذا العلم.

1ـ ماهية العلوم القرآنيّة ــــــ

إن مصطلح العلوم القرآنية بمعناه المعاصر قد بدأ ـ طِبْقاً لما يدّعيه الأستاذ عبد العظيم الزرقاني ـ منذ القرن الهجريّ الرابع؛ إذ قال: إنه وجد في مكتبة مصر كتاباً لعليّ بن إبراهيم(330هـ) عنوانه (البرهان في علوم القرآن)، في ثلاثين مجلَّداً، لم يبْقَ منها سوى خمسة عشر مجلَّداً([1]). وإن علوم القرآن عبارة مشتملة على إضافة العلوم (جمع علم) إلى القرآن (كتاب المسلمين السماوي، ومعجزة النبيّ الأكرم‘ الخالدة). وطبقاً لقواعد الإضافة في اللغة العربية يمكن بيان هذه الإضافة من خلال الأشكال التالية:

1ـ الإضافة البيانيّة: من قبيل: «خاتم فضّة»، التي هي في الأصل (خاتمٌ من فضّة). وعليه يكون معنى «علوم القرآن» هو «علومٌ من القرآن»، أي علومٌ من جنس القرآن. ومن الواضح أن هذا المعنى ليس هو المراد من هذا المصطلح؛ لأن علوماً من قبيل: تاريخ القرآن، ولغة القرآن، وما إلى ذلك، ليست من جنس القرآن، وإنْ كانت ناظرةً إلى القرآن.

2ـ الإضافة الظرفيّة: من قبيل: «صوم رمضان»، بمعنى «صومٌ في رمضان»، وبذلك سوف يكون معنى «علوم القرآن» هو «علوم في القرآن». وهذا المعنى ليس هو المراد من مصطلح علوم القرآن أيضاً؛ إذ أوّلاً: إن عموم مباحث العلوم القرآنية ليست من العلوم المنعكسة في نصّ القرآن، بل يجب اعتبارها من الأبحاث والدراسات الخارجة عن القرآن، فإن مسائل من قبيل: المكّي والمدني، وأسباب النزول، وجمع القرآن، ومعرفة التفسير والمفسِّرين ـ على سبيل المثال ـ، ليست من الأبحاث التي يمكن البحث عنها في صُلْب الآيات، وإنْ صدق عنوان «علومٌ في القرآن» على بعض بحوث القرآن، من قبيل: «معرفة المحكم والمتشابه». وكما سنذكر في مبحث ارتباط العلوم القرآنية بسائر العلوم الإسلامية فإنّ هذا النوع من مسائل العلوم القرآنية مشتركٌ بين العلوم القرآنية والتفسير الموضوعي.

وثانياً: إن مصطلح «علوم في القرآن» يطلق على مباحث أخرى، من قبيل: «الله في القرآن»، و«المعاد في القرآن»([2]).

قال الأستاذ الشيخ محمد هادي معرفة في بيان الفرق بين علوم القرآن ومعارف القرآن: «إن الفرق بين (العلوم القرآنية) و(المعارف القرآنية) يكمن في أن العلوم القرآنية بحوثٌ ناظرة من خارج القرآن، ولا علاقة لها بمضمون ومحتوى القرآن من الناحية التفسيرية، وأما المعارف القرآنية فهي على صلةٍ وثيقة بالمباحث الداخلية للقرآن، وتعتبر نوعاً من التفسير الموضوعي».

3ـ الإضافة المِلْكية: من قبيل: «غلام زيدٍ»، بمعنى «غلامٌ لزيد». ومن الواضح أن مصطلح (علوم القرآن) لا يعني (العلوم التي هي مِلْك للقرآن)؛ إذ لا معنى للمِلْكية في المفاهيم والعلوم.

4ـ الإضافة الاختصاصية: من قبيل: «غلاف الكتاب»، الذي هو في الحقيقة بمعنى «غلافٌ للكتاب». ويبدو أن إضافة «علوم القرآن» من هذا القبيل، بمعنى أنها من نوع الإضافة الاختصاصية. وبعبارةٍ أخرى: إنه يعني العلوم الخاصّة بالقرآن. وحيث إن هذه العلوم لا تنظر إلى داخل القرآن يجب اعتبارها من العلوم الخارجة عن القرآن، والتي يتمّ توظيفها في خدمة القرآن. وإن التعاريف المذكورة لهذا العلم تؤيِّد ذلك أيضاً.

فقد عرّف عبد العظيم الزرقاني «علوم القرآن» على النحو التالي: «مباحث تتعلّق بالقرآن الكريم من ناحية نزوله، وترتيبه، وجمعه، وكتابته، وقراءته، وتفسيره، وإعجازه، وناسخه ومنسوخه، ودفع الشُّبَه عنه، ونحو ذلك»([3]).

فإن عبارة «تتعلّق بالقرآن» تعكس مفهوم الاختصاص، بمعنى البحوث والعلوم التي تخصّ القرآن. وعبارة «من ناحية نزوله…» تمثِّل في الحقيقة تعداداً لهذه البحوث.

وقال السيد محمد باقر الحكيم في تعريف علوم القرآن: «علوم القرآن جميعاً تلتقي وتشترك في اتّخاذها القرآن موضوعاً لدراستها، وتختلف في الناحية الملحوظة فيها من القرآن الكريم»([4]).

وقد تقدَّم بيان مراده من عبارة «في الناحية الملحوظة فيها» في عباراته السابقة، بمعنى أن القرآن يكون أحياناً دليلاً على نبوّة النبيّ الأكرم‘.

وأما الشيخ محمد هادي معرفة فيرى أنّ «العلوم القرآنية» مصطلحٌ يتحدَّث عن المسائل المتعلِّقة بمعرفة القرآن، ومختلف أحواله وشؤونه.

ومن العجيب بالنسبة لي أنه على الرغم من توفُّر الكثير من المؤلَّفات في حقل علوم القرآن، سواءٌ على شكل مجاميع مستقلّة أو مؤلَّفات مفردة، لم يكلِّف أصحاب هذه المؤلَّفات أنفسهم عناء تقديم تعريفٍ جامع لهذا العلم، الأمر الذي أدّى إلى ظهور نقصين جوهريّين في هذا العلم. وقد عبّرنا عنهما في هذه المقالة بـ «ضعف التناغم» بين مباحث علوم القرآن، و«ضعف الشمولية» في تلك المباحث.

يجب أن يأخذنا العَجَب من أمثال: بدر الدين الزركشي(794هـ)، وجلال الدين السيوطي(911هـ)؛ إذ على الرغم من تأليفهما كتابين قيِّمين في علوم القرآن، وهما: «البرهان في علوم القرآن» و«الإتقان في علوم القرآن»، لم يقدِّما تعريفاً جامعاً لهذا العلم؟!

تعريف علوم القرآن من وجهة نظر الكاتب ــــــ

إن تعريف علوم القرآن ـ بالالتفات إلى وظيفة هذه العلوم، والمؤلَّفات المتوفّرة في هذا الحقل، والمعبِّرة عن التعريف الارتكازي لها من وجهة نظرهم ـ عبارةٌ عن: «مجموعة من العلوم ـ ناظرة إلى القرآن من خارجه ـ يتمّ توظيفها من أجل معرفة ماهيّته، ومساره التاريخي، وأسس وقواعد تفسيره، والدراسات المنجزة بشأنه».

الموارد المنشودة لنا في هذا التعريف ــــــ

1ـ بناءً على ما هو واضحٌ من المسائل العديدة والمحورية لعلوم القرآن يجب اعتبار هذا العلم مجموعة من العلوم. وهذا ما يؤكِّده ويُثبته إطلاق عنوان «علوم القرآن» على هذه المسائل، بَدَلاً من تسميتها «علم القرآن».

2ـ كما ذكرنا في مبحث بيان نوع الإضافة في مصطلح «علوم القرآن» فإن علوم القرآن ناظرةٌ إلى العلوم والدراسات التي تنظر إلى القرآن من خارجه، ولو جرَّنا البحث أحياناً إلى ما كان مثل: المحكم والمتشابه، من البحوث التي تقع في صُلب القرآن، فإن زاوية الرؤية المنشودة ستركز فيه على النظرة الخارجية، في مقابل مصطلح «المعارف القرآنية» الناظرة إلى المباحث والقضايا الموجودة والمنبثقة من داخل القرآن.

3ـ طِبْقاً لهذا التعريف لا بُدَّ من دراسة مسائل العلوم القرآنية ضمن أربعة حقولٍ ومساحات رئيسة، وهي:

الأوّل: المباحث الناظرة إلى معرفة ماهية القرآن، وهي مسائل من قبيل: كيفية الوحي، ونزول القرآن، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، وإعجاز القرآن، وأصالة النصّ، واستحالة تحريف القرآن، ولغة القرآن، وما إلى ذلك ممّا يؤدّي إلى معرفة ماهيّة القرآن.

الثاني: التطوّر التاريخي في مسار القرآن، ومعرفة تاريخ تدوينه وكتابته، ومراحل وصوله إلى شكله الراهن، وتاريخ التفسير، والترجمة والطباعة وزخرفة القرآن، وما إلى ذلك ممّا يدخل ضمن مباحث القرآن التاريخية.

الثالث: قواعد فهم وتفسير مباحث الألفاظ في العلوم القرآنية، وأدبيّات القرآن، والمعاني، والبيان، والبديع، وأسباب النزول، وما إلى ذلك ممّا يدخل في جملة المباحث المستعملة في خدمة فهم القرآن وتفسيره.

الرابع: الدراسات والأعمال المنجزة في حقل القرآن، من قبيل: الدراسة والتحقيق في جميع الأبحاث المتحقّقة في حقل العلوم القرآنية، والاتّجاهات الإيجابية أو السلبية للمستشرقين في تعاطيهم مع القرآن، وما إلى ذلك ممّا يندرج في إطار هذا النوع من المسائل.

2ـ المراحل التاريخية لتكوين العلوم التاريخية ــــــ

إن العلوم القرآنية مصطلحٌ ظهر عبر مسار التطوّرات العلمية، وازدهار أنواع العلوم الإسلامية، منذ القرن الهجري الأوّل إلى يومنا هذا. ويُطْلَق على مجموعة المسائل والقضايا التي تساعد على معرفة القرآن وفهمه وتفسيره بشكلٍ صحيح. وهناك الكثير من الشواهد التاريخية التي تثبت أن ظهور وتبلور هذا العلم قد تمّ عبر أربع مراحل، وهي:

أـ الامتزاج بعلوم الحديث ــــــ

إن العلوم القرآنية مثل جميع العلوم الإسلامية، من قبيل: التاريخ، والسيرة، والكلام، والفقه، وما إلى ذلك، قد تكوَّنَتْ في بادئ الأمر ضمن علم الحديث، بمعنى أن جميع القضايا المتعلِّقة بتاريخ القرآن، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، قد انعكست في روايات النبيّ الأكرم‘ وأقوال الصحابة التي وصلت إلينا مسندةً، ثمّ بدأت ـ مثل سائر العلوم الإسلامية ـ بالانفصال عن الحديث تدريجيّاً([5]). وعليه لا بُدَّ من البحث عن المنشأ الأوّل لتبلور مسائل علوم القرآن في الروايات. فعلى سبيل المثال: إن ما رُوي عن النبيّ الأكرم‘ بشأن كيفية نزول القرآن الكريم، ونزول الوحي بشكلٍ مباشر، أو من طريق ملك الوحي (جبرئيل)، وتسمية الكتاب السماوي والسور والآيات أحياناً، وبحث القراءات، وكيفيّة تلاوة القرآن، وتفسير الكثير من الآيات، وبيان قواعد التفسير، والتحذير من التفسير بالرأي، وما إلى ذلك من المأثور، يُشكِّل المادّة الأولى لتكوين القضايا المرتبطة بالعلوم القرآنية.

كما تركت الروايات المأثورة عن الأئمّة^ أو أقوال الصحابة والتابعين في هذا الشأن تأثيراً ملحوظاً أيضاً. فمن خلال النظر في كلّ واحدٍ من بحوث علوم القرآن نجد عموم مسائلها مقرونةً بأقوال ومواقف الأئمّة× والصحابة والتابعين.

ب ـ ذكرها في مقدمة التفاسير ــــــ

إن محدوديّة أبحاث وقضايا العلوم القرآنية في بداية ظهورها، وكذلك ضرورة تنقيح قواعدها، قد اضطرَّتْ بعض المفسِّرين ـ في مستهلّ تفسيرهم، وقبل الدخول في صُلْب تفسير الآيات ـ إلى الخوض في دراسة أهمّ بحوث العلوم القرآنية في إطار عددٍ من المقدّمات؛ لأن كلّ مفسِّرٍ سيقف لا محالة على ظاهرة اختلاف القرّاء، وهي اختلافات قد تصل أحياناً إلى حدّ الاختلاف في المعاني والمفاهيم المتعارضة في آيةٍ واحدة، من قبيل: الاختلاف في قراءة (مالك) أو (ملك) يوم الدين([6])، أو آية التأويل([7]).

وعلى هذا الأساس لا مندوحة للمفسِّر في بداية عمله من تحديد موقفه من هذه الظاهرة. ولا يخفى أن تصحيح أو رفض الاختلاف في القراءات يترك تأثيراً مباشراً على نوع التفسير. كما لا غنى للمفسِّر في ما يتعلَّق بمداليل الآيات ـ مضافاً إلى القرائن الخارجية ـ عن القرائن الداخلية، وخاصّة الآيات السابقة واللاحقة للآية مورد البحث في ما يُعرف بالسِّياق([8]). إلاّ أن الاستناد إلى قاعدة السياق تقوم على أصلٍ آخر، وهو الاعتقاد بتوقيفية ترتيب الآيات، وأن لهذا الترتيب منشأً إلهيّاً، بمعنى أن المفسِّر ـ في ما يتعلّق بتاريخ جمع القرآن وتدوينه ـ إذا كان يرى الترتيب الراهن مستنداً إلى النبيّ الأكرم‘ أمكن له الاستفادة من أصل السِّياق، وإلاّ كان استناده لهذا الأصل فاقداً للمعنى. كما أن المفسِّر إذا كان يعتقد بوجود الارتباط بين سور القرآن عليه أن يؤمن بتوقيفية ترتيب السور، مضافاً إلى اعتقاده بتوقيفيّة ترتيب الآيات أيضاً.

لأجل هذه الضرورة نجد استمرار انعكاس العلوم القرآنية في مقدّمات التفاسير في مختلف المراحل التاريخية من التفسير، وأحياناً في عصرنا الراهن أيضاً. وهذا ما تثبته أبحاثٌ من علوم القرآن الواردة في مقدّمة «تفسير التبيان»([9])، و«مجمع البيان»([10])، و«تفسير الصافي»([11])، و«آلاء الرحمن في تفسير القرآن»([12])، و«البيان»([13])، والأبحاث العلمية الواسعة([14]) في كتاب «محاسن التأويل»([15]).

ج ـ انعكاسها في المؤلّفات المفردة ــــــ

إن العلوم القرآنية بعد انفصالها عن الحديث ظهرَتْ على شكلٍ مستقلّ ومنفصل لا يربط بينها سلكٌ منتظم، وإنما ظهرت في مؤلّفات مفردة، بمعنى أنه لم يقُمْ أحدٌ في بداية الأمر بترتيب العلوم القرآنية المختلفة عن سابق تدبيرٍ، ووضعها ضمن إطارٍ واحد؛ لتقديم صورةٍ جامعة أو شبه جامعة عنها. حتّى عملت الهواجس الذهنية، والحاجات المستحدثة، والافتراضات، وكفاءات المفكِّرين المسلمين، على تمهيد الطريق أمام تدوين أثرٍ في حقل العلوم القرآنية. وهذا ما تثبته وتؤيِّده الكتب المؤلَّفة في حقل العلوم القرآنية، والتي وصلت إلينا من القرون الأولى.

ففي القرن الهجري الأوّل قام يحيى بن يعمر(89هـ) بتأليف كتاب «القراءة»؛ وفي القرن الهجري الثاني قام الحسن بن أبي الحسن يسار البصري(110هـ) بتأليف كتاب «عدد آي القرآن»؛ وألَّف عبد الله بن عامر اليحصبي(118هـ) كتاب «اختلاف مصاحف الشام والحجاز والعراق»؛ وألَّف أبان بن تغلب(141هـ) كتاب «القراءات»؛ وألَّف مقاتل بن سليمان(150هـ) كتاب «الآيات المتشابهات»؛ وألَّف حمزة بن حبيب(151هـ) كتاب «القراءة»؛ وألَّف أبو عبيدة معمر بن المثنى كتاب «إعجاز القرآن»([16]).

وعليه، وكما يتّضح من خلال عناوين هذه الكتب، لم يكن تنظيم وتدوين هذه الكتب منطلقاً من رؤيةٍ جامعة لمسائل علوم القرآن، وتقديم قضاياه ومسائله بشكلٍ منتظم. وإنّما ـ وعلى سبيل المثال ـ حيث خلق الاختلاف في القراءات الكثير من المشاكل والصعوبات بين المسلمين بادر بعض المتخصِّصين إلى تصنيف كتاب في هذا الفنّ؛ ليعمل على حلّ المشاكل العالقة في هذا الشأن؛ أو حيث احتدم الصراع بين الأشاعرة والمعتزلة حول المسائل الكلاميّة برز بعض العلماء ليكتبوا في المتشابِهات؛ للدفاع عن متبنَّياتهم الكلاميّة؛ وهكذا.

د ـ ظهور علوم القرآن على شكل علمٍ جامع ــــــ

طبقاً للشواهد التاريخي فإن أوّل مَنْ ألَّف في مسائل وموضوعات العلوم القرآنية، وجمع بين أبحاثها المتفرّقة في كتابٍ واحد، هو بدر الدين الزركشي(794هـ)، من خلال تأليفه لكتاب «البرهان في علوم القرآن».

عمد الزركشي في مقدّمته ـ بعد إطلالةٍ عابرة على دور المتقدِّمين في تدوين وبيان العلوم المرتبطة بالقرآن ـ إلى التأكيد على أن المتقدِّمين، ورغم تأليفهم الكتب الجامعة في مجال علوم الحديث، لم يقوموا بذات الشيء في حقل القرآن. ومن هنا فقد ألزم نفسه بتدوين هذا الكتاب([17]). وقد بحث في كتابه هذا سبعةً وأربعين علماً من علوم القرآن، من قبيل: معرفة أسباب النزول، ومعرفة المناسبات بين الآيات، ومعرفة الفواصل، ومعرفة الأشباه والنظائر، وما إلى ذلك، مؤكِّداً على أن كلّ واحدٍ من هذه العلوم من السَّعة بحيث يحتاج العالم إلى إفناء عمره من أجل الإحاطة بمسائله وقضاياه([18]).

وقد بقي هذا الكتاب مجهولاً وغير معروفٍ على نطاق واسع حتّى جاء جلال الدين السيوطي(911هـ)، حيث عمد إلى التعريف والتنويه به، من خلال تأليفه كتاب «الإتقان في علوم القرآن». فقد اتَّخذ السيوطي من خلال تأليف كتاب الإتقان خطوةً كبرى وجوهريّة أخرى في هذا المجال، وعمد إلى إكمال ما قام به الزركشي في العلوم القرآنية. ثمّ مضت قرونٌ دون أن يُكْتَب في مجال علوم القرآن مؤلَّفٌ ذو شأنٍ، باستثناء بعض الكتابات المستقلّة. وإنّ كتباً مثل: «مناهل العرفان في علوم القرآن»، لعبد العظيم الزرقاني؛ و«الموسوعة القرآنية»، لإبراهيم الآبياري؛ و«التمهيد في علوم القرآن»، للشيخ محمد هادي معرفة، من الأعمال التي تستحقّ التقدير في هذا المجال.

3ـ ارتباط بعض مسائل العلوم القرآنية بسائر العلوم الإسلامية ــــــ

إن النظر في مجموع الأبحاث المنتظمة تحت عنوان علوم القرآن، في كتب المتقدِّمين والمعاصرين، يثبت أن هذه الأبحاث تنشأ من سبعة أنواع من العلوم الإسلامية. وبعبارةٍ أوضح: إن مصدرها الأصلي هو هذا النوع من الأبحاث. فإذا صحّ هذا الادّعاء كان مفهومه أننا لا نستطيع أن نرى أصالةً ذاتية للعلوم القرآنية، أو في الحدّ الأدنى لجزءٍ من مسائلها، وربما كان الترديد والشكّ من قبل البعض في هذا الشأن يقوى في هذا الشأن، إلاّ إذا قلنا بأن هذا الأمر لا يختص بالعلوم القرآنية.

إن الكثير من العلوم الإسلامية الأخرى ـ بل سائر العلوم غير الإسلامية أيضاً ـ قد أصيبت بهذه الآفة؛ إذ يمكن العثور على مصدر الجزء الأكبر من مسائلها وقضاياها في سائر العلوم ذات الصِّلة. ولذلك نجد الآخوند الخراساني& يقرّ في تعريفه لعلم الأصول بتداخل العلوم([19]). واعترف في بحث القطع والتجرّي بأن المتكفِّل بدراسة هذه المسائل هو علم الكلام. ومع ذلك فقد أدلى الأصوليون بدلوهم في هذا الشأن([20]).

إن العلوم الإسلامية التي تمثِّل مصدراً للعلوم القرآنية عبارةٌ عن: 1ـ التاريخ والسيرة؛ 2ـ الحديث؛ 3ـ الأدب؛ 4ـ الكلام؛ 5ـ التفسير؛ 6ـ الأصول؛ 7ـ الفقه.

أـ التاريخ والسيرة ــــــ

كما تقدَّم أن أشرنا فإن مباحث من قبيل: حياة النبيّ الأكرم‘ قبل وبعد نزول القرآن، والمسار التاريخي لتدوين القرآن، واهتمام النبيّ الأكرم‘ والصحابة بكتابة القرآن، وكتّاب الوحي، وحُفّاظ القرآن، وتعاطي الخلفاء ـ منذ خلافة أبي بكر إلى عصر الإمام عليّ× وخلافة بني أميّة وبني مروان ـ، وتاريخ بداية التفاسير، وترجمات القرآن، وقُرّاء القرآن، واهتمام المسلمين بنشر القرآن، وتاريخ خطّ القرآن وتذهيبه وزخرفته، هي من جملة المباحث التاريخية التي تناولتها كتب التاريخ والسِّيرة، بمَعْزلٍ عن الالتفات إلى العلوم القرآنية.

والشاهد على ذلك وجود هذه المسائل في المصادر التاريخية، من قبيل: تاريخ الطبري، وسيرة ابن إسحاق، وسيرة ابن هشام، ومروج الذهب، للمسعودي، وتاريخ ابن خلدون، والكامل في التاريخ، لابن الأثير، وغيرها من كتب التاريخ والسِّيَر. كما تمّ إسناد الأنواع الأخرى من هذه الأبحاث والأقوال في مصادر العلوم القرآنية إلى كتب التاريخ بشكلٍ عامّ([21]).

ب ـ علم الحديث ــــــ

كما سبق لنا أن ذكرنا فإن المنشأ الأوّل للعلوم القرآنية هو الحديث. وإن ما رُوي لنا بشأن القرآن الكريم أو معارفه وتعاليمه عن النبيّ الأكرم‘ والأئمّة الأطهار×، أو عن الصحابة والتابعين، قد انعكس في إطار الروايات. وعلى الرغم من انفصال علوم القرآن واستقلالها عن الحديث لا تزال المصادر الحديثية والروائية تمثِّل المصدر الأفضل للوصول إلى مسائل العلوم القرآنية. فعلى سبيل المثال: نجد ثقة الإسلام الكليني، بالإضافة إلى نقله الكثير من الروايات في حقل العلوم القرآنية في مختلف أبواب الكافي، يعقد كتاباً خاصّاً في فضل القرآن([22]).

كما خصَّص العلاّمة المجلسي في كتاب بحار الأنوار فصلاً شاملاً لهذا البحث أيضاً([23]).

وفي سائر الموسوعات الحديثية الشيعيّة، والموسوعات المتأخِّرة، من قبيل: الحياة([24])، وميزان الحكمة، وآثار الصادقين، وما إلى ذلك، هناك أبوابٌ وفصول معقودة للروايات الناظرة إلى القرآن.

كما تحدّث البخاري في الباب الأول من كتابه الجامع الصحيح، تحت عنوان كتاب بدء الوحي([25])، عن أحداث نزول الوحي وبعثة النبيّ الأكرم‘. وبالإضافة إلى تخصيص أبواب في هذا الموضوع ـ مثل: كتاب فضائل القرآن([26])، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة([27]) ـ فقد خصَّص فصلاً تحت عنوان كتاب التفسير؛ ليقوم بواجبه تجاه العلوم القرآنية في كتابه.

وقد تواصل هذا الأمر في كلٍّ من: صحيح مسلم، وسنن أبي داوود، وجامع الترمذي أيضاً.

وخير شاهدٍ على كلامنا هذا كتب التفسير الروائي أو التفسير بالمأثور، التي تمّ تأليفها بالاستناد إلى روايات الجوامع الحديثية، وفصل الروايات التفسيريّة منها. وفي تفسير نور الثقلين والبرهان والصافي عند الشيعة يتمّ ذكر المصدر الروائي قبل ذكر كلّ روايةٍ تفسيرية. كما نشاهد ذات الأمر في تفسير الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور أيضاً.

يجب الالتفات إلى أن الكثير من الروايات التفسيرية ناظرةٌ بشكلٍ صريح أو بالتلويح إلى مباحث علوم القرآن، ولا سيَّما منطق فهم وتفسير القرآن، والذي يعدّ من أهمّ مباحث هذه العلوم.

وللأسف الشديد فإن الذي تمّ تدوينه حتّى الآن بشأن الروايات الناظرة إلى القرآن هو خصوص الروايات التفسيرية. وأمّا سائر الروايات في حقل العلوم القرآنية الأخرى، من قبيل: الوحي، ونزول القرآن، وتاريخ القرآن، والمحكم والمتشابِه، والناسخ والمنسوخ، وما إلى ذلك، فلم يتمّ تدوينها في كتابٍ جامع مستقلّ ومبوَّب، في حين أن القيام بمثل هذا العمل يبدو ضروريّاً؛ لحلّ الكثير من المسائل الغامضة في هذا الشأن.

ج ـ علم الأدب ــــــ

إن مرادنا من الأدب هنا ما يشمل عدداً من العلوم التي هي عبارةٌ عن: اللغة واشتقاقاتها، والصَّرْف، والنَّحْو، والمعاني، والبيان، والبديع، التي هي باعتراف الكثير من العلماء قد تأسَّست بفضل القرآن الكريم؛ ومن أجل فهمه بشكلٍ أعمق. فقد استعمل القرآن بوصفه معجزة أدبية هذه العناصر في إطار اللغة العربية، فجاءت هذه العلوم بغية البحث في هذه العناصر الأدبية، ومختلف أساليبها في القرآن الكريم. وإنّ كتباً من قبيل: المفردات في غريب القرآن، للراغب الإصفهاني؛ ومجمع البحرين، للطريحي، والتحقيق في كلمات القرآن الكريم، لحسن مصطفوي، من المؤلَّفات الخالدة التي تمّ تأليفها في حقل بيان مفاهيم ومفردات ألفاظ القرآن الكريم. وبالإضافة إلى هذه المؤلَّفات الخاصّة نجد حتّى المصادر اللغوية العامّة، من قبيل: لسان العرب وتاج العروس، مفعمةً بالأبحاث والمسائل المتعلِّقة بمعرفة مفردات آيات القرآن الكريم. وقد صرّح ابن منظور الأفريقي في مقدّمة كتابه لسان العرب بأنه إنّما ألَّف هذا الكتاب خدمةً للقرآن، وتيسير فهمه وتفسيره، وذلك إذ يقول: «فإنني لم أقصد سوى حفظ أصول هذه اللغة النبويّة، وضبط فضلها؛ إذ عليها مدار أحكام الكتاب العزيز والسنّة النبويّة…»([28]).

كما أن للصَّرْف والنَّحْو في القرآن الكريم مثل هذه القضيّة أيضاً. فطِبْقاً للمشهور إن أوّل مَنْ عمل على تنظيم قواعد علم الصرف والنحو هو أبو الأسود الدؤلي وتلاميذه، بإرشادٍ وتوجيه من الإمام عليّ×([29]). ثمّ ظهرت كتبٌ أخرى، مثل: الكافية، لرضيّ الدين الإسترآبادي، وشرح الكافية، للجامي، ومغني اللبيب عن كتب الأعاريب، لابن هشام الأنصاري؛ للتعرُّف على البنية والتركيبة الصرفية والنحوية لآيات القرآن الكريم. وإنّ كتاب المغني مشحونٌ بالاستشهاد بالآيات. وكما هو مشهورٌ فإن عبد القاهر الجرجاني والسكّاكي والتفتازاني عمدوا إلى تأسيس ثلاثة علوم، وهي: المعاني؛ والبيان؛ والبديع؛ لإبراز وجوه الإعجاز البياني في القرآن الكريم. وعلى هذا الأساس، وبالإضافة إلى الاستشهادات الكثيرة بآيات القرآن في مختلف مواضع بحوث هذه العلوم، تمّ تخصيص جزءٍ من مباحث العلوم القرآني للبحث والتمحيص في هذا المجال.

د ـ علم الكلام ــــــ

إن علم الكلام علمٌ يتكفَّل بالدفاع العقلاني عن التعاليم الدينيّة. ومن هنا قيل في تعريف علم الكلام: «العلم بالعقائد الدينية من الأدلّة اليقينية»([30]).

ومن الواضح أن علم الكلام من خلال هذا التعريف يتعاطى مع النبوّة العامّة والخاصّة والمسائل المتعلِّقة بهما. وإن بيان كيفية الوحي بشأن الأنبياء، وأساليب الوحي النازل على النبيّ الأكرم‘، وبيان المعجزة المثبتة لرسالة النبيّ الأكرم‘، أي القرآن الكريم، ووجوه الإعجاز فيه، وتحدّي القرآن، وإخفاق المعارضين والمخالفين في الإتيان بمثله، وإثبات استحالة تحريفه، من جملة البحوث الكلامية التي تشترك مع علوم القرآن؛ لأن بيان كيفية الوحي، ووجوه إعجاز القرآن، من الوظائف الرئيسة للعلوم القرآنية. ومن جهة أخرى هناك حضورٌ واضح لعلم الكلام في واحدٍ من المسائل والبحوث الواسعة والزاخرة بالتحدّيات في العلوم القرآنية، أي المحكم والمتشابِه أيضاً؛ إذ في معرض البحث في المتشابِهات والُمحْكَمات في القرآن يتمّ التعرّض لأنواع الفرق والمذاهب الكلامية، من قبيل: الأشاعرة، والمعتزلة، والإمامية، والماتريدية، والكرّامية، وما إلى ذلك، وكيفية تعاطي هذه الفرق مع هذا النوع من الآيات. وإن المباحث الكلامية في الجزء الثالث من كتاب التمهيد في علوم القرآن، للأستاذ الشيخ محمد هادي معرفة، خير شاهدٍ على كلامنا هذا.

هـ ـ علم التفسير ــــــ

إن علم التفسير هو علمٌ يبحث في فهم مداليل آيات القرآن، وآلية عمل هذا العلم في حقل الآيات، والذي يفي بدوره في موقع ذي المقدّمة والعلّة الغائية للعلوم القرآنية، بمعنى أن مسائل وقضايا العلوم القرآنية بمثابة المقدّمة التمهيدية لفهم وتفسير آيات القرآن، كما هو دور علم الأصول بالنسبة إلى الفقه، وعلم المنطق بالنسبة إلى الفلسفة.

ومن جهةٍ أخرى ينقسم التفسير إلى قسمين رئيسين، وهما: التفسير الترتيبي؛ والتفسير الموضوعي.

وفي ما يتعلق بالتفسير الترتيبي ـ الأعمّ من الترتيب الراهن للمصاحف أو الترتيب على أساس النزول ـ يقوم المفسِّر بتفسير السور واحدةً واحدة، من أوّلها إلى آخرها، بحسب الترتيب. فعلى سبيل المثال: ما لم يُتِمّ المفسِّر تفسير سورة الحمد (طبقاً لترتيب المصحف الراهن) لا يدخل في تفسير سورة البقرة. وعلى أساس ترتيب النزول ما لم يفرغ من تفسير سورة العلق لا يباشر تفسير سورة القلم([31]).

وأما في التفسير الموضوعي فينظر المفسِّر إلى موضوعٍ محدَّد، من قبيل: التوحيد الفاعلي، فيضطر إلى استخراج جميع الآيات ذات الصلة بهذا الموضوع. وبعد تبويبها يتابع الكشف عن مداليلها؛ للوصول إلى الغاية النهائية، المتمثِّلة برؤية القرآن تجاه ذلك الموضوع المعيَّن والمحدَّد([32]).

من هنا فإنّ قسماً كبيراً من مباحث العلوم القرآني مذكورٌ في التفسير الترتيبي والتفسير الموضوعي. وعلى سبيل المثال: إن المباحث المتعلِّقة بمعرفة السور المكّية والمدنية، والاختلافات الموجودة في هذا الحقل، واختلاف القراءات بشأن الآيات المتنوِّعة في القرآن، والآراء حول عدد الآيات في سورةٍ من السور، ومفاهيم الألفاظ المتنوّعة في الآية، وأسباب النزول، والمسائل الصَّرْفية والنَّحْوية والبلاغية، وما إلى ذلك، من جملة مباحث العلوم القرآنية التي تشاهد في جميع مواطن التفسير التي تتنوَّع وتختلف شدّةً وضعفاً.

وخيرُ شاهد على ذلك كلام أمين الإسلام الطبرسي في تفسير مجمع البيان، حيث تعرّض إلى المباحث التفسيرية بتنظيمٍ منطقي يستحقّ التقدير. ففي بداية تفسيره لكلّ سورةٍ يستعرض الاختلاف في مكّيتها أو مدنيّتها، وعدد آياتها، لينتقل بعد ذلك إلى مناقشة الأدلّة الواردة بشأنها، تحت عنوان: «القراءة، والحجّية في اختلاف قراءتها».

وتحت عنوان «اللغة» يتعرّض إلى مناقشة المفردات الغريبة والمعقَّدة.

وفي قسم الإعراب يتحدّث عن اختلاف الآراء من الناحية الصَّرْفية والنَّحْوية للآيات.

وإن الأشباه والنظائر، وأسباب النزول، من جملة المحاور الأخرى التي تخضع لاهتمام هذا التفسير. وقد تمّ بحث هذه الأمور ـ وإنْ بشكلٍ غير منقَّحٍ ولا منضبط ـ في سائر التفاسير الأخرى أيضاً.

كما يعمد المفسِّرون أحياناً ـ في معرض تفسير بعض الآيات المرتبطة بمباحث علوم القرآن، من قبيل: الآيتين 23 و24 من سورة البقرة، والناظرتين إلى التحدّي وإعجاز القرآن([33])، أو الآية 7 من سورة آل عمران، التي تتحدّث عن تقسيم آيات القرآن إلى مُحْكَم ومتشابِه([34]) ـ إلى دراسة مباحث العلوم القرآنية دراسةً تفصيلية ومسهبة نسبياً.

كما أن حضور مسائل وقضايا العلوم القرآنية في التفاسير الموضوعية ملحوظٌ إلى حدٍّ كبير. فعلى سبيل المثال: إن عناوين من قبيل: القرآن من زاوية القرآن، ووجوه وحقول الإعجاز، والمحكم والمتشابه في القرآن، والناسخ والمنسوخ في القرآن، وما إلى ذلك، من جملة المباحث التي تمّ تناولها في التفاسير الموضوعية؛ بسبب نظرها إلى آيات القرآن، وامتلاكها حظّاً من منهج التفسير الموضوعي، ومع ذلك تعتبر في الوقت نفسه من المباحث الرئيسة في العلوم القرآنية.

وـ علم الأصول ــــــ

إن من مباحث العلوم القرآنية معرفة الأنواع المضمونية للآيات، من قبيل: العامّ والخاصّ، والمطْلَق والمقيِّد، والمجْمَل والمبيِّن، وما إلى ذلك، ممّا يُعَدّ من جملة مسائل علم الأصول([35])، رغم أن نظرة الأصوليين إلى هذه الأقسام لم تقتصر على آيات القرآن فقط، وإنّما شملت الروايات أيضاً.

وهكذا الأمر بالنسبة إلى مبحث حجّية ظواهر القرآن ـ الذي يُدْرَس في علم أصول الفقه؛ من أجل الإجابة عن شبهات ومدَّعيات الأخباريين ـ، حيث يُعدّ واحداً من مباحث العلوم القرآنية أيضاً([36]).

وكذلك في مباحث الحجّة من القرآن يتمّ الحديث أوّلاً عن مصدر المعرفة الدينية والاجتهاد.

كما يتمّ الحديث في التعاطي بين القرآن الكريم والسنّة الشريفة عن إمكان تخصيص أو نسخ القرآن بالسنّة.

وفي مبحث الظنون الخاصّة يتمّ التطرّق إلى أخبار الآحاد، وما إذا كانت حجّة في حقل تفسير الآيات أم لا.

وفي مباحث الألفاظ يرد الكلام حول مسائل من قبيل: الحقيقة والمجاز، وحجيّة قول اللغوي، وأصالة الظهور، وضرورة التمسُّك بالظواهر ما لم تكن هناك قرينةٌ على الخلاف، ممّا يلعب في الوقت نفسه دوراً أساسيّاً في المباحث التمهيدية للتفسير، تحت عنوان منطق فهم وتفسير الآيات.

وعليه لا بُدَّ من الإذعان والاعتراف بأنها بأجمعها إمّا تشكِّل جزءاً من مباحث العلوم القرآنية، أو أنها تتحدَّث عنها من زاويةٍ أخصّ في العلوم القرآنية.

وهي بحوثٌ مذكورة في الكتب الأصولية القديمة، من قبيل: عُدّة الأصول، للشيخ الطوسي؛ والذريعة إلى أصول الشريعة، للسيد المرتضى؛ والموافقات، للشاطبي، والمنخول والمستصفى، للغزالي؛ والمحصول للرازي، الأمر الذي يعكس تداخل شَطْرٍ من مباحث علم الأصول مع مباحث العلوم القرآنية([37]).

ز ـ علم الفقه ــــــ

إن جانباً من مسائل العلوم القرآنية تظهر في علم الفقه أيضاً، بل يمكن القول: إن بحثها في الفقه قد زاد في إثرائها، وإضافتها إلى مباحث العلوم القرآنية. فعلى سبيل المثال: يتمّ بحث القراءات السبعة في الفقه، وما إذا كانت قراءة الحمد والسورة مُجْزية طبقاً لجميع هذه القراءات، أم لا بُدَّ من الاقتصار في قراءتها على القراءة المشهورة (وهي قراءة حَفْص عن عاصم). وإذا تمّ الحديث في العلوم القرآنية بشأن البسملة من حيث كونها جزءاً من آيات السورة، أم أنّها مجرّد فاصلة [للدلالة على انتهاء السورة السابقة، وبداية السورة الجديدة]([38])، يتمّ الحديث بين الفقهاء من أهل السنّة والشيعة بشأن وجوب أو جواز قراءة البسملة قبل سورة الصلاة. كما يتمّ الحديث في علم الفقه عن اعتبار كلٍّ من: (الضحى) و(الانشراح)، و(الفيل) و(قريش)، سورةً واحدة أو سورتين([39])، وهو في الوقت نفسه من المسائل والمباحث المطروحة في العلوم القرآنية أيضاً.

كما أن البحث عن كيفية التعاطي والتعامل مع القرآن بوصفه كتاباً سماوياً مقدّساً، من قبيل: جواز أو عدم جواز تمكين الكافر منه، وآداب تلاوته، وجواز أو عدم جواز ترجمته إلى مختلف اللغات الأخرى، وجواز أو عدم جواز تغيير خطّه العثماني، وجواز أو عدم جواز طباعته ونشره على أساس النزول التاريخي للسور، أو تفسير القرآن على هذا الأساس، وما إلى ذلك من المباحث التي يتمّ طرحها في علم الفقه والعلوم القرآنية على السواء.

4ـ منهج بحوث العلوم القرآنية ــــــ

إن البحث في دراسة وتحديد منهج أنواع العلوم؛ للتعرّف على أسلوب كلّ علم وتحديد مقدار فاعليّته وجدوائيته، وبيان نقاط قوّة هذا المنهج وضعفه، من البحوث التي تعنى بها فلسفة كلّ علمٍ من العلوم. فيقال على أساس ذلك ـ مثلاً ـ: إنّ منهج العلوم التجريبية هو التجربة الحسّية، ومنهج الرياضيات والفلسفة عقلي، ومنهج علم التاريخ نقلي، ومنهج العرفان كشفي وشهودي، بمعنى أن الأدوات والموادّ ـ طبقاً لرأيٍ آخر ـ والمصادر المعرفية لكلّ واحدٍ من هذه العلوم تختلف من علمٍ لآخر، بمقتضى مساحة وحقل تدخُّل علمٍ ما في العلوم الأخرى.

وهنا نتساءل: ما هو المنهج الذي تتبعه العلوم القرآنية من المناهج المختلفة؟

يمكن التوصُّل إلى الإجابة عن هذا السؤال ـ إلى حدٍّ ما ـ من خلال عنوان «رقعة مباحث العلوم القرآنية» المتقدِّم؛ إذ يمكن من خلال مساحة العلوم القرآنية السبعة، وكذلك من خلال شطر من المباحث الخاصة بهذه العلوم، تقييم منهج العلوم القرآنية في إطار ثلاثة مناهج، وهي:

أـ المنهج النقلي.

ب ـ المنهج العقلي.

ج ـ منهج التحليل اللغوي.

أـ المنهج النقلي ــــــ

إن جميع المباحث التاريخية للقرآن، من قبيل: تاريخ كتابة القرآن، وتدوينه وتنظيمه، وتاريخ الكتّاب وحُفّاظ القرآن، وتاريخ التفسير والمفسِّرين، وما إلى ذلك ـ كسائر المباحث التاريخية ـ تتبع المنهج النقلي. كما أن المباحث الحديثية في العلوم القرآنية، من قبيل: الروايات التفسيرية، وروايات فضائل الآيات والسور وخصائصها، والروايات المأثورة بشأن معرفة المكّي والمدني، وأسباب النزول، وما إلى ذلك، تتبع المنهج النقلي أيضاً. وإن القضايا المشتركة بين العلوم القرآنية وعلم الفقه تتبع هذا الأمر أيضاً؛ لأن القضايا الفقهية إنّما تتبلور من خلال الاستناد إلى الآيات والروايات، رغم تدخُّل العقل والاستنباط والاجتهاد في اكتشاف القضايا الفقهية.

وأمّا علم التفسير في جانبه القائم على الروايات ـ أي التفسير الأَثَري ـ فإنّه يقوم كذلك على أساس المنهج النقلي، إلاّ إذا كانت الرواية مشتملة على بعض البراهين والأدلة العقلية، ففي مثل هذه الحالة سيكون التفسير، تَبَعاً لذلك، قائماً على المنهج العقلي.

وهنا علينا أن نحدِّد ما هي الضوابط والملاكات التي يمكن للعلوم ـ ولا سيَّما العلوم الإسلامية ـ القائمة على المنهج العقلي أن تتبعها؟

إن الجزء الأكبر من هذه الضوابط هي تلك القواعد الناجعة في فقه الحديث. فعلى سبيل المثال: إن إثبات الاعتبار للتعاليم النقلية في العلوم القرآنية فرعُ استناد تلك التعاليم إلى المعصوم، وخاصّة أن القضايا النقلية ذات صبغةٍ دينية، مثل: تفسير آية من القرآن الكريم. ومن هنا فقد شكّك الباحثون في العلوم القرآنية من الشيعة، وكذلك فعل عددٌ من علماء أهل السنّة، في اعتبار الروايات التفسيرية المنقولة عن الصحابة والتابعين؛ من جهة افتقارهم لصفة العِصْمة.

فإذا كانت المعلومة من العلوم القرآنية لا تتَّسم بالصبغة الدينية بشكلٍ مباشر، وإنّما على نحوٍ غير مباشر، من قبيل: الإعلان عن مكّيّة أو مدنيّة السورة [أو الآية]([40])، أو حادثةٍ ما تؤثّر في نزول الآية (روايات أسباب النزول)، وموارد من هذا القبيل، هل تشترط عصمة المرويّ عنه، فتكون أقوال الصحابة والتابعين في هذا الشأن فاقدة للحجية، أم أنه لا تشترط عصمة المرويّ عنه؟ هذا الأمر يستحقّ الكثير من البحث والنقاش([41]).

وبالإضافة إلى مقدار اعتبار أقوال المرويّ عنه، فإنّ اتّصال أو انقطاع السند، أو اشتمال الروايات في سلسلة السند على شرائط الصحّة، وكذلك نقل الرواية بالنصّ أو بالمعنى، واشتمال الرواية على عنصر التقيّة أو عدم اشتمالها عليه (المرجِّح الجهوي)، ومعايير قبول الروايات، هي من الأصول والقواعد التي يجب أخذها بنظر الاعتبار في التعاطي مع القضايا النقلية في العلوم القرآنية. فعلى سبيل المثال: قام عموم المفكِّرين في العلوم القرآنية بنقد ودراسة الروايات المتعلِّقة بوحي القرآن، من قبيل: أسطورة الغرانيق، ورواية ورقة بن نوفل، على أساس قواعد المنهج النقلي.

ومن هذا القبيل: الروايات المأثورة بشأن قصص القرآن، وبيان الحلقات المفقودة فيها، من قبيل: روايات هاروت وماروت، ويأجوج ومأجوج، وبيان الابتلاءات التي تعرَّض لها النبي أيّوب×، والروايات الناظرة إلى قصّة داوود× والتي يعبَّر عنها أحياناً بالإسرائيليّات([42])، وتعتبر من هذه الناحية جزءاً من مسائل العلوم القرآنية.

وإن المنهج المتَّبع في التعاطي مع روايات أسباب النزول، من قبيل: روايات شرح صدر النبيّ الأكرم‘، وتقطيب وجهه؛ بسبب حضور المسكين الأعمى، وما إلى ذلك، وكذلك روايات فضائل الآيات والسور، يتبع المنهج النقلي أيضاً.

كما يجب اعتبار بحوث العلوم القرآنية المرتبطة بالفقه تابعةً للمنهج النقلي أيضاً؛ لأن التعاليم الفقهية، من قبيل: آداب تلاوة القرآن، أو جواز وعدم جواز قراءة السور في الصلاة على طِبْق القراءات السبعة، لا يمكن إثباتها إلاّ من خلال النقل والاستناد إلى الروايات.

ب ـ المنهج العقلي ــــــ

إن المنهج العقلي يشتمل على طائفتين من مسائل العلوم القرآنية، وهي:

1ـ المسائل الكلامية: كما تقدّمت الإشارة فإن مسائل من قبيل: وجوه إعجاز القرآن، ولا سيَّما إعجاز عدم الاختلاف، وإعجاز التعاليم السامية ومفاهيم القرآن، وكذلك بحث المحكم والمتشابِه، وكيفية تعاطي المذاهب الكلامية المختلفة مع هذا النوع من الآيات، من جملة المباحث الكلامية التي يتمّ بحثها في حقل العلوم القرآنية. ومن الواضح أن الحكم والمعيار الرئيس في هذا النوع من المسائل والأبحاث هو العقل، والأدلّة والبراهين العقلية، رغم أن العقل كما هو شأنه في علم الكلام ـ في ما يتعلق بالآيات والروايات ـ يلعب مختلف الأدوار، ومنها: تشكيل صغرى القياس.

فعلى سبيل المثال: إن معيار تشخيص وتمييز الآيات المتشابِهة من المحكمة هو العقل. وحتّى إذا افترضنا توفر المعايير التي تميِّز الآيات والروايات ـ ممّا يستدعي إثباته الكثير من التأمُّل ـ يبقى العقل هو الذي يستطيع تطبيق تلك المعايير على المصاديق الخارجية. كما أن الفهم النهائي والأخير لمداليل الآيات المحكمة والمتشابهة، وكيفية إرجاع المتشابِهات إلى المحكمات، يقع على عاتق العقل أيضاً.

ألا يُثبت نشوء مختلف المذاهب الكلامية ـ التي هي باعتراف الكثير من الباحثين من تَبِعات وآثار وجود المتشابِهات في القرآن([43]) ـ أن المنهج المعروف بين المسلمين في التعاطي مع الآيات المحْكَمة والمتشابِهة هو العقل والمنهج العقلي؟

وبطبيعة الحال يجب أن لا نحمِّل جريرة تشتُّت الآراء واختلافها ـ وهي ظاهرةٌ غير حميدة ـ للعقل، واعتبار المنهج العقلي منهجاً خاطئاً وغيرَ ناجع، كما حصل ذلك بالنسبة إلى أغلب المخالفين للفلسفة أو الكلام، حيث اعتبروا هذه الخلافات ـ أي الاختلافات الداخلية بين الفلاسفة والمتكلِّمين ـ من الأدلّة على ضَعْف، بل إنكار، هذين العلمين. وإنّما لا بُدَّ من إخضاع المنهج العقلي ـ كسائر المناهج ـ للفحص، وتشخيص الآفات ونقاط الضعف في موادّ أو أشكال القياس، وتزعزع المبادئ والقواعد في بعض الآراء الكلامية.

2ـ بعض المسائل الحديثية والتفسيرية في العلوم القرآنية: رغم اعتبار التفسير والحديث بشكلٍ عامّ جزءاً من البحوث النقلية، والقول بأن المنهج السائد فيها هو المنهج النقلي، يبدو أن هذه الرؤية الشمولية والتعميمية تستدعي الوقوف والتأمُّل الجاد. فهل عندما يستند الله تعالى في القرآن إلى الاستدلال والبرهان الواضح؛ لإثبات أمرٍ، إنّما يستند في إثبات صحّته إلى المنهج النقلي؟ بمعنى أنه إنما يرى صحّة قوله وكلامه بسبب صدوره عن الله أم بسبب استناده إلى البرهان العقلي؟

ألا تستند آياتٌ من قبيل: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (فاطر: 15)، وقوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ (الطور: 35)([44])، إلى برهان الإمكان؟! وآياتٌ من قبيل: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ (الإنسان: 1) إلى برهان الحدوث([45])؟! كما يذهب الكثير من المفكِّرين والباحثين في الشأن القرآني إلى ذلك.

تمّ الاستناد في الروايات المأثورة عن الأئمّة المعصومين^، ولا سيَّما في مجال العقائد والأخلاق والمناظرات مع الملاحدة والزنادقة، إلى العقل والبراهين العقلية.

فعلى سبيل المثال: جاء في كتاب التوحيد من الكافي، وفي بداية بابٍ تحت عنوان: «حدوث العالم وإثبات الُمحْدِث»، وفي مستهلّ الرواية التي تنقل مناظرة الإمام الصادق× مع زنديقٍ أقبل من مصر؛ لمناظرة الإمام الصادق في المدينة، فلم يجِدْه هناك، فلحق به إلى مكّة. تقول الرواية: إن الإمام الصادق× بادر الزنديق قبل أن يتفوَّه بشيءٍ، قائلاً له: «أتعلم أن للأرض تحتاً وفوقاً؟ قال: نعم. قال×: فدخَلْتَ تحتها؟ قال: لا، قال×: فما يدريك ما تحتها؟ قال: لا أدري… ثمّ قال أبو عبد الله×: أفصعدت السماء؟ قال: لا، قال: أفتدري ما فيها: قال لا، قال×: عَجَباً لك! لم تبلغ المشرق، ولم تبلغ المغرب، ولم تنزل الأرض، ولم تصعد السماء، ولم تجُزْ هناك فتعرف ما خلفَهُنَّ، وأنت جاحدٌ بما فيهنَّ، وهل يجحد العاقل ما لا يعرف؟!([46]).

وموضع شاهدنا قوله×: «وهل يجحد العاقل ما لا يعرف؟!»، حيث عمد الإمام الصادق× إلى توظيف العقل من خلال القاعدة القائلة: «عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود»؛ لإثبات خطأ ما عليه الزِّنْديق. وهكذا كانت اللغة المشتركة لأهل البيت^ مع الزنادقة، أو أتباع سائر الأديان والمذاهب، هي لغة العقل؛ لأن هؤلاء كانوا يشكِّكون في أصل وجود الله؛ وعليه لم يكن من المنطقيّ الاستدلال عليهم بالكلام المنقول عن الله أو المعصومين. من هنا لم يكن الكثير من كبار العلماء يصرّون على اتّصال الروايات أو صحّة السند في ما يتعلق بالروايات الناظرة إلى القِيَم الأخلاقية أو البراهين العقلية، بل أثبتوا صحّة الروايات الموافقة للعقل، رغم ما تعانيه من الضَّعْف السندي([47]).

من هنا يمكن اعتبار بعض المسائل التفسيرية والحديثية للعلوم القرآنية، المستندة إلى الأدلّة والبراهين العقلية، تابعةً للمنهج العقلي. فعلى سبيل المثال: إن جميع الموارد التي عمد الباحثون في العلوم القرآنية أو المفسِّرون إلى نقدها، كما هو الحال بالنسبة إلى بعض القصص أو أسباب النزول، أو فضائل الآيات والسور، أو الروايات المرتبطة بالوَحْي، أو جَمْع القرآن، أو الروايات الناظرة إلى تحريف القرآن، لا بسبب ضعفها سَنَداً؛ بل بسبب مخالفتها للبراهين العقلية، إنّما اتّبعوا في ذلك المنهج العقلي. كما ذهب عموم الباحثين إلى تضعيف الروايات القائلة بسحر النبيّ‘؛ بسبب مخالفتها للعصمة. وذهب السيد الخوئي& إلى القول بأن روايات جمع القرآن بعد النبيّ الأكرم‘ مخالفةٌ لمقام الرسالة، والاضطلاع بها من قبله على النحو الكامل. وذهب عموم العلماء الشيعة إلى القول بأن الروايات المفيدة لتحريف القرآن مخالفةٌ للأدلة العقلية، من قبيل: إبطال تحدّي القرآن، والإخلال بخاتمية القرآن، وما إلى ذلك.

ج ـ منهج التحليل اللغوي ــــــ

إن أوّل مَنْ استعمل مصطلح التحليل اللغوي فلاسفةٌ من أمثال: (فيتغنشتاين)، حيث بدأ تداوله وادعاؤه بعد ما قاله (كانت) في الثورة الكوبرنيقية الحديثة في حقل الفلسفة، وإعادة بحث المعرفة وإمكانها أو عدم إمكانها في الخارج إلى فضاء الذِّهْن([48]). وإنّه حتّى قبل البحث في المباني المعرفية في الذهن، والتأكيد على ضرورة انطباق الخارج مع الذهن، دون العكس، كما كان يدّعي (كانْت)، لا بُدَّ ـ بحَسَب ادّعائهم ـ من معرفة الأصول والقواعد اللغوية والمفاهيم، واستعمالات الألفاظ والمصطلحات والعبارات والصياغات الأدبية لكلّ لغةٍ، وبين جميع الأطياف الفكرية التي تستعمل هذه المفاهيم، كما هو الحال بالنسبة إلى مفردة (الجواز) في العُرْف العام، وفي الفقه، وفي الفلسفة، وفي الحديث، وغير ذلك، حيث يكون لها في كلٍّ منها مفهومٌ مستقلّ؛ ومصطلح (الوجود)، حيث يستعمل في الفلسفة بمعنىً مغايرٍ للمعنى الذي يريده العارف من استعماله له.

يتمّ التعبير عن هذه الظاهرة بـ «اللعبة اللغوية»، التي تمّ التعريف بها للمرّة الأولى من قِبَل الفيلسوف الألماني (فيتغنشتاين). هذا في حين سبق لعلماء الأصول والفقه من الشيعة والسنّة أن اهتمّوا بالقواعد اللغوية قبل ذلك بقرونٍ طويلة. وإن جميع مباحث الألفاظ في هذا العلم ناظرةٌ بنحوٍ من الأنحاء إلى قواعد التحليل اللغوية. فعلى سبيل المثال: عندما يقول الأصولي: إن استعمال الجملة الخبرية، من قبيل: «تعيد الصلاة»، في الإنشاء، بمعنى «أَعِدْ الصلاة»، في الروايات شائعةٌ على نحو المجاز([49]). وفي الحقيقة فإنها في مقام بيان هذه المسألة، وهي أن الأسلوب الغالب والسائد بين أهل البيت^ في بيان الأحكام الإنشائية، حيث يلقونها على شكل الأحكام الخبرية.

كما يجب اعتبار الأدبيّات من أنواع الأبحاث التحليلية اللغوية. من هنا يجب علينا أن نعدّ بعضاً من مباحث العلوم القرآنية ـ التي اعتبرنا أكثرها مرتبطاً أو متداخلاً مع أصول الفقه، من قبيل: أصالة الظهور، وحجيّة ظواهر القرآن، وكذلك جميع المسائل الناظرة إلى أدبيّات القرآن، من قبيل: معاني المفردات، والصَّرْف، والنَّحْو، والمعاني، والبيان، والبديع ـ تابعةً لمنهج التحليل اللغوي.

إن منهج التحليل اللغوي ليس تابعاً للعقل، ولا تابعاً للنقل، بل هو قائمٌ على أساس الوضع والاستعمال.

ويتمّ التعبير عن الوضع والاستعمال في المصطلح اللغوي بـ «الوضع التعييني»، و«الوضع التعيُّني». وكذلك فإن عناوين من قبيل: العُرْف العامّ والعُرْف الخاصّ والوضع اللغوي والوضع الشرعي أو المتشرِّعي ناظرةٌ إليه([50]). من هنا فإن من أهمّ أهداف منهج التحليل اللغوي الوصول إلى هذه الأوضاع والاستعمالات، وإثباتها.

فعلى سبيل المثال: لا بُدَّ من خلال استعمال مفردة «الجواز» في الفلسفة وتعابير الفلاسفة أن نثبت أن هذه المفردة تستعمل في الفلسفة بمعنى «الإمكان»، في مقابل «الوجوب» و«الامتناع». في حين يمكن لنا من خلال استعمال مفردة «الجواز» في الفقه، وأقوال الفقهاء، أن نثبت أن هذه المفردة تستعمل في الفقه بمعنى «الإباحة»، في مقابل «الحرمة». وعلى هذا الأساس فإن مباحث العلوم القرآنية المرتبطة بالأدب، والمرتبطة كذلك بمباحث الألفاظ في أصول الفقه، تابعةٌ لمنهج التحليل اللغوي. فمثلاً: عندما يتمّ الحديث في العلوم القرآنية بشأن معنى وجذور مفردة «القرآن» لا بُدَّ من الرجوع إلى آراء اللغويين، واستعمالات هذه المفردة في اللغة العربية، وفي القرآن والروايات؛ أو إذا كان باحثٌ في العلوم القرآنية بصدد إثبات حجيّة ظواهر القرآن يجب أيضاً من خلال الاستناد إلى منهج التحليل اللغوي الاستعانة بهذه المقدّمات، والقول: إن القرآن في ما يتعلّق بالتفهيم والتفاهم ومخاطبة الناس متناغمٌ مع قواعد الخطاب والتحاور، ومن هذه القواعد الاستناد إلى الظواهر.

5ـ نواقص العلوم القرآنية ــــــ

 إن العلوم القرآنية ـ كما أشَرْنا ـ عبارةٌ عن مجموعة من العلوم المختلفة التي تدور حول محور القرآن، وقد تمّ جمعها؛ لمعرفته وفهمه وتفسيره. وقد بدأت بالظهور منذ القرن الهجري الأوّل، من خلال مسائل محدودة جدّاً. وبعد المرور بكثير من المنعطفات تحوَّلت إلى علم واسع الأبعاد. وقد تحوّل ـ بعد أن كتبت فيه آلاف الكتب، وتمخّض عن الكثير من المفكِّرين والباحثين المدقِّقين ـ إلى علمٍ مستقلّ، يدرَّس ـ إلى جانب علم الحديث ـ في جامعات البلدان الإسلامية أو في دراسات المستشرقين.

وعلى الرغم من الازدهار والتطوّر الملحوظ لهذا العلم تلاحظ فيه بعض النواقص، الأمر الذي يستدعي ضرورة بذل الجهد من قبل المفكِّرين والباحثين في هذا الشأن؛ للعمل على رفع هذه النواقص، والعمل على تحسينها.

وفي ما يلي نكتفي بذكر نقيصتين من هذه النواقص:

أـ ضعف تنظيم مسائل العلوم القرآنية ــــــ

لا يمكن الشكّ في أن السرّ في بقاء واتّساع رقعة العلم يكمن في احتوائه على الاتّساق والتنظيم المنسجم؛ فإن هذا الأمر يسهِّل ويمهِّد الطريق إلى تعليم وتعلُّم ذلك العلم.

فعلى سبيل المثال: إن فقهاء الفريقين منذ اليوم الأوّل قد استلهموا من روايات أئمّة الدين، ورعاية الأولويات في ما يتعلّق بالتعاليم التشريعية للدّين، فبدأوا تدوين كتبهم الفقهية بكتاب الطهارة، وختموها بكتاب الدِّيات.

وهكذا الأمر بالنسبة إلى الأصوليين من الشيعة، حيث قسَّموا مباحث علم الأصول المتنوِّعة إلى قسمين، وهما: مباحث الألفاظ؛ ومباحث الحجّة، وفي كلّ واحدٍ من هذين القسمين تمّ تعقُّب مسائل علم الأصول على أساس نَظْمٍ متناسق. ففي ما يتعلّق بمباحث الحجّة ـ على سبيل المثال ـ يبدأون بمبحث القطع، ثمّ الظنون الخاصّة، لينتقلوا بعد ذلك إلى الأصول العامّة.

وهكذا الكلام والفلسفة تتبع إلى حدودٍ كبيرة أنظمة محدَّدة. تبدأ مباحث الكلام من معرفة الله، وبعد اجتياز النبوّة العامّة والخاصّة، ثمّ الإمامة العامّة والخاصّة، يُختم البحث بالمعاد.

وقد سعَتْ الفلسفة أيضاً إلى بيان مسائلها المتنوِّعة ضمن قسمين رئيسين، وهما: الأمور العامّة (الفسلفة بالمعنى الأعمّ)، وتشمل أحكام الوجود، والماهية، والمقولات العشرة، والعلّة والمعلول، وما إلى ذلك؛ والإلهيات (الفلسفة بالمعنى الأخصّ)، والتي تشمل معرفة المبدأ والمعاد.

أمّا مسائل العلوم القرآنية فهي ـ للأسف الشديد ـ على الرغم من جميع المؤلَّفات المكتوبة فيها لا تتبع تناغماً وتنظيماً محدَّداً.

ففي كتابَيْ البرهان والإتقان ـ كما سبق أن أشرنا ـ يتمّ استعراض سبعة وأربعين بحثاً، وثمانين بحثاً، على التوالي. وأوّل بحثٍ يتناوله كتاب البرهان هو معرفة أسباب النزول، وينتهي ببحث معرفة الأدوات. وأوّل بحثٍ في كتاب الإتقان هو معرفة المكّي والمدني، والبحث الأخير معرفة طبقات المفسِّرين.

وقد سعى السيوطي على المستوى الشخصي إلى تنظيم وتبويب مسائل كتابه، البالغة ثمانين مسألة، ضمن خمسة محاور رئيسة، وهي: 1ـ معرفة نزول القرآن؛        2ـ معرفة السند؛ 3ـ معرفة الأداء؛ 4ـ مباحث الألفاظ؛ 5ـ المعاني المتعلّقة بالأحكام؛      6ـ المعاني المتعلّقة بالألفاظ([51]).

بَيْدَ أن الحقيقة هي أن هذا التبويب والتنظيم مجرّد تحكُّمٍ وتكلُّف، وإن مباحث كتاب الإتقان من التشتُّت بحيث لا يمكن لنا أن نفترض لها تنظيماً محدَّداً.

وقد سعى عبد العظيم الزرقاني ـ وهو من الباحثين المتأخِّرين في العلوم القرآنية ـ إلى تقديم نَسَقٍ وتنظيم جديد لمباحث العلوم القرآنية. فقد عمد، في كتابه مناهل العرفان، إلى بيان مباحث العلوم القرآنية في سبعة عشر بحثاً، على النحو التالي:       1ـ مفاهيم علوم القرآن؛ 2ـ تاريخ علوم القرآن؛ 3ـ نزول القرآن؛ 4ـ أوّل وآخر ما نزل من القرآن؛ 5ـ أسباب النزول؛ 6ـ نزول القرآن على سبعة أحرف؛ 7ـ معرفة المكّي والمدني؛  8ـ جمع القرآن؛ 9ـ ترتيب الآيات والسُّوَر؛ 10ـ كتابة القرآن؛ 11ـ معرفة القراءات؛      12ـ معرفة التفسير والمفسِّرين؛ 13ـ ترجمة القرآن؛ 14ـ معرفة النَّسْخ؛ 15ـ معرفة الُمحْكَم والمتشابِه؛ 16ـ أسلوب القرآن؛ 17ـ إعجاز القرآن.

وقد عمد أستاذنا الشيخ محمد هادي معرفة إلى بيان نَظْمٍ آخر لمباحث العلوم القرآنية، في كتابه التمهيد إلى علوم القرآن، على النحو التالي: 1ـ معرفة الوَحْي؛     2ـ نزول القرآن؛ 3ـ معرفة أسباب النزول؛ 4ـ تاريخ القرآن؛ 5ـ معرفة القراءات؛ 6ـ معرفة الناسخ والمنسوخ؛ 7ـ معرفة الُمحْكَم والمتشابِه؛ 8ـ معرفة إعجاز القرآن.

كما عمد في مجلَّدَيْ كتابه (التفسير والمفسِّرون في ثوبه القَشيب) إلى استعراض وبيان مبحث معرفة التفسير والمفسِّرين. وكما هو ملاحظٌ فإن ترتيب كتابَيْ مناهل العرفان والتمهيد متقارِبٌ إلى حدٍّ ما، ولكنْ لم يقدِّم أيَّ سبب أو دليل على إدراج مبحث معرفة أسباب النزول في الكتاب الأوّل ضمن المبحث الخامس، وفي كتاب التمهيد ضمن المبحث الثالث. ولماذا ورد فصل ومبحث خاصّ بشأن أسلوب القرآن في كتاب مناهل العرفان، ولم يَرِدْ هذا المبحث في كتاب التمهيد؟

ب ـ الضعف في احتواء المباحث ــــــ

إن الإشكال السابق، والمتمثِّل بضعف تنظيم المسائل والمباحث، يبقى قائماً حتّى إذا كانت حدود مسائل العلوم القرآنية معلومةً أيضاً، أي حتّى إذا اتَّفقت كلمة الباحثين في العلوم القرآنية على أن مسائل هذا العلم تحتوي ـ مثل الفقه ـ على إحدى وخمسين مسألة، وكانت هذه المسائل غير مصنَّفة في كتب العلوم القرآنية بشكلٍ منظَّم ومنسجم، وكان ضعف تنظيم المباحث لا يزال قائماً. في حين أنه بالإضافة إلى الضعف في تنظيم المباحث، لم يتمّ تبيين حدود مباحث العلوم القرآنية بشكلٍ جيّد. من هنا لا نرى تنسيقاً من هذه الناحية بين الكتب المؤلَّفة في حقل العلوم القرآنية. فقد اشتمل كتاب البرهان ـ مثلاً ـ على سبعة وأربعين علماً، واحتوى كتاب التحبير والإتقان، للسيوطي، على التوالي، على واحدٍ ومئة علم، وثمانين علماً، ليهبط حجم هذه العلوم في كتاب مناهل العرفان فجأةً إلى سبعة عشر علماً، ويتنزَّل في كتاب التمهيد ـ مع احتساب كتاب التفسير والمفسِّرون في ثوبه القشيب ـ إلى تسعة علوم فقط. فلماذا لا نجد مباحث من قبيل: الكلمات الدخيلة في القرآن، وآداب التلاوة، ومعرفة فضائل وخصائص الآيات والسور القرآنية، ومعرفة الأمثال، ومعرفة الحقيقة والمجاز والكناية، ومعرفة الأشباه والنظائر ـ ممّا هو موجود في كتاب البرهان ـ، في الكتب المتأخِّرة للعلوم القرآنية أيضاً؟! ولماذا تمَّتْ الغفلة من قبل المؤلِّفين في العلوم القرآنية في عصرنا عن المسائل المتعلِّقة بقراءة القرآن، أو قواعد اللَّحْن والقراءة، والمسائل المتعلِّقة بعلم المعاني والبيان والبديع في القرآن، ومعرفة أنواع الآيات، من قبيل: العامّ والخاصّ، والمجْمَل والمبيِّن، وفواصل الآيات، وأعلام القرآن، وخطوط وكتابة المصحف، ممّا كان يشكِّل في السابق جزءاً من مسائل كتاب الإتقان، للسيوطي؟!

فلو لم تكن هذه المسائل داخلةً في عداد سائر أبحاث العلوم القرآنية، ولم يكن لها من دورٍ في معرفة القرآن وفهمه وتفسيره، فلماذا عمد أمثال الزركشي والسيوطي إلى إدراجها في كتبهم، مستلهمين في ذلك الكتب المفردة لمَنْ سبقهم؟! وإذا اعترفنا بأن هذه المسائل هي مثل المحْكَم والمتشابِه ومعرفة القراءات تمثِّل جزءاً أساسياً من مباحث العلوم القرآنية، فلماذا تمّ تجاهلها في كتب المتأخِّرين، دون سببٍ واضح، ولمجرّد أمزجة المؤلِّفين؟!

ومن جهةٍ أخرى: لماذا تمّ تجاهل بعض أهمّ المباحث الداخلة في علوم القرآن، من قبيل: «قواعد وضوابط فهم الآيات وتفسيرها»، و«دراسة أسباب اختلاف المفسِّرين»، و«المناهج والاتجاهات التفسيرية»، و«قواعد التفسير الموضوعي»، وما إلى ذلك من المسائل التي لا تقلّ في أهمّيتها عن المباحث التاريخية، من قبيل: القراءات، والناسخ والمنسوخ ـ إذا لم نقُلْ: إنها أهمّ منها بكثيرٍ ـ، ومع ذلك يتمّ تجاهلها في كتب العلوم القرآنية المتأخِّرة؟!

ومن جهةٍ أخرى ألا يجدر بنا ـ بالالتفات إلى الاتّجاه الراهن نحو المسائل المستحدثة في حقل الكلام الإسلامي، حيث يتمّ توظيف مصطلح الكلام الجديد ـ أن نقدم على الشيء ذاته في ما يتعلَّق بالمسائل المستحدثة في حقل العلوم القرآنية، من قبيل: «القرآن والمستشرقون»، و«الشبهات القرآنيّة»، و«لغة القرآن»، و«الهرمنيوطيقا أو منطق فهم الآيات»، فنؤسِّس لمصطلح «العلوم القرآنية المستَحْدَثة»؟

الهوامش

(*) باحثٌ في العلوم القرآنيّة والحديثيّة.

([1]) يعترف الزرقاني أن مشهور العلماء على أن تاريخ ظهور مصطلح العلوم القرآنية هو القرن الهجري السابع (انظر: عبد العظيم الزرقاني، مناهل العرفان 1: 36).

([2]) وبطبيعة الحال لا بُدَّ من الإقرار بأن مصطلح «علوم القرآن»، في بعض استعمالاته يطلق على التعاليم المنبثقة من صُلْب القرآن. فعلى سبيل المثال: نجد أمين الإسلام الطبرسي يطلق على تفسيره ـ من هذا المنطلق ـ عنوان «مجمع البيان في علوم القرآن». (انظر: مجمع البيان 1: 77).

([3]) عبد العظيم الزرقاني، مناهل القرآن 1: 28، دار الكتب العلميّة، بيروت، 1988م.

([4]) السيد محمد باقر الحكيم، علوم القرآن: 21، مجمع الفكر الإسلامي، ط3، قم المقدّسة، 1417هـ.

([5]) إن نصّ عبارة (كارديه فو) كالتالي: «وتدلّ كلمة تفسير بصفةٍ خاصّة في الإسلام على تفاسير القرآن، وعلى علم التفسير نفسه، الذي يُعرف باسم (علم القرآن والتفسير)، وهو فرعٌ خاصّ هامّ من علم الحديث…». (انظر: دائرة المعارف الإسلامية 1: 347، مقالة «التفسير»).

([6]) انظر: الطبرسي، مجمع البيان في علوم القرآن 1: 97 ـ 98؛ العلاّمة محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 1: 22.

([7]) انظر: آل عمران: 7. وقد تعرَّضت في مقالة: «آية التأويل والراسخون في العلم» إلى دراسة مسهبة بشأن الآراء المختلفة والمتنوّعة بشأن قراءة هذه الآية. (انظر: فصلية بيّنات، العدد 2، عام 1378هـ.ش).

([8]) انظر: محمد رواس قلعجي، معجم لغة الفقهاء: 252، دار النفائس، بيروت؛ أحمد فتح الله، معجم ألفاظ الفقه الجعفري: 236.

([9]) انظر: الشيخ الطوسي، التبيان في تفسير القرآن 1: 3 ـ 21، جماعة المدرّسين، قم المقدّسة، 1413هـ.

([10]) انظر: الطبرسي، مجمع البيان في علوم القرآن، حيث ذكر في مقدّمة تفسيره سبعة أبحاث من مباحث العلوم القرآنية، وهي: 1ـ عدد آيات القرآن؛ 2ـ أسماء مشاهير القرّاء؛ 3ـ مفهوم التفسير والتأويل؛ 4ـ أسماء القرآن؛ 5ـ بيان الإعجاز، واستحالة التحريف، وجمع القرآن؛ 6ـ الروايات الناظرة إلى فضل القرآن، وفضل أهل القرآن؛ 7ـ آداب ومستحبّات تلاوة القرآن. (انظر: مجمع البيان 1: 77 ـ 86).

([11]) انظر: محمد بن حسن الفيض الكاشاني، التفسير الصافي 1: 15 ـ 78، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، 1402هـ.

([12]) انظر: محمد جواد البلاغي النجفي، آلاء الرحمن في تفسير القرآن 1: 2 ـ 49، مكتبة الوجداني، ط2، قم المقدّسة.

([13]) انظر: السيد أبو القاسم الخوئي، البيان في تفسير القرآن: 17 ـ 411، أنوار الهدى، 1401هـ.

([14]) إن الأبحاث المدرجة في مقدمة البيان عبارةٌ عن: فضل القرآن، ووجوه إعجاز القرآن، والقراءات، وحديث الأحرف السبعة، وصيانة القرآن من التحريف، وجمع القرآن، وحجيّة ظواهر القرآن، والنَّسْخ في القرآن، وأصول التفسير، وحدوث القرآن وقِدَمه.

([15]) انظر: القاسمي 1: 11 ـ 197.

([16]) انظر: محمد هادي معرفة، التمهيد في علوم القرآن 1: 7 ـ 8.

([17]) انظر: بدر الدين الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج1، المقدّمة.

([18]) انظر: المصدر السابق: 13.

([19]) انظر: المحقّق محمد كاظم الخراساني، كفاية الأصول 1: 7، كتاب فروشي إسلاميه، طهران، 1409هـ.

([20]) انظر: المصدر السابق: 257.

([21]) ومنها: تاريخ الطبري 2: 294 ـ 295؛ تاريخ اليعقوبي 2: 17 ـ 18؛ الكامل في التاريخ؛ مروج الذهب 2: 282.

([22]) انظر: محمد بن يعقوب الكليني، أصول الكافي 2: 595 فما بعد.

([23]) انظر: العلاّمة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار 89، 1403هـ.

([24]) انظر: الحكيمي، الحياة 2: 67 ـ 185، مكتب نشر الثقافة الإسلامية، طهران، 1371.

([25]) انظر: محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري: 21 ـ 23، دار الفكر، بيروت، 1422هـ.

([26]) انظر: المصدر السابق: 123 ـ 921.

([27]) انظر: المصدر السابق: 787 ـ 920.

([28]) ابن منظور الأفريقي، لسان العرب 1: 19.

([29]) انظر: محمد هادي معرفة، التفسير والمفسِّرون في ثوبه القشيب 1: 361؛ عبد العظيم الزرقاني، مناهل العرفان 1: 399، دار الكتب العلمية، بيروت، 1988م.

([30]) سعد الدين التفتازاني، شرح المقاصد في علم الكلام 1: 6، دار المعارف العُمانية، باكستان، 1401هـ.

([31]) لمعرفة ترتيب السور على أساس نزولها الزمني انظر: محمد هادي معرفة، التفسير والمفسِّرون في ثوبه القشيب 1: 135 ـ 138.

([32]) لمزيدٍ من الاطلاع حول تعاريف وقواعد التفسير الموضوعي انظر: تفسير سورة الحمد: 91؛ پيام قرآن 1: 19؛ زَنْ در آيينه جلال وجمال: 59؛ تفسير ومفسِّران 2: 526؛ مقالة لنا تحت عنوان «مباني ومراحل تفسير موضوعي» المنشورة في فصلية (أنديشه نوين ديني).

([33]) انظر: العلامة محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 1: 58 ـ 89.

([34]) انظر: المصدر السابق 3: 31 ـ 87.

([35]) تحدّث السيوطي في العلم السابع والأربعين والثامن والأربعين عن المُجْمَل والمبيِّن، وفي العلم الثالث والخمسين إلى السابع والخمسين عن أنواع العامّ وتخصيص القرآن، وفي العلم الحادي والستين عن المطْلَق والمقيِّد.

([36]) إن من الكتب التي تحدَّثت عن حجية الظواهر في مباحث العلوم القرآنية كتاب البيان: 263 ـ 272؛ التفسير والمفسِّرون في ثوبه القشيب، ج1.

([37]) انظر: علي نصيري، رابطه متقابل كتاب وسنّت: 130 ـ 139، تحت الطبع من قبل پژوهشگاه فرهنگ وأنديشه إسلامي.

([38]) ما بين المعقوفتين إضافة توضيحية من عندنا (المعرِّب).

([39]) للوقوف على رأي الفقهاء في هذا الشأن، انظر: الانتصار: 147؛ المبسوط 1: 107؛ النهاية: 78؛ السرائر 1: 220؛ المختصر النافع: 31؛ وما إلى ذلك.

([40]) ما بين المعقوفتين إضافة توضيحية من عندنا (المعرِّب).

([41]) تمّ بحث اعتبار أو عدم اعتبار الروايات التفسيرية المأثورة عن الصحابة والتابعين في عموم كتب العلوم القرآنية. انظر على سبيل المثال: البرهان في علوم القرآن 2: 188 ـ 189؛ الإتقان في علوم القرآن 2: 182؛ أصول التفسير وقواعده: 117؛ التفسير والمفسِّرون 1: 95 ـ 96؛ تفسير ومفسِّران 1: 278، 2: 22؛ التفسير الأثري الجامع 1: 98 ـ 119؛ رابطه متقابل كتاب وسنّت: 107 ـ 123.

([42]) قام محمد محمد أبو شهبة بنقد ودراسة هذا النوع من الروايات في كتابه حول الاسرائيليات.

([43]) قال العلاّمة الطباطبائي في هذا الشأن: «…قضيت بأن هذه الفتن والمحن التي غادرت الإسلام والمسلمين لم يستقرّ قرارها إلاّ من طريق اتّباع المتشابِه، وابتغاء تأويل القرآن». (الميزان 3: 42). وقال في موضعٍ آخر: «إنّا نراه يتمسّك به كلّ صاحب مذهب من المذاهب المختلفة بين المسلمين؛ لإثبات مذهبه، وليس إلاّ لوقوع التشابُه في آياته في آياته…». (المصدر السابق: 56).

([44]) لمزيدٍ من التفصيل انظر: جعفر السبحاني، الإلهيّات 1: 69، المركز العلمي للدراسات الإسلامية، قم، 1411هـ.

([45]) انظر: جعفر السبحاني، الإلهيات 1: 78؛ العلاّمة محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 20: 120.

([46]) الكليني، أصول الكافي 1: 92.

([47]) انظر ـ على سبيل المثال ـ: بحار الأنوار 1: 26 (المقدّمة)، حيث قال العلاّمة المجلسي بشأن تحف العقول: «وأكثره في المواعظ والأصول المعلومة التي لا تحتاج فيها إلى سندٍ». وقال الملاّ صالح المازندراني بعد الإذعان بضعف سند الرواية القائلة: «إن هذا العلم عليه قفلٌ، ومفتاحه السؤال»: «ضعف سند هذه الرواية لا ينافي الجزم بصحّة مضمونها؛ لأنه مؤيَّد بالعقل والنقل». ثمّ قال العلامة الشعراني في حاشيته على كلامه: «وكذلك أكثر روايات هذه الأبواب، وإنّما يُطلب السند في المسائل الفرعية المخالفة للأصول والقواعد، التي اختلفت فيها أقوال العلماء، ولا حاجة إلى الإسناد في الأصول، ولا في الفروع، الموافقة للقواعد، ولا في ما قام عليه الإجماع» (شرح أصول الكافي 2: 107).

([48]) انظر: مصطفى مَلَكيان، تاريخ فلسفه عرب 3: 123.

([49]) انظر: محمد رضا المظفَّر، أصول الفقه 1: 114.

([50]) لمزيدٍ من الاطلاع على أقسام الوضع، انظر: مقالات الأصول 1: 69 ـ 70؛ نهاية الأفكار 1: 32؛ منتهى الأصول 1: 16؛ محمد رضا المظفَّر، أصول الفقه 1: 55.

([51]) انظر: جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن 1: 21 ـ 24.