فلسفة علم الكلام

24 يوليو 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
3٬655 زيارة

فلسفة علم الكلام

ـ القسم الثاني ـ

الشيخ محمد صفر جبرئيلي(*)

ترجمة: حسن علي مطر

10ـ أسباب وخلفيّات ظهور علم الكلام([1]) ــــــ

إن علم الكلام الإسلامي يعتبر من العلوم الإسلامية الخالصة؛ حيث يضرب بجذوره في عمق القرآن الكريم. وإن حاضنته الرئيسة هو الإسلام والحضارة الإسلامية. ويمثل القرآن الكريم والأحاديث المأثورة عن النبي الأكرم| والأئمة الأطهار^ العناصر الرئيسة في ظهور علم الكلام. وبطبيعة الحال كانت هناك عوامل وعناصر أخرى مؤثّرة في ظهور الأبحاث والمسائل الكلامية وانتشاره وتطوّره.

وعلى الرغم من أن المستشرقين يرَوْن منشأه خارج الثقافة الإسلامية، ويرَوْنه وليد الكلام المسيحي([2]) واليهودي أو الثقافة الإغريقية([3])، ولا سيَّما أنهم يرَوْن بداية الكلام الإسلامي بظهور المعتزلة([4])، وأن الكلام الشيعي متأثِّر بالكلام المعتزلي([5])، وأن الكلام المعتزلي متأثِّر بالفلسفة اليونانية، بل يذهبون إلى الاعتقاد بأن الشيعة حتّى القرن الهجري الرابع لم يكن لهم مذهبٌ كلاميّ خاصّ([6])، على الرغم من ذلك فإنه عندما نراجع النصوص الكلامية، وندرس مسار تطوّر الكلام الإسلامي، نجد لدور القرآن الكريم والحديث حضوراً بارزاً فيه([7]). ومن الطبيعي أن يكون لهذا العلم ـ مثل سائر العلوم الأخرى ـ أرضية لظهوره؛ إذ ليس هناك من مسألة في أيّ علم تنشأ من فراغ. فحتّى أكثر المسائل العلمية والفلسفية انتزاعية ليس لها منشأ خارجي. وإن ما ينقدح في أذهان المفكِّرين، ولا سيَّما عندما يطرحون سؤالاً جديداً، إنّما يعود بجذوره إلى مشاهداتهم وتأمُّلاتهم، ولهذا كانت معرفة خلفيات وأسباب ظهور المسائل في كلّ علم ضرورية لفهمها بشكلٍ صحيح، كما يُعدّ اكتشاف الأسباب المبرّرة لحضور تلك المسائل في ذلك العلم ضرورياً أيضاً.

أنواع الأسباب والخلفيات ــــــ

لقد عمد العلماء والمفكِّرون إلى تقسيم عناصر وخلفيات علم الكلام الإسلامي إلى مجموعتين: داخلية؛ وخارجية([8])، أو: أصيلة؛ ودخيلة([9]).

العناصر الداخلية: وهي العناصر الموجودة في صُلْب الدين والنصوص الدينية وخصائص المجتمع الديني، والتي يواجهها كلّ مسلم في جميع العصور، وفي جميع الأمصار.

العناصر الخارجية: العناصر التي تفرض نفسها من طريق ارتباط المجتمع الديني أو المتديِّنين بالبيئة الخارجة عن المجتمع الديني، وتلعب دوراً أساسياً في بلورة المسائل الكلامية([10]).

كما تنقسم العناصر الداخلية إلى ثلاثة أقسام، وهي: الظواهر الدينية؛ والتفكير العقلي؛ والكشف والشهود([11]).

والظواهر الدينية عبارةٌ عن قسمين، وهما: الكتاب (القرآن الكريم)؛ والسنّة أو الأحاديث المأثورة عن النبيّ الأكرم| والأئمّة الأطهار^([12]). فقد كان لهؤلاء العظام ـ من خلال تشجيع المتكلِّمين والثناء عليهم والحكم بينهم وبيان الآراء الكلامية ـ دورٌ وتأثير كبير في علم الكلام([13]).

كما تنقسم العناصر الخارجية إلى الكثير من العناصر، ومن بينها: الأحداث والوقائع التاريخية والاجتماعية، والاختلاط بين الناس، وعلاقات المسلمين مع الأديان والثقافات الأخرى، وحركة الترجمة، واطّلاع المسلمين على الفلسفة الإغريقية([14]).

وبطبيعة الحال فإن هذه العناصر والخلفيات ليست على مستوى واحد. وفي الحقيقة والواقع فإن العناصر الداخلية هي العناصر الرئيسة في ظهور علم الكلام الإسلامي. وأما العناصر الخارجية فقد أوجدت الخلفية لظهور الآراء والعقائد الخاصة في بعض الموارد، وكان لها دورٌ ملحوظ في تطوير وتكامل هذا العلم أيضاً.

11ـ مصادر علم الكلام ــــــ

إن الدين من قبيل المثلَّث الذي يحتوي على ثلاثة أضلاع، وتلك الأضلاع الثلاثة عبارة عن: القرآن الكريم؛ والسنّة؛ والعقل البرهاني. وعلى هذا الأساس فإن هذه الأضلاع هي التي تؤلِّف مصادر الدين، ومن بينها: التعاليم العقائدية والكلامية.

1ـ القرآن الكريم ــــــ

حيث كان القرآن الكريم هو المصدر الرئيس لأيّ نوعٍ من أنواع التفكير الإسلامي([15]) يجب البحث عن الخلفية الأولى للكلام الإسلامي في القرآن نفسه([16])؛ وذلك لأن العنصر الرئيس لاشتغال المسلمين بالعلوم العقلية، من الطبيعيات والرياضيات وغيرهما، في إطار الترجمة أوّل الأمر، وبعد ذلك على الإبداع والاستقلال، إنّما كان بتشجيعٍ من القرآن الكريم([17]).

ومضافاً إلى ذلك فإن الكلام بمعناه الاصطلاحي يستلزم تدوين الأدلة العقلية لترسيخ العقائد الإيمانية، وهذا في الحقيقة هو نفس الخصيصة الذاتية لأسلوب البحث القرآني بشأن موضوع الإلهيات([18]). إن الخصائص الذاتية المنحصرة لهذا الكتاب المقدَّس ـ من قبيل: الصيانة من التحريف، والواقعية([19])، والانسجام والتناغم الداخلي([20])، وانسجامه مع العقل والفطرة([21])، والمحتوى والمضمون العلمي([22]) ـ أدّى بالمتكلِّمين المسلمين إلى التوجّه نحو آيات القرآن الكريم قبل كلّ شيء. تشهد لذلك الكتب الكلامية التي ألَّفها المتكلِّمون، حيث تناولوا المباحث والمسائل الكلامية على أساس القرآن الكريم([23])؛ إذ لا نرى مسألةً في المعارف الإلهية إلاّ ولها نصٌّ وبراهين وأدلّة يمكن العثور عليها من خلال تضاعيف القرآن الكريم والأحاديث الشريفة([24]).

دور القرآن الكريم في الدراسات والمباحث الكلامية ــــــ

لقد تمّ الاهتمام بالقرآن الكريم في الدراسات الإسلامية من عدّة جهات، نجملها كما يلي:

1ـ من جهة تعليم الأصول وعمومات العقائد، من قبيل: الحديث عن إثبات الله وصفاته، وبيان مسائل النبوّة والمعاد([25]).

2ـ من جهة أسلوب التأمُّل والتدبُّر والبحث والتحقيق في المسائل الاعتقادية، من قبيل: الموارد التي تأتي بالبراهين على التوحيد، كما في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا﴾ (الأنبياء: 22)؛ ونفي الشِّرْك، كما في قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ (المؤمنون: 91)؛ أو التي تعرّف بأهمّ خصائص الإمامة، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: 124).

3ـ من جهة طرح المسائل الجديدة في مجال المعتقدات والآراء الدينية، من قبيل: الإشارة إلى نظرية التثليث، كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ (المائدة: 73)؛ أو الإشارة إلى الدهريّين، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ (الجاثية: 24).

4ـ من جهة طرح النقاش والنقد والردود على العقائد المخالفة، من قبيل: عبادة الأصنام، واليهود، وما إلى ذلك من الأمور([26]).

5ـ من جهة تحرير العقل والتفكير الإنساني من جميع الأغلال والقيود، والدعوة إلى التأمُّل والتدبُّر([27]).

6ـ من جهة الكثرة الكمِّية والعددية للآيات الشريفة([28]).

7ـ من جهة الامتيازات الكيفية والنوعية للبراهين القرآنية. فالقرآن، بالإضافة إلى اشتماله على البراهين المنطقية، يمتاز بخصائصه الفريدة. ويمكن الإشارة من بينها إلى: الشمولية العقلية واللفظية، واستيعاب الحكمة النظرية، مع عمق الفكرة وبلاغتها([29]).

النظام المعرفي والكلامي في القرآن الكريم ــــــ

كما تقدَّم يمكن العثور في القرآن الكريم على الكثير من الآيات التي قدّمت التعاليم والأسس الاعتقادية في إطار الاستدلال وأسلوب المحاججة العقلية، حيث تبيّن هذه الآيات مقاصدها من خلال الأدلّة والبراهين الكافية، وتعرضها على الغريزة الفطرية الواقعية والإدراك الإنساني السليم([30]).

وقد عمد العلماء والمتكلِّمون من الشيعة إلى تقسيم التعاليم والمعارف العقائدية ـ الكلامية في القرآن إلى أقسام مختلفة ـ وإنْ كانت متقاربة ـ.

وفي ما يلي نستعرض نموذجين من هذه التقسيمات:

أـ قام العلاّمة الطباطبائي&، في نهاية مقدّمة الميزان، بتقسيم المعارف والتعاليم القرآنية ضمن ستّة اتجاهات([31])، وهي:

1ـ التعاليم المتعلِّقة بأسماء الله تعالى وصفاته.

2ـ التعاليم المتعلِّقة بأفعال الله، من قبيل: الخلق، والأمر، والإرادة، والمشيئة، والهداية، والضلالة، والقضاء والقدر، والجبر والاختيار.

3ـ التعاليم المتعلِّقة بوسائط الفيض بين الإنسان والباري تعالى، من قبيل: اللوح، والقلم، والعرش، والكرسي، والبيت المعمور، والسماء والأرض، والملائكة، والشياطين والجنّ، وما إلى ذلك.

4ـ التعاليم المتعلِّقة بالإنسان في الحياة قبل الدنيا.

5ـ التعاليم المتعلِّقة بالإنسان في الحياة الدنيا، من قبيل: خلق الإنسان، ومعرفة الذات، والنبوّة، والرسالة، والوحي، والإلهام، والكتاب، وما إلى ذلك.

6ـ التعاليم المتعلِّقة بالإنسان بعد الحياة في هذه الدنيا، من قبيل: عالم البرزخ والمعاد.

وبطبيعة الحال فقد أشار العلامة الطباطبائي إلى قسمٍ سابع يتعلَّق بالأخلاق الحسنة والقبيحة للإنسان. وأشار أيضاً إلى قسمٍ ثامن يتعلَّق بآيات الأحكام الدينية أيضاً، ولكنّه صرَّح بأنه لن يبحث القسم الثامن في تفسير الميزان؛ لأن الذي يتكفَّل به هو الكتب الفقهية، وليس التفسير([32]).

كما يتَّضح من هذا التقسيم أن العلامة الطباطبائي كان يرى الملاك والمعيار في التقسيم هو ذاته الملاك والمعيار المعروف في التعاليم الدينية، والذي هو عبارة عن: العقائد، والأخلاق، والأحكام([33])، وأن الأقسام الستة المتقدّمة تؤلِّف مجموع العقائد الدينية، وأما القسمين السابع والثامن على التوالي فيتعلَّقان بالموردين الأخيرين (الأخلاق؛ والأحكام).

ب ـ قدّم الأستاذ محمد تقي مصباح اليزدي تقسيماً آخر، ينتهج فيه ترتيباً طولياً، حيث يرى التعاليم القرآنية بمثابة النهر الجاري الذي ينطلق من مصدر الفيض الإلهي، ويروي كلّ جزء أو مرحلة يصل إليها، قال تعالى: ﴿أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ (الرعد: 17). فقد ذهب سماحته إلى القول بأن «الله» تبارك وتعالى يمثّل محور التعاليم القرآنية، وعمد إلى تبويب منظومة التعاليم القرآنية في دائرة العقائد([34]) على النحو التالي([35]):

1ـ المعرفة الإلهية: معرفة الله على مستوى التوحيد والصفات والأفعال الإلهية.

2ـ المعرفة الكونية: معرفة المخلوقات في العالم من الأرض والسماوات والنجوم والعرش والكرسي والملائكة والجنّ والشيطان.

3ـ معرفة الإنسان: خلق الإنسان، وخصائصه الروحية، وتكريم الإنسان وتشريفه، والدنيا والآخرة.

4ـ معرفة السبيل إلى الهداية: معرفة الوحي والنبوّة والإمامة.

5ـ معرفة الهداة: معرفة الأنبياء وخصائصهم، والكتب النازلة عليهم، ومضامين تلك الكتب، وما إلى ذلك.

كما قام آخرون بتنظيم وبيان العقائد الإسلامية في القرآن الكريم أيضاً([36]).

2ـ السُّنَّة والحديث ــــــ

المصدر الثاني من مصادر التعاليم الدينية والتفكير الإسلامي هو السنّة الشريفة، وتعني الأحاديث والروايات المأثورة عن النبيّ الأكرم| وأهل البيت^([37]).

وبطبيعة الحال فإنّ السنة الشريفة ـ طبقاً لحديث الثِّقْلين المتواتر ـ تمثّل عدلاً للقرآن الكريم، ولكنّه ثقلٌ أصغر، يقع في طول القرآن، الذي هو الثِّقْل الأكبر، وليس في عرضه. وإنّ اقتران هذين الثقلين ببعضهما على نحو اللازم والملزوم، لا على نحو الملازم، وعلى النهج الطولي، دون العرضي. وعليه فإنّ سنّة المعصوم مدينة في حجِّيّتها إلى حجِّيّة القرآن الكريم([38]).

لقد كان لبعض المسائل الكلامية مناشئ حديثيّة بحتة، من قبيل: مسألة «البداء» و«الرجعة»، حيث تمّ طرحهما بادئ ذي بدء في الروايات، رغم أن العلماء أخذوا فيما بعد يستندون إلى القرآن الكريم أحياناً لإثباتهما. كما يسهل فهم بعض الآيات القرآنية من خلال الاعتقاد والإيمان بهذه الأحاديث([39]).

لا شَكَّ في أن الأحاديث والروايات قد لعبت دوراً محورياً في تدوين علم الكلام. كما كان للآيات القرآنية الشريفة دورٌ في تأسيس أو تصحيح الكثير من المسائل والبحوث الكلامية.

قال الأستاذ الشيخ جوادي الآملي: «في ضوء هذه الروايات تمكّن كبار علماء الإسلام، من خلال التتبّع والتحقيق، من تدوين علم الكلام والحكمة الإسلامية»([40]).

وفي ما يلي ندخل على نحو الإجمال في بيان الآراء الكلامية للنبيّ الأكرم| والإمام أمير المؤمنين× وسائر الأئمّة الأطهار^.

أـ الاتجاه الكلامي عند النبيّ الأكرم| ــــــ

لقد كان النبيّ هو المرجع الأول في الأمور الدينية، فكان يجيب عن الأسئلة التي تطرح عليه من قبل غير المسلمين في ما يتعلَّق بالموضوعات الفكرية والكلامية.

قال ابن عبّاس: «قدم يهودي على رسول الله|، يُقال له: «نعثل»، فقال: يا محمد، إني أسألك عن أشياء تلجلج في صدري منذ حين، فإنْ أنتَ أجبتني عنها أسلمْتُ على يدك. قال: سَلْ يا أبا عمارة، فقال: يا محمد…، أخبرني عن قولك: «إنه واحد لا شبيه له»، أليس الله واحد والإنسان واحد؟ فوحدانيّته أشبهت وحدانية الإنسان؟! فقال|: الله واحد وأحديّ المعنى، والإنسان واحد ثنويّ المعنى، جسم وعرض، وبدن وروح».

 

ب ـ الاتجاه الكلامي عند الأئمة^ ــــــ

يُعتبر الأئمة المعصومون والعترة الأطهار من آل بيت النبي الأكرم| ـ طبقاً لحديث الثِّقْلين ـ عدلاً للقرآن الكريم، ولذلك فإن التمسّك بأحدهما وترك الآخر بمثابة ترك هذين الثِّقْلين معاً، وعدم العمل بأيٍّ منهما. وعليه فإن تحصيل الدين كاملاً رهنٌ بالتمسّك بهما معاً. من هنا كانت الأحاديث والروايات المأثورة عنهم استمراراً للتمسُّك بسنّة النبيّ الأكرم|، في حجِّيتها واعتبارها مصدراً من مصادر العقيدة الإسلامية([41]).

رغم أن الظروف القاسية، ولا سيَّما في ما يتعلَّق بما واجهه بعض الأئمّة من قبل المؤسَّسات الحكومية الجائرة للأمويين والعباسيين، فرضت عليهم ضغوطاً، وعملت على إبطال المعطيات الفلسفية والعلمية للشيعة([42])، فقد كان الإمام عليّ× هو أول شخص في الإسلام يغوص في أعماق الفلسفة الإلهية، متسلحاً بمنهج الاستدلال الحرّ والبرهان المنطقي، حيث صدع بمسائل لم يسبقه إليها أحدٌ من فلاسفة العالم.

فمن بين جميع التركة المأثورة عن الصحابة لا نجد حتّى نصّاً واحداً مشتملاً على التفكير الفلسفي العميق. إنّما المأثور عن أمير المؤمنين× هو وحده الذي يمثِّل بياناً بديعاً في الإلهيّات، وأعمق الأفكار الفلسفية([43]).

والشاهدُ على ذلك: الخطب والكتب والحكم التي صدرت عن الإمام علي×، وعمد الشريف الرضي(409هـ) فيما بعد إلى انتقاء واختيار ما انطوى على المسائل البلاغية فيها، وأدرجها ضمن كتاب «نهج البلاغة»، حيث نشاهد فيه عمق الفكرة في مسائل التوحيد والصفات الإلهية، وكذلك في مسألة الإمامة والجَبْر والاختيار، التي تمثِّل أقدم المسائل والمباحث الكلامية في الإسلام، وأكثرها أصالة، ولا نشاهدها في أيِّ مصدرٍ أو نصّ آخر.

قال السيد المرتضى(436هـ): «اعلم أن أصول التوحيد والعدل مأخوذةٌ من كلام أمير المؤمنين× وخطبه، فإنها تتضمّن من ذلك ما لا زيادة عليه، ولا غاية وراءه. ومَنْ تأمَّل في ذلك من كلامه علم أن جميع ما أسهب المتكلِّمون من بعد في تصنيفه وجمعه إنما هو تفصيل لتلك الجمل، وشرح لتلك الأصول»([44]).

كما ذهب ابن أبي الحديد المعتزلي(656هـ) إلى القول بأن المبدأ والمنشأ الرئيس لأبحاث ومسائل الكلام الإسلامي، وكذلك المصدر الرئيس للفرق والمذاهب الكلامية في الإسلام، هو الإمام عليّ×. وذكر من بين الفرق الإسلامية المدينة في تعاليمها إلى الإمام عليّ×: المعتزلة؛ والزيدية؛ والإمامية. وإليك نصّ كلامه حيث يقول: «قد عرفت أن أشرف العلوم هو العلم الإلهي؛ لأن شرف العلم بشرف المعلوم، ومعلومه أشرف الموجودات، فكان هو أشرف العلوم. ومن كلامه× اقتبس، وعنه نقل، وإليه انتهى، ومنه ابتدأ؛ فإن المعتزلة ـ الذين هم أهل التوحيد والعدل وأرباب النظر، ومنهم تعلَّم الناس هذا الفنّ ـ تلامذته وأصحابه؛ لأن كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، وأبو هاشم تلميذ أبيه، وأبوه تلميذه×. وأمّا الأشعرية فإنهم ينتمون إلى أبي الحسن عليّ بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري، وهو تلميذ أبي عليّ الجبائي، وأبو عليّ أحد مشايخ المعتزلة؛ فالأشعرية ينتهون أخيراً إلى أستاذ المعتزلة ومعلِّمهم، وهو عليّ بن أبي طالب×. وأما الإمامية والزيدية فانتماؤهم إليه ظاهرٌ»([45]).

وما أروع ما قاله الفيلسوف الفذّ ابن سينا: «إن عليّ بن أبي طالب بين الصحابة كالمعقول بين المحسوس، والحواس تحتاج إلى هداية العقل».

أو ما قاله المحدِّث الشيخ الكليني بشأن كلمةٍ من كلمات الإمام عليّ× في التوحيد: «هَذِهِ الْخُطْبَةُ مِنْ مَشْهُورَاتِ خُطَبِهِ×… وَهِيَ كَافِيَةٌ لِمَنْ طَلَبَ عِلْمَ التَّوْحِيدِ إِذَا تَدَبَّرَهَا وَفَهِمَ مَا فِيهَا. فَلَوِ اجْتَمَعَ أَلْسِنَةُ الْجِنِّ وَالإِنْسِ ـ لَيْسَ فِيهَا لِسَانُ نَبِيٍّ ـ عَلَى أَنْ يُبَيِّنُوا التَّوْحِيدَ بِمِثْلِ مَا أَتَى بِهِ ـ بِأَبِي وَأُمِّي ـ مَا قَدِرُوا عَلَيْهِ، وَلَوْلا إِبَانَتُهُ× مَا عَلِمَ النَّاسُ كَيْفَ يَسْلُكُونَ سَبِيلَ التَّوْحِيدِ»([46]).

وعلى هذا الأساس بادر العلاّمة الطباطبائي والشهيد الأستاذ مرتضى مطهري إلى نقد آراء بعض المستشرقين، وكذلك أحمد أمين المصري([47]).

ومن بين الأئمّة الآخرين كان للإمام الصادق والإمام الرضا’ قصب السبق في صدور الروايات الاعتقادية عنهما([48]).

الاتجاهات الكلامية في روايات الأئمّة المعصومين^ ــــــ

إن الروايات المأثورة عن الأئمة المعصومين^ تعبِّر عن ثلاثة اتجاهات:

1ـ التنظيم الاستدلالي للكلام، وترتيب القياس ونتيجته.

2ـ بيان سلسلة من المصطلحات التي لم يسبق استعمالها في اللغة العربية، وخاصّة أنها عندما وُجدت لم تكن المصطلحات الفلسفية للقدماء قد شاعت وانتشرت بين العرب.

3ـ حلّ سلسلة من الموضوعات والمسائل في الفلسفة الإلهية، والتي ـ بالإضافة إلى عدم طرحها بين المسلمين ـ لم تكن مفهومةً بين العرب، بل لم يكن لها عنوان في كلمات الفلاسفة قبل الإسلام، الذين ترجمت كتبهم إلى اللغة العربية، ولا يمكن العثور عليها في مؤلَّفات الحكماء الإسلاميين أيضاً، من قبيل: مسألة «الوحدة الحقّة في الواجب تعالى»، و«ثبوت الوجود الواجبي، والذي هو ثبوت الوحدة له»، و«الواجب المعلوم بالذات»، و«الواجب يُعرف من تلقائه، ومن دون واسطة، وأنّ كلّ الأشياء تُعرف بالواجب»([49]).

إن حجِّيّة الروايات والأحاديث في التعاليم الاعتقادية رهنٌ بتحقُّق ثلاث خصائص:

أـ أن يكون للحديث سندٌ قطعي، كأنْ يكون متواتراً، أو من خبر الواحد المحفوف بالقرائن القطعية.

ب ـ أن يكون قطعي الصدور، بمعنى أن تكون الرواية صادرةً بداعي بيان الحكم الواقعي، لا بداعي التقيّة.

ج ـ أن يكون قطعيّ الدلالة، وليس ظاهر الدلالة([50]).

طبقاً لأصول العقيدة لا حجِّيّة لخبر الواحد([51])؛ لأن ملاك الإيمان بأصول العقيدة هو حصول اليقين والاطمئنان التامّ، في حين أن خبر الواحد ظنيّ.

قال المحقّق عبد الرزاق اللاهيجي: «إن المقدّمات التي تؤخذ من كلام المعصوم من طريق التمثيل بمنزلة الأوّليات في القياس البرهاني، وحيث يكون القياس البرهاني مفيداً لليقين فإن الدليل المؤلَّف من المقدّمات المأخوذة عن المعصوم تفيد اليقين؛ وذلك لأن هذه المقدّمة من كلام المعصوم، وكلّ ما يقوله المعصوم حقٌّ، فتكون هذه المقدّمة حقّاً… إلاّ أن ثبوت المقدّمة عن المعصوم يجب أن يكون على نحو اليقين، وهذا إنما يكون إذا أثبتنا أن وجود المعصوم واجبٌ في كلّ عصر ـ كما عليه مذهب الإمامية ـ؛ إذ كلما كان المعصوم موجوداً أمكن تحصيل اليقين بثبوت المقدّمة عن المعصوم، وأما إذا لم يكن موجوداً فلن يكون وجوده في الزمان السابق كافياً؛ لأن ثبوت المقدّمة على هذه الحالة لن يكون مقدوراً إلا إذا ثبت من طريق التواتر، ولا يمكن لأحد تحصيل التواتر، بل إذا حصل التواتر ثبتت المقدّمة، وإلاّ لن يكون هناك من طريقٍ آخر لإثباتها»([52]).

وبطبيعة الحال فإن خبر الواحد إذا كان محفوفاً بالقرائن القطعية فإنه سيكون حجّةً حتّى في أصول العقيدة أيضاً([53]).

3ـ العقل ــــــ

إن المصدر الثالث من مصادر أصول العقيدة هو العقل، حيث يتمتَّع العقل بمكانة مرموقة في الدين الإسلامي الحنيف. وقد خصّ القرآن الكريم الكثير من الآيات بالحديث عن منزلة العقل، كما ورد في الأحاديث المأثورة عن المعصومين^ مسائل هامة وقيّمة في منزلة العقل ومكانته أيضاً.

فقد دعا الله تعالى الناس في الكثير من آيات القرآن إلى التفكير والتدبُّر في الآيات، وفي الآفاق، وفي الأنفس. وقد قام الله نفسه بالاستدلال العقلي الحرّ في موارد إثبات الحقائق([54]). إن القرآن الكريم من خلال هذا البيان يؤكِّد اعتبار الحجية العقلية، والاستدلال والبرهان العقلي الحرّ، بمعنى أنه لا يقول: تقبلوا أحقِّيّة المعارف الإسلامية أوّلاً، ثمّ أثبتوها بالدليل العقلي بعد ذلك، وإنما يأمرهم بكلّ ثقةٍ بالعمل على الاحتجاج العقلي عليه؛ للوصول إلى حقيقة الإيمان من طريق البرهان والقطع واليقين([55]).

أجل، إن الله لم يأمر عباده حتّى في آيةٍ واحدة من القرآن الكريم بالإيمان به أو بالكلام الصادر عنه دون فهم أو تدبُّر، ولم يأمرهم بإطاعته طاعة عمياء، بل بيّن علّة القوانين والأحكام التي شرَّعها لعباده، والتي لا يمكن للعقل البشري أن يحيط بعللها أو يدرك ملاكاتها بالتفصيل([56]).

قال الإمام الصادق× في بيان المنزلة المعرفية للعقل([57]): «إِنَّ أَوَّلَ الأُمُورِ وَمَبْدَأَهَا وَقُوَّتَهَا وَعِمَارَتَهَا الَّتِي لا يُنْتَفَعُ بِشَيْ ءٍ إِلاَّ بِهِ الْعَقْلُ، الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ زِينَةً لِخَلْقِهِ، وَنُوراً لَهُمْ. فَبِالْعَقْلِ عَرَفَ الْعِبَادُ خَالِقَهُمْ، وَأَنَّهُمْ مَخْلُوقُونَ، وَأَنَّهُ الْمُدَبِّرُ لَهُمْ، وَأَنَّهُمُ الْمُدَبَّرُونَ، وَأَنَّهُ الْبَاقِي، وَهُمُ الْفَانُونَ. وَاسْتَدَلُّوا بِعُقُولِهِمْ عَلَى مَا رَأَوْا مِنْ خَلْقِهِ، مِنْ سَمَائِهِ وَأَرْضِهِ وَشَمْسِهِ وَقَمَرِهِ، وَلَيْلِهِ وَنَهَارِهِ، وَبِأَنَّ لَهُ وَلَهُمْ خَالِقاً وَمُدَبِّراً لَمْ يَزَلْ وَلا يَزُولُ، وَعَرَفُوا بِهِ الْحَسَنَ مِنَ الْقَبِيحِ، وَأَنَّ الظُّلْمَةَ فِي الْجَهْلِ، وَأَنَّ النُّورَ فِي الْعِلْمِ. فَهَذَا مَا دَلَّهُمْ عَلَيْهِ الْعَقْلُ»([58]).

إن هذا الدعم الكامل للعقل الذي نشاهده في النصوص الإسلامية لا نراه في أيٍّ من الأديان الأخرى؛ إذ يلعب العقل في أصول الدين الإسلامي دوراً أساسياً. فإن الإيمان بأصل التوحيد والإله الواحد لا يُقبل إلاّ من طريق العقل. فالإسلام يرفض الشعار القائل: «خذ الغايات، واترك المبادئ»، بل لا بُدَّ من معرفة تلك الغايات الصادرة عن الله، والإيمان بها، من طريق العقل([59]).

وبالالتفات إلى تأكيد القرآن الكريم على العقل، وحديثه المتواصل عن التعقُّل والتفكير والتدبُّر، وتأكيد الأخبار والروايات على أصالة العقل وأهمِّيته، يمكن القول: إن أصالة العقل في المعرفة، وحجِّيّته في الوصول إلى الحقائق، موضع تأييد الإسلام([60]).

دائرة معرفة العقل ــــــ

لا شَكَّ في أن العقل، رغم المكانة والمقدرة التي يتمتَّع بها، لا يستطيع الإحاطة بجميع أبعاد الحقيقة، بل إن دائرته في هذا الشأن محدودة.

يمكن للعقل أن يتوصّل إلى كلِّيات وأصول المسائل الاعتقادية، ولكنَّه لا يستطيع الإحاطة بجزئيّاتها وتفاصيلها. وعلى حدّ تعبير الخواجة نصير الدين الطوسي: إن الحكم الذي يكون بمقتضى العقل بالذات لا يكون إلاّ على الموضوعات الكلِّية([61]).

وقد أكّدت الروايات الكثيرة على هذه المحدودية العقلية. ومن ذلك ما رُوي عن الإمام الصادق× أنه قال في الجواب عن السؤال القائل: هل يكتفي العباد بالعقل، دون غيره؟: «إِنَّ الْعَاقِلَ؛ لِدَلالَةِ عَقْلِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ قِوَامَهُ وَزِينَتَهُ وَهِدَايَتَهُ، عَلِمَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ، وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّهُ. وَعَلِمَ أَنَّ لِخَالِقِهِ مَحَبَّةً، وَأَنَّ لَهُ كَرَاهِيَةً، وَأَنَّ لَهُ طَاعَةً، وَأَنَّ لَهُ مَعْصِيَةً. فَلَمْ يَجِدْ عَقْلَهُ يَدُلُّهُ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لا يُوصَلُ إِلَيْهِ إِلاَّ بِالْعِلْمِ وَطَلَبِهِ، وَأَنَّهُ لا يَنْتَفِعُ بِعَقْلِهِ إِنْ لَمْ يُصِبْ ذَلِكَ بِعِلْمِهِ، فَوَجَبَ عَلَى الْعَاقِلِ طَلَبُ الْعِلْمِ وَالأَدَبِ الَّذِي لا قِوَامَ لَهُ إِلاَّ بِهِ»([62]).

يُستفاد من هذه الرواية أن العقل بنفسه يُدرك أنه لا يستطيع أن يصل إلى حقيقة جميع الأشياء، وأنه في تلك الموارد بحاجة إلى التعلُّم. ومن بين تلك الأمور المسائل المرتبطة بالآخرة وعالم ما بعد الموت، وما إلى ذلك من الأمور الجزئية، من هنا لا يمكن للبراهين العقلية أن تشملها أو تحيط بها([63]).

12ـ الأدوار والمراحل التاريخية لعلم الكلام ــــــ

إن منظومة وقواعد العقائد ومسائل علم الكلام تاريخية، حيث تتبلور وتظهر على مرّ الزمن([64])، حيث يقوم كلّ جيل بإضافة موضوع أو مسألة كلامية جديدة إلى ما بلغه من الأجيال السابقة. ويمكن الوقوف على هذه الحقيقة من خلال التتبُّع التاريخي والزمني للكتب المؤلَّفة في العقيدة والكلام، والاطلاع على ظهور المسائل والموضوعات الكلامية ومسارها التاريخي.

يمكن تصوير المراحل التاريخية للكلام الشيعي من مختلف الجهات. وفي ما يلي نستعرض جهتين من تلك الجهات على نحو الإجمال.

أـ من جهة التحوّل البنيوي، حيث يمكن لنا أن نصوِّر له عدّة مراحل على النحو التالي([65]):

1ـ مرحلة التكوين «عصر النبيّ الأكرم|» ــــــ

إن المراد من تكوين علم الكلام في هذه المرحلة هو مطلق البحث والحوار بشأن العقائد الدينية؛ من أجل إثباتها والإجابة عن الإشكالات الوار