فلسفة علم الكلام

24 يوليو 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
2٬450 زيارة

فلسفة علم الكلام

ـ القسم الثاني ـ

الشيخ محمد صفر جبرئيلي(*)

ترجمة: حسن علي مطر

10ـ أسباب وخلفيّات ظهور علم الكلام([1]) ــــــ

إن علم الكلام الإسلامي يعتبر من العلوم الإسلامية الخالصة؛ حيث يضرب بجذوره في عمق القرآن الكريم. وإن حاضنته الرئيسة هو الإسلام والحضارة الإسلامية. ويمثل القرآن الكريم والأحاديث المأثورة عن النبي الأكرم| والأئمة الأطهار^ العناصر الرئيسة في ظهور علم الكلام. وبطبيعة الحال كانت هناك عوامل وعناصر أخرى مؤثّرة في ظهور الأبحاث والمسائل الكلامية وانتشاره وتطوّره.

وعلى الرغم من أن المستشرقين يرَوْن منشأه خارج الثقافة الإسلامية، ويرَوْنه وليد الكلام المسيحي([2]) واليهودي أو الثقافة الإغريقية([3])، ولا سيَّما أنهم يرَوْن بداية الكلام الإسلامي بظهور المعتزلة([4])، وأن الكلام الشيعي متأثِّر بالكلام المعتزلي([5])، وأن الكلام المعتزلي متأثِّر بالفلسفة اليونانية، بل يذهبون إلى الاعتقاد بأن الشيعة حتّى القرن الهجري الرابع لم يكن لهم مذهبٌ كلاميّ خاصّ([6])، على الرغم من ذلك فإنه عندما نراجع النصوص الكلامية، وندرس مسار تطوّر الكلام الإسلامي، نجد لدور القرآن الكريم والحديث حضوراً بارزاً فيه([7]). ومن الطبيعي أن يكون لهذا العلم ـ مثل سائر العلوم الأخرى ـ أرضية لظهوره؛ إذ ليس هناك من مسألة في أيّ علم تنشأ من فراغ. فحتّى أكثر المسائل العلمية والفلسفية انتزاعية ليس لها منشأ خارجي. وإن ما ينقدح في أذهان المفكِّرين، ولا سيَّما عندما يطرحون سؤالاً جديداً، إنّما يعود بجذوره إلى مشاهداتهم وتأمُّلاتهم، ولهذا كانت معرفة خلفيات وأسباب ظهور المسائل في كلّ علم ضرورية لفهمها بشكلٍ صحيح، كما يُعدّ اكتشاف الأسباب المبرّرة لحضور تلك المسائل في ذلك العلم ضرورياً أيضاً.

أنواع الأسباب والخلفيات ــــــ

لقد عمد العلماء والمفكِّرون إلى تقسيم عناصر وخلفيات علم الكلام الإسلامي إلى مجموعتين: داخلية؛ وخارجية([8])، أو: أصيلة؛ ودخيلة([9]).

العناصر الداخلية: وهي العناصر الموجودة في صُلْب الدين والنصوص الدينية وخصائص المجتمع الديني، والتي يواجهها كلّ مسلم في جميع العصور، وفي جميع الأمصار.

العناصر الخارجية: العناصر التي تفرض نفسها من طريق ارتباط المجتمع الديني أو المتديِّنين بالبيئة الخارجة عن المجتمع الديني، وتلعب دوراً أساسياً في بلورة المسائل الكلامية([10]).

كما تنقسم العناصر الداخلية إلى ثلاثة أقسام، وهي: الظواهر الدينية؛ والتفكير العقلي؛ والكشف والشهود([11]).

والظواهر الدينية عبارةٌ عن قسمين، وهما: الكتاب (القرآن الكريم)؛ والسنّة أو الأحاديث المأثورة عن النبيّ الأكرم| والأئمّة الأطهار^([12]). فقد كان لهؤلاء العظام ـ من خلال تشجيع المتكلِّمين والثناء عليهم والحكم بينهم وبيان الآراء الكلامية ـ دورٌ وتأثير كبير في علم الكلام([13]).

كما تنقسم العناصر الخارجية إلى الكثير من العناصر، ومن بينها: الأحداث والوقائع التاريخية والاجتماعية، والاختلاط بين الناس، وعلاقات المسلمين مع الأديان والثقافات الأخرى، وحركة الترجمة، واطّلاع المسلمين على الفلسفة الإغريقية([14]).

وبطبيعة الحال فإن هذه العناصر والخلفيات ليست على مستوى واحد. وفي الحقيقة والواقع فإن العناصر الداخلية هي العناصر الرئيسة في ظهور علم الكلام الإسلامي. وأما العناصر الخارجية فقد أوجدت الخلفية لظهور الآراء والعقائد الخاصة في بعض الموارد، وكان لها دورٌ ملحوظ في تطوير وتكامل هذا العلم أيضاً.

11ـ مصادر علم الكلام ــــــ

إن الدين من قبيل المثلَّث الذي يحتوي على ثلاثة أضلاع، وتلك الأضلاع الثلاثة عبارة عن: القرآن الكريم؛ والسنّة؛ والعقل البرهاني. وعلى هذا الأساس فإن هذه الأضلاع هي التي تؤلِّف مصادر الدين، ومن بينها: التعاليم العقائدية والكلامية.

1ـ القرآن الكريم ــــــ

حيث كان القرآن الكريم هو المصدر الرئيس لأيّ نوعٍ من أنواع التفكير الإسلامي([15]) يجب البحث عن الخلفية الأولى للكلام الإسلامي في القرآن نفسه([16])؛ وذلك لأن العنصر الرئيس لاشتغال المسلمين بالعلوم العقلية، من الطبيعيات والرياضيات وغيرهما، في إطار الترجمة أوّل الأمر، وبعد ذلك على الإبداع والاستقلال، إنّما كان بتشجيعٍ من القرآن الكريم([17]).

ومضافاً إلى ذلك فإن الكلام بمعناه الاصطلاحي يستلزم تدوين الأدلة العقلية لترسيخ العقائد الإيمانية، وهذا في الحقيقة هو نفس الخصيصة الذاتية لأسلوب البحث القرآني بشأن موضوع الإلهيات([18]). إن الخصائص الذاتية المنحصرة لهذا الكتاب المقدَّس ـ من قبيل: الصيانة من التحريف، والواقعية([19])، والانسجام والتناغم الداخلي([20])، وانسجامه مع العقل والفطرة([21])، والمحتوى والمضمون العلمي([22]) ـ أدّى بالمتكلِّمين المسلمين إلى التوجّه نحو آيات القرآن الكريم قبل كلّ شيء. تشهد لذلك الكتب الكلامية التي ألَّفها المتكلِّمون، حيث تناولوا المباحث والمسائل الكلامية على أساس القرآن الكريم([23])؛ إذ لا نرى مسألةً في المعارف الإلهية إلاّ ولها نصٌّ وبراهين وأدلّة يمكن العثور عليها من خلال تضاعيف القرآن الكريم والأحاديث الشريفة([24]).

دور القرآن الكريم في الدراسات والمباحث الكلامية ــــــ

لقد تمّ الاهتمام بالقرآن الكريم في الدراسات الإسلامية من عدّة جهات، نجملها كما يلي:

1ـ من جهة تعليم الأصول وعمومات العقائد، من قبيل: الحديث عن إثبات الله وصفاته، وبيان مسائل النبوّة والمعاد([25]).

2ـ من جهة أسلوب التأمُّل والتدبُّر والبحث والتحقيق في المسائل الاعتقادية، من قبيل: الموارد التي تأتي بالبراهين على التوحيد، كما في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا﴾ (الأنبياء: 22)؛ ونفي الشِّرْك، كما في قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ (المؤمنون: 91)؛ أو التي تعرّف بأهمّ خصائص الإمامة، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: 124).

3ـ من جهة طرح المسائل الجديدة في مجال المعتقدات والآراء الدينية، من قبيل: الإشارة إلى نظرية التثليث، كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ (المائدة: 73)؛ أو الإشارة إلى الدهريّين، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ (الجاثية: 24).

4ـ من جهة طرح النقاش والنقد والردود على العقائد المخالفة، من قبيل: عبادة الأصنام، واليهود، وما إلى ذلك من الأمور([26]).

5ـ من جهة تحرير العقل والتفكير الإنساني من جميع الأغلال والقيود، والدعوة إلى التأمُّل والتدبُّر([27]).

6ـ من جهة الكثرة الكمِّية والعددية للآيات الشريفة([28]).

7ـ من جهة الامتيازات الكيفية والنوعية للبراهين القرآنية. فالقرآن، بالإضافة إلى اشتماله على البراهين المنطقية، يمتاز بخصائصه الفريدة. ويمكن الإشارة من بينها إلى: الشمولية العقلية واللفظية، واستيعاب الحكمة النظرية، مع عمق الفكرة وبلاغتها([29]).

النظام المعرفي والكلامي في القرآن الكريم ــــــ

كما تقدَّم يمكن العثور في القرآن الكريم على الكثير من الآيات التي قدّمت التعاليم والأسس الاعتقادية في إطار الاستدلال وأسلوب المحاججة العقلية، حيث تبيّن هذه الآيات مقاصدها من خلال الأدلّة والبراهين الكافية، وتعرضها على الغريزة الفطرية الواقعية والإدراك الإنساني السليم([30]).

وقد عمد العلماء والمتكلِّمون من الشيعة إلى تقسيم التعاليم والمعارف العقائدية ـ الكلامية في القرآن إلى أقسام مختلفة ـ وإنْ كانت متقاربة ـ.

وفي ما يلي نستعرض نموذجين من هذه التقسيمات:

أـ قام العلاّمة الطباطبائي&، في نهاية مقدّمة الميزان، بتقسيم المعارف والتعاليم القرآنية ضمن ستّة اتجاهات([31])، وهي:

1ـ التعاليم المتعلِّقة بأسماء الله تعالى وصفاته.

2ـ التعاليم المتعلِّقة بأفعال الله، من قبيل: الخلق، والأمر، والإرادة، والمشيئة، والهداية، والضلالة، والقضاء والقدر، والجبر والاختيار.

3ـ التعاليم المتعلِّقة بوسائط الفيض بين الإنسان والباري تعالى، من قبيل: اللوح، والقلم، والعرش، والكرسي، والبيت المعمور، والسماء والأرض، والملائكة، والشياطين والجنّ، وما إلى ذلك.

4ـ التعاليم المتعلِّقة بالإنسان في الحياة قبل الدنيا.

5ـ التعاليم المتعلِّقة بالإنسان في الحياة الدنيا، من قبيل: خلق الإنسان، ومعرفة الذات، والنبوّة، والرسالة، والوحي، والإلهام، والكتاب، وما إلى ذلك.

6ـ التعاليم المتعلِّقة بالإنسان بعد الحياة في هذه الدنيا، من قبيل: عالم البرزخ والمعاد.

وبطبيعة الحال فقد أشار العلامة الطباطبائي إلى قسمٍ سابع يتعلَّق بالأخلاق الحسنة والقبيحة للإنسان. وأشار أيضاً إلى قسمٍ ثامن يتعلَّق بآيات الأحكام الدينية أيضاً، ولكنّه صرَّح بأنه لن يبحث القسم الثامن في تفسير الميزان؛ لأن الذي يتكفَّل به هو الكتب الفقهية، وليس التفسير([32]).

كما يتَّضح من هذا التقسيم أن العلامة الطباطبائي كان يرى الملاك والمعيار في التقسيم هو ذاته الملاك والمعيار المعروف في التعاليم الدينية، والذي هو عبارة عن: العقائد، والأخلاق، والأحكام([33])، وأن الأقسام الستة المتقدّمة تؤلِّف مجموع العقائد الدينية، وأما القسمين السابع والثامن على التوالي فيتعلَّقان بالموردين الأخيرين (الأخلاق؛ والأحكام).

ب ـ قدّم الأستاذ محمد تقي مصباح اليزدي تقسيماً آخر، ينتهج فيه ترتيباً طولياً، حيث يرى التعاليم القرآنية بمثابة النهر الجاري الذي ينطلق من مصدر الفيض الإلهي، ويروي كلّ جزء أو مرحلة يصل إليها، قال تعالى: ﴿أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ (الرعد: 17). فقد ذهب سماحته إلى القول بأن «الله» تبارك وتعالى يمثّل محور التعاليم القرآنية، وعمد إلى تبويب منظومة التعاليم القرآنية في دائرة العقائد([34]) على النحو التالي([35]):

1ـ المعرفة الإلهية: معرفة الله على مستوى التوحيد والصفات والأفعال الإلهية.

2ـ المعرفة الكونية: معرفة المخلوقات في العالم من الأرض والسماوات والنجوم والعرش والكرسي والملائكة والجنّ والشيطان.

3ـ معرفة الإنسان: خلق الإنسان، وخصائصه الروحية، وتكريم الإنسان وتشريفه، والدنيا والآخرة.

4ـ معرفة السبيل إلى الهداية: معرفة الوحي والنبوّة والإمامة.

5ـ معرفة الهداة: معرفة الأنبياء وخصائصهم، والكتب النازلة عليهم، ومضامين تلك الكتب، وما إلى ذلك.

كما قام آخرون بتنظيم وبيان العقائد الإسلامية في القرآن الكريم أيضاً([36]).

2ـ السُّنَّة والحديث ــــــ

المصدر الثاني من مصادر التعاليم الدينية والتفكير الإسلامي هو السنّة الشريفة، وتعني الأحاديث والروايات المأثورة عن النبيّ الأكرم| وأهل البيت^([37]).

وبطبيعة الحال فإنّ السنة الشريفة ـ طبقاً لحديث الثِّقْلين المتواتر ـ تمثّل عدلاً للقرآن الكريم، ولكنّه ثقلٌ أصغر، يقع في طول القرآن، الذي هو الثِّقْل الأكبر، وليس في عرضه. وإنّ اقتران هذين الثقلين ببعضهما على نحو اللازم والملزوم، لا على نحو الملازم، وعلى النهج الطولي، دون العرضي. وعليه فإنّ سنّة المعصوم مدينة في حجِّيّتها إلى حجِّيّة القرآن الكريم([38]).

لقد كان لبعض المسائل الكلامية مناشئ حديثيّة بحتة، من قبيل: مسألة «البداء» و«الرجعة»، حيث تمّ طرحهما بادئ ذي بدء في الروايات، رغم أن العلماء أخذوا فيما بعد يستندون إلى القرآن الكريم أحياناً لإثباتهما. كما يسهل فهم بعض الآيات القرآنية من خلال الاعتقاد والإيمان بهذه الأحاديث([39]).

لا شَكَّ في أن الأحاديث والروايات قد لعبت دوراً محورياً في تدوين علم الكلام. كما كان للآيات القرآنية الشريفة دورٌ في تأسيس أو تصحيح الكثير من المسائل والبحوث الكلامية.

قال الأستاذ الشيخ جوادي الآملي: «في ضوء هذه الروايات تمكّن كبار علماء الإسلام، من خلال التتبّع والتحقيق، من تدوين علم الكلام والحكمة الإسلامية»([40]).

وفي ما يلي ندخل على نحو الإجمال في بيان الآراء الكلامية للنبيّ الأكرم| والإمام أمير المؤمنين× وسائر الأئمّة الأطهار^.

أـ الاتجاه الكلامي عند النبيّ الأكرم| ــــــ

لقد كان النبيّ هو المرجع الأول في الأمور الدينية، فكان يجيب عن الأسئلة التي تطرح عليه من قبل غير المسلمين في ما يتعلَّق بالموضوعات الفكرية والكلامية.

قال ابن عبّاس: «قدم يهودي على رسول الله|، يُقال له: «نعثل»، فقال: يا محمد، إني أسألك عن أشياء تلجلج في صدري منذ حين، فإنْ أنتَ أجبتني عنها أسلمْتُ على يدك. قال: سَلْ يا أبا عمارة، فقال: يا محمد…، أخبرني عن قولك: «إنه واحد لا شبيه له»، أليس الله واحد والإنسان واحد؟ فوحدانيّته أشبهت وحدانية الإنسان؟! فقال|: الله واحد وأحديّ المعنى، والإنسان واحد ثنويّ المعنى، جسم وعرض، وبدن وروح».

 

ب ـ الاتجاه الكلامي عند الأئمة^ ــــــ

يُعتبر الأئمة المعصومون والعترة الأطهار من آل بيت النبي الأكرم| ـ طبقاً لحديث الثِّقْلين ـ عدلاً للقرآن الكريم، ولذلك فإن التمسّك بأحدهما وترك الآخر بمثابة ترك هذين الثِّقْلين معاً، وعدم العمل بأيٍّ منهما. وعليه فإن تحصيل الدين كاملاً رهنٌ بالتمسّك بهما معاً. من هنا كانت الأحاديث والروايات المأثورة عنهم استمراراً للتمسُّك بسنّة النبيّ الأكرم|، في حجِّيتها واعتبارها مصدراً من مصادر العقيدة الإسلامية([41]).

رغم أن الظروف القاسية، ولا سيَّما في ما يتعلَّق بما واجهه بعض الأئمّة من قبل المؤسَّسات الحكومية الجائرة للأمويين والعباسيين، فرضت عليهم ضغوطاً، وعملت على إبطال المعطيات الفلسفية والعلمية للشيعة([42])، فقد كان الإمام عليّ× هو أول شخص في الإسلام يغوص في أعماق الفلسفة الإلهية، متسلحاً بمنهج الاستدلال الحرّ والبرهان المنطقي، حيث صدع بمسائل لم يسبقه إليها أحدٌ من فلاسفة العالم.

فمن بين جميع التركة المأثورة عن الصحابة لا نجد حتّى نصّاً واحداً مشتملاً على التفكير الفلسفي العميق. إنّما المأثور عن أمير المؤمنين× هو وحده الذي يمثِّل بياناً بديعاً في الإلهيّات، وأعمق الأفكار الفلسفية([43]).

والشاهدُ على ذلك: الخطب والكتب والحكم التي صدرت عن الإمام علي×، وعمد الشريف الرضي(409هـ) فيما بعد إلى انتقاء واختيار ما انطوى على المسائل البلاغية فيها، وأدرجها ضمن كتاب «نهج البلاغة»، حيث نشاهد فيه عمق الفكرة في مسائل التوحيد والصفات الإلهية، وكذلك في مسألة الإمامة والجَبْر والاختيار، التي تمثِّل أقدم المسائل والمباحث الكلامية في الإسلام، وأكثرها أصالة، ولا نشاهدها في أيِّ مصدرٍ أو نصّ آخر.

قال السيد المرتضى(436هـ): «اعلم أن أصول التوحيد والعدل مأخوذةٌ من كلام أمير المؤمنين× وخطبه، فإنها تتضمّن من ذلك ما لا زيادة عليه، ولا غاية وراءه. ومَنْ تأمَّل في ذلك من كلامه علم أن جميع ما أسهب المتكلِّمون من بعد في تصنيفه وجمعه إنما هو تفصيل لتلك الجمل، وشرح لتلك الأصول»([44]).

كما ذهب ابن أبي الحديد المعتزلي(656هـ) إلى القول بأن المبدأ والمنشأ الرئيس لأبحاث ومسائل الكلام الإسلامي، وكذلك المصدر الرئيس للفرق والمذاهب الكلامية في الإسلام، هو الإمام عليّ×. وذكر من بين الفرق الإسلامية المدينة في تعاليمها إلى الإمام عليّ×: المعتزلة؛ والزيدية؛ والإمامية. وإليك نصّ كلامه حيث يقول: «قد عرفت أن أشرف العلوم هو العلم الإلهي؛ لأن شرف العلم بشرف المعلوم، ومعلومه أشرف الموجودات، فكان هو أشرف العلوم. ومن كلامه× اقتبس، وعنه نقل، وإليه انتهى، ومنه ابتدأ؛ فإن المعتزلة ـ الذين هم أهل التوحيد والعدل وأرباب النظر، ومنهم تعلَّم الناس هذا الفنّ ـ تلامذته وأصحابه؛ لأن كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، وأبو هاشم تلميذ أبيه، وأبوه تلميذه×. وأمّا الأشعرية فإنهم ينتمون إلى أبي الحسن عليّ بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري، وهو تلميذ أبي عليّ الجبائي، وأبو عليّ أحد مشايخ المعتزلة؛ فالأشعرية ينتهون أخيراً إلى أستاذ المعتزلة ومعلِّمهم، وهو عليّ بن أبي طالب×. وأما الإمامية والزيدية فانتماؤهم إليه ظاهرٌ»([45]).

وما أروع ما قاله الفيلسوف الفذّ ابن سينا: «إن عليّ بن أبي طالب بين الصحابة كالمعقول بين المحسوس، والحواس تحتاج إلى هداية العقل».

أو ما قاله المحدِّث الشيخ الكليني بشأن كلمةٍ من كلمات الإمام عليّ× في التوحيد: «هَذِهِ الْخُطْبَةُ مِنْ مَشْهُورَاتِ خُطَبِهِ×… وَهِيَ كَافِيَةٌ لِمَنْ طَلَبَ عِلْمَ التَّوْحِيدِ إِذَا تَدَبَّرَهَا وَفَهِمَ مَا فِيهَا. فَلَوِ اجْتَمَعَ أَلْسِنَةُ الْجِنِّ وَالإِنْسِ ـ لَيْسَ فِيهَا لِسَانُ نَبِيٍّ ـ عَلَى أَنْ يُبَيِّنُوا التَّوْحِيدَ بِمِثْلِ مَا أَتَى بِهِ ـ بِأَبِي وَأُمِّي ـ مَا قَدِرُوا عَلَيْهِ، وَلَوْلا إِبَانَتُهُ× مَا عَلِمَ النَّاسُ كَيْفَ يَسْلُكُونَ سَبِيلَ التَّوْحِيدِ»([46]).

وعلى هذا الأساس بادر العلاّمة الطباطبائي والشهيد الأستاذ مرتضى مطهري إلى نقد آراء بعض المستشرقين، وكذلك أحمد أمين المصري([47]).

ومن بين الأئمّة الآخرين كان للإمام الصادق والإمام الرضا’ قصب السبق في صدور الروايات الاعتقادية عنهما([48]).

الاتجاهات الكلامية في روايات الأئمّة المعصومين^ ــــــ

إن الروايات المأثورة عن الأئمة المعصومين^ تعبِّر عن ثلاثة اتجاهات:

1ـ التنظيم الاستدلالي للكلام، وترتيب القياس ونتيجته.

2ـ بيان سلسلة من المصطلحات التي لم يسبق استعمالها في اللغة العربية، وخاصّة أنها عندما وُجدت لم تكن المصطلحات الفلسفية للقدماء قد شاعت وانتشرت بين العرب.

3ـ حلّ سلسلة من الموضوعات والمسائل في الفلسفة الإلهية، والتي ـ بالإضافة إلى عدم طرحها بين المسلمين ـ لم تكن مفهومةً بين العرب، بل لم يكن لها عنوان في كلمات الفلاسفة قبل الإسلام، الذين ترجمت كتبهم إلى اللغة العربية، ولا يمكن العثور عليها في مؤلَّفات الحكماء الإسلاميين أيضاً، من قبيل: مسألة «الوحدة الحقّة في الواجب تعالى»، و«ثبوت الوجود الواجبي، والذي هو ثبوت الوحدة له»، و«الواجب المعلوم بالذات»، و«الواجب يُعرف من تلقائه، ومن دون واسطة، وأنّ كلّ الأشياء تُعرف بالواجب»([49]).

إن حجِّيّة الروايات والأحاديث في التعاليم الاعتقادية رهنٌ بتحقُّق ثلاث خصائص:

أـ أن يكون للحديث سندٌ قطعي، كأنْ يكون متواتراً، أو من خبر الواحد المحفوف بالقرائن القطعية.

ب ـ أن يكون قطعي الصدور، بمعنى أن تكون الرواية صادرةً بداعي بيان الحكم الواقعي، لا بداعي التقيّة.

ج ـ أن يكون قطعيّ الدلالة، وليس ظاهر الدلالة([50]).

طبقاً لأصول العقيدة لا حجِّيّة لخبر الواحد([51])؛ لأن ملاك الإيمان بأصول العقيدة هو حصول اليقين والاطمئنان التامّ، في حين أن خبر الواحد ظنيّ.

قال المحقّق عبد الرزاق اللاهيجي: «إن المقدّمات التي تؤخذ من كلام المعصوم من طريق التمثيل بمنزلة الأوّليات في القياس البرهاني، وحيث يكون القياس البرهاني مفيداً لليقين فإن الدليل المؤلَّف من المقدّمات المأخوذة عن المعصوم تفيد اليقين؛ وذلك لأن هذه المقدّمة من كلام المعصوم، وكلّ ما يقوله المعصوم حقٌّ، فتكون هذه المقدّمة حقّاً… إلاّ أن ثبوت المقدّمة عن المعصوم يجب أن يكون على نحو اليقين، وهذا إنما يكون إذا أثبتنا أن وجود المعصوم واجبٌ في كلّ عصر ـ كما عليه مذهب الإمامية ـ؛ إذ كلما كان المعصوم موجوداً أمكن تحصيل اليقين بثبوت المقدّمة عن المعصوم، وأما إذا لم يكن موجوداً فلن يكون وجوده في الزمان السابق كافياً؛ لأن ثبوت المقدّمة على هذه الحالة لن يكون مقدوراً إلا إذا ثبت من طريق التواتر، ولا يمكن لأحد تحصيل التواتر، بل إذا حصل التواتر ثبتت المقدّمة، وإلاّ لن يكون هناك من طريقٍ آخر لإثباتها»([52]).

وبطبيعة الحال فإن خبر الواحد إذا كان محفوفاً بالقرائن القطعية فإنه سيكون حجّةً حتّى في أصول العقيدة أيضاً([53]).

3ـ العقل ــــــ

إن المصدر الثالث من مصادر أصول العقيدة هو العقل، حيث يتمتَّع العقل بمكانة مرموقة في الدين الإسلامي الحنيف. وقد خصّ القرآن الكريم الكثير من الآيات بالحديث عن منزلة العقل، كما ورد في الأحاديث المأثورة عن المعصومين^ مسائل هامة وقيّمة في منزلة العقل ومكانته أيضاً.

فقد دعا الله تعالى الناس في الكثير من آيات القرآن إلى التفكير والتدبُّر في الآيات، وفي الآفاق، وفي الأنفس. وقد قام الله نفسه بالاستدلال العقلي الحرّ في موارد إثبات الحقائق([54]). إن القرآن الكريم من خلال هذا البيان يؤكِّد اعتبار الحجية العقلية، والاستدلال والبرهان العقلي الحرّ، بمعنى أنه لا يقول: تقبلوا أحقِّيّة المعارف الإسلامية أوّلاً، ثمّ أثبتوها بالدليل العقلي بعد ذلك، وإنما يأمرهم بكلّ ثقةٍ بالعمل على الاحتجاج العقلي عليه؛ للوصول إلى حقيقة الإيمان من طريق البرهان والقطع واليقين([55]).

أجل، إن الله لم يأمر عباده حتّى في آيةٍ واحدة من القرآن الكريم بالإيمان به أو بالكلام الصادر عنه دون فهم أو تدبُّر، ولم يأمرهم بإطاعته طاعة عمياء، بل بيّن علّة القوانين والأحكام التي شرَّعها لعباده، والتي لا يمكن للعقل البشري أن يحيط بعللها أو يدرك ملاكاتها بالتفصيل([56]).

قال الإمام الصادق× في بيان المنزلة المعرفية للعقل([57]): «إِنَّ أَوَّلَ الأُمُورِ وَمَبْدَأَهَا وَقُوَّتَهَا وَعِمَارَتَهَا الَّتِي لا يُنْتَفَعُ بِشَيْ ءٍ إِلاَّ بِهِ الْعَقْلُ، الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ زِينَةً لِخَلْقِهِ، وَنُوراً لَهُمْ. فَبِالْعَقْلِ عَرَفَ الْعِبَادُ خَالِقَهُمْ، وَأَنَّهُمْ مَخْلُوقُونَ، وَأَنَّهُ الْمُدَبِّرُ لَهُمْ، وَأَنَّهُمُ الْمُدَبَّرُونَ، وَأَنَّهُ الْبَاقِي، وَهُمُ الْفَانُونَ. وَاسْتَدَلُّوا بِعُقُولِهِمْ عَلَى مَا رَأَوْا مِنْ خَلْقِهِ، مِنْ سَمَائِهِ وَأَرْضِهِ وَشَمْسِهِ وَقَمَرِهِ، وَلَيْلِهِ وَنَهَارِهِ، وَبِأَنَّ لَهُ وَلَهُمْ خَالِقاً وَمُدَبِّراً لَمْ يَزَلْ وَلا يَزُولُ، وَعَرَفُوا بِهِ الْحَسَنَ مِنَ الْقَبِيحِ، وَأَنَّ الظُّلْمَةَ فِي الْجَهْلِ، وَأَنَّ النُّورَ فِي الْعِلْمِ. فَهَذَا مَا دَلَّهُمْ عَلَيْهِ الْعَقْلُ»([58]).

إن هذا الدعم الكامل للعقل الذي نشاهده في النصوص الإسلامية لا نراه في أيٍّ من الأديان الأخرى؛ إذ يلعب العقل في أصول الدين الإسلامي دوراً أساسياً. فإن الإيمان بأصل التوحيد والإله الواحد لا يُقبل إلاّ من طريق العقل. فالإسلام يرفض الشعار القائل: «خذ الغايات، واترك المبادئ»، بل لا بُدَّ من معرفة تلك الغايات الصادرة عن الله، والإيمان بها، من طريق العقل([59]).

وبالالتفات إلى تأكيد القرآن الكريم على العقل، وحديثه المتواصل عن التعقُّل والتفكير والتدبُّر، وتأكيد الأخبار والروايات على أصالة العقل وأهمِّيته، يمكن القول: إن أصالة العقل في المعرفة، وحجِّيّته في الوصول إلى الحقائق، موضع تأييد الإسلام([60]).

دائرة معرفة العقل ــــــ

لا شَكَّ في أن العقل، رغم المكانة والمقدرة التي يتمتَّع بها، لا يستطيع الإحاطة بجميع أبعاد الحقيقة، بل إن دائرته في هذا الشأن محدودة.

يمكن للعقل أن يتوصّل إلى كلِّيات وأصول المسائل الاعتقادية، ولكنَّه لا يستطيع الإحاطة بجزئيّاتها وتفاصيلها. وعلى حدّ تعبير الخواجة نصير الدين الطوسي: إن الحكم الذي يكون بمقتضى العقل بالذات لا يكون إلاّ على الموضوعات الكلِّية([61]).

وقد أكّدت الروايات الكثيرة على هذه المحدودية العقلية. ومن ذلك ما رُوي عن الإمام الصادق× أنه قال في الجواب عن السؤال القائل: هل يكتفي العباد بالعقل، دون غيره؟: «إِنَّ الْعَاقِلَ؛ لِدَلالَةِ عَقْلِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ قِوَامَهُ وَزِينَتَهُ وَهِدَايَتَهُ، عَلِمَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ، وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّهُ. وَعَلِمَ أَنَّ لِخَالِقِهِ مَحَبَّةً، وَأَنَّ لَهُ كَرَاهِيَةً، وَأَنَّ لَهُ طَاعَةً، وَأَنَّ لَهُ مَعْصِيَةً. فَلَمْ يَجِدْ عَقْلَهُ يَدُلُّهُ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لا يُوصَلُ إِلَيْهِ إِلاَّ بِالْعِلْمِ وَطَلَبِهِ، وَأَنَّهُ لا يَنْتَفِعُ بِعَقْلِهِ إِنْ لَمْ يُصِبْ ذَلِكَ بِعِلْمِهِ، فَوَجَبَ عَلَى الْعَاقِلِ طَلَبُ الْعِلْمِ وَالأَدَبِ الَّذِي لا قِوَامَ لَهُ إِلاَّ بِهِ»([62]).

يُستفاد من هذه الرواية أن العقل بنفسه يُدرك أنه لا يستطيع أن يصل إلى حقيقة جميع الأشياء، وأنه في تلك الموارد بحاجة إلى التعلُّم. ومن بين تلك الأمور المسائل المرتبطة بالآخرة وعالم ما بعد الموت، وما إلى ذلك من الأمور الجزئية، من هنا لا يمكن للبراهين العقلية أن تشملها أو تحيط بها([63]).

12ـ الأدوار والمراحل التاريخية لعلم الكلام ــــــ

إن منظومة وقواعد العقائد ومسائل علم الكلام تاريخية، حيث تتبلور وتظهر على مرّ الزمن([64])، حيث يقوم كلّ جيل بإضافة موضوع أو مسألة كلامية جديدة إلى ما بلغه من الأجيال السابقة. ويمكن الوقوف على هذه الحقيقة من خلال التتبُّع التاريخي والزمني للكتب المؤلَّفة في العقيدة والكلام، والاطلاع على ظهور المسائل والموضوعات الكلامية ومسارها التاريخي.

يمكن تصوير المراحل التاريخية للكلام الشيعي من مختلف الجهات. وفي ما يلي نستعرض جهتين من تلك الجهات على نحو الإجمال.

أـ من جهة التحوّل البنيوي، حيث يمكن لنا أن نصوِّر له عدّة مراحل على النحو التالي([65]):

1ـ مرحلة التكوين «عصر النبيّ الأكرم|» ــــــ

إن المراد من تكوين علم الكلام في هذه المرحلة هو مطلق البحث والحوار بشأن العقائد الدينية؛ من أجل إثباتها والإجابة عن الإشكالات الواردة بشأنها. وإن الرجوع إلى القرآن الكريم والروايات والأحاديث المأثورة عن النبيّ الأكرم| تثبت انتشار المسائل الكلامية في عصر ظهور الإسلام. هذا وقد شكَّلت محاججات ومناظرات النبيّ الأكرم مع المشركين وأهل الكتاب بشأن أصول الدين من «التوحيد والنبوّة والمعاد» جزءاً كبيراً من القرآن الكريم([66])، كما تمّ تدوين الجزء الآخر في الكتب الروائية والتاريخية([67]).

2ـ مرحلة الاتّساع والانتشار «عصر الخلفاء إلى بداية القرن الهجري الثاني» ــــــ

أخذ علم الكلام بالاتّساع في خلافة عمر بن الخطاب؛ بفعل الفتوحات الإسلامية واتّساع الرقعة الجغرافية للدولة الإسلامية، واختلاط المسلمين بغير المسلمين من أتباع الديانات والمذاهب الأخرى، والاحتكاك بعلمائهم وأحبارهم وأساقفتهم وبطارقتهم ممَّنْ كانوا يتقنون فنون الجدل والبحوث الكلامية. وكان من نتائج ذلك ـ بطبيعة الحال ـ انتشار وشيوع علم الكلام، رغم عدم تدوين كتاب مستقلّ في هذا العلم في تلك المرحلة([68]).

كما كان لأمير المؤمنين× ـ رغم انشغاله في فترة حكمه القصيرة ـ الكثير من الخطب والأحاديث التي ألقاها على الناس، وكانت تشتمل على المواد الأولى للتعاليم الدينية والأسرار القرآنية القيِّمة، وكانت تنطوي على الكثير من الأبحاث والمناظرات الكلامية، التي تمّ تدوينها في الكتب الروائية([69]).

3ـ مرحلة التدوين الموضوعي «القرنان الثاني والثالث الهجريّان» ــــــ

وفي عهد بني أميّة ارتفعت وتيرة البحوث الكلامية، وتمّ تأليف الكتب والرسائل في ذلك. وبعد ظهور الفرق والمذاهب الكلامية، ومن بينها: المعتزلة، ثمّ الأشاعرة، ظهر علم الكلام بحلّةٍ مدوَّنة ومنظَّمة، بل وأُجريت عليه بعض الإصلاحات([70]).

وبطبيعة الحال فإن الشيعة قد سبقوا المعتزلة والأشاعرة إلى طرح المسائل الكلامية منذ بزوغ شمس التشيُّع العلوي بعد رحيل النبي الأكرم|، حيث أسس له أشخاص من أمثال: سلمان الفارسي، وأبي ذرّ الغفاري، والمقداد بن الأسود، وعمار بن ياسر، ورشيد الهجري، وكميل بن زياد الأسدي، وميثم التمّار، وآخرين. وقد قتلوا جميعاً على يد الأمويين، فكان هناك فترةٌ قصيرة، انتعش بعدها الكلام الشيعي مجدَّداً في عصر الإمامين الباقر والصادق’، وارتفعت وتيرة الجَدَل الكلامي إلى أوجها، وظهرت جهود حثيثة في تأليف الكتب والرسائل الكلامية. وعلى الرغم من تعرُّض الشيعة لسطوة وهيمنة ومطاردة الحكومات الجائرة، إلاّ أن ذلك لم يثنهم عن مواصلة جهودهم الحثيثة في هذا المجال([71]).

وإن أول مَنْ بادر إلى هذا الأمر عليّ بن إسماعيل بن ميثم التمّار(179هـ)، حيث ألَّف كتاب «الإمامة»، وكتاب «الاستحقاق»([72]). ثمّ تلاه أشخاص آخرون كتبوا رسائل في المسائل الكلامية، ولا سيَّما بشأن التوحيد والعدل([73]). وعلى الرغم من بقاء القليل من هذه المؤلَّفات، بَيْدَ أننا نحتمل احتمالاً قوياً أن تكون هذه المؤلَّفات عبارة عن رسائل مختصرة جدّاً، كما كان الشأن بالنسبة إلى رسالة الإمام الرضا× وعبد العظيم الحسني([74])، رغم أن هذه المرحلة قد اتَّسعت رقعتها بعد ذلك في القرن الهجري الثالث، لتبلغ ذروتها في القرن الهجري الرابع.

4ـ مرحلة البيان والتنظيم الموضوعي «القرنان الثالث والرابع الهجريّان» ــــــ

في هذه المرحلة عمد المتكلِّمون من الإمامية ـ بالنظر إلى ظهور التيارات الفكرية المنافسة، من أمثال: المعتزلة والأشاعرة وغيرهما، وكذلك غيبة الإمام الحجة المنتظر# ـ إلى بيان المسائل الكلامية طبقاً لمدرسة أهل البيت^، وقاموا كذلك بتدوينها وتنظيمها في موضوعات خاصّة، وأجابوا عن الشبهات الواردة أيضاً. وفي هذا الإطار ألَّف أبو سهل إسماعيل النوبختي(311هـ) كتاباً تحت عنوان «التنبيه في الإمامة»، وألّف ابن قبة كتاب «الإنصاف»، وألّف ابن بابويه «الإمامة والتبصرة». كما كتب الشيخ الصدوق(381هـ) كتاب «التوحيد»، وكتاب «كمال الدين وتمام النعمة» في موضوع الغيبة.

5ـ مرحلة التبويب «القرنان الخامس والسادس الهجريّان» ــــــ

لمس علماء الشيعة في القرنين الرابع والخامس الهجريّين حاجةً وضرورة إلى التعلُّم، والتعريف بالفكر الشيعي وعرضه على الناس. وعلى الرغم من أن هذا الأمر وهذه الجهود تعود بجذورها إلى نشاط أصحاب الإمامين الباقر والصادق’ وتلاميذهما في مجال علم الكلام، والتي تمّ تثبيتها وترسيخها بجهود المتكلِّمين اللاحقين في أصول العقائد الشيعية، غير أن الكلام الشيعي لم يصل إلى مرحلة التبويب إلاّ في القرن الهجري الخامس. ففي هذا القرن ـ ولا سيَّما في عصر البويهيين (320 ـ 447هـ) ـ قام العلماء الشيعة بتأسيس أرقى المدارس الفكرية الدينية ـ والتي يمكن القول: إنها فريدة من نوعها، حيث لم يسبق لها مثيلٌ في عالم الإسلام ـ، معتمدين في ذلك على القرآن الكريم والأحاديث المأثورة عن الأئمّة الأطهار من أهل البيت^، وعمدوا إلى التأسيس للأصول الفلسفية والاعتقادية، بحيث لم يضمنوا لها البقاء على طول التاريخ فحَسْب، بل ضمنوا لها الرقيّ والتطوّر المستمرّ، والقدرة على حلّ المعضلات، والإجابة عن المشاكل الاجتماعية أيضاً([75]).

6ـ مرحلة التحوُّل والتكامل «القرنان السابع والثامن الهجريّان» ــــــ

بادر الخواجة نصير الدين الطوسي(726هـ)، من خلال الترتيب والتنظيم الجامع بأسلوبٍ جديد ومبتكر، إلى رفع علم الكلام إلى ذروة التحوُّل والتكامل([76]). ويمكن التثبُّت من هذا الكلام من خلال المقارنة بين كتاب «تجريد الاعتقاد» و«رسالة الإمامة»([77]) وبين الكتب الكلامية المتقدِّمة عليهما.

7ـ مرحلة الشرح والتلخيص «من القرن الهجري التاسع إلى الرابع عشر» ــــــ

تعرّض علم الكلام في هذه المرحلة إلى حالة من الركود النسبي. فقد ذهب العلامة الطباطبائي إلى الاعتقاد بأن الشيعة في القرون السالفة ـ بالالتفات إلى خوضهم المناظرات المذهبية مع المخالفين، وشعورهم بالمسؤولية الدينية في ما يتعلَّق بحاجة تلك العصور ـ بذلوا كامل طاقتهم من أجل تطوير الفقه والحديث، وبلغوا بهذه العلوم ـ والعلوم ذات الصلة بها، من قبيل: الدراية والرجال والأصول ـ إلى ذروتها. فقد كانوا يثبتون أحدث النظريات الدقيقة في حينها، واستمرّ الوضع على هذه الشاكلة لقرون من الزمن، بَيْدَ أنه منذ القرن الهجري العاشر فما بعد، حيث بلغت هذه العلوم مرحلة الاستقلال، لم تعُدْ هناك حاجةٌ ماسّة إلى الدفاع عن العقائد المذهبية. ونتيجة لذلك طرأت على علم الكلام حالة من الركود منعته من التطوُّر. وعليه فإن الذي بين أيدينا حالياً من المسائل الكلامية هو حصيلة الأفكار التي تعود إلى ما قبل ثلاثة أو أربعة قرون، والتي تمّ تداولها وتناقلها عبر العلماء والكتب حتّى وصلت إلينا. أما الفقه ومقدّماته الفنية، من قبيل: علم الأصول والحديث والرجال، فقد واصلت تطوُّرها؛ بالنظر إلى الحاجة العامة إلى بقائها، فاستمرَّتْ في تقدُّمها عاماً بعد عام، كي تتّخذ وضعها المناسب([78]).

من هنا كان أكثر الكتب الكلامية في هذه المرحلة عبارة عن شرح أو تلخيص مؤلَّفات العلماء المتقدِّمين، ولا سيَّما الكتاب الخالد «تجريد الاعتقاد»، للخواجة نصير الدين الطوسي. ويمثِّل كتاب «شوارق الإلهام»، للمحقِّق عبد الرزّاق اللاهيجي(1072هـ)، أفضل النماذج والأمثلة على ذلك([79]).

8ـ مرحلة الإصلاح والتطوّر «منتصف القرن الهجري الرابع عشر» ــــــ

بدأت هذه المرحلة بعد تلك الفترة الطويلة من الركود، الناشئ من الأسباب السياسية والاجتماعية والفكرية التي حدثت في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديّين، مع بداية مرحلة الإصلاح في القرنين الثالث والرابع عشر الهجريّين على يد السيد جمال الدين(1314هـ)، واستمرارها بعد ذلك على يد الشيخ محمد عبده([80])، والعلامة الطباطبائي، والشهيد مرتضى مطهري، والسيد الشهيد محمد باقر الصدر، وآخرين، لتستأنف مسيرتها التكاملية، التي لا تزال مستمرّة بكلّ قوّتها حتّى هذه اللحظة.

ب ـ يمكن بيان المراحل التاريخية لعلم الكلام ـ ولا سيَّما الكلام الشيعي ـ من حيث الأساليب والاتجاهات على النحو التالي:

الكلام العقلي والنقلي ــــــ

1ـ الكلام العقلي: كان الكلام الشيعي منذ مراحله الأولى ذا صبغةٍ عقلية ونقلية، بمعنى أنه كان يقيم وزناً للتحليل والتأمُّل العقلي، وفي الوقت نفسه يضع الاستناد إلى الوحي نصب عينيه أيضاً. فكان عصر حضور الأئمّة^ يتصف بهذه الخصوصية.

إن المسائل والأبحاث الموجود في كلمات الأئمّة المعصومين^ بشأن وجود الله وصفاته الثبوتية والسلبية، وعوالم ما قبل وما بعد هذا العالم ـ الواردة في نهج البلاغة والكافي والتوحيد وغيرها من المصادر المتوفِّرة لدينا ـ لم تَرِدْ على شكل بيان سلسلة من المسائل التعبُّدية، بل على شكل سلسلة من الكلمات الاستدلالية الواضحة، وعبر ترتيب المقدّمات البرهانية، من الصغرى والكبرى والنتيجة([81]).

وكما تقدَّم فإنّ هذا الاتّجاه قد بلغ ذروته في عصر الإمام عليّ×، والإمامين الصادق والرضا’([82]).

2ـ الكلام النقلي: المرحلة الثانية([83]) من الحضور إلى شطر من الغيبة الصغرى (329هـ)، أي إلى عصر الشيخ الصدوق(381)([84]).

إن الكثير من الشيعة الذين كانوا يتحلَّقون حول الأئمة^، ويستمعون إلى أحاديثهم، ويعملون على نقلها وروايتها، يتجنَّبون الخوض في المباحث والمناظرات الكلامية، ولم يكونوا ينظرون بإيجابيّة إلى المتكلِّمين من الشيعة([85]).

وربما أمكن لنا أن نذكر لهذه المسألة بعض الأسباب والقراءات، ومنها:

ـ اتساع الرقعة الجغرافية، وارتفاع أعداد المجتمعات الشيعية.

ـ عدم وصولهم إلى شخص الإمام×، ولا سيَّما أن الأئمة بعد الإمام الصادق× ـ باستثناء الإمام الرضا× ـ قد أمضَوْا فترات طويلة في السجون أو المنافي، كما حدث بالنسبة إلى الإمامين الهادي والعسكري’ في سامراء.

ـ تأثُّر عوام الشيعة بالمنهج الحديثي لدى الأشاعرة، وخاصّة أن المعتزلة سلكوا طريق التطرُّف في إنكارهم للكثير من عقائد المسلمين، بالإضافة إلى أنّ الدعم الشامل من قبل الخلفاء العباسيين الثلاثة (المأمون والمعتصم والواثق) للمعتزلة قد أظهرهم بوصفهم تيّاراً سياسياً([86]).

ـ التعدُّد والتنوُّع الكبير في الآراء والمذاهب الكلامية، والذي كان من أسبابه ابتعاد الناس عن المدرسة الفكرية لأهل البيت^([87]). الأمر الذي دفع عوام الشيعة إلى التقيُّد بالأحاديث والنصوص، وأدّى بهم إلى التوجّس والاضطراب من الأساليب والمناهج الكلامية والمتكلِّمين.

ـ اتّهام المتكلِّمين الشيعة من قبل خصومهم، ومن بينهم: المعتزلة، حيث اتُّهم أمثال: هشام بن الحكم وهشام بن سالم، بالقول بالتجسيم والتشبيه، حيث ترك ذلك بتأثيره أيضاً([88]). وبطبيعة الحال فإن هذه المسألة إنما تلاحظ غالباً في عصر الإمام الرضا× إلى عصر الإمام الحسن العسكري×. كما رُوي أن هشام بن إبراهيم الجبلي ويونس بن عبد الرحمن وجعفر بن عيسى قد دخلوا على الإمام الرضا×، فقال جعفر بن عيسى: «يا سيدي، نشكو إلى الله وإليك ما نحن فيه من أصحابنا، فقال×: وما أنتم فيه منهم؟ فقال جعفر: هم واللهِ يا سيدي يُزندقوننا ويكفروننا ويتبرّأون منا. فقال×: هكذا كان أصحاب عليّ بن الحسين، ومحمد بن عليّ، وأصحاب جعفر وموسى (صلوات الله عليهم)… ثمّ أضاف جعفر بن عيسى قائلاً: يا سيّدي، نستعين بك على هذين الشيخين: يونس وهشام ـ وهما حاضران ـ، فهما أدّبانا وعلّمانا الكلام، فإنْ كنّا يا سيّدي على هدىً ففزنا، وإنْ كنّا على ضلالٍ فهذان أضلاّنا، فمُرْنا نتركه، ونتوب إلى الله منه. يا سيّدي، فادْعنا إلى دين الله نتَّبعك. فقال×: ما أعلمكم إلاّ على هدىً، جزاكم الله عن الصحبة القديمة والحديثة خيراً»([89]).

واستطرد جعفر قائلاً: «جُعلت فداك، إنّ صالحاً وأبا الأسد ـ خصيّ عليّ بن يقطين ـ حكيا عنك أنهما حكيا لك شيئاً من كلامنا فقلت لهما: ما لكما والكلام، يُثنيكم إلى الزندقة! فقال×: ما قلتُ لهما ذلك. أنا قلتُ ذلك؟! واللهِ ما قلتُ لهما»([90]).

وقال في حديثٍ آخر: «كنّا عند أبي الحسن الرضا×، وعنده يونس بن عبد الرحمن، إذ استأذن عليه قومٌ من أهل البصرة، فأومأ أبو الحسن× إلى يونس: ادخل البيت… وإيّاك أن تتحرَّك حتّى يؤذن لك! فدخل البصريّون، وأكثروا من الوقيعة والقول في يونس، وأبو الحسن× مُطْرِقٌ، حتّى لما أكثروا وقاموا فودَّعوا وخرجوا، فأذن ليونس بالخروج، فخرج باكياً، فقال: جعلني الله فداك، إني لأحامي عن هذه المقالة، وهذه حالي عند أصحابي! فقال له أبو الحسن×: يا يونس، وما عليك ممّا يقولون إذا كان إمامُك عنك راضياً. يا يونس، حدِّثْ الناس بما يعرفون، واتركهم ممّا لا يعرفون»([91]).

وفي روايةٍ أخرى قال الإمام الكاظم× ليونس بن عبد الرحمن: «يا يونس، ارفِقْ بهم، فإنّ كلامك يدقّ عليهم»([92]).

وقد روى الفضل بن شاذان، نقلاً عن أبي جعفر البصري، قال: «دخلتُ مع يونس بن عبد الرحمن على الرضا×، فشكا إليه ما يلقى من أصحابه من الوقيعة! فقال الرضا×: دارِهِمْ، فإنّ عقولهم لا تبلغ»([93]).

وقال عبد العزيز بن المهتدي، وهو من كبار الشخصيات في قم، وكان وكيلاً للإمام الرضا× فيها([94]): «كتبْتُ إلى أبي جعفر×: ما تقول في يونس بن عبد الرحمن؟ فكتب إليَّ بخطِّه: أحبّه وترحّم عليه، وإنْ كان يخالفك أهل بلدك»([95]).

يتّضح من التعبير الأخير للإمام الحجة# أن أهل قم كانوا يعارضون الكلام، ويُخالفون المتكلِّمين إلى حدٍّ كبير.

وقد ذهب بعض المحقِّقين إلى الاعتقاد بأن القمِّيين كان يختلقون الأحاديث في ذمّ العلماء والمتكلِّمين، وينسبونها إلى الأئمّة الأطهار^([96]).

3ـ الكلام العقلي: في القرن الهجري الخامس إلى القرن الهجري السادس، ورجاله هم: الشيخ المفيد، والسيد المرتضى، والشيخ الطوسي، وآخرون([97]).

4ـ الكلام الفلسفي: في القرن السابع، ومن رجاله: الخواجة نصير الدين الطوسي([98]).

5ـ الكلام في عصر سيطرة الأخباريين: في عصر العلاّمة المجلسي(1111هـ)، ومحمد بن محسن الفيض الكاشاني(1092هـ).

6ـ الكلام ذو الاتجاه الملفَّق من العقل والنقل والفلسفة المعاصرة: منذ القرن الهجري الرابع عشر إلى اللحظة الراهنة.

وقد بدأ هذا الاتجاه بصدر المتألِّهين الشيرازي(1050هـ). وبالإضافة إلى الأمور الثلاثة المتقدمة، عمد إلى توظيف المفاهيم العرفانية أيضاً، وكان يعمل على مناغمة الدين مع العقل والإشراق([99]).

وقد كان ظهور هذا الاتجاه بشكلٍ أوضح في المرحلة المعاصرة، من خلال العلامة الطباطبائي(1362هـ.ش)، والشهيد مرتضى المطهري(1358هـ.ش)، وتلامذة مدرسة العلاّمة، من أمثال: الشيخ الأستاذ جعفر السبحاني([100])، والشيخ الأستاذ جوادي الآملي([101]).

كما لا بُدَّ بطبيعة الحال من الالتفات إلى الاتجاه التفكيكي أيضاً، حيث ظهر في هذه المرحلة التاريخية أيضاً، ولا يزال خاضعاً للنقد والدراسة، أو تأييده من قبل بعض المفكِّرين، وإنْ كان الاتجاه الغالب هو الذي ذكرناه.

إن هاتين القائمتين عن المراحل التاريخية، والتي كانت كلّ واحدة منهما ناظرة إلى جهةٍ خاصة من مباحث ومسائل علم الكلام، تعبِّران عن العلاقة الدقيقة والوثيقة بين علمي الكلام والتاريخ. وبطبيعة الحال فإنّ النظرة إلى المباحث الكلامية، دون النظرة التاريخية إلى هذه المباحث، ودون الالتفات إلى مسار تطوُّرها، مضافاً إلى أنه قد يعرِّض تعاليمنا وعقائدنا الكلامية إلى الإشكال، قد يحرمنا من معرفة التعاليم الكلامية بشكلٍ صحيح أيضاً.

13ـ الاتجاهات الكلامية عند الإمامية ــــــ

إن الاتجاهات السائدة بين المتكلِّمين الشيعة في هذه المرحلة التاريخية (وبطبيعة الحال في جميع المراحل المختلفة) عبارةٌ عن:

1ـ النزعة النصّية.

2ـ النزعة العقلية التأويلية.

3ـ النزعة العقلية الفلسفية.

1 ـ النزعة النصّية ــــــ

إن النزعة النصِّية عبارة عن منظومة فكرية جمدت على النصوص الدينية، معتبرة الفكر البشري عاجزاً عن البيان العقلي للكثير من التعاليم الدينية. وقد رأى هذا الأسلوب أن المرجع والمصدر الوحيد للوصول إلى التعاليم الدينية هو نصوص وظواهر الكتاب والسنّة فقط([102]). وعلى الرغم من أن أتباع هذا الاتجاه ليسوا على وتيرةٍ ونَسَق واحد، ولكنهم يشتركون جميعاً في تجاهل العقل([103]). يرى هذا الاتجاه أن هداية العقل إنّما تؤتي أكلها عندما تأخذ بأيدينا إلى قادة الدين، وتضع نفسها في خدمة الشريعة، وتابعاً لظواهر الآيات والروايات. وعلى الرغم من أن أصحاب النزعة النصّية يعملون أحياناً على توظيف الأدلة العقلية في مقام الدفاع عن التعاليم الدينية([104])، إلاّ أنهم يذهبون إلى الاعتقاد بأن العقل إذا رام فهم ما هو أعمق وأبعد ممّا تدلّ عليه ظواهر ألفاظ الكتاب والسنّة فإنّه لن يصل إلى مبتغاه([105]).

وقد أطلق على هذا الاتجاه وأتباعه في المصادر القديمة عناوين من قبيل: «أهل النقل»([106])، و«أصحاب النقل»([107])، و«أصحاب الحديث»([108])، و«أصحاب الآثار»([109])، وما إلى ذلك.

2ـ النزعة العقلية ــــــ

إن النزعة العقلية عنوان عامّ يُطلق على كلّ نظام فكري ـ فلسفي يمنح العقل دوراً أساسياً ومحورياً. ويتمّ طرحه في مقابل أنظمة من قبيل: النزعة الشهودية([110])، والنزعة التجريبية([111])، والنزعة الإيمانية([112])، والنزعة النصِّية.

والنزعة العقلية هنا في مقابل النزعة النصِّية، والمراد منها المنظومة أو المدرسة الفكرية التي تؤكِّد ـ في مقابل المعارف الوحيانية ـ على دور العقل في الحصول على المعرفة أيضاً، ويرى له مكانةً مرموقة وسامية في هذا المجال، ويراه أداةً لكسب العلم والمعرفة([113]).

لقد آمن أتباع هذه المدرسة بحجِّية واعتبار العقل، وقالوا بأن القواعد والأسس العقلية تمثِّل العمود الفقري للمعارف البشرية، وذهبوا إلى الاعتقاد بأن الإنسان لا يمكنه الحصول على أيّ معرفة إلاّ من خلال الإقرار بالعقل والأسس العقلية، وإن المعارف الأخرى ـ الأعمّ من الحسِّية والتجريبية والوحيانية ـ تقوم على المبادئ والأسس العقلية أيضاً([114]).

هذا، وإن مرتبة العقل عند أتباع هذا الاتجاه ليست على وتيرةٍ واحدة، فهناك مَنْ عمل على تقديس العقل بشكلٍ متطرِّف، وبالغ في رفع مكانته حدَّ إنكار الوحي. ويمكن لنا أن نعتبر من بين هؤلاء: البراهمة([115])، وأتباع المذهب الربوبي([116])، وأبا العلاء المعرّي([117])، وكذلك محمد بن زكريّا الرازي([118]). وفي العادة يتمّ تصنيف المعتزلة في عداد المتطرِّفين في شأن العقل([119])، والمقطوع به أنهم لا يتَّصفون بالاعتدال العقلي الذي يتَّصف به الإمامية.

وفي المقابل فإن مذهب الشيعة الإمامية، طبقاً للتعاليم القرآنية، والانتماء إلى مدرسة أهل البيت^ ـ رغم المنعطفات التي واجهت العقل والعقلانية ـ، لم ينزلقوا في أودية الإفراط والتفريط، كما حصل لأهل السنّة. وعمدوا ـ من خلال تعديل العقلانية المتطرِّفة لدى المعتزلة، والاتجاه المتطرِّف في المقابل لدى أهل الحديث والأشاعرة ـ إلى توظيف كلا عنصري العقل والوحي ضمن منظومةٍ متقدِّمة، نزَّهتهم عن الإفراط المعتزلي في تقديس العقل، والتفريط الأشعري في الجمود على الظواهر الشرعية([120]).

3ـ النزعة العقلية الفلسفية ــــــ

لقد تعرّض هذا الاتجاه، من خلال توظيف العقل المصطبغ بالصبغة الفلسفية بطبيعة الحال، بمعنى الاستفادة من القواعد والأصول الفلسفية([121])، ومن خلال الاستعانة بسلسلةٍ من القضايا البديهية أو النظرية الناتجة عن تلك البديهيات (والأفكار التي لا يمكن للشعور والإدراك الإنساني أن يُشكِّك فيها)، والمنطق الفطري، للبحث في أصول عالم الوجود، وبذلك يتمّ التوصّل إلى مبدأ خلق الكون، وكيفية ظهور العالم وبدايته ومنتهاه([122]).

ومن الطبيعي أن التمسّك بالكتاب والسنّة يبقى محفوظاً في هذا الاتجاه. وأما في الدخول إلى المباحث والأدلة الفلسفية والخروج منها فإنّ هذا الاتجاه ذو طابع فلسفي، حيث يتمّ الاستناد فيه إلى القواعد والأصول الفلسفية، وحتّى الفلسفة اليونانية والإغريقية أيضاً، رغم الاستفادة من الآيات والروايات بوصفها من المؤيِّدات في هذا الاتجاه([123]).

لم يكن هذا المنهج معمولاً به في عصر حضور الأئمّة^، حتّى قام النوبختيون بتوظيفه في بداية عصر الغيبة الكبرى. ويعتبر كتاب (الياقوت) نموذجاً بارزاً لهذا الاتجاه الكلامي. وقد تمّ تطويره فيما بعد ـ عبر مراحل ـ على يد الخواجة نصير الدين الطوسي.

14ـ خصائص الفكر الكلامي لدى الشيعة ــــــ

يتمتَّع الفكر الكلامي الشيعي ـ بفضل الانتماء إلى مدرسة أهل البيت^، وحُسْن الاستفادة من آيات القرآن الكريم، والقواعد التي تحكمها ـ بخصائص ومزايا لا نجدها في سائر الاتّجاهات الفكرية الأخرى.

وفي ما يلي نشير إلى بعض هذه المزايا:

1ـ الاعتراف بمكانة العقل والعقلانية ــــــ

هناك الكثير من الروايات المأثورة عن الأئمّة الأطهار^ التي تثبت هذه المزيّة للعقل. ونكتفي منها هنا بذكر بعض الروايات المرويّة عن الإمام الصادق×:

ـ «بالعقل عرف العباد خالقهم».

ـ «بالعقل يُستخرج غور الحكمة».

ـ «يا هشام، إن الله تبارك وتعالى أكمل للناس الحجج بالعقول»([124]).

وقد حظيت هذه المزية باهتمام المتكلِّمين من الشيعة على المستوى العملي. كما أن أصحاب النزعة النصِّية، رغم تقديمهم لـ «النقل»، لا ينكرون نصيب العقل في الفهم. إن تقديم روايات العقل والتفكير في ترتيب الكتب الكلامية وبيانها وتوضيحها على هامش الأحاديث والروايات يثبت هذه الخصوصية والمزيّة في الكلام الشيعي. وهناك الكثير من الموارد التي تشهد لهذا الأمر في كتاب «الكافي»، وكتاب «التوحيد»، والمقدّمة التفصيلية لكتاب «كمال الدين وتمام النعمة».

اختلاف العقلانية الشيعية عن العقلانية لدى المعتزلة ــــــ

يعتبر المعتزلة من بين المذاهب والمدارس الإسلامية الأكثر تطرُّفاً في تقديس العقل؛ وذلك لأن «أصحاب الحديث» ينكرون الاستدلال العقلي في العقائد الدينية من الأساس. وأما «الأشاعرة» فعلى الرغم من ذهابهم إلى مشروعية الاستدلال العقلي، إلاّ أنهم جرَّدوه من أصالته، واعتبروه تابعاً للظواهر النقلية.

 وفي الوقت نفسه فإن العقلانية الشيعية تختلف عن العقلانية الاعتزالية في أمرين في الحدّ الأدنى، وهما:

أـ إن العقل المنشود للشيعة هو العقل البرهاني، بينما العقل المنشود للمعتزلة هو عقل جَدَلي([125]).

ب ـ إن الشيعة، بالإضافة إلى الاستدلال والاستناد إلى العقل البشري، يستفيدون أيضاً من عقل الأئمّة المعصومين أيضاً([126]).

قال المحقِّق عبد الرزّاق اللاهيجي في بيان هذين الموردين من الاختلاف:

ـ «إن قواعد الاعتزال، بالإضافة إلى قيامها على الأصول العقلية، إلاّ أنّها أقرب إلى الثواب، وإنْ كانت أدلّتهم جَدَلية، وأقيستهم غير برهانية…»([127]).

ـ إن المقدّمات التي يأخذها الشيعة الإمامية من المعصوم بمنزلة الأوّليات في القياس البرهاني، وكما أن القياس البرهاني يفيد اليقين فإن الدليل الذي يؤخذ من المقدّمات المرويّة عن المعصوم يفيد اليقين أيضاً…([128]).

إن لهذه الخصيصة نتائج قيِّمة بالنسبة إلى الكلام الشيعي، ومن تلك النتائج:

1ـ لقد كانت الأغلبية الساحقة من الفلاسفة المسلمين من الشيعة الإمامية.

وكما لعب الشيعة دوراً مؤثِّراً في أصل ظهور التفكير الفلسفي([129]) فقد كان لهم دورٌ هامّ وركن رئيس في تطوير هذا التفكير والترويج للعلوم العقلية، وكانوا على الدوام يمارسون نشاطهم في هذا المجال باستمرار. من هنا، وعلى الرغم من طيّ صفحة الفلسفة في ساحة الأكثرية من أهل التسنُّن برحيل ابن رشد، إلاّ أن صفحة الفلسفة لم تُطْوَ أبداً بين الشيعة، حيث كان هناك على الدوام شخصيات تتوارث الفلسفة خَلَفاً عن سَلَف، من أمثال: الخواجة نصير الدين الطوسي، والميرداماد، وصدر المتألِّهين، فتعاقب كلُّ واحدٍ منهم على تحصيل وتطوير الفلسفة([130]).

2ـ حافظ التشيُّع على صيانة نفسه من الزلل والانحراف في بيان المعارف الدينية، وحلّ المعضلات الكلامية، وسلكوا في الغالب طريق الاعتدال([131]).

2ـ التحقيق والحرِّية الفكرية([132]) ــــــ

لقد تمكَّن أئمة الشيعة ـ بالإضافة إلى غرس بذور جميع العلوم والمعارف الحقيقية ـ من إيقاد جذوة البحث والنقد الحرّ في نفوس أتباعهم أيضاً([133]). ومن هنا كانت الأبحاث الشيعية في حقائق المعارف مقرونةً بالتحليل والنقد العقلي الحرّ([134]).

وهذا على الرغم من تدخل الكثير من الأسباب والعلل التي أدَّتْ إلى عزل أهل البيت^، للأسف الشديد، والتي هي في الغالب أسبابٌ سياسية، وتمّ الترويج للصحابة بَدَلاً منهم. وبطبيعة الحال فإن هؤلاء الصحابة قاموا بدورهم في نشر التعاليم الإسلامية التي أخذوها مشافهةً عن النبي الأكرم|، إلا أن المؤكَّد أنهم لم يكونوا يتمتَّعون بروح التحقيق العلمي، ولم يكونوا يتَّصفون بالاتجاه النقدي([135])؛ أو أن هناك أيدٍ خفيّة كانت تمنع من حصول ذلك. وكان تأليف الكتب محظوراً عليهم، تحت شعار: «حَسْبُنا كتاب الله»([136]).

من هنا فقد تضافرت أسباب عديدة، ومن بينها ـ كما تقدَّم ـ:

1ـ غياب روح التحقيق بين عامّة الصحابة.

2ـ المنع من البحث والانتقاد في المسائل الدينية.

3ـ مبادرة جهاز الخلافة إلى حظر الكتابة والتأليف.

4ـ ظهور عدد لا بأس به من الإسرائيليّين المتظاهرين بالإسلام.

5ـ الاهتمام الكبير من قبل المسلمين بالحديث والمحدِّثين.

كل هذه الأسباب تشابكت فيما بينها لتسقط الحديث عن مكانته ومنزلته الحقيقية([137]).

لهذه الجهة، وجهات أخرى([138])، خيَّمت حالة من الركود والجمود في سائر العلوم الإسلامية، الأعمّ من التفسير والفقه([139]) والكلام، وبذلك انعدمت حرِّية النقد بجميع صورها، وهكذا فقدت هذه العلوم عنصر نموّها وتطوّرها([140]).

أما الشيعة، فعلى الرغم من أن الظروف القاهرة والضغوط الخارجية التي فرضت عليهم قد حالت دون منحهم فرصة استيفاء البحث حقَّه في جميع الفنون والعلوم، واضطرّتهم إلى الاستفادة منها بشكلٍ متوسط أو منقوص([141])، فلم يتمكن العلماء والمفكِّرون الشيعة من الحصول على الفرصة أو تحقيق النجاح في جميع العلوم والفنون كما تستحقّ، إلاّ أنهم مع ذلك تمكَّنوا من خلال الجهود والمساعي الكبيرة من المحافظة على روح البحث والتحقيق العلمي الحرّ في العلوم التي تقع مورداً لحاجة المجتمع([142]).

ولذلك فإن المنهج الكلامي للشيعة طبقاً لتعاليم أهل البيت^ يتلخَّص في الدفاع عن أسس التعاليم الإسلامية، من خلال توظيف المنطق الصحيح، وحجِّية العقل والنقل([143]).

كما يقع هذا الأسلوب مورداً لتأييد واهتمام القرآن الكريم أيضاً؛ حيث يمكن العثور على الكثير من الآيات القرآنية التي تستعرض التعاليم الاعتقادية والعملية في الإسلام بأسلوبٍ استدلالي قائم على الاحتجاج العقلي. إن هذه الآيات تصل إلى غاياتها ومقاصدها من خلال الأدلّة والحجج الكافية، معتمدة في ذلك على غريزة الإنسان وفطرته الواقعية القائمة على الفهم الاستدلالي.

ليس هناك آيةٌ في القرآن الكريم تطلب من المخاطَب أن يؤمن بمضمونها تعبُّداً ومن دون نقاش، ليقوم بعد ذلك بالاستدلال عليها؛ تَرَفاً أو لأهداف أخرى، بل يقول القرآن للإنسان: اعتمد في فهمك لآيات الله على عقلك السليم بشكلٍ حُرّ؛ فإن صدّقتها الأدلة والشواهد والبراهين العقلية (وهو الذي سيحصل قطعاً) وجب عليك الإيمان بها (وهذا هو منهج التفكير الفلسفي والاستدلالي الحُرّ)([144]).

يشهد لذلك بوضوح وجود المسائل والأبحاث الفلسفية العميقة في مختلف التعاليم الإسلامية حول أصول الدين، من المبدأ إلى المعاد، الواردة من طرق الشيعة عن النبيّ الأكرم| وأهل بيته الطاهرين^ ذات الأسلوب والمنهج الفلسفي([145]). يُضاف إلى ذلك أن الإمام الأول للشيعة (عليّ بن أبي طالب) هو الوحيد الذي أسَّس لهذا المنهج في الإسلام، في حين لا نرى واحداً من بين آلاف الصحابة ـ الذين ضبطت أسماؤهم ـ قد نقل عنه حديثٌ واحد ينطوي على هذا المنهج([146]).

ثمرة وفائدة هذه الخاصية ــــــ

يمكن لنا في الحدّ الأدنى ذكر ثلاث نتائج وثمار لهذه الخصيصة([147])، وهي:

1ـ انتشار الفكر الفلسفي بين الشيعة.

2ـ اتّساع رقعة المسائل الفلسفية، وتَبَعاً لذلك حلّ الرموز، والتوصّل إلى الإجابات الشافية للمشاكل العريقة في مجال الفلسفة.

3ـ التوصُّل إلى إيجاد الترابط الأفضل بين مسائل الفلسفة.

3ـ النزعة التقليدية ــــــ

إن الكلام الشيعي يتمتّع بالعقلانية والتعقُّل، وإلى جانب ذلك ينبثق من صُلْب الحديث، وهو ـ خلافاً للكلام عند أهل السنّة، الذي يُعرف بوصفه تياراً مناوئاً للحديث ـ لا يخالف السنّة والحديث، بل يتمخّض من صميم الروايات والسنة الشريفة.

والسرّ في ذلك يكمن في أن أحاديث الشيعة ـ خلافاً لأحاديث أهل السنّة ـ تشتمل على سلسلة من الأحاديث التي تعالج وتحلِّل المسائل الاجتماعية العميقة والمتعلِّقة بما وراء الطبيعة معالجة منطقية وفلسفية. في حين أن الأحاديث المرويّة من طرق أهل السنّة تفتقر إلى المعالجة والتحليل الفلسفي. فعلى سبيل المثال: في معرض الحديث عن القضاء والقدر، وأسماء الله وصفاته، والعالم بعد الموت والمسائل المتعلِّقة به، والإمامة والخلافة وما إلى ذلك، لا يكون لأهل السنّة أيّ بحث تحليلي بشأنها. أما الشيعة فلا يكتفون بسرد هذه الأمور، وإنّما يعمدون إلى الاستدلال عليها. ويمكن الوقوف على هذه الحقيقة من خلال إجراء مقارنةٍ عابرة بين الروايات الواردة في أبواب «الصحاح الستّة» والأبواب المذكورة في كتاب «الكافي» و«التوحيد».

من هنا فقد تمَّتْ تجزئة وتحليل «التكلّم» ـ بمعنى التفكير العقلاني ـ تحليلاً ذهنياً في أحاديث الشيعة([148]). ولذلك لم ينقسم الشيعة ـ كما انقسم أهل السنّة ـ إلى جماعتين: «أصحاب الحديث»؛ و«أصحاب الكلام»([149]).

4ـ النزعة الاعتدالية ــــــ

إن الأمثلة التالية تعكس هذه الخصوصية:

ـ في مجال الصفات الإلهية عمدوا إلى بيان نظرية «التنزيه»، في مقابل نظرية التعطيل والتشبيه([150]).

ـ قاموا بالترويج لنظرية «المحدث غير المخلوق» بالنسبة إلى القرآن والكلام الإلهي، في مقابل نظرية خلق القرآن والحدوث والقِدَم([151]).

ـ ذكروا نظرية «الأمر بين الأمرين» في مجال الإنسان والمصير، خلافاً لنظريتي الجبر والتفويض([152]).

ـ ذهبوا في بحث الإيمان ـ خلافاً للمرجئة ـ إلى القول بدور العمل الصالح في تعميق الإيمان وصلاح الإنسان([153]). كما ذهبوا ـ خلافاً للخوارج ـ إلى عدم تكفير مرتكب الكبيرة، والقول بأنه مسلم غير مؤمن([154]).

أجل، إنك لا ترى في التفكير الكلامي الشيعي لدى الإمامية أثراً من تشبيه الخالق بأحدٍ من خلقه، ولا شيئاً من تعطيل العقل في فهم الشريعة، ولا شائبة للجبر وتقييد حُرِّية الإنسان، ولا مسحة للتفويض وإخراج الله عن مساحة أفعال الإنسان([155]).

 

الهوامش

(*) أستاذٌ مساعد في معهد الثقافة والفكر الإسلامي، وباحثٌ متخصِّصٌ في علم الكلام والمذاهب والفِرَق.

([1]) انظر: محمد صفر جبرئيلي، كلام إسلامي، عوامل وزمينه هاي پيدائي (مصدر فارسي)، مجلة قبسات، العدد 38.

([2]) انظر: إسلام در إيران (مصدر فارسي): 213؛ آدم ميتز، تاريخ تمدن إسلامي در قرن چهارم، ترجمه إلى الفارسية: علي رضا ذكاوتي قراگزلو 1: 79 ـ 80؛ جولد زيهر، مذاهب التفسير الإسلامي: 171.

([3]) انظر: فان أس، في: شيعه در حديث ديگران (مصدر فارسي)، تحت إشراف: د. مهدي محقق.

([4]) انظر: إسلام در إيران (مصدر فارسي): 218.

([5]) انظر: آدم ميتز، تاريخ تمدن إسلامي در قرن چهارم 1: 78؛ مايكل كوك، أمر به معروف ونهي أز منكر در أنديشه إسلامي، ترجمه إلى الفارسية: أحمد نمائي.

([6]) انظر: المصدر السابق نفسه. ولمزيد من الاطّلاع بشأن هذا الرأي انظر مقالتنا: كلام شيعي، دوره هاي تاريخي، رويكردهاي فكري، والمنشورة في مجلة قبسات، العدد 38.

([7]) انظر: محسن الأمين، أعيان الشيعة 10: 308.

([8]) انظر: طبقات المتكلِّمين 1: 72؛ عامر النجار، علم الكلام، عرضٌ ونقد: 27، مكتبة الثقافة الدينية، 1423هـ.

([9]) انظر: محمد رضا حكيمي، مكتب تفكيك (مصدر فارسي): 115.

([10]) انظر: حسن طارمي راد، تاريخ تطور عقايد وآراء كلامي (مصدر فارسي): 27.

([11]) انظر: محمد حسين الطباطبائي، شيعه در إسلام (مصدر فارسي): 78.

([12]) انظر: طبقات المتكلِّمين 1: 72 ـ 77؛ محمد حسين الطباطبائي، شيعه در إسلام: 84.

([13]) انظر تفصيل ذلك في مقالة: كلام إسلامي، عوامل وزمينه هاي پيدائي، مجلة قبسات، العدد 38.

([14]) انظر: المصدر السابق 1: 83 ـ 90؛ محمد رضا حكيمي، مكتب تفكيك: 115. إن ذكر هذه العناصر والخلفيات لا يعني أن علم الكلام الإسلامي علمٌ متأثِّر بالأديان والمذاهب الأخرى، بل المراد أن هذه العوامل كان لها تأثيرٌ ودور في ظهور بعض المسائل في الكلام والعقيدة الإسلامية.

([15]) انظر: محمد حسين الطباطبائي، شيعه در إسلام: 84.

([16]) انظر: حسين نصر، تاريخ فلسفه إسلامي (مصدر فارسي) 1: 137.

([17]) انظر: محمد حسين الطباطبائي، قرآن در إسلام: 111.

([18]) انظر: حسين نصر، تاريخ فلسفه إسلامي (مصدر فارسي) 1: 137.

([19]) انظر: قرآن در قرآن (التفسير الموضوعي للقرآن الكريم) 1: 303 ـ 304، 344.

([20]) انظر: المصدر السابق: 136.

([21]) انظر: المصدر السابق: 292 ـ 293.

([22]) انظر: المصدر السابق: 138.

([23]) لقد استند الشيخ جعفر السبحاني في كتابه «الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل» إلى أكثر من ألف وخمسمائة آية شريفة. وقد استند المفسّر القدير الشيخ جوادي الآملي ـ في كتاب التوحيد في القرآن فقط (من المجلد الثاني من سلسلة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم) ـ إلى ما يقرب من ألف آية من آيات القرآن الكريم. وقام الشيخ مصباح اليزدي في سلسلته «معارف قرآن» بتدوين الأصول الاعتقادية في خمسة مجلدات على أساس آيات القرآن الكريم.

([24]) انظر: محمد حسين الطباطبائي، قرآن در إسلام: 110. على سبيل المثال: ذكر الشيخ جوادي الآملي في إثبات المعاد تسعة براهين، كلّها مأخوذة ومستندة إلى القرآن الكريم. انظر: معاد در قرآن (التفسير الموضوعي للقرآن الكريم) 4: 137 ـ 168.

([25]) يحكي القرآن الكريم في جميع مواضعه عن هذه الأصول والعقائد.

([26]) وقد ذهب الأستاذ الشهيد مرتضى مطهري إلى اعتبار القرآن الكريم منظومة لتصفية الأفكار الإسلامية وتنقيتها. انظر: الأعمال الكاملة 21: 96 ـ 98.

([27]) انظر: حسن طارمي راد، تاريخ تطور عقايد وآراء كلامي (مصدر فارسي): 28؛ حسن محمود الشافعي، المدخل إلى دراسة علم الكلام: 56.

([28]) انظر: الطباطبائي، شيعه «مناظرات ومراسلات بين العلامة الطباطبائي وهنري كوربان» (مصدر فارسي): 192.

([29]) انظر: توحيد در قرآن «تفسير موضوعي قرآن كريم» (مصدر فارسي) 2: 58 ـ 68.

([30]) انظر: الطباطبائي، شيعه «مناظرات ومراسلات بين العلامة الطباطبائي وهنري كوربان»: 192.

([31]) وقد قام العلامة الطباطبائي على أساس هذا التقسيم والتبويب بتأليف الرسائل التوحيدية، رسالة الأسماء الإلهية، والأفعال الإلهية، والوسائط، وكذلك رسالة الإنسان قبل الدنيا، والإنسان في الدنيا، والإنسان بعد الدنيا. ولا يفوتنا التذكير بأن الترجمات العربية لهذه الرسائل متوفِّرة.

([32]) انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 1: 13.

([33]) انظر: الأعمال الكاملة (الكلام) 3: 57 ـ 58.

([34]) والأقسام الخمسة الأخرى عبارة عن:

6ـ معرفة القرآن.

7ـ الأخلاق أو بناء الإنسان قرآنياً.

8ـ البرامج العبادية.

9ـ أحكام القرآن الفردية.

10ـ أحكام القرآن الاجتماعية والمدنية والاقتصادية والقضائية والجزائية والسياسية والدولية.

([35]) انظر: معارف قرآن: 1 ـ 2.

([36]) انظر: مرتضى العسكري، عقائد الإسلام في القرآن الكريم؛ المهندس مهدي بازرگان، سير تحول موضوعي قرآن (مصدر فارسي).

([37]) انظر: الطباطبائي، شيعه در إسلام (مصدر فارسي): 84.

([38]) انظر: جوادي الآملي، تفسير تسنيم (مصدر فارسي) 1: 133.

([39]) انظر: حسن طارمي راد، تاريخ تطور عقايد وآراء كلامي (مصدر فارسي): 32.

([40]) انظر: توحيد در قرآن (مصدر فارسي): 288.

([41]) انظر: جوادي الآملي، تفسير تسنيم (مصدر فارسي) 1: 133.

([42]) انظر: حسين نصر، تاريخ فلسفه إسلامي (مصدر فارسي) 1: 219؛ الطباطبائي، شيعه «مناظرات ومراسلات بين العلامة الطباطبائي وهنري كوربان»: 230.

([43]) انظر: المصدر السابق: 102.

([44]) المرتضى، الأمالي 1: 148. وانظر أيضاً: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 5: 277.

([45]) ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة 1: 17.

([46]) الكليني، أصول الكافي 1: 136.

([47]) فهؤلاء بأجمعهم يذعنون بأن منهج التفكير الكلامي الشيعي عقلاني وفلسفي، ولكنهم يختلفون في بيان أسباب ومناشئ هذه الظاهرة. فقد ذهب برتراند راسل إلى القول بأن هذه الظاهرة تعود إلى خصوصية العرق الفارسي. وذهب أحمد أمين المصري إلى اعتبار ذلك راجعاً إلى النـزعة الباطنية، وميل الشيعة إليها. انظر: الأعمال الكاملة، ج6؛ الطباطبائي، أصول فلسفه وروش رئاليسم «أصول الفلسفة والمذهب الواقعي»: 884.

([48]) انظر: الطبرسي، الاحتجاج؛ الصدوق، التوحيد؛ جوادي الآملي، إمام رضا وفلسفه إلهي (مصدر فارسي).

([49]) انظر: الطباطبائي، شيعه «المناظرات والرسائل المتبادلة بين العلامة الطباطبائي وهنري كوربان» (مصدر فارسي): 103 ـ 104.

([50]) انظر: تفسير موضوعي قرآن كريم «قرآن در قرآن» (مصدر فارسي) 1: 391؛ عبد الله جوادي الآملي، تفسير تسنيم 1: 156 ـ 157.

([51]) انظر: طبقات المتكلِّمين: 2، مقدّمة الشيخ جعفر السبحاني بعنوان: الخبر الواحد في الشؤون الدينية بين الرفض والقبول؛ عبد الله جوادي الآملي، تفسير تسنيم (مصدر فارسي) 1: 156 ـ 159.

([52]) عبد الرزاق اللاهيجي، گوهر مراد: 49 ـ 50.

([53]) انظر: المفيد، الأعمال الكاملة «أوائل المقالات» 4: 122: «لا يجوز العلم ولا العمل بشيءٍ من أخبار الآحاد، ولا يجوز لأحد أن يقطع بخبر الواحد في الدين، إلاّ أن يقترن به ما يدلّ على صدق راويه على البيان. وهذا مذهب جمهور الشيعة».

([54]) قال العلامة الطباطبائي: هناك في القرآن الكريم ما يربو على الثلاثمائة آية تحثّ الناس على التفكير والتذكُّر والتعقُّل، أو تعلِّم النبيّ الأكرم‘ كيفية الاستدلال لإثبات الحقّ أو إبطال الباطل. انظر: الميزان في تفسير القرآن 5: 255.

([55]) انظر: الطباطبائي، شيعه در إسلام (مصدر فارسي): 78 ـ 79.

([56]) انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 5: 255.

([57]) انظر: محمد باقر المَلَكي الميانجي، توحيد الإمامية: 29 ـ 34، موقع العقل في معرفة الله، موقع العقل في معرفة الأنبياء والرسل، وزارة الثقافة والإرشاد، طهران.

([58]) الكليني، الأصول من الكافي 1: 29.

([59]) انظر: مرتضى مطهري، الأعمال الكاملة، ج23 «إنسان كامل» (مصدر فارسي): 185.

([60]) انظر: محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار 2: 303: «إن دين الله لا يُصاب بالعقول الناقصة والآراء الباطلة والمقاييس الفاسدة، ولا يُصاب إلاّ بالتسليم، فمَنْ سلّم لنا سلم، ومَنْ اهتدى بنا هُدي».

([61]) انظر: أساس الاقتباس: 442؛ عبد الرزاق اللاهيجي، گوهر مراد: 36؛ جوادي الآملي، دين شناسي (مصدر فارسي): 171 ـ 172.

([62]) الكليني، الأصول من الكافي 1: 29.

([63]) انظر: جوادي الآملي، دين شناسي (مصدر فارسي): 172.

([64]) انظر: جعفر السبحاني، مدخل مسائل جديد در علم كلام (مصدر فارسي) 1: 6؛ عبد الكريم سروش، قبض وبسط تئوريك شريعت (مصدر فارسي): 99 ـ 100.

([65]) انظر: د. حسن حنفي، من العقيدة إلى الثورة 1، المقدمات النظرية، الفصل الثاني، بناء العلم، دار التنوير والمركز الثقافي الديني للطباعة والنشر، بيروت، 1988م.

([66]) انظر جانباً من مناظرات النبي الأكرم‘ مع المخالفين والمنكرين لنبوّته في: درّة التاج: 196 ـ 212.

([67]) انظر: علي رباني گلپايگاني، در آمدي بر علم كلام (مصدر فارسي): 112.

([68]) انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 5: 276. «…فارتفع منار الكلام، ولكنْ لم يُدوَّن بعد تدويناً…».

([69]) انظر: المصدر السابق: 277.

([70]) انظر: المصدر السابق 5: 277 ـ 278؛ عبد الرزاق اللاهيجي، گوهر مراد: 46.

([71]) انظر: المصدر السابق: 278 ـ 279؛ عبد الحسين زرّين كوب، در قلمرو وجدان (مصدر فارسي): 271؛ أحمد باكتجي ومسعود جلالي، دائرة المعارف بزرگ إسلامي (مصدر فارسي) 8: 427، 10: 164، مركز دائرة المعارف بزرگ إسلامي، طهران، 1377هـ.ش. وللوقوف على بعض المصاديق والشخصيات انظر: رجال الكشي: 539، ورجال النجاشي: 250 ـ 251.

([72]) انظر: ابن النديم، الفهرست: 217، الفنّ الثاني من المقالة الخامسة: «أول مَنْ تكلم في مذهب الإمامة عليّ بن إسماعيل بن ميثم التمّار ـ وميثم من أجلّة أصحاب عليّ (رضي الله عنه) ـ. ولعليٍّ من الكتب كتاب الإمامة والاستحقاق.

([73]) انظر إلى نماذج من هؤلاء المؤلفين في: طبقات المتكلِّمين 1: 180 ـ 182؛ جعفر السبحاني، رسائل ومقالات 1: 311 ـ 322.

([74]) انظر: جعفر السبحاني، مع الشيعة الإمامية في عقائدهم: 15 ـ 19، معاونية شؤون التعليم والبحوث الإسلامية، 1413هـ.

([75]) انظر: جعفر شهيدي، آرام نامه: 74 ـ 75، مقال تحت عنوان: «چهره نا شناخته شيعه» (مصدر فارسي).

([76]) انظر مقال: كلام شيعي، دوره هاي تاريخي، رويكردهاي فكري (مصدر فارسي)، مجلة قبسات، العدد 38.

([77]) تم نشر النص العربي لهذه الرسالة ضمن تلخيص المحصّل للخواجة نصير الدين الطوسي، وقد ترجمه إلى اللغة الفارسية: محمد تقي دانش پژوه، وتمّ طبعها قبل سنوات من قبل جامعة طهران.

([78]) انظر: الطباطبائي، شيعه «المناظرات والرسائل المتبادلة بين العلامة الطباطبائي وهنري كوربان» (مصدر فارسي): 48 ـ 49.

([79]) للوقوف على الشروح والتعليقات على كتاب تجريد الاعتقاد انظر: مدرّس رضوي، أحوال وآثار نصير الدين الطوسي (مصدر فارسي): 426 ـ 433؛ دانشنامه جهان إسلام (مصدر فارسي) 6: 578 ـ 579؛ د. كامل مصطفى الشيبي، الفكر الشيعي والنـزعات الصوفية: 98 ـ 99.

([80]) على الرغم من انتماء الشيخ محمد عبده(1323هـ) إلى المذهب السنّي، حيث كان من علماء أهل السنّة، ومن الدارسين في الأزهر الشريف، إلاّ أنه تأثَّر بأستاذه الشيعي السيد جمال الدين، وعمد إلى إصلاح الكلام الأشعري، كما تمكَّن من التأثير في المفكِّرين الشيعة من بعض الجهات أيضاً. انظر: جعفر السبحاني، مدخل مسائل جديد در علم كلام (مصدر فارسي) 1: 9؛ علي رباني گلپايگاني، فرق ومذاهب كلامي (مصدر فارسي): 198.

([81]) انظر: الأعمال الكاملة 6 «أصول فلسفه وروش رئاليسم» (مصدر فارسي): 881، وانظر أيضاً موارد من هذا القبيل لدى: جوادي الآملي، دين شناسي: 156 ـ 170.

([82]) انظر: الطباطبائي، إمام علي وفلسفه إلهي (مصدر فارسي)؛ مرتضى مطهري، سيري در نهج البلاغة (مصدر فارسي)؛ الشيخ الصافي الگلپايگاني، إلهيات در نهج البلاغة (مصدر فارسي)؛ يادداشتهاي أستاد شهيد مطهري (مصدر فارسي)، ج9؛ جوادي الآملي، فلسفه إلهي أز منظر إمام رضا× (مصدر فارسي).

([83]) المراد من المرحلة الثانية من عصر الحضور عصر إمامة الإمام الرضا× ـ ولا سيَّما في المدينة المنوَّرة ـ والأئمة بعده. وقد ذكرت أدلّتي على هذا الأمر، وكذلك أسباب النظرة السلبية ـ لعامّة الشيعة، وليس الأئمّة أو العلماء والمفكِّرين ـ لعلم الكلام. انظر: كلام إسلامي، عوامل وزمينه هاي پيدائي (مصدر فارسي)، مجلة قبسات، العدد 38.

([84]) رغم أن الشيخ الصدوق من المحسوبين على أتباع المنهج النصّي، ولكنّه؛ لأسباب ستذكر في موضعها، خرج قليلاً عن ذلك المنهج، وباشر طرح المسائل الكلامية، ولا سيَّما في إمامة إمام العصر#.

([85]) انظر: حسين المدرسي الطباطبائي، مقدمه إي بر فقه شيعه (مصدر فارسي): 32.

([86]) انظر: جولد زيهر، العقيدة والشريعة في الإسلام: 106.

([87]) انظر: أبو القاسم الخوئي، معجم رجال الحديث 20: 313 ـ 321، ط5؛ المرتضى، الشافي في الإمامة 1: 83 ـ 86.

([88]) انظر: المصدرين السابقين.

([89]) الطوسي، اختيار معرفة الرجال، المعروف برجال الكشّي: 496.

([90]) المصدر نفسه.

([91]) المصدر السابق: 485 ـ 486.

([92]) المصدر السابق: 486، ح928.

([93]) المصدر السابق: 487، ح929.

([94]) انظر: المصدر السابق: 483، ح910: يقول الفضل بن شاذان: «وكان خير قمّي رأيتُه»؛ ح973: «ما رأيت قمِّياً يشبهه في زمانه». وربما لهذا السبب لم يكن منسجماً مع المتكلِّمين.

([95]) المصدر السابق: 487، ح931.

([96]) انظر: حسين المدرسي الطباطبائي، مقدّمه إي بر فقه شيعه (مصدر فارسي): 32؛ رجال الكشي: 491، 496، 497، 540، 544.

([97]) انظر: المصدر نفسه.

([98]) انظر: المصدر نفسه.

([99]) انظر: حسين نصر، معارف إسلامي در جهان معاصر (مصدر فارسي): 43؛ مجلة قبسات، العدد 35: 8، عن الشيخ جوادي الآملي؛ نقد ونظر، العدد 3 ـ 4: 225.

([100]) عنوان كتابه في علم الكلام: (الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل)، كما تعكس مؤلفاته الأخرى هذا التوجّه أيضاً.

([101]) انظر: مؤلفاته الكثيرة، ومنها: ما يحمل عنوان فلسفة الدين، من قبيل: دين شناسي (مصدر فارسي)، ومجلدات التفسير الموضوعي للقرآن، ومن بينها: المجلد الثاني تحت عنوان: «توحيد در قرآن» (مصدر فارسي)، و«حمكت نظري وعملي در نهج البلاغة» (مصدر فارسي).

([102]) انظر: مقدّمة الحكايات (سلسلة مصنّفات المفيد) 10: 22؛ محمد باقر الصدر، المعالم الجديدة للأصول: 35؛ عباس إقبال آشتياني، خاندان نوبختي (مصدر فارسي): 40.

([103]) انظر: قرآن وقلمروشناسي دين (مصدر فارسي): 78؛ عباس إقبال آشتياني، خاندان نوبختي (مصدر فارسي): 40.

([104]) انظر: مجلة فصلنامه شيعه شناسي، العدد 9: 17.

([105]) انظر: عقل ووحي (مصدر فارسي): 123.

([106]) انظر: أوائل المقالات (سلسلة مصنّفات المفيد) 4: 64.

([107]) انظر: المصدر السابق: 65.

([108]) انظر: المصدر السابق: 77.

([109]) انظر: المصدر السابق: 70.

([110]) النـزعة الشهودية: يرى أتباع هذا الاتجاه (خشبية ساق) أصحاب النـزعة الاستدلالية، وفي المقابل يرون روح وقلب الإنسان هو الوسيلة الوحيدة الموثوقة إلى المعرفة. انظر: شناخت در فلسفه إسلامي (مصدر فارسي): 158؛ علي رباني گلپايگاني، عقايد استدلالي (مصدر فارسي) 1: 45.

([111]) النـزعة التجريبية: نظرية ترى أن منشأ المعرفة الوحيد يكمن في الحسّ والتجربة، وينكر البديهيات الفطرية والسابقة للتجربة. انظر: علي رباني گلپايگاني، عقايد استدلالي (مصدر فارسي) 1: 46.

([112]) النـزعة الإيمانية: رؤية تحذّر المتديِّن من التقييم العقلاني للمعتقدات الدينية، وترى أن الدين ينشد من الناس التسليم والتعبُّد المطلق. يقول أتباع هذه الرؤية: إذا آمنا بوجود الله، أو كماله المطلق، أو حكمته وعلمه وقدرته وما إلى ذلك، فإنّما آمنا بذلك في واقع الأمر بشكلٍ مستقلّ عن أيّ نوع من أنواع القرائن والاستدلال، ورفض أيّ جهد أو سعي لإثبات هذه الأمور أو رفضها. انظر: عقل واعتقاد ديني (مصدر فارسي): 78. إن النـزعة الإيمانية لم يُكتب لها الظهور في العالم الإسلامي أبداً؛ لأن التعاليم القرآنية وسنّة النبي الأكرم‘ تدعو الإنسان على الدوام إلى التدبُّر والتعقل، وتحذِّر المؤمنين من الإيمان الذي لا يقوم على العقل والتعقُّل. انظر: علي رباني گلپايگاني، در آمدي بر علم كلام جديد (مصدر فارسي): 32 ـ 33.

([113]) انظر: محمد باقر الصدر، المعالم الجديدة للأصول: 35؛ عقل ووحي (مصدر فارسي): 45. وقد عبّر عنه (بول فولكيه) بالإيمان العقلي والإيمان المنطقي. وقد ذهب إلى الاعتقاد بإمكان جعل الإيمان العقلي والنقلي حلقة وصل بين النـزعة الإيمانية والنـزعة العقلية، وبذلك يمكن القبول بالأمور التي لا يمكن بيانها بحكم العقل فقط، ولكنْ هناك أدلةٌ، مثل: أقوال الشهود العدول، عليها. انظر: فلسفه عمومي يا ما بعد الطبيعه (مصدر فارسي): 188 ـ 189.

([114]) انظر: علي رباني گلپايگاني، عقايد استدلالي (مصدر فارسي) 1: 43.

([115]) البراهمة (جمع برهميّ): ديانة هندوسية قديمة يقول أتباعها بأن مضمون دعوة الأنبياء لا يخلو؛ فإما أن يكون موافقاً لأحكام العقل؛ أو مخالفاً لها. وفي الحالة الأولى حيث يمضي الأنبياء أحكام العقل لن تكون هناك من حاجةٍ إلى تعاليم الوحي؛ لإمكان أن يستقلّ العقل في معرفتها. وفي الحالة الثانية حيث يكون العقل والتفكير هو ملاك الإنسانية وامتياز الإنسان من سائر الحيوانات فإن تجاهل هذه الهبة الإلهية، والإذعان للتعاليم المخالفة لهذه النعمة الإلهية، يعني الخروج عن حياض الإنسانية. انظر: أحمد صفائي، علم كلام (مصدر فارسي) 2: 46 ـ 54.

([116]) الربوبية أو الدين الطبيعي (deism): الإيمان بالله من غير الاعتقاد بديانات منـزلة. شاع هذا المصطلح في القرن السادس عشر للميلاد للدلالة على الذين أنكروا أسرار الوحي واللاهوت. وكان بعض هؤلاء مخالفين للدين ويسعَوْن إلى استبداله بلاهوت طبيعي وعقلاني، وإنْ كان بعضهم يذهب إلى أن الأديان الإلهية لا تشتمل على أيّ أمرٍ مخالف للعقل أو معارض له.

([117]) أبو العلاء المعرّي(363 ـ 449هـ): شاعرٌ وفيلسوف عربي معارض للدين، ولم يكن يرى من  قائد للإنسان غير العقل، وقال في ذلك شعراً:

اثنان أهل الأرض ذو عقل بلا *** دين وآخر ديّن لا عقل له

لم يُعْرَف المعرّي بأنه من المتطرِّفين في إعلاء شأن العقل، وإنما كان منهجه في الحياة التشاؤم، وشعره المذكور لا يهدف إلى الانحياز للعقل بمقدار ما يرمي إلى البرم والتشاؤم من عامّة الناس، فهو في وارد ذمّ العاقل الذي لا دين له، أو المتديِّن الذي لا عقل له، وبذلك فإنه يدعو ـ كما هو واضحٌ ـ إلى الوَسَطية من خلال الحصول على متديِّن عاقل، ولكنّ ذلك مستحيل الحصول بالنسبة له. المعرِّب.

([118]) محمد بن زكريا الرازي(251 ـ 313هـ): فيلسوف وطبيب إيراني، يذهب الكثير إلى اعتباره من العقلانيين المعارضين للدين، فكانوا يقولون بأنه على الرغم من كونه موحِّداً، إلاّ أنّه كان يُنكر الوحي والنبوّة.

([119]) إن أتباع العقلانية المتطرِّفة يذهبون إلى الاعتقاد بعدم وجود مسألة مخالفة للعقل في الدين، بل لا يمكن الإيمان بوجود قضايا مخالفة للعقل أو التعاليم التي تفوق العقل أيضاً. ومضافاً إلى ذلك فإن العقل وسيلة مناسبة نستطيع من خلالها فهم وإدراك جميع الأشياء، والوحي لا يملك إلاّ تأييد ما يفهمه العقل.

([120]) انظر: محمد باقر الصدر، المعالم الجديدة للأصول: 35.

([121]) إن العقل في المصطلح الفلسفي عبارةٌ عن القدرة على تنظيم المعلومات بحسب العلاقات المعيّنة والمحدّدة، من قبيل: العلاقة بين العلّة والمعلول، وبين الأصل والفرع والنوع والجنس ونظائر ذلك. انظر: بول فولكيه، فلسفه عمومي يا ما بعد الطبيعه: 80، ترجمه إلى الفارسية: أحمد آرام.

([122]) انظر: الطباطبائي، شيعه «المناظرات والرسائل المتبادلة بين العلامة الطباطبائي وهنري كوربان» (مصدر فارسي): 47.

([123]) وهذا ما يمكن لنا أن نلمسه في جميع مواطن كشف المراد، الذي هو شرح لكتاب «تجريد الاعتقاد»، للخواجة نصير الدين الطوسي.

([124]) انظر: المصدر السابق: 13.

([125]) انظر: الأعمال الكاملة 3: 93.

([126]) انظر: علي رباني گلپايگاني، در آمدي بر علم كلام: 188.

([127]) انظر: عبد الرزّاق اللاهيجي، گوهر مراد: 48.

([128]) انظر: المصدر السابق: 49 ـ 50 (بتصرُّف يسير).

([129]) انظر: الطباطبائي، شيعه در إسلام (مصدر فارسي): 102.

([130]) انظر: المصدر السابق: 104.

([131]) انظر: علي رباني گلپايگاني، در آمدي بر علم كلام (مصدر فارسي): 188.

([132]) انظر تفصيل هذا البحث بشكله الجذّاب والممتع والقشيب عند: الطباطبائي، شيعه «المناظرات والرسائل المتبادلة بين العلامة الطباطبائي وهنري كوربان» (مصدر فارسي): 30 ـ 56، 95 ـ 105، 185 ـ 195.

([133]) انظر: المصدر السابق: 44.

([134]) انظر: المصدر السابق: 50.

([135]) انظر: المصدر نفسه.

([136]) انظر: المصدر السابق: 32.

([137]) انظر: المصدر السابق: 33.

([138]) انظر: المصدر السابق، 33 ـ 35.

([139]) انظر: المصدر السابق: 39.

([140]) انظر: المصدر السابق: 360.

([141]) انظر: المصدر السابق: 44، 68.

([142]) انظر: المصدر السابق: 101؛ الطباطبائي، شيعه در إسلام (مصدر فارسي): 104.

([143]) انظر: المصدر السابق: 44.

([144]) انظر: المصدر السابق: 192.

([145]) لمزيدٍ من الاطلاع حول منهج التفكير الفلسفي في روايات المعصومين من أئمّة الشيعة انظر: المصدر السابق: 103 ـ 150.

([146]) انظر: المصدر السابق: 48.

([147]) انظر: المصدر السابق: 50 ـ 53؛ الطباطبائي، شيعه در إسلام (مصدر فارسي): 104.

([148]) انظر: التوحيد: 441 ـ 447، الباب 67.

([149]) انظر: الأعمال الكاملة 3: 91 ـ 92.

([150]) انظر: أصول الكافي 1: 100، باب النهي عن الصفة، ح1.

([151]) انظر: التوحيد: 221، الباب 30: القرآن ما هو؟، ح7.

([152]) انظر: المصدر السابق: 352، الباب 59: نفي الجبر والتفويض، ح8.

([153]) انظر: أصول الكافي 2: 33، ح2، 3.

([154]) انظر: المصدر السابق: 27، ح1. رُوي عن الإمام الصادق× أنه قال: «إذا أتى العبد كبيرة من كبائر المعاصي… كان خارجاً من الإيمان، ساقطاً عن اسم الإيمان، وثابتاً عليه اسم الإسلام…». انظر: أنديشه هاي كلامي شيخ مفيد (مصدر فارسي): 309 ـ 315.

([155]) انظر: علي رباني گلپايگاني، فرق ومذاهب كلامي (مصدر فارسي): 141؛ الإلهيات في مدرسة أهل البيت: 21 ـ 22.