قاعدة بسيط الحقيقة

11 فبراير 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
2٬203 زيارة

قاعدة بسيط الحقيقة

شرح المفهوم والأسس الفلسفيّة

الشيخ محسن القمّي(*)

ترجمة: الشيخ فضيل الجزائري

1ـ مقدّمة ــــــ

يعدّ البحث عن صفات الله تعالى أهمّ مسائل الإلهيات بالمعنى الأخصّ([1])، بعد مسألة إثبات وجود الحقّ تعالى. وإذا استثنينا المدرسة التي تبنَّتْ (التعطيل) في صفات الحق تعالى، ونفَتْ أن يكون للعقل الإنساني القدرة على الخوض في هاته الأبحاث، نجد العلماء الإسلاميين يعتقدون أنّ (العقل)، الذي يمثِّل (موهبة إلهية) و(قَبَساً سماوياً)، يقدر على الولوج إلى (عالَم الملكوت)، ويحيط بما ينطوي عليه هذا العالم العظيم من جمالٍ وبهاء، من دون أن يسقط في حبال (التشبيه). ونجد أيضاً (الفطرة الإنسانية) تتمتّع إلى حدٍّ ما بهذه النعمة أيضاً، أي نعمة الاتصال بـ (الحقيقة المطلقة) و(الكمال اللانهائي).

 والطرق المتَّبعة للوصول إلى هذا الهدف متنوِّعة ومتعدّدة؛ فهناك مَنْ اتّبع طريقة تتمثَّل في معالجة كل صفة على حدةٍ، وإقامة البرهان عليها؛ وثمّة مَنْ ارتكز على برهان يثبّت به المسألة بطريقةٍ كلّية، ثم يتناول بالتحقيق مصاديق المسألة وصغرياتها. وأشهر الأدلة التي أقيمت في هذا الحقل المعرفي (الإلهيات) عبارة عن: أـ (برهان الفطرة)؛ ب ـ (برهان العلة الفاعلية)؛ ج ـ (برهان العلة الغائية)؛ د ـ (برهان الذات المطلقة)؛ هـ ـ (برهان بسيط الحقيقة).

2ـ قاعدة بسيط الحقيقة ــــــ

يتشكّل التدليل على أنّ «واجب الوجود ينطوي على جميع الكمالات» من:

1ـ صغرى: كلّ هوية يمكن أن يسلب عنها شيءٌ متكوّنة من إيجابٍ وسلب.

2ـ وكلّ متكوِّن من إيجابٍ وسلب فهو مركَّب.

3ـ النتيجة: كلّ هوية يمكن أن يسلب عنها شيءٌ هي مركَّبة.

 وبتطبيقنا قاعدة (عكس النقيض) على هذه النتيجة نحصل على نتيجة جديدة هي (ما ليس بمركَّبٍ لا يمكن أن يسلب عنه شيء)، أي لا يمكن أن يسلب عنه أيّ كمال وجودي.

وإذا وضعنا النتيجة الجديدة كبرى في قياسٍ آخر نصيغه كما يلي:

1ـ صغرى: واجب الوجود بسيطٌ وخالٍ عن كلّ تركيبٍ، حتى عن التركيب من الوجود والعدم.

2ـ كبرى: وكلّ أمرٍ بسيط بالبساطة الحقيقية لا يسلب عنه أيُّ كمالٍ وجودي.

 من المقدّمتين أعلاه نحصل على النتيجة التالية: (واجب الوجود لا يمكن أن يسلب عنه أيُّ كمالٍ وجودي). وبالتالي (واجب الوجود لا يمكن أن يسلب عنه أمر وجودي، فهو كلّ الأشياء)([2]). وإذا أمكن سلب شيء عنه فهويّته تتشكّل من (إيجاب) يتمثّل في ثبوت ذاته المقدّسة لذاته، ومن (سلب) يتمثّل في نفي الغير عنه تعالى، الأمر الذي لا ينسجم مع بساطته المطلقة. وبناءً على هذا لا يمكن أن يسلب شيءٌ من الأشياء عنه تعالى، وكلّ (كمالٍ متحقّق) في دار الوجود، مثل: (العلم)، و(القدرة)، و…، فهو واجدٌ له بنحوٍ أعلى وأشرف، ويحمل عليه بطريقة تناسبه ذاته المقدّسة([3]).

 

3ـ مكانة القاعدة في الإلهيّات بالمعنى الأخصّ ــــــ

إنّ أوّل مسألةٍ تطرح في الإلهيات بالمعنى الأخصّ هي مسألة (إثبات واجب الوجود)، ثم تأتي بعدها (وحدانية) الذات المقدّسة، كما صنع ذلك (الشيخ الرئيس)، حيث قدّم (بحث التوحيد) على بحث نفي الماهية، أي البساطة، عن الذات المقدّسة([4]). وتبعه في ذلك (صدر المتألّهين) في كتابه الشريف (الأسفار)، لكنّه في كتابه الآخر (المبدأ والمعاد) قدّم مسألة (بساطة الواجب) على مسألة (الوحدانية)([5]). وسار على هذا المنوال الشيخ (جوادي الآملي): أوّلاً: إنّ النسق الصناعي يوجب تقديم النزاهة الدخلانية على النزاهة البرانية؛ وثانياً: لمّا كانت قاعدة «بسيط الحقيقة» تمثّل أحد المبادئ التصديقية لمسألة التوحيد فيجب أن تطرح قبل مسألة التوحيد.

4ـ بسيط الحقيقة كلّ الأشياء والأسماء الإلهيّة ــــــ

تشكّل قاعدة (بسيط الحقيقة)، في نظر (صدر المتألِّهين)، أساساً لكثير من المعارف الإلهية، لكنّه يُرجِعُ القاعدة في تفسيره لآية الكرسي المباركة إلى اسمين من أسماء الله الحسنى، وهما: الحيّ؛ والقيّوم؛ باعتبار أنّ جميع الكمالات الوجودية تستند إلى اسمٍ من (الأسماء المقدّسة). يقول: «إنّ الحي القيّوم مثل بعلبك، أي إنّه اسم واحد، أُشرِبَ معنى الحياة في القيّوم، ويتفرّع على هذا الاسم المبارك كثير من المعارف الربوبيّة، والمسائل المعتبرة في علم التوحيد، ومن تلك المعارف المعتبرة أنّ (واجب الوجود بسيط الحقيقة)، ومنها أنّ (واجب الوجود ليس حالاًّ في شيءٍ من الأشياء). ومن هنا يعلم صحة المقولة المشهورة عن الحكماء: واجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات…». ثم عدّ جميع الآثار الناشئة من هذين الاسمين، وقال في النهاية: «فظهر أنّ هذين اللفظين كالمحيطين بجميع مباحث العلم الإلهي»([6]).

هناك نظريّة أخرى في هذا الباب للمحقِّق الداماد&، ذكرها في (تعليقاته على أصول الكافي)([7])، مفادها هو أنّ القاعدة تناسب الاسم الشريف (الصمد)؛ باعتبار أنّ مَنْ يتحقق باسم (الصمد) ينطوي على جميع الكمالات، ولا يتسلّل إلى ساحته أيّ نقص، وإلاّ لم يكن صَمَداً، بل هو أجوفٌ. ولكنْ لا يوجد أيّ دليل على أنّ (الصمد) ينطوي على كلّ الكمالات المفروضة، وإنْ كان ينطوي على كل الكمالات الموجودة.

ويمكن لنا جعل كلا الاسمين: (الله)؛ و(الرحمن)، أصلاً لقاعدة (بسيط الحقيقة)([8])؛ وآية ذلك الآية الشريفة: ﴿قُلْ ادْعُوا اللهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (الإسراء: 110).

5ـ التدليل على القاعدة ــــــ

يتوقّف فهم القاعدة على بيان عدّة مقدّمات، نعرض لها في ما يلي:

أـ جولةٌ في تاريخ القاعدة ــــــ

 يتمثل مفاد القاعدة في أنّ الواجب تعالى ينطوي على جميع (الكمالات الوجودية)، ولا يشذّ عنه أيّ وصف وجودي. ونجد هذا المعنى مذكوراً إجمالاً في كتب الحكماء السابقين على زمان (أفلاطون) و(أرسطو)، كما نجده أيضاً في كتب (العرفاء)، لكنّ الحكيم (صدر المتألِّهين) يعدّ أوّل مَنْ برهن على القاعدة في نسقه الفلسفي: الحكمة المتعالية.

في ما يلي نشير إلى مَنْ عرض للقاعدة قبل مؤسِّس الحكمة المتعالية:

 أـ يقول (أفلوطين)، صاحب (أتولوجيا): «إنّ الوجود البسيط كل الوجودات بنحو أعلى»([9]).

ويقول (صدر المتألِّهين) في ما يتصل بهذا المطلب من (أتولوجيا): «هذا مما يفهم من كلام معلِّم المشّائين([10]) في كثيرٍ من مواضع كتابه المسمّى بـ (أتولوجيا)، ويعضده البرهان»([11]).

 ب ـ يقول المعلِّم الثاني (الفارابي): «ينال الكلّ من ذاته، وهو الكلّ في وحدة»([12]).

 ج ـ يقول الشيخ الرئيس ابن سينا في بعض كتبه: «فواجب الوجود تامّ الوجود…، بل واجب الوجود فوق التمام؛ لأنّه ليس إنّما له الوجود الذي له فقط، بل كلّ الوجود أيضاً، فهو فاضلٌ عن وجوده، وفائضٌ عنه»([13])، وقال: «ولأنّه، كما سنبيِّن، مبدأ كلّ وجود فيعقل من ذاته ما هو مبدأ له، وهو مبدأ للموجودات التامة بأعيانها، والموجودات الكائنة الفاسدة بأنواعها»([14]).

ويظهر من كلام الشيخ الرئيس المتقدِّم أنّه جعل مبدئية الواجب حدّاً أوسط في تدليله على قاعدة (بسيط الحقيقة)، وأثبت؛ نتيجةً لذلك، علم الواجب بغيره، وأنّه عين الذات.

د ـ يقول (باقر الداماد)، أستاذ (صدر المتألهين)، في (القَبَسات) و(التقديسات): «وهو كلّ الوجود، وكلّه الوجود، وكل البهاء، وكلّه البهاء والكمال، وما سواه على الإطلاق لمعات نوره، ورشحات وجوده، وظلال ذاته؛ وإذ كلّ هوية من… هويته، فهو المطلق، ولا هو على الإطلاق إلاّ هو»([15]). وقال: «وأنّه سبحانه بنفس ذاته الأحدية الحقّة من كلّ جهةٍ يستحق جميع الأسماء الكلّية التمجيدية والتقديسية؛ إذ الحيثيات الكمالية بأَسْرها راجعة إلى حيثية الوجوب بالذات، غير زائدة عليها بوجه من الوجوه أصلاً. فإذن مرتبة ذاته الأحدية هي بعينها العلم والإرادة والحياة وجملة جهات العزّ والمجد وصفات الجمال والكمال»([16]).

القاعدة في الرؤية الصدرائية ــــــ

 الآن نشير إلى عبارات متعدِّدة لصدر المتألِّهين، من آثاره المختلفة، تنوّه بالقاعدة، ويشير من خلالها إلى أنّه هو أوّل مَنْ قنَّن القاعدة في نَسَقٍ استدلالي علمي:

1ـ يقول: «لنا، بتأييد الله وملكوته الأعلى، برهانٌ آخر عرشي»([17]).

2ـ وقال أيضاً: «قد سبق منا طريق خاصّ عرشي في هذا الباب، لم يتفطَّن به أحدٌ قبلي»([18]).

3ـ وقال: «للأصل المذكور حجّتان؛ إحداهما ما تجشَّمنا بإقامتها»([19]). وقال في إثبات المحرِّك الأوّل: «هذا مطلبٌ شريف لم أجِدْ في وجه الأرض مَنْ له علمٌ بذلك»([20]).

4ـ وقال في (المفتاح 16) من (مفاتيح الغيب) في إثبات النفوس الفلكية: «هذا أمرٌ شديد الغموض، دقيق المسلك غوره، لم أعرف أحداً على وجه الأرض مَنْ له علم صحيح به»([21]).

5ـ وقال في الجزء السادس من كتابه الشريف (الأسفار): «هذا من الغوامض الإلهية، التي يستصعب إدراكه، إلاّ على مَنْ آتاه الله من لدنه علماً وحكمة»([22]).

6ـ وقال في نفس الجزء، في إثبات علم الواجب: «فاعلَمْ أنّ الاهتداء بها من أعلى طبقات الكمال الإنساني، والفوز بمعرفتها يجعل الإنسان مضاهياً للمقدّسين، بل من حزب الملائكة المقرّبين. ولصعوبة دركها وغموضته زلّت أقدام كثيرٍ من العلماء، حتّى الشيخ الرئيس»([23]).

ويعلّق المحقّق (السبزواري) على العبارة: «لم أَرَ على وجه الأرض مَنْ له علم بذلك»، قائلاً: «ولا يكون كذلك. كلا المقامين وصل إليه العرفاء الشامخون، حتّى صار من اصطلاحاتهم شهود المفصل في المجمل، وشهود المجمل في المفصل»([24]).

ويؤيِّد هذا الكلام المفكِّر الكبير (مرتضى مطهري) بقوله: «عجيب من المرحوم الدكتور قاسم غني يقول في كتابه «بحث في التصوف»: «أوّل مَنْ تلفّظ بالجملة بسيط الحقيقة كلّ الأشياء المحقّق السبزواري، في حين أنّ التعبير نفسه موجود في كلامات المُلاّ صدرا… وللعرفاء مطالب تفيد هذا المعنى، ولكنّ هذا التعبير في ما يبدو لصدر المتألِّهين&، ولم أَرَ هذا التعبير عند المتقدِّمين عليه»([25]).

ويقول (السبزواري) في ما يتّصل بالقاعدة: «وهذا إشارةٌ إلى مسألة الكثرة في الوحدة، وأنّ الوجود البسيط كلّ الموجودات بنحوٍ أعلى، كما قال أرسطوطاليس، وأحياه وبرهن عليه صدر الحكماء المتألِّهين»([26]).

ويقول (الآشتياني) في شرحه على (مقدّمات القيصري): «يعبّر العرفاء عن تجليّ الحقّ في مقام الأحدية بـ (تجليّ الذات للذات)، حيث تستهلك كلّ الحقائق في التعيّن الأوّل، ويشاهد الحقّ تعالى تمام الحقائق بنحو الكثرة في الوحدة، برؤية المفصل مجملاً»([27]).

 

ب ـ أقسام التركيب ــــــ

 للتركيب أقسام ستّة، نعرض لها في ما يلي:

1ـ التركيب من أجزاء مقدارية، من قبيل: تركيب الكمّ من أجزائه.

2ـ التركيب من المادّة والصورة الخارجيتين، من قبيل: الموجودات المادّية.

3ـ التركيب من المادّة والصورة الذهنيّتين.

4ـ التركيب من الجنس والفصل([28]).

5ـ التركيب من الوجود والماهيّة.

6ـ التركيب من الفقدان والوجدان (الوجود والعدم).

من الواضح أنّ الله تعالى منزَّه عن جميع أقسام التراكيب السابقة؛ باعتبار أنّ التركيب مهما كان شكله يلازم الاحتياج، احتياج المركَّب (المعلول) إلى أجزائه؛ وذلك لأنّ كلّ جزءٍ يتقدّم على كلّه تقدُّماً بالطبع (تقدُّم جزء العلّة على المعلول)، والمتأخّر يحتاج إلى المتقدّم.

وأمّا النوع السادس (التركيب من الوجود والعدم) فيحتاج إلى بيان خاصّ، وفي ذلك نقول: أوّلاً: هل نفي التركيب من الوجود والماهية يستلزم نفي التركيب من الوجود والعدم أم لا؟

ثانياً: هل التركيب من الوجود والعدم يصدق عليه عنوان التركيب حقيقة؟

ثالثاً: ما هو الدليل على نفي هذا التركيب عن واجب الوجود؟

رابعاً: هل التركيب من الوجود والعدم تركيب واقعي؟

وكلّ موضوع يتحلّى ببعض الكمالات دون بعض يشكِّل مورداً لقضيتين: إحداهما: موجبة؛ والأخرى: سالبة. وغير خفيٍّ أنّ مصحّح الحمل الإيجابي يتفاوت مع مصحِّح الحمل السلبي؛ لأنّ الأوّل حيثيّة وجدان، والثاني حيثيّة فقدان. فإذا أخذنا (الإنسان) و(لا فرس) مثلاً، وحملناهما على موضوعٍ واحد، فإنّ الموضوع ينطوي حينئذٍ على حيثيتين متميزتين: حيثية كونه إنساناً (الوجدان)؛ وحيثية كونه «لا فرس» (الفقدان). والحيثيتان وإنْ كانتا حقيقة واحدة في الخارج (كما هما كذلك لدى الفهم العرفي)، غير أنّهما عند التحليل العقلي الدقيق حيثيتان متمايزتان.

 وبيان المطلب:

 أوّلاً: إذا كانت الحيثيتان حقيقةً واحدة يفضي ذلك إلى الجمع بين النقيضين، وبطلان اللازم يستلزم بطلان الملزوم؛ لأنّ حيثية الوجدان تناقض حيثية الفقدان.

 ثانياً: إذا كانت حيثية الوجدان عين حيثية الفقدان يستدعي ذلك أنّه إذا تعقلنا الحيثية الأولى فسوف نتعقّل الحيثية الثانية؛ فإذا تعقّلنا (الإنسان = حيثية الوجدان) يجب أن نتعقل (لا فرس = حيثية الفقدان)، في حين أنّ الأمر على خلاف ذلك. وليس فقط تعقّل (الإنسان) لا يؤدّي إلى تعقّل (لا فرس)، بل إنّ معنى (لا فرس) ليس لازماً لمعنى (الإنسان)؛ فإنّه يمكن تعقّل (الإنسان) مع الغفلة التامّة عن تعقّل معنى (لا فرس). فإذن (الإنسان) لا يحمل معنى (لا فرس)، وهو لا ملازم له.

 ثالثاً: إذا كان (الإنسان) عين (لا فرس) فتصدق عليه سُلُوبٌ متعدّدة أخرى، غير (لا فرس)، فيكون (الإنسان) عين هذه السلوب. وهذا خلاف الضرورة. وعلى هذا ما دامت حيثية الوجدان تختلف عن حيثية الفقدان، وما دامتا تصدقان على مصداق واحد، فهو مركَّبٌ (بداهة) غير بسيط.

 

إشكالٌ ــــــ

من المشروع لأحد أن يقول: (لا فرس) عدمٌ محض، وقياسه إلى الإنسان غير صحيح؛ باعتبار أنّ العدم لا شيءٌ، وفاقد لأيّ امتياز، حتّى يصحّ أن نسأل: هل هو عين الإنسان أم لا؟

ونقول في الجواب عن هذا الإشكال: عندنا نوعان من السلب: الأوّل: السلب المطلق، والعدم الَمحْض، المعبَّر عنه بـ (ليس التامّة). ولا يحتاج في صدقه إلى وجود الموضوع؛ لأنّ مفاده هو سلب الوجود الصرف (بدون أيّ قيد)؛ الثاني: السلب المقيّد، أي سلب الوجود الخاص عن موضوع موجود، المعبَّر عنه بـ (ليس الناقصة)، الذي يحتاج في صدقه إلى وجود الموضوع، من قبيل: سلب الفرسية عن الإنسان؛ لأنّ الإنسان موجود محدود، وفاقد لما وراء وجوده المحدود. ومن هنا نجدهم يقولون: (الإنسان هو لا فرس). وزيادة على ذلك فإنّ الوجود لا هو عين العدم، ولا هو عين الاستعداد لشيءٍ آخر؛ لأنّ الوجود طاردٌ للعدم، ومساوق للفعليّة، فهو واقعية محضة، لا يمكن أن تسلب عن أيّ أمر وجودي، إلاّ إذا كان مركَّباً من حيثيتين: حيثيّة يكون بها بالفعل؛ وحيثيّة يكون بها بالقوة: «ومعنى دخول النفي في هوية وجودية ـ والوجود مناقض للعدم ـ نقص وجودي في وجود مقاس إلى وجود آخر، ويتحقق بذلك مراتب التشكيك في حقيقة الوجود وخصوصياتها»([29]).

 بناءً على هذا فإنّ لكلّ موجودٍ يصدق عليه حكمٌ سلبي حيثيتين متفاوتتين؛ لأنّ الحيثية المصحّحة لثبوت الوصف الإيجابي غير الحيثية المصحّحة لثبوت الوصف السلبي. فكما تختلف وتتميز حيثية الثبوت عن حيثية السلب كذلك تختلف وتتميّز حيثية ثبوت شيءٍ للموضوع (أيّ موضوع كان) عن حيثية سلب شيءٍ عن الموضوع نفسه. وكلّ موضوع تصدق عليه حيثيتان مختلفتان فهو مركَّب. ولا يكون هذا التركيب تركيباً خارجياً، بل يكون تركيباً تحليلياً، أي إنّ العقل يحلّل الموضوع إلى: بُعْدٍ إيجابي؛ وبُعْدٍ سلبي. وهذا النوع من التركيب يشمل كلّ الواقعيات المحدودة، بما فيها المجرّدات؛ بوصفها فاقدة للدرجة (ما فوق التمام) المختصّة بواجب الوجود، وبالتالي لا تكون (بسيط الحقيقة).

ومن هنا يتضح لنا أنّه إذا كان هناك موضوع لا يفتقد إلى أيّ كمال وجودي فلا تصدق في حقه أيّ قضيةٍ سالبة، ولا يقبل أن نسلب عنه أيّ شيء. وبالنتيجة لا يكون مركَّباً من وجدانٍ وفقدان، فهو بسيط من جميع الجهات. وكلّ بسيط ينطوي على جميع الكمالات، فهو كلّ الأشياء، وكلّ الكمالات، وهذا هو مفاد (بسيط الحقيقة كلّ الأشياء).

6ـ رجوع كلّ الأقسام إلى التركيب من الوجدان والفقدان ــــــ

يتمثّل هذا التركيب في تركيب تحليلي من: حيثية وجدان؛ وحيثية فقدان. وهو يُعَدّ ـ كما قال الحكيم الجليل السبزواري ـ من أخسّ أنواع التركيب؛ على اعتبار أنّ الأنواع الأخرى مركّبة من أمور وجودية، فإنّ أجزاء المركّب تركيباً مقدارياً أجزاء وجودية، وكذلك المركّب من الجنس والفصل، فإنّ الفصل هو الصورة بلحاظٍ ما، والجنس هو المادة بلحاظٍ ما، وهما أمران وجوديان. وأيضاً المركَّب من الوجود والماهية، فإنّ الوجود أصيل والماهية تابعةٌ للوجود (فلها حظٌّ من الوجود). وعلى هذا فإنّ كلّ أنواع التركيب ترجع في نهاية المطاف إلى نوع وحدةٍ، على خلاف التركيب الخامس، فإنّه لا يتصوّر وحدةٌ بين الفقدان والوجدان([30]).

7ـ مقايسة بين التركيب من (الوجود والماهيّة) والتركيب من (الوجدان والفقدان) ــــــ

 السؤال الذي يفرض نفسه علينا هو: هل أن نفي التركيب من الوجود والماهية يستدعي نفي التركيب من الوجدان والفقدان؟

والجواب هو النفي؛ لأنّ الوجود متقدّم على الماهية تقدُّم الحقيقة على المجاز، فيمكن أن يكون الوجود فاقداً للمادة وللأجزاء المقدارية، أو حتى فاقداً للماهية، ولا يكون بسيط الحقيقة. وبعبارةٍ أخرى: إنّ نفي الماهية عن واقعية من الواقعيات، كـ (واجب الوجود)، لا يلازم نفي التركيب من الوجدان والفقدان؛ لأنّ الوجود في مرتبته (في مرتبة الحقيقة المتقدّمة على الماهية المتأخّرة بالمجاز) المتقدّمة على الماهية قد يكون واجداً لجميع الكمالات، وقد يكون فاقداً لكمالات وجودية، كما هو الحال في المجرّدات التامة بوصفها فاقدةً لدرجة فوق التمام، فإنّها ليست مركّبة من وجود وماهية، ولكنها مركبة من وجدان وفقدان. وبالتالي ليس بسيط الحقيقة كل الأشياء. ومن هنا يتبيّن عدم صحة ما جاء في (اللّمعة الإلهية)، للمحقّق الزنوزي: «مع نفي التركيب من الماهية والوجود ينتفي جميع أقسام التركيب»([31]). والاشتباه نفسه تكرّر في (التعليقة على نهاية الحكمة): «فإذن ثبت بساطة وجود الواجب تعالى على الإطلاق؛ من طريق نفي الماهية عنه، كما أشرنا إليه أنفاً»([32]).

 

8ـ بساطة واجب الوجود (عدم تركُّبه من الوجدان والفقدان) ــــــ

 ويمكن التدليل على بساطة واجب الوجود كما يلي:

 أـ إنّ منشأ التركيب من (الوجود والعدم) هو النقص الوجودي والمحدودية، فإذا كان ثمّة موجود كامل من جميع الجهات، بحيث لا يقبل أن يسلب عنه أيّ كمال وجودي (وفي غير هذه الصورة يلزم انتفاء وصف الوجوب عنه)، فهو غير مركَّب من الوجود والعدم، فينتج أنّ وجود الواجب بسيط الحقيقة. قال العلاّمة الطباطبائي: «ومعنى دخول النفي في هوية وجودية ـ والوجود يناقض العدم ـ نقص وجودي في وجود مقاس إلى وجود آخر»([33]).

 ب ـ يرتكز هذا البرهان على (الوجود الذاتي)، وهو متشكِّلٌ من:

 الصغرى: كلّ جزء بالنسبة إلى الكلّ المنطوي عليه متقدِّم بالطبع (تقدُّم جزء العلّة على معلولها)؛ بمعنى أنّ العقل ينسب الوجود إلى الجزء قبل أن ينسبه إلى المركَّب. وهذا أصلٌ كلّي يجري في كلّ أقسام التركيب (غير الأجزاء المقدارية)، بما فيها القسم الخامس. ومن هنا يتّضح أنّه بين المركب وأجزائه يوجد تلازمٌ عَدَمي؛ بمعنى أنّ انتفاء جزء واحد من المركَّب يفضي إلى انتفاء المركَّب بتمامه، لكنّ وجود جزء المركَّب لا يلازم وجود المركَّب، فالكلّ بحسب جوهر ذاته متأخِّر ومحتاج إلى المتقدِّم (الكلام في التقدُّم بالطبع، وليس في التقدُّم بالعلة الناقصة، ناهيك عن التقدُّم بالعلة التامة).

 الكبرى: الاحتياج لا يتناسب مع الوجوب؛ لأنّ الاحتياج من لوازم الإمكان.

 النتيجة: واجب الوجود ليس مركَّباً من شيءٍ، حتّى من الوجود والعدم، فهو بسيط الحقيقة.

 

ج ـ أقسام الحمل ــــــ

 يتصور (الحمل) في مورد لا تكون فيه وحدة محضة، ولا كثرة محضة؛ على اعتبار أنّ لا مجال في الوحدة المحضة لحمل شيء على شيء؛ لأنّه لا تعدُّد في البين حتّى ينعقد الحمل. والأمر نفسه ينطبق على الكثرة المحضة؛ لأنّ البراني لا يثبت للبراني. وبعبارةٍ ثانية: إنّ الحمل يمثل الهوهوية، والهوهوية تستدعي الاتّحاد بين أجزاء الحـمل (الموضوع والمحمول)، فإذا لم يكن ثمة تغاير بين الموضوع والمحمول فلا معنى للحمل، ولذا عرَّفوا الحمل بهذا التعريف: «عبارة عن اتحاد المتخالفين من وجهٍ».

 وبناءً على ما سلف يظهر أنّ هذه الحالة (الاتحاد من جهة، والاختلاف من وجه) تشكِّل مقسماً للأقسام المختلفة للحمل، التي تنحصر في ثلاثة، وهي:

1ـ الحمل الأوّلي الذاتي: تكون الهوهوية الواقعة بين الموضوع والمحمول على مستوى المفهوم، والاختلاف على مستوى الاعتبار، من قبيل: (الإنسان إنسانٌ).

2ـ الحمل الشائع الصناعي: تكون الهوهوية الواقعة بين الموضوع والمحمول على مستوى المصداق، والتغاير على مستوى المفهوم، من قبيل: (الإنسان حيوانٌ).

3ـ الحمل (الحقيقة والرقيقة): لا تكون في هذا الحمل هوهوية بين الموضوع والمحمول على مستوى المصداق، بل على مستوى المفهوم الفاني في المصداق، من قبيل: (الإنسان عقلٌ).

 وإليك تفصيل البحث في ما يتّصل بالأنواع الثلاثة:

أـ الحمل الذاتي الأوّلي: محور الاتحاد في هذا الحمل هو المفهوم (وبطبيعة الحال هناك اتحاد بينهما على مستوى المصداق)، ومحور التغاير بينهما هو إمّا التفصيل والإجمال، من قبيل: (الإنسان حيوانٌ ناطق)؛ وإمّا اعتبار الذهن، من قبيل: (الإنسان إنسانٌ). وهو أوّلي بوصفه بديهياً، وذاتي بوصفه مختصّاً بالذاتيات([34]).

ب ـ الحمل الشائع الصناعي: محور الاتحاد في هذا الحمل هو المصداق، والتغاير في المفهوم، من قبيل: (الإمام حجّة)، أو (عليٌّ وليد الكعبة). وهو شائع بوصفه متداولاً في العلوم والصناعات([35]). ومن أقسام هذا الحمل حمل ذي هو (حمل اشتقاق)، الذي يحتاج إلى اعتبار أمرٍ إضافي، مثل: (الإمام عدلٌ)، أي (الإمام ذو عدل).

ج ـ حمل (الحقيقة والرقيقة): يتمثّل المحور في هذا الحمل في التغاير المصداقي، ومحور الاتحاد يتمثّل في المفهوم الفاني في المحكي (المصداق). وببيانٍ آخر: إنّ محور الاتحاد بين الموضوع والمحمول ليس المصداق، بل المحور هو المرحلة الكاملة أو النازلة منه، من قبيل: حمل (مرتبة من مراتب الوجود على مرتبةٍ وجودية أخرى)، يكون الموضوع غير المحمول مصداقاً، ومتَّحداً معه مفهوماً. وهذا الاتحاد المفهومي لا ينفك عن الخارج؛ على اعتبار أنّ انتزاع مفهومٍ واحد من مصداقين مختلفين غير ممكن. وبناءً على هذا يجب البحث عن جهة اتحاد بين هذين المصداقين، ولا يمكن أن تكون إلاّ على مستوى الوجود؛ لأصالته، لكنّها تتمثّل في السنخية، لا في الوحدة الشخصية. ومن الواضح أنّ المرتبة العالية (في حمل مرتبة دانية من الوجود على مرتبة عالية منه) تختلف مصداقاً عن المرتبة الدانية؛ لاختلاف حدودهما، لكنّهما متّحدتان في المفهوم الدالّ على الوحدة السنخية بين المصداقين.

يمسي معنى هذا الحمل، في ضوء ما سبق، هو أنّ الموضوع يتّحد مع المحمول في سنخ الكمال، ويختلف معه في شدّة الكمال.

يقول (صدر المتألِّهين): «الرقيقة هي الحقيقة؛ لأجل الاتصال»([36]).

ويقول المحقق (السبزواري) في شرحه لهذه العبارة: «الرقيقة هي الحقيقة بشكلٍ ضعيف، والحقيقة هي الرقيقة بشكلٍ شديد»([37]).

وجاء في دروس الشيخ (جوادي الآملي): «الحقيقة والرقيقة تشتركان في الأمور الثبوتية، وتنفرد كلّ واحدة منهما بأمورٍ سلبية تختصّ بها».

 

تعريف العلاّمة الطباطبائي& ــــــ

يرتكز التعريف السابق على الاتحاد بين الطرفين من جهة المفهوم، والاختلاف بينهما من جهة المصداق، أمّا إذا أخذنا الاتحاد معياراً لصحة الحمل فلا نحتاج حينئذٍ إلى الاتحاد المفهومي بين الموضوع والمحمول، ومجرّد الاتحاد ـ كيف ما كان ـ يكفي في ذلك. يقول العلاّمة&: «وهاهنا نوعٌ ثالث من الحمل، يستعمله الحكيم، مسمّى بحمل «الحقيقة والرقيقة»، مبنيّ على اتحاد الموضوع والمحمول في أصل الوجود، واختلافهما بالكمال والنقص، يفيد وجود الناقص في الكمال بنحوٍ أعلى وأشرف، واشتمال المرتبة العالية من الوجود على كمال ما دونها من المراتب»([38]). وبعبارةٍ جامعة: يمكن القول: إنّ حمل (الحقيقة والرقيقة) ليس حمل نفس المطلق على نفس المقيّد، أو العكس، بل إنّ ما يتّحد مع المقيّد رقيقة المطلق، لا المطلق نفسه، وإنّ ما يتحد مع المطلق حقيقة المقيّد، لا المقيّد نفسه. ومحور الاتحاد فيه هو المرتبة النازلة والكاملة لهما.

 

الحمل في رأي الشيخ مصباح اليزدي ــــــ

يرى الشيخ (مصباح اليزدي)، في تعليقاته على الكتاب الشريف (نهاية الحكمة)، أنّ حمل الحقيقة على الرقيقة لا يشكِّل حملاً جديداً، بل يرجع إلى الحمل الشائع الصناعي. يقول: «الحمل من المعقولات الثانية المنطقية ممّا يكون المتَّصف به وبطرفيه في الذهن. فاعتبار الحمل في الوجود العيني مشكل، إلاّ أن يراد حمل مفهومين مشيرين إلى الوجود العيني، مثل: أسماء الإشارة. ويمكن أن يراد بالحمل مطلق الاتّحاد، فيعتبر اصطلاحاً عامّاً مشتركاً بين معنى منطقي ومعنى فلسفي، فليتأمل»([39]). ويقول في موضع آخر من التعليقة: «وأمّا الوجود العيني فقد مرّ أنّ كلَّ موجودٍ بما أنّه موجود فهو واحد، فلا يعقل الاتّحاد في وجود واحد، إلاّ باعتبار اختلاف مفهومين محمولين عليه، حيث يكون الاتّحاد حقيقةً بين مفهومين، ويكون وصف الوجود هو الوحدة، دون الاتّحاد»([40]).

وأمّا الحمل بين وجودين خارجين فيَرِدُ عليه إشكالان:

أـ زيادةً على الإشكال الكلّي السابق، فإنّ كثيراً من الفلاسفة صرَّحوا بأنّ الاتحاد بين الوجودات أمرٌ مستحيل وممتنع([41]).

ب ـ وعلى فرض قبولنا لهذا الاتحاد فإنّه ينحصر في الاتحاد الواقع بين المادة والصورة.

وبغضّ النظر عن الإشكالين يمكن تصوُّر الاتحاد بين الوجودات الخارجية:

1ـ وجود واحد له شؤونات عرضية مختلفة، متَّحدة بعضها مع بعض، كما تتّحد مع ذي الشأن.

2ـ أحد الوجودين يكون ناعتاً للآخر، من قبيل: الجوهر والعَرَض الناعت للجوهر، أو كلاهما وجود جوهري بينهما تشكيك عامي، مثل: النفس والبدن.

3ـ وجود واحد له مراتب مختلفة بينها (تشكيك خاصّي)، المرتبة الدانية متعلقة بالمرتبة العالية، والمرتبة العالية مقوّمة للمرتبة الدانية، تتّحد كلّ مرتبة من مراتبه الدانية مع المرتبة العالية. والحمل في أقسامه الثلاثة حمل وجود على وجود آخر؛ الأوّل من نوع الحمل الشائع الصناعي؛ والثاني من سنخ الحمل الاشتقاقي؛ والثالث يرجع إلى الحمل الشائع. وبعبارةٍ أخرى: إنّ الحمل الشائع الصناعي (ذو هو) على أنواع متعدّدة: أحد مصاديقه حمل (الحقيقة والرقيقة)، فهو لا يمثِّل حملاً خاصاً يقع قسيماً للحمل الذاتي الأوّلي والحمل الشائع الصناعي([42]).

يظهر، تفريعاً على ما سلف، أنّ الحمل في قاعدة (بسيط الحقيقة) يرجع إلى حمل (ذي هو)([43])، ومعناه أنّ واجب الوجود واجدٌ لجميع الكمالات المتحقِّقة في الممكنات بنحوٍ أعلى وأشرف.

9ـ حمل (الحقيقة والرقيقة) وباقي أنواع الحمل ــــــ

 نشير في ما يلي إلى الفروقات بين حمل (الحقيقة والرقيقة) وباقي أنواع الحمل:

أـ إنّ المحمول يحمل على الموضوع بحيثيته الثبوتية فقط؛ على اعتبار أنّ محور الاتحاد في هذا الحمل هو (الوحدة السنخية) بين الموضوع والمحمول، على خلاف (الحمل الشائع) الذي يحمل فيه المحمول على الموضوع بحيثيته الثبوتية والسلبية. وبعبارةٍ أخرى: إنّ الموضوع في الحمل الشائع ينطوي على جميع ما ينطوي عليه المحمول من كمالاتٍ، وفاقد ما يفقده المحمول منها. يقول العلاّمة الطباطبائي&: «يحمل فيه المحمول على الموضوع بكلتا حيثيتي إيجابه وسلبه، اللّتين تركَّبت ذاته منهما»([44]). ومن هنا يستدعي حمل المحمول ـ المركَّب من الإيجاب والسلب ـ على الموضوع أن يكون هذا الأخير أيضاً مركَّباً من الإيجاب والسلب. وبالتالي إذا كان الحمل في قاعدة (بسيط الحقيقة) حملاً شائعاً يلزم أن يكون (بسيط الحقيقة) مركّباً من الإيجاب والسلب. ولذا قالوا: الحمل (في القاعدة) حمل (الحقيقة والرقيقة) يحمل المحمول فيه على الموضوع بحيثيته الثبوتية، دون حيثيته السلبية، أي إنّ المحمول يتّحد مع الموضوع فقط في البُعْد الثبوتي الذي يشاركه فيه الموضوع. وعلى هذا يستحيل حمل واجب الوجود (بسيط الحقيقة) على الموجودات الإمكانية بالحمل الشائع، المفضي إلى تركُّب واجب الوجود من الإيجاب والسلب.

ب ـ يتمثّل هذا الفارق في أنّ (الحمل الأوّلي) و(الحمل الشائع) ينسجمان مع نظريّتي (أصالة الماهية) و(أصالة الوجود)، ومع الرؤيتين: (تباين الموجودات) و(وحدة الوجود التشكيكية والشخصية). وأمّا حمل (الحقيقة والرقيقة) فلا ينسجم إلاّ مع نظرية (الوحدة التشكيكية أو الشخصية). ويتجلّى الأوّل (الوحدة التشكيكية) في اتّحاد العلة مع معلولها، والثاني (الوحدة الشخصية) في اتّحاد الظاهر والمظهر.

ج ـ إذا سلبنا المحمول ـ في الحمل الأوّلي والشائع ـ عن الموضوع الثابت له بالإيجاب نقع في تناقضٍ منطقي، وأما في حمل (الحقيقة والرقيقة) فلا يلزم أيّ تناقض منطقي. فإذا قلنا مثلاً: «واجب الوجود ملك: حمل الرقيقة على الحقيقة» لا يتناقض قولنا هذا مع قولنا: «واجب الوجود ليس بملك: الحمل الشائع». ولكنْ لو قلنا: «الإنسان يعشق الحقيقة» و«الإنسان ليس يعشق الحقيقة» لوقعنا في تناقضٍ فاحش؛ والسرّ في ذلك هو أنّ حمل (الحقيقة والرقيقة) يتمثّل في حمل الحقيقة المقيّدة على المطلق، وليس حمل المقيّد نفسه مع حفظ قيوده، ممّا يمكِّننا من سلب المحمول عن الموضوع، من دون أن يفضي بنا إلى أيّ تناقضٍ منطقي؛ إذ مدار السلب والإيجاب مختلف([45]).

د ـ قد يكون الموضوع في حمل (الحقيقة والرقيقة) موضوعاً لمحمولٍ آخر ينسجم مع المحمول الأوّل. فإنّ قولنا مثلاً: «واجب الوجود عقل» و«واجب الوجود نفس» و… قولٌ صحيح في ضوء هذا الحمل، ولا يتأتّى هذا (في الحمل الشائع)، كقولنا: «عليٌّ مظلوم» و«عليٌّ ليس مظلوماً». والسرّ في المسألة يكمن في الفرق السابق، وهو أنّ المحمول في حمل (الحقيقة والرقيقة) يحمل على الموضوع من حيثيته الثبوتية فقط، وينفرد بحيثياته السلبية التي لا تسري إلى الموضوع.

هـ ـ إنّ حمل (الرقيقة على الحقيقة) يختصّ بحمل وجودٍ على وجود آخر، على خلاف الأمر في الحمل الأوّلي والشائع؛ فإنّه يمكن لنا القول: «الإنسان كلّي»، بمعنى أنّ مفهوم الإنسان كلّي (لا أنّ وجود الإنسان الخارجي كلّيٌّ)؛ و«الإنسان كاتب»، بمعنى أنّ الإنسان الخارجي كاتب (لا أنّ مفهوم الإنسان كاتبٌ). وأمّا في الحمل الأوّل (الحقيقة والرقيقة) فإنّ المحمول عبارة عن وجودٍ عيني، يمثِّل رقيقة لوجود عيني آخر، أي ثمّة درجتان لوجودٍ واحد مشكّك. وباعتبار أنّ المفاهيم مطلقاً لا تخضع للتشكيك فلا يتصور فيها هذا النوع من الحمل.

 

10ـ حمل مفهوم على مفهوم، أو وجود على وجود ــــــ

 ما يجب ملاحظته أنّ مصطلح الحمل الأوّلي (الذي يقع في مقابل الحمل الشائع) يفرق عن مصطلحٍ آخر يقع قيداً للموضوع في عملية الحمل. وببيانٍ آخر: إنّه يمكن أن نجعل مفهوماً ما في الحمل الأوّلي الذاتي والشائع موضوعاً في قضية بعنوانين:

أـ أن ننسب المحمول إلى الموضوع بوصفه مفهوماً من المفاهيم؛ أي ننظر إلى الموضوع نظرة استقلالية (ما فيه ينظر)، كحملنا وصف الكلّيّة على مفهوم الإنسان في قولنا: (الإنسان كلّي). ولأجل بيان هذه النكتة جئنا بقيد (الحمل الأوّلي) مع الموضوع. وهذا غير الاصطلاح الأوّل (الحمل الأوّلي الذاتي)، فقيل: (الإنسان بالحمل الأوّلي كلّي بالحمل الشائع)؛ بمعنى أنّ حمل مفهوم الكلّيّة على الإنسان حملٌ شائع صناعي؛ لأنّ مفهوم الإنسان غير مفهوم الكلّي، غاية الأمر أن مفهوم الإنسان مأخوذٌ بنظرةٍ استقلالية.

ب ـ أن ننسب المحمول إلى مفهوم الموضوع بوصفه آلة للحاظ الغير (ما به ينظر)، وحاكياً عن الخارج، من قبيل: (الإنسان كاتب)؛ لأنّ الكتابة لا تثبت لمفهوم الإنسان بداهةً، بل تثبت للإنسان الخارجي. ومن هذه الجهة قيِّد الموضوع بقيد الحمل الشائع (وهذا غير الاصطلاح الأوّل: الحمل الشائع الصناعي)، حيث يقولون: (الإنسان بالحمل الشائع كاتبٌ بالحمل الشائع). يمكننا تطبيق التحليل نفسه على مفاد الحمل الأوّلي الذاتي، فإذا قلنا: (الإنسان إنسان) يمكننا أن نحمل الإنسان على الموضوع بوصفه مفهوماً، أي (مفهوم الإنسان إنسان)، وكذلك يمكننا حمل الإنسان على الموضوع (الإنسان) بوصفه وجوداً عينياً خارجياً. ولأجل بيان أن هذا الحمل بلحاظ المفهوم، لا بلحاظ المصداق، نأتي بقيد الحمل الأوّلي، ولبيان أن الحمل بلحاظ المصداق الخارجي نأتي بقيد (الحمل الشائع).

لتبسيط البحث أكثر نعرض للأمثلة التالية:

1ـ الإنسان [بالحمل الأولي] إنسان بالحمل الأوّلي الذاتي.

2ـ الإنسان [بالحمل الشائع] إنسان بالحمل الأوّلي الذاتي.

3ـ الإنسان [بالحمل الأوّلي] كلي بالحمل الشائع الصناعي.

4ـ الإنسان [بالحمل الشائع] كاتب بالحمل الشائع الصناعي.

إذا اتّضح لنا التفكيك بين المصطلحين يتبيّن لنا أنّ حمل (الحقيقة على الرقيقة)؛ بوصفه يشكِّل حملَ وجودٍ على وجود آخر، تمثّل الحقيقة فيه مرتبة عالية من مراتب التشكيك، وتمثّل الرقيقة فيه مرتبة دانية متقوّمة بالمرتبة العالية. وجليّ أنّه لا معنى للتشكيك في المفهوم، وبالتالي الحمل المتصوّر في هذا المورد حمل (الحقيقة والرقيقة) هو أنّ مفهومي (المحمول والموضوع) مأخوذان بنظرةٍ آليّة، وبوصفهما فانيين في الوجود الخارجي.

 

11ـ موارد حمل (الحقيقة والرقيقة) ــــــ

 نشير في ما يلي إلى بعض موارد هذا الحمل، ونقرِّب من خلالها المطلب إلى الذهن:

أـ الكمّ المنفصل: فإنّ العدد (20) ينطوي على العدد (10)، الذي لا ينفك عن العدد (20)، لكنْ بجهته الثبوتية، لا بجهته السلبية الناشئة من محدودية العدد (10)، فإنّه من هذه الجهة لا يتّحد مع العدد (20)، وبالتالي لا يحمل على العدد (20)، بل يحمل فقط بحمل (الحقيقة على الرقيقة).

ب ـ الكمّ المتّصل: فإنّ خط (10م) يشمل خط (9م) وزيادة؛ بمعنى أنّ الخط (9م) يندرج بحيثيته الثبوتية تحت الخط (10م)، لكن بدون حدوده ونقائصه، وبالتالي إذا كان لدينا خطٌّ لا يتناهى يكون أليق (بلحاظ الوجود، لا المفهوم) بأن يكون هو الخطّ الحقيقي. وعلى هذا يصحّ حمل خط (9م) على الخط (10م) بحمل (الحقيقة والرقيقة).

ج ـ الكيف: يصحّ حمل مرتبة ضعيفة من الكيف (مثل: السواد) على مرتبةٍ شديدة منه بحمل (الحقيقة والرقيقة)؛ على اعتبار أنّ المرتبة الشديدة حقيقة المرتبة الضعيفة، وإنْ كانت فاقدة لنقص المرتبة الضعيفة وجهتها العَدَمية.

د ـ مَلَكة الاجتهاد: إنّ ملكة الاجتهاد تنطوي في عين بساطتها على جميع المعلومات التي لها دخلٌ في عملية الاستنباط، وهذا المورد يشبه من عدّة وجوهٍ اشتمال (بسيط الحقيقة) على كلّ الأشياء:

1ـ إنّ مَلَكة الاجتهاد أمر خارجي (ليس ذهنياً)، مثلها مثل جميع المَلَكات النفسانية، من قبيل: (العدالة)، و(العلم)، و…

2ـ مَلَكة الاجتهاد وجود خارجي مجرّد (ليس مادّياً).

3ـ المَلَكة وجود بسيط؛ لأنّها نحو وجود، والوجود دائماً بسيط.

4ـ المَلَكة أمرٌ بالفعل (ليست بالقوة)، وفعلية (ليست استعداداً)، وإذا قيل: إنّ الاجتهاد بالقوّة كلّ العلوم فالمراد من القوّة هنا القدرة والمكنة، لا القوّة التي تقع في مقابل الفعليّة؛ لأنّ الاجتهاد نحو وجود، والوجود يساوق الفعليّة.

5ـ وجود مطلق نسبي، بصفته ينطوي على جميع القضايا الإيجابية والسلبية بنحوٍ أعلى وأشرف.

هـ ـ الفصل الأخير: الفصل الأخير يقوّم النوع، وينطوي عل جميع المعاني السابقة عليه، مثل: الناطق، الذي يحتضن الجوهر والأبعاد الثلاثة والنموّ والإحساس… بنحو البساطة والإجمال؛ بمعنى أنّ هاته الحقائق لا تحضر في الناطق بخصوصياتها، بل تحضر بحيثيّتها الثبوتية فقط.

و ـ الوجود الشديد: إنّ الوجود الشديد يشتمل على معانٍ كثيرة، وهذا الاشتمال بالفعل (ليس بالقوّة).

 

12ـ حمل (الحقيقة والرقيقة) في الرؤية العرفانية ــــــ

تتمحور الرؤية الفلسفية في هذا الحمل حول (العلّيّة والمعلولية)، بحيث يحمل وجود المعلول الضعيف على وجود العلّة القوية. وبعبارةٍ أخرى: إنّ حمل (الحقيقة والرقيقة) في الرؤية الفلسفية يتحقّق بين مراتب الوجود التشكيكية، أمّا في الرؤية العرفانية فإنّه يتحقّق بين (المظهر: الرقيقة) و(الظاهر: الحقيقة). فالهوية المطلقة (الحقّ تعالى) تمثل عين مظاهرها، وليس بشيءٍ منها. ولا يشكّل هذا أيّ تناقض منطقي؛ فإنّها عين مظاهرها بحمل (الحقيقة على الرقيقة)، وغيرها بـ (الحمل الشائع الصناعي)([46]). ويمكن تشبيه هذا الحمل في العرفان بالمرآة؛ فإنّ المرئي ظاهر في المرآة، وفي الوقت نفسه غيرها. وهذا لا ينسجم إلاّ مع نظريّة (وحدة الوجود الشخصية)، وما يترتَّب عليها من التشكيك في المظاهر.

يرجع أصل هذا التمثيل إلى الإمام الرضا× حين سأله (عمران الصابي): ألا تخبرني يا سيّدي، أهو في الخلق أم الخلق فيه؟ فأجاب الإمام×: «جلَّ يا عمران عن ذلك، ليس هو في الخلق، ولا الخلق فيه، تعالى عن ذلك»، ثم زاد: «أخبرني عن المرآة، أنت فيها أم هي فيك؟… فإنْ كان ليس واحد منكما في صاحبه فبأيّ شيءٍ استدللْتَ بها على نفسك؟».

ويقول العلاّمة الطباطبائي في ما يتّصل بهذا الموضوع: «الأمر الذي يركّز عليه القرآن هو أنّه لا شيء في الوجود غير الله تعالى، والباقي آياته ومظاهره، وإن كانت لمظاهره مراتب كثيرة»([47]). ما يحسن الالتفات إليه أنّ المرآة صادقة في عكسها للأشياء بخلاف السراب؛ فإنّه كاذب في دعواه وفي عكسه للأشياء، فثمّة فرقٌ أساسي بين هذه النظرية والمثالية، لا يخفى على الشخص الفطن وظريف الفكر.

 

13ـ الحمل في قاعدة (بسيط الحقيقة) ــــــ

لا يمكن الوصول إلى كنه قاعدة (بسيط الحقيقة) في ضوء (أصالة الماهية) و(تباين الموجودات)، بل يتمّ ذلك فقط في ضوء (وحدة الوجود التشكيكية) أو (وحدة الوجود الشخصية)، وإنْ تباين التحليلان تبايناً شاسعاً. والسرّ في ذلك هو أنّ مفهوم البساطة مفهوم مشكِّك. فللوجود بناءً على أصالة الوجود مراتب كثيرة، ولكل مرتبةٍ وجود خاصّ يتحلى بمرتبةٍ من البساطة، حتّى نصل إلى المرتبة العالية من السلسلة الطولية، التي تتّسم بأعلى درجة من البساطة.

وللوجود بناء على الوحدة الشخصية للوجود مصداق واحد فريد، يتحلى بأعلى درجةٍ من البساطة، ذو مظاهر وتجليات كثيرة متنوعة، فاقدة لوصف الوجود ولوازم الوجود، من البساطة وما شابه، وتمثّل مظهراً وتجلياً للبساطة التامّة، وتتّحد مع البسيط المطلق نوع اتّحاد يصحِّح حمل الحقيقة على الرقيقة، بمعنى أنّ العلّة (أو الظاهر) أساس صدور (أو ظهور) الأشياء، والمعلول (أو المظهر) رقيقة العلّة (أو الظاهر). وبالتالي يمثّل الحمل في القسم الأوّل (بسيط الحقيقة كلّ الأشياء) حمل (حقيقة ورقيقة)، وفي القسم الثاني (وليس بشيءٍ منها) حملاً شائعاً صناعياً.

وما تجدر ملاحظته هو أنّه إذا نظرنا إلى الأشياء كموجوداتٍ إلهية (ننظر إلى الأشياء وهي في المرتبة الإلهية) فإنّ عنوان (بسيط الحقيقة) وعنوان (كلّ الأشياء) عبارة عن مفهومين غير مفهوم وجوب الوجود (الحقّ)، ويصدق عليهما حينئذٍ الحمل الشائع الصناعي، وتحملان على الحقّ، وعلى صفاته أيضاً، مثل: حمل عنوان العلم، القدرة، و…، عليه تعالى، وعلى بعضها البعض. وسرّ المسألة هو أنّ لحاظ الأشياء في مرتبة ذات الحقّ يعني أنّها موجودة بوجودٍ إلهي بسيط ـ أيّ تشكّل مع ذات الحقّ شيئاً واحداً ـ الأمر الذي يفقدها وجودها الإمكاني (العقلي والمثالي والطبيعي)، ويفقدها أيضاً عنوان المعلولية أو المظهرية. ومن هنا يتبيّن لنا أنّ قيد (وليس بشيءٍ منها) ناظر إلى الوجود النفسي للأشياء، ومن هذه الجهة تسلب عن الحق بالحمل الشائع الصناعي. يقول صاحب (نقد النصوص): «المسمّاة (موجودات) تعيّنات شؤونه سبحانه، وهو ذو الشؤون. فحقائق الأسماء والأعيان عين شؤونه التي لم تتميَّز عنه إلاّ بمجرّد تعيُّنها منه من حيث هو غير متعيِّن. وإنْ شئتَ قلْتَ: كان ذلك ليشهد هو خصوصيّات ذاته في كلّ شأنٍ من شؤونه»([48]).

وبناءً على هذا فإنّا إذا نظرنا إلى الأشياء من جهة وجودها الإلهي تحمل على بسيط الحقيقة كلّ الأشياء بالحمل الشائع الصناعي، وإذا نظرنا إليها من جهة وجودها النفسي في الجملة (وليس بشيءٍ منها) تحمل عليها بالحمل الشائع الصناعي، وإلاّ وقعنا في التناقض المحال؛ لأنّ بسيط الحقيقة غير الأشياء في مرتبتها العقلية والمثالية والطبيعية. وإذا نظرنا إلى الأشياء من جهة وجودها النفسي تحمل على بسيط الحقيقة كلّ الأشياء (في ضوء وحدة الوجود التشكيكية أو الشخصية والتشكيك في المظاهر) حمل (الحقيقة والرقيقة)، من قبيل: حمل المعلول على علته، والظاهر على المظهر، وتحمل في الجملة (وليس بشيء ٍمنها) بالحمل الشائع الصناعي.

فلا يمكن القول في ضوء هذا التحليل: إنّ (بسيط الحقيقة) عين كلّ الأشياء (حمل مواطاة)، ولا يمكن القول أيضاً: إنّ (بسيط الحقيقة) ذو كلّ الأشياء (حمل اشتقاق)؛ على اعتبار أنّ الموضوع يتّحد مع المحمول بكلّ خصوصياته، سواءٌ أكانت إيجابية أم سلبية، من قبيل: حمل الناطق على الإنسان، فإنّ النطق يحمل على الإنسان بجهتَيْه: (الإيجابية)؛ و(السلبية)، وبالتالي لا يمكن للإنسان أن يشكّل موضوعاً لقضيةٍ محمولها لا ينسجم مع النطق، مثل: (الصاهل). وإذا كان المحمول يحمل على الموضوع بجهته الثبوتية فقط فالحمل حمل (حقيقة ورقيقة)، أي (لا مواطاة، ولا اشتقاق). وببيانٍ فنّي: الموضوع في هذا الحمل يرتبط بالمحمول بخصوصيته الوجودية فقط (وليس بخصوصيته السلبية). وبما أنّه لا تمايز في الوجود الصرف (ولا في العدم الصرف)، فبسيط الحقيقة كلّ الأشياء، والذي يتّحد مع (بسيط الحقيقة) هو حقيقة الموجودات (في حمل الرقيقة على الحقيقة)، والذي يتّحد مع الموجودات هو رقيقة المطلق (في حمل الحقيقة على الرقيقة).

والحاصل أنّ قاعدة (بسيط الحقيقة) تمثّل تفسيراً وشرحاً لحمل (الحقيقة والرقيقة)، كما أنّ الفهم الدقيق لهذه القاعدة لا يمكن إلاّ بفهم أقسام الحمل، والفرق بين حمل (الحقيقة والرقيقة) وسائر أنواع الحمل. كما لا يمكن حلّ كثيرٍ من إشكاليات مسألة (الوجود الذهني) بدون فهم الحمل الأوّلي والحمل الشائع.

 

14ـ خلاصة برهان (بسيط الحقيقة) ــــــ

تتمثّل خلاصة التدليل على القاعدة في أنّ (كلّ هويّةٍ يمكن أن يسلب عنها شيءٌ أو أشياء فإنّها تتشكّل حَتْماً من السَّلْب والإيجاب، مما يجعلها مركّبة في ذاتها). ثمّ بالاستفادة من القاعدة المنطقية (عكس النقيض) يتبدّل نقيض هذه القضية إلى عكس النقيض، وينتج (هويّة بسيط الحقيقة لا يمكن أن يسلب عنها شيء)، وهذا يشكّل مفاد (بسيط الحقيقة كلّ الأشياء)([49]). وعلى هذا الضوء سيكون مفاد القاعدة هو (بسيط الحقيقة كلّ الأشياء الوجودية، علماً وقدرةً وكمالاً وسَعَةً، وليس بشيءٍ منها نقصاً). فبسيط الحقيقية داخلٌ في الأشياء (لا بالممازجة)، وخارج عنها (لا بالمباينة)، وبالتالي فإنّ وروده في الأشياء ليس مثل ورود شيءٍ في شيء آخر، وخروجه ليس مثل خروج شيءٍ من شيء آخر (لا يشذّ عن حيطة وجوده وعلمه وقدرته شيءٌ من الأشياء).

15ـ الإشكالات الواردة على القاعدة ــــــ

الأوّل: يلزم من هذه القاعدة عدم صحة أيّ سلب عن الواجب تعالى، في حين يحمل على الحقّ تعالى صفاته السلبية، فإننا نقول: (الواجب تعالى ليس جسماً)، و(الواجب تعالى ليس جوهراً وعَرَضاً)، و… وعلى هذا إذا صحّ سلب الجسمية عن الواجب تعالى فذاته حاصلة من حيثيتين: (إيجابية)؛ و(سلبية)، وإذا لم يصحّ سلب هذه الأمور عن الواجب تعالى فلازمه اتّصافه تعالى بها([50]). ومن ناحيةٍ أخرى إذا حضرت تمام الأشياء بنحوٍ أعلى وأتمّ في الواجب تعالى تكون الماهيات متحقّقةً أيضاً في بسيط الحقيقة، ممّا يفضي إلى أن يكون للواجب تعالى ماهية، أو بالأحرى ماهيّات كثيرة.

الجواب: ترجِع الصفات السلبية بصفة كلّية إلى (سَلْب الإمكان) عن الواجب تعالى، والإمكان نقصٌ في نفسه، وبالتالي إنّ مرجع تمام الصفات السلبية إلى (سلب النقص)، وسلب النقص مساوٍ مع الكمال. ومن ذلك على سبيل المثال: الجهل بمعنى عدم العلم، وسلب عدم العلم يفضي إلى إثبات العلم للحقّ تعالى. فليس لذات الحق تعالى حيثيتان: (إيجابية)؛ و(سلبية)، بل الحقّ تعالى صرف الوجود، وحقيقة محضة، منزَّهٌ عن كلّ ماهية.

 الثاني: إذا صحّ حمل جميع الأشياء على الواجب تعالى يصير الحقّ تعالى عين الأشياء الماهوية؛ على اعتبار أنّ لازم كلّ حمل الاتحاد والعينية. وكون الواجب بالذات عين الممكنات معناه التناقض الصريح.

الجواب: منشأ الإشكال توهُّم أنّ حمل الممكنات على الواجب تعالى حمل شائع صناعي، ولكنْ قد أسلفنا أنّ هذا نوعٌ خاصّ من الحمل، يعبَّر عنه بحمل (الحقيقة والرقيقة)، مؤدّاه أنّ الممكنات وكمالاتها متحقّقة في الواجب تعالى، ويوجد نوع سنخيّة بين الواجب والممكنات، أي إنّ الواجب حقيقة الممكنات، والممكنات رقيقة الحقّ تعالى، ومعلولة (أو مظهر) له. ولا يستلزم منه عينية الواجب تعالى مع الممكنات؛ لأنّ الواجب فاقدٌ للماهية، كما لا يستلزم منه عينيّته مع الوجودات الخاصّة أيضاً؛ على اعتبار أنّ الواجب تعالى لا يتّحد أبداً مع الجهات العدمية للممكنات ونقصانها، فإنّ اتحاد الموضوع مع المحمول ـ كما بيّنّا ذلك في تعريف حمل (الحقيقة والرقيقة) ـ في سنخ الكمال مع اختلافهما في وجودهما الخاصّ، أي إنّ المحمول يحمل فقط من جهته الوجودية على الموضوع، وجهته العدمية تخّصه هو فقط.

الثالث: مفاد هذه القاعدة بساطة الواجب النسبية، لا بساطته المطلقة. بيان ذلك: بنى (صدر المتألِّهين) قاعدة (بسيط الحقيقة) على أساس التشكيك في مراتب الوجود. يحتلّ الواجب تعالى المرتبة الأعلى من سلسلة مراتب التشكيك، ويفقد أيّ نوعٍ من أنواع الحدّ، بل حدّه أن لا حدّ له. ولمّا كانت هذه المفردة (لا حدّ له) تحمل على الواجب تعالى بالإيجاب العدولي فهذا يعني أنّ وجود الواجب تعالى مستقلٌّ عن الوجودات الإمكانية. وبالنتيجة ما يثبت هو البساطة النسبية للواجب تعالى، لا البساطة المطلقة، بخاصة إذا كان إسناد الوجود إلى الممكنات إسناداً حقيقيّاً، كما في الواجب تعالى([51]).

الجواب: إنّ واجب الوجود في ذاته موجودٌ، مع قطع النظر عن جميع الأغيار، ومن دون احتياج إلى أيّ شيءٍ، وموجود كذلك مع حفظ كلّ تقدير وزواله، ومع حفظ كلّ شرط وفقدانه، ومع ملاحظة أيّ شيءٍ وعدم ملاحظته. والشيء الذي يشترط في تحقّقه وجود شيءٍ آخر ليس بواجب الوجود مطلقاً. والحاصل أنّ واجب الوجود بالذات لا يمكن أن يتركّب من أيّ نوعٍ من أنواع التركيب، حتّى التركيب من الوجدان والفقدان.

وبعبارةٍ أخرى: يمكن لنا إثبات البساطة المطلقة للواجب تعالى، استناداً على عدّة مقدّمات:

الأولى: أصل الواقعية له الضرورة الأزلية([52])، ولم يؤخذ أيّ قيدٍ في هذه الضرورة.

الثانية: كلّ ضروريّ بالضرورة الأزلية فهو بسيط. بيان ذلك: إذا كان الشيء ليس بسيطاً، وفيه شائبة تركيب، فضرورته ضرورة ذاتية؛ أي إنّ ضرورته مقيدة بدوام الذات. ومن هذه الجهة يكون محدوداً؛ لأنّ المركّب يلازم أجزاءَه تلازماً عدمياً. فالضرورة موجودة ما دامت الذات موجودة، والذات بدون أجزائها غير موجودة. بناءًَ على هذا فإنّ بساطة الواجب تعالى تثبت عن طريق الضرورة الأزلية التي يتّصف بها أصل الواقعية؛ لأنّ الإمكان بقول صدر المتألِّهين علامة الاحتياج. كما استفاد من هذه الطريقة ـ بنحو الإجمال ـ العلامة الطباطبائي في إثباته الواجب تعالى، حيث قال: «الأَوْلى الاعتماد في نفي الأجزاء المقدارية على برهان نفي مطلق الحدّ عنه (تعالى) من جهة كونه واجب الوجود بالذات، وقد تقدَّمَتْ الإشارة إليه»([53]). والبساطة الثابتة للواجب تعالى (إثباتاً) من خلال هذا البرهان أعلى من البساطة النسبية التي قرَّرها (ملاّ صدرا) من خلال قاعدة (بسيط الحقيقة)، بناءً على مراتب الوجود التشكيكية.

 

16ـ نتائج الإطلاق الذاتي الذي يتّصف به الحقّ تعالى ــــــ

تترتّب على الإطلاق الذاتي نتائج خطيرة، من قبيل: توحيد الواجب، ونفي الأوصاف الزائدة والعارضة، وعينية الصفات مع الذات، و…. ويمكن صياغة هذه النتائج كلّها في نكتةٍ مؤداها: «لا يحيط بالواجب تعالى شيء حتى يحصره ولا يخلو عنه شيء»؛ لأنّ الإطلاق الذاتي إطلاق وجودي، وهو غير الإطلاق المفهومي. والفرق بين الإطلاقين أنّ الإطلاق المفهومي يقبل أن يتقيّد بأيّ قيدٍ، ويتّحد مع أيّ مصداقٍ من مصاديقه، فيما لا يقبل الإطلاق الوجودي أيّ قيدٍ، ولا يتّحد مع أيّ مصداقٍ. مثلاً: مفهوم الشيئية، الذي يعدّ من أوسع المفاهيم وأشملها، يتّحد مع كلّ مفردةٍ يساويها وينسجم معها، وينطبق عنوان الشيئية عليها بوصفها مصداقاً من مصاديقه. فنحن نقول عن الشجرة مثلاً أنّها شيءٌ لأنّ مفهوم الشيء ينطبق على الشجرة، ويتّحد معها. ولكنّ الواجب في عين كونه محيطاً بكلّ شيءٍ، ونافذاً في كلّ ما سواه، يحفظ إطلاقه الذاتي ـ الذي يعدّ أوسع إطلاق وجودي ـ في كلّ مرتبةٍ يحضر فيها؛ فإنّه تعالى في عين كونه نافذاً في الشجرة ـ مثلاً ـ لا يتّحد معها، ولا يحلّ (من الحلول) فيها، ولا يقع أيضاً موضوعاً في القضيّة: الواجب تعالى شجرة (معاذ الله)، ولا محمولاً في القضيّة: الشجرة الواجب تعالى (معاذ الله).

نلمس هذه الحقيقة (حفظ الإطلاق الذاتي للواجب تعالى) في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾؛ فإنّه تعالى في عين حضوره في السماء والأرض يبقى حافظاً لمقامه (مقام الإلهية)، ولا يمكن أن يتّحد مع أيّ شيءٍ، لا مع السماء، ولا مع الأرض، بخلاف مفهوم الشيء فإنّه في الشجرة شجرة، وفي الماء ماء… وقد أكَّدت الروايات على هذه النكتة، كما نلمح ذلك في قول أمير المؤمنين عليّ×: «مع كل شيءٍ لا بمقارنة، وغير كلّ شيءٍ لا بمزايلة»([54])، وقوله: «اللّهُمَّ أنت الصاحب في السفر، وأنت الخليفة في الأهل، ولا يجمعها غيرك؛ لأنّ المستخلف لا يكون مستصحباً، والمستصحب لا يكون مستخلفاً»([55]).

 

17ـ نظرية ملاّ صدرا النهائية في وحدة الوجود ــــــ

أُثيرت في ما يتصل بمسألة (الوحدة والكثرة) في الحقل الفلسفي والعرفاني أربع تقريبات، نعرض لها في ما يلي:

 التقريب الأول: يتمثل في (وحدة الشهود). ويؤكد العارف (القشيري) أنّه إذا أثار العرفاء مسألة الوحدة فمرادهم هو (وحدة الشهود)، وليس (وحدة الوجود).

 التقريب الثاني: يتمثل في (كثرة الوجود). والمراد من الكثرة هنا الكثرة المطلقة؛ بمعنى أنّ الوجود يتعدّد بتعدّد الموجودات، بحيث لا يوجد أي سنخٍ واشتراك بينها، فكلّ مصداقٍ من الوجود الحقيقي يختلف مع مصداق وجودي آخر، ولا توجد جهة اشتراك تجمع بين مصاديقه، بل الاشتراك يرجع إلى الماهيات، فهي التي تقبل التقسيم والتصنيف. وينسب هذا التقريب إلى المدرسة المشّائية.

 التقريب الثالث: يتمثل في (وحدة الوجود الشخصية). ولا تتصور أيّ كثرة في حقيقة الوجود، فمؤدّى التقريب هو أنّ الوجود يساوي واجب الوجود بالذّات، ولا حقيقة إلاّ هو، والبقية مظاهره وتجلياته. وبتعبيرٍ آخر: العالم غائبٌ ما ظهر قطّ، والله تعالى ظاهرٌ ما غاب قطّ([56]).

التقريب الرابع: يتمثل في (وحدة الوجود التشكيكية). ومؤدّاه أنّ حقيقة الوجود حقيقة واحدة، لكنّها وحدةٌ في عين الكثرة، وكثرة في عين الوحدة؛ أي إنّه حقيقة واحدة ذات مراتب (لا أمور متباينة، ولا وحدة محضة)، تمثل مرتبة من هذه الحقيقة الواحدة الغنى المطلق والشدّة اللامتناهية، فيما تمثل باقي المراتب الفقر المطلق والتعلق الشديد.

والسؤال الذي يطرح نفسه: ما هو ملاك امتياز واشتراك هذه المراتب؟

الجواب: إنّ ما به الاشتراك وما به الامتياز حقيقة الوجود، وهذه هي الوحدة في عين الكثرة، والكثرة في عين الوحدة، المعبَّر عنها بـ (التشكيك الخاصّي).

وصورة هذه السلسلة التشكيكية أن يقع (الواجب تعالى) في أعلى مرتبة من السلسة (وحدّه أنْ لا حدَّ له)، وتقع (الهيولى) في أدنى مرتبة من السلسلة (وحدّها أنّها لا فعلية لها إلاّ القوّة والاستعداد)، وتقع بين هاتين المرتبتين مراتب كثيرة تقوّم المرتبة العالية ما دونها من المراتب الدانية، وتتعلّق المرتبة الدانية بالمرتبة العالية. فكل مرتبة تمثل مرحلة من مراحل الوجود. فالواجب تعالى مرحلة واحدة مقيد بعدم القيد بنحو الإيجاب العدولي، وباقي الموجودات مقيّدة بقيودٍ أخرى.

ولا شَكَّ في تركيز (صدر المتألِّهين) الشديد على هذا التشكيك في كثير من كتبه. غير أنّ البعض يذهب إلى أنّ هذا لا يمثِّل رأيه النهائي في المسألة، بل تبنّى هذا الرأي بوصفه رأياً متوسطاً في الحقل التعليمي، أما رأيه النهائي في هذا الباب فهو (وحدة الوجود الشخصية)، التي مفادها أنّ الوجود واحدٌ ينحصر في الواجب بالذات، وإذا أسند الوجود إلى غيره فالإسناد مجازي (من باب جري الميزاب). ولتأييد هذا الادّعاء يمكننا الاستشهاد بمقاطع من (الأسفار)، ومن جملتها: ما جاء في المجلد الثاني في فصل (في بعض خبايا العلية): «فكذلك هداني ربّي بالبرهان النّير العرشي إلى صراطٍ مستقيم، من كون الموجود والوجود منحصراً في حقيقة واحدة شخصيّة، لا شريك له في الوجودية الحقيقية، ولا ثاني له في العين، وليس في دار الوجود غيره ديّار، وكلّ ما يتراءى في عالم الوجود أنّه غير الواجب المعبود فإنّما هو من ظهورات ذاته، وتجليّات صفاته، التي هي في الحقيقة عين ذاته، كما صرّح به لسان بعض العرفاء، بقوله: «فالمقول عليه ما سوى الله أو غيره (المسمّى بالعالم) هو بالنسبة إليه تعالى كالفعل للشخص»».

وهذه العبارة صريحةٌ في (وحدة الوجود الشخصية)، أو أقلّ ما نقوله: إنّها لا تنسجم بَدْواً مع (وحدة الوجود التشكيكية). ولذا نجده في مكانٍ آخر يصرّح أنّ نظريته النهائية تخالف مسألة التشكيك، وينعتها بالنظر الجليل: «فما وصفناه أوّلاً أنّ في الوجود علة ومعلولاً بحسب النظر الجليل قد آل آخر الأمر؛ بسبب السلوك العرفاني، إلى كون العلّة منها أمراً حقيقياً، والمعلول جهة من جهاتها»([57]).

 

18ـ القاعدة في مرآة الآيات والروايات ــــــ

 هنالك كثيرٌ من الآيات والروايات استشهد بها الفلاسفة والعرفاء لصالح هذه القاعدة الشريفة، بَيْدَ أنّها ليست على مستوى واحد من ناحية الدلالة على المطلب؛ إذ لا يخلو بعضها من تكلُّفٍ، يحتاج إلى تأويل حتّى ينسجم مع مؤدّى القاعدة.

وفي ما يلي نعرض بعضاً منها تباعاً:

أـ ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا﴾. مفاد الآية أنّ جميع الخلق كان في صورة وجود واحد بسيط، ثمّ في مقام الفتق ـ الذي يمثل تفصيل هذا الرتق ـ ظهر في شكل سماوات وأرض([58]). وبعبارةٍ ثانية: إنّ الأشياء بتمامها موجودة في عالم الجبروت، الذي يمثل عالم الخزائن بشكلٍ بسيط، ثمّ ببركة التجلّي تنزّلت من هذا المقام إلى عالم القدر، أي أخذت القدر (الحدّ) المخصّص لها، ثمّ تنزلت بعدها إلى عالم الملك.

ب ـ ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾. يعبّر العرفاء عن الفيض المنبسط بماء الحقيقية؛ لأنّ عنوان (كلّ شيءٍ حيّ) يشمل بطبيعة الحال العقول المجرّدة والنفوس الناطقة. وباعتبار أنّ هذه العقول والنفوس أمور مجردة عن المادة ولوازمها لا يمكن حصر معنى الآية في الماء الظاهري، بل يتعيّن تفسير كلمة (ماء) في الآية الكريمة بالماء الحقيقي، بمعنى (الفيض المنبسط الإلهي)، حتّى يشمل العنوان (كلّ شيءٍ حيّ) عالم المجرّدات. يقول صدر المتألِّهين: «وهل الماء الحقيقي إلاّ رحمته التي وسعت كلّ شيء»([59]). ويعلّق (المحقق السبزواري)، في معرض نقده لما جاء في (الأسفار): «هذا في الوحدة في الكثرة أظهر منه في عكسه([60])، وكلمة «حيّ» صفة موضِّحة، لا مخصّصة، إشارة إلى أنّ كلّ شيء له حياة وشعور»([61]). غير أنّ (المحقق السبزواري) نفسه ردّ هذا النقد في تعليقاته على (الشواهد الربوبية)، بقوله: «هاتان الآيتان، بل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ﴾، وإنْ كانتا في الظاهر لبيان الوحدة في الكثرة، وما نحن بصدده هو الكثرة في الوحدة، إلاّ أنّ الأولى من فروع الثانية؛ لأنّه إذا كان جميع الموجودات بما هي وجود منطوياً في وجوده، وكان وجوده لفّ الوجودات، وهي نشره، ورتقها، وهي فتقه، وكانت الكثرة في تلك الوحدة بنحوٍ أعلى، كان تلك الوحدة هي المتجلِّية في هذه الكثرات بلا تجافٍ عن مقامه الشامخ الأزلي. فإيراد الآيات الظاهرة في أحد المقامين للاستشهاد على المقام الآخر؛ للإشارة إلى هذه اللطيفة»([62]).

ج ـ ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ﴾. فهو رابع الثلاثة، وخامس الأربعة، وسادس الخمسة؛ لأنّه بوحدانيّته كلّ الأشياء، وليس هو شيئاً من الأشياء؛ لأنّ وحدته ليست عدديّة من جنس وحدات الموجودات حتّى يحصل من تكررها الأعداد، بل وحدة حقيقية لا مكافئ لها في الوجود، ولهذا ﴿كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾، ولو قالوا: ثالث اثنين لم يكونوا كفّاراً([63]). وهذا التعبير القرآني ظريفٌ ودقيق جدّاً؛ لأنّ واجب تعالى محيطٌ بجميع الأشياء وشؤونها، فإذا كان حاضراً مع مجموعة متشكّلة من ثلاث أنفار تصير المجموعة متشكّلة من أربعة أنفار، ويقع حينئذٍ في عَرْض الممكنات. ولكنّ الحقّ تعالى ليس رابع أربعة، بل رابع ثلاثة، وخامس أربعة، وهكذا. ولو قال قائلٌ: الله تعالى رابع أربعة لكفر؛ إذ قد جعل الله تعالى في عرض موجوداته. ولكنّ الاعتقاد بأنّه رابع ثلاثة يمثِّل عين التوحيد الخالص، فهو تعالى دائماً سادس خمسة، وخامس أربعة، ورابع ثلاثة، ولم يكن مطلقاً رابع أربعة، وخامس خمسة، وسادس ستة؛ لأنّ وحدته تعالى وحدة إطلاقية، وليست وحدة عددية، وإلاّ لكان ثالث ثلاثة مما يفضي إلى عقيدة التثليث، كما هو معتقد النصارى. أمّا القرآن الكريم فإنّه يؤكّد أن معيّة الحقّ القيومية (إطلاقه الذاتي) لا ينقطع عن أيّ شيءٍ من الأشياء بأيّ نحوٍ من الأحوال: ﴿هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ﴾، بما في ذلك تمام قدرات الإنسان الفكرية والعملية.

د ـ ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾. وغير خفيّ أنّ كون الحقّ هو الأوّل في عين كونه هو الآخر تصير واضحة على أساس هذه القاعدة الشريفة، يقول المحقق الآشتياني: «الوجود بنحو الإطلاق منه، وكلّ شيء يرجع إليه، وبحكم كون الوجود في الممكن وديعة، ولا بُدَّ أن تردّ الودائع، فمآل هذه القاعدة إلى وحدة الوجود، هو الأوّل والآخر».

هـ ـ ﴿هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ﴾؛ إذ هذه المعيّة ليست بنحو الممازجة والمداخلة، أو الحلول والاتحاد، وليست كذلك في رتبة الوجود، أو في الزمان والمكان.

و ـ يقول أمير المؤمنين× في (نهج البلاغة): «موجود غير فقيد»؛ ويقول في موضعٍ آخر: «مَنْ حدّه فقد عدّه»، ولا ميز في صرف الشيء.

 

19ـ نتائج قاعدة بسيط الحقيقة ــــــ

وُظِّفت القاعدة من طرف (صدر المتألِّهين) ومدرسته على مستويات عديدة، نعرض لبعضها في ما يلي:

أـ التدليل بالقاعدة على وحدة الواجب تعالى. بيان ذلك: إنّ العلم ببساطة الواجب يستلزم العلم بوحدة ذاته تعالى؛ لاستحالة سلب أيّ أمرٍ وجودي عن بسيط الحقيقة، فلا يبقى مجالٌ لفرض وجود آخر لم يكن داخلاً في بسيط الحقيقية، ناهيك عن فرض شريك له تعالى([64]).

ويرى (السيد الطباطبائي) أنّ هذا الاستدلال؛ بوصفه انتقالاً من أحد المتلازمين (البساطة) إلى ملازمٍ آخر (الوحدة)، يندرج تحت استدلال الإنّي، لا اللِّمّي. وهذا البيان يمثِّل أحسن جواب على شبهة (ابن كمّونة البغدادي)([65]).

ب ـ التدليل بالقاعدة على أنّ الواجب تعالى ينطوي على تمام الصفات الكمالية. تثبت القاعدة أنّ الحقّ تعالى لا ينطوي على الصفات الكمالية الموجودة فحَسْب، بل ينطوي على كلّ صفةٍ كمالية مفروضة، فإنّ فرض صفة وجودية متحقّقة لا يتّصف بها الحقّ تعالى فرضٌ لا ينسجم مع البساطة التامّة. والحقّ تعالى بوصفه تمام الشيء أحقّ بنفس ذلك الشيء (أقرب إليكم من حبل الوريد). وبتعبير (المحقِّق الطوسي): تنبئ القاعدة عن: 1ـ بسيط الحقيقة كلّ الأشياء؛ 2ـ بسيط الحقيقة ليس بشيءٍ منها؛ 3ـ لا حقيقة بغير بسيط الحقيقة([66]).

ج ـ التدليل بالقاعدة على أنّ النفس الناطقة الإنسانية في عين بساطتها متحدة مع جميع قواها. وببيانٍ آخر: النفس الناطقة في حقيقتها بسيطة، وكلّ بسيط الحقيقة كلّ الأشياء، فالنفس الناطقة عين جميع قواها([67]).

د ـ التدليل بالقاعدة على أنّ الهيولى قادرة على التلبُّس بجميع الصور؛ لأنّ الهيولى بسيطة بالبساطة المحضة، وبالتالي تكون بالقوّة جميع الصور، ممّا يؤهلها لقبول أيّ فعلية من هذه الفعليات.

هـ ـ التدليل بالقاعدة على سريان صفات الوجود في جميع الموجودات؛ لأنّ الوجود الحقيقي سارٍ في تمام الموجودات. وهذا السريان مشكّك؛ أي إنّ صفات الوجود، من علمٍ وقدرة وحياة وإرادة و…، ساريةٌ في جميع مراتب الوجود، بما فيها الجمادات والنباتات. ولعلّ الآية الشريفة: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ تشير إلى هذه النكتة. فإذن أينما يتحقّق الوجود تتحقّق هذه الصفات تحقّقاً مشكّكاً ومتفاوتاً.

و ـ التدليل بالقاعدة على علم الحقّ تعالى بما سواه. وهذه المسألة تعدّ من أصعب مسائل الفلسفة الإلهية. ويمكن معاينة سرّ صعوبة المسألة في الأمور الثلاثة التالية:

1ـ العلم في حدّ ذاته مسألة فلسفية صعبة، سواء كان هذا العلم علم واجب الوجود أو علم الممكنات. وهذا ما يشير إليه (صدر المتألِّهين) بقوله: «إنّ مسألة كون النفس عاقلة لصور الأشياء المعقولة من أغمض المسائل الحكمية، التي لم تنقَّح لأحدٍ من علماء الإسلام إلى يومنا هذا»([68]).

2ـ صعوبة تحليل علم الواجب بالممكنات قبل الإيجاد، فكيف يتصوّر العلم (بشيءٍ ما) بدون وجود هذا الشيء (المعلوم)؟! هذه المسألة مع أنّها تخالف صريح القرآن الكريم، حيث يقول: ﴿لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ﴾، استمرّت في الوسط الثقافي الإسلامي إلى زمان الإمام الصادق×، أي ما يربو على قرنٍ من نزول القرآن الكريم.

3ـ سرّ آخر في صعوبة هذه المسألة يكمن في أنّ الألفاظ وضعت لأرواح المعاني، ولها مصاديق متفاوتة. ومن البديهي أنّ التفاوت التشكيكي لمصاديق اللفظ لا يكون سبباً في أن تستعمل في مصداقها العالي (الواجب تعالى) استعمالاً مجازياً. ولكنْ ليس من السهل على الذهنيات العادية المستأنسة بالمصاديق الدانية أن تستوعب استخدام تلك المفاهيم (المعاني) في المصاديق العالية. ومن جهةٍ أخرى ليس للإنسان في الحقل المعرفي غير الألفاظ والمفاهيم، فيصعب عليه توظيفها في المصاديق العالية. ولهذا قيل: «مَنْ عرف الله كلّ لسانه»([69])، فإنّه مَنْ اتصل بالحقّ تعالى بالعلم الحضوري، وترجم ما عاشه إلى المفاهيم، كلّ لسانه، كما جاء في العبارة الشريفة. ولصعوبة المسألة اختلف أصحاب الأئمّة فيها، كما نلمس ذلك في ما نقله (الكليني): «قلت لأبي جعفر: جُعلت فداك، إنْ رأيتَ أنّ تعلِّمني هل كان الله ـ جلَّ وجهه ـ يعلم قبل أن يخلق الخلق أنّه وحده؟ فقد اختلف مواليك…»([70]).

وسرّ تشتت أراء الفلاسفة يكمن في هذه النقطة، ولم يشاهَد اختلافٌ في مسألةٍ فلسفية كما شُهِدَ في هذه المسألة. ولا يقتصر الأمر على صفة العلم، بل يشمل سائر الصفات ذات الإضافة، من قبيل: القدرة بدون مقدور، وبصير بدون مبصر، وسميع بدون مسموع؛ لأنّ هذه الأوصاف حقيقية يلزمها الإضافة إلى الغير، ومع انتفاء الغير كيف تتحقّق هذه الصفات؟ وقد شبّه (صدر المتألِّهين) الإشكالية بعدما تأمَّل فيها بمسألةٍ فلسفية أخرى عويصة، هي (ربط الحادث بالقديم)، التي حيَّرت عقول العلماء، الذين عجزوا في تقديم شيءٍ يُعتَنى به في حلِّها. ولكنْ ببركة قاعدة (بسيط الحقيقة كلّ الأشياء) يمكن لنا إثبات أنّ الحقّ تعالى يعلم في مقام ذاته علماً تفصيلياً بجميع الأشياء قبل إيجادها.

ومن المتَّفق عليه بين الفلاسفة كافّةً أنّ للحق علماً إجمالياً بما عداه، يمثل هذا عين ذات الحقّ تعالى، ولكنْ هل للحقّ علم تفصيلي بما سواه في مرحلة ما قبل الإيجاد أم لا؟ وهل هذا العلم عين ذاته المقدّسة؟ وظيفة برهان (بسيط الحقيقة كلّ الأشياء) تتمثل في إثبات القضية التالية: إنّ للحق تعالى في مرحلة (هو الباطن) علماً تفصيلياً بما سواه، ويمثّل هذا المقام (مقام البطون) الذي لم يظهر أبداً، كما نلمس ذلك في الأدعية المأثورة: «وبأسمائك التي استأثرت بها لنفسك». ومن هنا يقول (صدر المتألِّهين) في بداية فصل الإلهيات بالمعنى الأخصّ: «والمقصود في هذا الفصل بيان شهوده تعالى للأشياء كلّها في هذه المرتبة الأحدية، التي هي غيب، وأبسط من كلّ بسيط». ولعل الآية الكريمة: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ تشير إلى هذه المرتبة من العلم الإلهي.

وببيانٍ آخر: يمكن الاستفادة لإثبات علم الواجب بما عداه من طرق ثلاث:

 الأولى: إنّ واجب الوجود مجرّد تامّ. غير أنّ ما يثبته هذا البرهان هو الضرورة الذاتية لعلم الواجب بما سواه.

 الثانية: طريقة المتكلِّمين، التي تتمثّل في برهان (إتقان الصنع)، الذي تشير إليه الآية المباركة: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. لكنّ هذا الاستدلال لا يثبت العلم كصفة ذات؛ على اعتبار أنّ (اسم الخالق)؛ بوصفه اسماً من الأسماء الفعليّة، لا يمكن أن يقع حدّاً وَسَطاً لإثبات صفةٍ من صفات الذات؛ إذ تقع مرتبة الذات فوق مرتبة الأحدية، و(اسم الخالق) يتجلّى على مستوى مرتبة الواحدية، والاستدلال بذيل الآية المباركة: «وهو اللطيف الخبير» وإنْ قرّب المطلب إلى حدٍّ ما، غير أنّ الاسمين محدودان من حيث الإحاطة والاتّساع.

 الثالثة: الاستفادة من قاعدة (بسيط الحقيقة)، التي تعد (أسدّ وأخصر) البراهين في هذا الباب. وما يجب الالتفات إليه هو:

أـ علم الحقّ تعالى بالأشياء غير الأشياء نفسها؛

ب ـ علم الحقّ تعالى بالأشياء مقدَّمٌ على الأشياء نفسها؛

ج ـ علم الحقّ تعالى بما سواه ليس خارجاً عن ذاته المقدّسة، بل يقع في مقام ذات العالِم([71]).

الحكماء وإنْ اتّفقوا على أنّ للحق تعالى علماً إجمالياً بالأشياء في مرتبة الذات، غير أنّ الخلاف وقع بينهم في العلم التفصيلي في مقام الذات؛ حيث قبلت المدرسة المشّائية والأفلاطونية علم الواجب بما سواه، وأنّ علمه بها مقدَّمٌ على تحقّقها، ورفضوا العلم بالأشياء في مرتبة الذات. كما رفض شيخ الإشراق أيضاً أنّ يكون علم الحقّ بالأشياء [بنحو التفصيل] متقدِّمٌ عليها، بل يرى أنّ العلم بالأشياء يقع في مرتبة ذات الأشياء. الأمر الذي جعل (صدر المتألِّهين) يتعجَّب، ويتساءل: كيف لم يوفّق (شيخ الإشراق) لحلّ العلم التفصيلي بالأشياء قبل الإيجاد مع تمكُّنه من حلّ علم الحقّ تعالى في مرتبة الأشياء: «ولعمري إنّه من العجائب التّي لم تَرَ مثلها أعين الأنام، ولم يسمع نظيرتها أولو العقول والأفهام»([72]). في حين أنّ جميع هذه الإشكاليات تحل بفضل قاعدة (بسيط الحقيقة كلّ الأشياء)، فكما أنّ بسيط الحقيقة بلحاظ الوجود كلّ الأشياء فكذلك بلحاظ العلم كلّ الأشياء، بدون أن يلزم اختلاف الحيثيات في الذات المقدّسة.

فالقاعدة تثبت من جهة (العلم الإجمالي) بما عداه في مقام ذاته تعالى، وتثبت من جهة أخرى (العلم التفصيلي) بما سواه في مقام الذات أيضاً، وباعتبار أنّ الإجمال لا معنى له في مقام الذات فمعناه هو البساطة، لا الإبهام. ومعنى ذلك أنّ معلومات الحقّ تعالى وإنْ كانت كثيرة وعظيمة، لكنّها موجودةٌ بوجودٍ واحد بسيط، وهذا الوجود البسيط ليس بشيءٍ من الوجودات الخاصّة لهذه المعلومات. وبالتالي كلّ الأشياء (بدون أن يفرض بينها تكثّر) جليّة وواضحة في مقام الذات الإلهية، والذات المقدّسة في عين الوجدة والبساطة كلّ الأشياء. فذات الحقّ تعالى عالمة بجميع الحقائق الوجودية.

الهوامش

(*) باحثٌ في مجال الفلسفة والعرفان.

([1]) الإلهيات بالمعنى الأخصّ تمثّل مجموعة مسائل تتناول بالدراسة ذات واجب الوجود، وصفاته، وأفعاله.

([2]) العلامة الطباطبائي، تعليقة الأسفار 6: 110، المشاعر للملا صدرا.

([3]) نهاية الحكمة: 249، المرحلة 12، الفصل السابع.

([4]) شرح الإشارات، النمط الرابع، الفصل 11.

([5]) المبدأ والمعاد: 41.

([6]) تفسير آية الكرسي: 97 ـ 98.

([7]) تعليقة على أصول الكافي: 243.

([8]) الشيخ جوادي آملي، شرح الحكمة المتعالية، الجزء 1 من المجلد 6: 67 ـ 69.

([9]) السبزواري، شرح المنظومة، الغرر 71.

([10]) هذه النسبة إلى معلم المشّائين تبتني على أنّ كتاب أثولوجيا أثر من آثار أرسطو، ولكنْ ثبت الآن عند المحقِّقين أن الكتاب هو لأفلطوين المصري. فالنسبة غير صحيحة.

([11]) الأسفار، المجلد 6: 269.

([12]) أسرار الحكم: 37 ـ 39.

([13]) إلهيات الشفاء: 355.

([14]) المبدأ والمعاد: 19.

([15]) التقديسات بنقلٍ من أسرار الحكم: 39.

([16]) القبسات، القبس الثامن: 319.

([17]) الأسفار، المجلد 1: 135.

([18]) الأسفار، المجلد 6: 57.

([19]) الأسفار، المجلد 1: 123.

([20]) الأسفار، المجلد 3: 40.

([21]) مفاتيح الغيب، المفتاح 16: 575.

([22]) الأسفار، المجلد 6: 110.

([23]) المصدر نفسه.

([24]) شرح مقدمة القيصري: 328 ـ 329.

([25]) مجموعة الآثار، المجلد 5: 32.

([26]) شرح المنظومة: 173.

([27]) شرح مقدّمة القيصري.

([28]) الفرق بين المادة الذهنية والجنس هو أنّ المادة المأخوذة لا بشرط هي الجنس، والجنس المأخوذ بشرط لا هو المادّة. والبيان نفسه ينسحب على الصورة والفصل.

([29]) نهاية الحكمة: 276.

([30]) يمكن أن ننظر إلى المسألة من جهةٍ أخرى، هي أنّ جميع أقسام التركيب ترجع في الحقيقة إلى القسم الخامس (التركيب من وجدان وفقدان)؛ على اعتبار أنّ كلاًّ من المادة ـ التي هي قوّة محضة ـ والماهية ـ التي هي تابعة للوجود ـ والأجزاء المقدارية ـ بوصفها أجزاء (تقطيع وتفريق) ـ لا تتمتع بحظٍّ من الوجود، وكلّ تركيب يرجع في أصله إلى الفقدان والوجدان، فهو لا يشكّل تركيباً حقيقياً.

([31]) اللمعة الإلهية: 110.

([32]) تعليقة على نهاية الحكمة: 209، الرقم: 217.

([33]) نهاية الحكمة: 276.

([34]) ملاّ علي نوري، رسالة بسيط الحقيقة: 39.

([35]) المصدر نفسه.

([36]) الأسفار، المجلد 8: 127.

([37]) المصدر نفسه.

([38]) نهاية الحكمة، المرحلة السابعة.

([39]) تعليقة على نهاية الحكمة: 209، الرقم: 217.

([40]) المصدر السابق: 208، الرقم: 215.

([41]) الأسفار، المجلد 2: 97؛ المباحث المشرقية، المجلد 1: 90.

([42]) تعليقة على نهاية الحكمة: 208، الرقم: 215.

([43]) المصدر السابق: 424، الرقم: 415.

([44]) تعليقة على الأسفار، المجلد 6: 110.

([45]) أثار هذا الفرق بعض المحقّقين في شرحه على الأسفار. لكنْ عند التحقيق نجد أنّ هذا الفرق لا يشكل فرقاً ماهوياً بين الحملين؛ على اعتبار أنّ عدم الوقوع في التناقض المنطقي راجع إلى عدم مراعاة شروط التناقض (التي منها وحدة الحمل)، فإنّا إذا أردنا سلب المحمول عن الموضوع (على مستوى نفس حمل الحقيقة والرقيقة) نقع في التناقض المنطقي.

([46]) لمّا كان في الرؤية العرفانية (لا بشرط القسمي) و(بشرط شيء) و(أنواع الكثرة الأخرى) كلّ من سنخ المظاهر فليس لها علاقة مع (لا بشرط المقسمي) بوصفه عين الحقّ تعالى.

([47]) أصول الفلسفة، ج5، المقالة 14.

([48]) عبد الله جامي، نقد النصوص: 72.

([49]) المشاعر، المشعر السادس، تعليقة على الأسفار 6: 110؛ العرشية: 5.

([50]) يرد شبيه هذا الإشكال على كونه تعالى مبدأ الأشياء؛ إذ لمّا كان الواجب تعالى مبدأ الجسم فهو جسمٌ أيضاً. ونتعرّض له حين تحليلنا للدليل الثاني.

([51]) نعم، هذا الكلام يستقيم مع الالتفات إلى سلسلة المراتب التشكيكية، أمّا إذا سلكنا طريق الإطلاق الذاتي فسنثبت البساطة المطلقة للواجب تعالى (لا البساطة النسبية).

([52]) الضرورة الأزلية تختص بالواجب تعالى. ومؤداها أنّ المحمول ضروري الثبوت للموضوع، بدون أي حيثية، لا حيثية تعليلية، ولا حيثية تقييدية. وتقع في مقابل الضرورة الذاتية، التي مفادها: المحمول ضروري الثبوت للموضوع ما دامت الذات متحقّقة؛ أي إنّ الموضوع يحتاج إلى حيثية تعليلية في تلبُّسه بالمحمول.

([53]) تعليقة على الأسفار 6: 101.

([54]) نهج البلاغة، الخطبة 46.

([55]) الأسفار، المجلد 2: 300 ـ 301.

([56]) تنسب هذه النظرية إلى محيي الدين ابن عربي.

([57]) شرح الحكمة المتعالية: 316.

([58]) الأسفار، المجلد 6: 117.

([59]) المصدر نفسه.

([60]) في حين أنّ صدر المتألِّهين حين استشهاده بالآية كان في صدد بيان انطواء الكثرة في الوحدة.

([61]) الشواهد الربوبية: 470، تعليقات المحقق السبزواري&.

([62]) الشواهد الربوبية، الإشراق العاشر: 48.

([63]) الأسفار، المجلد 6: 137.

([64]) يقول صدر المتألِّهين&: غاية التوحيد يثبت بهذا البرهان.

([65]) البداية والنهاية، المحقق الطوسي: 1.

([66]) الأسفار، المجلد 3: 312.

([67]) النفس في وحدتها كلّ القوى، وفعلها في فعله قد انطوى. (السبزواري).

([68]) الفيض الكاشاني، أصول المعارف: 35 ـ 36.

([69]) شرح أصول الكافي: 218.

([70]) شرح الهداية: 320.

([71]) شرح أصول الكافي: 218.

([72]) شرح الهداية: 320.