فلسفة علوم الحديث

3 فبراير 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
2٬189 زيارة

فلسفة علوم الحديث

دراسةٌ وتحقيق في التراث الروائي عند الفريقين

د. علي نصيري(*)

ترجمة: حسن مطر

مفهوم السنّة وأقسامها ــــــ

شاع مصطلح السنّة في عصر النبيّ الأكرم‘، والأئمّة الأطهار^ والصحابة، وكان يطلق في معناه الأول على «ما صدر عن النبيّ»([1]). وكان ما صدر عن النبيّ يشتمل في المرحلة الأولى على أقوال النبيّ الأكرم ـ الأعمّ من القول الملفوظ والبياني أو القول المكتوب، يليه فعله ـ الأعمّ من فعله الصدوري أو فعله التقريري ـ؛ لأننا إذا حللنا «ما صدر عن النبي» برؤيةٍ عامّة فسوف نجد أنه لا يخرج عن إحدى حالات أربع، وهي:

1ـ القول الملفوظ: وهو ما كان يصدر عن النبيّ‘، ابتداءً أو جواباً عن الأسئلة التي تثار في مختلف مجالات الوجود والدين. وإن أشمل حاضنةٍ تحتوي على السنّة النبويّة ـ بعد الفعل الصدوري ـ هو هذا القسم من كلام النبيّ، الذي تمّ جمعه على شكل موسوعاتٍ حديثية وروائية، جهد العلماء من الفريقين في جمعها.

2ـ القول المكتوب: وهو عبارةٌ عن الكتب والرسائل التي كان يكتبها النبيّ خطاباً للحكام والملوك، أو عمّاله، أو زعماء وشيوخ القبائل، وما إلى ذلك. وكذلك جميع المعاهدات والمواثيق المبرمة بينه وبين المشركين واليهود والنصارى وغيرهم. إذن هي كلامه الذي تركه مكتوباً. ويتجلّى هذا الأمر بشكلٍ أكبر من خلال الإذعان بأمّيّة النبيّ الأكرم‘، وإملائه الرسائل والكتب.

3ـ الفعل الصدوري: لقد كان النبيّ مرآةً عاكسة للحقّ بصدقٍ وأمانة. وقد اعتُبرت جميع حركاته وسَكَناته في حقل الأخلاق العبادية، والأخلاق الفردية، والأخلاق الأُسَرية، والأخلاق الاجتماعية، والأخلاق المعاشية، ممّا يتلخص بأجمعه في «الفعل الصدوري»، بمعنى الأفعال الصادرة عنه، جزءاً من السنّة. وإن كيفية صلاة النبيّ الأكرم‘، ونظمه، وانضباطه، وسلوكه الروحي والمعنوي، وتكريمه لزوجاته، وإحسانه لهنّ، وعطفه عليهنّ، وعدالته في التعاطي مع أصحابه وأعدائه، وسعيه إلى إسعاد الناس، وتوفير حياةٍ كريمة مفعمة بالحيوية والنشاط لهم، تمثِّل نماذج من الأفعال الصادرة عن النبيّ الأكرم في الحقول الأخلاقية الخمسة المتقدِّمة. وكما تقدّم فإنّ أكثر ما يمثِّل السنّة النبويّة للنبيّ الأكرم هو «الفعل الصدوري». ولكنْ للأسف الشديد لم ينقل لنا من هذا القسم من السنّة النبوية سوى النزر القليل.

4ـ الفعل التقريري: هناك من الأفعال ما لا يصدر عن النبيّ، وإنما يصدر عن أصحابه والمقرَّبين منه في حضوره، وكان النبي يؤيِّده أو يُمضيه، تصريحاً أو تلويحاً، أو حتّى بسكوته عنه. وأحياناً كانت تلك الأفعال تصدر في غياب النبيّ، ثمّ يمضيها بعد رفعها وتقريرها إليه.

ويطلق على الكلام اللفظي والكتبي للنبيّ‘ مصطلح «السنة القولية»، ويطلق على الفعل الصدوري والتقريري مصطلح «السنّة العملية». وعلى الرغم من أخذ بعض الباحثين قيد «بقصد التشريع» في اعتبار السنّة الفعلية؛ بغية إخراج السلوك الطبيعي والبشري للنبيّ عن دائرة السنّة، غير أننا قد أكَّدنا مراراً على اعتقادنا بعدم الفصل بين مقام التشريع ومقام بشرية النبيّ، فكلُّ ما يصدر عن النبيّ من أفعال وردود في جميع المجالات والحقول يعبِّر عن التعاليم الدينية([2]).

وبعد النبيّ الأكرم‘ استمرّ هذا الدور للسنّة من وجهة نظر عددٍ من العلماء من أهل السنّة بالنسبة إلى الصحابة أيضاً، حيث قالوا بالحجيّة الذاتيّة لأقوالهم وأفعالهم([3]). وأما عند علماء الشيعة فإن السنّة بعد النبيّ الأكرم‘ إنّما تسري وتجري على الأئمّة المعصومين^ فقط([4]).

وبالنظر إلى هذا الاختلاف في الرؤية كانت المصادر الحديثية عند أهل السنّة مفعمةً ـ بالإضافة إلى السنّة القولية والفعلية للنبيّ الأكرم ـ بالسنّة القولية والفعلية للصحابة، وإنْ كانت هذه السنّة عندهم محدودة من الناحية التاريخية والزمنية بعدّة عقودٍ اختُتمت بوفاة آخر الصحابة.

وفي المقابل فإن المصادر الروائية الشيعية ـ التي لا تعتدّ بأقوال وأفعال جميع الصحابة بل بعضهم فقط، من أمثال: سلمان، وأبي ذرّ، والمقداد ـ مشحونةً بالروايات المعبِّرة عن أقوال وأفعال الأئمّة الأطهار^، والتي امتدت من الناحية التاريخية والزمنية حتّى عام 260هـ، مع استشهاد الإمام الحسن العسكري×، واحتساب الغيبة الصغرى وما اشتملت عليه من اللقاءات بالحجّة بن الحسن#، ورسائله، وتوقيعاته الشريفة.

أسباب قلّة السنّة الفعلية في مقابل السنة الشأنية ــــــ

لا بُدَّ من الاعتراف بهذه الحقيقة المريرة ـ للأسف الشديد ـ، وهي أن حجم السنّة التي وصلت إلينا، والتي يمكن تسميتها بـ «السنّة الفعلية» ـ على الرغم من أهمّيتها والدور الجوهري الذي تلعبه في فهم الدين ومعرفته ـ في غاية النُّدرة، فهي محدودةٌ للغاية بالقياس إلى الحجم الواقعي لسنّة المعصومين التي نطلق عليها مصطلح «السنّة الشأنية». ولهذه الظاهرة عدّة أسباب، نشير إلى أهمّها:

1ـ جهل الناس بالمنزلة الرفيعة للمعصومين^ ــــــ

لقد عرّف أهل البيت^ أنفسهم بأنّهم معادن الحكمة الإلهية، وحَفَظة سرّ الله، وحَمَلة الكتاب الإلهي([5])، أي إن كلّ مَنْ يروم البحث والتحقيق في كل معلومةٍ في حقل المعرفة الدينية يمكنه ـ بعد مراجعة القرآن الكريم؛ بوصفه الثِّقْل الأكبر ـ الرجوع إلى أهل البيت^؛ بوصفهم الثقل الأصغر. ما الذي يمكن لنا قوله بشأن سعة علم أهل البيت^ بعد قول الإمام عليّ×: «ينحدر عنّي السَّيْل، ولا يرقى إليَّ الطَّيْر»([6])، وقوله: «إنّ هاهنا لعلماً جمّاً لو وجدْتُ له حَمَلة»([7]).

إن المقام العلمي الشامخ للنبيّ الأكرم‘ ـ وهو محلّ نزول الوحي الإلهي، ومعلِّم الأئمة الأطهار^ ـ لا يبقي لنا شيئاً نضيفه.

والسؤال هنا: هل كان الناس في عصر المعصومين، وحتّى أصحابهم، يتمتعون بالمقدرة الفكرية والعلمية الكافية للاغتراف والنَّهْل من محيط علمهم^؟ إذا كان الصحابة يتمتّعون بمثل هذه المقدرة الفكرية فلماذا كانوا يقولون: كنا ننتظر أعرابيّاً يأتي ليسأل النبيّ مسألةً، فننتفع بإجابة رسول الله؟! أليست الحكمة تقول: «حُسْن السؤال نصف العلم»([8])؟! ولماذا جاء في بعض الروايات: «ما كلَّم رسول الله العباد بكُنْه عقله قطّ»([9])؟! ولماذا كان الإمام عليّ× يشكو من فقدان حملة العلم؟! حيث جاء في نهج البلاغة عن كميل بن زياد: أخذ بيدي أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب×، فأخرجني إلى الجبّان([10])، فلما أصحر تنفَّس الصعداء، ثمّ قال: «…إن هاهنا لعلماً جمّاً ـ وأشار إلى صدره ـ لو أصبْتُ له حَمَلة…»([11]).

وإنه لمن دواعي الأسى والأسف أن يعمد محيط علم زخّار مثل: أمير المؤمنين× إلى مخاطبة الناس مراراً وتكراراً، وهو يقول: «أيُّها الناس، سَلوني قبل أن تفقدوني، فإنّي بطرق السماء أعلم منّي بطرق الأرض»([12])، وبَدَلاً من اغتنام الفرصة كان بعض الجهلاء والحمقى يسأله استهزاءً عن عدد الشَّعْر في رأسه ولحيته([13])!

ومن المفيد الاستماع إلى كلام الإمام الخميني& في هذا الشأن، إذ يقول: «إن القرآن، بوصفه خزانة أسرار العلوم، لم يتسنَّ للأئمة^ أن يفسِّروه، أو أن يظهروا التعاليم الكامنة في القرآن. وإنه لممّا يدعو إلى الأسف أن نحرم من هذه الثروة العلمية والمعرفية؛ إذ لم يكن هناك حَمَلة لهذه العلوم، كما كان هناك حَمَلة لعلم الفقه».

لا شكَّ في أن السنّة الشأنية وغير المنطوقة للمعصومين لو تحوَّلت إلى السنّة الفعلية المقولة والمنطوقة لما واجهنا اليوم ركاماً من الصعوبات والمشاكل، وأنواع الغموض في حقل المعرفة الدينية، الأعمّ من الفقه والتفسير والكلام والتاريخ والسيرة وعلاقة الدين بالعلم وما إلى ذلك.

2ـ تركيز الرواة على السنّة القولية، وإغفال السنّة العملية ــــــ

لقد كان اهتمام الصحابة ورواة السنّة منصبّاً على السنّة القولية، أي إنهم كانوا يهتمّون بإثبات وتدوين أقوال المعصومين^ أكثر من اهتمامهم بتسجيل أفعالهم. وربما كانت طبيعة جوارهم ومجالستهم لهؤلاء الأولياء الربّانيين هي التي جعلتهم يغفلون عن هذا الأمر الهامّ.

هذا في حين أن دائرة السنّة العملية ـ بسبب رصدها واستيعابها لجميع الحركات والسَّكَنات في التشريعات الإلهية ـ أكبر بكثير من التلفُّظ ببعض الكلمات. والشاهد على هذا المدَّعى ـ أي الاهتمام الأدنى بالسنّة العملية ـ مقارنة الروايات المعبّرة عن السنة القولية بالروايات المعبّرة عن السنة العملية للمعصومين^؛ ففي الوقت الذي تبلغ الروايات المعبّرة عن السنة القولية للنبي الأكرم والإمام عليّ والأئمة الأطهار آلاف الروايات، لا تصل الروايات الحاكية عن معاشرتهم ونوع تعاملهم مع أزواجهم وأصحابهم والناس المحيطين بهم وأعدائهم والمعارضين لهم والمشركين إلى مئة رواية.

3ـ قلّة الرواة في تدوين وضبط الأحاديث ــــــ

يمكن تصوير ندرة الرواة في تثبيت وتسجيل الأحاديث ضمن المحاور التالية:

أـ قلّة عدد الرواة القادرين على القراءة والكتابة ــــــ

صرَّح عموم المؤرِّخين بأن عدد الذين يعرفون القراءة والكتابة في مكّة في بداية الرسالة لم يكن يتجاوز سبعة عشر شخصاً. كما ذهب أكثر المفسِّرين إلى أن المراد من كلمة «الأمّيين»، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ (الجمعة: 2)، هم الناس العامّيون الذين لم تكن لديهم القدرة على القراءة والكتابة([14]). وبطبيعة الحال لا يمكن التشكيك في أن تشجيع القرآن والنبيّ الأكرم‘ بشأن طلب العلم، واتخاذ الكثير من الخطوات في هذا الإطار، من قبيل: الاشتراط على كلّ أسيرٍ من المشركين تعليم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة، قد ضاعف فيما بعد من عدد المتعلِّمين والذين يتقنون القراءة والكتابة([15]). ولكنْ مع ذلك هل يمكن القول: إن ثقافة القراءة والكتابة بلغت بين المسلمين حدّاً يمكن معه الادّعاء بأن أكثر الحاضرين في مجالس رواية أحاديث الأئمّة^ كانوا قادرين على الكتابة؟!

ب ـ غلبة الثقافة الشفهية على الثقافة التدوينية ــــــ

هناك الكثير من الأسباب الثقافية المختلفة التي ساعدت على انتشار الثقافة الشفهية وتفوَّقها على الثقافة التحريرية بين المسلمين، ومنها: كثرة الاعتماد على قوّة الحافظة بين العرب. ومن الشواهد على ذلك عدمُ إقبال عموم المسلمين على كتابة آيات القرآن، وميلهم إلى حفظها عن ظهر قلبٍ. وقد تركت هذه الظاهرة بتأثيرها حتّى على الحديث إلى حدٍّ ما أيضاً.

من هنا كان الأئمة الأطهار^ يشجِّعون أصحابهم على كتابة الحديث، وكانوا أحياناً يبادرون بأنفسهم إلى تزويد الراوي بالدواة والصحائف؛ كي يكتب الحديث([16]).

قال الشيخ البهائي في بيان مفهوم «الحفظ» في الحديث النبوي الشهير: «مَنْ حفظ من أمّتي أربعين حديثاً ممّا يحتاجون إليه في أمر دينهم، بعثه الله عزَّ وجلَّ يوم القيامة فقيهاً عالماً»([17]): «الظاهر أن المراد من (حفظ) الحفظ عن ظهر قلبٍ؛ فإنه هو المتعارف المعهود في الصدر السالف؛ فإنّ مدارهم كان على النقش في الخواطر، لا على الرسم في الدفاتر، حتّى منع بعضهم من الاحتجاج بما لم يحفظه الراوي عن ظهر القلب. وقد قيل: إن تدوين الحديث من المستحْدَثات في المئة الثانية من الهجرة»([18]).

ج ـ صعوبة الكتابة المتزامنة مع سماع الأحاديث ــــــ

إن السنّة القولية في الكثير من الموارد تشمل الخطب والأدعية والمناجاة والمناظرات ومختلف فروع وتشقيقات الأحكام الشرعية وما إلى ذلك، ومنها ـ بطبيعة الحال ـ ما يكون طويلاً. ومن جهةٍ أخرى إن الذين يحضرون في مثل هذه المجالس، حتّى إذا كانوا من الذين يهتمون بكتابة الأحاديث، يعانون من صعوبة الكتابة أثناء سماع الحديث. كما لم تكن أدوات التسجيل الحديثة متوفّرة في ذلك الوقت. كلّ ذلك يجعل من عملية تدوين الأحاديث والروايات مهمّة في غاية الصعوبة. وعليه كان من الطبيعي أن يعمد الكثير من الصحابة وتلامذة المعصومين إلى التخلّي عن عملية الكتابة.

د ـ افتقار الرواة إلى بُعْد النظر ــــــ

قيل بشأن كتاب (الجامعة): إن النبيّ الأكرم‘ عندما طلب من الإمام عليّ× أن يكتب عنه قال الإمام مستغرباً: هل تخاف عليَّ النسيان؟ فقال: لا، ولكنْ اكتب للأئمّة من بعدك([19]).

إن هذا الأمر يثبت ما كان يتمتّع به النبيّ‘ من بُعْد النظر، حيث أراد أن يترك للأئمّة الأطهار^ مصدراً حديثياً جامعاً. ويتّضح من الروايات الكثيرة المأثورة أن الأئمّة كانوا يعبِّرون دائماً عن فخرهم ومباهاتهم بامتلاكهم لهذه الثروة الروائية، وكانوا يستندون إليها في الكثير من الموارد.

فهل كان الرواة والمحدِّثون الأوائل، وحتّى الذين ألَّفوا الجوامع الحديثية بعد ذلك، قد تنبّأوا بالظروف الراهنة للدين، ونُدْرة ومحدودية التراث الروائي؛ كي يضعوا لذلك التدابير المناسبة؟

مثلاً: لو أن الشريف الرضي(406هـ) كان يعلم بشدّة شغفنا إلى معرفة جميع خطب ورسائل الإمام عليّ× هل كان سيكتفي بذكر ما انطوى على البلاغة والفصاحة منها؟

4ـ المنع من كتابة الحديث ــــــ

إن جزءاً من التراث الروائي، على الرغم من تدوينه أو إمكانيّة تثبيته وبقائه، قد ضاع واندثر؛ بسبب منع الخلفاء والحكومات من تدوينه. وخير شاهد على منع الحكام من تدوين الحديث، باستثناء بعض الموارد القليلة المتعلقة بالروايات الفقهية([20])، أنّ هذا المنع قد استمرّ لقَرْنٍ من الزمن.

وقد بلغ هذا المنع في بعض الأحيان أن يتمّ استدعاء الكثير من رواة الحديث من مختلف الحواضر الإسلامية إلى المدينة المنوّرة، أو يتمّ إيداعهم في السجون([21]).

5ـ عدم إثبات جميع السنّة المأثورة في الجوامع الحديثية الأولى ــــــ

إن الأجزاء التي تمّ إثباتها وضبطها من سنّة المعصومين من قبل الرواة عن المعصومين مباشرةً تمّ تجاهلها في القرون التالية لمرحلة التدوين؛ لعدّة أسباب. فعلى سبيل المثال: نحن نعلم أن أصحاب الكتب الأربعة، وهم: الشيخ الكليني(329هـ)، والشيخ الصدوق(360هـ)، والشيخ الطوسي(460هـ)، كانوا مطَّلعين على الأصول الأربعمائة([22])، وهي الكتابات الابتدائية أو المسوّدات المكتوبة عن روايات الأئمة الأطهار^، إلاّ أنهم؛ لبعض الأسباب ـ ومنها: رعاية حجم الكتب، وعدم التناسب مع الدوافع من تأليف الكتب ـ لم يذكروا من روايات تلك الأصول الأربعمائة في جوامعهم الحديثية ـ التي عُرفت فيما بعد بالكتب الأربعة ـ سوى جانبٍ من تلك الروايات. وقد أقرّ الشيخ الكليني في مقدّمة الكافي بأنه لم يذكر من مجموع روايات قسم الإمامة سوى بعضاً منها في كتاب الحجّة، تاركاً ذكر البعض الآخر إلى فرصةٍ أخرى، حيث يقول: «ووسَّعنا قليلاً كتاب الحجّة، وإنْ لم نكمله على استحقاقه؛ لأنّا كرهنا أن نبخس حظوظه كلّها. وأرجو أن يُسهّل الله عزَّ وجلَّ إمضاء ما قدّمنا من النيّة. وإنْ تأخَّر الأجل صنَّفنا كتاباً أوسع وأكمل منه»([23]).

وقد انعكس هذا الأمر ـ أي الاقتصار على ذكر بعض الروايات من مجموع الأحاديث الموجودة في الجوامع الحديثية ـ عند أهل السنّة بشكلٍ آخر.

فقد اعترف محمد بن إسماعيل البخاري، صاحب الجامع الصحيح ـ وهو يمثِّل أهم مصدر روائي عند أهل السنّة ـ، بأنّ روايات كتابه ـ دون احتساب ما يقرب من ثلاثة آلاف رواية متكرّرة ـ تشتمل على أربعة آلاف رواية اختارها من ستّة آلاف رواية كانت بحوزته([24]). وقد صدر ما يُشبه هذا الكلام عن سائر أصحاب الكتب الستّة عند أهل السنّة، ومنهم: مسلم بن حجاج القشيري، صاحب كتاب صحيح مسلم، إذ قال: إنه قد اختار ما في كتاب الصحيح من ثلاث مئة ألف حديث سمعها بنفسه([25]).

عندما نجري مقارنة بين روايات كتاب «تهذيب الأحكام» وروايات كتاب «الكافي»، في ما يتعلّق بالفروع، ندرك عدم ذكر الكليني عدداً من الروايات في الكافي. هذا في حين هناك احتمال فقدان وضياع جزء من هذه الروايات في الفترة الزمنية الممتدة لمئة وثلاثين سنة، التي تفصل بين الكليني والطوسي.

وعلى الرغم من اعتبار هذه الظاهرة من قبل جميع أو عموم المحدِّثين من أهل السنّة دليلاً على دقّة واحتياط أصحاب الكتب في التعاطي مع الروايات، وتحرّجهم من ذكر الروايات الضعيفة والموضوعة، ممّا يعكس قيمة واعتبار هذه الكتب، ولكنْ هل يمكن القول بأن جميع هذه الروايات التي تمّ تجاهلها وعدم ذكرها إنما تمّ تجاهلها لكونها ضعيفة أو مجهولة؟!

إذا كان الأمر كذلك فلماذا تجاهل البخاري الكثير من الروايات الواردة في فضائل أهل البيت^، من قبيل: حديث الغدير المذكور في سائر الكتب الأخرى، ولا سيَّما سُنَن النسائي، وكذلك كتابه الخصائص، بوصفها من الروايات الصحيحة أو الحَسَنة، وعلى أيّ حالٍ تمّ تلقّيها بالقبول. وعلى أيّ حالٍ، سواء لدوافع باطلة ـ ولا سيَّما في ما يتعلّق بالروايات الناظرة إلى فضائل أهل البيت^، والحقائق التاريخية في الإسلام ـ أو سائر الأسباب الأخرى، فقد تمّ تجاهل الكثير من الروايات المأثورة عن النبيّ الأكرم ‘، ولم يتمّ ذكرها في الجوامع الابتدائية والأصلية لأهل السنّة.

6ـ الأحداث الطبيعية والاضطرابات الاجتماعية ــــــ

بالإضافة إلى الأسباب المتقدّمة، فإن جزءاً كبيراً من السنّة ـ على الرغم من ضبطها من قبل الرواة، وتدوينها من قبل أصحاب الموسوعات الحديثيّة ـ قد ضاع وتلف؛ بسبب مختلف الأحداث الطبيعية، من قبيل: السيول، والحرائق، وكذلك الاضطرابات الاجتماعية والحروب المذهبية. نعلم أن الطباعة إنما بدأت في القرن السابع عشر للميلاد (القرن الهجري الثاني عشر)، بعد أن قام غوتنبرغ باختراع الآلة الكاتبة. وأما قبل ذلك فقد كان تكثير الكتب العلمية يتمّ عبر استنساخها، ويتمّ حفظها في مكتباتٍ محدودة، لا تتمتَّع بأبسط مقوِّمات الحفاظ على الكتاب من عاديات الزَّمَن والآفات الطبيعية، من قبيل: الزلازل والسيول والحرائق والحشرات وما إلى ذلك. وقد أدّى هذا الأمر إلى إتلاف جُزْءٍ كبير من الكتب، ومنها: الكتب الحديثيّة، بشكلٍ طبيعي إثر تقادم الزمن.

ومن ناحية أخرى كان للحروب الكثيرة بين الحكومات المختلفة، والاضطرابات والمواجهات الداخلية بين فرق أهل السنّة، أو المتعصِّبين والمتطرِّفين من أهل السنّة والشيعة، دورها في القضاء على جزءٍ آخر من التراث الروائي. كما حدث ذلك في الهَجْمة المَغُولية على إيران، حيث تمّ تدمير الكثير من المراكز العلمية والمكتبات الهامّة، وفي النزاع بين الشيعة وعدد من المتطرِّفين من أهل السنّة في منطقة الكَرْخ ببغداد، وكان من نتائج الهجوم على دار الشيخ الطوسي أن تمّ تدمير الجزء الأكبر من الكتب الهامّة للشيخ، ومنها جزءٌ من الأصول الأربعمائة([26]).

من هنا لم يَبْقَ اليوم من أهمّ التراث الحديثي الشيعي ـ أي الأصول الأربعمائة ـ سوى ستّة عشر أصلاً، وهي مدرجة في أحد أهمّ الكتب الحديثية الشيعية، والتي يتمّ التعبير عنها بوصفها واحدةً من الكتب الخمسة، أي كتاب مدينة العلم، للشيخ الصدوق. وإن الكثير من التراث الحديثي المذكور في المصادر القديمة، مثل: الفهرست، لابن النديم؛ ورجال الكشّي؛ والرجال والفهرست، للشيخ الطوسي؛ ورجال النجاشي؛ وما إلى ذلك، قد فُقدت ولم يَعُدْ لها من وجودٍ في الخارج.

وقد ذكر العلاّمة المجلسي(1111هـ)، في مقدّمة بحار الأنوار، أنّه قد سعى سعياً حثيثاً للحصول على عددٍ من هذه الكتب الحديثية طوال أربعين سنة ـ وهو جُهْدٌ يُحمد عليه ـ ولكنّه لم يحصل إلاّ على جزءٍ منه([27]).

لقد تضافرت هذه الأسباب الستّة المتقدّمة لتجعل من التراث الحديثي الواصل إلينا (السنّة الفعلية) أضعف وأنحف بعشرات المرّات من الصادر عن الأئمّة المعصومين من الأقوال والأفعال، ممّا كان يستحق الضبط والتدوين والبقاء (السنة الشأنية).

تعقيدات التراث الحديثي الواصل إلينا ــــــ

ومهما كان، وعلى الرغم من جميع المشاكل والعقبات التي تقدَّم ذكرها، فقد وصلنا التراث الحديثي الراهن، والذي يتمّ التعبير عنه بـ (الجوامع أو المجامع الحديثية). ويتمّ تقسيمه بشكلٍ عام إلى: المسانيد، والمصنّفات، والسنن، والمجامع والموطّآت، والزوائد، والمستدركات، والمستخرجات، والأجزاء، والمعاجم، والأطراف([28]). إلاّ أن هذا التراث يعاني من أنواع الضعف والتعقيدات والآفات. وإن دراسته تدعونا إلى التعاطي الواقعي معه، وإعادة النظر في بعض الأحكام الصادرة حول التراث الروائي. وهناك من الآفات ما هو مشتركٌ بين الجوامع الحديثية لدى الشيعة وأهل السنّة، وهناك ما يختص بالجوامع الحديثية لأهل السنّة، وما يختصّ بالتراث الحديثي لدى الشيعة. وفي ما يلي نستعرض هذه الآفات بشكلٍ عابر.

التعقيدات والآفات المشتركة بين الجوامع الحديثية للفريقين ــــــ

يمكن تقسيم التعقيدات والآفات المشتركة للجوامع الحديثية لدى الفريقين إلى ثلاثة أقسام، وهي: 1ـ الآفات البنيوية؛ 2ـ الآفات النصّية؛ 3ـ الآفات السندية.

1ـ الآفات البنيوية في المجامع الحديثية لدى الفريقين ــــــ

ويمكن تقسيم الآفات البنيوية بدورها إلى عدّة محاور:

أـ فقدان المعيار المطلوب في تبويب وتصنيف المصادر الحديثية ــــــ

نعلم أنّه في المصادر الروائية لدى الشيعة يتمّ الحديث عن أربعة مؤلَّفات يعبّر عنها عادة بـ «الكتب الأربعة»، وهي:

أـ الكافي، للشيخ الكليني(329هـ).

ب ـ مَنْ لا يحضره الفقيه، للشيخ الصدوق(360هـ).

ج ـ تهذيب الأحكام، للشيخ الطوسي(460هـ).

د ـ الاستبصار في ما اختلف من الأخبار، للشيخ الطوسي أيضاً.

يتمّ التعبير عن هذه الكتب بوصفها من أهمّ وأوثق الكتب الحديثية عند الشيعة. وإن أهمية هذه الكتب بحيث ذهب بعض علماء الشيعة [من الأخباريين] إلى اعتبار جميع ما ورد فيها صحيحاً وقطعياً([29]).

وهنا يطرح هذا السؤال نفسه: مَنْ هو الذي اختار هذه الكتب الأربعة من الجوامع الروائية الشيعية؟ وما هو المعيار الذي اتَّبعه لاختيارها، دون الكتب الأخرى؟

هناك بعض الشواهد التي تثبت أن الإعلان عن هذه الكتب بعنوان الكتب الأربعة إنّما حصل في القرن الهجري العاشر من قبل محدِّثين أمثال: الشيخ الحُرّ العاملي، والشيخ عبد الصمد، ونجله الشيخ البهائي العاملي.

لا شَكَّ في أن موقع وشخصية المؤلِّفين للكتب الأربعة، واستناد رواياتها إلى الأصول الأربعمائة، ومصادرها الحديثية الأصلية، ودقّة وسعي المحمَّدين الثلاثة في نقل الروايات الصحيحة، والسابقة التاريخية لهذه الكتب، وجامعيّتها النسبية، كان له دورٌ في إضفاء الاعتبار عليها، إلى حدٍّ جعلها من أهمّ الجوامع الحديثية لدى الشيعة.

لو قبلنا بهذه الملاكات فلا بُدَّ من الإجابة عن هذا السؤال: إن للشيخ الصدوق، إلى جانب كتاب مَنْ لا يحضره الفقيه، كتباً روائية أخرى لا تقلّ عنه إتقاناً وإحكاماً، ولا تزال موجودةً بأيدينا، من قبيل: عيون أخبار الرضا×، والتوحيد، والخصال، ومعاني الأخبار، وثواب الأعمال وعقاب الأعمال، وعلل الشرائع. كما أن للشيخ الطوسي كتباً حديثية أخرى أيضاً، من قبيل: الأمالي، وقسم الروايات من تفسير التبيان. فما هو المانع من اعتبار هذه المجموعة من الكتب من الجوامع الحديثية الأولى؟!

كما وردت الروايات الواردة في حقل الأدعية والمناجاة وأعمال السنة وزيارة الأولياء في مجامع حديثية وروائية أخرى، من قبيل: الصحيفة السجّادية؛ وكامل الزيارات، لابن قولويه(367هـ)؛ ومصباح المتهجّد، وكتاب المزار، للشيخ الطوسي؛ والبلد الأمين، للكفعمي. وقد اختصّ بعض فصول الكتب الأربعة بهذه الطائفة من الروايات.

إن هذا الأمر جديرٌ بالاهتمام من جهة أننا إذا استثنينا كتاب الكافي من الكتب الأربعة فإنّ الكتب الثلاثة الأخرى، وهي: مَنْ لا يحضره الفقيه، والتهذيب، والاستبصار، قد اختصّت ـ إلاّ في ما ندر ـ بجمع وتنظيم الروايات الفقهيّة فقط. وفي الحقيقة فإن الكتب الأربعة لا تعتبر من الكتب الجامعة في ما يتعلّق بالروايات الواردة في حقل العقائد والأخلاق والأحكام.

فإذا كنا نعترف للمحمَّدين الثلاثة بالمكانة والمنزلة الشخصيّة والعلمية المرموقة والخاصّة فما هو الإشكال في جمع الروايات المنقولة في كتبهم المختلفة، والعمل على تنظيمها بشكلٍ مناسب في موسوعةٍ روائية واحدة، نطلق عليها اسم «الجوامع الحديثية الأولى للشيعة»؟!

كما ترد هذه التساؤلات بشأن الكتب الستّة عند أهل السنّة أيضاً. فإن ذات المعايير التي نقلناها في اختيار الكتب الشيعية الأربعة كانت هي المعايير المذكورة لاختيار الجوامع الحديثية الستّة عند أهل السنّة أيضاً ـ وهي: الجامع الصحيح، للبخاري(256هـ)؛ والجامع الصحيح، لمسلم بن حجّاج القشيري(261هـ)؛ وسنن أبي داوود سليمان بن الأشعث السجستاني(257هـ)؛ وسنن محمد بن عيسى الترمذي(279هـ)؛ وسنن أحمد بن شعيب النسائي(303هـ)؛ وسنن ابن ماجة القزويني(273هـ) ـ، أي إنهم قالوا: إن قِدَم هذه الكتب الستة، وما يتمتَّع به مؤلِّفوها من المنزلة والمكانة العلمية، ودقّتهم واحتياطهم في اختيار الروايات الجامعة نسبيّاً، كانت من أسباب اختيار هذه الكتب بوصفها من الكتب الستّة عند أهل السنّة.

ولا يوجد هناك إجماعٌ بين علماء أهل السنّة بشأن الفترة الزمنية التي شاع فيها إطلاق مصطلح الكتب الستّة على هذه الكتب، ولا مَنْ هو الذي أطلق هذا المصطلح عليها.

وعلى أيّ حال فإن ما ذكرناه من التساؤلات حول الكتب الشيعية الأربعة واردٌ بشأن الكتب السنّية الستّة أيضاً؛ لأن الجميع يعترف بأن هذا الأمر إنما حصل بالتدريج، وعلى أساس رواج وشيوع رأيٍ أو آراء خاصّة. أليس من المشروع في العصر الراهن أن نتساءل: لماذا لم تكن الكتب سبعة أو ثمانية، بَدَلاً من حصرها في ستة فقط؟!

ومن المصنّفات الحديثية عند أهل السنّة يمكن لنا أن نشير إلى كتبٍ أخرى، من قبيل: الموطّأ، لمالك بن أنس(197هـ)؛ والمصنَّف، لعبد الرزاق الصنعاني(211هـ)؛ والمصنَّف، لابن أبي شيبة الكوفي(235هـ)؛ ومسند ابن راهويه(238هـ). وهؤلاء أقدم زَمَناً من مؤلِّفي الكتب الستّة، وفيهم ابنُ راهويه، الذي هو أستاذ البخاري.

وهناك كتبٌ أخرى، مثل: سنن البيهقي، وسنن الدارمي، التي تساوي وتشابه كتباً من قبيل: سنن ابن ماجة. أفلا يمكن اعتبار هذا النوع من الجوامع الحديثية في عداد الكتب؟!

ألا يشكِّل تشكيك كبار علماء أهل السنّة، أمثال: ابن الأثير الجزري، بشأن تصنيف الكتب، واعتباره موطّأ مالك أو سنن الدارمي بَدَلاً من سنن ابن ماجة([30])، موضع تساؤل للأجيال اللاحقة؟!

ومن جهةٍ أخرى فإن النسائي، بالإضافة إلى (السنن المجتبى) الذي عُدّ واحداً من الكتب الستّة، قد ألَّف كتاب السنن الكبرى أيضاً. فما هو المانع من اعتبار هذا النوع من الكتب من الكتب الحديثية الأولى؟!

وكما سبق أن ذكرنا بشأن الكتب الأربعة فإن الأسئلة المتقدّمة بشأن الكتب الستّة إنما تحظى بالأهمّية من جهة أن هذه الكتب، ولا سيَّما صحيحا البخاري ومسلم، تتمتّع من وجهة نظر أهل السنّة بمكانة مرموقة([31])، بحيث قلَّما يوجد باحثٌ من أهل السنّة يرتضي وجود الروايات المختَلَقة والموضوعة أو الضعيفة على نطاقٍ واسع في هذين الصحيحين.

ألا يوجد تشكيك في المعايير، وكذلك موارد تطبيقها على مصاديق الجوامع الحديثية؟ ألا يمكن لهذا الطَّوْق المحيط بالكتب الستّة أن يتَّسع أو يضيق؟!

ب ـ ضعف التنظيم بين فصول وأقسام الكتاب ــــــ

إن كتاب الكافي هو أوّل جامع روائي للشيعة؛ إذ لم يسبقه نموذجٌ مناسب يُحْتَذَى به، حيث نجد التدبير والدراية الجديرة بالثناء في قسمي (الأصول والفروع)، وتوزيع الأصول على مباحث من قبيل: التوحيد والنبوّة والإمامة ومباحث الأخلاق. وقد بدأ قسم الأصول ببحثين جوهريين وأساسيين، وهما: كتاب العقل والجهل، وكتاب فضل العلم.

وعلى الرغم من ذلك يواجه التبويب العامّ للكتاب بعض المشاكل. فعلى سبيل المثال: تمّ توزيع المباحث الأخلاقية في عدّة فصولٍ مختلفة، من قبيل: كتاب العِشْرة، وكتاب الإيمان والكفر، وروضة الكافي.

من خلال مقارنة نجريها بين تبويب أبواب فروع الكافي وما هو موجودٌ في مَنْ لا يحضره الفقيه والتهذيب والاستبصار ندرك ضعف التنظيم والتبويب فيما بينها([32]).

إن ضعف التبويب والتنظيم بين أبواب وفصول الكتب الأربعة هو من النقود التي سجَّلها الفيض الكاشاني على هذه الكتب، وكان ذلك هو الدافع له لتأليف كتاب الوافي([33]). وعلى أيّ حال لا بُدَّ من الاعتراف بأن الفيض الكاشاني هو الوحيد من علماء الشيعة الذي جمع بين روايات الكتب الأربعة في كتابٍ واحد تحت عنوان الوافي، وعمد إلى تبويبها بشكلٍ مناسب.

وقد برز ضعف التبويب في فصول الكتب الستّة عند أهل السنّة بشكلٍ أكبر، بحيث لا يبدو هناك تنظيمٌ خاصّ لتبويب فصول كتاب البخاري. فقد بدأ البخاري كتابه بفصل «بدء الوَحْي»، وبعد فصول «كتاب الإيمان» و«كتاب العلم» يدخل في فصول الفروع، من قبيل: «كتاب الوضوء»، و«كتاب الغسل»، و«كتاب الصلاة». ولكنّه قبل أن يواصل تبويبه هذا، من خلال «كتاب النكاح»، و«كتاب الطلاق»، وما إلى ذلك من الأبواب الفقهية، يدخل في فصول من قبيل: «كتاب أحاديث الأنبياء»، و«كتاب المناقب»، و«كتاب فضائل أصحاب النبيّ»، و«كتاب التفسير»، وما إلى ذلك. من هنا مال عموم المحدِّثين من أهل السنّة إلى تفضيل صحيح مسلم على صحيح البخاري؛ لما يشتمل عليه من حسن التبويب.

إن سائر الكتب الستّة لأهل السنّة تعاني، بالقياس إلى بعضها، من فقدان الترتيب والتنظيم المنسجم، والقريب من بعضه.

وهذا الكلام إنّما هو دون الأخذ بنظر الاعتبار أن الروايات المختلفة قد نقلت في الفصول والكتب وفق اختلاف الأذواق والآراء، بحيث نجد أحياناً رواية في فصل «كتاب الأدب» من كتابٍ، وذات الرواية نجدها في كتابٍ آخر ضمن فصل «كتاب المناقب».

إن فقدان التنظيم في التبويب، وبالإضافة إلى أنه قد تسبَّب بصعوبة استخراج الروايات من الجوامع الحديثية من جهةٍ، قد أدّى من جهةٍ ثانية إلى آفةٍ أخرى، وهي آفة «تكرار الروايات». بحيث نجد صحيح البخاري يشتمل على 4660 رواية مكرَّرة من مجموع 7563 رواية، أي إن الروايات غير المتكرّرة في صحيح البخاري تبلغ 2607 رواية فقط([34]).

ج ـ تجاهل التراث الروائي المشترك ــــــ

على الرغم من وجود الكثير من المشتركات بين الشيعة وأهل السنّة في حقل العقائد والأحكام، والتناغم الكامل بين المدرستين في الأخلاق، فإنّه لا شَكَّ في وجود الاختلافات التي وسَّعت من الشرخ بينهما على مدى أربعة عشر قرناً. وإن من الميادين التي تجلَّت فيها المشتركات والاختلافات بين هاتين المدرستين الأحاديثَ والروايات الموجودة في الموسوعات الحديثية. هناك في الروايات الموجودة في الموسوعات الحديثية لدى الفريقين مشتركاتٌ، وتناغم في الأمور التالية:

1ـ من جهة مصادر السنّة: إنّ الجوامع الحديثيّة والروائية لدى أهل السنّة مفعمةٌ بالروايات المأثورة عن النبيّ الأكرم‘. وإن عصمة النبيّ على وتيرةٍ واحدة، وباختلاف يسيرٍ، موضع اتّفاق بين الشيعة وأهل السنّة.

إن جزءاً من الروايات الموجودة في الموسوعات الحديثية لدى أهل السنّة مروية عن الصحابة، أمثال: سلمان الفارسي، وأبي ذر الغفّاري، والمقداد بن الأسود، وبلال الحبشي، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وأبيّ بن كعب، وحذيفة بن اليمان، وآخرين، من الذين يتمتَّعون بمكانةٍ ومنزلة علمية ومعنوية مرموقة عند علماء الشيعة أيضاً، بالإضافة إلى مكانتهم بين علماء أهل السنّة. ومن ناحيةٍ أخرى فإن الروايات المنقولة عن هذه الطائفة من الصحابة، وكذلك عن أئمّةٍ مثل: الإمام علي والإمام الحسن والإمام الحسين والإمام الباقر^، بوصفهم من الصحابة([35])، تحظى ـ بطبيعة الحال ـ بقبول أهل السنّة.

2ـ من جهة رواة الأحاديث: هناك مجموعة من الروايات المرويّة في الموسوعات الحديثية لدى أهل السنّة منقولةٌ عن رواةٍ يشترك الرجاليّون السنّة والشيعة في الجملة في النظر إليهم بنظرةٍ واحدة، أو متقاربة([36]).

ويجب الاعتراف بأن رؤية الرجاليّين من الشيعة تجاه الرواة من أهل السنّة أكثر إيجابية، حيث يذهب المحدِّثون الشيعة إلى وصف الروايات المرويّة عن رواة أهل السنّة الذين يتّصفون بالعدالة أو الوثاقة بالأحاديث الموثَّقة، ويضعونها في مرتبةٍ تالية للأحاديث الحَسَنة، ومتقدِّمة على الروايات الضعيفة([37]). في حين يذهب الرجاليّون من أهل السنّة إلى كون الشخص شيعيّاً أو رافضيّاً عنواناً للقدح فيه، والطعن في روايته([38]).

3ـ من جهة نصوص الأحاديث: إنّ أهمّ جزءٍ يمكن التعبير عنه بوصفه من المشتركات الروايات الخاصّة الواردة في الموسوعات الحديثية عند الفريقين في حقول خاصّة، من قبيل: الروايات الأخلاقية، والروايات التفسيرية، وروايات التاريخ والسِّيرة، وشطر من روايات مناقب وفضائل الأئمّة×، والروايات التي تثني على العلم والعلماء، وجانب من الروايات الواردة في الفروع، وما إلى ذلك. فلو أمكن فرز هذه الروايات من خلال عملٍ تحقيقي جامع سيتّضح الحجم الكبير من المشتركات الروائية بين الفريقين. فما هو المانع من اعتبار هذا النوع من الروايات المشتركة جزءاً من تراثنا الروائي، إلى جانب تراثنا الحديثي الخاصّ؟! وما هي ضرورة الإصرار على الفصل بين الروايات والموسوعات الحديثية للفريقين؟!

وبعبارةٍ أوضح: ما هو المانع من أن يكون للشيعة وأهل السنة ـ إلى جانب الكتب الأربعة والكتب الستّة ـ موسوعةٌ من الأحاديث والروايات المشتركة؟!

وبطبيعة الحال لا بُدَّ هنا من إعادة الاعتراف بأن علماء الشيعة ـ للإنصاف ـ كانوا أكثر مرونة في التعاطي مع الروايات والموسوعات الحديثية لأهل السنّة من تعاطي علماء أهل السنّة مع الروايات والموسوعات الحديثية عند الشيعة. وخيرُ شاهدٍ على ذلك كتاب بحار الأنوار، للعلامة المجلسي، بوصفه موسوعةً كبرى للتراث الشيعي، إلاّ أنه في الكثير من الموارد يستفيد من روايات الكتب الستّة وسائر الكتب الحديثية والروائية الأخرى لدى أهل السنّة، ومنها: التفاسير، رغم أنه يصرِّح في مقدّمة كتاب بحار الأنوار بأنه إنما ذكر هذه الروايات لمجرَّد الاستشهاد([39]).

هذا في حين لا نشاهد أَثَراً للروايات الشيعية في الموسوعات الروائية لدى أهل السنّة، سواء في ذلك القديم والحديث منها.

خصائص وامتيازات الموسوعة الحديثيّة المشتركة بين الفريقين ــــــ

1ـ يمكن لهذه الموسوعة أن تشتمل على ذلك النمط من الروايات التي تحمل نصّاً واحداً، أو نصوصاً متقاربة من بعضها، وإنْ اختلفت أسانيدها في الموسوعات الحديثية لدى الفريقين. إن أهمّ فائدةٍ ينطوي عليها هذا النوع من الروايات هو اشتمالها على الإتقان والاعتبار الكبيرين؛ إذ عندما يتّضح أن الشيعة وأهل السنّة ـ رغم الاختلافات الفكرية والعقائدية القائمة بينهما ـ يتّفقون في هذا الكمّ الهائل من الروايات فإنّ هذا سيعني إجماع عموم المسلمين على هذه المسألة، وهذا بدوره سوف يعبِّر دون شكٍّ عن الأحكام والآراء الواقعية. وقد تمّ التأكيد في روايات أهل البيت^ على اعتبار إجماع المسلمين وأهمّيّته([40]). إن مثل هذا الإجماع ـ الذي يعني الانسجام والاتفاق بين علماء أهل السنّة والعلماء من الشيعة ـ هو الذي يكشف عن رأي المعصوم. فإذا كان إجماع علماء الشيعة وحدهم كاشفاً عن رأي المعصوم فإنّ إجماع علماء الشيعة وأهل السنّة، أو بعبارةٍ أخرى: إجماع كافّة العلماء المسلمين، سيكون أَوْلى بالكشف عن رأي المعصوم.

2ـ إن مثل هذه الموسوعة من شأنها أن تبيِّن حدود التناغم والتنافر بين الشيعة وأهل السنّة بوضوحٍ. وبعبارةٍ أوضح: إن هذه العملية ـ رغم بعض المدَّعيات ـ تثبت أن نقاط الاشتراك بين الشيعة وأهل السنّة كثيرة للغاية. ومن خلال اكتشاف هذا الأمر سيغدو الطريق للاتّحاد بين هذين الجَسَدين في العالم الإسلامي في مواجهة الأعداء معبَّداً.

3ـ إن جانباً من روايات هذه الموسوعة يمكن أن تكون روايات مفتقرة إلى صفة الاشتراك، ولكنّها مع ذلك مقبولة من الناحية النصّية عند الفريقين. وبعبارةٍ أوضح: هناك في الموسوعات الحديثية عند الشيعة روايات في حقل الأخلاق والعقيدة والسيرة النبوية وتاريخ الإسلام وما إلى ذلك، ولم تَرِدْ في الموسوعات الروائية عند أهل السنّة. والعكس صحيحٌ أيضاً، بمعنى أن هناك روايات خاصّة انفرَدَتْ بها الموسوعات الروائية السنّية. ومن الأمثلة على هذا المدّعى: الروايات الأخلاقية الكثيرة، التي لم تَرِدْ إلاّ في الموسوعات الحديثية لدى الشيعة. كما أنّ هناك رواياتٍ نبويةً ناظرةً إلى الأخلاق والسِّيرة والحروب وسيرة النبيّ الأكرم‘ واردةٌ في الموسوعات الحديثية لأهل السنّة على نطاقٍ أوسع بالمقارنة مع الموسوعات الحديثية الشيعية.

إن هذه الروايات، على الرغم من إسنادها الخاصّ، وعدم الاشتراك في النقل، يمكن القبول بها على مستوى النصّ، بمعنى أن نصّها من الاتّفاق والتناغم الواضح والمنسجم مع الكتاب والسنّة والعقل والفطرة بحيث يقرّ كلّ عقلٍ سليم بصحّتها. وإن عموم الروايات الناظرة إلى السيرة العملية والأخلاقية للنبيّ الأكرم‘ هي من هذا القبيل([41]). ومن خلال هذه التوضيحات يمكن لإعداد موسوعة تضمّ هذا النوع من الروايات أن يعمل على رفع النقص الذي تعاني منه الموضوعات الحديثية الخاصّة بكلّ واحدٍ من الفريقين، في حقل المعرفة الدينية، أو قلّة الروايات في بعض جوانبها.

2ـ الآفات النصّية في الموسوعات الحديثية لدى الفريقين ــــــ

إن الآفات النصّيّة التي تعاني منها الموسوعات الحديثية لدى الفريقين، والتي تطرّقت إلى بعض رواياتها، يمكن اختزالها في الحدّ الأدنى ضمن خمسة محاور، وهي:

أـ آفة الوضع والضعف.

ب ـ آفة التناقض والاختلاف.

ج ـ آفة النقل بالمعنى.

د ـ آفة التصحيف.

هـ ـ آفة اختلاف القراءات.

وفي ما يلي سوف نتناول كلّ واحدة من هذه الآفات بالبحث إجمالاً:

أـ آفة الوضع والضعف ــــــ

على الرغم من ذهاب العلماء من أهل السنّة إلى الاعتقاد بأن ظاهرة وضع الحديث قد بدأت بعد مقتل عثمان، واستشهاد الإمام علي×، وتكوين الفرق الكلامية المختلفة([42])، بَيْدَ أن هناك الكثير من الشواهد، ومنها: ما قاله النبيّ الأكرم‘ والأئمّة الأطهار^، تثبت أن هذه الظاهرة قد بدأت في حياة النبيّ نفسه([43]).

وقد كان إمكان وضع الحديث المشابِه لكلام المعصومين؛ بسبب فقدان عنصر الإعجاز والإتيان بمثل كلامهم [كما هو الشأن في القرآن]([44])، والتأثيرات السياسية المعلنة والخفيّة، كالمرسوم الذي أصدره معاوية بن أبي سفيان لعمّاله يأمرهم باختلاق الأحاديث في مناقب عثمان ومثالب الإمام عليّ×([45])، وظهور مختلف الفرق والنِّحَل بين المسلمين، واستعانة كلّ فرقةٍ بالأحاديث المختَلَقة لإثبات آرائها وتوجُّهاتها، وأثر الزنادقة واليهود في تشويه التعاليم والقِيَم الإسلامية من خلال وضع الحديث، وما إلى ذلك من الأسباب، من أهمّ العوامل التي ساعدت على انتشار ظاهرة اختلاق الأحاديث بين المسلمين([46]).

وقد كانت هذه العوامل والأسباب من قوّة التأثير في تفشّي هذه الظاهرة وانتشار الأحاديث المختلقة بحيث لم يجد محمد بن إسماعيل البخاري(256هـ) بُدّاً من الاعتراف بأنه إنما اختار روايات صحيحه من بين ستّة آلاف رواية. رغم أننا لا نعتقد أن جميع الروايات التي أهمل البخاري ذكرها إنما فعل ذلك بداعي الاختلاق. وقد عمد عموم علماء أهل السنة والمحدِّثين إلى انتقاد بعض الكتب، مثل: مسند أحمد بن حنبل؛ بسبب إدراجه للروايات المختَلَقة فيها([47]).

كما قام بعض علماء أهل السنّة بتأليف الكتب والموسوعات الكثيرة المشتملة على الروايات الموضوعة والمختَلَقة أو الضعيفة؛ لوضع اليد على هذا النوع من الروايات.

وقد تسلَّلت هذه الظاهرة بشكلٍ آخر ـ وربما بشكلٍ محدود ـ إلى الموسوعات الحديثية لدى الشيعة، حيث نجد انتقاداً لموسوعات شيعيّة من قبيل: بحار الأنوار، ومستدرك وسائل الشيعة؛ بسبب اشتمالها على الكثير من الروايات المختَلَقة([48]).

وعلى أيّ حال فإن اشتمال الموسوعات الإسلامية الروائية والحديثية لدى الفريقين على رواياتٍ مخالفة للقرآن، والسنّة (القطعية أو شبه القطعية)، والبراهين العقلية، والمُعْطَيات العلمية البديهية، قد شكَّل ذريعةً ومستمسكاً بيد المستشرقين للطعن في التعاليم الدينية الإسلامية، والقول بأنها لا تختلف عن النصوص المقدّسة للأديان الأخرى، في اشتمالها على التناقض ومخالفة العلم. ومن ذلك أننا نجد المستشرق الإنجليزي وليم موير(1905م) يقول: «ليس هناك نصٌّ حديثي مدوَّن موثوق إلى ما قبل النصف الثاني من القرن الهجري [الأوّل]»([49])، الأمر الذي يعزِّز من ضرورة العمل على تصفية الموسوعات الحديثية وتشذيبها من هذا النوع من الروايات.

ب ـ آفة التناقض والاختلاف ــــــ

إن التناقض أو الاختلاف القائم بين الروايات يفوق أحياناً حدّ الاختلاف الذي هو من قبيل: الاختلاف بين العامّ والخاصّ، والمطْلَق والمقيِّد، والناسخ والمنسوخ، بحيث لا يقبل العلاج من خلال الجَمْع العُرْفي. وهو يمثِّل حقيقةً لا تقبل الإنكار في الموسوعات الحديثية الراهنة. وإن هذا الاختلاف حيث ينسب إلى المعصومين لا يكون معقولاً من دون وجود توجيهٍ مناسب؛ وذلك لعدم إمكان التناقض في كلام المعصوم؛ بحكم آية عدم الاختلاف، إلاّ إذا كانت هناك مبرّرات لهذا الاختلاف، من قبيل: صدور إحدى الروايتين بداعي التقيّة، أو البداء، أو النَّسْخ، أو القول بتخويل الله للأئمّة في ملاحظة اختلاف ظرفية المخاطبين في معالجة التعاليم الدينية، بالزيادة لبعض المكلَّفين، والنقيصة لبعضهم الآخر، كما ورد في بعض الموارد استناد الأئمّة^ في تبرير هذه الظاهرة بقوله تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (ص: 39)([50]). كما اعتبرت التقيّة والعمل على حماية أرواح الشيعة من الأسباب الأخرى في إبداء الإجابات المختلفة، والتي تنطبق بشكلٍ عامّ مع فحوى ومضمون آراء العامّة. وقد ورد عن الإمام الصادق× في هذا الشأن قوله: «اتَّقُوا عَلَى دِينِكُمْ فَاحْجُبُوهُ بِالتَّقِيَّةِ؛ فَإِنَّهُ لا إِيمَانَ لِمَنْ لا تَقِيَّةَ لَهُ. إِنَّمَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ كَالنَّحْلِ فِي الطَّيْرِ، لَوْ أَنَّ الطَّيْرَ تَعْلَمُ مَا فِي أَجْوَافِ النَّحْلِ مَا بَقِيَ مِنْهَا شَيْءٌ إِلاَّ أَكَلَتْهُ، وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ عَلِمُوا مَا فِي أَجْوَافِكُمْ أَنَّكُمْ تُحِبُّونا أَهْلَ الْبَيْتِ لأَكَلُوكُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَلَنَحَلُوكُمْ فِي السِّرِّ وَالْعَلانِيَةِ»([51]).

وبغضّ النظر عن التوجيهات المتقدّمة يعتبر التناقض في كلام المعصومين^ مستحيلاً. من هنا كان كلّ واحدٍ من الأئمّة يعتبر حديثه حديث آبائه من الأئمّة الذين سبقوه، حتّى يصل إلى رسول الله‘. ومن ذلك ما رُوي عن الإمام الصادق× أنه قال: «حَدِيثِي حَدِيثُ أَبِي، وَحَدِيثُ أَبِي حَدِيثُ جَدِّي، وَحَدِيثُ جَدِّي حَدِيثُ الْحُسَيْنِ، وَحَدِيثُ الْحُسَيْنِ حَدِيثُ الْحَسَنِ، وَحَدِيثُ الْحَسَنِ حَدِيثُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ×، وَحَدِيثُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَدِيثُ رَسُولِ اللهِ‘، وَحَدِيثُ رَسُولِ اللهِ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»([52]).

كما يبقى عدم إمكان التناقض في الروايات المأثورة عن النبيّ الأكرم‘ في الموسوعات الروائية والحديثية قائماً. وأما روايات الصحابة والتابعين فلا يكون التناقض منتفياً؛ لغياب عنصر العصمة بالنسبة لهم.

وبهذا التوضيح عندما نراجع الروايات المأثورة عن النبيّ الأكرم‘ والأئمة الأطهار^ في الموسوعات الحديثية لدى الفريقين ندرك أن هذه الموسوعات تعاني من آفة التناقض، دون إمكان توجيه ذلك بأيٍّ من التوجيهات المتقدّمة.

وقد ذكروا لحصول هذا الاختلاف في الروايات، والذي أدّى بطبيعة الحال إلى الإخلال بأصالتها ووحيانيتها، أسباباً مختلفة. ومن أهمّ الأسباب لحصول هذه الظاهرة ما ذكره أمير المؤمنين× في نهج البلاغة، إذ يقول: «إِنَّمَا أَتَاكَ بِالْحَدِيثِ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ لَيْسَ لَهُمْ خَامِسٌ: رَجُلٌ مُنَافِقٌ مُظْهِرٌ لِلإِيمَانِ، مُتَصَنِّعٌ بِالإِسْلامِ، لا يَتَأَثَّمُ وَلا يَتَحَرَّجُ، يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللهِ‘ مُتَعَمِّداً، فَلَوْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ مُنَافِقٌ كَاذِبٌ لَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ، وَلَمْ يُصَدِّقُوا قَوْلَهُ، وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا: صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ‘، رَآهُ وَسَمِعَ مِنْهُ، وَلَقِفَ عَنْهُ؛ فَيَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِ، وَقَدْ أَخْبَرَكَ اللهُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ بِمَا أَخْبَرَكَ، وَوَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ لَكَ، ثُمَّ بَقُوا بَعْدَهُ، فَتَقَرَّبُوا إِلَى أَئِمَّةِ الضَّلالَةِ، وَالدُّعَاةِ إِلَى النَّارِ بِالزُّورِ وَالْبُهْتَانِ، فَوَلَّوْهُمُ الأَعْمَالَ، وَجَعَلُوهُمْ حُكَّاماً عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، فَأَكَلُوا بِهِمُ الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا النَّاسُ مَعَ الْمُلُوكِ وَالدُّنْيَا، إِلاَّ مَنْ عَصَمَ اللهُ، فَهَذَا أَحَدُ الأَرْبَعَةِ.

وَرَجُلٌ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ شَيْئاً لَمْ يَحْفَظْهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَوَهِمَ فِيهِ، وَلَمْ يَتَعَمَّدْ كَذِباً، فَهُوَ فِي يَدَيْهِ، وَيَرْوِيهِ وَيَعْمَلُ بِهِ، وَيَقُولُ: أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ‘. فَلَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ وَهِمَ فِيهِ لَمْ يَقْبَلُوهُ مِنْهُ، وَلَوْ عَلِمَ هُوَ أَنَّهُ كَذَلِكَ لَرَفَضَهُ.

وَرَجُلٌ ثَالِثٌ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ‘ شَيْئاً، يَأْمُرُ بِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ نَهَى عَنْهُ، وَهُوَ لا يَعْلَمُ، أَوْ سَمِعَهُ يَنْهَى عَن شَيْءٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ وَهُوَ لا يَعْلَمُ، فَحَفِظَ الْمَنْسُوخَ وَلَمْ يَحْفَظِ النَّاسِخَ. فَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضَهُ، وَلَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ إِذْ سَمِعُوهُ مِنْهُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضُوهُ.

وَآخَرُ رَابِعٌ لَمْ يَكْذِبْ عَلَى اللهِ وَلا عَلَى رَسُولِهِ، مُبْغِضٌ لِلْكَذِبِ؛ خَوْفاً مِنَ اللهِ، وَتَعْظِيماً لِرَسُولِ اللهِ‘، وَلَمْ يَهِمْ، بَلْ حَفِظَ مَا سَمِعَ عَلَى وَجْهِهِ، فَجَاءَ بِهِ عَلَى مَا سَمِعَهُ، لَمْ يَزِدْ فِيهِ، وَلَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ، فَهُوَ حَفِظَ النَّاسِخَ فَعَمِلَ بِهِ، وَحَفِظَ الْمَنْسُوخَ فَجَنَّبَ عَنْهُ، وَعَرَفَ الْخَاصَّ وَالْعَامَّ، وَالْمُحْكَمَ وَالْمُتَشَابِهَ، فَوَضَعَ كُلَّ شَيْءٍ مَوْضِعَهُ»([53]).

وقد ذكر الشيخ الكليني أنه إنما كتب الكافي استجابةً لرسالة بعض المؤمنين، وقد شكا إليه اختلاف الروايات، واختلاف المتديِّنين لذلك، وطلب منه أن يكتب كتاباً يجمع الأحاديث المنسجمة، وغير المختلفة، والموافقة لمعايير من قبيل: الكتاب والسنّة ومخالفة العامّة؛ ليحسم مادة هذا الاختلاف. وإليك شَطْراً مما ذكره الكليني في هذا الخصوص: «ذكرت أنّ أموراً قد أشكلَتْ عليك، لا تعرف حقائقها؛ لاختلاف الرواية فيها، وأنّك تعلم أنّ اختلاف الرواية فيها لاختلاف عللها وأسبابها، وأنّك لا تجد بحضرتك مَنْ تذاكره وتفاوضه ممَّنْ تثق بعلمه فيها، وقلْتَ: إنّك تحبّ أن يكون عندك كتابٌ كافٍ يجمع [فيه] من جميع فنون علم الدين، ما يكتفي به المتعلّم، ويرجع إليه المسترشد، ويأخذ منه مَنْ يريد علم الدِّين والعمل به بالآثار الصحيحة عن الصادقين^، والسنن القائمة التي عليها العمل، وبها يؤدّي فرض الله عزَّ وجلَّ وسنّة نبيّه‘، وقلْتَ: لو كان ذلك رجوت أن يكون ذلك سبباً يتدارك الله [تعالى] بمعونته وتوفيقه إخواننا وأهل ملّتنا، ويقبل بهم إلى مراشدهم»([54]).

وقد ذكر الشيخ الطوسي في مقدّمة تهذيب الأحكام أن أهمّ دافع دعاه إلى تأليفه لهذا الكتاب طعن المخالفين على روايات الشيعة، وكذلك تشكيك عددٍ من الشيعة المفتقرين إلى العمق الفكري في ما يتعلّق بأحقّية الشيعة، إذ يقول: «ذاكرني بعض الأصدقاء أيَّده الله، ممَّنْ أوجب حقّه (علينا)، بأحاديث أصحابنا أيَّدهم الله ورحم السَّلَف منهم، وما وقع فيها من الاختلاف والتباين والمنافاة والتضادّ، حتى لا يكاد يتّفق خبرٌ إلاّ وبإزائه ما يضادّه، ولا يسلم حديثٌ إلاّ وفي مقابله ما ينافيه، حتى جعل مخالفونا ذلك من أعظم الطعون على مذهبنا، وتطرّقوا بذلك إلى إبطال معتقدنا، وذكروا أنه لم يزَلْ شيوخكم السَّلَف والخَلَف يطعنون على مخالفيهم بالاختلاف الذى يدينون الله تعالى به، ويشنِّعون عليهم بافتراق كلمتهم في الفروع… سمعت شيخنا أبا عبد الله أيَّده الله يذكر أن أبا الحسين الهاروني العلوي كان يعتقد الحقّ، ويدين بالإمامة، فرجع عنها لما التبس عليه الأمر في اختلاف الأحاديث، وترك المذهب، ودان بغيره، لما لم يتبين له وجوه المعاني فيها»([55]).

وقد سعى في هذا الكتاب [أي التهذيب]، وكتاب الاستبصار، إلى العمل على التوفيق بين الروايات بمختلف الأساليب والطرق.

كما قام ابن قُتيبة من علماء أهل السنّة بذات الأمر، حيث عمد إلى تأليف كتاب «تأويل مختلف الحديث»؛ لمعالجة هذه المشكلة في الموسوعات الروائية السنّية([56]).

ج ـ آفة النقل بالمعنى ــــــ

يقوم كلّ كلام على الألفاظ والمعاني. فإذا تمّ نقل ألفاظ المتكلِّم بعينها كان النقل بـ «النصّ»، أو النقل النصّي؛ وأما إذا لم يحفظ الناقل كلام المتكلِّم بألفاظه، وعمد إلى رواية مضمون كلامه، كان النقل بـ «المعنى»، أو النقل المعنوي.

وقد تطرّّق النقل بالمعنى إلى عددٍ من آيات القرآن التي تروي العناصر الكلامية في القصص والأحداث والبلايا التي أصابت الأمم السابقة، من قبيل: كلام النبيّ إبراهيم×، والنمرود، أو كلام النبيّ موسى× وحواره مع فرعون. وإنّما كان النقل هنا بالمعنى بحكم تعريب كلامهم، وصبّ المفاهيم والمعاني المنشودة لهم في إطارٍ لغوي بليغ وفصيح([57]).

كما ذهب بعض المحدِّثين إلى القول بحصول هذه الظاهرة في الأحاديث القُدْسية أيضاً؛ إذ إن مضمون الكلام في هذا النوع من الأحاديث هو من الله، وأما الألفاظ فمن رسول الله‘.

ولكننا نخالف هذا الرأي، ونرى أن الأحاديث القدسية هي من عند الله، سواء في لفظها ومعناها، ولا فرق بينها وبين القرآن من هذه الجهة، إلاّ في عنصر الإعجاز والإتيان بمثله، حيث تفتقر إليه الأحاديثُ القدسية([58]).

وعليه فإن النقل بالمعنى مع الحفاظ على مضامين الألفاظ المنشودة للمتكلِّم لا يُعدّ في حدِّ ذاته مذموماً، بل لا مندوحة لنا منه في بعض الموارد، من قبيل: الترجمة.

والسؤال الجوهري هنا: حيث يُراد من ألفاظ وعبارات النصّ ـ كما هو الحال بالنسبة إلى الروايات بوصفها نصوصاً دينية ـ المؤلَّفة من الكلمات أن تُستَنْبَط منها المعاني والمفاهيم والمداليل الخاصّة، فهل يجوز للراوي أن يغيِّر ألفاظ المعصوم ويبيّن مراده بألفاظٍ من عنده، حيث لا يستطيع بالضرورة حفظ جميع كلمات المعصوم بنصّها؟

وبطبيعة الحال ليس هناك من شَكٍّ في أن اعتماد عددٍ من الرواة على النقل والضبط الشفهي لأقوال المعصومين، بَدَلاً من الاعتماد على الكتابة والتدوين، قد سمح لرواةٍ من أمثال: محمد بن مسلم، وداوود بن فرقد، وغيرهما، بالنقل بالمعنى، بشرط المحافظة على نقل المعاني الصحيحة المرادة للمعصوم. ولكنّ الرواة على كلّ حالٍ ليسوا سواسية في التضلُّع والإحاطة العلمية اللازمة لنقل أقوال المعصومين بشكلها الصحيح. وبالتالي فإنهم قد تدخَّلوا في عبارات المعصومين^، بحيث أخرجوها عن مسارها الصحيح.

ومن الأمثلة المعروفة في ذلك: ما رُوي عن الإمام الصادق× أنّه قال: «كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم قطرة بولٍ قرضوا لحومهم بالمقاريض…»، في حين أن أصل الرواية كالتالي: «كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم قطرة بولٍ قَطَعوه». فتصوّر الراوي أن الضمير في «قطعوه» يعود إلى موضع إصابة البول من الجِسْم، فنَقَله بالمعنى على نحو ما ذكر([59]).

من هنا، وعلى الرغم من تجويز النقل بالمعنى، فإنهم جعلوا النقل المعنوي للروايات من مهامّ المحدِّثين؛ بسبب ما ينطوي عليه هذا النوع من النقل من المحاذير، واعتبر النقل بالمعنى في الموسوعات الحديثية من أسباب الضعف([60]). كما يذهب بعض الباحثين من أهل السنّة إلى القول بأن من جملة أسباب ضعف صحيح البخاري تطرُّق النقل بالمعنى إلى الكثير من رواياته([61]).

ومن ناحيةٍ أخرى عندما ننظر في جزءٍ من الروايات الموجودة في الموسوعات الحديثية، ولا سيَّما عندما ينقل مضمون حديث واحد عن المعصوم بألفاظ مختلفة عن راوٍ واحد، ندرك أن النقل بالمعنى على نحوٍ نسبيّ كان شائعاً في الروايات([62]).

وبالالتفات إلى الحقيقة القائلة بأن الرواة بشكلٍ عام لم يكونوا قادرين على نقل جميع زوايا كلام المعصوم كيف يمكن الإصرار على أكثر الطرق شيوعاً في استنباط التعاليم الدينية من الروايات، بمعنى الاستناد إلى آحاد الألفاظ والعبارات (اللغة والصَّرْف) وطريقة تركيب الكلمات (النَّحْو)؟

إن الأسلوب الذي تمَّ اتّباعه في الاجتهاد على طريقة صاحب الجواهر، والذي يصرّ عليه فقهاء أمثال: الشيخ الأنصاري وتلاميذه، قد تعرَّض؛ بسبب آفة النقل بالمعنى، للنقد من قبل علماء كبار، أمثال: العلاّمة الشعراني([63]).

د ـ آفة التصحيف ــــــ

التصحيف من الصحيفة (المنبسط من كلّ شيء يصلح للكتابة)، بمعنى الخطأ في الصحيفة([64]). وهو الذي يحصل في نصوص الأحاديث من قِبَل الناقلين والرواة أو كُتّاب ونسّاخ الموسوعات الحديثية([65]).

وقد ذكروا للتصحيف العديد من الأسباب، من قبيل: ضعف الخطّ العربي في بدايته، وغفلة الرواة أو النُّسّاخ والكُتّاب، وعدم دقّتهم([66]).

والتصحيف يكون في الإسناد؛ ويكون في متن الأحاديث أيضاً([67]).

والتصحيف في نصوص ومتون الأحاديث على نوعين، وهما:

1ـ التصحيف الحاصل في نقل الرواية، من قبيل: الرواية القائلة: «مَنْ جدَّد قبراً أو مثَّل مثالاً فقد خرج من الإسلام»، حيث وقع الخلاف بين المحدِّثين في قراءة كلمة «حدَّد»؛ فقرأها بعضهم: «جدَّد»، بمعنى أعاد بناءه؛ وقرأها بعضهم: «حدَّد»، بمعنى تحديده وتسنيمه؛ وهناك مَنْ قال بأن الكلمة مأخوذة من «الجَدَث»([68]).

2ـ التصحيف عند كتابة الأحاديث، من قبيل: الرواية القائلة: «إنّ القرآن الذي جاء به جبرئيل× إلى محمد‘ سبعة عشر ألف آية». فإذا كان هذا الشكل من الرواية صحيحاً فإنّه يعني أن عدد آيات القرآن سبعة عشر ألف آية، في حين أن عدد الآيات الموجودة في القرآن لا تتجاوز سبعة آلاف آية. وبذلك سيكون هناك مجالٌ للشُّبْهة. في حين أن بعض المحدِّثين قد صرَّح بوقوع التصحيف في هذه الرواية، وأنّ لفظ «عشر»([69]) لم يرِدْ في النُّسَخ الأولى من الكافي([70]).

يحظى التصحيف في الأحاديث بأهمّيةٍ قصوى، بحيث عمد جمعٌ من المحدِّثين من أهل السنّة والشيعة إلى التعريف بالتصحيفات في الأحاديث، من قبيل:        تصحيفات المحدِّثين، للحسن بن عبد الله العسكري(382هـ)؛ والتصحيفات، للميرداماد(1041هـ). ويعتبر التصحيف في مصطلح علم الحديث من العلوم الضرورية لكلّ محدِّث. وقد ذهب ابن صلاح الشهرزوري(642هـ) إلى اعتبار معرفة تصحيف أسانيد ومتون الأحاديث فنّاً جليلاً، لا يضطلع به إلاّ الحُفَّاظ الحاذقين في ضبط الأحاديث([71]).

لا يخفى أن التصحيفات من النوع الثاني إنّما تأتي من قبل الكتّاب والنسّاخ، وانتقلت إلى الموسوعات الحديثية على نطاقٍ واسع. وبالرجوع إلى مختلف المصادر الروائية، مثل: وسائل الشيعة، أو حتّى نهج البلاغة المطبوع محقّقاً، مع بيان اختلاف النسخ والمخطوطات المختلفة، والإشارة في الهامش إلى اختلاف الكلمات؛ بسبب التصحيف، ندرك حجم اتّساع ظاهرة التصحيف في الروايات([72]).

وفي ظلّ الجهود المبذولة من قبل المحقِّقين ودعم المؤسّسات العلمية فقد تمّ ـ لحسن الحظّ ـ تشذيب الموسوعات الحديثية من هذه الآفة إلى حدٍّ كبير.

وعند أهل السنّة بذل بعض المحقِّقين، أمثال: الأستاذ فؤاد عبد الباقي، في ما يتعلّق بالكتب الستّة جهوداً كبيرة في هذا المجال. ومن الشيعة قدّم الأستاذ الغفاري والأستاذ البهبودي وآخرون من الباحثين خدماتٍ مشكورةً في هذا الحقل أيضاً. ولكن بالالتفات إلى سعة حجم المصادر الروائية، واهتمام أكثر المحقِّقين بالموسوعات الحديثية الأولى والأصلية، يعتبر الاهتمام بالتصحيف الواقع في الروايات ـ وخاصّة في مقام استنباط التعاليم الدينية ـ في غاية الأهمّية والتأثير؛ إذ قد يتكلَّف شخصٌ كثيراً، ويبني قواعده الفكرية على أساس ألفاظٍ خاصّة في حديث محدَّد، ليتّضح له بعد ذلك أنّ ما اعتمد عليه إنما هو مجرَّد تصحيف، وأن النصّ بصيغته الأصلية يختلف عن الصيغة التي اعتمدها لبناء منظومته الفكرية.

هـ ـ آفة اختلاف القراءات ــــــ

إن مرادنا من اختلاف القراءات ليس هو المصطلح الذي يذهب إليه بعض المستنيرين، حيث يقول بأن فهمنا للنصوص الدينية متعدّدٌ ومختلف، ويمكن لجميع هذه الأفهام والقراءات المتعدِّدة أن تكون صحيحةً. وإنما مرادنا من اختلاف القراءات هنا هو الاختلاف في قراءة الكلمات الواردة في الروايات من الناحية الصَّرْفية والنَّحْوية، وهي الظاهرة التي أدَّتْ إلى اختلاف القراءات في القرآن الكريم. وبعبارةٍ أوضح: يحتمل في قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (الفاتحة: 4) أن تُقرأ كلمة «مالك» على شكل «مَلِك»؛ وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: 28) يمكن قراءة لفظ الجلالة «الله» بالرفع أو النصب، ليختلف المعنى رأساً على عقب، ويتأرجح بين الكفر والإيمان([73]). ويمكن لهذه الظاهرة أن تحدث في الروايات على نطاقٍ أوسع، الأمر الذي يترك بتأثيره المباشر بشكلٍ عام على معانيها ومداليلها.

فعلى سبيل المثال: في الحديث القائل: «الصوم لي، وأنا أجزي به» إذا قرئت كلمة «أجزي» على هيئة المبني للمعلوم يكون المعنى أنّ الله يثيب الصائم على صيامه؛ وإذا قرئت بصيغة المبني للمجهول يكون المعنى أن الله هو جزاء الصوم.

ومن جهة أخرى فإن علامات الإعراب إنما وضعت في مرحلة متأخِّرة عن عصر تدوين الروايات في الموسوعات الحديثية، وليس الأمر بحيث يمكن نسبتها بأجمعها إلى المعصوم([74]). من هنا يتمّ التطرّق في الكتب التي تُعنى بشرح الأحاديث إلى كيفية إعراب الروايات، وبنيتها، وتركيبتها النحوية والصرفية، والآراء المختلفة الواردة في هذا الشأن.

ومهما كان فإن جانباً من الاستنباطات القائمة على الروايات تعتمد بشكلٍ جوهري على كيفية ألفاظها، وطريقة قراءتها. وحيث إن القراءات والإعراب الوارد في الموسوعات الحديثية لا ينتمي إلى المعصوم يبقى طريق توظيف هذه الروايات يواجه بعض التعقيدات الخاصّة. وفي موارد احتمال الاختلاف في قراءة روايةٍ ما يجب الرجوع إلى القرائن الداخلية، من قبيل: السياق؛ أو القرائن الخارجية؛ لترجيح قراءة على غيرها من القراءات الأخرى.

3ـ الآفات السَّنَدية ــــــ

يُجمع المحدِّثون على أن كلّ روايةٍ تشتمل على: مَتْنٍ؛ وسَنَد. والسَّنَد إنما يلعب دور الجسر الذي يربط بيننا وبين المتن والنصّ الصادر عن المعصوم، بمعنى أننا نستطيع من خلال السَّنَد إثبات صدور الحديث عن المعصوم أو عدم صدوره. كما يساعد السند عند أهل السنّة على إمكان إثبات صدور الحديث عن الصحابة والتابعين أو عدم صدوره عنهم. وعلى أيّ حالٍ يمكن من خلال سَنَد الحديث إثبات وَحْيانيته، والعمل على استنباط التعاليم الدينية من خلاله.

وقد التفت المحدِّثون والرواة إلى هذه الحقيقة، بمساعدة المعصومين، منذ البداية([75])، ولذلك تمّ نقل جميع الروايات مسندةً، سواء بالأسانيد الصحيحة أو الضعيفة. وعليه لا يمكن الشكّ في أهمّية الأسانيد.

والسؤال المطروح هنا: هل بذل الذين صنَّفوا الموسوعات الحديثية الاهتمام اللازم من أجل نقل الأسانيد بشكلٍ صحيح أم لا؟

يجب الاعتراف بأن هذا الأمر قد تحقَّق على مستوىً كبير، ويستحق التقدير، بَيْدَ أن بعض الموسوعات الحديثية لم تُراعِ الدقّة اللازمة في نقل الأسانيد، الأمر الذي ترتّب عليه بعض الآفات والنواقص السندية. ونشير في ما يلي إلى أهمّها:

أـ اشتمال السند على الضعفاء أو المتَّهمين بالوضع والغلوّ ــــــ

إن من أشهر الانتقادات الواردة على أسانيد الروايات في الموسوعات الحديثية أنّ مؤلِّفي هذه الموسوعات الحديثية، على الرغم من قطعهم وَعْداً على أنفسهم بذكر الروايات الصحيحة فقط، لم يلتزموا بهذا الوعد، فأقحموا في موسوعاتهم بعض الروايات ذات الأسانيد المشتملة على الرواة المتَّهمين بالكذب والاختلاق والغلوّ وما إلى ذلك.

ومن ذلك: ما قاله ابن حَجَر بشأن صحيح البخاري، وهو من أكثر الموسوعات الحديثية اعتباراً بين أهل السنّة [حتّى كان عندهم أصحّ الكتب بعد القرآن الكريم]([76]): «وقد انتقده الحفّاظ في عشرة ومئة حديث… والذين انفرد البخاري بالإخراج لهم دون مسلم أربعمئة وبضعة وثلاثون رجلاً، المتكلّم فيه بالضعف منهم ثمانون رجلاً»([77]).

كما نجد مثل هذه الانتقادات ـ وإنْ على مستوى أقلّ ـ توجّه إلى الكتب الروائية الشيعيّة أيضاً([78]).

ب ـ الصعود والأفول في ذكر أسانيد الروايات ــــــ

تعاني بعض الموسوعات الحديثية من عدم ذكر الأسانيد بشكلٍ كامل، حيث تطرَّقَتْ إليها بعض الظواهر والآفات، من قبيل: تعليق الإسناد (حذف بعض الرواة، أو الاكتفاء بذكر الراوي المباشر للمعصوم). وهو ما نراه عند الشيخ الصدوق في مَنْ لا يحضره الفقيه، والشيخ الطوسي في تهذيب الأحكام. ولجبران هذه الظاهرة عمدوا إلى أسلوب ذكر المشيخة. وعلى الرغم من كون هذا الأمر نافعاً في التخلُّص من تكرار الأسانيد، الأمر الذي يختصر الوقت، ويساعد في تقليص حجم هذا النوع من الكتب، إلاّ أنّه من ناحيةٍ أخرى جعل العثور على الحلقات المفقودة في الأسانيد ضمن المشيخة أمراً في غاية التعقيد. كما لم يذكر الشيخ الصدوق جميع الحلقات المفقود ـ سَهْواً أو غفلة ـ، وكان من نتيجة ذلك أن قيل: إن ما يربو على ألفَيْ رواية من روايات هذا الكتاب يعاني من آفة الإرسال. وقد قام منهج الشيخ الصدوق أحياناً على الاكتفاء بعبارة «رُوي»، وبذلك فإنه لا يقتصر على عدم ذكر آخر رواة الحديث، بل يغفل حتّى ذكر اسم ناقل الحديث عن المعصوم. وعليه هل يمكن الاكتفاء في مثل هذه الموارد بتصريح الشيخ في بداية الكتاب بأنه لا يذكر غير الروايات الصحيحة؟

من الواضح أن الجواب عن هذا السؤال هو بالنفي؛ إذ كما قال بعض كبار العلماء: لسنا نشكّ في صدق الشيخ الصدوق في ادّعائه هذا، وأنّ دافعه من وراء تأليفه لهذه الموسوعات الحديثية هو الاقتصار على ذكر الأحاديث والروايات الصحيحة عنده، ولكنْ هل يمكن القول بعصمة الشيخ الصدوق في تحديد ما هو الصحيح من الروايات؟ وبعبارةٍ أخرى: ليس الشيخ الصدوق سوى مجتهدٍ من المجتهدين([79])، [وما يصحّ عنده قد لا يصحّ عند غيره، أو قد يصحّ عند غيره ما لم يصحّ عنده]([80]). وعليه كان يجب عليه أن يذكر كامل الأسانيد؛ كي يعمل كلّ مجتهدٍ على الحكم بصحتها أو سقمها، طبقاً لمتبنّياته ومعاييره الخاصة في تعديل أو جرح الرواة، وتصحيح أو رفض الأحاديث والروايات.

ج ـ عدم الدقّة في ضبط أسماء الرواة ــــــ

ومن الآفات التي تعاني منها أسانيد الروايات عدمُ الدقّة، وعدمُ وجود ضابطة خاصّة في ذكر أسماء الرواة. فإنّ لكلّ راوٍ اسماً كاملاً، واسماً معروفاً ومشتهراً بين الناس، ولَقَباً وكُنْية. ومن ناحيةٍ أخرى هناك الكثير من الرواة الذين يشتركون في الاسم واللقب أو الكنية. من هنا فإن أدنى غَفْلةٍ عن الضَّبْط الكامل والدقيق لأسماء الرواة سوف يجعل المتلقّي عاجزاً عن التمييز بين الثقة وغير الثقة منهم.

وقد وقع هذا التسامح وعدم الدقّة في ذكر اسم الرواة في الموسوعات الحديثية، بحيث يتمّ أحياناً ذكر اسم الراوي بشكلٍ ناقص، أو يتمّ الاكتفاء بذكر اسمه في موضعٍ بينما يُكتفى في موضعٍ آخر بذكر لقبه أو كنيته، أو يتم الخَلْط بين اسمه واسم أبيه.

وفي الموارد التي يشترك فيها الرواة في الأسماء لم يتمّ تقديم القرائن التي تميِّز بين هؤلاء الرواة.

وقد أدّت هذه الصعوبات في الموسوعات الروائية إلى حدوث ثلاث ظواهر، وهي:

1ـ ظهرت في علم الحديث مصطلحات خاصّة من قبيل: المؤتلف والمختلف، وتمييز المشتركات، وما إلى ذلك، أي إنّه، بالإضافة إلى ظهور مصطلحات خاصّة، تمّ التأكيد على إحاطة المحدِّثين بهذا النوع من العلوم أيضاً.

2ـ عمد عددٌ من المحدِّثين إلى القيام ببعض الدراسات المستقلّة؛ لحلّ هذه النواقص في الموسوعات الحديثية، من قبيل: تمييز المشتركات.

3ـ نشاهد في الكتب الرجالية، إلى جانب الأبحاث في مذاهب وأخلاق الرواة، جهوداً لضبط أسماء الرواة بشكلٍ صحيح، وفصل الرواة المشتركة أسماؤهم عن بعضهم، وما إلى ذلك. وهي جهودٌ تستحقّ الثناء والتقدير([81]).

الهوامش

(*) باحثٌ في العلوم القرآنيّة والحديثيّة.

([1]) لقد استعمل مصطلح السنّة في بعض الروايات المأثورة عن النبيّ‘، من قبيل: «مَنْ تمسّك بسنّتي في اختلاف أمّتي كان له أجر مئة شهيد». (المحاسن 1: 27)؛ و«…فمَنْ أحبّ فطرتي فليستنّ بسنتي، ومن سنّتي النكاح». (الكافي 5: 494)؛ و«يَا عَلِيُّ، أُوصِيكَ فِي نَفْسِكَ بِخِصَالٍ، فَاحْفَظْهَا عَنِّي: …وَالسَّادِسَةُ: الأَخْذُ بِسُنَّتِي فِي صَلاتِي وَصَوْمِي وَصَدَقَتِي…». (المصدر السابق 8: 79).

([2]) لمزيدٍ من التفصيل انظر: الموافقات: 672؛ قوانين الأصول: 409؛ مقباس الهداية 1: 69؛ نهاية الدراية: 85؛ رابطه متقابل كتاب وسنّت (مصدر فارسي): 53 ـ 54. وقد عرف الشاطبي السنّة قائلاً: «يُطلق لفظ السنّة على ما جاء منقولاً عن النبيّ على الخصوص». وفي النهاية جاء في تعريف السنّة: «هي قول المعصوم وفعله وتقريره، غير قرآن، ولا عادي».

([3]) ومن هؤلاء: ابن حجر العسقلاني، والحاكم النيسابوري، والشاطبي. (انظر: فتح الباري 9: 164، 258؛ الموافقات: 672 ـ 673).

([4]) ومن هنا جاء قيد «العِصْمة» في تعاريف علماء الشيعة للسنّة. فقد عرّف المامقاني السنّة ـ على سبيل المثال ـ قائلاً: «قول مَنْ لا يجوز عليه الكذب والخطأ، وفعله، أو تقريره». (مقباس الهداية 1: 69).

([5]) جاء في بعض فقرات الزيارة الجامعة الكبيرة: «السلام على… معادن حكمة الله، وحَفَظة سرّ الله، وحَمَلة كتاب الله…». (انظر: مفاتيح الجنان: 899).

([6]) نهج البلاغة، الخطبة رقم: 3 (الخطبة الشقشقية).

([7]) المصدر السابق، الحكمة رقم: 147.

([8]) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار 1: 224.

([9]) محمد بن يعقوب الكليني، الكافي 1: 23.

([10]) الجبّان كالجبّانة: المقبرة.

([11]) نهج البلاغة.

([12]) المصدر السابق، الخطبة رقم: 189.

([13]) عن الأصبغ بن نباتة، قال: بينا أمير المؤمنين يخطب الناس، وهو يقول: سلوني قبل أن تفقدوني، فواللهِ لا تسألوني عن شيءٍ مضى، ولا عن شيءٍ يكون، إلاّ نبّأتكم به، فقام إليه سعد بن أبي وقّاص، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني كم في رأسي ولحيتي من شعر؟ (انظر: مدينة المعاجز 2: 172).

([14]) انظر: التبيان 10: 3، إذ يقول: «والأمّي منسوب إلى أنه ولد من أمّة لا تحسن الكتابة»؛ والميزان 19: 264، إذ يقول: «الأمّيون جمع أمّي، وهو الذي لا يقرأ ولا يكتب، والمراد بهم ـ كما قيل ـ العرب؛ لقلة مَنْ كان منهم يقرأ ويكتب».

([15]) انظر: الطبقات الكبرى 2: 22؛ حديث شناسي (مصدر فارسي) 1: 59 ـ 60 (مبحث مكانة التعليم والتعلّم في الإسلام).

([16]) لمزيدٍ من الاطلاع انظر: تدوين السنّة الشريفة: 88 فما بعد؛ حديث شناسي (مصدر فارسي) 1: 63 ـ 68. فعلى سبيل المثال: رُوي عن الإمام الصادق× أنّه قال: «اكتبوا؛ فإنكم لا تحفظون حتّى تكتبوا». (الكافي 1: 66).

([17]) الكافي 1: 49؛ وسائل الشيعة 18: 72.

([18]) الشيخ البهائي، الأربعون: 7.

([19]) انظر: الكافي 1: 57: 238، باب ذكر الصحيفة والجَفْر والجامعة؛ وسائل الشيعة 1: 6 ـ 8؛ تأسيس الشيعة: 280 ـ 285.

([20]) وقد ورد ذكر الجملة المعروفة عن الخليفة الثاني: «أَقِلّوا الرواية عن رسول الله ما يعمل به» في الكثير من المصادر.

([21]) لقد روى موضوع المنع من تدوين الحديث، وحتّى روايته، ـ بالإضافة إلى علماء الشيعة ـ عموم العلماء من أهل السنّة أيضاً، وإنْ أردفوا ذلك ببعض التبريرات، إلاّ أنهم لم ينكروا أصل المنع. وللمزيد من التفصيل انظر: تدوين السنة الشريفة، للسيد الحسيني الجلالي؛ منع تدوين الحديث، للسيد علي الشهرستاني.

([22]) لمزيدٍ من الاطلاع بشأن الأصول الأربعمائة انظر: كتاب «الأصول الأربعمائة»، للشيخ أسعد كاشف الغطاء.

([23]) محمد بن يعقوب الكليني، الكافي 1: 10.

([24]) انظر: سير أعلام النبلاء 12: 401؛ فتح الباري 1: 5 (المقدّمة).

([25]) انظر: تاريخ بغداد 13: 102؛ البداية والنهاية 11: 40.

([26]) انظر: أعيان الشيعة 9: 159؛ الخلاف 1: 8 ـ 9. وقد قال المقدمي، وهو من المحقِّقين في هذا الشأن: «ولكنْ ما أصاب الشيعة من نكبات ومصائب وضغوط من قبل الولاة أدّى إلى هجرة كثير من أصحاب الأصول، مع إخفاء مؤلفات كثيرة، مع إصابة بعض مكتبات الشيعة بالحَرْق والتمزيق أو إلقائها في الماء. وأوّل تَلَفٍ وقع فيها ـ الأصول الأربعمائة ـ إحراق ما كان موجوداً في مكتبة سابور بكَرْخ بغداد…». (الأصول الأربعمائة: 10).

([27]) انظر: محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار 1: 4؛ محسن الأمين، أعيان الشيعة 9: 183.

([28]) لمزيدٍ من التفصيل انظر: تخريج الحديث الشريف: 28 ـ 36.

([29]) لمزيدٍ من الاطلاع في هذا الشأن انظر: حديث شناسي (مصدر فارسي) 1: 231 ـ 236 (بحث روايات الكتب الأربعة من وجهة نظر الأخباريين والأصوليين)؛ مصادر الاستنباط بين الأصوليين والأخباريين: 111 ـ 119.

([30]) انظر: أصول الحديث: 327؛ حديث شناسي (مصدر فارسي) 1: 152.

([31]) قال النووي، شارح كتاب صحيح مسلم: «اتفق العلماء ـ رحمهم الله ـ على أن أصحّ الكتب بعد القرآن العزيز صحيحا البخاري ومسلم، وتلقَّتهما الأمّة بالقبول». (المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجّاج 1: 14).

([32]) لقد أثنيت على ما قام به الكليني في تبويب مباحث وأجزاء الكتاب بوصفه واحداً من إيجابيات كتابه «الكافي»؛ لأنه في الحقيقة أوّل محدِّث يُصنّف كتاباً جامعاً روائياً للشيعة، مقبولاً من حيث تنظيم أبوابه، دون أن يكون هناك مَنْ سبقه إلى ذلك. ومع ذلك لا يسعنا أن نغضّ الطرف عن بعض نقاط الضعف في هذا الشأن. ولمزيدٍ من التفصيل انظر: حديث شناسي (مصدر فارسي) 1: 211 ـ 212.

([33]) انظر: الوافي 1: 19 ـ 20.

([34]) لقد اعتمدنا في هذا الإحصاء على تحقيق الأستاذ فؤاد عبد الباقي لصحيح البخاري. انظر: حديث شناسي (مصدر فارسي) 1: 137.

([35]) لا يخفى أن الإمام الباقر× لا يصنَّف في عداد الصحابة، وإنّما هو عندهم من التابعين. (المعرِّب).

([36]) هناك حتّى الآن منجزان قيِّمان في موضوع المشتركات: الأول: ما قام به الإمام السيّد شرف الدين العاملي في كتاب المراجعات، حيث عدد مئة راوٍ من رواة الشيعة المنقولة رواياتهم في أسانيد أهل السنّة. (انظر: المراجعات: 50 ـ 106)؛ والثاني: كتاب «راويان مشترك» (مصدر فارسي)، في مجلّدين، من إنجاز مجموعة من المحقِّقين في مؤسّسة أبحاث التاريخ وسيرة أهل البيت^، التابعة لمنظمة الإعلام الإسلامي في قم المقدّسة. وبطبيعة الحال لا يزال هناك متَّسعٌ لمثل هذه الأعمال العلمية؛ لتبحث على نطاق واسع.

([37]) لمزيدٍ من الاطلاع انظر: مقباس الهداية 1: 168؛ البداية في علم الرواية: 23.

([38]) انظر ـ على سبيل المثال ـ: تهذيب الكمال 1: 323، حيث ذهب إلى تضعيف سليمان المحاربي؛ لكونه رافضياً، كما ضعّف سعيد بن الحكم؛ لذات السبب. (انظر: المصدر نفسه 10: 391؛ وانظر أيضاً: المصدر نفسه 15: 242؛ 18: 282).

([39]) لأهمية كلام العلامة المجلسي في هذا المجال نذكره فيما يلي نصّاً، حيث يقول: «وأما كتب المخالفين فقد نرجع إليها لتصحيح ألفاظ الخبر، وتعيين معانيه، مثل: كتب اللغة، كصحاح الجوهري، وقاموس الفيروزآبادي، ونهاية الجزري، والمغرب والمعرب للمطرزي، ومفردات الراغب الإصبهاني ومحاضراته، والمصباح المنير لأحمد بن محمد المقري، ومجمع البحار لبعض علماء الهند، ومجمل اللغة، والمقاييس، لابن فارس، والجمهرة لابن دريد، وأساس البلاغة للزمخشري، والفائق، ومستقصي الأمثال، وربيع الأبرار، له أيضاً، والغريبين، وغريب القرآن، ومجمع الأمثال، للميداني، وتهذيب اللغة للأزهري، وكتاب شمس العلوم؛ وشروح أخبارهم، كشرح الطيبي على المشكاة، وفتح الباري شرح البخاري لابن حجر، وشرح القسطلاني، وشرح الكرماني، وشرح الزركشي، وشرح المقاصد عليه، والمنهاج، وشرحي النووي والآبي على صحيح مسلم، وناظر عين الغريبين، والمفاتيح شرح المصابيح، وشرح الشفاء، وشرح السنّة، للحسين بن مسعود الفراء. وقد نورد من كتب أخبارهم للردّ عليهم، أو لبيان مورد التقيّة، أو لتأييد ما رُوي من طريقنا، مثل ما نقلناه عن صحاحهم الستّة، وجامع الأصول لابن الأثير، وكتاب الشفاء للقاضي عياض، وكتاب المنتقى في مولد المصطفى للكازروني، وكامل التواريخ لابن الأثير، وكتاب الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي». (بحار الأنوار 1: 24 ـ 25). ويتّضح من هذا الكلام الحجم الكبير من كتب أهل السنة التي اعتمدها العلاّمة المجلسي بشكلٍ كامل.

([40]) على سبيل المثال: ما قاله الإمام الرضا× لأبي قرّة، في نقد الروايات الدالّة على الرؤية: «إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذبتها، وما أجمع المسلمون عليه…». وهذا يعني أن الإمام يرى عدم حجّية الروايات المخالفة لإجماع المسلمين. والمفهوم المخالف لذلك حجيّة الروايات الموافقة لإجماع المسلمين إنْ وجد. (انظر: الكافي 1: 96).

([41]) انظر على سبيل المثال: صحيح البخاري، باب صفة النبيّ‘: 632 ـ 647.

([42]) لمزيدٍ من التفصيل انظر: رسالة التوحيد: 47؛ التفسير والمفسِّرون 1: 158؛ علوم الحديث ومصطلحه: 276. فقد ذهب عموم أصحاب هذه المؤلَّفات إلى القول بأن بداية وضع الحديث والاختلاق تعود إلى العام الحادي والأربعين بعد الهجرة.

([43]) ذهب علماء الشيعة وبعض العلماء من أهل السنّة إلى القول بأن بداية وضع الحديث تعود إلى عصر النبيّ الأكرم‘، مستندين في ذلك إلى قول النبيّ‘: «كثرت عليَّ الكذّابة، وستكثر»، (الكافي 2: 62)؛ وما رُوي عن الإمام علي× في نهج البلاغة، وبعض الشواهد التاريخية أيضاً، (انظر: أخبار وآثار ساختگي (مصدر فارسي): 117 ـ 120؛ نقد المتن بين صناعة المحدِّثين ومطاعن المستشرقين: 12 ـ 14).

([44]) ما بين المعقوفتين إضافة توضيحية من عندنا. (المعرّب).

([45]) انظر: ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة 11: 41 ـ 44، حيث روى هذا المرسوم نقلاً عن أبي الحسن المدائني.

([46]) ذكر ابن الجوزي هذه الأسباب والعناصر في مقدّمة كتاب «الموضوعات».

([47]) لمزيد من التفصيل انظر: محمود أبو رية، أضواء على السنّة المحمدية: 344 ـ 347؛ سند نويسي (مصدر فارسي): 334 ـ 335.

([48]) وقد تعرَّضنا لنقد بحار الأنوار ومستدرك الوسائل، وبحث هذه الانتقادات، في كتابنا «آشنائي با جوامع حديثي شيعه وأهل سنّت» (مصدر فارسي). وقد طبع هذا الكتاب من قبل المركز العالمي للعلوم الإسلامية.

([49]) انظر: اهتمام المحدِّثين بنقد الحديث سَنَداً ومَتْناً: 471.

([50]) انظر: الكافي 1: 211. ومن المناسب هنا أن نذكر مثالاً واحداً لهذا النَّوع من الروايات: «كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ الله×، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ الله عَزَّ وَجَلَّ، فَأَخْبَرَهُ بِهَا، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ دَاخِلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ تِلْكَ الآيَةِ، فَأَخْبَرَهُ بِخِلافِ مَا أَخْبَرَ بِهِ الأَوَّلَ! فَدَخَلَنِي مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ الله، حَتَّى كَأَنَّ قَلْبِي يُشْرَحُ بِالسَّكَاكِينِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: تَرَكْتُ أَبَا قَتَادَةَ بِالشَّامِ لا يُخْطِئُ فِي الْوَاوِ وَشِبْهِهِ، وَجِئْتُ إِلَى هَذَا يُخْطِئُ هَذَا الْخَطَأَ كُلَّهُ، فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ آخَرُ فَسَأَلَهُ عَنْ تِلْكَ الآيَةِ، فَأَخْبَرَهُ بِخِلافِ مَا أَخْبَرَنِي وَأَخْبَرَ صَاحِبَيَّ، فَسَكَنَتْ نَفْسِي، فَعَلِمْتُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ تَقِيَّةٌ. قَالَ: ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ، فَقَالَ لِي: يَا بْنَ أَشْيَمَ، إِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ فَوَّضَ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُودَ فَقَالَ: ﴿هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾، وَفَوَّضَ إِلَى نَبِيِّهِ‘ فَقَالَ: ﴿مَا آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، فَمَا فَوَّضَ إِلَى رَسُولِ الله‘ فَقَدْ فَوَّضَهُ إِلَيْنَا». (انظر: المصدر السابق: 266).

([51]) المصدر السابق 2: 218.

([52]) الكافي 1: 53.

([53]) نهج البلاغة، الخطبة رقم: 210.

([54]) الكليني، الكافي 1: 8.

([55]) الطوسي، تهذيب الأحكام 1: 2 ـ 3.

([56]) انظر: ابن قتيبة الدينوري، حيث قال في مقدّمة كتابه: «فَإِنَّكَ كَتَبْتَ إِلَيَّ تُعْلِمُنِي مَا وَقَفْتَ عَلَيْهِ مِنْ ثَلْبِ أَهْلِ الْكَلامِ أَهْلَ الْحَدِيثِ وَامْتِهَانِهِمْ، وَإِسْهَابِهِمْ فِي الْكُتُبِ بِذَمِّهِمْ وَرَمْيِهِمْ بِحَمْلِ الْكَذِبِ وَرِوَايَةِ الْمُتَنَاقِضِ، حَتَّى وَقَعَ الاخْتِلافُ، وَكَثُرَتِ النِّحَلُ، وَتَقَطَّعَتِ الْعِصَمُ، وَتَعَادَى الْمُسْلِمُونَ، وَأَكْفَرَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، وَتَعَلَّقَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ لِمَذْهَبِهِ بِجِنْسٍ مِنَ الْحَدِيثِ. وَالْمُرْجِئُ يَحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِمْ: «مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلاَّ الله فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، قِيلَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ»، وَ«مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلاَّ الله ـ مُخْلِصًا ـ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَلَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ»، وَ«أَعْدَدْتُ شَفَاعَتِي لأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي». وَالْمُخَالِفُ لَهُ يَحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِمْ: «لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِق وَهُوَ مُؤمنٌ»، وَ«لَمْ يُؤْمِنْ مَنْ لَمْ يَأْمَنْ جَارُهُ بَوَائِقَهُ»، وَ«لَمْ يُؤْمِنْ مَنْ لَمْ يَأْمَنِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ». وَالْقَدَرِيُّ يَحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِمْ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَّى يَكُونَ أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ»، وَبِأَنَّ الله تَعَالَى قَالَ: «خَلَقْتُ عِبَادِي جَمِيعاً حُنَفَاءَ، فَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ دِينِهِمْ». وَالْمُفَوِّضُ يَحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِمْ: «اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ. أما مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَهُوَ يَعْمَلُ لِلسَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيَعْمَلُ لِلشَّقَاءِ»، وَ«إِنَّ الله تَعَالَى مَسَحَ ظَهْرَ آدَمَ فَقَبَضَ قَبْضَتَيْنِ، فَأَمَّا الْقَبْضَةُ الْيُمْنَى فَقَالَ: إِلَى الْجَنَّةِ برحمتي، والقبضة الأُخْرَى فَقَالَ: إِلَى النَّارِ وَلا أُبَالِي»، و«السعيد مَنْ سَعِدَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَالشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ». هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ». (تأويل مختلف الحديث: 11 ـ 12).

([57]) جاء هذا الاستدلال في كلام بعض الباحثين. (انظر على سبيل المثال: الجامع لأحكام القرآن الكريم 1: 412 ـ 413).

([58]) انظر: درسنامه علم حديث (مصدر فارسي): 26 ـ 27.

([59]) جاء في هامش مَنْ لا يحضره الفقيه: «ويحتمل كون أصل الخبر، كما في تفسير عليّ بن إبراهيم، هكذا: «إنّ الرجل ـ من بني إسرائيل ـ إذا أصاب شيءٌ من بدنه البول قطعوه»، والضمير راجعٌ إلى الرجل، يعني أن بني إسرائيل تركوه واعتزلوا عنه ولم يعاشروه، لكنّ الظاهر أن بعض الرواة زعم أن الضمير راجع إلى البول، أو البَدَن، ونقله بالمعنى على مزعمته، فصار ذلك سبباً لوقوع الباحث في الوحل، ولا يدري ما المراد بقرض اللحم». (مَنْ لا يحضره الفقيه 1: 10 (الهامش)).

وقد وردت في الكافي روايات في هذا الشأن، ومنها:

1ـ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ الله×: أَسْمَعُ الْحَدِيثَ مِنْكَ فَأَزِيدُ وَأَنْقُصُ. قَالَ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ مَعَانِيَهُ فَلا بَأْسَ.

2ـ عَنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنِ ابْنِ سِنَانٍ، عَنْ دَاوُودَ بْنِ فَرْقَدٍ، قَالَ: قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللهِ×: إِنِّي أَسْمَعُ الْكَلامَ مِنْكَ فَأُرِيدُ أَنْ أَرْوِيَهُ كَمَا سَمِعْتُهُ مِنْكَ فَلا يَجِيء، قَالَ: فَتَعَمَّدُ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: لا، فَقَالَ: تُرِيدُ الْمَعَانِيَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَلا بَأْسَ.

([60]) انظر: مقباس الهداية 3: 245 ـ 246؛ تدوين السنة الشريفة: 516 ـ 518.

([61]) لمزيدٍ من التفصيل، انظر: تدوين السنة الشريفة: 508 ـ 516؛ أضواء على السنّة المحمدية: 315؛ حديث شناسي (مصدر فارسي) 1: 140 ـ 141.

([62]) انظر ـ على سبيل المثال ـ: تهذيب الأحكام 4: 73.

([63]) يجدر بنا هنا أن ننقل كلام العلاّمة الشعراني في هذا الشأن، إذ يقول: «نعلم يقيناً أنهم روَوْا الأحاديث بالمعنى. ونعلم أيضاً أن الناس لا يقدرون على حفظ هذه الدقائق، بل لا يتفطَّنون لها حتّى يحفظوها. فما هو شائع بين بعض فقهائنا المتأخِّرين ـ خصوصاً بين مَنْ تأخَّر عن الشيخ المحقِّق الأنصاري ـ من استنباط الأحكام من هذه الدقائق المستنبطة من ألفاظ الروايات بتدقيقاتهم غير مبتنٍ على أساسٍ متين، خصوصاً ما يدّعونه من الظنّ الاطمئناني بصدور هذه الروايات، وأنها حجّةٌ لا تعبُّداً بآية النبأ وأمثالها، بل لحصول الاطمئنان، وإنّ الاطمئنان علمٌ عُرْفاً. والحقّ أنهم إن ادّعوا حصول الاطمئنان بصدور هذه الألفاظ المروية بخصوصياتها، كما يحتجّون بها في الفقه، فنحن نعلم يقيناً عدم صدورها كذلك، ولا حفظ خصوصياتها في إبدالها أيضاً، وليس صدورها وَهْماً، فضلاً عن الاطمئنان؛ وإنْ أرادوا الاطمئنان بصدور أصل المعنى، ومفاده إجمالاً، فيأتي كلامُنا فيه». (شرح أصول الكافي 2: 214).

([64]) ابن منظور الأفريقي، لسان العرب 4: 17، دار صادر، ط1، بيروت، 1997م.

([65]) لمزيدٍ من الاطلاع على التعريف الاصطلاحي للتصحيف انظر: مختصر مقباس الهداية: 42؛ أصول الحديث وأحكامه: 77.

([66]) لمزيدٍ من التفصيل انظر: دانشنامه جهان إسلام (مصدر فارسي) 7: 353 ـ 356.

([67]) انظر: مَنْ لا يحضره الفقيه 1: 189.

([68]) انظر: المصدر السابق: 190؛ تهذيب الأحكام 1: 459 ـ 460.

([69]) لا يخفى أن هذا ليس من التصحيف، بل هو من التحريف بالزيادة. (المعرّب).

([70]) لمزيدٍ من التفصيل انظر: صيانة القرآن من التحريف.

([71]) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: 383؛ وانظر أيضاً: معرفة علوم الحديث: 433 ـ 449.

([72]) تشتمل طبعة نهج البلاغة التي تمّ إعدادها من قبل الشيخ الدشتي على فهرسة بالكلمات التي طالها التصحيف في مختلف مخطوطات نهج البلاغة.

([73]) انظر: أبو القاسم الخوئي، البيان في تفسير القرآن: 167.

([74]) من ذلك: قيل ـ على سبيل المثال ـ: إنّ عملية إعراب نصّ الكافي إنما قام بها سماحة العلاّمة حسن زادة الآملي. (انظر: المعجم المفهرس لألفاظ أحاديث بحار الأنوار 1: 65 (المقدّمة)).

([75]) يعدّ ذكر أسانيد الروايات من مختصّات المسلمين، فلا ترى لهذه الظاهرة مثيلاً في سائر الأمم والديانات الأخرى. ولا شَكَّ أنّ هذا لم يحدث إلاّ بتوجيهٍ من النبيّ وأهل البيت؛ فقد رُوي عن النبي الأكرم‘ أنه قال: «إذا كتبتم الحديث فاكتبوه بأسناده…». (الجامع الصغير 1: 129)؛ وروي عن أمير المؤمنين× أنه قال: «إذا حدثتم بحديثٍ فأسندوه إلى الذي حدَّثكم، فإنْ كان حقّاً فلكم، وإنْ كان كَذِباً فعليه». (الكافي 1: 52؛ وسائل الشيعة 27: 81).

([76]) ما بين المعقوفتين إضافة توضيحية من عندنا. (المعرّب).

([77]) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 1: 81، نقلاً عن: محمود أبو ريّة، أضواء على السنة المحمدية: 302، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، الطبعة الخامسة، بيروت.

([78]) انظر: علم الحديث: 283 ـ 291؛ پژوهشي در تاريخ شيعه (مصدر فارسي): 485؛ الوافي 1: 6 ـ 7؛ المعجم المفهرس لألفاظ أحاديث بحار الأنوار 1: 68 (المقدّمة).

([79]) انظر: معجم رجال الحديث 1: 33 (المقدّمة).

([80]) ما بين المعقوفتين إضافة توضيحية من عندنا. (المعرّب).

([81]) انظر: حديث شناسي (مصدر فارسي) 2: 194 ـ 195.

لقد أشار عموم الرجاليين المتأخِّرين في مقدمات كتبهم الرجالية إلى أن من الدوافع التي دَعَتْهم إلى تدوين كتبهم هو إصلاح الأخطاء الواقعة في ضبط الأسماء. (انظر ـ على سبيل المثال ـ: جامع الرواة 1: 4 ـ 5).