فلسفة ختم النبوة عند الشهيد مطهري

24 أبريل 2015
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
4٬428 زيارة

فلسفة ختم النبوة عند الشهيد مطهري

دراسة نقدية

الشيخ مسعود إمامي(*)

ترجمة: علي آل دهر الجزائري

تمهيد ـــــــ

فلسفة ختم النبوة من الأبحاث الكلامية التي ليس لها ذلك القدم التاريخي بين المتكلمين وعلماء المسلمين، وإن كانت هناك إشارات حولها في عبارات المتكلمين والعرفاء، بل وفي روايات المعصومين^، إلا أنّ هذه المسألة لم تطرح بنحو مستقل وصريح إلاّ في العقود الأخيرة، ومن قبل بعض المتنورين المتدينين في الأغلب، ولعل الشهيد مرتضى المطهري أكثر من تكلم وكتب في هذا الموضوع، فقد تعرض المطهري في ثلاثة من مؤلفاته بنحو مفصَّل إلى بحث فلسفة ختم النبوة، وأول وأكثر الآثار تفصيلاً في هذا المجال هو سلسة محاضراته في حسينية الإرشاد سنة 1347(هجري شمسي)، وكانت عشر محاضرات حول موضوع ختم النبوة، وقد كُتبت من الأشرطة وطُبعت بدون أي تصرّف بعنوان <الخاتمية>، والأثر الثاني له مقالة بعنوان <ختم النبوة>، والتي طبعت منذ سنوات في مجموعة بعنوان <محمد خاتم الأنبياء>، ثم طُبعت تلك المقالة بمفردها في رسالة صغيرة، والأثر الثالث للشهيد المطهري هو الجزء الثالث من مجموعته <مقدمة في الرؤية الكونية الإسلامية>، والذي يحمل عنوان <الوحي والنبوة>، والتي تعرض في بعضها إلى مسألة <فلسفة الخاتمية>. وتوجد إشارات في مصنفاته الأخرى، مثل: «الإسلام ومتطلبات العصر» و<معرفة القرآن> و<نقد الماركسية>.

وقد أخذت هذه المقالة على عاتقها دراسة ونقد مسألة فلسفة الخاتمية من وجهة نظره؛ إذ يطرح الأستاذ الشهيد في أول وهلة سؤالين في ذهن مخاطبه، أولاً: بسؤال عن عليّة انتهاء ظهور الشرائع الجديدة بمجيء الشريعة الإسلامية، وعرض الإسلام على أنّه دين خالد للبشرية؟

والسؤال الثاني عن عِلّة انتهاء سلسلة الأنبياء، لأنّه ليس من الضروري اقتران النبوة بالشريعة، بل إنّ أكثر الأنبياء كانوا مبلغين لشرائع سابقة عليهم، فمع فرض خاتمية الدين الإسلامي يبقى السؤال مطروحاً عن خاتمية نبي الإسلام.

نظرية المطهري في ختم النبوّة ـــــــ

وبعبارة أخرى: إنّ الشهيد المطهري يُفرِّق في مؤلفاته بين النبوة التبليغية والنبوّة التشريعية، ويقسِّم الأنبياء إلى أنبياء ذوي شرائع؛ وأنبياء مبلغين لشرائع سابقة، ويعتبر فلسفة وحكمة ختم النبوة مختلفة في كل واحد من نوعي النبوة هاتين عن الآخر.

ويقسِّم الفترات التاريخية للحياة البشرية ـ تبعاً للعلامة إقبال اللاهوري ـ إلى فترتين: الأولى: فترة الطفولة، والثانية: فترة البلوغ والرشد العقلي، ويعتبر ظهور الإسلام في الحد الفاصل بين هذين الفترتين.

ولذا فإنّه يبيّن فلسفة ختم النبوة التشريعية أو فلسفة ختم الشرائع في بعدين: الأول: أهلية البشر لتقبل الشريعة الخاتمة؛ والثاني: قدرتهم على حفظ تلك الشريعة، فيقول: <في الفترات السابقة للشرائع لم يكن الناس قادرين ـ بسبب عدم البلوغ والرشد العقلي ـ على استيعاب المخطط الكامل لمسيرتهم والاستمرار في طريقهم بمساعدته؛ ولذا كان من اللازم إرشادهم مرحلة بعد مرحلة ومنزلاً ثم منزلٍ، ويرافقهم المرشدون على الدوام، أما في عصر الرسالة الخاتمة فما بعدها فقد تحققت تلك القدرة على استيعاب المخطط الكامل، وتوقف العمل بطريقة الإرشاد منزلاً منزلاً ومرحلة مرحلة، فالسبب في تجدد الشرائع أن البشر لم يكن قادراً على استيعاب المخطط الكامل والجامع، وعند توفر تلك القابلية منحتهم السماء البرنامج الكامل والجامع؛ ولهذا انتفت علة تجديد النبوات والشرائع([1]).

ويشير الأستاذ الشهيد في آثاره بصورة عابرة إلى كلام العرفاء حول فلسفة ختم النبوة.

حيث يؤكد عرفاء المسلمين على علو درجة النبي الأكرم’، وأهليته لطي آخر مراحل الكمال الإنساني وأكمل المكاشفات لاستلام الشريعة والمعارف الإلهية.

فيقول: <لقد أدرك العرفاء أن النبوة ختمت لأنَّ جميع المراحل والمقامات الفردية والاجتماعية والطريق الذي يجب سلوكه كلها كشفت، وكلّ ما يتلقاه أي إنسان سوف لن يكون أكمل من ذلك، ولذلك كان مضطراً لاتّباع الخاتم، مَنْ ختم المراتب بأسرها>([2]).

فقد ربط & كلام العرفاء هذا بختم النبوة التشريعية، قائلاً: <…في هذا التعريف للخاتمية لم يُكتف بملاحظة عدم بعثة نبي بعده، بل ذكرت أيضاً علة هذه المسألة، وهي عدم مجيء نبي صاحب شريعة؛ لأنه لا يوجد ما يأتي به عن طريق النبوة، أي ما يدركه الإنسان بواسطة الوحي والإلهام، لا ما يحصّله عن طريق العلم والعقل، وهو طريق آخر مقدور للبشر، لم يبقَ ما يمكن إلقاءه إلى الإنسان، ولم يبق كلام لم يُقلْ>([3]).

وهذا الادعاء من العرفاء مبني على أصل أنّ الكمال الإنساني متناه وهناك حد نهائي لكماله، وفي كتاب <نظر الماركسية> وبعد أن ينقل الأستاذ المطهري عبارة الشيخ محيي الدين بن عربي حول الخاتمية؛ إذ يقول: <الخاتم من ختم المراتب بأسرها> يوضِّحها كالآتي: <… وعلى أية حال فإن هذه المسألة لابد أن تطرح بالنحو الآتي، وهو هل أن للإنسان كمالاً نهائياً، بحيث إذا وصل إليه فلا يمكن أن يفرض له كمال أعلى حينئذ، وإن الأعلى منه وجوب الوجود، أم لا، بأن الإنسان مهما تكامل فإنّ الطريق مفتوح أمامه؟ وقد ذكر السيد علي خان المدني هذه المسألة في شرح الصحيفة السجادية، بأن الصلاة على النبي’ هل لها أثر عليه أم لا؟ بأنْ تكون مفيدة للمصلي عليه أما النبي صلوات الله عليه فقد وصل إلى مرتبة بحيث ليس للصلاة أثر عليه؟ وأوّل بعضهم يثرب في الآية الشريفة <يا أهل يثرب لا مقام لكم> بالإنسانية، وقالوا: إن الإنسان ليس له كمال نهائي، ليس له حدّ نهائي وإن الرسول الأكرم’ في حال تكامل دائم>([4]).

وفي توضيح البعد الآخر لفلسفة ختم النبوة التشريعية، وهو أنّ البشرية بلغت مرتبة حفظ شريعتها وكتابها السماوي، يقول الشهيد المطهري: <لم تكن البشرية في السابق قادرة على حفظ كتابها السماوي؛ بسبب عدم الرشد والبلوغ الفكري، وعادة ما كانت الكتب السماوية تُحرّف وتُبدّل أو تفقد بالمرّة، ولهذا كان من الضروري استئناف رسالة جديدة، أما عصر نزول القرآن قبل أربعة عشر قرناً فقد اقترن بعبور البشرية من مرحلة الطفولة، وكانت قادرة على حفظ ميراثها العلمي والديني، ولهذا لم يقع تحريف في آخر الكتب السماوية المقدسة، يعني القرآن الكريم. وكان المسلمون يحفظون كل آية ساعة نزولها بالقلوب والقراطيس، بحيث انتفى احتمال أي تبديل وتحريف وحذف وإضافة، ولهذا لم يحدث التحريف والنقصان في هذا الكتاب السماوي، وهذا أحد أسباب انتفاء الداعي لاستئناف النبوة([5]).

<لقد كان تدوين العلوم المختلفة للغة العربية، مثل: علم المفردات، الصرف والنحو، علم المعاني، البيان، والبديع، بهدف سعي البشرية لحفظ كتابها السماوي، ولا سيما أنَّ أكثر المؤلفين لهذه العلوم كانوا من غير العرب، وإن نشوء علم التفسير وعلم الحديث منذ القرن الأول الهجري كلها دلائل رشد وبلوغ البشرية في فترة ظهور الإسلام، وعلامة على ختم النبوة>([6]).

<بل يمكن القول: إنّ تاريخ البشرية ـ على أحد المعاني ـ بدأ من عصر ظهور الإسلام، فإذا كان المقصود من عصر التاريخ ـ في مقابل عصر ما قبل التاريخ ـ تلك الفترة التي حفظت فيها البشرية تاريخها متسلسلاً فهذه تبدأ من عصر ظهور الإسلام، وقد حفظت آثار اليونانيين والهنود والإيرانيين من قبل المسلمين، ولم تكن البشرية قبل الإسلام تحفظ مواريثها السابقة، بل كان الفاتحون يعملون على محو وإبادة آثار الأمم المغلوبة، وكان هذا بعينه علامة على عدم الرشد والبلوغ الفكري للبشرية قبل الإسلام، تلك الفترة التي يعبر عنها الإسلام بـ<الجاهلية>، ويشير هذا التقسيم إلى أن فترة ما بعد ظهور الإسلام فترة مقابل الجاهلية، أي عصر العلم والعقلانية>([7]).

ما تقدم حتى الآن كان عبارة عن بيان آراء الشهيد المطهري حول فلسفة ختم النبوة التشريعية، لكن لا يمكن استبعاد تلك الحقيقة، وهي أن الأنبياء الإلهيين لم يكونوا أصحاب شريعة، بل كانوا مبلغين وناشرين لشريعة النبي السابق لهم، ومع قبول أن الإسلام آخر شريعة إلهية، وأن نبي الإسلام صاحب شريعة، لا زال هذا السؤال قائماً، وهو: لماذا لم يبعث نبي تبليغي بعد نبي الإسلام لكي يكون ناشراً ومبلغاً لشريعته؟

وقد أدت تلك المسألة إلى أن يُفرِّق الشهيد المطهري بين النبوة التبليغية والنبوة التشريعية، ويتصدّى لتحليل كل منهما على حدة عند بيانه لفلسفة ختم النبوة. فقد اعتبر & وظيفة الأنبياء المبلغين هي نشر وتبيين الشريعة، وأيضاً تطبيق الأصول العامة للشريعة على مصاديقها بمرور الأيام، وقد أُوكلت هاتان المسؤوليتان الخطيرتان في فترة الرسالة الخاتمة إلى أناس تحملوهما نظراً لبلوغهم العقلي ورشدهم الفكري، يقول&: <…لقد سمح له بلوغه الفكري ورشده الاجتماعي أن يتصدى لتبليغ الدين وإقامته والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبذلك انتفت الحاجة إلى الأنبياء المبلغين الذين كانوا دعاة ومبلغين لشرائع الأنبياء من أصحاب الشرائع. أما في الإسلام فإنَّ علماء الأمة وصلحاؤها هم الذين يقومون بذلك، وقد بلغوا من الرشد الفكري بحيث تمكنوا في ضوء الاجتهاد من تفسير الوحي وتبيينه، وإرجاع كل مورد إلى الأصل الخاص به في الظروف المكانية والزمانية المختلفة، لقد قام علماء الأمة بهذه المهمة>([8]).

إنَّ الوحي هو أعلى وأرقى مظاهر ودرجات  الهداية، توجد في الوحي إرشادات لا يصل إليها الحس والخيال والعقل والعلم والفلسفة، ولا يستطيع أي منها أن يحلَّ محله، لكن الوحي الذي له تلك الميزة هو الوحي التشريعي، لا الوحي التبليغي، الوحي التبليغي على عكس ذلك. ما دام البشر بحاجة إلى الوحي التبليغي فإنّ العقل والعلم والحضارة لم تصل بعدُ إلى درجة بحيث يعتمد الناس على أنفسهم في الدعوة والتعليم والتبليغ والاجتهاد في دينهم. إنّ ظهور العلم والعقل، وبعبارة أخرى: الرشد والبلوغ الإنساني، يؤدي بذاته إلى انتفاء الحاجة للوحي التبليغي، ويصبح العلماء خلفاء الأنبياء>([9]).

وكما يظهر من هذا النص من كلام الأستاذ الشهيد وغيره من النصوص فإنه يعتبر ـ علناً ـ الاجتهاد القوة المحركة للإسلام في فترة ختم الرسالة وخلافة النبوة التبليغية.

ويعتقد أن الاجتهاد إذا اقترن بحسن التقدير وجودة الاستنباط فإنه سيكون قادراً على إرشاد البشرية في جميع تحولاتها الاجتماعية([10]).

مطهري ونظرية محمد إقبال في ختم النبوّة ــــــ

وبالرغم من تأثُّر الشهيد المطهري في أصل نظريته بالعلامة إقبال اللاهوري إلاّ أنه ينقدها بالتفصيل في كتابه <الوحي والنبوة>، ويطرح عدة نقاط بعنوان إشكال ونقد على تلك النظرية. ولهذا فمن الضروري ـ لأجل اتضاح رأي الشهيد المطهري في هذا الموضوع ـ أن ندرس نظرية العلامة إقبال اللاهوري أيضاً.

ففي كتاب <إحياى فكر ديني در إسلام> يطرح إقبال نظريته بالنحو التالي: <الوحي اتصال بأصل الوجود، ولا يختص بالإنسان، وإنما يشمل كل هداية غريزية للموجودات الحية في طريق تكامل حياتها>.

ثم يذكر أمثلة من الهداية الغريزية للنباتات والحيوانات، ويعتبر التجارب الدينية والمعنوية للإنسان نماذج من الوحي، ثم يقول: <في فترة طفولة البشرية كان الإرشاد نحو السعادة يُقدَّم للإنسان جاهزاً بواسطة الوحي، وبذلك فقد أعفيت البشرية من عناء البحث، لكن مع نمو العقلانية وملكة النقد وبسبب فائدتها توقف ذلك النحو من المعرفة النبوية، وبمنعها من إشكال آخر معرفي يقوى العقل ويتكامل.

لقد كان نبي الإسلام حلقة الوصل بين العالم الجديد والعالم القديم، فما كان مرتبطاً بمصدر الوحي والإلهام فهو مرتبط بالعالم القديم، وما برزت فيه روح الإلهام فهو متعلق بالعالم الجديد([11]).

وينقل الشهيد المطهري في كتاب <الوحي والنبوة> فقرات أخرى من كلام إقبال في كتاب <إحياى فكر دينى در إسلام> (إحياء الفكر الديني في الإسلام)، ويتصدى لنقدها، ونحن نعرض عن نقلها تجنباً للإطناب، إلاّ أنّ لديه عدة نقود مهمة على كلام إقبال المتقدم ننقلها في ما يأتي: <أول إشكال يرد أن هذه الفلسفة إذا كانت صحيحة فلا حاجة لوحي جديد ونبي جديد، بل تنتفي الحاجة إلى إرشاد والوحي مطلقاً، لأن هداية العقل التجريـبي ستحل محل هداية الوحي، إذا كانت هذه الفلسفة صحيحة فإنّها ختم الديانة، لا ختم النبوة>([12]).

ويعتبر آخرون ـ كالدكتور عبد الكريم سروش في بعض مؤلَّفاته ـ أيضاً هذا الإشكال وارداً على نظرية إقبال اللاهوري، وإن لم يتفق مع الشهيد المطهري في بيان فلسفة الخاتمية([13]).

ومن الإشكالات الأخرى للأستاذ المطهري على إقبال، قوله: <ثالثاً: إن اعتبار إقبال الوحي بأنّه من صنف الغرائز خطأ، وهو ما أدى إلى أخطائه الأخرى، فالغريزة، وكما يعرف إقبال نفسه، خاصية طبيعية (غير اكتسابية) مئة بالمئة، وهي لا شعورية وأدون من الحس والعقل، جعلها قانون الخلقة في المراحل الحياتية الأولى للحيوان (الحشرات وما دون الحشرات)، وعند نمو دوافع أرقى (الحس والعقل) فإن الغريزة تضعف وتضمحل، ولهذا فالإنسان وهو أكمل الحيوانات من حيث أداة التفكير، فإنّه أضعفها من حيث الغريزة، أما الوحي فعلى العكس؛ لأنه قوة ما فوق الحس والعقل، بالإضافة إلى كونه اكتسابي إلى حد ما، والأكثر من ذلك فإنّه أعلى مرتبة من الشعور، الجنبة الشعورية للوحي أعلى بمراتب لا توصف من الحس والعقل>([14]).

ورابعاً: … اعتبر إقبال الوحي نوع غريزة، وادّعى أن وظيفة الغريزة تنتهي باستعمال العقل، وأن الغريزة تضمحل.

وهذا الكلام صحيح، لكن في المورد الذي تتابع فيه القوة العاقلة نفس سلوك الغريزة.

أما إذا فرضنا أن للغريزة وظيفة، وللقوة العاقلة وظيفة أخرى، فلا دليل على أن فعالية القوة العاقلة تؤدي إلى توقف عمل الغريزة، فإذا سلَّمنا جدلاً أن الوحي نوع غريزة، ومهمة هذه الغريزة تقديم رؤية كونية وإيديولوجيا ليست في نطاق العقل، فلا دليل على انتهاء نشاط الغريزة عند نمو العقل البرهاني الاستقرائي (كما يعبرّ إقبال نفسه)([15]).

ما تقدم هو خلاصة لآراء الشهيد مرتضى المطهري في كتبه المختلفة حول مسألة فلسفة ختم النبوة، والتي كان لها ـ كبقية آرائه ـ تأثير كثير على آراء المعاصرين([16]).

نظرية فلسفة ختم النبوّة، تحليل ودراسة نقدية ـــــــ

1ـ لاشك أنَّ نظرية الشهيد المطهري متأثرة بنظرية العلامة إقبال اللاهوري، بل إنها نسخة مُحَسَّنة لنظرية العلامة الفقيد، فالمشتركات بين هاتين النظريتين من الكثرة بحدٍّ لا يمكن اعتبار نظرية الأستاذ الشهيد المطهري نظرية جديدة بالكامل، فإنَّ تقسيم تاريخ البشرية إلى فترة طفولة وفترة رشد وبلوغ عقلي، وظهور الإسلام في الحد الفاصل بين هاتين الفترتين، واعتبار العقل والعلم سر استغناء البشر عن النبوة الجديدة، من أهم أصول نظرية إقبال، وهي توجد بهذا النحو في نظرية الشهيد المطهري أيضاً، والذي يبدو أن الفرق الأساسي بين النظريتين هو ذلك النقض، أو الأفضل أن نعبِّر الإجمال، في نظرية إقبال، الذي يوحي أنّه جعل العلم والعقل بديلاً عن الوحي والدين، وكما تقدم عن الشهيد المطهري فإنّ نظريته تنساق من ختم النبوة إلى تفسير ختم الديانة.

لكن لابد من الإشارة إلى أنَّ عالماً سمّى كتابه <إحياء الفكر الديني في الإسلام> وتحدث في جميع فصوله عن التعاليم الدينية والقرآنية، بل يعتبر رسالته تبيين حاجة المجتمع إلى العلم والدين، كيف يمكن استنتاج ختم الديانة من نظريته، يقول الأستاذ الشهيد مطهري بعد نقد نظرية إقبال: <… وهذا المطلب ليس مخالفاً لضرورة الإسلام فحسب، بل إنه يخالف نظرية إقبال نفسه؛ لأن جميع مساعي إقبال هي لإثبات أن العلم والعقل ضروري للمجتمع البشري إلا أنه ليس كافياً، فالبشر بحاجة إلى الدين والإيمان الديني كما أنه محتاج إلى العلم، ويصرِّح إقبال نفسه أن الحياة بحاجة إلى أصول ثابتة وفروع متغيرة، ومهمة <الاجتهاد في الإسلام> كشف انطباق الفروع على الأصول>([17]).

والمحصلة النهائية لآراء إقبال، وتبيين النقاط المجملة في نظريته حول ختم النبوة بالنظر إلى بقية آرائه ونظرياته، يؤدي إلى رؤية تشبه إلى حد كبير ما طرحه الشهيد المطهري في نظريته.

وللأسف فإنّ سوء الفهم هذا وقع في كلمات الدكتور علي شريعتي أيضاً، فإنّه تأثر كثيراً ـ كالشهيد المطهري ـ بنظرية إقبال حول فلسفة الخاتمية، وهو نفسه يذكر هذا التأثر بصراحة، فيقول في كتاب <إسلام شناسى> (معرفة الإسلام) جواباً عن سؤال أثناء توضيح مجمل ومختصر حول فلسفة الخاتمية: <… لقد أجاب عن بعض هذا السؤال محمد إقبال، الفيلسوف الكبير المعاصر، وأنا أضيف إليه ما يكمِّله، وهو أنَّ النبي’ عندما يقول: إني خاتم الأنبياء لا يريد أن يقول: إنَّ ما جئت به يكفي البشرية إلى الأبد، بل الخاتمية تعني أن ما يحتاجه البشر لحد الآن في حياتهم مما هو وراء العقل والتربية البشرية، أما في هذا الزمان (القرن السابع) بعد الحضارة اليونانية والحضارة الروحانية والحضارة الإسلامية، بعد القرآن والتوراة والإنجيل، فإن التربية الدينية للبشر قد أنجزت إلى المقدار اللازم، ومن الآن فصاعداً فإن الناس يتمكنون من الاستمرار بحياتهم على أساس التربية البشرية وبدون الوحي ونبوّة جديدة، وعليه فإنَّ النبوة ختمت، وعليهم الاعتماد على أنفسهم>([18]).

وكأن أغلب الذين تعرضوا لبحث فلسفة الخاتمية من منظار الدكتور شريعتي لاحظوا هذه العبارة منه، وجعلوها أساساً لحكمهم.

فقد فهم الأستاذ محمد تقي مصباح اليزدي من العبارة السابقة ما يأتي: <لقد تصور الكاتب أنَّ النبوة أداة يحتاج إليها البشر في بعض فترات تكامله إلى جانب حضارات اليونان والرومان، والآن فقد فات وقتها، وحلَّ العقل محلها، والنتيجة الطبيعية لهكذا نوع من التفكير أنَّ البشر من الآن فصاعداً يقضي فترة جديدة من تكامله، وهي فترة الاستغناء عن الوحي، ويمكنه التخطيط بعقله لتدبير حياته، ويلغي قوانين الإسلام، صحيح أنَّ الكاتب لم يصرح بتلك النتيجة>([19]).

وللشيخ الفاضل محمد تقي سبحاني فهم مشابه لما تقدم عن الأستاذ محمد تقي مصباح اليزدي فيقول: <وعليه فعلّة الحاجة إلى الدين في الماضي من وجهة نظر إقبال وشريعتي طفولية البشرية، وعجز عقلها عن العثور على طريق سعادتها، أما الآن وقد اكتسب الإنسان القدرة على تسخير الطبيعة ومعرفة الإنسان والمجتمع بفضل العقل والتجربة، وبالتأمل في ذاته، فقد توصل إلى المعرفة النبوية والتجربة الضرورية لبناء ذاته ومجتمعه، انتهى عصر النبوة والوحي، والمجال الوحيد للتفكير هو تجربة واجتهاد الإنسان المتعهد والمتنوِّر، والدين والديانة في العصر الجديد حاصل تلك التأملات والإدارات>([20]).

وقد أجاب الدكتور الشهيد محمد البهشتي عما ذكره الشيخ مصباح اليزدي، واعتبر هذا الفهم غير منصف، وبعيداً عن اعتقادات وسيرة الدكتور شريعتي([21])، ثم قدَّم تبريراً مناسباً لتلك المسألة من وجهة نظره([22]).

أما الأستاذ جعفر السبحاني فيعتبر ـ باحتياط ـ تلك العبارة للدكتور شريعتي مجملة ومبهمة، ويصرّح أنّه إذا كان مقصوده من هذا الرأي استغناء البشرية في عصر الفكر والعلم عن التعاليم الدينية فهذا مرفوض، وإن كان مقصوده أن المسلمين في عصر الخاتمية يستعملون العقل والعلم في النظر في التعاليم الدينية المنزلة، ويجدون في طريقهم بدون الحاجة إلى وحي جديد، فهذه حقيقة لا ينكرها أحد، وقد اعترف بها الجميع([23]).

هذا، مع أن الدكتور شريعتي في أحد مؤلفاته المتأخرة الذي خفي عن هؤلاء المحققين، وسلسلة دروس تاريخ الأديان في سنة 1350 الشمسية، وضمن إشارته إلى سوء التفاهم الواقع في هذا البحث. يقول بصراحة: <الخاتمية بمعنى أن هناك مذهباً واحداً هو المذهب التوحيدي، أو مذهب الوحي، وهو مذهب الدين الذي يمثل مدرسة فيها صفوف متعددة ومعلمون مختلفون، تربى فيها طالب باسم الإنسان، وترقى من مرحلة إلى مرحلة، وفي آخر مرحلة مُنح شهادة الدكتوراه والاجتهاد، وقالوا: إنك مجتهد، والمجتهد لا يعني أنَّه يعرف جميع العلوم، بل بمعنى أنك وعلى ضوء ما تعلمته في تلك المدرسة تستطيع الاستمرار ببحثك كي يتطور العلم ويتكامل.

وعليه فالخاتمية تعني تخرُّج الإنسان من مدرسة الوحي، والتخرج يعنى عدم حاجة الإنسان بعد الخاتمية إلى وحي جديد، لا ضرورة لأن يشترك بعد مرحلة الدكتوراه في درس آخر، لا نريد القول: إنّ الإنسان لا يحتاج إلى الدين بعد، بل نقول: إنّه لا حاجة إلى وحي جديد، يعني على ضوء تعاليم هذا المذهب، والتعرف أكثر على ما تعلمه الإنسان، يمكنه حل مشكلاته بدون أن يأتي نبي آخر يأخذ بيده ويسايره، فهو قادر على طي طريق الكمال بواسطة دراسة ما جاء في الوحي والاجتهاد فيه والعمل به.

لكن هل يعني هذا أني لا أحتاج إلى المدرسة التي تعلمت فيها؟ كلا، لا زلت محتاجاً.

أما ما هي نوعية الاحتياج؟ ليس  احتياجاً بأن أكرر قراءة ما كنت قرأته، بل إني بحاجة لأن أعيش وأتحمل المسؤولية على ضوء معلوماتهم، وعلى ضوء أسلوبهم، والرؤية التي تعلمتها، والفكر الذي أسسته، هذا معنى الخاتمية>([24]).

فهذه العبارة المطولة، التي نقلت، تحكي التفاوت الكبير بين رؤية الدكتور شريعتي وبين تقييم بعض المعاصرين. وقد صرّح شريعتي في هذه العبارات بالحاجة إلى الدين وتعاليمه وضرورة فهمه والعمل به، وإن كان تصوره عن الدين قابلاً للنقد كأي فكرٍ آخر، لكنه لم يكن بحالٍ من دعاة الاستغناء عن تعاليم الأنبياء، ولاسيما خاتم الأنبياء^، ولا يرى بوجهٍ انتهاء دور النبوة والوحي.

الوحي بين الغريزة وخاصية الحياة ـــــــ

2ـ عل الرغم من نقد المطهري الجدي في كتاب <وحي ونبوت> (الوحي والنبوة) لمقارنة إقبال بين الغريزة والوحي، إلا أنّه في كتابه الآخر يقارن بين الهداية الغريزية والهداية العقلية كإحدى المقدمات الأساسية في بحث فلسفة الخاتمية، ويراها علاقة عكسية، أي إن الموجودات الحية كلما قلَّ مقدار نموّها العقلي والعلمي فإن هدايتها الإلهية عن طريق الإلهام الفطري والغريزي تكون أكثر.

وعلى العكس فإن الأحياء حتى الحيوانات كلما كانت أكمل من حيث الوعي الشعور كانت مستغنية عن الهداية الإلهامية والغريزية، حتى أنّ الإنسان هو أكمل الموجودات في هدايته العقلانية وأضعفها في الهداية الغريزية([25]).

وفي تأليفه الآخر، وهو مقال <ختم نبوت (ختم النبوة)، يذكر هذه المقدمة بتمامها([26]).

ومع أن الأستاذ المطهري لم يعتبر الوحي نحواً من الغريزة في هذين المؤلفين صراحة، إلاّ أَنّه جعل مقارنة العلاقة العكسية بين الغريزة والعقل كمقدمة لبحث ختم النبوة، وقرَن بين الهداية الغريزية والهداية الإلهامية، وهذا يحكي تأثره بإقبال في مؤلفاته الأولى.

أما نقد المطهري لإقبال في المقارنة بين الغريزة والوحي في آخر مؤلفاته حول فلسفة الخاتمية فلا يخلو من إشكال، ولتوضيح هذه المسألة من المناسب أن نلاحظ كلام إقبال: <…إن هذا الاتصال بمصدر الوجود لا يختص بالإنسان فحسب، بل يُشير استعمال كلمة <وحي> في القرآن إلى أن هذا الكتاب يعتبرها من خواص الحياة، وإن خصوصيتها ونحوها يختلف بحسب المراحل المختلفة لتكامل الحياة، النبات الذي ينمو بحرية في مكانه، والحيوان الذي يظهر له عضو جديد للتوافق مع المحيط الجديد، والإنسان الذي يستلهم من أعماقه حياة مضيئة، هذه كلها أمثلته لنماذج مختلفة من الوحي، وبناء على ضرورات المحل القابل للوحي، أو بناءً على ضرورات النوع الذي يرتبط به ذلك المحل، تتخذ أشكالاً مختلفة>([27]).

لم يتحدث إقبال في بحث الخاتمية أكثر من ذلك حول المقارنة بين الغريزة والوحي، وقد نقل الشهيد المطهري هذه العبارة بعينها في كتاب <وحي ونبوت> (الوحي والنبوة)، وجعله ملاكاً لنقده الذي تقدمت الإشارة إليه.

لكن لا يظهر من ذلك الكلام لإقبال أبداً أن الوحي نوع غريزة، بل إنّه رأى للوحي معنىً أعم بحيث يشمل الغريزة، وهذا بالضبط نفس المنهج الذي اختاره مفسرون، أمثال: العلامة الطباطبائي في ذيل آيات، مثل: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾[النحل: 85]، ففي ذيل تلك الآية اعتبر الوحي إلقاء المعنى بنحو مخفي على غير المخاطب، وهو ما يشمل الغريزة والإلهام ووحي الأنبياء([28]).

والمثير للانتباه أنَّ نفس الشهيد المطهري، في كتابه الآخر المسمى <نبوت> (النبوة)، وهو تحرير لسلسلة دروسه في سنة 1348هـ، يقول في بيان موارد استعمال الوحي في القرآن: <لم يحصر القرآن الوحي بما يُلقى إلى الأنبياء الذي نسميه اصطلاحاً <النبوة>، بل أطلقه على ما يَعمُّ جميع الأشياء، ولإقبال اللاهوري عبارة جيدة في كتاب <إحياء الفكر الديني في الإسلام…>، ثم ينقل عبارة إقبال المذكورة آنفاً، ويقول بعد ذلك: <هذا الكلام ـ برأيي ـ كلام متين وصحيح، ويؤيده موارد استعمال كلمة <وحي في القرآن>([29]).

بل إن الشهيد المطهري يتعدى ـ وخلافاً لإقبال الذي يرى أن الوحي خاصية للحياة ـ ليوسع مفهوم الوحي إلى الموجودات غير الحية أيضاً، فيقول موضحاً لعبارة إقبال: <لما نراه لا يطلق الوحي على الإنسان فحسب، بل يطلقه على النحل، وعلى النحل وعلى الأشجار وعلى جميع الأشياء، وقد كُتب في الهامش: <بل هو من خواص الوجود، ولا يختص بالأحياء>؛ لذلك تقول الآية: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا﴾ [فصلت: 12]؛ >إذ أوحى إلى كل شيء ما عليه القيام به>([30]).

ثم يستشهد بآيات قرآنية أخرى، ويؤكد على هذا المطلب في بداية كتاب <الوحي والنبوة>، بدون الإشارة إلى كلام إقبال([31]).

فلا ضرورة إذاً لنفسر كلام إقبال على خلاف ظاهره، بحيث ترد عليه الكثير من الإشكالات، لأن إقبال كان بصدد بيان المعنى الأعم للوحي، الذي يشمل الغريزة أيضاً، لا أنه يفسر الوحي بأنّه نوع غريزة.

مطهري وشريعــتي وتقسيم البشرية إلى عصور بدائية وناضجة ــــــ

3ـ من أهم أركان نظرية الأستاذ المطهري والدكتور شريعتي، المأخوذة من أفكار إقبال، تقسيم تاريخ البشرية إلى العصور البدائية والضعف العقلي وفترة البلوغ الفكري والعلمي. هذا المعنى مقدمة لتبيين ظهور الإسلام في الحد الفاصل بين هذين الفترتين، وإبلاغ آخر شريعة إلهية للبشر العاقل المؤهل لاستيعاب تلك الشريعة والقادر على حفظها وتبليغها.

وقد سعى الأستاذ المطهري أكثر من غيره لإثبات هذه المقدمة، ويعتبر مجموعة من القرائن، من قبيل: صيانة القرآن من التحريف، وتأسيس العلوم العربية المختلفة من قبل المسلمين لهذا الهدف المقدس، وكذلك سعي المسلمين في حفظ المواريث العلمية والثقافية للأمم المغلوبة، شاهداً على البلوغ الفكري للناس في صدر الإسلام.

تحتاج الدراسة العلمية لهذه المقدمة إلى تحقيق عميق وموثق في المصادر التاريخية لصدر الإسلام والأمم الأخرى، وإلى غور وتفحص في الأدلة النقلية الدينية (القرآن والسنة) ذات الصلة بالموضوع. ولكن لا يمكن الإغماض عن إشكال أساسي في هذا المجال، وهو أن هذه النظرية قد افترضت مسبقاً وحدة التحول والتغير للحياة العلمية العقلية للأمم والمجتمعات المختلفة والمنتشرة في الكرة الأرضية، وهذا الادعاء لا ينسجم مع الشواهد والوقائع التاريخية المسلَّمة.

لم يكن هناك أيَّ ارتباط وتبادل ثقافي بين المجتمعات المتفرقة والمجزّأة في صدر الإسلام، وأحياناً لا علم لبعضهم بوجود الآخر، كالبلاد الواسعة التي اكتشفت بعد قرون في الجانب الآخر للكرة الأرضية، فكيف يمكن الادعاء أن البشرية قد عبرت قبل 1400 سنة بكاملها فترة طفولتها، وبدأت عصر النبوغ الفكري والعلمي؟! هل يمكن حقاً الادعاء أن السكان الأصليين لأستراليا والمناطق الاستوائية الأفريقية وأمريكا الجنوبية ـ الذين كانوا وإلى تلك العقود الأخيرة في قمة التوحش والبعد عن المدنية ـ دخلوا في نفس الوقت مع الأقوام المتمدنة والمثقفة في اليونان وإيران والصين القديمة؟! بل يبدو أن بعض المجتمعات إلى الآن لم تبلغ التمدن والرشد العقلاني لأثينا والإسكندرية قبل 2500 سنة.

فالحكم بالتساوي على جميع الأمم، وأنها دخلت فترة البلوغ العقلاني والاستغناء عن الأنبياء في عصر واحد، بعيدٌ عن الحقائق التاريخية المشهودة.

وحينئذ فالذي يخطر في الذهن أنَّه ليس من الضروري إثبات هذا البلوغ الفكري والعلمي لكل المجتمعات، بل يكفي حصوله في المنطقة التي ظهر فيها الإسلام، لكي تتحقق اللياقة لاستقبال آخر شريعة وحفظها وتبليغها للناس، بحيث تنتفع المجتمعات الأخرى أيضاً من نتيجة هذا النمو العقلي لمسلمي صدر الإسلام، وهو حفظ الشريعة الخاتمة وإبلاغها إليهم.

إلاّ أنَّ هذا الرأي معرَّض أيضاً لأسئلة أخرى لا جواب لها، منها: ألا يوجد مجتمع قبل مجتمع الجزيرة العربية كان قد وصل هذا الرشد والبلوغ لكي يحظى ذلك المجتمع وهؤلاء الناس بذلك الشرف؟! وبعبارة أخرى: هل أن المجتمع العربي كان أرشد المجتمعات البشرية وأرقاها عند ظهور الإسلام؟ من الصعب القبول بهكذا ادعاء؛ إذ إن الشواهد الكثيرة التاريخية والقرآنية والروائية على خلافه.

ويمكن القول: إنّ الإسلام نفسه من العوامل المهمة لرقي المجتمع الإسلامي في صدر الإسلام، والحقيقة أنّ الإسلام هو الذي أوصل المجتمع العربي أو منطقة الشرق الأوسط في تلك الفترة إلى الرشد والبلوغ الفكري والعلمي، وحينئذ فلا يلزم أن يكون للمجتمع العربي، أو لمنطقة الشرق الأوسط، امتيازاً معيناً ومختاراً في الرشد الفكري بالنسبة إلى المجتمعات الأخرى، والمهم أن البشرية بلغت إلى مرحلة بحيث استطاعت أن تتكفَّل حفظ وتبليغ الدين، وإن كان ذلك نتيجة لظهور الإسلام.

وهذا لا يخلو من الإشكال أيضاً؛ لأنَّه لا محيص في بحث فلسفة ختم الشرائع عن الحديث عن البلوغ الفكري واللياقة العقلية المسبقة، لكي تكون أرضية مناسبة لظهور الشريعة الخاتمة، لا أن هذا الاستعداد والأرضية هو الذي يؤدي إلى ختم الشرائع، وحينئذ يمكن مناقشته ـ بالإضافة إلى إشكال الدور المصرَّح أيضاً ـ أن هذه الشريعة كان يمكن ظهورها في أي مقطع زماني، وتكون هي المعدَّة لعامل بقائها.

وأخيراً يمكن القول في الدفاع عن هذه النظرية أن مجموعة الحياة البشرية، مع كل الاختلافات والمفارقات، تسير في طريقها نحو الكمال العقلاني، بالرغم من الاختلافات الكبيرة والظاهرة بين المجتمعات.

إلاّ أنَّه يمكن اعتبار حد متوسط لهذه المجموع الواسعة كان في حال نمو وترقٍّ خلال القرون المتمادية، وكان هذا المعدّل قد وصل إلى نصاب من العقلانية في عصر ظهور الإسلام يشير إلى أهلية المجتمع الإنساني لتقبّل وحفظ الشريعة الخاتمة. ولهذا يمكن تقسيم تاريخ البشرية إلى فترتين: فترة الطفولة؛ وفترة الرشد العقلي، وكان ظهور الإسلام في الحد الفاصل بين هاتين الفترتين، بدون الإشارة إلى مجتمع بعينه قد تفضي دراسة ميزاته إلى المناقشات المتقدمة.

وهذا التصور لا يخلو من إشكال أيضاً؛ لأنه بالاستناد إلى هذا التبرير لا يمكن ذكر الرشد العقلي لمجتمع صدر الإسلام بعنوان شاهد وقرينة على تولد عصر البلوغ العقلي للبشرية؛ لأن ملاك ظهور عصر البلوغ العقلي في التصور الأخير هو وصول المتوسط العقلي لمجموعة البشرية في ذلك العصر إلى النصاب المطلوب، لا أن هناك شواهد محددة في مجتمعات بعينها؛ إذ إن هذه الشواهد والعلائم ربما لم تتحقق في كثير من المجتمعات حتى الآن، وكانت قد تحققت في مجتمعات أخرى ووصلت إلى بلوغها ورشدها قبل ذلك الحين.

وهذا لا ينسجم مع ما اتبعه الأستاذ المطهري في تأييد نظريته؛ لأنّه ـ وكما تقدم ـ عرضَ، وبتأكيد واهتمام كبيرين، القرائن على البلوغ الفكري لمجتمع صدر الإسلام، بل إن هذا التصور؛ وبسبب عدم جدوى القرائن والشواهد من المجتمعات المختلفة لإثباته وعدم تقديم ملاكات واضحة لتعيين النصاب المطلوب للعقلانية، لا يمكن إثباته ولا يمكن نفيه؛ لأنَّه يمكن الادعاء لأي عصر وفترة بأنّها فترة البلوغ الفكري للبشر، وأن البشرية قد بلغت النصاب اللازم من العقلانية في ذلك العصر، ولا يُؤثر توحش الكثير من المجتمعات السابق للعقلية الزاهرة لمجتمعات أخرى في هذا النصاب الموهوم.

وعلى أية حال فإنّ البحث التاريخي والاجتماعي المفصل في هذا المجال يستلزم فرصة أوسع، لا تسمح بها ظروف الكاتب وقابلياته، وما تقدم كان أسئلة وإشكالات قد تشغل الذهن النقاد لأي مدقِّق ومتأمل.

ختم النبوّة والفكر الشيعي، مقارنة ومقاربة ـــــــ

4ـ إن تبليغ الدين والدعوة إليه ـ وهي وظيفة الأنبياء جميعاً ـ ليست مسؤولية العلماء والمؤمنين في ما بعد عصر النبي الخاتم’ فحسب، بل إن أصحاب الأنبياء السابقين وخواصهم، بل المؤمنين المتعهدين أيضاً في عصر أنبياء السلف، كانوا يبلغون الرسالات الإلهية، وذلك بشهادة القرآن والسنة والروايات التاريخية.

فقد ذكر القرآن بصراحة رجلاً ﴿وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [يس: 20ـ21].

وكذلك يتحدث القرآن عن مؤمن آل فرعون الذي دعا قومه إلى دين موسى× ([32]).

فالتصدي لأمر التبليغ من قبل المتدينين المؤمنين ليس من نتائج عصر الخاتمية لكي نُفسِّر ظهوره بالبلوغ الفكري والعلمي للبشر المقارن لعصر الخاتمية، يدعو القرآن الكريم المؤمنين ليكونوا أنصار الله، ويتأسوا بحواريي عيسى بن مريم×، حيث يخاطبهم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ﴾[الصف: 14 ].

5ـ لم يتضح أصل الإمامة في ذهن إقبال المسلم السني كما يعتقدها الشيعة، ولهذا فإنَّ مسألة فلسفة ختم النبوة تفسَّر بنحو آخر عند من يأخذ بنظريات أهل السنة، البشرية في نظر أهل السنة كانت منذ بدء الخلق إلى زمان رحلة النبي الأكرم’ إلى بارئه تنجز من قبل السفراء الإلهيين، لكن قبل 1400سنة انقطعت هذه السلسلة المتصلة، وبوفاة النبي محمد’ ـ الذي كان آخر الأنبياء ـ انقطع الاتصال الحقيقي بين السماء والأرض، وانتهت سلسلة الهداة الربانيين.

وبعد ذلك بالرغم من أنَّ عباد الله الصالحين سيكونون مجاهدين في سبيل إعلاء كلمة الحق وتبليغ الدين الإلهي، إلاّ أن أياً منهم سوف لن يُعتبر ممثلاً حقيقياً وحجة معصوماً لله تعالى، ومصوناً من الخطأ والمعصية، بحيث يكون حبلاً متصلاً بين السماء والأرض.

وهنا يطرح هذا السؤال بجدية: ما هو التحوِّل الذي حدث في نظام الحياة المادية والمعنوية للبشر بحيث أدى إلى هكذا نتيجة مهمة؟ وحقاً ما الذي جرى على البشر حتى يفقد أهلية استضافة الرسل الإلهيين؟ وهل أنه وصل إلى ذلك الشأن والمرتبة العالية حتى استغنى عن حضورهم النوراني؟ وكيف يمكن للإنسان في هذه القرون الأخيرة الحصول على أجوبة لأسئلته العميقة؟ وفي أيّة محكمة يمكنه حل ذلك التشتت في الفهم والاضطراب والاختلاف في الأفكار والآراء؟

فكرة <فلسفة ختم النبوة> من وجهة نظر إقبال اللاهوري هي جواب لهكذا تأملات، وأساسها هو الاعتقاد الراسخ بأنَّ فترة الهداة الإلهيين والسفراء الربانيين قد انتهت.

أما في الفكر الشيعي فإن المبادئ بنحو آخر، لا يعتقد الشيعة بنهاية فترة الحجج الإلهية وهدايتهم، بل إن هذه السلسلة مستمرة إلى يوم القيامة، ولا تستغني البشرية عن وجودهم مطلقاً، وما حدث قبل 14 قرناً هو تغيُّر وتحول في كيفية الارتباط بين الله وخلفائه.

فقبل ذلك كان خلفاء الله يتصلون به في إطار النبوة الرسالة، وأحياناً الوصاية، أما بعد ذلك فإنّ الارتباط سيكون في إطار الإمامة والولاية، فالتغير الأساسي الذي حصل في عقيدة الشيعة هو كيفية الارتباط بين الله وخلفائه، لا أصل وجود هذا الارتباط، ولا الارتباط بين الناس وهؤلاء الخلفاء، لكي يأتي الكلام عن استغناء البشر عن وجود هؤلاء الهداة والبلوغ العلمي والفكري للناس.

إن ما يحث إقبال وأي سني آخر على البحث عن سر الخاتمية يختلف كثيراً عمّا للخاتمية من مكانة في مذهب التشيع. يسأل إقبال ـ كغيره من من أبناء مذهبه ـ عن علة انتهاء فترة السفراء الحق، وشروع العهد الذي وجب على البشرية أن تكمل مسيرتها بدون حضور الأنبياء الإلهيين، ومن البديهي أن يكون أحد الأجوبة المعقولة والمبررة لهذا السؤال هو استغناء البشرية عن وجود هؤلاء السفراء، ذلك الاستغناء الذي يكمن سرُّه في ارتقاء الفكر البشري.

إلاّ أنَّ الأستاذ الكبير الشهيد مطهري والدكتور شريعتي اللذين يعتقدان باستمرار حاجة البشرية إلى الهداة الربانيين كيف يضعون أقدامهم في طريق جوهره استغناء البشر عن النبوة.

فمن الواضح جداً أنَّ الأستاذ مطهري قد تأثر كثيراً بنظرية إقبال، ولم يتعرض لنقد أصولها بعمق، وإنْ انتقد بعض فروعها في سنيّ عمره الأخيرة في كتاب <الوحي والنبوّة>، وكان من المؤمَّل لو بقي على قيد الحياة أن يتمكّن من نقد أصول ومباني نظرية إقبال بناءً على الفكر الشيعي الأصيل.

وفي كتاب <الخاتمية>، وهو سلسلة محاضراته في حسينية إرشاد سنة 1348هجري شمسي، فإن هذا الإشكال ينقدح في ذهن بعض الحضور، وبعد طرح الإشكال ينبري الشهيد المطهري للإجابة عنه، والذي يبدو من كلماته أن وظيفة الأنبياء عبارة عن:

1ـ الإتيان بشريعة وقانون من الله إلى الناس، وهذه الوظيفة ترتبط بشخص النبي صاحب الشريعة، ولا يُكلَّف بها الإمام.

2ـ التبليغ والدعوة إلى الدين الذي جاء به النبي أو النبي السابق له، وليس الإمام في هذا المقام خليفة للنبي، ويتولى العلماء هذه الوظيفة في عصر الخاتمية؛ لأن الإمام× كالكعبة؛ إذ يجب التوجه إليه، لا أنّه هو الذي يذهب إلى الناس ليدعوهم إلى الدين، إلاّ أنَّ الأئمة بصفتهم أحد المسلمين والمؤمنين ـ لا من حيث إنهم أئمة ـ كانوا يمارسون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الدين على أحسن وجه.

3ـ المرجعية العلمية، وحل الاختلاف بين العلماء والمتخصصين، ورفع البدع والانحرافات، وهذا المقام هو الوظيفة الثالثة التي يتولوها الإمام× من جانب النبي’، ولهذا فهو حجة الله على العالمين([33]).

ولغرض اتضاح البحث أكثر نستعرض نص عبارته: <…الإمام لا يأتي بشريعة ولا بقانون، وليس وظيفته ـ بصفته إماماً، لا من حيث إنَّه مؤمن من المؤمنين أو عالم من العلماء ـ أن يذهب إلى الناس ويدعوهم للدين>.

<… فالأنبياء أصحاب الشرائع ـ ما عدا صاحب الشريعة الأولى ـ لديهم مهمتان:

الأولى: إنهم جاؤوا للناس بقانون يحلّ اختلافاتهم ويضمن حقوقهم وحدودها.

الثانية: يواجهون البدع التي حدثت من قبل، أي إنهم يصبحون مرجعاً لحل الاختلافات الدينية.

ووظيفة الإمام هي النوع الثاني فحسب، الإمام خليفة النبي في النوع الأخير فقط، أي إن الإمام حجة الله بين الناس، ووظيفته رفع الاختلافات التي يحدثها ذوو الأهواء والبدع والأغراض الفاسدة>([34]).

وبملاحظة نقدية لكلمات الشهيد المطهري حول الموضوع نستنتج ما يلي:

أـ إن قبول هذا التحليل من الأستاذ مطهري حول الوظائف الثلاث للأنبياء وخلافة الأئمة في أحدها نقض على نظريته في ختم النبوة؛ لأن تلك النظرية مبنية على استغناء البشرية عن المبعوثين الإلهيين نظراً لبلوغها الفكري والعلمي، وإنّها ستكون قادرة على متابعة مسيرها بالاستعانة بالعقل، والاعتماد على معارف الوحي الذي سبق نزوله، والعمل بالاجتهاد، مع أن التحليل الأخير تحدث بصراحة عن حاجة الناس إلى مرجع ومأوى لحل النزاعات العلمية، وإزالة التحريفات والبدع، وعرض الوجه الحقيقي للدين، تلك المسؤوليات التي لا تتأتى من المجتمع البشري إلا بوجود الإمام المعصوم الذي ينجز تلك المهمة الجليلة، فالبشرية في الحقيقة لم تصل بهذا الخصوص إلى اكتفاء ذاتي وعدم حاجة، بل كان الأنبياء هم الذين يروون تلك الحاجة الملحّة، وفي فترة الخاتمية فإن الأئمة هم الذين يسددون هذه الحاجة، ولهذا فإن النظرية بحاجة ـ على الأقل ـ إلى ترميم وتقييد من هذا القبيل، كي لا يؤدي إطلاقها الخادع إلى الإشكال على ضرورة الحاجة إلى الإمام المعصوم.

ب ـ بالرغم من تفريقه في كتاب <الخاتمية> بين المرجعية العلمية، وهي مقام الإمام المعصوم×، ونشر الدين، وهي وظيفة علماء الدين في عصر الخاتمية، ومن ثَمَّ اعتبر سر الخاتمية في رشد وترقي الناس للقيام بمهمة التبليغ الديني، فإنه في كتاب <الإسلام ومتطلبات العصر> جعل وظيفة الأئمة^ وعلماء الدين باتجاه واحد، وهو <إصلاح الدين>، وحينئذ يطرح هذا السؤال: لماذا أهمل الدور المشترك للأئمة^ إلى جنب العلماء في مؤلَّفاته المفصَّلة في بحث الخاتمية، فيقول: <لا مناقشة في الحاجة إلى الإصلاح والمصلحة، إلاّ أنّ الاختلاف في هذه الجهة، وهي عدم وجود أناس في الشرائع السابقة لديهم ذلك الاستعداد، بحيث يتمكن بعضهم من الحؤول دون وقوع التحريف ومقاومته، فكان لابُدَّ من نبي للقيام بذلك. من ميزات عصر الخاتمية وجود حركة الإصلاح والمصلحين، بالإضافة إلى ذلك يعتقد الشيعة ببقاء المصلح الإلهي، وهو الإمام المهدي الحجة بن الحسن‘.

وهو لا يحتاج في حركته الإصلاحية أن يكون نبياً، بل بصفته إماماً، والإمام هو الفرد العارف جيداً بالتعاليم والحقائق الإسلامية عن طريق الوراثة، أي إن ما كان النبي’ يعلمه فقد أخبر به أمير المؤمنين×، فالإسلام الأصيل كان عند علي×، وانتقل من بعده إلى الأئمة^، ولا حاجة إلى وحي جديد، فالإمام من أهل البيت يبين ما أنزل على النبي’ بالوحي>([35]).

فعند الدقة في العبارات الأخيرة للأستاذ ومطهري ندرك أنّه ـ وبنحو عفوي ـ ملأ الفراغ الحاصل من ختم النبوة على أساس العقيدة الشيعية بوجود الإمام×، واعتبر سر الخاتمية في خلافة الأئمة^، تلك المسألة التي أغفلها في مؤلَّفاته المفصَّلة حول الخاتمية؛ نتيجة لتأثره بإقبال اللاهوري.

ج ـ النبوة التبليغية سمة أكثر الأنبياء، بمعنى إبلاغ وبيان حقيقة الدين، الذي غالباً ما يأتي به نبي سابق من أصحاب الشرائع، ودعوة الناس لتلك الحقيقة أيضاً.

وهذه المسؤولية الخطيرة لا تتأتى إلا ممن ارتبط بعالم الغيب، وكان معصوماً من أي خطأ في فهم وبيان الدين، ولهذا تثبت ضرورة عصمة الأنبياء المبلغين من غير أصحاب الشرائع؛ بنفس الدليل العقلي الذي يثبت ضرورة عصمة صاحب الشريعة. ولا شك أنّ قمة تبليغ الدين تقترن بالعصمة والارتباط الخاص بعالم الغيب، ونظراً لعدم توافر العلماء والفقهاء ـ مع علو منزلتهم وقدرهم ـ على هاتين الصفتين القدسيتين فلا يمكنهم خلافة الأنبياء في المراتب العالمية للتبليغ والدعوة إلى الدين الإلهي، وهذا بعينه هو الدليل على إثبات ضرورة الإمامة. وقد اتبع الشهيد المطهري هذا الأسلوب في أحد مؤلفاته حول الإمامة، حيث يقول: <نحن الشيعة نقول: … بنفس الدليل على بعثة النبي’، فقد عَينَ النبي’ أشخاصاً لديهم تلك الجنبة القدسية، وقد بيَّن النبي الأكرم’ جميع الحقائق الإسلامية لأولهم، أي الإمام علي×، وقد كانوا على استعداد للإجابة على كافة الأسئلة..، الإمام يعني الفرد العارف بأمور الدين، العارف الحقيقي الذي لا يقع في ظن واشتباه، ولا يعتوره خطأ..، فإذا عرّفنا الإمامة بهذا النحو، بأنها أمر متمِّم للنبوة من حيث تبيين الدين، أي إنها ضرورية لقيام الإمام مقام النبي في بيان الأحكام، ولابد أن يكون الإمام معصوماً؛ بنفس الدليل على وجوب عصمة النبي([36]).

إذاً المهمة العظيمة، وهي التبليغ في عصر الخاتمية، تقع على عاتق الأئمة المعصومين^، وهم الذين يبينون الحقائق الدينية للناس، ويقفون سداً أمام البدع والانحرافات وسوء الفهم، بل يمكن القول: إن دور الأئمة إتمام النبوة التشريعية أيضاً؛ لأن النبي’، وإن كان حاملاً لجميع الشريعة الخاتمة من قبل الله تعالى لإبلاغها إلى الناس، لكن نظراً لعدم تمكنه من عرض تمام الشريعة وإبلاغها إليهم فتولى الأئمة^ بيان الكثير من العقائد والأحكام، وقاموا بوظيفة النبوة التشريعية بإتمام وإكمال رسالة النبي’.

بهذه النظرة، التي تمثل زبدة العقيدة الشيعية، فإنَّ فلسفة الخاتمية في ختم النبوة التبليغية والتشريعية إنما تصح فقط في حالة وجود الأئمة المعصومين، وهذا بالضبط هو المنهج الذي سار عليه كثير من علماء الشيعة([37]).

وبالرغم من نقل الأستاذ جعفر السبحاني ـ في أحد مؤلفاته([38]) ـ لنظرية الشهيد مطهري ونظرية خلافة الأئمة كنظريتين متساويتين حول سر الخاتمية، إلاّ أنه في كتابه الآخر اعتبر نظرية خلافة الأئمة أوفق بالأصول الاعتقادية للشيعة([39]).

وأخيراً وفي كتابه المتأخر قال ـ بدون التصريح باسم الشهيد مطهري ـ: إنّ نظرية البلوغ الفكري (نظرية المطهري) تنسجم مع مباني أهل السنة، ونظرية خلافة الأئمة هي النظرية الأفضل من وجهة نظر الشيعة([40]).

وبذلك يتضح جيداً لماذا قام بعض السُّنة المعاصرين بدراسة نظرية الشهيد مطهري حول ختم النبوة بالتفصيل، وبيان تهافتها مع رأي الشيعة في الإمامة، ثم استنتجوا ـ مغرضين ـ أنَّ نظرية الإمامة لا وزن لها في معيار النقد، وتحتاج إلى إعادة صياغة وترميم نظري([41]).

وفي الختام لابد أنّ نذكر أن ما يفهم من كلام الأستاذ مطهري أنَّه أهمل المعنى العميق والمهم للتبليغ، وحصره بالمعنى العرفي والساذج، وهو الدعوة إلى التدين ونشره والوعظ والخطابة.

ولهذا كان يؤكد أن الإمام كالكعبة، يقصده الناس ولا يقصدهم، وهذا المعنى، وإن كان خدمة كبيرة للدين، إلاّ أنها لا تقاس بالمسؤولية الكبيرة في المرجعية العلمية وبيان الحقائق الدينية ضد الانحرافات، تلك المسؤولية التي صرّح بأنها على عاتق الإمام المعصوم×.

دـ وردت الكثير من الآيات والروايات حول مسألة ولاية وإمامة الأئمة^ أو في خصوص إمامة أمير المؤمنين×، وهي مشحونة بتصريحات وإشارات مختلفة تدل على خلافة الأئمة^ في العديد من الوظائف الجليلة لنبوة الرسول الخاتم’.

فمثلاً: قال الإمام الرضا× في حديثه المشهور لعبد العزيز بن مسلم عن وصف الإمامة: <إن الإمامة هي منزلة الأنبياء>([42]).

وفي كلام للإمام الصادق× قال: <الأئمة بمنزلة رسول الله’، إلاّ أنهم ليسوا بأنبياء>([43]).

وفي حديث المنزلة المتواتر من طرق الفريقين خاطب النبي الأكرم’ أمير المؤمنين× بقوله: <أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنه لا نبي بعدي>([44]).

وبصورة عامة فإن وصف الأئمة^ بـ<خليفة> و<وصي> و<وارث>، الذي يلحظ كثيراً في الروايات الواردة في الولاية والإمامة من كتب الحديث، يُعبِّر عن تلك الحقيقة.

إن الدراسة الإجمالية لروايات أبواب الإمامة لا تدع مجالاً للشك بأنّ للأئمة نفس شأن ومنزلة النبي الأكرم’، ولهم جميع كمالات ومقامات ذلك الوجود المقدس؛ ولهذا فإن كافة مسؤولياته الخطيرة تقع على عاتقهم، وفرقهم عن النبي’ أنّ فترة النبوة والوحي قد انتهت، وأن ارتباطهم بالسماء بنحو آخر. ومع ذلك فكيف يُدعى أن غيرهم يستطيع القيام بالوظائف العظيمة للنبوة، وأن التفوق العلمي لذلك الغير يتمكن من ملء الفراغ بعد النبوة، ويكشف السر عن ختم الرسالة.

هـ ـ وربما كان السبب الأساس لهكذا تنظير من قبل الأستاذ مطهري والدكتور شريعتي هو جعلهم للعصر الحالي، وهو عصر غيبة المعصوم×، ملاكاً ومعياراً، وبظنّ أن تدين الناس في عصر الغيبة يكون بالرجوع لعلماء الدين والعارفين به، الذين يرشدون الناس عن طريق الاجتهاد، وهو الرجوع إلى الكتاب والسنة إلى جنب الاستعانة بالعلوم العصرية، إلى جادة السعادة الدينية، ويدعونهم إلى الاعتقاد والعمل بالدين، وعليه فقد وضعت مهمة فهم الدين وبيانه في عصر الغيبة، وكذلك تبليغه ونشره، على عاتق العلماء، تلك الوظيفة التي كان يقوم بها الأنبياء قبل ذلك، ولهذا استحق العلماء أن يُلقّبوا بورثة الأنبياء، وأصبح وجودهم هو الجابر لفقد الأنبياء، وسر انتهاء عصرهم.

إلاّ أن هذا التحليل ينقصه الفهم الصحيح والجامع لعصر الغيبة؛ لأن هكذا فهم مبني على أن هذه الفترة هي عصر استغناء الناس، وعدم حاجة البشرية إلى رجال إلهيين (الأنبياء والأئمة^)، ونفسِّر على ضوئه ختم النبوة، مع أن هذه الفترة عصر الحرمان والحيرة كما تصرِّح روايات المعصومين^.

ولا يتوافر الفهم الأخير لعصر الغيبة على سند قوي ينسجم مع الشواهد العينية التاريخية فحسب، بل إنَّه يتفق تماماً مع المباني المتينة للشيعة حول الأئمة^، يقول الشهيد المطهري في أحد مؤلفاته، وبالالتفات إلى الاعتقاد بالمهدوية في الإصلاح الديني: <… هل أن هذه الخاصية (تحريف الدين) من مختصات البشر قبل الرسول الخاتم’ أم أن الناس في الفترات اللاحقة عندهم هكذا سجيّة…؟ من المسلم أنَّ طبيعة البشر لم تتغير، وبعد النبي الخاتم ستكون كذلك أيضاً…، وإلاّ فمن أين وجدت كل هذه الفرق، فمن الواضح أن وقوع البدع ممكن في الدين الخاتم. ونحن، كشيعة نعتقد بشخصية الحجة بن الحسن×، نقول: إنّه عندما يظهر <يأتي بدين جديد>، وتفسير ذلك أن التحريف والتغيير يطرأ على الدين الإسلامي، بحيث إنّه عندما يظهر ويبين للناس حقيقة دين جدِّه فإنّه غير الدين الذي كانوا عليه>([45]).

وقد وصف الشيعة في العديد من الروايات الواردة عن المعصومين^ في زمان الغيبة بأنهم كالغنم التي فقدت راعيها، فهجمت ذاهبة وجائية تطلبه، فلا تجده([46]).

وقد تكرر وصف عصر الغيبة في الروايات بفترة الحيرة والشكوك والفتن والضلالات، وهذا كله نتيجة لإعراض الناس عن أئمة الحق والهدى، ومع ذلك فكيف يمكن اعتبار سر فقدان السفراء الإلهيين البلوغ الفكري للبشرية، والحديث عن استغناء الناس عن الهداة الربانيين. إن التاريخ بذاته هو أفضل شاهد على عجز كافّة المجتمعات البشرية في هذا العصر عن الوصول إلى طريق السعادة الحقيقة، وإلاّ ـ لو كان الأمر ليس كذلك ـ فما هي الحاجة لظهور المصلح لموعود؟ وحقاً أتساءل بأنَّ طريق السعادة مرهون بفهم أي من العلماء والمفكرين؟

إن شدة الاختلاف في الفهم وتضارب الآراء بين العلماء حول الدين والتدين من السعة بحيث شاهدنا ونشاهد نزاعاً وجدلاً علمياً دائماً، أدى إلى التفسيق والتكفير أحياناً، فهل هذا هو البلوغ الفكري الذي جعلنا في غنىً عن حضور أنبياء الله؟!.

وهنا لابد أن نكمل، بل نصلح، كلامنا المتقدم بأنَّ رأي إقبال اللاهوري حول ختم النبوة لا ينسجم مع مباني التشيع وحقيقة تاريخ الغيبةٍ، بل إنّهُ يتناقض مع فكرة المهدوية، التي هي من الأصول المسلمة والواضحة عند أهل السّنة أيضاً، وبسبب عدم الانسجام المذكور فإنَّ إقبال ينكر الاعتقاد بالمهدوية، ويشكك بها عبد الكريم سروش أيضاً، وذلك بقبوله لنظرية إقبال حول ختم النبوة([47]).

ولا يعني هذا الكلام الاستهانة بالجهود المباركة لعلماء الدين، وليس إنكاراً لضرورة رجوع عامة الناس إليهم.

ولاشك أنّه ليس للشيعة خيار في هذا العصر ـ مع كل هذا الحرمان والنقص الناتج عن غيبة حجة الله ـ سوى الرجوع إلى عالم يخاف الله، ويرفع علم الهداية عن طريق التمسك بالثقلين. نعم، مع هكذا فهم واقعي وصحيح لعصر الغيبة القهرية، والبعيد عن أي نوع من الغرور والاستغناء عن إمام العصر#، ويستند إلى مجموعة كبيرة من روايات المهدوية، يمكن الادعاء بأن علماء الدين ورثة الأنبياء.

إنَّ الحديث عن عصر الغيبة والمعرفة الصحيحة لهذا العصر، الذي يعتبر من الأبحاث الضرورية والمهمة التي يمكن طرحها للمجتمع المعاصر، تحتاج إلى فرصة أخرى وتوفيق من الله سبحانه وتعالى.

الهوامش

(*) باحث في الفقه الإسلامي والدراسات القانونية المعاصرة، ورئيس قم دراسة المصنّفات الإمامية في مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي.

([1]) مطهري، وحي ونبوت: 48، صدرا، قم، ولاحظ أيضاً: مطهري، إسلام ومقتضيات زمان 1: 366.، صدرا، قم.

([2]) مطهري، وحي ونبوت: 64، ولاحظ أيضاً: مرتضى مطهري، ختم نبوت: 34، انتشارات وحي، مشهد، وأيضاً: مطهري، إسلام ومقتضيات زمان 1: 359.

([3]) مطهري، خاتميت: 70، صدرا، قم، 13750 شمسي.

([4]) مطهري، نقدي بر ماركسيسم: 239، صدرا، قم.

([5]) وحي ونبوت: 48، ولاحظ أيضاً: مطهري، ختم نبوت: 12، ومطهري، إسلام ومقتضيات زمان 1: 366.

([6]) مطهري، خاتميت: 36.

([7]) مطهري، خاتميت: 38.

([8]) مطهري، وحي نبوت: 51.

([9]) مطهري، ختم نبوت: 47.

([10]) مطهري، ختم نبوت: 92؛ خاتميت: 107.

([11]) إقبال لاهوري، إحياى فكر ديني در إسلام، ترجمة إلى الفارسية.

([12]) مطهري، وحي ونبوت: 56، ولاحظ أيضاً: مطهري، آشنايي با قرآن (معرفة القرآن) 1: 223، صدرا، قم.

([13]) سروش، فربه تراز إيديولوژي: 78، مؤسسة فرهنگي صراط، ط2، 1373شمسي، وأيضاً سروش، مدارا ومديريت: 410، ط1، 1376 شمسي، وأيضاً محمد تقي سبحاني، فروغ دين در فراق عقل، نقد ونظر، العدد 6، علي رباني گلبايگاني، كمال وجامعيت دين: 128.

ومن الجدير بالذكر أن عبد الكريم سروش غيَّر رأيه حول نظرية إقبال، فدافع عنها في كتاب بسط التجربة النبوية <بسط تجربة نبوي> خلافاً لنقود الشهيد المطهري، لاحظ: بسط تجربه نبوي: 113ـ160، مؤسسة فرهنگي صراط، الطبعة الأولى، 1378شمسي.

([14]) مطهري، وحي ونبوت: 63.

([15]) مطهري، وحي ونبوت: 65.

([16]) من المؤلفات التي اقتفت أثر الشهيد المطهري في تفسير الخاتمية ما يأتي: علي رضا أميني ـ محسن جوادي، معارف إسلامي 2 (مقرر درسي في الجامعات)، بنشر معارف طهران، 1379شمسي؛ علي شيرواني، درسنامه عقايد إسلامي (كتاب العقائد الإسلامية): 163، من الكتب الدراسية للمركز العالمي للعلوم الإسلامية؛ محمد علي سادات، محمد مسعود أبو طالبي، بينش إسلامي 2 (الرؤية الإسلامية): 32، كتاب درسي للسنة الثانية المرحلة الثانوية، نشر وزارة آموزش وپرورش؛ عدة من كتاب المديرية العامة للشؤون التربوية في وزارة التربية والتعليم، أصول عقايد، هدايت وولايت إلهي (أصول العقائد، الهداية والولاية الإلهية): 188، كتاب درسي للمعلمين التربويين، وزارة التربية والتعليم؛ سيد مجتبى موسوي لاري، رسالت نهايي (الرسالة الخاتمة): 109، قم.

([17]) مطهري، وحي ونبوت: 57.

([18]) علي شريعتي، مجموعة آثار 30: 63.

([19]) بهشتي، دكتر شريعتي جستجوگري در مسير شدن (الدكتور شريعتي باحث عن الذات): 140، نشر بقعة طهران، 1379 شمسي.

([20]) محمد تقي سبحاني: 156.

([21]) بهشتي، المصدر السابق: 50.

([22]) نفس المصدر: 78.

([23]) جعفر سبحاني، خاتمية از نظر قرآن وحديث وعقل: 170.

([24]) شريعتي، تاريخ وشناخت أديان (التاريخ ومعرفة الأديان): 292.

([25]) مطهري، خاتميت: 34.

([26]) مطهري، ختم نبوت: 46.

([27]) إقبال، المصدر السابق: 144.

([28]) الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 12: 292، مؤسسة الأعلمي ـ بيروت، 1411هـ.ق.

([29]) مطهري، نبوت: 74، صدرا، قم، 1374هـ.

([30]) مطهري، نبوت: 74، 80.

([31]) مطهري، وحي ونبوت: 8.

([32]) غافر: 28.

([33]) مطهري، خاتميت: 50ـ58، ويُراجع أيضاً: مطهري، إسلام ومقتضيات زمان: 173.

([34]) مطهري، خاتميت: 58.

([35]) مطهري، إسلام ومقتضيات زمان 1: 377.

([36]) مطهري، إمامت ورهبرى (الإمامة والقيادة): 92ـ97، صدرا، قم. ولاحظ أيضاً: مطهري، إسلام ومقتضيات زمان 1: 172.

([37]) العلماء الذين أشاروا إلى خلافة الأئمة المعصومين في القيام بوظيفة نبي الإسلام’ في بيان وحفظ الشريعة كثيرون، وكنموذج على ذلك لاحظ: مصباح يزدي، آموزش عقايد (دروس في العقيدة الإسلامية) 2: 161، منظمة الإعلام الإسلامي، 1369؛ مصباح يزدي، راه وراهنماشناسى (معرفة النبوة) : 187، مؤسسة الإمام الخميني للتعليم والبحث، 1376؛ بهشتي: 43، جوادي آملي، شريعت در آيينه معرفت: 288، إسراء، قم؛ محسن خرازي، بداية المعارف الإلهية 1: 281، مركز مديرية الحوزة العلمية، قم، 1367؛ إمامي وآشتياني، طرحي نو در آموزش عقايد إسلامى (المنهج الجديد في تعليم العقائد الإسلامية): 300، مكتب الإعلام الإسلامي؛ أصغر قائمي، أصول اعتقادات: 118، قم؛ عراقجي همداني، هفتاد درس از بحث نبوت (سبعون درساً في النبوة): 168.

([38]) جعفر سبحاني، خاتميت از نظر قرآن وحديث وعقل: 134.

([39]) جعفر سبحاني، معالم النبوة في القرآن الكريم: 239، مكتبة الإمام أمير المؤمنين^، أصفهان، 1402.

([40]) جعفر سبحاني، الإلهيات 2: 285، 1410.

([41]) حجة الله نيكويي، تئوري امامت در ترازوى نقد (نظرية الإمامة في ميزان النقد) (ملزمة).

([42]) الكليني، الكافي 1: 200، دار الكتب الإسلامية، 1363.

([43]) الكليني 1: 270.

([44]) المجلسي، بحار الأنوار 37: 254، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1363هجري شمسي.

([45]) مطهري، إسلام ومقتضيات زمان 1: 366.

([46]) لطف الله الصافي الگلبايگاني، منتخب الأثر: 255 ـ 268، مكتبة الصدر، طهران.

([47]) في خطاب له أوائل سنة 1384هجري شمسي بعنوان: تشيع وچالش مردم سالاري (التشيع وتحدي…) (لاحظ: الموقع الإكتروني www.dr.sorush.com).