فلسفة الفلسفة الإسلامية

22 يناير 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
778 زيارة

فلسفة الفلسفة الإسلامية

د. الشيخ عبد الحسين خسرو ﭘناه(*)

ترجمة: حسن الهاشمي

مدخل ــــــ

تعتبر الفلسفة من الخصائص التي تميّز الإنسان عن غيره؛ إذ يقول أرسطوطاليس: جميع الناس ينزعون بطبيعتهم إلى المعرفة، والدليل على ذلك شدّة تمسّكنا بحواسنا. صحيح أن الحيوانات تتمتّع بالقوى الإدراكية الحسّيّة أيضاً، ولها حظها النسبي من الذاكرة والتجارب المتواضعة، إلاّ أن الإنسان يمتاز منها في حياته باعتماد الصناعة والاستدلال والتعقّل. إن التجربة تعني معرفة الأفراد والمصاديق، وهي معرفة لا تتضمّن معرفة العلة، بَيْدَ أن الصناعة تعني معرفة الكلّيات، وتتضمّن معرفة العلة([1]). لا يقتصر عدم إطلاق الحكمة والفلسفة على المعلومات الحسّيّة والتجريبية فحَسْب، بل لا بُدَّ من عدم اعتبار أنواع الفنون والصناعات من الفلسفة بالمعنى الدقيق للكلمة أيضاً. إن الفلسفة علمٌ يتعاطى مع العلل والمبادئ الأولى ـ سواءٌ في ذلك العلل الوجودية والمعرفية ـ، ولذلك فهي تبحث في جميع الحقائق الكلّية والعامّة، من قبيل: أصل الوجود، ووجود المعرفة، ووجود النفس، ووجود الله، وعوالم الوجود، والوجود الاعتباري، وغيره.

إن الفلسفة لم تعد اليوم مجرّد علم، بل إنها تحكي عن علوم ومذاهب وانتماءات متنوّعة. ونحن في هذه المقالة نسعى إلى بيان الفلسفة الإسلامية من خلال رؤيةٍ من الدرجة الثانية:

1ـ فلسفة الفلسفة الإسلامية ــــــ

وهي عبارة عن العلم الشامل للفلسفة الإسلامية والتوجّهات. وموضوع هذا العلم الشامل عبارة عن: الفلسفة الإسلامية والاتّجاهات المشّائية والإشراقية والصدرائية، وما توصّلت إليه الشخصيات البارزة في الحكمة الإسلامية.

إن المنهج العامّ للتحقيق في فلسفة الفلسفة الإسلامية يحصل من خلال الأسلوب الهرمنيوطيقي، وفهم النظريات والاتجاهات والمعطيات والنماذج الفلسفية. وأمّا في مقام أسلوب التحقيق فإن مسار هذا البحث سيكون وصفياً وتعليلياً وتحليلياً واستدلالياً ونقديّاً.

وإن اتجاه فلسفة الفلسفة الإسلامية في مقام جمع المعلومات تاريخي ـ تقريري، وفي مقام الحكم والتحليل معرفيّ.

إن غاية وهدف هذا العلم هو وصف وتحليل مدارس ومذاهب الفلسفة الإسلامية، وتقييم وكشف نقاط ضعفها وقوتها. وإن هذا الهدف يتمّ في إطار الالتفات إلى جدوائية ودور الفلسفة في حقل الإلهيات والعلوم والفلسفات المضافة والثقافة والفنّ، وتطبيق الفلسفة وتطويرها بما يتناسب والحاجة المعاصرة للدنيا والآخرة، والحياة المادّية والمعنوية، والفردية والاجتماعية. وفي نهاية المطاف يتمّ تقديم بنية ومنظومة جديدة مقترحة للفلسفة الإسلامية. وبعبارة أخرى: إن الهدف النهائي لفلسفة الفلسفة الإسلامية عبارةٌ عن اكتشاف وتقديم بنية منظّمة للفلسفة الإسلامية، تتمتّع بالخصائص التالية:

أـ اتّصافها بالفلسفة، وتمتّع جميع مسائل الفلسفة الإسلامية بالمنهج العقلي.

ب ـ اتّصافها بالإسلامية، بمعنى التناغم بين المسائل الفلسفية والتعاليم الإسلامية، أو ـ في الحدّ الأدنى ـ عدم مخالفتها للإسلام بشكلٍ صريح.

ج ـ الجدوائية والحداثة، بمعنى اضطلاع الفلسفة الإسلامية بدورها في الإلهيّات والعلوم والفلسفات المضافة والثقافة والفنّ، وغيرها من احتياجات الإنسان المعاصر.

إن هذه المنظومة، علاوة على العلاقات المنسجمة للمسائل، وتعيين حدودها، يجب أن تحدِّد الموضوع الأصلي للنظام الجديد.

2ـ بيان المفاهيم ــــــ

لكي نفهم المسائل المذكورة آنفاً لا بُدَّ من بيان وشرح الألفاظ الرئيسة في الفلسفة الإسلامية، من قبيل: أسلوب ومنهج التحقيق، والاتّجاه، والمعطيات، بشكلٍ شامل.

أـ منهج التحقيق ــــــ

إنّ منهج التحقيق([2]) بالمعنى العامّ عبارة عن جمع المعلومات بشأن نظريةٍ ما، وتوصيفها، والحكم بشأنها، وفهمها.

يُطلق على القسم الأول من منهج التحقيق بالمعنى العامّ مصطلح فنّ التحقيق. ويتمّ تقسيمه إلى: الميداني؛ والمكتبي. ويتمّ تقسيم الميداني إلى: تحقيقي؛ وتقييمي؛ وإحصائي.

ويُطلق على القسم الثاني من منهج التحقيق بالمعنى العام، أي وسيلة التوصيف والحكم والفهم، مصطلح منهج التحقيق بالمعنى الخاصّ. ويتمّ تقسيمه بمختلف اللحاظات إلى أقسام متنوّعة، حيث يتمّ تقسيم منهج التحقيق بالمعنى الخاصّ، في مقابل فنّ التحقيق، بلحاظٍ أوّل إلى: المنهج التوصيفي؛ والمنهج التعليلي؛ والمنهج التحليلي؛ والمنهج الاستدلالي؛ والمنهج النقدي.

يعمل المنهج التوصيفي على تقرير النظرية أو الظاهرة.

ويعمل المنهج التعليلي على بيان أسباب وعلل ظهور النظرية.

ويعمل المنهج التحليلي على اكتشاف مقدّمات ولوازم النظرية.

ويعمل المنهج الاستدلالي على إثبات المعتقد والمتبنّى.

ويعمل المنهج النقدي على الحكم بشأن النظريّة (الاكتشاف، والمطابقة مع الواقع وعدم المطابقة معه).

إن المنهج الاستدلالي هو وسيلة تحويل المتبنّى إلى متبنّى صادق ومبرّر ومستدلّ، وهو الذي يقبل التقسيم إلى: أدوات عقلية؛ وتجريبية؛ ونقلية (الأعمّ من التعبُّدية والتاريخية والحضورية).

وإن المنهج التعليلي عبارةٌ عن بيان علل وعناصر ظهور نظريةٍ ما، من قبيل: العناصر التحفيزية؛ والميكانيكية؛ والتنظيمية؛ والإلهية؛ والاجتماعية؛ وما إلى ذلك.

كما يتمّ تقسيم منهج التحقيق بالمعنى الخاصّ بلحاظٍ آخر إلى: المنهج الهرمنيوطيقي؛ ومنهج علم الظواهر؛ والمنهج البنيوي؛ والمنهج الحواري.

ومن الجدير بالذكر أن المناهج التوصيفية والتعليلية والتحليلية والاستدلالية والنقدية هي وسائل تضمن الهوية المعرفية والدفاعية للنظرية. في حين أن المناهج الهرمنيوطيقية وعلم الظواهر والبنيوية والحوارية تمثّل وسائل للوصول إلى هوية النظرية في ما يتعلّق بالتفهيم والتفاهم.

يجب على فلسفة الفلسفة الإسلامية أن تعمل على توظيف الفنّ المكتبي في إطار توصيف وفهم النظريات والاتّجاهات، بمعنى أنه يجب عليها أن تتبع المنهج التاريخي في مسائل فلسفة الفلسفة الإسلامية، ابتداءً من الكِنْدي ـ بل وحتّى أرسطوطاليس ـ وصولاً إلى الفلسفة الإسلامية المعاصرة.

إن سرّ بحث آراء ومواقف أرسطوطاليس وبعض فلاسفة الإغريق يكمن في تأثُّر الفلسفة الإسلامية الأولى بها، حيث يمكن لنا من خلال الدراسة الدقيقة والتحليلية لمؤلّفات الفلاسفة الإغريقيين أن نتعرّف على حجم تأثُّر الفلاسفة المسلمين ـ ولا سيَّما الكندي والفارابي وابن سينا ـ بالفلاسفة الإغريقيين. وعلى هذا الأساس فإن المراد من الفن المكتبي هو التعرّف على مؤلفات الحكماء المسلمين، وفهم مدَّعياتهم بشكلٍ دقيق. إن الفهم الدقيق للنظريات والاتجاهات والمعطيات والنماذج الفلسفية إنما يكون من خلال المنهج الهرمنيوطيقي([3])، أي إن على الباحث في سياق فهم المساحات المتقدّمة أن لا يفرض رواسبه على النصّ، وإنما عليه الاقتصار على فهم مراد وغاية المؤلِّفين في الحكمة.

ومن الجدير بالذكر أنه لا بُدَّ للوصول إلى هذه الغاية من أن يكون التمحور حول المؤلّف، لا أن يُصار إلى التمحور حول المفسّر، كما هو حال علماء الهرمنيوطيقا الفلسفية.

توضيح ذلك: إن كلّ نصٍّ يرتبط بمؤلفه ومفسّره. وإنّ تفسير وفهم النصّ يختلف عن اتّجاه محورية المؤلّف ومحورية المفسّر أيضاً.

يبذل المتمحور حول المؤلّف كل ما في وسعه من أجل الوصول إلى مراد المؤلّف وكاتب النصّ. ولذلك تجده معتمداً على القرائن الحالية والمقالية والقواعد اللغوية والنحوية ليصل إلى مرادات المؤلِّف بشكلٍ أفضل. إن على الباحث في مقام فهم وتوصيف آراء الفلاسفة الإسلاميين أن يتجنَّب الخوض في تفسير المصادر المكتوبة بمحورية المفسّر، فعليه أن يتجنَّب التفسير بالرأي، وإسقاط رواسبه الذهنية على مسار الفهم. وبطبيعة الحال علينا أن ندرك أن الرواسب والمعلومات السابقة على ثلاثة أنواع، وهي:

أوّلاً: الافتراضات الاستخراجية والاستنباطية، والتي هي عبارةٌ عن وسائل اصطياد المعاني من النصوص، أي إنّها قواعد لغة المتكلِّم، من قبيل: قواعد اللغة العربية ـ مثلاً ـ بالنسبة إلى نصوص الفلسفة الإسلامية، والقواعد التي تحكم الكلام من قبيل: العامّ والخاصّ، والمطلَق والمقيِّد، والمجْمَل والمبيِّن، والقرائن الحالية والمقالية، والالتفات إلى معاني المفردات في عصر المؤلّف. إن هذه المجموعة من الفرضيات لا تندرج ضمن العَقَبات الماثلة في طريق فهم مراد ومقاصد مؤلف النصّ، بل هي مصاحبة للفهم ومتزامنة معه، ويجب العمل على توظيفها والإفادة منها.

وثانياً: الافتراضات الاستفهامية، بمعنى الأسئلة التي يثيرها المفسّر بشأن النصوص الفلسفية، وتكون منشأً للحصول على مداليلها الالتزامية، ولولا تلك الأسئلة، لما كُتب الظهور لتلك المعاني الإلتزامية أبداً. إن هذه المجموعة من الافتراضات تنفع في مقام فهم وتوصيف النصوص الفلسفية أيضاً، وتساعد على تحليل واكتشاف الدلالات الالتزامية، كما تساعد على فهم فرضيات المؤلّف أيضاً.

وثالثاً: الافتراضات الإسقاطية والتطبيقية التي تؤدّي إلى التفسير بالرأي. فعلى سبيل المثال: لو كان الشخص من القائلين بعلم المنهج، وعمد إلى تفسير نصوص أرسطوطاليس وكأنّه من القائلين بعلم المنهج، يكون قد سقط في شِراك الافتراضات الإسقاطية، وتحميل فهمه على ما يريده أرسطوطاليس([4]). وعليه فإنّ فلسفة الفلسفة الإسلامية في مقام جمع المعلومات تستفيد من الأسلوب الهرمنيوطيقي، وأمّا في مقام التقييم والحكم فتستفيد من الأساليب التعليلية والتحليلية والاستدلالية والنقدية. إن فلسفة الفلسفة الإسلامية من خلال توظيفها للأسلوب التعليلي تعمل على اكتشاف عناصر وأسباب ظهور النماذج والمدارس الفلسفية، ومن خلال توظيفها للأسلوب التحليلي تعمل على اكتشاف الافتراضات واللوازم والمعطيات، ومن خلال توظيف الأسلوب النقدي تعمل على اكتشاف الأساليب المعرفية والمضمونية لتلك المدارس والاتجاهات الفلسفية.

إن الأساليب الاستدلالية في هذه الفلسفة المضافة أعمّ من البرهان العقلي والنقلي التاريخي والوجداني، بمعنى أنّه بالإمكان من خلال هذه الأساليب الاستدلال لصالح النظريات الجديدة للفلسفة الإسلامية، والعمل على إثبات مدَّعياتها، أو جعلها معقولة.

ب ـ النظريّة ــــــ

إن المدّعى أو الحكم الذي يُحمل على الموضوع أو المحتوى الفكري هو الذي نطلق عليه عنوان النظريّة. وإن النظرية الفلسفية هي الحكم أو المدَّعى الذي يتمّ حمله على الموضوع الفلسفي.

ج ـ الاتّجاه أو المسلك ــــــ

إن الاتجاه والمسلك (Approach) عبارة عن زاوية الرؤية الجماعية للعلماء والمتخصِّصين في ما يتعلّق بظهور نظرية أو رؤية معيّنة، من قبيل: اتّجاهات ومسالك فلاسفة الحكمة المتعالية إلى النظريات والمسائل الفلسفية.

توضيح ذلك: إن الحكماء المتألِّهين من ذوي الاتّجاه والمسلك العرفاني يبحثون في مسائل من قبيل: الوجود والعلّيّة والحركة، أي إن زاوية رؤيتهم زاوية عرفانية بحتة. ومن هنا يتمّ تفسير العلّية بالتَّشَؤُّن([5]).

إنّ هذه الرؤية العرفانية لا نشاهدها في الحكمة المشّائية، حيث الحاكم هناك هو الاتجاه والمسلك المنطقي والاستدلالي فقط. وبطبيعة الحال فإنّ هذا لا يعني أن الحكمة المتعالية لا تعمل على توظيف الأسلوب العقلي ـ البرهاني في إثبات المسائل الفلسفية، وإنما يتمّ توظيف الأسلوب والمنهج العقلي ـ البرهاني من زاوية الرؤية العرفانية.

أما المعطى (Attitude) فعبارة عن الزاوية والأفق ومساحة الرؤية الشخصية للعلماء والباحثين في ظهور نظريةٍ أو فكرة معيّنة، من قبيل: المعطى المعرفي الاجتماعي لدى الدكتور علي شريعتي، أو المعطى الفلسفي للأستاذ الشهيد مرتضى مطهري، في التفكير الديني. وعلى هذا الأساس فإن الدكتور علي شريعتي يقدّم تفسيراً اجتماعياً للمفاهيم الدينية، وتحظى لديه آليات الدين الاجتماعية بأهمّية خاصّة. وإن الأستاذ الشهيد مرتضى مطهري وإنْ كان ينظر إلى المسائل الدينية من هذه الزاوية أيضاً، إلاّ أن الاتجاه الفلسفي (وذلك من خلال القول بالحكمة المتعالية) عنده هو الغالب، ولذلك يسعى إلى تقديم تفسير عقلاني للقضايا والمتبنيات الدينية.

ومن الجدير بالذكر أنّ كلّ اتّجاه أو مسلك ينظر إلى النظرية أو الفكرة المعيّنة من خلال الرواسب والفرضيات الخاصة. فعلى سبيل المثال: إن الافتراض الجبري، وتأثير المجتمع على الفكر، والنسبية المعرفية الحاكمة على الاتجاه الاجتماعي أو الاتّجاه التاريخي، هو معرفة الفكرة أو النظرية في أوضاعها وأحوالها الزمانية والمكانية المختلفة.

إن فلسفة الفلسفة الإسلامية ـ بالإضافة إلى توصيف اتّجاهات الفلاسفة الإسلاميين وانتماءاتهم المتنوّعة، وتحليلها وبيان آفاتها، مع اكتشاف وتبيين اتّجاهات الحكمة المشّائية والإشراقية والمتعالية ـ تعمل على معرفة وتقييم مسالك الحكماء البارزين، وخاصّة المؤسِّسين للمدارس والانتماءات السائدة والشائعة.

والمسألة الأخرى الجديرة بالاهتمام هي أن اتّجاهنا في بيان مباحث فلسفة الفلسفة الإسلامية هو اتجاهٌ تاريخي ومعرفي؛ حيث يتمّ توظيف الاتّجاه التاريخي في مقام جمع المعلومات، ويتمّ توظيف الاتّجاه المعرفي في مقام الحكم. إنّ الاتجاه المعرفي يعني أن الفيلسوف في فلسفة الفلسفة الإسلامية لا يعالج صُلْب المسائل الفلسفية من خلال الرؤية من الدرجة الأولى، كما لا يعمل في مقام الإثبات على نفي المسائل الفلسفية التي هي من قبيل: أصالة الوجود أو الماهية وأمثال ذلك، وإنّما يمتلك في ما يتعلق بهذه المسائل رؤية شمولية ومن الدرجة الثانية، بمعنى أن زاوية رؤية الباحثين في هذا العلم تكون شاملةً وعامة وخارجية.

كما أن الاتجاه التاريخي يدرس ويرصد المذاهب والاتجاهات الفلسفية في وضع زماني ومكاني خاصّ.

وعليه فإن اتجاه التحقيق في مسائل الفلسفة الإسلامية اتجاه معرفي وتاريخي، أي إن هناك رؤية شاملة وخارجية إلى المدارس والاتجاهات والمسالك الفلسفية، وإنها تواصل هذه الرؤية بشكلٍ تاريخي، وتتعرّف إلى مسار ظهور وبسط وقبض المسائل، ولذلك تجب دراسة كلّ واحدةٍ من مسائل هذا العلم، من قبيل: ماهية الفلسفة، وأسلوب الفلسفة، من عصر الكِنْدي إلى الحكماء المعاصرين.

د ـ المشروع أو النموذج أو المثال ــــــ

إن التصوّر الذهني لموضوعٍ ما ـ والذي يشتمل على سلسلة من الأساليب والاتجاهات والنظريات، من قبيل: النزعة التقليدية، أو العقلانية الانتقادية ـ يُطلق عليه مصطلح المشروع، أو النموذج، أو المثال.

هـ ـ السلسلة العلمية لمجموعة من القضايا المنتظمة والمشتملة على انتظامٍ مع موضوع أو محور معيّن ومحمولات مختلفة ــــــ

تنقسم المجموعات العلمية إلى خمسة أقسام: عقلية، من قبيل: الفلسفة؛ وتجريبية، من قبيل: علم الأحياء؛ وشهودية، من قبيل: العرفان؛ ونقلية، من قبيل: التاريخ والفقه؛ وتركيبيّة، من قبيل: العلوم الإنسانية.

و ـ العلم الباطني والشمولي ــــــ

تنقسم المعارف البشرية إلى قسمين:

الأول: المعارف والحقول العلمية من الدرجة الأولى، التي يشكِّل الواقع (fact) موضوعاً لها. إنّ هذا السنخ من الحقول العلمية يبحث عن عوارض وأحكام الواقعيات الخارجية والذهنية، ويمكن تسميتها بـ (العلوم الباطنية).

الثاني: المعارف والحقول العلمية من الدرجة الثانية، والتي تبحث عن العلوم من الدرجة الأولى. ويمكن تسمية هذا السِّنْخ من العلوم بـ (الفلسفات المضافة) أو (العلوم الشمولية).

من هنا فإن فلسفة الفلسفة الإسلامية واحدة من الفلسفات المضافة التي تبحث في الفلسفة الإسلامية بشكلٍ شمولي.

3ـ الفلسفة المضافة ــــــ

إن هذه العبارة من المشترك اللفظي بين فلسفة العلوم وفلسفة الحقائق. إن فلسفة العلوم معرفة شمولية وصفية ـ تحليلية لحقلٍ علمي، من قبيل: فلسفة المعرفة الدينية، وفلسفة العلوم التجريبية، وفلسفة العلوم الاجتماعية، وما إلى ذلك. وفلسفة الحقائق معرفة باطنية وصفية ـ عقلانية للظواهر الحقيقية والاعتبارية، من قبيل: فلسفة الدين، وفلسفة النفس، وفلسفة السياسة.

توضيح ذلك: إن الفلسفات المضافة تظهر على حالتين. وإن الفلسفة في الحالة الأولى تضاف إلى الظواهر، والحقائق الذهنية والخارجية والحقيقية والاعتبارية؛ وفي الحالة الثانية تضاف إلى المعارف والعلوم المنتظمة. وإن الفلسفة المضافة إلى الظواهر والحقائق من سنخ العلوم من الدرجة الأولى، والتي تخوض في التحليل العقلي لموضوع معيّن، أي الواقعية الخارجية أو الذهنية برؤيةٍ فلسفية، من قبيل: فلسفة الحياة، وفلسفة اللغة، وفلسفة الذهن، وفلسفة النفس، وفلسفة المعرفة، وفلسفة الدين، وفلسفة النبوّة، وما إلى ذلك.

إن الفلسفة الإسلامية ـ ولا سيَّما في ما يتعلَّق باتجاه الحكمة المشّائية والحكمة المتعالية بالالتفات إلى بيان أحكام وعوارض الموجود بما هو موجودٌ ـ تبحث في بعض أنواع الفلسفات المضافة إلى الظواهر والحقائق، من قبيل: فلسفة الوجود، وفلسفة المعرفة، وفلسفة النفس، وفلسفة الدين. إن النفس واقعيّة خارجية، والمعرفة واقعية ذهنية([6]).

إن الفلسفات المضافة تبحث في العلوم التي هي من سنخ المعرفة من الدرجة الثانية، بمعنى العمل المنتظم، والذي يبحث في التوصيف التاريخي، والتحليل العقلاني والشامل، للعلم المضاف إليه.

وبعبارةٍ أخرى: إن الفلسفات المضافة إلى العلوم تبحث في العلوم المنتظمة والحقول العلمية برؤيةٍ خارجية، وتعمل على بيان أحكامها وعوارضها، ولن يكون لها أيّ حكم بشأن صدق وكذب قضايا العلم المضاف إليه.

أـ اختلاف فلسفات العلوم عن فلسفات الحقائق ــــــ

يكمن الاختلاف الماهوي بين الفلسفة المضافة إلى الحقائق والفلسفة المضافة إلى الحقول العلمية في الأمور التالية:

أوّلاً: إن منهج التحقيق الخاص في الصنف الأول استدلالي ونقدي؛ وفي الصنف الثاني وصفي تحليلي استدلالي ونقدي. وإن الاتجاه والمسلك في الفلسفات المضافة إلى العلوم في مقام جمع المعلومات تاريخي ـ تقريري، وفي مقام الحكم والتحليل معرفي. وإن فنّ التحقيق فيها مكتبي ـ هرمنيوطيقي؛ في حين أن الاتجاه والمسلك في فلسفات الحقائق واقعيّ.

وثانياً: إن الاتجاه الآخر في الفلسفات المضافة إلى الحقائق باطني، والاتجاه الآخر في الفلسفات المضافة إلى العلوم ظاهري وخارجي. فعلى سبيل المثال: في ما يتعلّق بفلسفة الذهن يجب الغوص في عمق المواد الذهنية، واكتشاف مساحاتها، ومختلف قواها الإدراكية، وأما في فلسفة الفيزياء فلا يجوز الخَوْض في مطالعة المسائل الفيزيائية الزمنية، ولا ينبغي الحديث عن تحوُّلات المادة والطاقة والجرم والقوّة والسرعة والنور والكهرباء وما إلى ذلك.

إن فلسفة الفيزياء علمٌ يُخضع الفيزياء ـ بوصفها واقعية خارجية ـ للدراسة والبحث العلمي، ويبحث عن كيفية وتطوّر الفيزياء، وأدواتها، ومصادر معرفتها، ومناهج تحقيقها، وحكايتها عن الواقع أو آلياتها التنظيرية، كما تبحث في ارتباط الفيزياء بالعلوم الأخرى.

وثالثاً: إن سنخ الفلسفة المضافة إلى الحقائق يختلف عن سنخ مسائل الفلسفة المضافة إلى الحقول العلمية. فإن المسائل في فلسفة الحقائق سابقة، ومن الدرجة الأولى، وناظرة إلى الحقائق الخارجية أو الذهنية، من قبيل: فلسفة الدين، التي تنظر إلى واقعية الدين الخارجية، وتسعى إلى تحليل عقلاني للمسائل الداخلية والمشتركة بين الأديان، من قبيل: الخالق، والتكليف، والإيمان، والخلق، والنبوّة، والوحي، والحياة الأبدية([7])؛ أو فلسفة المعرفة، التي تبحث في الواقعيات الذهنية للمعرفة، بمعنى مطلق الإدراك، وتعبِّر عن عوارض الوجود وأحكامه. وأما مسائل فلسفة الحقول العلمية فهي لاحقة، ومن الدرجة الثانية، وناظرة إلى العلوم المحقّقة. فعلى سبيل المثال: إن فلسفة علم الاجتماع ـ ومن خلال نظرة من الدرجة الثانية إلى العلوم الاجتماعية المتحقّقة ـ تنسب إلى علم الاجتماع اتّجاهين، وهما: الاتّجاه التبييني (الباحث عن العلّة)؛ والاتجاه التفسيري (الباحث عن المعنى). والاتّجاه الأول ينظر إلى المجتمع بوصفه قطعةً من الطبيعة، ويسعى إلى العثور على نظام مقنّن، وإلى التصرّف في المجتمع والمعيشة؛ والآخر يقرأ المجتمع بوصفه نصّاً مكتوباً، ويسعى إلى مجرّد فهمه، لا أكثر([8]).

كما تخوض فلسفة علم التاريخ في مسائل من قبيل:

1ـ كيف يمكن التكهُّن في التاريخ؟

2ـ هل علم التاريخ علمٌ تجريبي؟

3ـ هل تفسير الظواهر التاريخية مثل تفسير الظواهر الفيزيائية؟

4ـ هل التاريخ فنٌّ أم علم؟([9]).

إن مسائل فلسفة علم الأخلاق تحليلية، وما فوق أخلاقية، ومعرفية، ومفهومية. وإن مفاهيم ألفاظ الحُسْن والقُبْح، والصواب والخطأ، وكيفية إثبات الأحكام الأخلاقية، والطبيعة الأخلاقية، واستنباط الضرورات والمحظورات من الكينونات والأعدام، وما إلى ذلك، نماذج من الأسئلة الثانوية في علم الأخلاق([10]).

إن المسائل الرئيسة والجوهرية في فلسفة العلم عبارةٌ عن:

ـ دراسة فرضيات العلوم، من قبيل: العلّة، والقانون.

ـ حدود وارتباطات العلوم ببعضها.

ـ التأثير الاجتماعي للعلوم.

ـ الحيادية والواقعية العلمية.

ـ معرفة مناهج العلوم([11]).

ورابعاً: إن فلسفة الفروع والحقول العلمية معارف وعلوم من الدرجة الثانية، بمعنى أنّه يجب أوّلاً أن تتبلور المعارف المنتظمة، ويمضي عليها بعض الوقت، ثمّ المصير بعد ذلك إلى البحث في المسائل ذات الصلة بها. وأما فلسفة الحقائق فهي معارف وعلوم من الدرجة الأولى، بمعنى أن المضاف إليها لم يتبلور على شكل علمٍ منتظم، وبعد البحث والدراسة بشأن تلك الحقائق تتجلّى فلسفتها على شكل علمٍ معرفي، أو بوصفها جزءاً من بنية علمٍ ما. فعلى سبيل المثال: إن فلسفة الرياضيات علمٌ وتحقيق بشأن مباني علم الرياضيات، وتسعى من خلال المنهج التحليلي والفلسفي إلى التحقيق بشأن ماهية الرياضيات، وكيفية ظهور النظريات، وبنية الرياضيات، ومسار تطوّرها وتحوّلها. وهذا يعني أن فلسفة الرياضيات إنّما تتبلور بوصفها علماً بعد نضج الرياضيات نفسها([12]). وعليه تكون فلسفات الحقول العلمية معارف من الدرجة الثانية، ولا تضيف شيئاً إلى نظريات وفرضيات تلك الحقول العلمية، وإنّما تتحدّث عنها فقط. وأما فلسفة حقائق المعارف فتعتبر من الدرجة الأولى. فعلى سبيل المثال: إن فلسفة اللغة تبحث ـ بوصفها من الدرجة الأولى ـ بشأن الأسئلة ذات الصلة باللغة، وهي أسئلة من قبيل:

1ـ كيف تعبِّر اللغة عن الواقعية؟

2ـ ما هي ماهيّة المعنى؟

3ـ ما معنى الصدق، والدلالة، والضرورة المنطقية؟

4ـ ما هو الفعل القولي؟

5ـ ما هي النسبة بين المعنى والتطبيق، أو معاني الألفاظ ومقاصد ونوايا المتكلِّم من كلامه؟

6ـ ما هي النسبة بين المعنى والمصداق؟([13]).

ومن الجدير بالذكر أن اللغة واقعية اعتبارية (وليست حقلاً علمياً)، وعليه تعتبر فلسفة اللغة علماً من الدرجة الأولى.

إن بيان وشرح هذه المسألة الرابعة بحاجةٍ إلى فرصةٍ أوسع؛ كي تُبْحَث بالتفصيل([14]).

وخامساً: إن الفلسفة المضافة إلى الحقول العلمية([15])تؤدّي إلى تحوّلات أساسية وجوهرية في الحقول العلمية. وبالإضافة إلى الوصف التاريخي لواقعيتها الخارجية، تصل من خلال التحليل العقلاني إلى مرحلة التوصية والاقتراح. وإن العمل بهذه المرحلة يعطي تحوّلاً مفهومياً في الحقول العلمية. فعلى سبيل المثال: إن فلسفة الرياضيات أو فلسفة الفيزياء، من خلال التحليل العقلاني لعلوم الرياضيات والفيزياء، تستطيع التأثير في بنيتها ومساحتها. مثلاً: إذا كانت رؤيتنا العامة للمعرفة رؤية إشراقية أو مثالية أو واقعية فإن مسائل العلوم الرياضية أو الفيزيائية سوف يتمّ بيانها على منهج خاصّ يقوم على الرؤية الفلسفية العامة.

إن الثورة التي حصلت في فلسفة الغرب مؤخَّراً تكمن في أن الفلاسفة المعاصرين بدأوا يركِّزون على الواقعيات التي تشتمل على صبغةٍ تطبيقية أكثر من غيرها. إن الفلسفات البحتة بشكلٍ عام ذات صبغة ذهنية وانتزاعية، أما الفروع الجديدة للفلسفة، أي الفلسفات المضافة، فتتعاطى مع المفاهيم التي تتَّخذ صبغة واقعية، وتترك لوازم هامّة في حقل الدراسات الاجتماعية، من قبيل: بيان ماهية الظواهر الاجتماعية التي لا يمكن حلُّها إلاّ من خلال الاستعانة بالفلسفة([16]). أما الفلسفات المضافة إلى الظواهر والمقولات فلا تسعى إلى إحداث تغييرات أساسية وجوهرية في علمٍ آخر، رغم أنه من الممكن من خلال الدراسة الفلسفية لتلك الظواهر إحداث تطوير داخلي وموردي بشأنها.

ب ـ مسائل فلسفة الحقول العلمية ــــــ

إن المسائل الأساسية في فلسفات العلوم، بحَسَب الترتيب المنطقي، عبارةٌ عن:

1ـ التعريف بماهيّة العلم.

2ـ هندسة ومساحة وبنية العلم، وبيان أهمّ مسائله.

3ـ التعريف بالمفاهيم الجوهرية للعلم.

4ـ المنهج المعرفي، واكتشاف اتجاهات ومسالك العلم.

5ـ مباحث معرفة العلم، من قبيل: كيفية إثبات القضايا، وبيان طبيعتها.

6ـ الفرضيات والمبادئ العلمية وغير العلمية (التبيين النفسي والاجتماعي) للعلم، والسلوك الجمعي والمؤثّر للعلماء.

7ـ الغاية، والآلية، والتَّبِعات الفردية والاجتماعية للعلم.

8ـ الدراسات المقارنة لمختلف اتجاهات العلم والمعرفة.

9ـ نسبة وعلاقات المعرفة إلى العلوم والحقول المعرفية المتناغمة والمرتبطة ببعضها (بيان النسبة والتأثير والتأثُّر بين العلوم).

10ـ معرفة الآفات، واكتشاف ضرورات العلم والمعرفة.

ومن الجدير بالذكر أن هذه المسائل العشرة تُدْرَس من خلال منهج التوصيف والتحليل والاتجاه التاريخي، والمعرفة الاجتماعية والنفسية أحياناً، ليحصل التحوُّل العلمي في مقام التوصية.

4ـ أنواع فلسفة الحقول العلمية ــــــ

كما تقدّم فإن الفلسفة المضافة إلى علمٍ أو حقل علمي هي نوع من فلسفة الأمور، بمعنى التعقُّل الذي يجعله العلم والحقل العلمي موضوعاً للبحث والتحقيق، ليستعرض التحليلات النظرية والخارجية المرتبطة بها. إن هذه المجموعة من الفلسفات المضافة ثمرة علومٍ مثل: المعرفة، وعلم المنهج، والتاريخ، ويتمّ تبويبها وتصنيفها بلحاظ تقسيمات العلوم([17]). فعلى سبيل المثال: إن العلوم بلحاظ الموضوع قابلة للتقسيم إلى: العلوم التي يكون موضوعها الوجود الكلّي، والوجود الكلّي السعي، والوجود الخاص الكمّي، والوجود الخاصّ الكيفي غير الإرادي، والوجود الخاصّ الكيفي الإرادي. وأما علوم مثل: الفلسفة الأولى فتشكِّل علوماً من قبيل: العرفان، والكلام، والرياضيات، والعلوم الطبيعية، والعلوم الإنسانية. وعلى هذا الأساس تنشأ الفلسفات المضافة إلى هذه العلوم.

أما التقسيم الآخر للعلوم فيتمّ بلحاظ المحمولات والأحكام؛ لأن الأحكام إمّا حقيقية أو اعتبارية. والأحكام الحقيقية تنقسم إلى: الأحكام الخارجية؛ والأحكام الذهنية. ومن هنا يمكن تقسيم الفلسفات المضافة إلى ثلاثة علوم، وهي: العلوم الحقيقية الخارجية، وفلسفة العلوم الحقيقية الذهنية، وفلسفة العلوم الاعتبارية.

والتقسيم الثالث للعلوم بلحاظ الأساليب ومعيار تقييم العلوم. ومنه نحصل على: العلوم العقلية، والعلوم النقلية، والعلوم الشهودية، والعلوم التجريبية. وإن فلسفات هذا النوع من العلوم عبارة عن: فلسفة العلوم العقلية، وفلسفة العلوم النقلية، وفلسفة العلوم الشهودية، وفلسفة العلوم التجريبية. وأما أنا فأقسِّم العلوم، بلحاظ الأسلوب والموضوع، إلى الأقسام التالية: 1ـ العلوم العقلية؛ 2ـ العلوم الشهودية؛ 3ـ العلوم الطبيعية؛ 4ـ العلوم الإنسانية؛ 5ـ العلوم الأدبية؛ 6ـ العلوم الدينية. وإن الفلسفات المضافة إلى هذه العلوم المذكورة عبارةٌ عن:

1ـ فلسفة العلوم العقلية، من قبيل: فلسفة الفلسفة، وفلسفة المنطق، وفلسفة المعرفة، وفلسفة العلوم الرياضية (فلسفة الحساب، وفلسفة الهندسة، وما إلى ذلك).

2ـ فلسفة العلوم الشهودية، من قبيل: فلسفة علم العرفان.

3ـ فلسفة العلوم الطبيعية، من قبيل: فلسفة علم الفيزياء، وفلسفة علم الكيمياء، وفلسفة علم الأحياء، وفلسفة الطبّ، وفلسفة علم الفلك والنجوم، وما إلى ذلك.

4ـ فلسفة العلوم الإنسانية، من قبيل: فلسفة علم النفس، وفلسفة علم الاقتصاد، وفلسفة علم الاجتماع، وفلسفة علم التاريخ، وفلسفة العلوم التربوية، وفلسفة العلوم السياسية، وفلسفة علم الإدارة، وفلسفة علم الحقوق، وما إلى ذلك.

5ـ فلسفة العلوم الأدبية، من قبيل: فلسفة علم الصرف، وفلسفة علم النحو، وفلسفة علم المعاني، وفلسفة علم البيان، وفلسفة علم البديع، وما إلى ذلك.

6ـ فلسفة العلوم الدينية، من قبيل: فلسفة علم الكلام، وفلسفة علم التفسير، وفلسفة علم الحديث، وفلسفة علم الفقه، وفلسفة علم الأخلاق، وفلسفة علم الأديان([18]).

5ـ ضرورة التأسيس لفلسفات الحقول العلمية ــــــ

كما أن ازدهار الفلسفة الإسلامية، وانضواء فلسفات الحقائق فيها، ضروريٌّ فإن التأسيس للفلسفات المضافة إلى العلوم ضروريٌّ أيضاً؛ للأسباب التالية:

1ـ الرؤية الشمولية للعلوم المضاف إليها، والإحاطة العلمية بتاريخ نشوئها، وتطوّرها.

2ـ مقارنة العلوم المتحقّقة بالاحتياجات الراهنة، واكتشاف النقص والشوائب وآفات تلك العلوم.

3ـ التوصيات والضرورات اللازمة من أجل ازدهار العلوم، وانسجامها البنيوي والمضموني في إطار الاحتياجات المكتشفة.

4ـ تطوّر التكنولوجيا التعليمية، والضرورات التعليمية للعلوم، وبناء الثقافة في المجتمع.

ومن الجدير بالذكر أن تأسيس فلسفة الفلسفة الإسلامية مؤثِّرٌ جدّاً في الإدراك العام، والإحاطة العلمية بتاريخ ظهور وتطوّر الفلسفة، ومعرفة الآفات، وكشف النقص، واحتياج الفلسفة المعاصرة، وضرورات التحقيق والتجديد في الفلسفة الإسلامية، والتعليم وبناء الثقافة الفلسفية، ونشرها والترويج لها في العالم، وضروريٌّ للغاية.

6ـ الرؤوس الثمانية ــــــ

إن من المسائل المشابِهة لفلسفات العلوم مسألة الرؤوس الثمانية للعلوم.

هناك من العلماء والباحثين مَنْ تصوَّر ـ خطأً ـ أن الرؤوس الثمانية وفلسفات العلوم شيءٌ واحد، وقالوا بأنهما مترادفان؛ وأحياناً يذهبون إلى اعتبار أجزاء ومبادئ العلوم والرؤوس الثمانية شيئاً واحداً، في حين أنّ هناك اختلافاً منهجيّاً ومضمونيّاً بين هذه المقولات الثلاث. إن الرؤوس الثمانية لكلّ علمٍ عبارةٌ عن المباحث التمهيدية لذلك العلم، والتي تذكر في مستهلّ الكتب للتعريف بمختلف أنحاء العلم، وبيانها للطلاّب.

إن هذه المباحث التمهيدية لا تعدّ جزءاً من مسائل وأجزاء العلوم، ولا يُبحث عنها ضمن فصول وأقسام العلم، ولكنّها ناظرة إلى العلم.

إن الغاية الرئيسة من الرؤوس الثمانية تكمن في إيجاد البصيرة ومزيد من المعرفة بين طلاّب ذلك العلم. إن الرؤوس والمقدّمات الثمانية، التي كان المتقدِّمون يذكرونها في ديباجة مؤلَّفاتهم، عبارةٌ عن:

1ـ الغرض والغاية من العلم؛ كي يعلم أن ذلك العلم ليس تَرَفاً أو عَبَثاً.

2ـ تعريف العلم.

3ـ موضوع العلم.

4ـ فائدة العلم؛ من أجل تشجيع المتعلِّمين على طلبه.

5ـ عنوان أو فهرسة أبواب العلم؛ بغية المطالبة المنطقية بالمباحث الخاصّة بها.

6ـ اسم المؤلِّف، أو واضع العلم، أو مؤلِّف الكتاب؛ لحصول الاطمئنان لدى المتعلِّم.

7ـ بيان مرتبة العلم؛ بغية تحصيل الافتراضات العلمية، وإدراك تقدُّمه على سائر العلوم، وتأخُّره عنها.

8ـ الأنحاء التعليمية (التقسيم، والتحليل، والبرهان، والتحديد)([19])، أو مناهج اكتساب العلوم التصديقية والتصوُّرية.

لقد عمد بعض المناطقة إلى فصل عنوان وعلامة العلم عن أبواب العلم، واعتبروهما مقدّمتين مستقلتين في الرؤوس الثمانية. ومرادهم من عنوان وعلامة العلم اسم العلم ووجه تسميته؛ من أجل أن يحصل المتعلِّم على رؤيةٍ تفصيليّة بشأن ذلك العلم([20]). وبدلاً من موضوع وتعريف العلم كانوا يطرحون سنخ وصنف العلم. ومرادهم من سنخ وصنف العلم مكانة العلم ومنزلته في العلوم العقلية أو النقلية، والأصلية أو الفرعية، والحكمة النظرية أو الحكمة العملية([21]).

أـ اختلاف الرؤوس الثمانية عن فلسفات العلوم ــــــ

هناك من الفلاسفة الإسلاميين المعاصرين مَنْ يرى أن الفلسفات المضافة هي ذاتها الرؤوس الثمانية، وأنها قد تمّ فصلها عن ديباجات العلوم، ووُضع لها مضمارٌ واسع ومستقلّ، حتّى أضحى الاهتمام بها أكبر من المسائل الموجودة في صُلْب العلوم نفسها. وقد أشار إلى هذا الأمر في معرض تعريفه لفلسفة الأخلاق، فقال: «إن فلسفة الأخلاق علمٌ يبحث في أصول وقواعد ومبادئ علم الأخلاق. ويشير بعضها إلى مسائل من قبيل: البداية التاريخية، والمؤسّس، والهدف، ومنهج التحقيق، ومسار التطوّر والتحوّل في ذلك العلم أيضاً، مثل: المسائل الثمانية، التي دأب المتقدِّمون على ذكرها في مقدّمات كتبهم، وأطلقوا عليها تسمية (الرؤوس الثمانية). ولكي يتمّ تحديد وتشخيص الموضوع مورد البحث في ذلك الحقل بشكلٍ كامل يضيفون أحياناً كلمة العلم في (المضاف إليه)، فيقولون: (فلسفة علم الأخلاق)، بمعنى فرع من الفلسفة يبحث في مبادئ وقواعد علم الأخلاق»([22]).

أما التعريف الآخر لفلسفة علم الأخلاق أو ما وراء الأخلاق فهو عبارة عن الدراسات التحليلية والفلسفية بشأن علم الأخلاق والقضايا الأخلاقية. وإن أهمّ المسائل في هذا الحقل عبارة عن: المسائل المفهومية؛ والمسائل المعرفية؛ والمسائل المنطقية([23]).

والحقّ أن تعريف فلسفة علم الأخلاق بما وراء الأخلاق، والدراسات التحليلية والفلسفية بشأن علم الأخلاق والقضايا الأخلاقية، والبحث في المسائل المفهومية والمعرفية والمنطقية في الأخلاق، صحيحٌ، إلاّ أن تعريفَ فلسفة علم الأخلاق ببيان أصول وقواعد علم الأخلاق، واعتبارَ مسائل الرؤوس الثمانية ومسائل الفلسفة المضافة إلى العلوم شيئاً واحداً، مجانِبٌ للصواب:

أوّلاً: إذا اعتبرنا الفلسفات المضافة متكفِّلة ببيان أصول ومبادئ علم الأخلاق وجب علينا اعتبارها من قبيل: أجزاء العلوم، لا من الرؤوس الثمانية؛ إذ إن أجزاء العلوم ـ كما سيأتي توضيحه ـ عبارةٌ عن: الموضوعات والمسائل والمبادئ التصوُّرية والتصديقية. كما أن محتوى الفلسفات المضافة يفوق بيان أصول ومبادئ علم الأخلاق. وكما تقدّم فإن فلسفات العلوم تتحدَّث عن عشر مسائل هامّة.

وثانياً: إن بين الفلسفات المضافة إلى العلوم والرؤوس الثمانية من حيث المسائل نسبة العموم والخصوص من وجهٍ؛ لأن الكلام يقع في البحث عن بِنْية وحقل العلم في الفلسفات المضافة وعن أبواب العلم في الرؤوس الثمانية، وإن هذا البحث يمثّل الوجه المشترك بينهما. وإن البحث بشأن المؤلّف أو واضع العلم، وبيان مرتبة العلم، والأنحاء التعليمية، يكون في مسائل الرؤوس الثمانية، وليس في الفلسفات المضافة إلى العلوم. وإن البحث عن ارتباط العلم بسائر العلوم الأخرى، ولوازم وتَبِعات العلم، والفرضيات العلمية وغير العلمية، وما إلى ذلك، يأتي بيانه وتحليله في الفلسفات المضافة، وليس في مسائل الرؤوس الثمانية.

وثالثاً: إن الرؤوس الثمانية يتمّ تدوينها في إطار تعليم المتعلِّمين، ولغرض إيجاد البصيرة والإدراك لدى المتعلِّم تجاه العلم؛ أما الفلسفات المضافة فتبحث في مسائلها العشرة في مقام وصف وبيان وتحليل الحقول والفروع العلمية.

ورابعاً: إن الاتجاه في الرؤوس الثمانية ينحو إلى الوصف فقط، وأما في الفلسفات المضافة فالاتّجاه فيها يرقى إلى الوصف والبيان والتحليل والتوصية، بمعنى أنها بعد وصف الحقول العلمية وتحليلها تعمد إلى نصح العلماء بها؛ بغية تطويرها.

وخامساً: إن مسائل الرؤوس الثمانية تهتمّ بمقام الوجوب؛ بينما تهتمّ الفلسفات المضافة بمقام تحقُّق العلوم، بمعنى أنهم في المقدّمات الثمانية يعلِّمون الطلاب مسائل من قبيل: التعريف، والغرض، والفائدة، ومضمون العلوم؛ وأما الفلسفات المضافة فتبحث في العلوم المتحقّقة والمدوّنة من خلال رؤيةٍ معرفية وشمولية، وتعمل على توصيفها وتقييمها. ومن الواضح أن العلوم في مقام التحقُّق تختلف في الجملة عن العلوم في مقام التعريف والوجوب.

وسادساً: الفرق الآخر بين الفلسفات المضافة والرؤوس الثمانية يكمن في أن كلّ فلسفةٍ مضافة إلى علمٍ تمثِّل علماً مستقلاًّ، ولا تعتبر في ديباجتها في إطار الرؤوس الثمانية؛ لغاية تعليم الطلاب علماً مستقلاًّ. من هنا فإن الفلسفات المضافة ليست تخصُّصاً وتطوّراً للرؤوس الثمانية، وليست من قبيل: علم أصول الفقه، الذي كان يُنْظَر إليه في مرحلةٍ بوصفه مقدّمة لعلم الفقه، ثمّ توسّع واستقلّ عنه. وبطبيعة الحال عندما تتبلور الفلسفات المضافة على شكل حقولٍ علمية يجب البحث بشأن رؤوسها الثمانية، كما كان يتمّ بحث الرؤوس الثمانية في العلوم. وإن توظيف الرؤوس الثمانية في كلّ علمٍ ـ الأعمّ من العلوم من الدرجة الأولى والعلوم من الدرجة الثانية في التقنية التعليمية ـ أمرٌ ضروريّ، بل حتّى الفلسفات المضافة في مقام التوصية، وبعد تحوّل العلم، يمكنها أن تمدّ يد العون للمقدّمات الثمانية، وتحدث تغييراً في تعريف وموضوع وغاية وأبواب العلم.

7ـ أجزاء العلوم ــــــ

الأمر الآخر الذي يُتطرَّق إليه في بداية العلوم هو البحث عن أجزاء العلوم، وهي عبارةٌ عن: الموضوعات، والمسائل، والمبادئ التصوُّرية، والمبادئ التصديقية. وبطبيعة الحال فإن المبادئ التصديقية تنقسم بمختلف اللحاظات إلى: المبادئ النظرية؛ والمبادئ البديهية، والمبادئ الخاصّة؛ والعامّة، والمبادئ بالقوّة؛ والفعل، والعلوم المتعارفة، والأصول الموضوعة، والمصادرات.

أما المبادئ التصديقية الخاصّة فتختصّ بعلمٍ معيّن (من قبيل: الاعتقاد بوجود الحركة)؛ وأمّا المبادئ التصديقية العامّة فهي مفيدةٌ في جميع العلوم، من قبيل: أصل استحالة اجتماع النقيضين؛ وأمّا المبادئ بالقوّة والفعل فهي ناظرةٌ إلى استعمال وعدم استعمال المقدّمات في القياس؛ وأمّا العلوم المتعارفة فهي عبارةٌ عن المقدّمات الواضحة؛ وأمّا الأصول الموضوعة فهي عبارةٌ عن المقدمات النظرية التي آمن بها المتعلِّم؛ بسبب حُسْن ظنّه بأستاذه؛ والمصادرات هي المقدّمات التي يقبلها المتعلِّم من أستاذه باستنكارٍ([24]).

وهناك من المحقّقين وأساتذة الفلسفة مَنْ خَلَط بين الفلسفات المضافة إلى العلوم وبين أجزاء العلوم أيضاً، حيث استوعب أجزاء العلوم ضمن تعريفه للفسلفة المضافة. فالعلامة الجعفري ـ على سبيل المثال ـ يرى فلسفة العلم علماً يبحث في الأصول الموضوعة، ومبادئ العلوم، ومعرفة نتائجها الكلّية([25]).

وإن فلسفة العلم ـ من وجهة نظره ـ عبارةٌ عن معرفة ماهيّة العلم، وأنواعها، وأصولها، ومبادئها، ونتائجها. وكذلك معرفة الروابط فيما بينها، سواءٌ في حقل «ما هو كائنٌ» أو في حقل «ما يمكن أن يكون»([26]). والجدير بالالتفات أن معرفة النتائج العامة للعلوم ترتبط بالفلسفة العلمية، دون فلسفة العلم، وأن الأصول الموضوعة ومبادئ العلوم ترتبط بأجزاء العلوم، دون فلسفة العلم.

نعم، قد يُستبدل مصطلح فلسفة العلم أحياناً بالفلسفة العلمية. وهناك مَنْ يكتب في تعريف فلسفة العلم ما يعني الفلسفة العلمية، قائلاً: «في تبويب وتنسيق الاعتقاد المنسجم مع النظريات العلميّة الهامّة، وهي تقوم عليها في بعض الجهات، طبقاً لهذه الرؤية يجب على فيلسوف العلم أن يبيِّن اللوازم الأعمّ للعلم بشكلٍ دقيق»([27]).

ومضافاً إلى ما تقدَّم (من الخلط بين فلسفة العلم والفلسفة العلمية)، يجدر التذكير بأنّه رغم ذكر المبادئ التصديقية في أجزاء العلوم وفلسفة الحقول العلمية فإنّ هناك الكثير من الاختلافات بين هذين الأمرين:

أوّلاً: إن المبادئ التصديقية في الفلسفات المضافة أعمّ من المبادئ التصديقية في أجزاء العلوم؛ إذ في الفلسفات المضافة يتمّ بيان واكتشاف المبادئ والفرضيات العلمية وغير العلمية، وأما في أجزاء العلوم فيتمّ البحث في المبادئ العلمية فقط.

وثانياً: إن المبادئ التصديقية في أجزاء العلوم أعمّ من المبادئ التصديقية في الفلسفات المضافة؛ لأن المبادئ التصديقية في أجزاء العلوم أعمّ من المبادئ الخاصة والمسائل والمبادئ العامّة للعلم أو لجميع العلوم. وإن بعض تلك المبادئ يتمّ تعريفها وبيانها في الواقع بوصفها مسائل لذلك العلم، أو مسائل لعلمٍ آخر. وأما المبادئ التصديقية في الفلسفات المضافة فلا تكون من مسائل علم المضاف إليه أبداً، ولا تبحث في المبادئ التصديقية لمسألةٍ أو عدّة مسائل، إنّما المبادئ التصديقية تكشف عن كافّة أجزاء العلم أو الأجزاء الرئيسة منه، من قبيل: أصل بساطة الطبيعة، الذي يشكِّل مبدأ تصديقياً للعلوم الطبيعية.

وثالثاً: إن المبادئ التصديقية في أجزاء العلوم يتمّ التعرّض لها لغرض إثبات مسائل العلم، وأما في الفلسفات المضافة فيتمّ بحثها من خلال الاتّجاه الشمولي والمعرفي لجهة التحليل والرؤية الثانوية للعلوم. من هنا فإنه على الرغم من وجود مشتركات بين المبادئ التصديقية في أجزاء العلوم والفلسفات المضافة إلى العلوم، وأنها تشترك في بعض المبادئ التصديقية، إلاّ أنها تمتاز من بعضها في الأمور التي تقدّم ذكرها.

وحاصل الكلام: إن المبادئ التصديقية تذكر في أجزاء العلوم والفلسفات المضافة، وليس في الرؤوس الثمانية. هذا بالإضافة إلى أن المبادئ التصديقية تختلف وتمتاز من بعضها في تلك المقولتين.

8ـ مسائل فلسفة الفلسفة الإسلامية ــــــ

بالالتفات إلى ما تقدّم يمكن بيان مسائل فلسفة الفلسفة الإسلامية على النحو التالي:

أـ تعريف الفلسفة الإسلامية.

ب ـ موضوع الفلسفة الإسلامية.

ج ـ ماهيّة إسلامية الفلسفة.

د ـ هندسة ومساحة الفلسفة الإسلامية.

هـ ـ معرفة معنى المفاهيم الفلسفية.

و ـ المسائل العامّة والخاصّة في الفلسفة الإسلامية.

ز ـ منهج الفلسفة الإسلامية.

ح ـ معقولية القضايا الفلسفية، وإمكانية إثباتها.

ط ـ غاية وآليّة الفلسفة الإسلامية.

ي ـ القراءة التاريخية والمقارنة لاتجاهات ومسالك الفلسفة الإسلامية.

ك ـ نسبة وعلاقة الفلسفة الإسلامية إلى الفلسفات الإغريقية.

ل ـ نسبة وعلاقة الفلسفة الإسلامية إلى الفلسفات الغربية الجديدة والمعاصرة.

م ـ نسبة وعلاقة الفلسفة الإسلامية إلى العلوم والمقولات المتشابهة.

ن ـ آفات وضرورات الفلسفة الإسلامية.

 

الهوامش

(*) أستاذٌ جامعيّ، وعضو الهيئة العلميّة في مركز الدراسات الثقافيّة ـ قسم الفلسفة والكلام. له مؤلَّفاتٌ عديدة في فلسفة الدين والكلام الجديد.

([1]) انظر: أرسطوطاليس، ما بعد الطبيعة: 19 ـ 22، ترجمه إلى الفارسية: محمد حسن لطفي.

([2]) في بيان ماهية منهج التحقيق اعتمدنا على المصادر التالية:

1ـ مصطفى مَلَكْيان، روش شناسي در علوم سياسي (مصدر فارسي)، فصلية العلوم السياسية، العدد 14: 273 ـ 292، صيف عام 2001م.

2ـ علي رضا الحسيني البهشتي، روش شناسي در حوزه أنديشه سياسي (مصدر فارسي)، فصلية العلوم السياسية، العدد 9: 283 ـ 302، صيف عام 2000م.

([3]) تستعمل مفردة الهرمنيوطيقا (Hermeneutics) في معنى التفسير والتأويل، وتعود جذورها إلى كلمة هرميس (Hermes)، وهو أحد آلهة الإغريق، وحامل رسائل الآلهة. إن هذا الربط يمثل انعكاساً لمراحل عملية التفسير الثلاثة، والتي هي عبارة عن: النصّ، وتفسير المفسِّر (هرميس)، والمخاطَب.

إن الاستعمال التوصيفي لهذه المفردة يكون على صيغة (Hermeneutic)، و(Hermeneutical)، من قبيل: نظرية الهرمنيوطيقا (Hermeneutics theory).

إن أول مَنْ استعمل هذا المصطلح هو أرسطوطاليس، حيث عمد إلى تسمية باب القضايا في كتاب (أرغنون) بـ (باري أرميناس)، أي في باب التفسير.

ثمّ اكتسب فيما بعد على يد الفلاسفة والمتكلمين تعاريف خاصة؛ فقد عرّف مارتن كلاينودس الهرمنيوطيقا بأنها فنّ التفسير والحصول على فهم كامل وغير مبهم للنصوص الشفهية والتحريرية. وإن هذه المفردة كانت تستعمل في القرون الوسطى غالباً بمعنى تفسير وتأويل الكتاب المقدّس.

وقد عمد أوجست وولف إلى استعمالها بمعنى العلم بقواعد الكشف عن فكر المؤلِّف والمتكلِّم.

وقد عرّف شلاير ماخر الهرمنيوطيقا بوصفها منهجاً للحيلولة دون إساءة أو سوء الفهم.

وكان ويلهالم ديلتاي يستعمل الهرمنيوطيقا بوصفها أسلوباً ومنهجاً معرفياً في العلوم الإنسانية في مقابل منهج العلوم الطبيعية.

وقد عمد كلٌّ من: هيدجر وغادامير إلى حصر الهرمنيوطيقا بنظرية الفهم وبيان ماهية الفهم، وعمدا إلى تحويلها من أسلوبٍ ومنهج إلى فلسفةٍ.

وعليه يمكن بيان التعاريف المختلفة للهرمنيوطيقا على النحو التالي: فنّ تفسير الكتاب؛ فنّ تفسير النصوص؛ العلم بقواعد فهم النصوص؛ أسلوب الحيلولة دون سوء الفهم؛ أسلوب معرفة العلوم الإنسانية؛ بيان ماهيّة الفهم.

إن الغاية التي يهدف إليها أغلب الهرمنيوطيقيين هي اكتشاف وفهم المعنى النهائي للنصّ، أو مراد ونيّة المؤلف. ولذلك يُطلق عليهم مصطلح الهرمنيوطيقا المعرفية. وفي مقابل هذه الجماعة تقف الهرمنيوطيقا الفلسفية، حيث يعتقد القائلون بها بتقاطع الأفق المفهومي للمفسِّر والأفق المفهومي للنصّ، ويعتبرون الفهم وليد إسقاط الآراء والمعلومات السابقة وغايات ورغبات وأغراض المفسِّر على النصّ (انظر: ديفد كوزنزهوي، الحلقة الانتقادية: 12 ـ 16، ترجمه إلى الفارسية: مراد فرهاد ﭘور؛ بابك أحمدي، ساختار وتأويل متن (مصدر فارسي) 2: 522 ـ 527؛

Hermeneutics, The Encyclopedia of Religion, Mircea Eliade, 1987).

([4]) انظر: عبد الحسين خسرو ﭘناه، كلام جديد (مصدر فارسي)، المقالة السابعة، 2000م.

([5]) من الشأنية (المعرِّب).

([6]) أرى أن الفلسفة الإسلامية في مقام التحقّق، وإنْ لم تبحث في جميع الحقائق العامّة، إلاّ أنها من الضروري أن تبحث في مقام الوجوب في جميع الحقائق العامّة. وإن أهم الحقائق العامّة عبارة عن:

1ـ فلسفة الوجود أو معرفة الوجود: إن هذا الحقل من الفلسفة يبحث في الأحكام العامة والشمولية للموجود بما هو موجودٌ، الأعمّ من الأحكام الإيجابية، من قبيل: أصالة وتشكيكية الوجود؛ والأحكام السلبية، من قبيل: العدم؛ والأحكام التقسيمية للوجود، من قبيل: التقسيمات الأوّلية للوجود.

2ـ فلسفة المقولات، أو فلسفة الجواهر والأعراض.

3ـ فلسفة المجرّدات، أو فلسفة الوجودات المجرّدة.

4ـ فلسفة العوالم، أو فلسفة عالم العقل أو عالم المثال وعالم الطبيعة.

5ـ فلسفة المعرفة، والتي تبحث ـ بالإضافة إلى أحكام وعوارض الوجود ـ في معارف أخرى، من قبيل: تجرّد واتّحاد العلم مع العالم والمعلوم، والأحكام الحاكية عن المعرفة، من قبيل: قيمة ومعيار المعرفة أيضاً.

6ـ فلسفة النفس أو معرفة النفس فلسفياً، التي تبحث في فلسفة وجود وتجرّد ومراتب النفس.

7ـ فلسفة الإنسان أو معرفة الوجود المنضمّ إلى الإنسان، من قبيل: الأوضاع الحدودية، ومسائل من قبيل: الحرّية والاختيار وماهية الحياة والشرور والموت والعشق والغاية من الحياة وما إلى ذلك.

8ـ فلسفة الأخلاق أو معرفة الخُلُقيات والمَلَكات النفسية للإنسان، من قبيل: العدالة والظلم، والتأمُّلات الفلسفية والعقلانية بشأن مسائل الأخلاق الجوهرية.

9ـ الفلسفة السياسية أو التأمُّلات العقلانية والفلسفية بشأن الحقائق والعلاقات السياسية للإنسان، من قبيل: فلسفة الدولة، وفلسفة العدالة، وفلسفة الشرعية، وما إلى ذلك.

10ـ فلسفة الحقوق أو التأمُّلات العقلانية والفلسفية بشأن واقعية الحقّ، من قبيل: ماهية الحقّ، وملاك صدق وكذب القوانين الحقوقية.

11ـ فلسفة التاريخ أو التأمُّلات العقلانية والفلسفية بشأن الوقائع التاريخية، من قبيل: مبدأ وغاية الأحداث التاريخية، والعلّية في التاريخ، ودور الإنسان في خلق الظواهر التاريخية، وما إلى ذلك.

12ـ فلسفة الدين أو التأمُّلات العقلانية والفلسفية بشأن الدين والمقولات الدينية، من قبيل: منشأ الدين، وتوقُّعات الإنسان من الدين، والتعدُّدية الدينية، وإثبات وجود الله، والصفات الإلهية، وفلسفة النبوّة، وفلسفة الإمامة، وفلسفة المعاد، والحياة بعد الموت، وما إلى ذلك.

13ـ فلسفة الفنّ أو التأمُّلات العقلانية والتحليلية بشأن الفنّ ومقولة الجمال، من قبيل: ماهية الجمال، وملاك الجمال، وقدسيّة أو غير قدسيّة المقولات الفنّية، وما إلى ذلك.

14ـ فلسفة اللغة أو البحث العقلاني والتحليلي للغة وعناصرها، من قبيل: الاستعمال والوضع والدلالات، والأسماء العامّة والخاصّة، ومعنى المفهوم، وما إلى ذلك.

15ـ فلسفة الذهن أو البحث العقلاني بشأن المساحات والقوى الإدراكية للذهن.

([7]) انظر: جان هيك، فلسفة الدين: 21 ـ 24، ترجمه إلى الفارسية: بهرام راد، انتشارات بين المللي الهدى، طهران، 1372هـ.ش.

([8]) انظر: دانيال ليتيل، تبيين در علوم اجتماعي: 21، ترجمه إلى الفارسية: الدكتور عبد الكريم سروش، انتشارات صراط، طهران، 1373هـ.ش.

([9]) انظر: عبد الكريم سروش، علم چيست؟ فلسفة چيست؟: 45، انتشارات صراط، طهران، 1371هـ.ش.

([10]) انظر: وليم فرانكنا، فلسفة أخلاق: 16، ترجمه إلى الفارسية: إن شاء الله رحمتي، انتشارات حكمت، 1380هـ.ش.

([11]) انظر: هاري فارنوك، فلسفه أخلاق در قرن بيستم (فلسفة الأخلاق في القرن العشرين): 35 ـ 36، ترجمه إلى الفارسية: أبو القاسم فنائي، بوستان كتاب، قم، 1380هـ.ش.

([12]) إن السؤال عن ماهية العدد من الأسئلة الرئيسة في فلسفة الرياضيات منذ عصر فيثاغورس وحتى المرحلة المعاصرة. فهل العدد مفهومٌ وتصوّر مجرّد عن المادّة تماماً، ولا يتحقّق إلاّ في الذهن؟ وهل العدد مُنْتَزَع من المادة؟ وهل للعدد مصداقٌ خارج الذهن؟ وهل العدد من صنع الذهن في النظام البديهي؟

كما يعدّ تقدُّم أو تأخُّر المفاهيم والمعارف الرياضية من الأسئلة الفلسفية في علم الرياضيات أيضاً.

لقد سعى فيرغه وراسل ـ من خلال التحليل المنطقي بشأن مفاهيم من قبيل: المجموعة والأعداد الطبيعية ـ إلى اعتبار الرياضيات داخلةً بنحوٍ من الأنحاء في حقل المنطق، وقالوا بأن المنطق عبارة عن العلاقات والروابط بين صور القواعد المقبولة في الأنظمة المختلفة. وأنكروا الوجود المستقلّ لعلم الرياضيات (انظر: فلسفه رياضي (مصدر فارسي): 11، تحت إشراف وتقديم: حسين ضيائي، مركز إيراني مطالعه فرهنگها، طهران، 1359هـ.ش).

([13]) انظر: براين ميغي، مردان أنديشه (رجال الفكر): 285 فما بعد، ترجمه إلى الفارسية: عزت الله فولادوند، طرح نو، طهران، 1374هـ.ش.

حالياً تتمّ دراسة اللغة في الفلسفة بطريقتين: فلسفة اللغة؛ وفلسفة التحليل اللغوي. وإن فلسفة التحليل اللغوي اسم لفنٍّ أو منهج لحلّ وتحليل المسائل الفلسفية. وأما فلسفة اللغة فهي اسمٌ لأحد موضوعات أو شُعَب الفلسفة التي تتحدَّث عن ماهية اللغة.

([14]) هناك أسئلةٌ بشأن العلوم لا يتمّ طرحها ضمن العلوم. إن هذا النوع من الأسئلة ليس أسئلة من الدرجة الأولى، وناظرة إلى الحقائق الواقعية، بل هي أسئلةٌ من الدرجة الثانية، وناظرة إلى المفاهيم الذهنية. إن أسئلة الفلاسفة الخاصّة أسئلة من الدرجة الثانية، وإن معضلاتهم مفهومية.

والجدير بالالتفات أن الأسئلة الناظرة إلى الأعيان ليست متسانخة، فالسؤال القائل: «أين يقع البرلمان؟» ـ مثلاً ـ هو سؤالٌ عن الأعيان الخارجية، وأما إذا كان سؤالنا عن دور البرلمان في مسار السياسة البريطانية؟ فسوف نكون قد سألنا أيضاً عن الأعيان الخارجية، مع أن السؤال الثاني تترتَّب عليه تبعات ولوازم كبيرة لا تترتَّب على السؤال الأول. وعليه قد تختلف الصبغة النظرية للأسئلة من الدرجة الأولى شدّة وضعفاً، ولكنْ يجب أن تكون الإجابات عنها تقريراً دقيقاً عن الواقعيات. من هنا يجب أن يغدو بالإمكان الدفاع عنها من خلال الاستعانة بمناهج اكتشاف الواقعيات الخاصّة. أما الأسئلة من الدرجة الثانية فهي إنما تكون فلسفية؛ لعدم إمكان الحصول على إجاباتها من خلال اللجوء إلى المناهج الخاصّة لاكتشاف الواقعيات الخارجية. فعلى سبيل المثال: عندما نسأل ونقول: «هل العلوم الإنسانية علوم حقيقةً أم لا؟» لا يكون سؤالنا عن الأمور الواقعية، وإنّما عن كيفية تحديد وتوصيف هذه الأمور الواقعية، والذي يمكن قوله بشأنها، والذي يجب أن نقرأه بشأنها. ومن هنا فقد عمدوا إلى إصلاح هذه الأسئلة بأسئلة مفهومية؛ لأنهم يريدون منا تحديد ما هو البيان الصحيح بالنسبة إلى الأعيان، وعلى حدّ تعبير المتقدِّمين: كيف يجب أن تكون طريقة فهمنا للواقع؟ (انظر: آل راين، فلسفه علوم اجتماعي (فلسفة العلوم الاجتماعية): 5 ـ 6، ترجمه إلى الفارسية: الدكتور عبد الكريم سروش، مؤسسه فرهنگي صراط، 1372هـ.ش).

([15]) من الجدير بالذكر أن المعرفة من الدرجة الثانية، مثل: المعقولات الثانوية التي تقع أمام المعقولات الأولية ـ أو المادّة الثانوية التي تقع أمام المادة الأولية ـ، في مقابل المعرفة من الدرجة الأولى، ناظرةٌ إلى العلوم المشتملة على نظام. وعليه فإن المعارف من الدرجة الثالثة والرابعة…إلخ تُعَدّ من مصاديق المعارف من الدرجة الثانية أيضاً. إذن تكون فلسفة فلسفة العلوم من سنخ فلسفة العلوم أيضاً.

([16]) انظر: بيتر فينج، إيده علم اجتماعي، ترجم إلى الفارسية تحت إشراف مؤسّسة سمت، الفصل الثاني من القسم الأول، انتشارات سمت، طهران، 1372هـ.ش.

([17]) انظر: محسن الأراكي، دروس خارج أصول فقه (مخطوطة): 13 ـ 14.

([18]) انظر: همبل كارل، فلسفة علوم طبيعي، ترجمه إلى الفارسية: حسين معصومي همداني، مركز نشر دانشگاهي، 1369هـ.ش؛ عبد الكريم سروش، درسهائي در فلسفة علم الاجتماع، نشر ني، 1374هـ.ش؛ باركر استيفن سي. فلسفة رياضي، ترجمه إلى الفارسية: أحمد بيرشك، انتشارات خوارزمي؛ يحيى يثربي، فلسفه عرفان، نشر بوستان، 1382؛ عباس إيزد پناه، در قلمرو فلسفة أدبيات وأدبيات ديني، نشر عروج، 1376هـ.ش.

([19]) انظر: محمود شهابي، رهبر خرد: 25، كتابفروشي خيام، طهران، 1361هـ.ش.

([20]) المولى عبد الله اليزدي، الحاشية على تهذيب المنطق للتفتازاني: 158، أوفسيت عن الطبعة الحجرية، 1293هـ؛ قطب الدين الشيرازي، شرح حكمة الإشراق: 28، انتشارات بيدار، الطبعة الحجرية.

([21]) انظر: محمد تقي مصباح اليزدي، فلسفة أخلاق: 25؛ آموزش فلسفة 1: 72 ـ 73.

([22]) انظر: محمد تقي مصباح اليزدي، فلسفة أخلاق: 26.

([23]) انظر: المصدر السابق: 28.

([24]) انظر: ابن سينا، البرهان من الشفاء، المقالة الثانية، الفصل السادس؛ التفتازاني، تهذيب المنطق؛ مهدي الحائري، كاوشهاي عقل نظري؛ الخواجة الطوسي، أساس الاقتباس: 393؛ العلاّمة الحلي، القواعد الجليّة في شرح الرسالة الشمسية.

([25]) انظر: محمد تقي جعفري، تحقيقي در فلسفه علم: 1 ـ 2.

([26]) انظر: المصدر السابق: 40.

([27]) انظر: جان لازي، در آمدي تاريخي به فلسفه علم (مدخل تاريخي إلى فلسفة العلم): 15، علم بايا، 1377هـ.ش.