فلسفة الفقه

31 مارس 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬329 زيارة

فلسفة الفقه

قراءةٌ في الهويّة والبِنْية والتأثير

الشيخ أبو القاسم علي دوست(*)

ترجمة: وسيم حيدر

مقدّمة ــــــ

لقد مضى أكثر من عقدٍ من الزمن على تداول مصطلح «فلسفة الفقه» في المحافل العلمية الحوزوية والجامعية في إيران على نحوٍ جادّ، وكُتبت المقالات، وأُلقيت الخطب، وقُدِّمت المقترحات، وعُقدت الاجتماعات، بشأن ماهية فلسفة الفقه، وتاريخها، ومسائلها، وفائدتها، وارتباطها بسائر العلوم الأخرى([1]).

إن الحديث عن فلسفة الفقه ليس حديثاً عن علم مدوَّن ومستقلّ، له بداية ونهاية واضحة، وحقيقة معيّنة إلى جانب العلوم الأخرى، بل هو حديثٌ عن علم في طور التدوين والظهور. لقد أفضَتْ هذه الحقيقة إلى أن يختلف المتكفّلون بالبحث عن فلسفة الفقه فيما بينهم حول مواضع هامّة وأساسية، وبذلك عرّضوا مسار التحقيق إلى الكثير من المشاكل.

وفي ما يلي قائمة بعناوين الموارد التي وقع الاختلاف حولها:

ـ ما هي فلسفة الفقه؟

ـ ما هي مسائل فلسفة الفقه؟

ـ ما هي فائدة فلسفة الفقه؟

ـ ما هو الارتباط القائم بين فلسفة الفقه وسائر العلوم الأخرى، ومنها: أصول الفقه؟

ـ ما هو معنى كلمة «الفلسفة» في مصطلح «فلسفة الفقه»؟

ـ هل هناك تنظيرٌ وتوصية في فلسفة الفقه، أم يتمّ الاقتصار فيها على التوصيف والبيان والتوضيح فقط، ويكون لنا في الحقيقة نظرٌ إلى الماضي والحاضر فقط، وإيكال التنظير وإبداء الآراء إلى علمٍ آخر؟

ـ ما هو موقع البحث في الأساليب والمناهج الفقهية للفقهاء، وتحليل مبادئهم وقواعد آرائهم وتنظيراتهم في فلسفة الفقه؟

أما المشكلة الأخرى في بعض الجهود والمساعي المبذولة (في غير الاختلافات المشار إليها آنفاً) فتكمن في الخوض الواسع في المسائل الذهنية العقيمة، وترك المباحث الضرورية. فعلى سبيل المثال: إن الحديث بشأن «تعريف وتحديد فلسفة الفقه» ومقارنة النظريات المطروحة في هذا الشأن، ونقضها وإبرامها ـ بالالتفات إلى أنه طبقاً لاحتمالٍ وجيه يعتبر عنوان «فلسفة الفقه» عنواناً آليّاً ومشيراً إلى مسائل هامّة تمسّ إليها الحاجة في نظام الاستنباط، ولا يتمّ بحثها في أيّ علم ـ لا يمكن أن يكون بحثاً عينياً نافعاً ومثمراً. وحتّى إذا لم نعتبر عنوان «فلسفة الفقه» عنواناً آليّاً ومشيراً إلى ما تقدّم بيانه([2])، وقلنا بأصالته، ورأيناه ناظراً إلى المباحث التي تشرف على عموم الفقه من الخارج([3])، مع ذلك لا يبدو الحديث الواسع عن تعريف وتحديد «فلسفة الفقه» ـ مثل الحديث الواسع عن تعريف سائر العلوم ـ مبرَّراً؛ لأن إبداء تعريف جامع ومانع لجميع العلوم ـ بل جميع الظواهر ـ أمرٌ في غاية التعقيد والإشكال، بل هو مستحيلٌ! وبطبيعة الحال علينا أن لا نتجاهل واقع أن نوع الجهود المبذولة قد حالفها النجاح من بعض الجهات، وذلك من قبيل: طرح مسائل في هذه الجهود التي لا تبحث عادةً في العلوم التمهيدية للاستنباط والفقه، في حين أن البحث الفنّي والعلمي بشأنها ضروريّ، وإن تجاهلها يضرّ بنظام الاستنباط.

أرى أن الجهة المذكورة تمثِّل خطوة كبيرة في إطار خدمة الفقه وتكامل نظام الاستنباط، ومن هذه الناحية لا بُدَّ من تقدير الجهود المبذولة وأمثالها، والعمل على تشجيع المتصدّين في هذا المجال ودعمهم.

وعلى أيّ حال سنواصل البحث بشأن «فلسفة الفقه» عبر عدّة محاور:

1ـ ماهية فلسفة الفقه ــــــ

ذكروا في بيان ماهية الفقه تعاريف، من قبيل:

أـ «إن فلسفة الفقه عبارةٌ عن المسائل التي تبحث في شمولية الفقه، وتجيب عن تلك المجموعة من المسائل الأساسية التي تواجه الفقه، وهي المسائل التي تدرس مسار عمل الفقه في حقلين: أحدهما: الفقه بأكمله؛ والآخر: عمل الفقيه»([4]).

ب ـ «إن فلسفة الفقه عبارة عن التفكير بشأن المباني والأهداف، ومصادر الأحكام، وتمهيد النظريات العامّة حول منهج التحقيق والتفسير»([5]).

ج ـ «إن فلسفة الفقه ـ بوصفها واحدة من الفلسفات المضافة والعلوم من الدرجة الثانية ـ تبحث عن المباني النظرية والتحليلية بشأن الفقه، وتعمل على تنقيح مبادئه التصورية والتصديقية والمنهجية. وبعبارةٍ أخرى: إن فلسفة الفقه أو معرفة علم الفقه علمٌ يقوم ـ بوصفه علماً ناظراً ـ بالنظر إلى الفقه، ويعمل على تحقيق موضوع علم الفقه ومحموله ومسائله ومبادئه ومقدّماته وغاياته والأساليب المعرفية للفقه، وارتباطه بسائر العلوم والظواهر الأخرى. وكذلك بعبارةٍ أدقّ: إن فلسفة الفقه علمٌ يبحث في المباني النظرية للفقه بوصفه مجموعةً من القضايا التي يكون موضوعها فعل المكلَّف، ومحمولها الأحكام التكليفية والوضعية»([6]).

د ـ «إن فلسفة الفقه علمٌ تقريري يبحث في ماهية ووجود ومبادئ وأطراف وغايات الفقه»([7]).

هـ ـ «إن فلسفة علم الفقه([8]) تجيب عن السؤال عن ماهيّة علم الفقه. وفي الحقيقة هي تعمل على علم الفقه؛ لتبين لنا طبيعة نسيج هذا العلم وماهيّته. وبعبارةٍ أخرى: إن تاريخ وفلسفة علم الفقه مرآةٌ عاكسة لحقيقة علم الفقه»([9]).

و ـ «إن فلسفة الفقه عبارةٌ عن مجموعة من الأفكار النظرية والتحليلية في باب علم الفقه، كما أن فلسفة مجموعة من الأفكار النظرية والتحليلية في حقل الرياضيات»([10]).

 

نقد وتحليل هذه التعاريف ــــــ

رغم أني ـ بسبب ما ذكرته في المقدّمة ـ لست هنا في وارد النقد والبحث التفصيلي لهذه التعاريف ـ ولا سيَّما إذا أخذنا بنظر الاعتبار بعض المؤلَّفات التي تكفّلت بهذا الأمر وبحثته بشكلٍ جامع نسبياً ـ، إلاّ أنني أرى نفسي مضطراً إلى التذكير ببعض الأمور؛ تمهيداً لنقد وتحليل هذه التعاريف؛ للوصول إلى بيان الرأي المختار.

1ـ إن رسم حقلين لفلسفة الفقه في التعريف الأول، وهما: «مجموع الفقه»؛ و«عمل الفقيه»، من الأمور الغامضة والمبهمة في هذا التعريف! فليس من الواضح ـ من خلال الفهم الخاص المتبلور لدى القائل بهذا التعريف عن الفقه، ويراه منفصلاً عن عمل الفقيه ـ كيف أدخل «المسائل الواردة في دراسة آليّة الفقه في حقل عمل الفقيه» ضمن فلسفة الفقه؟! ونحن في الأساس لا نرى مفهوماً واضحاً للعبارة القائلة: «المسائل التي تبحث مسار الفقه في حقلين: مجموع الفلسفة؛ وعمل الفقيه»!

2ـ تمّ تفسير فلسفة الفقه في التعريف الثاني بـ «التفكير»، وفي التعريف السادس بأنها «مجموعة من التأمُّلات النظرية والتحليلية في باب علم الفقه»، في حين أنه من الواضح أن فلسفة الفقه بوصفها علماً هي غير التأمّل والتفكير، كما أن فلسفة الرياضيات وسائر الفلسفات المضافة ـ ما لم ينظر إليها بوصفها علماً ـ لا ينبغي تفسيرها بالتفكير والتأمُّل. والملفت أن التعريف الأول والتعريف الثاني لفلسفة الفقه كلاهما لقائلٍ واحد، من هنا يجب علينا أن نسأل هذا القائل: هل فلسفة الفقه من سنخ المسائل (التعريف الأول) أم من سنخ التفكير (التعريف الثاني)؟! وبالتالي عليه أن يحسم أمره، وأن يختار إمّا التعريف الأول؛ وإما التعريف الثاني.

3ـ أما التعريف الثالث لفلسفة الفقه فعلى الرغم من تأكيده على إشراف فلسفة الفقه، واعتبارها من العلوم من الدرجة الثانية، وبذلك يكون هذا التعريف على الطريق الصحيح، إلاّ أن اعتباره فلسفة الفقه متكفّلة بالتحقيق في «موضوع الفقه ومحموله ومسائله ومبادئه ومقدّماته وغاياته وطرقه وأساليبه المعرفية» يضعه في عين الإشكال. فهل فلسفة الفقه تتكفّل بتحقيق مسائل الفقه؟! ليس هناك علمٌ يتكفل بتحقيق مسائل علمٍ آخر؛ فإن التحقيق في مسائل كلّ علمٍ يُلقى على عاتق ذلك العلم حصراً.

والإشكال الآخر الذي يواجه هذا التعريف يكمن في تأكيده على تفسير «الفقه» بوصفه مجموعة من القضايا التي يكون موضوعها فعل المكلَّف، ومحمولها الأحكام التكليفية والوضعية([11]).

4ـ إن تفسير فلسفة الفقه بأنها علمٌ تقريري يبحث في ماهية ووجود ومبادئ وطرق وغايات منظومة الفقه، على ما جاء في التعريف الرابع، إنما يقوم ـ من وجهة نظرنا ـ على أساس الرؤية الخاصّة التي يحملها هذا القائل تجاه الفلسفات المضافة، ومنها: فلسفة الفقه، حيث يفرغ هذا السنخ من العلوم من التنظير، ومع الاعتقاد بأن الفلسفة المضافة تستطيع أن تتكفَّل بالتنظير في علمها الخاص([12]) لا يكون هناك وجهٌ لهذا الحصر (حصر العلم بكونه تقريرياً).

ثمّ إن تكفّل فلسفة الفقه بالبحث في وجود وطرق الفقه لا نرى له مفهوماً واضحاً بمعزل عن التحقيق في مورد ماهيته ومبادئه الواردة في هذا التفسير أيضاً!

5ـ إن القول بتساوق فلسفة الفقه مع فلسفة علم الفقه، الذي ذهب إليه القائل بالتعريف الخامس، لا يخلو من الإشكال، ويمكن القول به على أساس احتمال في فلسفة الفقه على ما ستأتي الإشارة إليه في هذا المقال لاحقاً.

كما يكمن الإشكال الآخر على هذا التعريف (الخامس لفلسفة الفقه) في الغموض الذي تشتمل عليه التعابير الواردة فيه.

6ـ لا شَكَّ في أن أكثر تعاريف فلسفة الفقه ضَعْفاً ـ من بين التعاريف المتقدّمة ـ هو التعريف الثاني والسادس؛ حيث ذهبا إلى تعريف فلسفة الفقه ـ بوصفها علماً ـ بأنها مجموعة من التأمُّلات والأفكار. فالقائل بالتعريف السادس يرى فلسفة الفقه جزءاً من علم الأصول([13])، في حين أن تفسير علم الأصول بالتأمُّل والتفكير لا هو صحيحٌ، ولا نجد قائلاً به! من هنا لم يكن ما ذهب إليه صاحب هذا التعريف من القول بأن فلسفة الفقه عبارةٌ عن «مجموعة من المباحث النظرية والتحليلية التي نحصل عليها من خلال دراسة الفقه معرفياً»([14]) أمراً اعتباطياً.

 

التحقيق  والرأي المختارــــــ

يتمّ بيان ماهية العلم وتعريفه عادة من خلال البحث في موضوعه أو محمولاته ومسائله أو الغرض والغاية من تأسيسه وتدوينه. فعلى سبيل المثال: يتمّ تعريف علم الأصول أحياناً من خلال موضوعه (وهي الأدلّة الأربعة: القرآن، والسنّة المعتبرة، والعقل، والإجماع، أو كل ما يصلح أن يكون مستنداً في استنباط الأحكام)، وبذلك يميِّزونه من سائر العلوم الأخرى، فيقال في تعريفه مثلاً: «علمٌ يبحث فيه عن العوارض الذاتية للأدلة الأربعة، مطلقاً أو بقيد الدليل([15])»([16]).

وأحياناً يعرِّفونه من طريق بيان مسائله، وهذا بدوره يتمّ من خلال طريقين:

1ـ من طريق بيان المسائل الجزئية والمتعدّدة.

2ـ من طريق بيان المسائل الكلّية والعامة.

ويمكن اعتبار تعريف أصول الفقه بأنه «علمٌ يبحث فيه عن القواعد التمهيدية لتحصيل الحجّة على الحكم الشرعي»([17]) من هذا القبيل.

كما أن معرفة وتعريف ماهية أصول الفقه من طريق بيان غايته أو الفائدة المترتّبة عليه أسلوبٌ آخر ينتهجه علماء أصول الفقه لتعريف هذا العلم أيضاً.

ويمكن أن يكون تعريف هذا العلم بأنه «صناعة تستعمل في استنباط الأحكام، أو رفع الحيرة في مقام العمل»([18]) من هذا القبيل.

إن الاستفادة من هذا الأسلوب تصلح ـ غالباً ـ في مورد العلوم التي بلغت مرحلة الظهور والاستقرار والتمكُّن. وهي العلوم التي يكون لدى المتخصّصين فيها صورة واضحة عن هويتها، رغم إمكان حدوث الاختلاف بينهم في بيان ماهيّتها. ويتّفقون إلى حدٍّ كبير على تعيين بدايتها ونهايتها.

أما الأسلوب والطريقة الأخرى التي يمكن توظيفها لفهم وتعريف علمٍ ما فهو العمل على تشريح ألفاظه، أو ألفاظ العنوان المشير له، مع مقارنته بسائر العلوم المشابهة له. وتستعمل هذه الطريقة ـ غالباً ـ في العلوم من الدرجة الثانية، والناظرة إلى علمٍ آخر. فعلى سبيل المثال: قام البعض بمقارنة «فلسفة الفقه» إلى بعض الفلسفات المضافة؛ لبيان ماهيتها([19]).

كما أن تفسير لفظ أو ألفاظ مستعملة في عنوان علمٍ ما، والالتفات إلى المفهوم الخاصّ لتلك الألفاظ ـ بغضّ النظر عن مقارنتها بألفاظ العلوم الأخرى، كما كان هو الشأن بالنسبة إلى الأسلوب السابق ـ، طريقةٌ أخرى تنفع في تعريف علمٍ ما. وقد تمّ استعمال هذا الأسلوب في بيان الآثار التي تمّ عرضها حتّى الآن في تبيين «فلسفة الفقه» بكثرة.

والطريق الآخر الذي يستعمل في بيان العلوم في طور التكوين والإنتاج هو الاهتمام بالفراغ والخلأ الذي يمكن لتأسيس وتدوين العلم المنشود أن يتدراكه. والذي يحصل بالنسبة للعلم في هذا الأسلوب ـ حتّى قبل اختيار عنوانٍ لها ـ هو تصوُّر موارد الفراغ والخلأ الموجود في هذه العلوم، والعمل على وضع هذه الأنواع من الفراغ ـ بسبب الارتباط الموجود فيما بينها ـ إلى جوار بعضها؛ لتشكيل مسائل العلوم التي هي على وشك التبلور والظهور. وحيث سيكون لهذه المسائل ـ غالباً، بل دائماً ـ محورٌ أو محاور محدّدة فإن ذلك المحور أو تلك المحاور ستكون «موضوعاً» لذلك العلم، وإن إيضاح تلك المسائل، ورفع النواقص، وملء الفراغات المنشودة، سيكون بمنزلة «الغاية» و«الثمرة» لذلك العلم، وهنا يتبلور عندنا علمٌ جديد!

إن اختلاف هذا الأسلوب عن الأسلوبين الثاني والثالث من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى توضيح. وأما اختلافه عن الأسلوب الأوّل فيكمن في أن مفسِّر العلم في الأسلوب الأول يواجه علماً متحقّقاً، ويسعى في تفسيره إلى العثور على الموضوع أو الموضوعات، وبيان مسائله وتوضيحها وتوصيفها، كما يبحث عن الغايات والنتائج المترتّبة على ذلك العلم، في حين أن المحقّق في هذا الأسلوب يسعى إلى تدوين مسائل يؤدّي ترتيبها وتنسيقها وبحثها مجموعة إلى تحقّق غاية يسعى إليها. وبالتالي سيظهر عندنا علمٌ جديد له مسائله وموضوعه وغايته المحدّدة، كما هو الشأن بالنسبة إلى سائر العلوم المتحقّقة.

إن ما تقدّم يُثبت أن تصوير فلسفة الفقه قبل تعيين الأساليب والمناهج التي تقدّمت الإشارة إليها ليس صحيحاً! فعلى المتكفِّل ببيان ماهية الفقه أن يعمل ـ قبل كلّ شيء ـ على بيان المنهج الذي يتّبعه في هذا البحث، وأن يلتزم بلوازمه، ويحكم على أساسه. فعلى سبيل المثال: إن المحقّق الذي ينتهج الأسلوب الأخير في بيان ماهية فلسفة الفقه (وتعيين مسائلها)، ويضع الكثير من المسائل ـ التي يتوقّف الاجتهاد الجامع والتقني على حلِّها، ولم يتمّ بحثها في أيّ علمٍ من العلوم ـ بوصفها من المسائل التي يمكن بحثها في فلسفة الفقه، ويضع لها تعريفاً متناسباً مع هذا المنهج([20])، لا ينبغي الإشكال على ما يقوم به من خلال مقارنة فلسفة الفقه بسائر العلوم الناظرة والفلسفات المضافة.

وفي الحقيقة إن مثل هذا المحقّق يرى فلسفة الفقه عنواناً آليّاً ومشيراً إلى المسائل الضرورية والمرتبطة ببعضها، ولكنّها غير ظاهرة للعيان، ولم تحظَ بالاهتمام، ولذلك يجب بحثها خلف كواليس هذا العلم؛ كي يتمّ تدارك نواقصه في إطار تكامل الفقه والاجتهاد. في حين أن المحقّق في المنهج والأسلوب الثاني([21]) عليه أن يلاحظ المسائل المطروحة في الفلسفات المضافة ضمن تشريح المفردات والكلمات المستعملة في العنوان، وأن يقدِّم في ذلك الإطار تعريفاً لفلسفة الفقه. ومن الواضح أن للأسلوب والمنهج الثالث اقتضاءً آخر مغايراً لاقتضاء المنهج الثاني والرابع، وليس من اللازم الالتفات في هذا المنهج إلى سائر العلوم الناظرة، بل لا بُدَّ من دراسة الألفاظ والمفردات المستعملة في عنوان العلم بدقّةٍ، وتقديم تعريف للعلم المنشود على أساسها، حيث نرى هذا الأمر في التعاريف التي تمّ تقديمها عن فلسفة الفقه ـ والتي انعكست في الوثائق المكتوبة التي أشرنا لها في ما تقدَّم ـ بكثرةٍ.

نواصل البحث من خلال بيان الضرورات الملحوظة في عرض تعريف «فلسفة الفقه» على أساس الأساليب والمناهج المتقدِّمة، باستثناء الأسلوب الأوّل المنسجم مع العلوم المدوّنة والمتحقّقة.

ماهية «فلسفة الفقه» على أساس المقارنة ــــــ

في هذه الرؤية يتم تعريف «فلسفة الفقه» على أساس تفسير المفردات، ومن خلال التقيّد بمقارنة هذا العلم بسائر العلوم الناظرة، وعليه لا بُدَّ من تفسير كلمتَيْ «الفلسفة» و«الفقه»، والعمل على بيان ماهيّة هذه الفلسفة من خلال النظر إلى سائر العلوم الناظرة ومن الدرجة الثانية.

بيان كلمة «الفلسفة» ــــــ

إن المعنى الشائع والسائد الذي نفهمه من كلمة «الفلسفة»، دون إضافة أيّ شيء آخر، هو أنها تعني «العلم الذي يبحث عن حقيقة الوجود»([22]). ولكنْ هل هذا المعنى (أي البحث عن الوجود) يجب أن يُلحَظ في الفلسفات المضافة أيضاً؟ في هذه الحالة يجدر بالعلوم التي تحمل عنوان الفلسفة المضافة أن تبحث عن وجود وحقيقة المضاف إليها ضرورة، وتعيين مسائله من خلال هذه الرؤية.

وبطبيعة الحال إن عموم الذين بحثوا في «فلسفة الفقه» في قطرنا، وقدَّموا لها تعريفاً، يصرُّون على القول بأن هذه الكلمة من المشترك اللفظي، وأن مفهومها عند الإضافة غير استعمالها عند عدم الإضافة([23]). من هنا فإن هؤلاء لا يرَوْن لزاماً على فلسفة الفقه أن تبحث في خصوص حقيقة وماهية الفقه فقط، وقد طبَّقوا مقتضيات رؤيتهم في معرض بيان ماهية الفقه ومسائله.

إن الاعتقاد بوجود التفاوت والاختلاف المفهومي بين الفلسفة المطلقة والفلسفة المضافة قد دعا البعض ـ في ما يتعلّق بفلسفة الفقه وسائر الفلسفات المضافة ـ إلى القول بضرورة التقيّد بالأسس والقواعد الحاكمة على الموضوع (أي المضاف إليه في الفلسفات المضافة)([24])، في حين لا وجود لمثل هذا التقيّد في الفلسفة المطلقة.

إن هذه الرؤية إلى معنى ومفهوم الفلسفة المضافة قد أدّى إلى قبول التوصية والتنظير والبحث عن الضرورات في الفلسفات المضافة (بالإضافة إلى الرؤية التاريخية والتوصيفيّة والحكاية عن الكينونات) أيضاً، مع أن مقتضى الفلسفة المطلقة وغير المضافة ليس كذلك، بعد أن كان المسموح فيها هو بيان الكينونات فقط.

تمعّن في العبارة التالية التي تؤكِّد على ما تقدّم: «إن الفلسفات المضافة علومٌ تبحث في الأسس والقواعد النظرية والتحليلية للظواهر برؤية من الدرجة الثانية، ورؤية تاريخية، وتحدّد أنحاءها التي هي من نوع الوصف والتوصية، أعمّ من أن تكون تلك الظواهر من سنخ العلوم، من قبيل: فلسفة الفيزياء، وفلسفة العلوم الاجتماعية، وفلسفة علم الأخلاق، وفلسفة الحقوق، أو أن لا تكون من سنخ العلوم، من قبيل: فلسفة اللغة، وفلسفة الفن.

والجدير بالاهتمام هو أنه لا ينبغي لنا أن نعتبر مصطلح الفلسفة في الفلسفات المضافة هو نفسه مصطلح الفلسفة في الفلسفة المطلقة، بمعنى الميتافيزيقا ومعرفة الوجود، والقول بوجود أحكام وخصائص واحدة بالنسبة إليهما؛ فإن الفلسفات المضافة تهتمّ ـ من موقعها بوصفها علوماً من الدرجة الثانية ـ بالتأمُّلات النظرية والعقلانية بشأن الظواهر العلمية أو غير العلمية. وعلى هذا الأساس يجب أن تتناغم الفلسفة المضافة مع القواعد الحاكمة على الموضوع والمضاف إليها، وتتقيّد بها، بمعنى أن فلسفة الفقه ـ خلافاً للفلسفة المطلقة والميتافيزيقية، التي تعمل على بيان أحكام وعوارض الموجود بما هو موجودٌ بشكلٍ حيادي، بعيداً عن الأحكام المسبقة ـ عليها أن تتقيَّد بالقواعد الحاكمة على القضايا الفقهية وأنشطة الفقهاء.

والشيء الآخر الذي يجب الالتفات إليه هو أن فلاسفة الفقه عليهم أن لا ينظروا إلى المضاف إليهم نظرةً تاريخية فقط، بل عليهم أن يدرسوا الحوادث الفقهية في المراحل السابقة بحيث تكون ناجعة ومفيدة في اكتشاف المعايير والملاكات الواقعية وأنحاء التوصية»([25]).

وبطبيعة الحال فإن ما تقدَّم ذكره ليس مورد اتفاق بين جميع الذين بحثوا في ماهيّة فلسفة الفقه. من هنا فقد أكَّد بعض المتكفِّلين بهذا البحث على وجود وحضور الخواص الثلاثة للفلسفة المطلقة، وهي: (معرفة الوجود؛ والحرّية وعدم اتخاذ أيّ موقفٍ مسبق؛ والتقيّد بالبحث والرؤية التاريخية البحتة من دون توصيةٍ أو تنظير) في الفلسفات المضافة. انظر إلى هذه العبارات القائلة:

ـ «إن المسألة إنما تكون مسألة فلسفية إذا كانت تروم الإجابة عن السؤال بشأن «الماهية». في حين أننا إذا تحدّثنا عن فلسفة الفقه يجب القول: إن فلسفة الفقه تروم الإجابة عن السؤال القائل: «ما هو علم الفقه؟»»([26]).

ـ «إن فلسفة الفقه تحمل معها صفة التحرُّر التي تتمتَّع بها الفلسفة. فكما تعمل الفلسفة على مناقشة ونقد المتبنيات والأحكام الثابتة في العلوم الأخرى، كذلك تعمل فلسفة الفقه على مناقشة ونقد الأحكام والفرضيات الثابتة للفقه، بل وحتّى علم الأصول وعلم الرجال أيضاً»([27]).

ـ «لا يمكن في فلسفة علم الفقه إبداء الأحكام على شكل قواعد معيارية. فإذا قلنا في بيان الحدود القائمة بين الفقة والأعراف والتقاليد: هذه هي حدود الفقه، وهذه هي حدود العُرْف، وهنا يجب أن يتدخّل الفقه، وهنا يجب أن يتدخّل العُرْف، كان هذا منا إفتاءً. هذه قاعدة معيارية. والحديث على نحوٍ معياري ليس من الفلسفة في شيءٍ، بل هو حديث معياري وحقوقي وفقهي. عليكم الالتفات إلى أنّكم إذا أردتم القيام بتحقيق منهجي يجب عليكم عدم الغفلة عن منهج العمل وأسلوبه»([28]).

يبدو أن الذين سعَوْا إلى بيان ماهية «فلسفة الفقه» ـ انطلاقاً من هذه الرؤية (معرفة معاني الكلمات المستعملة في عنوان «فلسفة الفقه» من خلال التقيّد بمقارنتها بسائر الفلسفات المضافة) ـ عليهم ـ في معرض تفسير كلمة «الفلسفة» في فلسفة الفقه، وفي حلّ الاختلافات الموجودة في ماهية فلسفة الفقه، التي تمّت الإشارة إليها في النص المشار إليه ـ أن يأخذوا بنظر الاعتبار تعاريف سائر الفلسفات المضافة المدوّنة والمتعيّنة. والعمل على حلّ الخلافات المتقدّمة، وأن يقدِّموا لفلسفة الفقه تعريفاً مناسباً لماهية سائر الفلسفات المضافة الأخرى.

وبطبيعة الحال فإنّ هذه التوصية وهذا الإلزام إنّما يقوم على فرض إمكانية الوصول إلى قرارٍ معيّن بشأن الفلسفات المضافة المتبلورة والمتكوّنة، في حين أن الذي يتّضح لنا ـ من خلال دراسة الكتب والأبحاث المنجزة بشأن موضوعات من قبيل: فلسفة العلم، وفلسفة الحقوق، وفلسفة اللغة ـ أن الاختلافات التي تقدَّم ذكرها موجودةٌ حتّى في فلسفة الفقه ـ أو على نحو أشدّ في سائر العلوم الناظرة والفلسفات المضافة ـ أيضاً.

بيان كلمة «الفقه» ــــــ

لقد فسّر «الفقه» من قبل علماء اللغة بأنه «مطلق الفهم والعلم والإدراك»([29]). هذا وقد قام بعض اللغويين بتضييق الدائرة المفهومية لهذه الكلمة، وتخصيصها بـ «العلم الخاصّ بالدين»([30])، أو «العلم الحاصل بالتفكير والتدبُّر»([31]).

وربما أمكن اعتبار سبب عدم استعمال هذه الكلمة في حقّ الله تعالى شاهداً على التضييق الأخير لمفهومها؛ إذ لا معنى للتفكير والتأمُّل في الذات الإلهية المقدَّسة([32]).

لم يستعمل القرآن الكريم مفردة الفقه بصيغتها، ولكنّه أكثر من استعمال مشتقّاتها. وفي جميع هذه الاستعمالات أريد من هذه الكلمة المعنى اللغوي (الذي هو مطلق الفهم، أو الفهم المقرون بالتدبُّر والتأمُّل)([33]).

لقد شهدت هذه الكلمة تضييقاً معنوياً في حاضنتها الدينية عبر المراحل التاريخية، حيث خرجت في المرحلة الأولى من عمومها، وأخذت تُستعمل في معنى «العلم بالشريعة»([34]).

إن «الفقه» في هذا الاستعمال يرادف «العلم وفهم دين الإسلام»([35])، و«الفقيه» يعني «الشخص العالم بمجموع الدين». وإن في التعبير بـ «الفقه الأكبر» تذكيراً بهذا الاستعمال.

وفي المرحلة اللاحقة واجهت هذه الكلمة تضييقاً آخر في الاستعمال، حيث أخذت تُستعمل في معنى «العلم بالحلال والحرام والأحكام العملية والاعتبارية لدين الإسلام». وإن التعبير بـ «الفروع الفقهية» في قبال «أصول العقائد» و«الفقه الأصغر» تذكيرٌ بهذا الاستعمال.

قال ابن فارس: «كلّ علم بشيء فهو فقهٌ… ثمّ اختصّ بذلك علم الشريعة، فقيل لكل عالم بالحلال والحرام: فقيهٌ»([36]).

إن لفظ «الفقه» في هذا الاستعمال وإنْ كان مقيَّداً من جهتين، إلاّ أنه حيث يشمل العلم بالحلال والحرام بشكلٍ مطلق ـ من طريق الاجتهاد أو التقليد ـ يكون عامّاً، ولا يختصّ بالعلم الحاصل من الاجتهاد فقط، ومن هنا سيكون إطلاق الفقيه على الذي يحفظ المسائل ـ رغم افتقاره لمَلَكة الاستنباط ـ صحيحاً([37]).

تطلق هذه الكلمة في المصطلح المعاصر على مجموع المسائل الكاشفة عن الحلال والحرام وسائر الاعتبارات الإلهيّة الأخرى([38])، وهي المسائل التي يستنبطها الفقيه بالسعي والاجتهاد من المصادر والمستندات المعتبرة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا يدور حول معرفة مفهوم «الفقه» في مصطلح «فلسفة الفقه». وقد قيل في هذا الشأن: «إن فلسفة الفقه مصطلحٌ مركّب من كلمتين هما: «الفلسفة»؛ و«الفقه». وإن كلمة «الفقه» من هاتين الكلمتين مفردةٌ تتمتَّع بالمعنى الاصطلاحي الواضح والفاقد للإبهام والغموض»([39]).

وهناك مَنْ طرح احتمالين بشأن هذه الكلمة، وقال: «إن «الفقه» عبارةٌ عن مجموعة من القضايا التي يكون موضوعها فعل المكلَّف، ومحمولها عبارة عن الأحكام بنحو الاقتضاء والتخيير، الذي هو التعريف العادي للفقه، أي إنه مجموعةٌ من القضايا، وعلى حدّ تعبير الغربيين (a body of preposition). وهذا يمثِّل أسلوباً من النظر إلى العلم. في معرض الجواب عن السؤال القائل: (ما هي الرياضيات؟) نعمل على بيان مجموعة من القضايا، ونقول: (هذه هي الرياضيات). وكذلك في الجواب عن السؤال القائل: (ما هي الفلسفة؟) نطرح عدداً من القضايا، ونقول: (هذه هي الفلسفة). وهذا يمثِّل نوعاً من الرؤية إلى العلم (a body of knowledge) أو (a body of preposition).

أما الطريقة الأخرى في النظر إلى العلم فهي أن نعمد إلى تسمية نشاط العلماء علماً، بمعنى القول: إن العلم هو مجموع نشاط العلماء، ولا يلزم من ذلك محذور الدَّوْر؛ لأننا في هذا إنما نشير إلى مجموع نشاط العلماء (البحوث التي يتداولونها، والحوارات التي يتمّ تبادلها فيما بينهم، والردود والإثباتات التي يقومون بها، والمناقشات والمناظرات التي يعقدونها)، ونطلق على مجموع ذلك تسمية العلم. فالعلم هو مجموع نشاط العلماء، وليس مجرَّد الـ (a body of preposition)؛ فإن العلم هنا يطرح على شكل نشاط (activity).

وهذا الكلام بعينه يرد في مورد الفقه أيضاً. فما هي الزاوية التي يتمّ فيها بحث «الفقه» في «فلسفة الفقه»؟ هل يبحث الفقه بوصفه مجموعة من القضايا، أم بوصفه نشاطاً جماعياً للفقهاء؟ هل هناك مجموعةٌ من القضايا نسعى وراء البحث عن فلسفتها، بمعنى أن هناك سلسلة من الأبحاث النظرية التي تدور حول هذه المجموعة من القضايا ـ مثل: فلسفة الرياضيات، بوصفها مجموعة من القضايا ـ أم أننا نسعى وراء فلسفة نشاط الفقهاء للتعرُّف على الأمور المرتبطة بها أو الأشياء التي تؤثِّر فيها؟ وفي هذه الحالة يمكن للكثير من الأمور المعاشية أن تكون مؤثِّرة في هذا العلم بهذا المعنى الثاني، دون العلم بالمعنى الأوّل، بمعنى مجموع القضايا»([40]).

نرى أن مفهوم «الفقه» وإنْ كان واضح المفهوم وفاقداً للغموض عندما يكون مفرداً، إلاّ أنه يفقد هذا الوضوح عندما يُستعمل ضمن عبارة «فلسفة الفقه» المركَّبة! كما أن إطلاق «الفقه» على «نشاط الفقهاء الجماعي»، الوارد في كلام القائل الثاني، غير متداول بين العُرْف، ولا سيَّما إذا كان هذا القائل ـ كما يقتضيه كلامه ـ يريد تفسير «الفقه»، لا أن يراه مجرَّد مشير إلى ما يسعى إليه فيلسوف الفقه.

والذي يبدو مطابقاً للتحقيق هو أن كلمة «الفقه» في مصطلح «فلسفة الفقه» يمكن تفسيرها بواحدٍ من الوجوه التالية:

1ـ أن يتمّ تفسير كلمة «الفقه» بمعنى الشريعة، أي المجعولات والاعتبارات الإلهية([41]) (الأحكام). ومن الواضح أن «الفقه» في هذا التفسير ليس من سنخ العلم بمعنى الإدراك والفهم، وإنْ كان من سنخ العلوم بمعنى مجموع المسائل والقضايا.

2ـ أن يُفسّر «الفقه» بوصفه مجموعة من القضايا التي هي حصيلة جهود المجتهد، والتي يتمّ البحث عنها بدافع الكشف عن الشريعة والأحكام. فعلى سبيل المثال: إن الوجه في تسمية رسائل المراجع، أو كتاب جواهر الكلام، و كتاب مسالك الأفهام، نصوصاً فقهية، يعود إلى اشتمالها على مجموعة من القضايا التي توصَّل إليها المجتهد والمؤلِّف من خلال سعيه واجتهاده. كما أن «الفقه» في هذا التفسير لا يُطْرَح بوصفه علماً بمعنى الفهم والإدراك، وإنْ وقع متعلّقاً للعلم، ويكون هناك استعمال لـ «علم الفقه» أو «العلم بالفقه».

3ـ أن يُفسّر «الفقه» بوصفه عملية استنباط واجتهاد يقوم بها الفقيه، حيث يستخرج الأحكام من المصادر المعتبرة عنده([42]). ويمكن تفسير كلمة «الفقه» في «أصول الفقه» بهذا الوجه؛ لأن أصول الفقه عبارةٌ عن القواعد والأصول التي تمّ وضعها لتنظيم عملية الاستنباط. كما أنه عندما يُقال مثلاً: «فقه الإمامية»، أو «فقه هذا الفقيه»، يُراد من كلمة «الفقه» ـ في الغالب ـ هذا المعنى والمفهوم.

بعد هذا الإيضاح يطرح هذا السؤال الجوهري نفسه: ما معنى الفقه في مصطلح «فلسفة الفقه»؟ وطبقاً لأيّ وجهٍ يجب تعريفه؟

إن موضوع فلسفة الفقه طبقاً للتعريف الأوّل لـ «الفقه» عبارةٌ عن: الشريعة والأحكام الإلهية التي تمثّل جانباً من حقيقة الدين النازل على النبيّ الأكرم|، وإن فلسفة الفقه هي العلم الناظر إلى الشريعة. ومن الطبيعي أن تكون القضايا التي تؤخذ بنظر الاعتبار بوصفها من مسائل فلسفة الفقه ـ بوصفها علماً ـ يجب أن تكون بأجمعها مرتبطة بالشريعة. وفي هذه الحالة تكون فلسفة الفقه جزءاً من فلسفة الدين؛ لأن علاقة الشريعة ـ بمعنى الأحكام والتعاليم الإلهية ـ بالدين هي علاقة الأخصّ بالأعمّ.

وطبقاً للتعريف الثاني للفقه يكون موضوع فلسفة الفقه عبارةً عن: «استنباطات الفقهاء ونظرياتهم الفقهية»، وفلسفة الفقه تتكفَّل بالمسائل المرتبطة بهذه المجموعة من الاستنباطات والنظريات.

وفي التعريف الثالث للفقه يختلف الأمر إلى حدٍّ كبير، حتّى عن الوضع الحاكم على التعريف الثاني، ففي هذا التعريف يكون موضوع فلسفة الفقه هو الاجتهاد وعمليات الاستنباط.

وبطبيعة الحال فإن الاختلافات التي سبق ذكرها([43]) تتجلّى في جميع هذه التعاريف، حيث يعمد كلّ محقّقٍ إلى تعريف فلسفة الفقه طبقاً لما يختاره من المناهج الفكرية، ويعمل على تنسيق مسائله وبحوثه.

كما علينا أن لا ننسى أنّنا على أساس أسلوب التحقيق في الألفاظ والكلمات المذكورة في عنوان فلسفة الفقه ومقارنتها بالعلوم الناظرة والفلسفات المضافة ـ كما هو مفروضنا الراهن ـ، كما يجب أن نكون بصدد تعريف فلسفة الفقه وتقديم صيغة وبِنْية لها. يجب أن نسير في هذا الإطار، وأن نأخذ التقيُّد الحاصل من ذلك التحقيق وتلك المقارنة في هذا الشأن بنظر الاعتبار.

بيان ماهية «فلسفة الفقه» على أساس التأمّل في كلمات عنوان هذا العلم ــــــ

إن تفسير فلسفة الفقه على أساس هذا المنهج، يشبه الأسلوب المتقدِّم، وإن المسائل التي تمّ طرحها في تعريف هذا العلم على أساس النهج السابق تجري في هذا المنهج أيضاً.

إنما الاختلاف في التقيّد الذي يفرضه المحقّق في الأسلوب السابق على التعريف، وبيان ماهية فلسفة الفقه، وتقديم مسائله، في حين أنه لا يكون متقيّداً بذلك طبقاً للأسلوب مورد البحث (المقارنة مع سائر العلوم الناظرة والفلسفات المضافة).

بيان ماهية «فلسفة الفقه» على أساس الأسلوب الرابع (أسلوب العنوان المشير) ــــــ

كما سبق فإن تفسير (وتقديم المسائل لـ) فلسفة الفقه طبقاً لهذه الرؤية يشتمل على اختلاف جوهري مع الآراء والمواقف السابقة. إن هذه الرؤية ترى فلسفة الفقه عنواناً لمجموعة من المسائل التي لا بُدَّ من الاهتمام بها في نظام الاستنباط، وفهم الشريعة، وبناء الفقه الكاشف، والقريب من الواقع في حدود الإمكان، إلاّ أنه لم يتمّ بحثها في أيّ علمٍ بالشكل المناسب، وعليه لا بُدَّ من البحث لها عن «موضع» و«موطن» خاصّ، وبحثها في إطار مسائل مستقلّة، لا في مسائل هامشية واستطراديّة. إن الموضوع الذي يطمح إليه فيلسوف الفقه في هذا الأسلوب هو الشريعة تارةً؛ والفقه (بمعنى مجموعة من القضايا الكاشفة) تارةً أخرى؛ وآلية الاستنباط ثالثةً. وتعتبر فلسفة الفقه علماً ناظراً إلى هذه الظواهر، ولا تقيِّد نفسها بمقتضى الألفاظ المستعملة في العنوان، أو بمقتضى مقارنتها بسائر الفلسفات المضافة الأخرى، ولا يستوحش فيلسوف الفقه من التنظير بعيداً عن المسائل والأبحاث التاريخية والتوصيفية والوجودية، وبشكلٍ عامّ فإن دافعه في اختيار المسائل والأبحاث هو تعويض النواقص، وليس تأسيس علمٍ مقيّد حتماً بمقتضيات العنوان، وقياسه إلى الأقران.

ولمزيدٍ من التوضيح نقول: إن الاجتهاد والاستنباط الجامع والفني ـ بحيث يمكنه أن يستخرج الأحكام الإلهيّة من مصادرها المعتبرة بأقلّ نسبةٍ في الخطأ، والإجابة عن الحوادث الواقعة ـ يتوقّف على مقدّمات. وإن معرفة الفقيه بالعلوم الأدبية، ومنها: الصرف والنحو واللغة، وفهم القرآن والأحاديث وفتاوى الفقهاء، وأحوال الرجال، والاطّلاع ـ إلى حدٍّ ما ـ على التاريخ والكلام وبعض العلوم الأخرى، ومعرفة العُرْف، وكيفية التفاهم والحوار والتخصُّص، وامتلاك الحدّ الكافي من أصول الفقه، من المقدّمات الضرورية للاجتهاد.

غير أن الحقيقة هي أن الفقيه، حتّى بعد أن يطوي جميع هذه المقدّمات، يبقى يعاني من مشكلةٍ من ناحية الاجتهاد الجامع والفنّي، حيث يواجه على المستوى العملي عشرات المسائل التي لم يتمّ بحثها في العلوم المتقدِّمة بشكلٍ جادّ ومنظم ومتناسق، وكأنّ هناك في البَيْن «حلقة مفقودة». ويمكن أن نذكر في هذا السياق ـ على سبيل المثال ـ الأمور التالية:

1ـ دائرة الشريعة ومساحتها.

2ـ موقع مقاصد الشارع العامّة، وعلل الشرائع في الاستنباط.

3ـ دور الأئمّة المعصومين^ في بيان الأحكام([44]).

4ـ شأن النبيّ الأكرم| والأئمّة الأطهار^ في القول والفعل والتقرير.

5ـ ضوابط اكتشاف وفصل الأدلة المبيّنة للشريعة وتمييزها من غيرها.

6ـ المعيار في القضايا الحقيقية والخارجية، وتمييزها من بعضها.

7ـ حدود تأثُّر النصوص الصادرة عن الشارع والمفسِّرين للشريعة بالعُرْف ومعايير عصر ومكان الصدور.

8ـ تبعيّة أو عدم تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد الواقعية.

9ـ إمكان أو عدم إمكان فهم هذه المصالح والمفاسد من قبل العقل.

10ـ حدود تدخُّل الفقهاء في تشخيص مصاديق وموضوعات الأحكام.

11ـ فصل الثابت عن المتغيِّر.

12ـ حدود حضور المصلحة في الفقه، ومعايير الكشف عنها.

13ـ دراسة الأحكام بشكلٍ منظّم.

14ـ إيضاح العناوين الرئيسة في آلية الاستنباط، من قبيل: العقل، والعُرْف، والمصلحة، والشمّ الفقهي، وتنقيح المناط، والذوق الفقهي، وما إلى ذلك.

15ـ إيضاح بناء العقلاء، واعتباره أو عدم اعتباره.

16ـ اعتبار القياس أو عدم اعتباره.

17ـ صحّة أو عدم صحّة اصطياد القواعد الفقهية من النصوص الواردة في الموارد الجزئية.

18ـ تأثير الزمان والمكان في الاستنباط، وإيضاح حدود هذا التأثير([45])، وما إلى ذلك.

كان هذا غَيْضاً من فيضٍ من المسائل التي لا يستطيع الفقيه تجاهلها في استنباطه، ومع ذلك لم يتمّ بحثها في أيّ واحدٍ من العلوم المتقدّمة، لا على نحو جادّ ولا على نحو غير جادّ!

وعلى الرغم من وجود الترابط بين جميع هذه المسائل (فهي مرتبطة بالشريعة والقضايا الفقهية والاجتهاد، ولذلك فإن الاهتمام بها يترك تأثيراً ملحوظاً في تكامل الاجتهاد، وتطابق الفقه مع الشريعة)، إلاّ أنه لم يتمّ الجمع بينها أبداً، وتمّ الاكتفاء أحياناً بالإشارة إليها إشارةً عابرة وغير كافية في علم الأصول أو الكلام أو في بداية أو نهاية النصوص الفقهية!

ومن هنا يتعيَّن على المعاصرين واللاحقين أن يتعرَّفوا إلى هذا السنخ من المسائل، وأن يعملوا على بحثها ودراستها، على غرار دراسة المسائل والبحوث الجوهرية والأساسية في أصول الفقه. لا شَكَّ في أن أهمية هذه المسائل إذا لم تكن أكثر من المسائل المتعارفة في أصول الفقه، فإنّها ليست بأقلّ منها قطعاً!

وعلى هذا الأساس فإن الرأي مورد البحث يقوم على الاعتقاد بوجوب تخصيص فلسفة الفقه بهذا النوع من المباحث والمسائل، وتقديم تعريف متناسب مع هذه المسائل والغرض من فلسفة الفقه.

الأمر الآخر الذي يجب العمل عليه من وجهة نظري ـ والذي يشكِّل جزءاً من فلسفة الفقه ـ هو التأمُّل ودراسة وتحليل المشارب والمناهج الفقهية للمذاهب والجماعات، وحتّى الأشخاص الذين تربَّعوا على قمّة الفقه والفقاهة. إن هذا النهج وإنْ كان يعني تتبُّعاً ودراسة تاريخية للأساليب الفقهية للمتقدِّمين (فلسفة مناهج الفقهاء)، ولكنْ حيث إن الفقاهة المنضبطة والفنيّة تقوم على ركيزتي تتبُّع الآراء والأفكار والتحقيق، وإن مقتضى تتبُّع آراء الفقهاء في الكثير من الموارد يتوقّف على فهم مناهجهم الفقهية، تبدو الدراسة المذكورة هامّةً وضرورية. وتوهُّم أن هذه الحركة مجرّد حركة تاريخية لا تأثير لها في الاجتهاد([46]) لا يمكن قبوله!

وفي نهاية هذا المقال سوف نشرح مختارنا بشأن ماهيّة فلسفة الفقه.

2ـ مسائل فلسفة الفقه وهيكلتها([47]) ــــــ

لقد كان للاختلاف وعدم الثبات في تصوّر وبيان ماهية فلسفة الفقه تأثير في تصوير ورسم مسائلها. وهذا التأثير طبيعي؛ لأن المحقق الذي يعرّف فلسفة الفقه في إطار البحث في ألفاظ عنوان (فلسفة الفقه)، أو الذي يضيف إلى ذلك مقارنة هذا العلم بسائر العلوم الناظرة، أو المحقق الآخر الذي يكون له نظرةٌ من خلف كواليس فلسفة الفقه إلى المباحث الضرورية المتروكة والمؤثرة في الفقه والاستنباط، لا يمكنهما الاتفاق على المسائل التي يقدّمانها لفلسفة الفقه، ولو حدث أن اتفقا فإن اتفاقهما هذا سوف يُنبئ عن وجود خلل في تقديم المسائل على أساس المبنى المتّخذ من قبلهما في ماهية فلسفة الفقه. كما أن مقتضى تكفّل فلسفة الفقه بالتنظير للمباحث والمسائل لهذا العلم هو غير إنكار هذا الاقتضاء.

وعلى أيّ حال فقد اختلفت الأقوال في بيان مسائل فلسفة الفقه. وإن هذا الاختلاف ـ في الغالب ـ يكمن في بيان عدد المسائل أو تشخيص ما هو المهمّ أو الأهمّ منها، وإذا جاء ذكر بعض المسائل في بيانٍ ولم يَرِدْ في بيانٍ آخر لا يمكن اعتبار ذلك دليلاً على إثباتها من قبل البعض وإنكارها من قبل البعض الآخر، وكأن كلّ محقق إنما كان نظره موجّهاً إلى بعض المسائل، دون أن يكون بصدد إنكار المسائل الأخرى التي ذكرها المحقّق الآخر.

ومن الجدير بالذكر أننا من خلال التتبّع في الوثائق المكتوبة في ما يتعلّق ببيان ماهية ومسائل فلسفة الفقه وجدنا الآراء متأثّرة بالاختلافات المتقدّمة، إلاّ أنه لم يحدث التفكيك والفصل الضروري الذي أشرنا إليه آنفاً، ولذلك نرى خلطاً خاطئاً في بيان مسائل فلسفة الفقه.

وفي ما يتعلق ببيان مسائل فلسفة الفقه تمّ طرح المقترحات التالية:

1ـ تعريف الفقه، وبيان موضوع الفقه، ومنهج الاستدلال الفقهي، عصمة المعصومين^، والفصل بين أقوال وأفعال وتقارير الإمام×، والفصل بين أغراض وغايات الأحكام الفقهية، وإشراف القرآن والروايات على المجتمع العربي في تلك الفترة، وضمان الفقه لما يسعد الإنسان، وتجنيبه ما يؤدّي به إلى البؤس والهوان، وتحديد المفاهيم الفقهية على المستوى الكمّي، وفهم الدين للحرّية والتعقُّل، ومقارنة ميثولوجيا التحقيق التاريخي المعاصر والفقهي([48]).

2ـ البحث في أهداف وغايات الفقه أو مقاصد الشريعة، ومساحة الفقه، وموقع الفقه بين العلوم الدينية، وعلاقة الفقه بسائر العلوم الأخرى، وارتباط الفقه بالزمان، وميثولوجيا التحقيق في النصوص والأسانيد، ومناهج تفسير النصوص، وأسلوب التحقيق الفقهي، ومصادر الفقه، ومعرفة الاجتهاد([49]).

3ـ هناك مَنْ تصوَّر «فلسفة الفقه» و«فلسفة علم الفقه» شيئاً واحداً، فعمد لذلك إلى تقريب مسائلها من مبحث «الرؤوس الثمانية»([50])، قائلاً: «لو ظهر علمٌ وكان علم الفقه ـ الذي هو في حدّ ذاته حقلٌ من الحقول العلمية ـ موضوعاً له، فسوف نحصل على علمٍ من الدرجة الثانية، يمكن التعبير عنه بـ «فلسفة علم الفقه»، أو اختصاره بـ «فلسفة الفقه». إن هذا العلم الجديد ـ أي فلسفة الفقه، كما تقدّم أن ذكرنا ـ يبحث في علم الفقه، وكلّ ما يُقال في حقل علم الفقه يعود إلى هذا الحقل المعرفي. فعلى سبيل المثال: إن ما كان القدماء يُعبِّرون عنه بـ «الرؤوس الثمانية» بالنسبة إلى علم من العلوم إذا وقع مورداً للبحث والتحقيق في خصوص علم الفقه فإنه يتعلق بالحقل المعرفي لفلسفة الفقه، بمعنى أن تعريف علم الفقه، وموضوع هذا العلم، والغاية منه، وفائدته، ومرتبته وموقعه بين سائر العلوم الأخرى، ومبدعه ومؤسّسه، وفهرسة مباحثه ومسائله وأنحائه التعليمية، تعود بأجمعها إلى حقل فلسفة الفقه»([51]).

4ـ إن تقسيم مسائل فلسفة الفقه إلى «مسائل متعلقة بالقضايا والموضوعات، وتصديقات القضايا الفقهية»([52])، وتقسيمها إلى «مسائل متعلّقة بالموضوع والمحمول ومساحة الفقه»([53])، وطرح المسائل المرتبطة بواحد من هذه العناوين، يُعَدّ من المقترحات الأخرى المطروحة في بيان مسائل فلسفة الفقه.

5ـ إن البحث في مفهوم خاتمية رسول الله|، وملازمتها أو عدم ملازمتها لدوام واستمرار الشريعة، وسراية أو عدم سراية الشريعة إلى جميع المسائل والفروع الشرعية، والفصل بين الأحكام الثابتة والمتغيِّرة، وبيان ضابطة لهذا الفصل والتفكيك، ودراسة مناصب وشؤون رسول الله|، وبيان علاقة الفقه بالأخلاق والكثير من مباحث مسألة التقليد (التي يُستدلّ لها عقلياً، وتوجب على المكلَّف تقليد مرجعٍ من المراجع وأخذ الأحكام عنه)، قد تمّ اقتراحها في بعض الكلمات بوصفها من مسائل فلسفة الفقه([54]).

دراسةٌ وتحقيق ــــــ

لا شَكَّ في توقّف تعيين مباحث ومسائل كلّ علم أصيل وغير آلي([55]) على التصوّر الدقيق للماهية والموضوع والغرض من ذلك العلم. وإذا لم يتمّ التعاطي مع فلسفة الفقه طبقاً للمنهج الرابع (اعتباره عنواناً مشيراً وآليّاً) يجب إيضاح الوجوه المتقدّمة فيه قبل تحديد مسائله، وإلاّ لما أمكن التوصُّل إلى وجهٍ واحد، أو الاقتراب منه!

في المقترحات السابقة وإنْ أمكن اعتبار محاور بوصفها من محاور الاتفاق، إلاّ أن موارد الاختلاف أكثر بكثيرٍ من محاور الاتفاق. ففي المقترح الثالث ـ على سبيل المثال، والصادر للغرابة من ذات الشخص الذي تقدّم بالمقترح الأوّل ـ تمّ اعتبار «فلسفة الفقه» بوصفها علماً معبّراً ومقرّراً للمحاور من الفقه، ويقترح له بعض المسائل، في حين أنه بالنسبة إلى المقترحات الأخرى تحتل التوصية والتنظير مكانة ومنزلة خاصّة في فلسفة الفقه، ويتمّ طرح مسائلها على أساس هذه الرؤية أيضاً.

وعلى الرغم من ذلك كلّه فإن الذي يمكن اعتباره بوصفه من المسائل المتّفق عليها من قبل الجميع في فلسفة الفقه مسائل ترتبط بأصل وجود الفقه، من قبيل: بيان ماهية الفقه، وتحديد موضوعه، وغايته ومسائله، ومنهجه التوصيفي، وكلّ ما يخرج عن هذه الأمور يجب إيكاله إلى إيضاحه من قبل المتكفِّلين بالبحث عن فلسفة الفقه والمحاور المشتركة في ما تقدَّم، وإلاّ سار كلّ محقّق إلى رسم مسائل لفلسفة الفقه طبقاً لمبناه، ولربما تقدّم البعض منهم بمقترحاتٍ دون أن يختار لنفسه مبنىً بعينه!

في ما يتعلّق بهيكلة فلسفة الفقه لم نعثر على بيانٍ أو كتاب غير ما نقلناه في توضيح مسائل فلسفة الفقه، وعليه سنعرض عن طرح بحث مستقلّ في هذا الشأن، ونترك بيان النظرية المنشودة لنا لمناسبة أخرى.

3ـ موضوع فلسفة الفقه ــــــ

إن «الموضوع» في كلّ علمٍ يمثل المحور المشترك لمسائل ذلك العلم، بحيث تبحث تلك المسائل في العوارض المطلقة، أو العوارض الذاتية([56]) لذلك الموضوع والمحور. ويمكن لموضوع العلم أن يكون واحداً أو متعدّداً.

وإن فلسفة الفقه أيّاً كان منهجها وأسلوبها ـ من بين المناهج والأساليب التي تقدّم ذكرها ـ تشتمل على موضوعٍ أو عدد من الموضوعات. ويبدو أنه كيفما فسّرنا فلسفة الفقه أمكن اعتبار موضوعها هو «الفقه»، بمعنى مجموعة من القضايا ـ التي يتمّ استنباطها واستخراجها من قبل الفقيه من مصادرها ـ و«عمليات الاستنباط والاجتهاد». وإذا اعتبرنا فلسفة الفقه بوصفها عنواناً مشيراً إلى المسائل المختلفة التي يجب طرحها في نظام الاستنباط فإن «الشريعة» ـ بما هي مجموعة من الاعتبارات والموضوعات الإلهية ـ ستكون من موضوعات فلسفة الفقه أيضاً؛ لأن جزءاً من المسائل مورد البحث في فلسفة الفقه ـ من هذه الزاوية ـ يدور حول محور «الشريعة».

ومضافاً إلى ذلك فإن «الاجتهاد المضاف إلى المذاهب والجماعات والأفراد» يمثّل محوراً آخر يشكّل موضوعاً لعدد من مسائل فلسفة الفقه أيضاً، ومن هنا تكون «المشارب والمناهج الفقهية» من موضوعات فلسفة الفقه أيضاً. وعلى هذا الأساس فإن «الشريعة والفقه وعمليات الاستنباط والمناهج الفقهية» تشكّل موضوعاً لفلسفة الفقه.

4ـ الغرض من فلسفة الفقه وفائدتها([57]) ــــــ

يجب القول في هذا الشأن:

1ـ «إن فلسفة علم الفقه([58]) تعمل في الخطوة الأولى على إيضاح ماهية الفقه، وهل هو علمٌ؟ وهل هو معقولٌ أم لا؟ وهل يمكن عدّه جزءاً من العلوم أم لا؟ وفي الحقيقة فإنه يبحث في إثبات معقولية علم الفقه، وإن الحديث عن التفقُّه هو نوع من التكلُّم المعقول. والمسألة الثانية التي يتمّ إيضاحها لعالم الفقه هو تحديد ما الذي عليه فعله؟ الأمر الثالث أنه يوضّح لعالم الفقه والآخرين ما هي الأمور التي يقوم عليها علم الفقه، والتي تكون خارجةً عنه؟ وربما كانت هذه أهمّ فائدة تترتّب على فلسفة علم الفقه… إن فلسفة الفقه هي التي توضِّح لنا ما هو الأسلوب الذي يتَّبعه الفقيه الفلاني في عملية الاستنباط… يمكن للاهتمام بفلسفة علم الفقه ـ التي تنبِّهنا إلى نسيج علم الفقه، وترشدنا إلى علم فقهٍ أكثر غناءً وعقلانية ـ أن تربّي وتنتج فقهاء يتمتَّعون بمنهج استنباطي أفضل…»([59]).

2ـ «لا دَوْر لمسائل فلسفة علم الفقه في ذات علم الفقه، إلاّ أنّها تؤثِّر في مبادئه. فعلى سبيل المثال: عندما نبحث في فلسفة علم الفقه، ويتّضح لنا كيف يكون للقواعد والمباني الكلامية والعقائدية دخلٌ فيها، فإن الدَّوْر هنا هو أن الفقيه عندما يتصدّى للإفتاء يتّجه إلى تلك المباني والقواعد، فيعمل على تنقيحها، وإن تنقيح المباني أثرٌ من آثار مسائل فلسفة علم الفقه…»([60]).

3ـ «إن المسار الطبيعي لتدوين العلوم الإسلامية أفرز علم الأصول. ويمكن حالياً إلى جوار هذا العلم تأسيس علمٍ آخر باسم «فلسفة الفقه» أيضاً، ويتمّ البحث فيه عن مسائل لم تُبْحَث في أصول الفقه»([61]).

4ـ «إن تحقيقات فلسفة الفقه ومسائلها تترك على الفقه والمسائل الفقهية ونشاط الفقهاء تأثيراً كبيراً، فإنها تؤثّر ـ على سبيل المثال ـ في اعتبار الفقه في الحدّ الأقصى أو في الحدّ الأدنى، أو في تقديم نظرية حول ماهية الحكم، والفقه الحكومي، وكذلك في مسألة اجتماع الأمر والنهي أيضاً، كما أن فلسفة الفقه تمنح الفقيه نظرة ناقدة، وتساعده على اكتشاف النواقص ونقاط الضعف، والعمل على إيجاد الحلول لها. كما تتكفّل بإيضاح المبادئ التصورية لعلم الفقه، وإثبات مبادئه التصديقية»([62]).

دراسةٌ وتحقيق ــــــ

لا يخفى أن الاختلاف في تصوُّر وتصديق فلسفة الفقه، وعدم تناسق الأفكار حول الموضوع وبيان مسائله، يترك بتأثيراته الملموسة على ما هو المتوقَّع من فلسفة الفقه. ويتّضح هذا الادّعاء من خلال أدنى تأمّل في الكتابات التي أنجزت حول الدوافع من بيان الفائدة والغرض من فلسفة الفقه، والتي نقلناها في هذا المقال! فإن النصّ الأوّل ـ على سبيل المثال ـ قد تبلور على أساس التصوّر التوصيفي والتقريري لفلسفة الفقه على ما يعتقده صاحب هذا النصّ([63]). كما أن مفاد النصّ الأول إنما يمكن القول به على أساس المبنى الذي يعتبر دراسة مناهج ومشارب الفقهاء جزءاً من فلسفة الفقه، أما على أساس المبنى القائل بضرورة عدم خلط دراسة المناهج بمسائل فلسفة الفقه فلا أرضية للتصوُّر الذي تمّ التأكيد عليه في هذا النصّ.

لا يخفى على أحدٍ وضوح تبلور النصّ الرابع على أساس الأسلوب الرابع من الأساليب المتقدِّمة (تصوُّر إشارة فلسفة الفقه إلى المسائل التي يتمّ التعرُّض لها في أصول الفقه)، في حين لا لزوم للثمرة المذكورة في هذا النصّ لفلسفة الفقه بناءً على سائر الأساليب.

وعلى أيّ حال يجب على متكفِّل الحوار بشأن الغرض والثمرة من الفلسفة أن يبيِّن موقفه بشأن المباحث السابقة، ليتعرَّض بعد ذلك إلى هذا البحث. وحيث إننا لم نتَّخذ حتى هذه اللحظة موقفاً واضحاً في قبال المسائل المتقدِّمة؛ إذ أرجأنا تحديد هذا الموقف إلى الحوار الأخير في هذا المقال، فإننا سنترك الإجابة الحاسمة في هذا الشأن إلى ذلك الحوار أيضاً.

 

5ـ علاقة فلسفة الفقه بالفقه ومعرفة الفقه والكلام وأصول الفقه ــــــ

أـ يمكن القول في بيان علاقة فلسفة الفقه بالفقه: لا شَكَّ في أن «فلسفة الفقه» أيّاً كان معناها وتفسيرها، وأن «الفقه» أيّاً كان تفسيره، علمان مستقلاّن عن بعضهما، ولكلّ واحدٍ منهما مسائله وتعيُّنه الخاص. إن هذا الاستقلال والانفصال بين هذين الحقلين العلميين من الوضوح بحيث قال الجميع بعدم الحاجة إلى ذكره.

وبطبيعة الحال فإن البحث ـ بعد الاعتراف بهذا الانفصال وعدم الاتّحاد بين العلمين ـ بشأن نسبة فلسفة الفقه إلى الفقه يحتلّ مساحةً واسعة وكبيرة. ولا شَكَّ في تأثير الاختلافات السابقة على تعيين وتحليل هذه النسبة إلى حدٍّ كبير. فعلى سبيل المثال: إذا قلنا بأن فلسفة الفقه تتكفَّل بالتحليل والتنظير في مبادئ ومصادر الفقه([64])كانت علاقتها بالفقه من قبيل: علاقة أصول الفقه بالفقه، بمعنى أن العلاقة ستكون هي علاقة المقدّمة بذي المقدّمة، والتي بدونها لا ينتظم عقد الفقه، ولا يكتب له الظهور. في حين لو ذهبنا إلى مجرَّد حكاية فلسفة الفقه وتقريره عن الفقه فإن فلسفة الفقه ومسائلها ـ عموماً ـ ستكون من المبادئ التصوُّرية للفقه، والتي تعمل على توضيح بعض المفاهيم المستعملة في الفقه، دون أن تكون من علل تحقُّق وظهور الفقه أو الفقاهة والاجتهاد.

ب ـ في ما يتعلق بنسبة فلسفة الفقه إلى معرفة الفقه قال البعض في معرض الإجابة عن السؤال القائل: ما هو الفرق بين معرفة علم الفقه وفلسفة علم الفقه؟: «لا فرق بين هذين الأمرين، فإنهما شيءٌ واحد تقريباً»([65]).

يبدو أن هذا الجواب يقوم على أساس تصوُّر حكاية فلسفة الفقه، وهو الذي يعتقد به هذا القائل([66])، وإلاّ فإنه على أساس توسيع رسالة ومسائل الفلسفات المضافة، وتكفّل هذا النوع من العلوم ببيان مبادئ وغايات وسائر شؤون المضاف إليه، فإن معرفة علم الفقه إنما تشكِّل هامشاً صغيراً من مسائل فلسفة علم الفقه، ولذلك لا يصحّ اعتبارهما شيئاً واحداً.

ج ـ قيل في بيان العلاقة بين فلسفة الفقه وعلم الكلام: «هناك ـ بشكلٍ عام ـ مسألتان أو ثلاث مسائل كلامية لا بُدَّ من بحثها في فلسفة الفقه أيضاً، ويجب على الفقيه أن يحدِّد موقفه بشأنها؛ وذلك لما لها من التأثير في طريقة استنباطه، ومن تلك المسائل: مسألة العصمة؛ فإن التصوّر الذي يحمله الفقيه عن العصمة يؤثِّر ـ لا محالة ـ في طريقة تعاطيه مع الكلام الذي ينقل له عن المعصوم»([67]).

لا شَكَّ في أن المسائل الكلامية المؤثِّرة في الفقه ـ التي يجب على الفقيه أن يتَّخذ موقفاً منها أوّلاً، لينتقل بعد ذلك إلى ممارسة الاستنباط ـ لا يمكن حصرها بمسألتين أو ثلاث؛ فإن بيان مساحة الشريعة، وعصمة الإمام×، والبحث في الشؤون القولية والفعلية للأئمة المعصومين^، ودور الأئمّة^ في بيان الأحكام، وحدود رعاية التقاليد والأعراف من قبل الإمام× والذين يفسِّرون الشريعة في معرض بيان الأحكام، وما إلى ذلك من المسائل، تشكِّل جزءاً من المسائل الكلامية التي يجب على المتكفّل بعملية الاستنباط أن يتَّخذ موقفاً واضحاً بإزائها، ليقدّم بعد ذلك استنباطاً منضبطاً وجامعاً. أما بشأن ضرورة بحث هذه المسائل في فلسفة الفقه فهناك متَّسعٌ كبير للبحث والحوار في هذا الخصوص. فلو أن هذه المسائل ـ التي تمَّتْ الإشارة إليها في كلام هذا القائل ـ قد بحثت في أصول الفقه هل كان هذا القائل يعتبرها من سنخ مسائل فلسفة الفقه؟! أجل، على أساس اعتبار آلية فلسفة الفقه بالنسبة إلى المباحث الضرورية والمهملة يكون كلام هذا القائل صحيحاً، وسوف تدخل هذه المسائل ـ بطبيعة الحال ـ في منظومة فلسفة الفقه، وإنّ فيلسوف الفقه سوف يتناول هذه المسائل من خلال إدراكه أن وضوح وشفافية هذه المسائل تؤثِّر في تكامل الاستنباط والفقه. كما يمكن للمتكلِّم والعالم المختصّ في علم الكلام أن يتناول هذه المسائل بدوافع أخرى؛ وهذا لأن كلّ مسألةٍ يمكن أن تعدّ من مسائل عدّة علومٍ؛ باعتبار تعدُّد الدوافع واختلافها.

د ـ في ما يتعلّق بالعلاقة والمقارنة بين فلسفة الفقه وأصول الفقه توجد آراء وتصوّرات مختلفة، ومن ذلك ما قيل:

1ـ «1ـ يعدّ أصول الفقه من جملة آليات الفقه وأدواته، وأما فلسفة الفقه ـ أو معرفة علم الفقه ـ فتقع في منطقة خارجة عن آليّة الفقه. 2ـ حيث إن أصول الفقه يشكّل جزءاً رئيساً من منظومة الفقه الكبرى فإنه يُعدّ لذلك من موضوعات فلسفة الفقه، بمعنى أن فلسفة الفقه ـ لكونها من العلوم الناظرة ـ تدرس أصول الفقه بوصفه جزءاً استنباطياً في منظومة الفقه. 3ـ يتكفّل أصول الفقه بالناحية الاستنباطية من الفقه، وأما فلسفة الفقه فإنّها لا تتكفّل بهذه الناحية، وإنما تعمل من موقف الناظر على تحديد جميع جوانب الفقه من حيث المبادئ والصور والأجزاء والغايات والمسائل، دون أن تتدخّل في حقل الاستنباط»([68]).

2ـ «نسعى في علم الأصول إلى تحصيل مطلق الحجج الشرعية، بمعنى كلّ ما من شأنه أن يتوسّط في تحصيل الحجّة الشرعية. فأن تكون قاعدة «اليد» أمارةً يحظى بأهمّية عندنا. كما نعتبر بحث الاستصحاب بمختلف صوره أمراً هامّاً. بَيْدَ أننا لا نطرح هذه المسائل في فلسفة الفقه؛ لأننا قد ذكرنا في بداية تعريف فلسفة الفقه قيداً، وهو عبارةٌ عن أنّ بحثنا للمسائل الكلية النظرية والتحليلية لا يعني وجوب أن نطرح في فلسفة الفقه كلّ ما من شأنه أن يتوسّط في تحصيل الحجّة الشرعية. ولذلك فإننا لو قلنا بأن علم الأصول يسعى إلى العثور على وسائط لتحصيل الحجّة الشرعية فإن ذلك سيشمل الكثير من المسائل التي لا يَسَعنا اعتبارها من المسائل النظرية والتحليلية العامّة التي يجب طرحها في فلسفة الفقه. ولذلك فإنّي أرى أننا إذا اعتبرنا علم الأصول بمعناه الأعمّ فإنّه سيشمل جميع مسائل فلسفة الفقه»([69]).

3ـ لقد ذهب هذا المتكلِّم في موضعٍ آخر إلى القول بأن «فلسفة الفقه» مصطلح جديد لـ «أصول الفقه»؛ إذ يقول: «إن دور العلوم الخارجية في الاجتهاد الفقهي يمثّل بحثاً نظرياً تترتّب عليه الكثير من الثمار، لذلك يمكن ـ من هذه الجهة ـ اعتباره من البحوث الهامّة في علم الأصول، أو «فلسفة الفقه»، كما في المصطلح الجديد»([70]).

هذا وقد أكَّد بعض المؤلِّفين من أهل السنّة على اعتبار «فلسفة الفقه» و«أصول الفقه» شيئاً واحداً، أو القول بالقرابة الماهوية بين هذين العلمين، حيث نجد عبارته في معرض حديثه عن «فلسفة الفقه» تقول: «اختراع الشافعي لعلم أصول الفقه، الذي هو كفلسفة الفقه»([71]).

وبمعزلٍ عن التعبيرات والأقوال المتقدِّمة ذهب البعض إلى القول بأن فلسفة الفقه أعمّ من أصول الفقه([72])؛ وذهب بعضٌ آخر إلى القول بأن فلسفة الفقه متمِّمة لأصول الفقه([73])؛ وذهب قسمٌ ثالث إلى القول بأن النسبة المنطقية القائمة بين مسائل هذين العلمين هي نسبة العموم والخصوص من وجه([74]).

(p)     دراسةٌ وتحقيق ــــــ

نرى أن نعرض عن النقد الجزئي للنصوص المتقدّمة، والاكتفاء بالقول: إن مقارنة فلسفة الفقه بأصول الفقه، والبحث عن العلاقة بينهما، دون الوصول إلى نقطة واضحة ومحدّدة في ما يتعلّق بماهية ومسائل فلسفة الفقه ـ بل وحتّى تحديد الغرض والفائدة التي نرجوها من فلسفة الفقه ـ سيكون عملاً مبهماً، بل ومتناقضاً([75]) في بعض الأحيان! وكما أثبتت المسائل المتقدّمة في هذا التحقيق هناك آراء مختلفة بشأن ماهية فلسفة الفقه ولوازمها الأخرى، ممّا يجعل الجمع بينها أمراً متعذِّراً، إلاّ إذا توصّل المتصدُّون للبحث في فلسفة الفقه إلى توافق في هذا الشأن.

والذي يمكن قوله في الفضاء العلمي الراهن والحاكم على فلسفة الفقه:

1ـ طبقاً للتصوّر الذي يرى فلسفة الفقه عنواناً مشيراً إلى المسائل الضرورية، وغير المطروحة في ما يتعلّق بالارتباط مع الشريعة والفقه والاستنباط، فإنّ مسائل فلسفة الفقه ستكون غير المسائل المطروحة والمتداولة في أصول الفقه، وإنْ كانت مسائلها الرئيسة قد تكون من سنخ مسائل أصول الفقه، حيث تتبع ذات الغرض، وتترتّب عليها نفس الثمرة. وعلى هذا الأساس يمكن ـ إلى حدٍّ كبير ـ اعتبار عدم انفصال فلسفة الفقه عن أصول الفقه في سنخ المسائل والغرض والنتيجة، إلاّ أنهما يختلفان وينفصلان عن بعضهما في مصاديق وجزئيّات المسائل، كما ينفصلان في الموضوع أيضاً؛ لأن موضوع أصول الفقه ـ بحسب التقارير المتعارفة ـ هي الأدلّة الأربعة، أو ما يصلح أن يكون سنداً معتبراً في عملية استنباط الحكم الشرعي، في حين أنّ موضوع فلسفة فقه الشريعة هو الفقه والاستنباط والمناهج الفقهية للفقهاء.

2ـ وأما طبقاً لاعتبار فلسفة الفقه علماً تقريرياً وحاكياً ـ في قبال اعتباره دستورياً ـ فإنّ فلسفة الفقه لن تكون على تماسٍ مع أصول الفقه ـ الذي هو علم دستوري وتنظيري ـ، لا في الهدف والفائدة، ولا في الموضوع والهيكلية، ولا في الماهية والمسائل. وسوف يسير كلّ واحدٍ منهما في اتجاه منفصل عن الآخر. في حين أنّه إذا قلنا بأن فلسفة الفقه تتكفَّل ببيان المسائل النظرية المؤثِّرة في الفقه والاستنباط فما دمنا ـ بناءً على تصريح البعض ـ نضع الحديث عن أسانيد الاستنباط وحجّية خبر الواحد، وأمثال هذه المسائل ـ التي لا شَكَّ في أنها من مسائل أصول الفقه، طبقاً لجميع المذاهب والمسالك ـ على عاتق فلسفة الفقه يكون من الصعب الحديث عن انفصال هذين العلمين، بل يجب التأكيد على أن فلسفة الفقه أعمّ من حقل أصول الفقه؛ لأن فلسفة الفقه، مضافاً إلى مسائل علم أصول الفقه، تشتمل على المسائل الأخرى الناظرة إلى عمومات الفقه والفقاهة أيضاً.

وعلى أيّ حال فإن الذي أريد التأكيد عليه هو توقُّف الحكم القطعي بشأن موضوع هذا المقال على تحديد الموقف من المسائل المتقدّمة.

6ـ مختارنا في ماهية وموضوع ومسائل وهيكلة وغرض فلسفة الفقه ــــــ

أمّا مختارنا في مورد ماهية وموضوع ومسائل وهيكلة وغرض وفائدة وموقع فلسفة الفقه، ومعرفة منهج التحقيق في فلسفة الفقه، وارتباط هذه الفلسفة بأصول الفقه وفلسفة علم الفقه، وارتباط النظرية المختارة بالقضايا المشار إليها في هذا المقال، فيتوقّف على بيان أمور:

1ـ كما تقدم أن ذكرنا في المقال الأول فإن الفقيه المتكفّل بعملية الاستنباط يحتاج في مسار استخراج الأحكام من المصادر المعتبرة إلى مسائل لم يتمّ بحثها في العلوم التمهيدية للاستنباط أصلاً، أو لم يتمّ تنقيحها والبحث عنها بشكلٍ كامل. وقد تقدّمت أمثلة هذا النوع من المسائل في المقال الأول.

2ـ إن علم أصول الفقه ـ الذي تمّ تأسيسه بلا أدنى شكٍّ بدافع تنظيم عملية استنباط الأحكام، وتكامل عبر التاريخ ـ على الرغم من رقعته الواسعة ـ من ناحية كمّية وحجم مسائله ـ، حتّى ذهب البعض إلى الاعتقاد بضرورة تقليص حجمه، إلاّ أنه مع ذلك لا يفي في الوضع الراهن بالإجابة عن المسائل المشار إليها في المقال الأول، وإن النصوص الأصولية لعلماء الإمامية وغير الإمامية ـ عموماً ـ تخلو من هذه المسائل. من هنا فإني أذهب إلى الاعتقاد بأن ما تمّ بحثه حتى الآن من أصول الفقه إنما يمثِّل القسم الأول من الأقسام الثلاثة لهذا العلم، وإن الذي تمّ تدوينه إنما هو الكتاب الأول من الكتب الثلاثة في هذا العلم.

يدرك المتخصِّصون في علم أصول الفقه أن الذي هو في متناول أيدينا من هذا العلم إنما هو المسائل التي تبحث عن «وظيفة الفقيه في ما يتعلّق بفهم النصوص الشرعية».

يمكن توظيف هذا الادّعاء من خلال إلقاء نظرة على نصوص أصول الفقه لدى الشيعة وأهل السنّة بوضوح. ونماذج ذلك ـ على سبيل المثال ـ هي المسائل المبحوثة بشأن الوضع، والأوامر والنواهي، والعامّ والخاصّ، والمطلق والمقيِّد، ومباحث القطع، والأمارات، والتعادل والتراجيح، وحتّى الأصول العملية بنحوٍ من الأنحاء([76])، والحديث عن القواعد والضوابط التي يتعيَّن على المتكفّل بعملية الاستنباط أن يعرفها، ويفهم النصوص الشرعية من خلال رعايتها؛ ليستنبط الأحكام الشرعية ـ التي يجب عليه وعلى مقلِّديه تطبيقها في حياتهم العملية ـ من مصادرها المعتبرة.

في حين أن هناك ـ بموازاة هذه المسائل ـ مسائل أخرى يجب أن تعمل على إيضاح «وظائف أو مسؤوليات المعصوم المبيِّن للنصوص الشرعية»، وأن تجيب عن أسئلة من قبيل:

أـ إلى أيِّ حدٍّ عمد المبينون للنصوص الشرعية على إدخال الأعراف السائدة في عصورهم عند بيان الأحكام الشرعية؟

ب ـ ما هو مدى الاعتماد على القرائن الحالية ورعاية أوضاع المخاطبين للنصوص في كلمات المعصومين^؟

ج ـ ما هو مدى أخذ الله سبحانه وتعالى والنبيّ الأكرم| والأئمّة المعصومين^ المصاديق المستقبلية عند صدور النصّ بنظر الاعتبار؟

د ـ هل يجب على المتكفِّل بعملية الاستنباط أن يتعامل مع الكلمات الصادرة عن المعصومين^ بوصفها كلمات متعدّدة لأشخاص متعدّدين، أم كلمات متعدّدة لشخصٍ واحد، أم كلمة واحدة عن شخصٍ واحد؟([77]).

هـ ـ ما هو حجم الحرّية التي كان يمنحها النبيّ الأكرم| والأئمة المعصومون^ للرواة في نقل الأحاديث بالمعنى، وبيان المضامين دون الاهتمام بالمحافظة على نصوص الألفاظ والجمود عليها؟

و ـ ما هو مدى حضور المجاز والكناية والاستعارة وسائر شؤون المعاني والبيان والمعاني في النصوص الشرعية؟

إن ما ذكر يشكّل جزءاً ضئيلاً من كتابٍ واسع، نرى وجوب أن يكون هو الكتاب الثاني لأصول الفقه، تحت عنوان عامّ، هو: «وظائف ومسؤوليات المعصوم المبيّن للنصوص الشرعية».

كما أن مباحث أصول الفقه لا تنتهي بانتهاء الكتاب الثاني. لا شَكَّ في وجود مسائل متفرّقة من سنخ متفرّعات وأصول الفقه، وأنها على الرغم من عدم اندراجها ضمن العنوان العامّ للكتاب الأول (الذي يقع على عاتق مَنْ يفهم النصوص الشرعية)، أو العنوان العامّ للكتاب الثاني، بَيْدَ أننا نتوقّع من المتكفِّل ببحث هذا العلم أن يبحث هذه المسائل أيضاً، وأن يُفرد لها كتاباً ثالثاً في موضوع أصول الفقه. وقد تمَّتْ الإشارة إلى بعض هذه المسائل في المقال الأول.

وبطبيعة الحال فإن دعوتي إلى إضافة كتابين آخرين إلى كتاب أصول الفقه الموجود حالياً لا تعني توسيع الحجم الكمّي للنصوص الأصولية، ورفع عدد صفحاته؛ إذ بموازاة خلوّ النصوص الأصولية الراهنة من البحث الجادّ حول أمثال المسائل المتقدّمة نجد إلى ذلك بعض المباحث الزائدة وغير الضرورية أيضاً. وعليه يمكن من خلال الحذف الفني والاحترافي لبعض المباحث غير الضرورية والزائدة أن نفسح المجال للمسائل الضرورية التي تقدَّم ذكرها. هذا، مضافاً إلى أن توسيع الحجم الراهن لنصوص أصول الفقه ـ إذا اقتضت الضرورة ـ؛ كي لا يجد الفقيه نفسه مجبراً على بحث تلك «الحلقات المفقودة» استطراداً في الفقه، لا إشكال فيه أبداً.

3ـ إن من المسائل التي يحتاج إليها الفقيه في استنباط الأحكام امتلاكه تعريفاً دقيقاً للفقه، ومعرفة المدارس الفقهية والأطياف والأفراد البارزين في التفقُّه. لا يمكن للفقيه ـ دون امتلاك هذه المعرفة ـ أن ينظّم عملياته الفقهية القائمة على ركيزتَيْ التتبُّع والتحقيق. إن معرفة الفقيه بالتعريف الدقيق للفقه عند المذاهب الفقهية المختلفة، وما طرأ على هذا التعريف من التحوُّلات، والوقوف الكامل على المناهج الفقهية وأساليبها، ليست معرفةً تاريخية بحتة؛ كي يتمّ التشكيك في ضرورتها. والفقيه، حتّى إذا لم يعترف بحجيّة الإجماع والشهرة، ولا يريد التعرُّف إلى آراء المتقدّمين، مع ذلك يجب عليه أن يحيط إحاطةً كاملة بما تقدّم؛ كي يصل إلى الاطمئنان الكامل بالنسبة إلى الكثير من الفروع الفقهية. هذا، وإن الحكم بشأن أقوال الآخرين ـ الذي هو جزءٌ لا ينفك عن الخطوات الفقهية ـ لا يتأتّى إلاّ من خلال التعرُّف على مناهج الاجتهاد لدى الفرق والنحل الفقهية المختلفة. فعلى سبيل المثال: هناك من فقهاء الإمامية ورواة الحديث، من أمثال: ابن جنيد الإسكافي، والفضل بن شاذان، ويونس بن عبد الرحمن، مَنْ يُنْسَب إليه القول بالقياس، وفقهاء آخرون، من أمثال: ابن إدريس، مَنْ ينسب إليه اعتراضه على العمل بخبر الواحد، أو المحقّق الأردبيلي، حيث ينسب إليه مخالفة المشهور. في حين أن الذي يُستفاد من منهج هؤلاء في الاجتهاد ليس هو النزوع إلى القياس، أو مخالفة مطلق خبر الواحد، أو الشهرة؛ فإنّ هؤلاء ـ ضمن فكرةٍ متناسقة ـ يذهبون إلى الاعتقاد بعدم إمكانية تخصيص عمومات القرآن وثوابت السنّة النبوية بمجرّد خبر الواحد أو الشهرة، وعدم العمل بها في الموارد الخاصّة. وعلى هذا الأساس فقد تمّ الإعراض في الكثير من الموارد عن المشهور أو خبر الواحد، والإفتاء اعتماداً على ما تقتضيه القواعد والأدلّة العامّة. وحيث إن الإطار العام هو (تجاوز الأدلة الخاصّة والعمل بالعمومات) فقد اتّخذ شكل الاتجاه إلى القياس، والإعراض عن خبر الواحد، أو كان اللازم من ذلك تجاوز رأي المشهور. وقد أدّى ذلك إلى اشتهار هؤلاء الذين تقدَّم ذكر أسمائهم بما نسب إليهم([78])!

كما أن ضرورة معرفة الفقاهة القائمة على الاعتقاد بالانسداد، وانفصاله عن الاستنباط القائم على انفتاح باب العلم أو العلمي، أو معرفة الاجتهاد القائم على حجيّة الظنون المتراكمة، وفصل ذلك عن العمليات والخطوات الفقهية القائمة على عدم حجّية الظنون المتراكمة والتفكير الرياضي والمدرسي ـ وهما منهجان مختلفان تمام الاختلاف، ولكلٍّ منهما تأثيره المختلف ـ ليس بالأمر الذي يخفى على المطَّلعين والعارفين بمنهج الاستنباط. من خلال هذا التوضيح ندرك أن الكلام الآتي ليس بالكلام الذي يمكن أن يكون متطابقاً ومنسجماً مع الواقعية الحاكمة على العمليات الفقهية. يقول هذا المتكلِّم: «لا شأن للمجتهد بتاريخ الاجتهاد، كما لا شأن له بتاريخ الأصول، ولا شأن له بتاريخ الفقه. نعم، في خصوص الفقه، حيث بحث إجماعات القدماء والشهرة بينهم، تمسّ الحاجة إلى التحقيق التاريخي، وأما في ما عدا ذلك، من قبيل: تحوّل الفقه في المرحلة المتوسّطة بين الشيخ النراقي (صاحب المستند) والشيخ الأنصاري وصاحب الكفاية فلا ربط له بالاجتهاد. وبطبيعة الحال بناءً على القول بتأثير إجماعات القدماء أو الشهرة بينهم على الاستنباط تكون هناك حاجةٌ إلى تاريخ الفقه؛ وأما على القول بعدم حجية الإجماع ـ كما هو مذهب بعض كبار العلماء، الذين أنكروا الإجماع والشهرة ـ فلا تعود هناك من حاجةٍ إلى تاريخ الفقه»([79]).

إن تاريخ الاجتهاد لا يعني مجرَّد الوقوف على آراء المتقدِّمين وأقوالهم؛ فإن معرفة أساليب ومناهج المجتهدين يمثِّل جزءاً من تاريخ الاجتهاد، ويتكفَّل بالاستنباط، وهو أمرٌ لا يمكن اجتنابه.

4ـ لا شَكَّ في أن الأصل والقانون الأوّلي يقوم على تطابق ألفاظ عنوان العلم مع مسائله وبنيته. كما أن الأصل والقاعدة تقوم على عدم نقل المفردة من معناها إلى معنى آخر أو الاشتراك اللفظي. وعليه فإن الأصل الأولي في استعمال اللفظ التركيبي لمصطلح «فلسفة الفقه» هو استعماله بشأن علم ومفهوم لا يكون عنواناً مشيراً، فيكون لـ «الفلسفة» معناها، ولـ «الفقه» معناه، وأن تكون المسائل التي تكوّن مجموع هذا العلم من سنخ المباحث التي تنطبق عليها هذه العبارة المركّبة، دون الحاجة إلى التصرّف في هذه الكلمات.

5ـ لا يخفى أنه لا ضرورة لفصل سنخ مسائل فلسفة الفقه عن سنخ مسائل الفلسفات المضافة، وإعطاء كلّ واحدٍ منهما خصائص مختلفة عن خصائص الآخر، ما لم تكن هناك ضرورةٌ لذلك. وما لم يكن هناك من دليلٍ يبرِّر ذلك يجب أن نضع في فلسفة الفقه مسائل يتمّ بحث سنخها في سائر الفلسفات المضافة أيضاً. وعليه إذا كان سنخ مسائل الفلسفات المضافة من المسائل الوجودية (الفلسفية)، والتقريرية، دون تعهُّد في إثبات نظرية خاصّة وجب مراعاة هذه الخصائص في مسائل فلسفة الفقه أيضاً.

6ـ إن الذي يثبته البحث في النصوص المتعلّقة بالفلسفات المضافة، ويعدّ القدر المتيقَّن منها، ويتفق عليه الجميع، هو المباحث الوجودية بالنسبة إلى المضاف للفلسفة، ولذلك فإن الواقع الحاكم والغالب على الفلسفات المضافة هو الحكاية والتقرير. وإذا عمد المقرّر إلى التنظير والحكم أحياناً فإنّما يقوم في الواقع بالاستنتاج وأخذ اللوازم من تلك الحكاية وذلك التقرير، دون أن يكون قاصداً الخروج من حدود دائرة البحوث الفلسفية، على الرغم من أنه قد تكون هناك بعض الاستثناءات أيضاً.

مقترحان ــــــ

طبقاً لما تقدَّم أقترح ما يلي:

1ـ إن المسائل الضرورية في الاجتهاد، والتي هي من سنخ المسائل الأصولية للفقه، والتي لم يتمّ البحث عنها في أصول الفقه الراهن ـ سواءٌ تمّ بحثها في الفقه لمناسبةٍ ما أو لم يتمّ بحثها فيه ـ يجب أن تلحق بمسائل أصول الفقه. وكما قلنا يجب إضافة كتابين آخرين إلى كتاب أصول الفقه الراهن.

وبطبيعة الحال، طبقاً لهذا المقترح، نرجِّح أن يكون محور المسائل الأصولية وموضوعها هو «الأحكام والتعاليم الإلهية»([80]).

2ـ حصر مسائل فلسفة الفقه بالمسائل الناظرة إلى عموم الفقه (بمعنى مجموع القضايا المستنبطة من قبل الفقيه) والاجتهاد، دون أن تدخل في مباحث أصول الفقه أو سائر العلوم التمهيدية للفقه والاجتهاد.

طبقاً لهذا المقترح يتكفَّل فيلسوف الفقه بمسائل من قبيل: تعريف الفقه والاجتهاد، ويتناول الحديث عن: المبادئ والمصادر والغايات والتاريخ ومناهج الاجتهاد، دون أن يكون سنخ مباحثه من سنخ مباحث أصول الفقه. فعلى سبيل المثال: إن التقرير بشأن ماهية الاجتهاد، أو المستند الذي يعتمد عليه هذا الفقيه أو ذاك في الاجتهاد، ستكون من مباحث فلسفة الفقه، إلاّ أنّ الحكم في مورد حجّية أو عدم حجّية العنصر الكذائي الذي يتمتّع بأهمية في الاجتهاد، مثل: خبر الواحد، فهو من مباحث أصول الفقه. ومن الممكن ـ بطبيعة الحال ـ أن يعمد المحقّق في أصول الفقه عند البحث عن حجّية خبر الواحد إلى التتبّع والتحقيق في آراء وأقوال المتقدِّمين في هذا الشأن، وبذلك يكتسب نشاطه صبغةً تقريرية، ولكنّه حيث لا يؤدّي ذلك بدافع التقرير، وإنما بدافع البحث والتحقيق لإثبات نظريةٍ ما، يكون ما يقوم به في المجموع نشاطاً أصولياً.

وطبقاً لهذا المقترح تكون مباحث فلسفة الفقه تقريرية ومعرفية، وبعيدة عن المواقف الخاصة. ومن الممكن لفيلسوف الفقه في حقل نشاطه ـ بطبيعة الحال ـ أن يصدر الأحكام، أو يُشكل على أساليب ومناهج الاجتهاد، إلاّ أن سنخ هذه الأحكام والإشكالات يبقى في حدود رفع التقرير عن لوازم «ما هو كائنٌ» والأخذ به. فعلى سبيل المثال: إن فيلسوف الفقه لا يعمل على إثبات حجّية أو عدم حجّية خبر الواحد في الاستنباط، ولكنّه يُعْرِب عن رأيه في مورد اللازم من القول بحجّية أو عدم حجّية خبر الواحد. أو أنه يحكم بشأن أن التيّار الفقهي الكذائي يقوم على حجّية أو عدم حجّية فهم العقل في استنباط الأحكام الشرعية، ويُقيم الدليل على هذا الحكم، ولكنّه يُحْجم عن إثبات حجّية فهم العقل في كشف الأحكام الشرعية، ويُحيل هذه المهمة إلى أصول الفقه.

اتَّضح من خلال هذا الكلام أن سنخ مباحث أصول الفقه يختلف عن سنخ مباحث فلسفة الفقه. وإذا اتّحدا ـ بحَسَب الظاهر ـ في بعض المسائل (كما في البحث حول آراء المتقدِّمين بشأن حجّية أو عدم حجّية خبر الواحد) فإن ذلك إنّما يكون لغايتين وغرضين مختلفين تماماً.

إنّ ميزة المقترح الثاني هي:

أـ إن عنوان «فلسفة الفقه» لن يكون عنواناً مشيراً؛ لكونه خلاف الأصل والقاعدة.

ب ـ إن كلمة «الفلسفة» في هذا المصطلح التركيبي ستحتفظ بمعناها الأصلي، ولن تكون من المشترك اللفظي. أما الفقه فسوف يكون بمعنى مجموعة القضايا المستنبطة والاجتهاد.

ج ـ إن «فلسفة الفقه» تبحث في المسائل الكلّية والعامّة المرتبطة بـ «الفقه»، وبذلك تكون من هذه الناحية شبيهةً بسائر الفلسفات المضافة.

د ـ إن فيلسوف الفقه يسعى إلى معرفة ظواهر الفقه وتقريرها، وإذا بادر إلى إصدار حكمٍ، أو اتّخذ موقفاً خاصّاً، فإنما يكون ذلك منه بدافع بيان وتفسير هذه الظاهرة، لا أنّه يريد التنظير بعيداً عن الالتفات إلى سنخ المعرفة الوجودية لمباحث فلسفة الفقه.

خلاصة المقال وبيان الرأي المختار  ــــــ

يتّضح مختارنا بشأن الخيارات المذكورة في العنوان السادس من خلال ما تقدّم. ويمكن لنا إجماله على النحو التالي:

1ـ إن «فلسفة الفقه» علمٌ توصيفي وتحليلي وانتقادي ناظر إلى «الفقه».

2ـ إن موضوع «فلسفة الفقه» هو الفقه (بمعنى علم الفقه ومجموع القضايا المستنبطة) والاستنباط والمناهج الفقهية.

3ـ إن مسائل فلسفة الفقه عبارةٌ عن مباحث تحليلية وتقريرية عن موضوعاتها.

4ـ يجب تنظيم مباحث فلسفة الفقه ضمن ثلاث مجموعات عامّة، وهي:

أـ المسائل الناظرة إلى علم الفقه.

ب ـ المسائل الناظرة إلى الاجتهاد.

ج ـ المسائل الناظرة إلى الاجتهاد الفقهي.

5/6ـ إن الغرض والغاية من فلسفة الفقه عبارةٌ عن إيضاح المباحث والمسائل الناظرة إلى عموم الفقه (بالمعنى الأعمّ)، وفائدتها معرفة جانب من المبادئ التصوُّرية للفقه (معرفة المفهوم)، والتعرُّف بشكلٍ عام على المصادر والمبادئ والغايات والجذور التاريخية لها والأساليب الفقهية.

7ـ إن فلسفة الفقه تقع خارج الفقه، وفي موضع العلوم الفلسفية (من سنخ المعرفة الوجودية).

8ـ إن أسلوب التحقيق في فلسفة الفقه التوصيفية، يقوم على التقرير والنقد.

9ـ إن سنخ مباحث فلسفة الفقه منفصلٌ تماماً عن سنخ مباحث أصول الفقه، ويبحثان عن غرضين مختلفين عن بعضهما.

10ـ إن فلسفة علم الفقه (بمعنى مجموع القضايا المستنبطة من المصادر) تمثل جزءاً من فلسفة الفقه، وإن هذين العنوانين ليسا شيئاً واحداً.

 

الهوامش

(*) أحد العلماء والأساتذة البارزين في الحوزة العلميّة في قم، وعضو جماعة المدرِّسين. له مؤلَّفاتٌ عديدة.

([1]) انظر: مجلّة نقد ونظر الفصلية، العدد 12، (خريف عام 1376هـ.ش)، من منشورات دفتر تبليغات إسلامي حوزه علميه قم؛ گفت وگوهاي فلسفه فقه، من أبحاث المجلّة نفسها، ومن قبل دار النشر ذاتها؛ مجلة قبسات الفصلية، العدد 32، (صيف عام 1383هـ.ش).

([2]) سوف نعزِّز هذا الاحتمال في العناوين القادمة.

([3]) «الفقه» بوصفه علماً أو عملية استنباط.

([4]) انظر: ناصر كاتوزيان، گفت وگوهاي فلسفه فقه: 103؛ مهدي مهريزي، فقه پژوهي، المجلد الثاني: 15.

([5]) انظر: ناصر كاتوزيان، گفت وگوهاي فلسفه فقه: 117.

([6]) انظر: عبد الحسين خسرو پناه، مجلة قبسات الفصلية، العدد 32: 22 ـ 23، (صيف عام 1383هـ.ش).

([7]) انظر: علي عابدي الشاهرودي، مجلة نقد ونظر الفصلية، العدد 12: 78، (خريف عام 1376هـ.ش).

([8]) يذهب القائل بهذا التعريف إلى اعتبار «فلسفة علم الفقه» هي ذات «فلسفة الفقه».

([9]) انظر: محمد مجتهد شبستري، گفت وگوهاي فلسفه فقه: 60.

([10]) انظر: صادق لاريجاني، گفت وگوهاي فلسفه فقه: 171 ـ 172.

([11]) سيأتي بيان الإشكال في ذلك لاحقاً.

([12]) سيأتي توضيح هذين الرأيين، والنظرية التي نذهب إليها، في هذا المقال.

([13]) انظر: صادق لاريجاني، گفت وگوهاي فلسفه فقه: 171.

([14]) انظر: المصدر السابق: 174.

([15]) إشارة إلى الاختلاف القائم بين الأصوليين في تعيين موضوع علم الأصول. انظر: محمد كاظم (الآخوند) الخراساني، كفاية الأصول 1: 6؛ محمد رضا المظفّر، أصول الفقه 2: 9 ـ 11.

([16]) انظر: السيد علي القزويني، شروح متقنة على القوانين المحكمة: 9.

([17]) الشيخ محمد حسين الإصفهاني، نهاية الدراية 1: 42.

([18]) انظر: محمد كاظم (الآخوند) الخراساني، كفاية الأصول 1: 9.

([19]) انظر: صادق لاريجاني، گفت وگوهاي فلسفه فقه: 175 ـ 177.

([20]) انظر: جابر توحيدي أقدم وعبد الرحيم سليماني، المصدر السابق: 8؛ صادق لاريجاني، مجلة نقد ونظر الفصلية، العدد 12: 66، (خريف عام 1376هـ.ش).

([21]) حيث إن الأسلوب الأول يستعمل في العلوم المتعيّنة لم يَرِدْ ذكرٌ له في هذه المقارنة.

([22]) انظر: صدر الدين الشيرازي، الأسفار الأربعة في الحكمة المتعالية 1: 20؛ محمد حسين الطباطبائي، نهاية الحكمة: 4؛ مرتضى مطهَّري، شرح مبسوط منظومه (مصدر فارسي) 1: 10.

([23]) انظر: عبد الحسين خسرو پناه، مجلة قبسات الفصلية، العدد 32: 22؛ ناصر كاتوزيان، گفت وگوهاي فلسفه فقه: 124؛ علي عابدي الشاهرودي، مجلة نقد ونظر الفصلية، العدد 12: 159؛ صادق لاريجاني، گفت وگوهاي فلسفه فقه: 172.

([24]) انظر: عبد الحسين خسرو پناه، مجلة قبسات الفصلية، العدد 32: 22.

([25]) المصدر السابق؛ وكذلك انظر: ناصر كاتوزيان، گفت وگوهاي فلسفه فقه: 124.

([26]) محمد مجتهد شبستري، گفت وگوهاي فلسفه فقه: 56.

([27]) مهدي مهريزي، فقه پژوهي، المجلد الثاني: 14.

([28]) محمد مجتهد شبستري، گفت وگوهاي فلسفه فقه: 67.

([29]) انظر: إسماعيل بن حمّاد الجوهري، الصحاح 6: 2243؛ أحمد بن محمد الفيّومي، المصباح المنير: 479؛ أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة 4: 442؛ ابن منظور الأفريقي، لسان العرب 13: 552.

([30]) انظر: الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين: 634. ربما أراد الخليل من التفسير الديني هذه الكلمة. وعليه فإن ذلك لا ينافي تفسيرها بمطلق الفهم والعلم.

([31]) انظر: أبو هلال العسكري، الفروق اللغوية: 69؛ حسن المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم 9: 124؛ الراغب الإصفهاني، معجم مفردات ألفاظ القرآن: 398.

([32]) انظر: أبو هلال العسكري، الفروق اللغوية: 69.

([33]) انظر على سبيل المثال: النساء: 78؛ الأنعام: 65؛ الأعراف: 179، وغيرها.

([34]) إن «الشريعة» في هذا الاستعمال ترادف «دين الإسلام» الشامل لأصول العقائد والتعاليم الاعتبارية والقيم الأخلاقية.

([35]) انظر: ابن منظور، لسان العرب 13: 552؛ الجوهري، الصحاح 6: 2243.

([36]) أحمد بن فارس بن زكريا، معجم مقاييس اللغة: 794.

([37]) انظر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت، الموسوعة الفقهية 1: 14. وبطبيعة الحال يمكن القول: إن هذا التعميم إنما يكون مقبولاً إذا كان «الفقه» يعني مطلق العلم والإدراك، وليس الإدراك المقرون بالتأمّل والتفكير؛ إذ لا ضرورة للتأمُّل بالنسبة إلى علم المقلِّد.

([38]) الأعمّ من الاعتبارات التكليفية والوضعية الواقعية التي يتمّ وضعها دون الالتفات إلى علم المكلَّف أو جهله، والظاهر الذي يتمّ وضعه بالالتفات إلى جهل المكلَّف بالواقع، من هنا فإن الفقه المنضبط والتقني هو الذي يكون في نهاية الأمر، وبنحوٍ من الأنحاء، كاشفاً دائماً عن الشريعة الإلهية.

([39]) انظر: جابر توحيدي أقدم وعبد الرحيم سليماني، المصدر السابق: 6.

([40]) انظر: صادق لاريجاني، گفت وگوهاي فلسفه فقه: 175 ـ 176.

([41]) إن «الأحكام الإلهية» في هذا الاستعمال تشمل الأحكام الحكومية والقضائية أيضاً؛ لأن هذه الأحكام تعود في نهاية المطاف إلى التشريع الإلهي.

([42]) من الملفت أن نعلم أن «الفقه» رغم عدم تفسيره في «فلسفة الفقه» بالوجه الثالث، إلاّ أن أغلب الذين بحثوا في «فلسفة الفقه»، والذين عثرنا على كلماتهم، يذهبون إلى هذا التفسير في طيّات شروحهم لفلسفة الفقه. (انظر على سبيل المثال: گفت وگوهاي فلسفه فقه (مصدر فارسي): 74، 163؛ قبسات (مصدر فارسي)، العدد 32: 12، 23، (صيف عام 1383هـ.ش).

([43]) بمعنى الاختلاف في: أـ تفسير «الفلسفة المضافة»؛ ب ـ وجود التقيُّد والافتراض المسبق في فلسفة الفقه؛ ج ـ التوصية والتنظير في فلسفة الفقه.

([44]) إن ما كان يقوم به الأئمة^ في بيان المسائل الشرعية، بوصفه تشريعاً أو تفسيراً للقرآن والسنة النبوية أو الاجتهاد والاستنباط من الأصول والقواعد العامة (الاجتهاد القطعي الذي لا يقبل الخطأ)، من البحوث التي يجب التعرُّض لها بشكلٍ جامع ودقيق.

([45]) لقد تناولت بحث هذه المسائل في أربعةٍ من كتبي، تحت عنوان: «فقه وعقل»؛ و«فقه وعرف»، و«فقه ومصلحت»، و«روشناسي اجتهاد». ولا بُدَّ من التنويه إلى أن الكتابين الأولين مطبوعان، والكتاب الثالث قيد الفراغ منه، أما الكتاب الرابع فلا يزال في مراحله التمهيدية، على أمل أن يعينني الباري تعالى على طباعة ونشر الكتابين الأخيرين.

([46]) انظر: صادق لاريجاني، مجلة نقد ونظر الفصلية، العدد 12: 66، (خريف عام 1376هـ.ش)؛ وانظر أيضاً: ناصر كاتوزيان، گفت وگوهاي فلسفه فقه: 138.

([47]) نعني بهيكلة فلسفة الفقه تنظيم وتنسيق مسائلها على أساس الارتباط الطولي بين المسائل، والنظم المنطقي الذي يحكم ترتيبها.

([48]) انظر: مصطفى ملكيان، گفت وگوهاي فلسفه فقه: 14 ـ 15.

([49]) انظر: مهدي مهريزي، المصدر السابق: 18.

([50]) إن «الرؤوس الثمانية» مصطلح يستعمل غالباً في نصوص المنطق، ويطلق على: الغرض والفائدة، ووجه تسمية العلم بشكلٍ خاصّ، ومؤلف العلم ومؤسّسه، وتعيين سنخ العلم (عقلي أو نقلي أو تجريبي وما إلى ذلك)، ومرتبة العلم، وتقسيم مباحثه ومسائله، ومنهجه. (انظر: سعد الدين التفتازاني، تهذيب المنطق، المطبوع ضمن نص الحاشية على تهذيب المنطق: 156 ـ 161).

([51]) انظر: مصطفى ملكيان، مجلة نقد ونظر الفصلية، العدد 12: 35 ـ 36، (خريف عام 1376هـ.ش).

([52]) انظر: صادق لاريجاني، گفت وگوهاي فلسفه فقه: 208 ـ 210.

([53]) انظر: عبد الحسين خسرو پناه، المصدر السابق: 23.

([54]) انظر: السيد مصطفى محقق داماد، مجلة نقد ونظر الفصلية، العدد 12: 6 ـ 69، (خريف عام 1376هـ.ش).

([55]) إن أخذ قيد «المتأصّل وغير الآلي» يأتي في إطار أن العلوم الآلية والمشيرة ـ التي يتمّ تأسيسها للبحث في عدد مسائلها ومباحثها المستورة والمهجورة والضرورية والمتناسقة فيما بينها ـ يحكمها عكس ما جاء في النصّ، بمعنى أن هذا النوع من العلوم تتبلور مسائلها أوّل الأمر، ثم تظهر ماهيتها وموضوعها والغاية منها في مرحلةٍ لاحقة.

([56]) إن لكلّ عارض بالقياس إلى معروضه تقسيمات، من قبيل: تقسيم العارض إلى: الخاصّ؛ والعامّ؛ والمساوي، أو اللازم؛ والمفارق، أو لازم الماهية؛ ولازم الوجود الخارجي، أو الوجود الذهني؛ والعارض الذاتي؛ وغير الذاتي. إن المراد من العراض الذاتي هو العارض الذي يعرض على المعروض من دون واسطة، أو بواسطة أمر داخلي، أو خارجي ومساوي للمعروض. وقد تمّ طرح هذا البحث بشكلٍ واسع ـ مع اختلاف يسير بطبيعة الحال ـ في نصوص المنطق وأصول الفقه، فانظر: الملا محمد كاظم الخراساني، كفاية الأصول 1: 2؛ مرتضى الفيروزآبادي، عناية الأصول 1: 3 ـ 5.

([57]) «الغرض» هو ذات «العلة الغائية»، والتي يتمّ التعبير عنها أحياناً بـ «الدافع»، والتي تكون علّة لتحقُّق ظاهرة من الظواهر. أما «الفائدة» فهي الأثر المترتّب على الظاهرة، رغم أنه من الممكن أن تكون من علل تحقّق تلك الظاهرة.

([58]) إن هذا القائل يرى «فلسفة الفقه» و«فلسفة علم الفقه» شيئاً واحداً.

([59]) انظر: محمد مجتهد شبستري، المصدر السابق: 57 ـ 60، مع شيءٍ من التلخيص.

([60]) انظر: مصطفى ملكيان، گفت وگوهای فلسفه فقه: 98 ـ 99.

([61]) انظر: جابر توحيدي أقدم وعبد الرحيم سليماني، المصدر السابق: 18.

([62]) انظر: عبد الحسين خسرو پناه، المصدر السابق: 23.

([63]) انظر: محمد مجتهد شبستري، المصدر السابق: 67.

([64]) الأعمّ من تفسير الفقه بكونه مجموعة من القضايا المستنبطة أو بعمليات الاستنباط.

([65]) انظر: محمد مجتهد شبستري، المصدر السابق: 95.

([66]) انظر: المصدر السابق: 67.

([67]) انظر: مصطفى مَلَكيان، گفت وگوهای فلسفه فقه: 16.

([68]) انظر: علي عابدي شاهرودي، گفت وگوهای فلسفه فقه: 165 ـ 166.

([69]) انظر: صادق لاريجاني، گفت وگوهای فلسفه فقه: 215.

([70]) انظر: صادق لاريجاني، مجلة نقد ونظر الفصلية، العدد 5: 100، (صيف عام 1374هـ.ش)؛ وانظر أيضاً: صادق لاريجاني، گفت وگوهای فلسفه فقه: 207، 216.

([71]) انظر: محمد بن الحسن الفاسي، الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي 2: 472، نقلاً عن: مهدي مهريزي، المصدر السابق: 14.

([72]) انظر: ناصر كاتوزيان، مجلة نقد ونظر الفصلية، العدد 12: 526، (خريف عام: 1376هـ.ش).

([73]) انظر: مهدي مهريزي، المصدر السابق: 13.

([74]) انظر: جابر توحيدي أقدم وعبد الرحيم سليماني، المصدر السابق: 17.

([75]) انظر على سبيل المثال: ناصر كاتوزيان، مجلة نقد ونظر الفصلية، العدد 12: 526، (خريف عام: 1376هـ.ش).

([76]) إن البحث التفصيلي في مورد الأصول العملية من مختصّات أصول الفقه عند الإمامية.

([77]) إن لاختيار أيّ واحدٍ من هذه الخيارات يترك تأثيراً كبيراً على الجمع بين الأدلة المختلفة في ظاهرها.

([78]) وقد تحدَّثت عن هذه الظاهرة بالتفصيل في مقال تحت عنوان «فقه ومصلحت».

([79]) صادق لاريجاني، گفت وگوهای فلسفه فقه: 181.

([80]) طبقاً لهذا المقترح فإن الكثير من المسائل المبعثرة، والتي لا تجد لها موطناً في أصول الفقه، ستجد مكانها الواقعي. توضيح ذلك:

1ـ المجعولات والأحكام تمثّل جميع الاعتبارات والمطالب والإرادة الإلهية، دون واسطة أو بواسطة المنظومة التي تحدِّدها الإرادة الإلهية (الأحكام الواقعية).

2ـ إن مباحث الفرع رقم (1) تتحدّث عن عوارض المقرّرات (من دون واسطة).

3ـ إن المباحث المطروحة في الفرع رقم (2)، تتحدَّث عن «الحجج» والمدراك والمستندات (فعلاً أو شأناً)، والمباحث التي تحوم حول هذه المستندات.

4ـ إن الفرع رقم (4) يتحدّث عن الوظيفة في عصر فقدان سند اكتشاف الشريعة (الأحكام الواقعية)، أي الأحكام الظاهرية.

5ـ لا بُدَّ من وجود مربَّعات خالية ترصد للمباحث الاحتمالية.