قبسٌ من عرفان الإمام الحسين عليه السلام

24 مايو 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
118 زيارة

قبسٌ من عرفان الإمام الحسين عليه السلام

الشيخ محمد أمين صادقي(*)

 

1ـ أهمّية البحث ــــــ

ها هو سيد الشهداء× يتلألأ كالشمس المتألّقة في بروجها؛ لتشرق على الناس كلّهم، وعلى الشعوب مهما اختلفت قوميّاتهم، أو تعدّدت لغاتهم، أو مذاهبهم وأديانهم، في بقاع العالم. وهو يفيض بكافّة أنوار وجوده بلا استثناء، ولا سيّما تلك التي شعّت في ملحمته الواعية وشهادته المـُفجعة في واقعة كربلاء.

غير أنّ ملحمة كربلاء التي صنعت منه× «قتيل العبرات» قد أخفت تحتها العديد من سماته وخصائصه الوجوديّة الأخرى، إلى درجةٍ جعلت البعض يغفل عن أنّ الحسين× لم يكن مجرّد معلِّم للإيثار والشهادة والجهاد ومقارعة الظلم فحَسْب، وإنّما كان مع ذلك مربّياً عرفانيّاً عظيماً، وبطلاً من أبطال التوحيد. ولذا لا يخطرنّ على قلب أحد أنّ معارف أهل البيت^، بمَنْ فيهم الإمام الحسين×، محدودةٌ بدائرة العلوم المعروفة والمتداولة بين عامّة الناس؛ فذلك ظلمٌ كبير، واعتداءٌ لا يغتفر على تلك الساحة المقدّسة والكنوز الحاوية للعلوم الإلهيّة([1]).

أما ونحن في هذا العصر، الذي تهيّأ لعرض الحقائق الإلهيّة ومعارف أهل البيت^، واشتاق إلى بيانها بوضوحٍ، في ظلّ النظام الإسلامي المبارك، فحريٌّ بالباحثين المعنيّين بقضايا الدين أن يبذلوا جهوداً مضاعفة في إشاعة معارف أهل البيت^ المهجورة؛ أداءً منهم لدَيْنهم تجاه القرآن والعترة. ولذا ألحَّتْ الضرورة أن نطرح ما يمسّ التوحيد ومسائله من وجهة نظر الإمام الحسين×؛ ليشتدّ بذلك سطوع معارفه ـ والتي ما برحت ساطعةً ـ على معاهد العلم والثقافة، ومراكز الأبحاث والدراسات الدينيّة والإنسانيّة.

 

2ـ الهدف من التوحيد العرفاني ــــــ

التوحيد هو الأساس الذي تستند إليه كافّة أركان الدين والتصديقات الاعتقاديّة. فكافّة الأصول الاعتقاديّة والتعاليم الدينيّة الأساسيّة ترجع إليه بنحوٍ من الأنحاء. ولذا فقد تناولته مفصَّلاً العلوم الإسلاميّة، من كلامٍ وفلسفة وعرفان، فخاض فيه كلٌّ منها اعتماداً إلى مبادئه الخاصّة. غير أنّ الحكمة المتعالية والعرفان النظري ـ حسب ما يرى العديد من الخبراء والمتخصّصين في المعارف الإلهيّة ـ قد فاقا سائر العلوم الإسلاميّة (الكلام، والفلسفة المشائيّة، والتفسير، وغيرها) في القدرة على إماطة اللثام عن الحقائق التوحيديّة الواردة في النصوص الدينيّة (القرآن؛ والحديث) وسائر مصادر الفكر الديني.

ومع ذلك ينبغي الالتفات إلى أنّ الهدف من التوحيد العرفاني هنا لا ينحصر في الوصول إلى التجربة الشهوديّة للعرفاء، والتي يُعبّر عنها أحياناً بـ «وحدة الوجود»، بل هو التوحيد الخالص الصافي، الذي يمكن أن يفهم ويدرس على ضوء آيات القرآن وروايات أهل البيت^ عامّة، وكلمات الإمام الحسين× خاصّة، وذلك بالاستفادة من تجارب ومعطيات الحكماء والعرفاء العظام.

 

3ـ ضرورة معرفة التوحيد في كلام الإمام الحسين× ــــــ

إنّ من الأمور المهمّة والأساسيّة في بحث التوحيد مسألة ضرورة معرفة «التوحيد» نفسه. ولهذا فقد عمل كلٌّ من القرآن والعترة على بيان الحقائق التوحيديّة في مختلف المجالات بما يفوق بيانهم لأيّ مسألة أخرى، كما أنّهما أكَّدا على ضرورة معرفة الله. وفي هذا الصدد يقول سيّد الشهداء: يا أيّها الناس، إنّ الله ما خلق العباد إلاّ ليعرفوه([2]).

وكذلك الأمر في دعاء عرفة، ذلك الدعاء المنعش للأرواح، حيث يُخاطب× الله تعالى مشيراً إلى أهمّية معرفته سبحانه: أَوْجَبْتَ عَلَيَّ حُجَّتَكَ، بِأَنْ أَلْهَمْتَنِي مَعْرِفَتَكَ، ورَوَّعْتَنِي بِعَجَائِبِ حِكْمَتِكَ، وَأَيْقَظْتَنِي لِمَا ذَرَأْتَ فِي سَمَائِكَ وَأَرْضِكَ مِنْ بَدَائِعِ خَلْقِك‏([3]).

ففي الكلام الأوّل يعتبر الإمام الحسين× أنّ فلسفة خلق الإنسان ترتكز بشكل أساس على معرفة الله، كما جاء في الحديث القدسي: كنتُ كنزاً مخفيّاً، فأحببتُ أن أُعرفَ، فخلقتُ الخلقَ لكي أُعرفَ([4]). [ولا يخفى أنّ علينا الالتفات إلى أنّ عبارة: «لكي أُعرف» جُعلت في الروايات غايةً للخلق، لا غايةً للخالق].

ويؤكّد× في الكلام الثاني على نقطةٍ في غاية الأهميّة، وهي أنّ أرقى إحسان يتلطّف به الله تعالى على عبده هو إخضاعه لحجج باطنيّة، كالعقل والقلب وسائر أدوات المعرفة، من جهةٍ، ولحجج ظاهريّة، كالأنبياء والأولياء الإلهيّين، من جهة أخرى، كلّ ذلك في سبيل حثّ الإنسان على معرفة الحقّ تعالى.

كما أنّ بقيّة الأئمّة^ قد أكّدوا بدورهم هذه المسألة. فقد اعتبر أمير المؤمنين× أنّ معرفة الله هي أساسُ التديّن، وفي هذا يقول×: أوّل الدين معرفتُه، وكمالُ معرفِتِه التصديقُ به، وكمالُ التصديقِ به توحيدُه([5]).

ويقول الإمام الرضا×، مُشدّداً على أهمّية معرفة التوحيد: أوّلُ عبادة الله معرفتُه، وأصلُ معرفة الله توحيدُه([6]).

وبذلك يظهر جليّاً أنّ معرفة التوحيد تعدّ أهمّ وأوجب وظيفة تقع على عاتق أهل التوحيد، في نظر أهل البيت^، والإمام الحسين× خصوصاً.

 

4ـ تجلّيات التوحيد الإلهي في كلام الإمام الحسين× ــــــ

تناولت النصوص الدينيّة التوحيد من جهاتٍ عدّة. وقد تبعتها في ذلك العلوم الإسلامية، من الكلام والفلسفة والعرفان والتفسير. وكان بحث التوحيد أحد الأبحاث التي طُرحت في هذا المضمار. ورغم أنّ هذا القسم من التوحيد ـ الذي يُعبّر عنه أحياناً في العرفان الإسلامي بـ (توحيد الأنبياء)([7]) ـ هو قسمٌ جدير بالدراسة والتحليل من حيثيّاته المختلفة فإنّنا سنكتفي هنا بتلك الحيثيّات التي وردت في كلام الإمام الحسين×، دون غيرها.

 

معنى وحدانيّة الله ــــــ

تُعدّ مسألةُ الوحدة اللامتناهية للحقّ، ونفي الوحدة العدديّة عنه تعالى، من المباحث المهمّة والأساسية التي تبتني على أساس الفطرة الإنسانية، والتي تتفرّع عن حقيقة الوحي الإلهي. ويعتقد عظماء أهل الحكمة والتفسير([8]) أنّ الفطرة تدعو إلى إلهٍ واحد غير محدود العظمة والكبرياء، ذاتاً وصفةً، غير أنّ إلفة الإنسان وأنسه في ظرف حياته بالآحاد العدديّة من جانبٍ، وبلاء الملّيين بالوثنيين والثنويين وغيرهم لنفي تعدّد الآلهة من جانبٍ آخر، أدّى إلى أن تجد الوحدة العدديّة لنفسها طريقاً إلى العقول، وجعل حكم الفطرة المذكورة كالمغفول عنه، حتّى صرّح بها مثل الرئيس أبي علي ابن سينا في كتاب الشفاء([9]). وأمّا أهل الكلام من الباحثين فاحتجاجاتهم على التوحيد لا تعطي أزيد من الوحدة العددية أيضاً. والحال أنّ مسألة الوحدة واضحة في جميع الآيات التوحيديّة في القرآن. غير أن أهل التفسير والمشتغلين بعلوم القرآن من الصحابة والتابعين، ثمّ الذين يلونهم، أهملوا هذا البحث الشريف. فهذه جوامع الحديث وكتب التفسير المأثورة عنهم لا أثر فيها من هذه الحقيقة، لا ببيانٍ شارح، ولا بسلوكٍ استدلالي، ولم نجدْ ما يكشف عنها غطاءها، إلاّ ما ورد في كلام الإمام عليّ بن أبي طالب×([10]).

فبعد القرآن الكريم تحدّث أهل البيت^ عن وحدانيّة الله وسائر صفاته. وهم تلامذة الحقّ في مدرسة القرآن والوحي، ولذا كان بيانهم خير بيان. ومن ذلك كلام سيّد الشهداء الحسين بن عليّ×، حيث يقول: استخلص الوحدانيّة والجبروت، لا منازع له في شيء من أمره، ولا كفو له يُعادله، ولا ضدّ له يُنازعه، ولا سميّ له يُشابهه، ولا مِثْل له يُشاكله([11]).

ويشير× في كلامه هذا إلى أنّ الله تعالى قد اختصّ نفسه بالوحدة الصرفة. ولإدراك عُمق كلام الإمام×، وبيان وحدانيّة الله من منظاره، ينبغي التنبيه إلى نقاط ثلاث:

الأولى: إنّ الوحدة من حيث المفهوم هي من البديهيّات، التي لا نحتاج في تصوّرها إلى شيءٍ سواها([12]). وأمّا اتّصاف الله تعالى بها فهو بمعنى أنّ وجوده تعالى لايُـحدّ بحدٍّ، ليمكن أن يفرض له ثانٍ وراء ذلك الحدّ. ولهذا ورد في سورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾؛ إذ إنّ لفظ «أحد» يُستعمل استعمالاً يدفع إمكان فرض العدد في قباله([13]).

ومن خلال هذه الرؤية وهذا الفهم نستطيع أن نقول بكلّ بساطة: إنّ أعمق معنى يمكننا تصوّره من كلام الإمام الحسين×، الذي قال فيه: «استخلص الوحدانيّة والجبروت» هو أنّ هدفه× من الوحدانيّة هي الوحدة الأحديّة، لا الوحدة الواحديّة والعددية، والتي تمتلكها كذلك سائر الموجودات، ولا تختصّ بالله تعالى.

الثانية: إنّ الوحدة الصرفة هي وحدةٌ لا تحتوي أيّ شائبة من الكثرة، ولا يُمكن أن نتصوّر فيها وجود أيّ حدٍّ أو نهاية. فلو كانت الوحدة عدديّة، وتصوّرنا فيها وجود حدٍّ، فلن تكون وحدة صرفة؛ ولذا فإنّ ساحة التوحيد الإلهي منزَّهة عن الوحدة العدديّة. وفي هذا الإطار ورد عن أمير المؤمنين× أنّه قال: «كلّ مسمّى بالوحدة غيره قليلٌ»([14])؛ أي إنّ كلّ مَنْ اتّصف بالوحدة من الموجودات غير الحقّ تعالى ستكون وحدته قليلة.

ومعنى كلامه× هو أنّه لا يمكننا تفسير وحدانيّة الله بالوحدة العدديّة؛ لأنّ مقتضى الوحدة العدديّة، والتي تتجلّى في الموجود المحدود، والقابل للانقسام، أنّه كلّما كان حجم التقسيم للشيء أكبر كلّما اشتدت فيه الكثرة، وضعُفت فيه الوحدة، وبالتالي سيكون كلُّ واحدٍ عددي قليلاً بالنسبة للكثير الذي جُعل في مقابله، ولو على سبيل الفرض. وأمّا الواحد الذي لا يُتصوَّر في معناه وجودُ حدٍّ ولا نهاية فإنّ احتمال الكثرة فيه معدومٌ؛ لعدم عروض الحدّ والامتياز عليه، وعدم نقصان وجوده من شيءٍ، حتّى يكون كثيراً بانضمامه، وقليلاً عند فقدانه، بل إنّ وجوده هو بحيث كلّما فُرض له ثانٍ عاد أوّلاً؛ لأنّه لا يحتمل وجود شيءٍ ثان([15]). ونخلص من هذا إلى أنّ الوحدانيّة المتصوّرة في كلام الإمام الحسين بالنسبة إلى الله تعالى لا يمكن أن تكون هي الوحدة العدديّة؛ لأنّها غير خالصة ومحدودة.

الثالثة: نستنتج من مجموع المسائل التي مرَّت باختصارٍ في النقطتين السابقتين أنّ مراد الإمام× من قوله: «استخلص الوحدانيّة والجبروت» هو الوحدة الأحديّة، التي يُعبّر عنها بالوحدة الحقيقيّة([16])، والتي لا يُمكن أن يتسلّل إليها أيّ شائبة من الكثرة، أو يُتصوَّر ويُفترض فيها أيّ نوع من التعدّد. والشاهد على هذا المعنى هو نفي الكفء والضدّ وأمثال ذلك عن الله تعالى في التعابير والجمل الواردة عنه× في الكلام السابق. وعلى هذا لو صادفتنا في بعض الأدعيّة عبارة: «لك يا إلهي وحدانيّة العدد»([17]) فإنّ المراد من ذلك هو ملكيّة الوحدة العدديّة، دون الاتّصاف بها؛ أي إنّ الإمام السجّاد× يبتهل إلى الله تعالى بأنّه هو المالك للوحدة العدديّة كذلك، والتي تُعدّ منشأً لكلّ هذه الكثرة([18]). وأدلُّ دليلٍ على أنّ الإمام× لم يكن في هذا الدعاء في صدد إثبات الوحدة العدديّة ما يلي:

أوّلاً: إنّ الوحدة العدديّة في الاصطلاح الفلسفي هي من مقولة «الكَمّ»، التي تُعدّ من الأعراض ومخلوقةً لله، فلا يُمكننا القول بأنّه تعالى متّصف بها.

ثانياً: وصلنا العديد من الروايات عن أهل البيت^ تُصرِّح بنفي الوحدة العدديّة عن الحقّ تعالى، ومن جُملتها: «واحدٌ لا بعددٍ»([19])، «الأحدُ لا بتأويل عدد»([20])، و«واحدٌ لا من عددٍ»([21]).

ثالثاً: وكما يقول أحد كبار أهل الفكر والمعرفة([22])، فإنّ مسألة بطلان الوحدة العدديّة هي من الوضوح بمكانٍ جعل أمير المؤمنين× يستدلّ بها على نفي الحدّ عن الله تعالى، حيث ورد عنه في نهج البلاغة أنّه قال: «مَنْ حدّه فقد عَدّه»([23]). وبناءً عليه لا نستطيع القول بتاتاً بأنّ الدعاء المتقدّم ناظرٌ إلى وحدة الله العدديّة؛ إذ إنّ هذه الوحدة لا تتوافق أبداً مع المباني الفكريّة لأهل البيت^.

 

التوحيد المحض والخالص ــــــ

نظراً لكون أهل البيت^ هم الحرّاس الساهرون على حفظ تراث الوحي وتفسيره فقد سعَوْا إلى وضع المعارف السماويّة في أيدي الناس بصفائها، نقيّة من سوء الفهم. ولهذا تعرّضوا لبيان المسائل الدينيّة في مختلف أبعادها. ومن المعارف القرآنيّة التي تمّت المحافظة عليها جيّداً ببركة أهل البيت^ التوحيدُ الإلهي؛ إذ إنّ الأئمّة^، ومن خلال تقديم تفسير صحيح لهذا التوحيد، لم يسمحوا عبر العصور التاريخيّة المختلفة لسحابة التأويل المنحرف المعتمة بأن تخيِّم بشكلٍ كاملٍ عليه، لتُصاب الأمّة الإسلاميّة ـ نظير الأمم السابقة ـ بالانحراف العقائدي بعد وفاة نبيّها. وفي هذا الخضمّ، ورغم جميع المشاكل ـ التي صُبّت على الأمّة الإسلاميّة في عصورهم ـ، يقوم سيّد الشهداء في إحدى خطبه بتحذير الناس من الأفكار والأقوال المنحرفة المرتبطة بالتوحيد؛ للمحافظة على الأصول الاعتقاديّة والتوحيديّة، فيقول: أيّها الناس، اتّقوا هؤلاء المارقة، الذين يشبّهون الله بأنفسهم، يضاهئون قول الذين كفروا من أهل الكتاب، بل هو الله ليس كمثله شي‏ء، وهو السميع البصير، لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير، لا تتداوله الأمور، ولا تجري عليه الأحوال، ولا تنزل عليه الأحداث‏([24]).

ويحتوي هذا الكلام على بعض اللطائف، سنسعى إلى دراستها وبيانها من خلال محاور عدّة:

 

أـ لحن الخطاب ــــــ

يظهر بشكل جليّ من لحن خطاب الإمام× وعباراته أنّه كان يتتبّع المسائل العقائديّة بقلقٍ وحساسيّة مفرطين، وخاصّة ما يمسّ التوحيد، الذي يشكِّل أساس الأصول العقائديّة، وأنّه كان شديد الاهتمام في متابعته لذلك، كما كان يسعى بما أوتي من قوّة للحؤول دون تسلّل الأفكار المنحرفة إلى الأفق العقائدي للأمّة. وقد كان يهدف من ذلك إلى المحافظة على التراث الصادر عن الوحي ورسالة نبيّ الإسلام، وسيرة أهل البيت^، وخصوصاً أمير المؤمنين×. فمن باب المثال: يُنقل في السيرة العلميّة والعمليّة لأمير المؤمنين× عن شريح بن هاني أنّ أعرابياً سأله× في حرب الجَمَل عن التوحيد، فما كان من أصحابه إلاّ أن انقضّوا عليه قائلين: هل هذا موضعٌ مناسب لمثل هذا السؤال، إنّ أمير المؤمنين في حالة حرب؟ غير أنّ الإمام× قال لهم: دعوه ليسأل، فحربنا مع هؤلاء القوم هو حول نفس مسألة التوحيد هذه، وبعد ذلك تحدّث× حول التوحيد بشكلٍ مفصّل([25]).

وكاستمرار لهذا المسار الفكري لأهل البيت^ سعى سيّد الشهداء بدوره، وبشكل دائم، للمحافظة على القيم التوحيديّة، إلى أن انتهى به الأمر إلى النهوض لمواجهة التصوُّر اليزيدي القائل بأنّه: «لا خبرٌ جاء، ولا وحيٌ نزل»([26])؛ وذلك من أجل صيانة تراث الوحي، فرَضِي بشهادته وأسر أهل بيته^ في سبيل حفظ كلمة التوحيد وبقائها.

وعليه تكون أوّل رسالةٍ مستخلصةٍ من الكلام السابق لسيّد الشهداء موجّهةً إلى الجميع ـ وخاصّة لأولي الفكر والنظر ـ، ومفادها أنّه لا بدّ من السعي في سبيل المحافظة على الأصول الأساسيّة للمعتقدات الدينيّة، وأن لا يقرّ لهم قرار في طريق صيانة معارف القرآن والعترة.

 

ب ـ الإشارة التوحيديّة في كلام الإمام× ــــــ

يحذّر سيّد الشهداء الجميع من مغبّة الابتلاء بالانحراف العقائدي على مستوى التوحيد، قائلاً: إيّاكم أن تكونوا مثل أولئك الذين يشبِّهون الله بأنفسهم، ويُماثلون الكفّار من أهل الكتاب في حديثهم عن التوحيد. وكأنّه× يريد أن يقول بأنّه إذا كان المسيحيون قد تورَّطوا بعد نبيِّهم عيسى× بالتثليث، وبنو إسرائيل في فترة الغياب بعبادة العجل، فإنّ بين أظهركم طائفة غفلت عن روح الدين، وعجزت عن إدراك التوحيد، حرمت نفسها من نور أهل البيت^، وهي تريد أن توقع التوحيد الإسلامي الصافي في نفس المصير الذي آل إليه التراث التوحيدي للأنبياء السابقين؛ لتحيد بالناس عن طريق التوحيد المحض والخالص. كما أنّ بعض الفرق الباطنيّة «بما أنّها لم تدرك حقيقة الطريق فقد روَّجت للأساطير»، وقدّمت تصوُّرات مشينة حول المسائل التوحيديّة. وفي هذا الصدد يُشير الإمام الحسين× إلى بعضٍ من تجليّات الحقائق التوحيديّة، محذّراً الأمّة الإسلاميّة من خطر الانحراف على مستوى التوحيد، موضِّحاً أنّ التوحيد الخالص الذي لا سبيل لتوهُّم التشبيه فيه هو نفس ما جاء به القرآن الكريم ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى: 11)، و﴿لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ (الأنعام: 103). فالله سبحانه وتعالى لا تجري عليه الأحوال، ولا تنزل عليه الأحداث.

ومن هنا يظهر أنّ الإمام× يشير في كلامه إلى مجموعة من المسائل، نسعى في ما يلي إلى دراستها على سبيل الاختصار:

1ـ يقول× من خلال الاستناد إلى القرآن الكريم: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. ومراده من ذلك أنّه إنْ كنتم تعتقدون بنصّ القرآن الذي ينفي المِثْل عن الله تعالى فلا تُشبِّهوه إذاً بأيّ أحد. هذا مع أنّ «المِثْل» لا يمكن تصوّره بحسب الدليل العقلي إلاّ في ظاهرتين ـ أو أكثر ـ تمتلكان ماهيةً مشتركة، وبما أنّ الله تعالى لا ماهيّة له، وهو وجودٌ محضٌ، فإنّه عزَّ وجلَّ لا مِثْل له.

2ـ المسألة الأخرى التي تمّت الإشارة إليها في كلامه× هي قضيّة رؤية الله تعالى بالعين. فقد توهَّمت بعض الفرق الإسلاميّة؛ بسبب ابتعادها عن سناء نور الولاية، إمكان رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة([27]). واعتقد بعضها الآخر بحصول ذلك في الآخرة فقط([28]). غير أنّ هذه المسألة مرفوضةٌ في كلامه× رفضاً قاطعاً.

ومن الجدير بالذكر أنّ مسألة «الرؤية» تعتبر من المسائل الخلافيّة التي ظهرت بين مختلف المذاهب الإسلاميّة، بحيث إنّ كلّ واحد من هذه المذاهب تعرّض لبحثها بشكلٍ مفصّل، من خلال الاستناد إلى ظواهر بعض الآيات والروايات.

وعلى نفس هذا المنوال شكّلت «الرؤية» مدار بحث العديد من الروايات الشيعيّة، إلاّ أنّه؛ وبالاستعانة بالروايات والآيات النافية للرؤية، نستطيع أن نستنتج بأنّ مراد هذا النوع من الروايات هو الرؤية القلبيّة، وليس الرؤية بالعين([29]).

3ـ وأمّا الموضوع الآخر المستفاد من كلامه× فهو أنّ الله تعالى ليس محلاًّ للحوادث. ومن بين جميع الفرق الإسلاميّة تُعَدّ الكرّاميّة الفرقة الوحيدة التي عانت من هذا التوهّم القائل بأنّ الله تعالى تجري عليه الأحداث([30]). غير أنّه وبأدنى تأمّل يظهر لنا بطلان هذا الاعتقاد؛ إذ إنّ التغيُّر والتحوُّل هما من خصائص المادّيات، فلا سبيل لهما إلى المجرَّدات، ناهيك عن الباري تعالى.

 

استحالة معرفة حقيقة وجود الحقّ سبحانه ــــــ

ومن المباحث المهمّة التي تمّ التعرّض لها في كلام سيّد الشهداء مسألة امتناع معرفة حقيقة ذات الحقّ سبحانه، واستحالة إدراكها. وقد حظيت هذه المسألة باهتمامٍ خاصّ في كلمات الإمام الحسين×: ولا يقدّر الواصفون كُنْه عظمته، ولا يخطر على القلوب مبلغ جبروته، لأنّه ليس له في الأشياء عديل، ولا تدركه العلماء بألبابها، ولا أهل التفكير بتفكيرهم، إلاّ بالتحقيق، إيقاناً بالغيب؛ لأنّه لا يوصف بشي‏ء من صفات المخلوقين… ما تصوّر في الأوهام فهو خلافه… احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار، وعمَّنْ في السماء احتجابه كمَنْ في الأرض… يصيب الفكر منه الإيمان به موجوداً، ووجود الإيمان لا وجود صفة، به توصف الصفات لا بها يوصف، وبه تعرف المعارف لا بها يعرف([31]).

وبما أنّ الدراسة الكاملة والمفصَّلة لهذا الكلام تحتاج إلى بحثٍ مفصّل وواسع سنقتصر هنا على الإشارة إلى بعض النقاط، بما تتيحه سعة المقالة:

 

أـ تحديد محلّ البحث ــــــ

تمّت الإشارة في كلام الإمام الحسين× إلى أنّ المعرفة الكاملة لذات الحقّ سبحانه لا تتيسَّر لأحدٍ أبداً([32]). فلا أهل الفكر قادرون على قنص عنقاء ذاته بشباك المفهوم؛ إذ إنّ حقيقة الوجود المحض لا تأتي إلى الذهن بتاتاً، والمفاهيم لا تتجاوز مستوى مرآة ذات الحقّ. ولا أهل الشهود متمكِّنون من الاهتداء إلى كُنْه ذاته؛ لأنّ الوجود اللامحدود لا يدخل تحت حيطة شهود الموجود أبداً([33]). ومن أجل ذلك يقول أمير المؤمنين: «الذي لا يُدركه بُعْد الهمم، ولا يناله غوص الفطن»([34]). وعلى امتداد هذه النظرة سار التراث العرفاني لأهل المعرفة، الذين قالوا: حار جميع الأنبياء وأولياء الله في الذات الإلهيّة، ولا يمكننا أن ندرك الحقّ تعالى إلاّ من خلال الأسماء والصفات، لا من حيث الذات؛ إذ إنّ معرفة ذات الحقّ لا تتيسّر لأيِّ أحد؛ لأنّه من هذه الناحية لا نسبة بين الحقّ سبحانه وبين العالم والعالمين([35]).

كما يعتقد أهل الحكمة بدورهم أنّ معرفة الله تعالى كما هو مختصّة به سبحانه، ولا يمكن لأيِّ عقل أن يعرفه كما هو عليه في نفسه([36])؛ إذ إنّ حقيقة الوجود الواجبي جلّ مجدُه لا يمكن إدراكُها بأيِّ علم (حصولياً كان أم شهوديّاً)([37]).

ب ـ الدليل على المسألة ــــــ

لماذا لا يُمكن إدراك حقيقة وجود الحقّ تعالى؟ لقد ورد الجواب عن هذا السؤال في ضمن كلام سيّد الشهداء بهذه الكيفيّة: «وبه تعرف المعارف لا بها يُعرف»؛ أي إنّ المعرفة كيفما كانت فهي قبسٌ من فيضه تعالى، ولذلك لا يمكنها تسليط الضوء على الحقّ سبحانه، وجلاء حقيقة وجوده بشكلٍ كامل؛ لكي يتمكّن طلاّب صومعته من الاهتداء إلى كُنْه ذاته؛ إذ إنّ الفيض لا يقدر أبداً على الإحاطة بالمبدأ الفيّاض. وعند التحليل المختصر لهذه المسألة ينبغي علينا القول إجمالاً بوجود طريقين لإدراك الوجود: الأوّل: طريق الحصول؛ والآخر: طريق المشاهدة. وأمّا إدراك الحقّ تعالى من خلال العلم الحصولي فلا يمكن حصولُه؛ لعدّة أسباب:

أوّلاً: تلعب الماهيّة دوراً أساسيّاً في العلم الحصولي، وبما أنّ الحقّ سبحانه وجود محضٌ، ولا ماهيّة له، فإنّه يأبى عن الاكتناه من خلال العلم الحصولي.

ثانياً: كلّ موجود ذهني هو عَرَضٌ قائم بالذهن، والله تعالى ليس بعَرَض؛ لأنّ العَرَض مفتقر إلى محلّ، والله منزَّه عن المحلّ.

ثالثاً: الوجود الذهني عبارةٌ عن حصول صورة موجودٍ ما في الذهن، مع كون هذه الصورة مطابقةً للخارج، وهذا ما يؤدّي إلى تبدُّل الوجود من خارجي إلى ذهني، مع حفظ الماهية، الأمر الذي يمكن تصوُّره بالنسبة إلى الموجود الذي يمتلك ماهيّة فقط، وإلاّ لزم انقلاب الوجود العيني إلى الوجود الذهني، وهو محالٌ.

وأمّا في ما يخصّ الطريق الثاني فيُمكننا القول ـ بشكلٍ مختصر ـ: إنّ ما يُعلم من خلال المشاهدة يمتلك حتماً وجوداً نسبيّاً بالنسبة إلى العالِم به؛ بمعنى أنّ وجوده من حيث هو محسوسٌ [ومشهود] سيمتلك من نفس هذه الحيثيّة وجوداً بالنسبة إلى الجوهر الحاسّ [والشاهد]، وسيكون مثل هذا الوجود رابطيّاً، نظير: وجود الحالّ والعرض بالنسبة إلى المحلّ والموضوع، أو من قبيل: المجعول بالنسبة لجاعله. ونظراً لكون وجود الحقّ تعالى حقيقيّاً، وليس من سنخ الوجود الرابطي، فإنّ حقيقته لن تكون معقولة [ومشهودةً] من قِبَل أيّ شيء، سوى ذاته المقدّسة. وإذا ما أمكنت معرفة الحقّ سبحانه فإنّ ذلك سيكون بمقدار تجلّي نور وجوده للمظاهر الوجوديّة، لا أكثر([38]).

ج ـ الرسالة التنزيهيّة لهذا البحث ــــــ

المسألة التي ينبغي الالتفات إليها في هذا البحث تكمن في أنّ قولنا بعدم إمكانيّة معرفة وجود الحقّ تعالى وإدراكه كان لمجرّد تنزيه ذاته المقدّسة، دون أن يعني ذلك تعطيل العقل عن معرفته سبحانه. ولهذا السبب نجد في كلام الإمام الحسين× أنّه وفي عين التنزيه الكامل للحقّ سبحانه قد منع عن تعطيل معرفته تعالى، وذلك حين قال: «يُصيب الفكرُ منه الإيمانَ به موجوداً». فمعنى كلامه× أنّ من الممكن إدراك موجوديّة الحقّ سبحانه من خلال الفكر والتعقُّل، من دون زيادة وصفٍ خارج عن وجوده تعالى. وبناءً عليه فإنّ ما تمّت الإشارة إليه في كلام سيّد الشهداء، وكذلك في التراث العرفاني والفكري لأهل الفكر والمعرفة، ناظرٌ إلى نفي المعرفة الكاملة بذات الحقّ سبحانه، واكتناه حقيقة وجوده اللامتناهي، وليس إلى معرفته الإجماليّة، المتحصِّلة من خلال أسمائه وصفاته تعالى. ولذلك يقول أمير المؤمنين: لَمْ يُطْلِعْ الْعُقُولَ عَلَى تَحْدِيدِ صِفَتِهِ، وَلَمْ يَحْجُبْهَا عَنْ وَاجِبِ مَعْرِفَتِهِ، فَهُوَ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ أَعْلامُ الْوُجُودِ عَلَى إِقْرَارِ قَلْبِ ذِي الْجُحُود([39]).

فكلامه× يعني أنّ المعرفة والاكتناه من خلال تحديد صفة الحقّ ـ التي هي عين ذات غيبه اللامتناهي ـ مستحيلةٌ، وليست في متناول الجميع. وأمّا أصل معرفته فتُعدّ واجبة، فضلاً عن أن يتعلّق بها منعٌ، أو يوضع عليها حجاب. وعليه لا يوجد أيّ مانع من ذلك المقدار الواجب من المعرفة، وإلاّ لكان ذلك نقْضاً للغرض.

وأخيراً نرى من الضروري التذكير بهاتين النقطتين:

أولاً: ما ورد في كلام الإمام الحسين× بأنّ «ما تصوّر في الأوهام فهو خلافه»، لا يُراد منه بأنّ الحقّ سبحانه مغايرٌ للصورة الذهنيّة؛ إذ إنّ جميع الأشياء الخارجيّة والظواهر العينيّة على هذا النعت ـ أي إنّ وجودها الذهني غير وجودها الخارجي ـ، بل المراد من ذلك أنّ الله تعالى هو على خلاف ما يُكشَف عنه بواسطة التصوُّر الذهني، فلا تُحيط به أيّ صورة ذهنية([40]).

ثانياً: إنّ «صفات الحقّ تُعرَف من خلال وجود الحقّ، لا أنّ وجود الحقّ يُعرَف بصفاته».

وسيأتي توضيح هذه المسألة عند بحث طرق المعرفة التوحيديّة.

 

التوحيد في الربوبيّة ــــــ

من المباحث الأخرى التي تمّت الإشارة إليها في كلام الإمام الحسين× حول التوحيد الإلهي هو التوحيد في تدبير العالم وإدارته. فقد قال×، مستنداً إلى القرآن: «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ… سُبْحانَهُ سُبْحانَهُ، لَوْ كانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاّ اللهُ لَفَسَدَتا وتَفَطَّرَتا»([41])؛ إذ إنّ المشركين كانوا يعتقدون بتفويض نظام الكون في تدبيره إلى موجوداتٍ أخرى غير خالق العالم، ولذلك من المتصوَّر وجود آلهة متعدِّدة.

وفي نقده لهذه النظرة يقول القرآن الكريم: لو فرضنا وجود أكثر من إلهٍ لهذا العالم فإنّ هذه الآلهة ستكون متباينة على مستوى الذات والحقيقة، وهذا التباين والاختلاف في الذات سيفضي إلى اختلافها في إدارة شؤون العالم وتدبيره، وبالتالي سيستتبع ذلك فساد نظام الكون واندثاره. وبما أنّ العالم يسير وفق نظام متناسق بشكلٍ كامل نستنتج أنّ الذي يدير العالم هو إلهٌ ومدبِّر واحد. وقد ورد في حديث سيّد الشهداء كلامٌ عن التوحيد التدبيري، استناداً إلى هذه الآية المباركة، ومفاده أنّ الوحدة والانسجام والتناسق الذي يحكم عالم الوجود على مستوى النظم والتدبير يقتضي حتماً وجود مدبِّر منزَّه عن أيّ نقص، ومنه النقص الذي يبرز من امتلاك شريكٍ في تدبير العالم. قال×، لعدّة مرّات: سبحانه سبحانه. وهنا قد يُطرَح علينا هذا التساؤل: مع أنّ النظام الحاكم على العالم يحكي عن تدبيره من قبل مدبِّر واعٍ، لكنْ ما هو المحال في أن نفترض وجود إلهين ومدبِّرين للعالم يديرانه بالتوافق والانسجام والتدبير العقلي؛ وذلك حفظاً لمصلحته وإدارته؟ وفي هذا الصدد يقول العلاّمة الطباطبائي: هذا غير معقول؛ فإنّ معنى التدبير التعقُّلي عندنا هو أن نطبّق أفعالنا الصادرة منّا على ما تقتضيه القوانين العقلية الحافظة؛ لتلائم أجزاء الفعل وانسياقه إلى غايته، وهذه القوانين العقليّة مأخوذةٌ من الحقائق الخارجيّة، والنظام الجاري فيها الحاكم عليها. فأفعالنا التعقليّة تابعةٌ للقوانين العقليّة، وهي تابعةٌ للنظام الخارجي، لكنّ الربَّ المدبِّر للكون فعله نفس النظام الخارجي، المتبوع للقوانين العقليّة، فمن المحال أن يكون فعله تابعاً للقوانين العقليّة، وهو متبوعٌ([42]).

 

5ـ التوحيد الصمدي ــــــ

ومن المطالب التوحيديّة التي أشير إليها في كلام سيّد الشهداء التوحيد الصمدي. ويشكّل هذا البحث أوج المباحث التوحيديّة المطروحة في الحكمة المتعالية([43])، وبيت القصيد في العرفان الإسلامي. وقد يُعبَّر عنه أحياناً بالتوحيد الوجودي([44]). ويظهر جليّاً من كلمات الأئمّة المعصومين، وخصوصاً أمير المؤمنين والإمام الحسين’، أنّهم تناولوا هذا البحث بالعرض والتحليل في محورَيْن اثنين:

 

أـ معنى صمديّة الحقّ تعالى ــــــ

يروى عن الإمام الحسين× أنّه قال في ذيل الآية المباركة ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾: الصمد الذي لا جوف له، والصمد الذي قد انتهى سُؤدَدُه، الصمد الدائم الذي لم يزَلْ ولا يزال([45]).

وقال أيضاً في جوابه عن رسالة أهالي البصرة، الذين سألوه× عن معنى (الصمد): إنّ الله سبحانه قد فسَّر الصمد فقال: ﴿اللهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، ثمّ فسّره فقال: ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ * ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾… بل هو الله الصمد، الذي لا من شي‏ء، ولا في شي‏ء، ولا على شي‏ء، مُبدِع الأشياء وخالقها… فذلكم الله الصمد([46]).

وسنحاول استعراض الخطاب الذي تضمَّنته كلتا الروايتين حول التوحيد الصمدي، من خلال نقاط عدّة:

الأولى: كما أنّ الآيات القرآنيّة يُفسِّر بعضُها بعضاً([47]) فالروايات كذلك أيضاً. وبناءً عليه عندما نضع هذا المقطع من كلام سيّد الشهداء، الذي يقول فيه: «الصمد الذي لا جوف له»، إلى جانب كلام أمير المؤمنين× حول معنى الصمد، الذي مفاده أنّ «تأويل الصمد لا حدٌّ، ولا حدودٌ، ولا يخلو منه موضع»، فسنخلص بكلّ يُسْر إلى أنّ عدم التوفُّر على جوف يُعنى منه الوجود الواسع، الذي لا حدّ ولا حدود له؛ لأنّ الوجود الذي يمتلك حدّاً وحدوداً هو ذو جوفٍ حتماً، بالإضافة إلى أنّ عكس هذه القضيّة صادقٌ أيضاً (الوجود الذي له جوف له حدّ وحدود). وعليه بما أنّ الله تعالى صمد فإنّه يتوفَّر على وجودٍ غنيّ ولا متناهٍ. ونظراً إلى كون الوجود اللامتناهي لا يدع مجالاً لغيره، وإلاّ لما كان غير متناهٍ، فإنّ وجود الله تعالى المطلق لا يسمح بتاتاً بتحقُّق وجود آخر؛ لأنّه لو فرضنا معه وجوداً آخر فلن يخلو ذلك الوجود من إحدى صورتين: إمّا أن يكون محدوداً ومتناهياً؛ وإمّا أن يكون غير محدودٍ، ولا متناهٍ.

أمّا الصورة الأولى فهي نفس ما يُطلَق عليه في النصوص الدينيّة بالآية، وفي الفلسفة بالمعلول، وفي العرفان بالمظهر. ومن البديهي أنّه لا حيثيّة لوجود الآية من حيث هي آية إلاّ الحكاية عن صاحبها؛ ولذلك قيل بأنّ كلاًّ من السماء والأرض بما فيهما هو جميعه آياتٌ لله تعالى، وتُشكّل الآيتيّة عين جوهر ذات الأشياء، والأشياء بجميع شراشر ذاتها آيةٌ للحقّ. وبما أنّها عين الآيتية والربط بالواجب فإنّ حقيقتها ترجع إلى الحكاية، وبالتالي لن يبقى لها أيّ حظٍّ من الوجود. وعليه فليس لما سوى الله أيّ شأنٍ من الشؤون إلاّ أنّه آيةٌ لله سبحانه([48]).

وكذلك المعلول لا يمتلك بدوره أيّ حيثيّة سوى أنّه أثرٌ للعلّة، ويُمثّل عين الربط والفقر([49]).

وعبارة المظهر هي على نفس هذا المنوال؛ إذ إنّ المظهر يعني الآية والمرآة التي تبرز الظاهر، والتي لا شأن لها غير الحكاية.

وأمّا الصورة الثانية (الوجود اللامتناهي) فلا مجال لفرضها؛ إذ لا تحقّق لوجودَيْن غير محدودين في عالم التصوُّر، وإلاّ سيكون كلُّ واحدٍ منهما في هذه الحالة فاقداً لكمالات الآخر؛ أي إنّه لن يتوفَّر على كمالاته، وبالتالي سيكون كلاهما محدوداً. وعليه سيكون الوجود منحصراً في النشأة الكونيّة بالوجود اللامتناهي للحقّ تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله، بحيث لن يبقى مكان لأيّ وجود خارج هذه الدائرة. ولذلك يقول أمير المؤمنين×: فسبحانك ملأتَ كلَّ شيء، باينت كلّ شيء، فأنتَ لا يفقدك شيء([50]).

ويقول كذلك في موضع آخر: اللهمّ إنّي أسألك بعظمتك التي ملأت كلّ شيء، وبأسمائك التي ملأت أركان كلّ شيء، وبنور وجهك الذي أضاء له كلّ شيء([51]).

وعلى نفس هذا المنوال يناجي الإمام السجّاد× ربّه قائلاً: أنت الله لا إله إلاّ أنت، الداني في علوّه، والعالي في دنوّه([52]).

الثانية: يقول سيّد الشهداء: «الصمد الدائم، الذي لم يزَلْ، ولا يزال». فإذا دقّقنا في هذه العبارة من كلامه× سنجدها كذلك في صدد بيان التوحيد الصمدي؛ إذ إنّها تبيّن صمديّة الحقّ تعالى من خلال أزليّته وأبديّته، ونفت التقيُّد بالحدّ والنهاية عن وجوده عزَّ وجلَّ، بدءاً وختماً (أزلاً وأبداً)؛ وذلك لأنّ حقيقة معنى الأزليّة والأبديّة هي عدم تناهي الله تعالى وعدم محدوديّته على مستوى الذات والصفات. وبناءً عليه إذا اعتبرناه سبحانه غير محدود بدايةً ونهايةً ـ مع أنّ الآيات الإلهيّة بحسب تعريف القرآن الكريم لا شأن لها فيما بين ذلك إلاّ الحكاية عن الوجود ـ، فإنّنا نستنتج من ذلك بنحوٍ قاطع أنّه لا مجال لافتراض تحقُّق أيّ شيء في عالم الوجود سوى الحقّ تعالى ومظاهره الجماليّة والجلاليّة. وكما يقول حافظ: وما هذه الصور البادية في الشراب كلّها، وهذه الألوان والرسوم، سوى شعاع واحد من طلعة الساقي، التي انعكست في الكأس.

الثالثة: وبياناً لمعنى الصمد فقد انتهى الإمام في كلامه إلى الاستعانة بالقرآن الكريم نفسه، حيث يقول: ﴿اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ * ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ (الإخلاص: 2 ـ 4).

فرغم أنّه لم يتمّ في هذا الكلام طرح التوحيد الصمدي بمعناه العرفاني بشكلٍ مباشر، غير أنّ من الممكن استفادة ذلك من رؤية أهل المعرفة ونظرتهم إلى عالم الوجود؛ فهم يعتقدون بأنّ جميع الظواهر الكونية موجودة بوجود الحقّ، وأنّها تجلٍّ له، وليس لها باستقلال نفسها أيّ وجود. وعليه فلا مثيل له تعالى في الكون، وهو الصمد المطلق. وبما أنّ الموجودات بأسرها معلولةٌ لوجود الحقّ سبحانه، وليس وجودها في عرض وجوده، فقد ورد في الآية بأنّه ﴿لَمْ يَلِدْ﴾. وبما أنّه عزَّ وجلَّ لا يحتاج في وجوده إلى أيّ شيء؛ لصمديّته، فقد قال: ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾. ونظراً إلى كون غير الحقّ سبحانه من الموجودات الأخرى متمحِّضٌ في العدم، وأنّه لا عِدْل له في الوجود، فقد قال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوَاً أَحَدٌ﴾.

ب ـ مجالي ظهور الحقّ ــــــ

المسألة الأخرى في كلام سيّد الشهداء التي تصرِّح بالتوحيد الصمدي هي مسألة ظهور الوجود والغنى المطلق للحقّ تعالى. فمن خلال الاعتراف بهذه الحقيقة يخاطب× الله تعالى في دعائه يوم عرفة قائلاً: كيف يُستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقرٌ إليك؟ أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك، حتّى يكون هو المُظهِر لك؟ متى غِبْتَ حتّى تحتاج إلى دليلٍ يدلّ عليك؟ ومتى بعُدْتَ حتّى تكون الآثار هي التي توصل إليك، عَمِيَتْ عينٌ لا تراك عليها رقيباً([53]).

وتسلّط هذه العبارة النورانيّة من العبادة المتجسِّدة الضوء على ما النقاط التالية:

أوّلاً: جميع الظواهر الكونيّة لا تُعدّ فقيرةً فحَسْب، بل هي عين الفقر، بحيث إنّ هويّتها الوجوديّة صيغت على أساس الفقر والحاجة والتعلُّق؛ وأمّا الحقّ تعالى فهو غنيٌّ بالغنى المطلق، وهو ما ورد بعينه في القرآن الكريم: ﴿أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ([54]).

ثانياً: كلّ شيء له حظٌّ من الظهور والبروز في النشأة الكونيّة ما هو إلاّ تجلٍّ لظهورِ الحقّ سبحانه ونورِ وجوده تعالى، الذي تجلّى لخلقه من خلال هذه المظاهر الوجوديّة، بحيث لا شيء في العالم ظهر من تلقاء نفسه؛ لأنّ وجوده كذلك هو من ربّه.

وهكذا ينتهي بنا هذا البيان الحسيني إلى أنّ النور الحقيقي والظهور الكامل مختصّان بهذا الإله، بل إنّ كلّ شيء في العالم له حظٌّ من النور والظهور فإنّما نوره وظهوره منه، والعالم بأسره ما هو إلاّ تجلٍّ لظهوره، وإلاّ فلا وجود له من نفسه حتّى يكون له ظهور. وكما قال سيّد الشهداء: كيف يُستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقرٌ إليك؟

وعلى ضوء هذا النحو من المعارف المستقاة من أهل البيت^ ذكر بعض المحقِّقين العظام بأنّه قد وُجد العالم بأسره من خلال تجلّي الحقّ تعالى. وتجلّي النور هو أصل حقيقة الوجود، أي اسم الله. فالله نور السماوات والأرض، أي إنّ السماوات والأرض هي تجلّي الله، وكلّ شيء له تحقّق فإنّ له هذا النور والظهور، وهو ذلك النور. فجميع الموجودات هي نورٌ، وهي بأسرها نور الله تعالى، أي إنّ وجود السماوات والأرض يعبّر عن النور، وعن الله، والسماوات والأرض فانيةٌ فيه إلى الحدّ الذي قال فيه عزَّ وجلَّ: ﴿اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾، لا أنّ الله يُنوِّر السماوات والأرض. وإذا ما رُفع ذلك الشعاع والتجلّي الذي تظهر به الموجودات على ساحة الوجود فستُطوى جميعُها في كتم العدم([55]).

 

ج ـ خلاصةٌ واستنتاج ــــــ

من مجموع ما تقدّم، وبالالتفات إلى العناصر الثلاثة الأساسيّة المستخلصة من كلام سيّد الشهداء؛ أي مفهوم صمديّة الله تعالى، ونفي أيّ حدّ وحدود عن وجوده من جهة؛ والفقر الوجودي للعالم، والغنى المطلق لله تعالى؛ وتجلّيه في الوجود من جهة أخرى ـ بحيث تكون جميع ظواهر العالم مجلىً لظهوره، وشعاعاً من نور وجوده ـ، ننتهي بوضوح إلى أنّ البحث حول التوحيد الصمدي على ضوء كلمات أهل البيت^، وخصوصاً سيّد الشهداء، ليس بحثاً ممكناً فحَسْب، بل إنّ العديد من كلماتهم إنمّا يدرك عمقها من خلال هذه الدراسة، وعلى ضوئها نجد أنّ مرادهم منها هو أيسر تناولاً. فإنّه إذا علمنا بالتأكيد الكبير الذي تضمَّنته كلمات الأئمّة^ على نفي الحدّ عن وجود الله تعالى، إلى درجة أنّهم اعتبروا بأنّ صمديّته هي بمعنى نفي الحدود عن ساحته المقدّسة، وعلمنا كذلك بأنّ جميع المظاهر الوجوديّة تجلٍّ لنور الله تعالى وظهورٌ له، والعديد من القضايا الأخرى التي من هذا القبيل، فسيتّضح لنا بكلّ جلاء أنّ فكرة التوحيد الصمديّ، والذي يُطلق عليه الحكماء المحقِّقون اسم (التوحيد الوجودي)، هي مسألة يصعُب رفضها وإنكارها. وفي هذا الصدد يقول الحكيم المدقِّق العلاّمة الشعراني، بعد أن أورد بحثاً مفصَّلاً حول كلمات أمير المؤمنين التوحيديّة: إنّه لمن عجائب الأمور أنّ العديد من القشريّين، مع اطلاعهم على كلّ هذه الآيات والروايات التي تُصرّح بوحدة الوجود، وهم أنفسهم يقولون بأنّ وجود الحقّ هو وجودٌ غير محدود، ومع ذلك لا يعتقدون بوحدة الوجود. فلو أنّ وحدة الوجود باطلةٌ لوجب أن يكون الحقّ تعالى محدوداً([56]).

وفي إطار هذه النظرة الحسينيّة التي تعدّ الوجود مجلىً لظهور الحقّ، والعالم عين الفقر والتعلّق به تعالى، يقول مرسي دعائم الحكمة المتعالية (صدر المتألِّهين): ليس في الوجود إلاّ الله تعالى، وأفعالُه أثرٌ من آثار قدرته، فهي تابعة له… والعالم كلُّه أفعال الله فقط، لا بمعنى أنّ وجود كلٍّ منها شيءٌ وكونه فعل الله شيء آخر غيره، لا بالذات ولا بالاعتبار؛ فمَنْ نظر إليها من حيث إنّها فعل الله لم يكن ناظراً إلاّ في الله [لأنّه لا شأن للآية إلاّ الحكاية عن ذي الآية]، ولا عارفاً إلاّ بالله، وكان هو الموحِّد الحقّ الذي لا يرى إلاّ الله، بل لا ينظر إلى نفسه من حيث نفسه، بل من حيث إنّه عبد الله([57]).

ويُعدّ هذا الكلام البديع شاهداً على تلك الرؤية التي مفادها: انظر إلى الصحراء فأراها صحراءك، وأتطلّع إلى البحر فأراه بحرك، أينما وقع بصري على جبلٍ أو سهلٍ أو وادٍ ‏رأيته آيةً على وجهك الجميل([58]).

وفي هذا الصدد جاء في الدعاء النوراني الوارد عن سيّد الشهداء: أنتَ الذي تعرَّفْتَ إليّ في كلّ شيء، فرأيتُك ظاهراً في كلّ شيء([59]).

 

6ـ سبل المعرفة التوحيدية وفق رؤية الإمام الحسين× ــــــ

من المسائل الأخرى المرتبطة بالتوحيد، والتي تجلّت في كلام سيّد الشهداء بطريقة رائعة جذّابة، مسألة الطرق المؤدّية إلى المعرفة التوحيدية. ونظراً إلى كون الهمّة العالية التي يمتلكها سيّد الشهداء تفرض عليه النظر إلى جميع المسائل والقضايا بنظرة متعالية فالأمر كذلك بالنسبة لموضوع سُبُل المعرفة التوحيديّة، حيث تحدّث عنها× بنفس تلك الهمّة الرفيعة، مبتهلاً إلى الحقّ سبحانه قائلاً: إلهي تردُّدي في الآثار يوجب بُعد المزار، إلهي أمرتَ بالرجوع إلى الآثار، فأرجعني إليك بكسوة الأنوار، وهداية الاستبصار، مصون السرّ عن النظر إليها، ومرفوع الهمّة عن الاعتماد عليها([60]).

فهو يقول: إلهي، تفكّري في آثارك هو سببٌ في البعد عن لقائك، إلهي أمرتني بالنظر إلى الآثار؛ لكي أتعرّف عليك، غير أنّي الآن راغبٌ في أن تجذبني إليك من خلال هداية قلبي وتجلّي أنوارك، وأن تمنحني همّةً عالية؛ لكي أحفظ باطني عن الاتّكاء على الآثار من أجل معرفتك.

ومن هنا فقد تمّ الاهتمام في كلامه× عن طريقين غايةٍ في اللطف، بما يفوق اهتمامه بسائر الطرق الموصلة إلى معرفة الحقّ تعالى، وسنسعى بالترتيب إلى تناول كلٍّ منها عرضاً وتحليلاً:

 

أـ المعرفة الشهوديّة ــــــ

في معرض بيانه للمعرفة الشهودية يقول سيّد الشهداء، من خلال نقله لكلامٍ عن أمير المؤمنين: … فأمّا قوله (أشهد أنْ لا إله إلاّ الله) فإعلامٌ بأنّ الشهادة لا تجوز إلاّ بمعرفةٍ من القلب، كأنّه يقول: أعلم أنّه لا معبود إلاّ الله…، وأُقرّ بلساني بما في قلبي من العلم‏([61]).

لا ريب أنّ مسألة المعرفة الشهوديّة تحتاج إلى بحثٍ مفصّل ومستقلّ، يُعدّ طرحُه خارجاً عن عُهدة هذه المقالة، هذا أوّلاً.

وثانياً: إنّ نفس هذا الحديث النوراني قابلٌ للعرض والتحليل من عدّة جهات. ومع ذلك فسنسعى إلى الإشارة باختصارٍ إلى ثلاث نقاط:

 

1ـ المعرفة الشهوديّة ــــــ

لقد تمّ الحديث كثيراً عن المعرفة الشهودية وموارد تحقّقها([62])، بيد أنّ التعريف الذي له ارتباط مباشر بالعبارات والألفاظ الواردة في كلام الإمام الحسين× هو أنّ القلب يدرك مجموعة من الحقائق والأمور، شأنُه في ذلك شأن بقيّة الوسائل المعرفيّة، التي من جملتها العقل، لكنْ مع وجود فارقٍ، وهو أنّ القلب يشاهدها عن قُرْب؛ لأنّه عبارة عن موجودٍ شخصي وخارجي ذي سعةٍ وجوديّة، في الوقت الذي يكتفي فيه العقل بإدراكها عن بُعْد، وعلى شكل مفاهيم كلّية. هذا مع أنّ القلب يمكنه من خلال الإدراك الشهودي الاطّلاع على العديد من أسرار العالم الكلّيّة، بل الجزئيّة، بينما يعجز العقل عن إدراك الكثير من الحقائق؛ بسبب اقتصاره على درك المفهوم([63]). لكنْ تجدر الإشارة إلى أنّ هذا النوع من المعرفة، الذي يحصل عن طريق القلب، لا يكون الجميعُ فيه سواء، بل ينهل كلّ واحد منه بحسب سعته الوجوديّة الخاصّة.

 

2ـ إمكانيّة معرفة الحقّ بالشهود لغير الأنبياء ــــــ

تُعدّ المعرفة الشهودية ـ التي هي من أفضل الطرق لمعرفة الحقّ سبحانه، بل ومعرفة جميع الظواهر الكونيّة ـ من الأمور التي حاز عليها الأنبياء وأولياء الله المعصومون، حيث تُؤمن جميع الأديان السماوية بأنّ أنبياء الله متّصلون بعالم الملكوت، ومطّلعون على باطن الوجود. غير أنّ السؤال المطروح هو: أتكون هذه المسألة مختصّةً بالأنبياء فقط، أم أنّ غيرهم كذلك يتمكَّنون من الاطّلاع بمقدار سعتهم الوجوديّة على تلك الحقائق قبل الموت؟

يعترف كبار المتخصّصين في مجال الإلهيّات، ومن خلال الاستناد إلى النصوص الدينيّة (الآيات والروايات)، والأدلّة العقليّة، بأنّ رؤية باطن العالم وحقائق الكون لا تختصّ بالأنبياء فقط، بل يمكن لسائر الأفراد أن يطّلعوا أيضاً على أسرار الكون وحقائقه الباطنيّة في عالم الدنيا وقبل الموت.

وأمّا الذين أنكروا حصول هذا الأمر فإنّ كلامهم مرتبطٌ بإنكار شهود الحقّ تعالى؛ حيث إنّهم يقولون باستحالة رؤية الله؛ لكونه موجوداً مجرَّداً ومنزّهاً عن المكان ولوازمه.

لكنْ إذا رجعنا إلى الأدلّة التي اعتمدوا عليها، وقمنا بتحليلها، سيتبيّن لنا أنّ كلامهم ناظرٌ إلى الرؤية بالعين، التي لا يلتزم بها أيّ عاقل.

وأمّا الذين طرحوا مسألة شهود الحقّ سبحانه فليس هدفُهم من ذلك الرؤية بالعين، بل إنّهم يعتقدون بأنّ الموجود الممكن ـ مع كلّ الفقر الذاتي الذي يكتنفه، وبقطع النظر عن حقيقته الوجوديّة ـ قادرٌ على شهود خالقه الذي أفاض عليه وجوده. وقد تمّ إثبات هذه المسألة ببراهينَ متعدِّدة، كما تُعدّ محلّ تأييدٍ من وجهة نظر الروايات وظواهر القرآن الكريم. مضافاً إلى أنّه من المحال، وفقاً للأدلّة القطعيّة، أن لا يكون للموجود الممكن أيّ حظّ من هذا النحو من الشهود([64]).

وعلى أساس هذه الرؤية قال بعض العلماء الأفاضل، بعد أن أورد بحثاً مفصّلاً حول العلم الحضوري: لقد ثبت في محلّه بأنّ للإنسان علماً حضوريّاً بخالقه، إلاّ أنّ هذا العلم يظهر فيه بصورة لا واعية؛ نتيجة لضعف مرتبته الوجودية؛ وكذلك بسبب توجّهه إلى البدن والأمور المادّية. لكنّ هذا العلم، ومن خلال تكامل النفس، وتقليل التوجّه إلى البدن، وتقوية التوجّهات القلبيّة لله تعالى، سيصل إلى مراتب عالية من الوضوح والوعي، بحيث يقول الإنسان: أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك([65]).

وبناءً عليه تكون المعرفة الشهودية للحقّ تعالى ميسَّرة للجميع، لكنْ مع المحافظة على الاختلاف في المرتبة.

 

 3ـ كلمات الإمام الحسين× حول المعرفة الشهوديّة ــــــ

لقد اتّضح إجمالاً معنى المعرفة الشهوديّة، وتبيّن أنّ معرفة الحقّ تعالى عن طريق الشهود يمكن أن تكون بنحوٍ من أنحائها متاحةً للجميع؛ لأنّها ذات مراتب مختلفة. وفي هذا الصدد يقول أمير المؤمنين: «لا تُدْرِكُهُ الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الْعِيَانِ، وَلَكِنْ تُدْرِكُهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الإِيمَانِ»([66])، بل قيل: إنّه لا يمكن لأيّ موجود أن يكون مجرَّداً عن هذه المعرفة.

بعد انتهائنا من هذا التحليل يمكننا أن ندرك مراد سيّد الشهداء على نحو أفضل. فهو يريد أنّ المؤمنين حين يتلفَّظون بكلمة التوحيد: (لا إله إلاّ الله) عند الأذان فإنّهم يُخبِرون في الواقع عمّا نتج لديهم من خلال المعرفة القلبيّة، ويسعَوْن إلى الإعلان بأنّ معرفة الحقّ تعالى تحصل بواسطة القلب. وفي حقيقة الأمر فإنّ ما يقولونه بألسنتهم هو ما قد حصلوا عليه بالقلب، وبجميع شراشر وجودهم. هذا ومن اللازم علينا الالتفات إلى أنّ ذلك القسم من كلام الإمام×، الذي يقول فيه: «الشهادات لا تجوز إلاّ بمعرفةٍ من القلب، وأقرّ بلساني بما هو في قلبي»، ناظرٌ إلى نفس هذه المرتبة من المعرفة الشهوديّة للحقّ، وفي صدد نفي المراتب النازلة عنها، التي تقتصر على النطق بكلمة التوحيد، أو على أداء اللفظ مع الاعتقاد الإيماني أو البرهان العقلي([67])، والتي لا تُعدّ في حدّ ذاتها صحيحةً وكافية.

ب ـ المعرفة الحبّيّة ــــــ

من الطرق الأخرى التي تمّ التعرّض لها في كلام سيّد الشهداء× بصورةٍ رائعة هو طريق المحبّة، والتي يجدر بنا أن نُعبِّر عنها بالمعرفة الحبّيّة.

وقد أشير إلى هذه المسألة (المعرفة الحبّية) في ضمن دعاء عرفة ـ ذلك الدعاء الذي يحيي القلوب ـ بما يلي: أَنْتَ الَّذِي أَشْرَقْتَ الأَنْوَارَ فِي قُلُوبِ أَوْلِيَائِكَ، حَتَّى عَرَفُوكَ ووَحَّدُوكَ؛ وأَنْتَ الَّذِي أَزَلْتَ الأَغْيَارَ عَنْ قُلُوبِ أَحِبَّائِكَ، حَتَّى لَمْ يُحِبُّوا سِوَاكَ. مَاذَا وَجَدَ مَنْ فَقَدَكَ؟! ومَا الَّذِي فَقَدَ مَنْ وَجَدَكَ؟! لَقَدْ خَابَ مَنْ رَضِيَ دُونَكَ بَدَلاً. يَا مَنْ أَذَاقَ أَحِبَّاءَهُ حَلاوَةَ الْمُؤَانَسَةِ، فَقَامُوا بَيْنَ يَدَيْهِ مُتَمَلِّقِينَ([68]).

ونظراً لكون «المعرفة الحبّيّة» تمتلك جذوراً قرآنيّة، مضافاً إلى ورودها في كلام الإمام الحسين، فسنسعى إلى تناولها بالبحث والتحليل بشكلٍ مفصّل:

 

1ـ معنى الحبّ ــــــ

ترى إحدى وجهات النظر أنّ ألفاظ الحبّ والمحبوب والمحبّ مرادفةٌ لألفاظ العشق والمعشوق والعاشق؛ ولذا فقد تمّ استعمال كلّ واحدة من اللفظتين (الحبّ والعشق) بدلاً من الأخرى في كلام بعض الأكابر من أهل الحكمة([69]). هذا ويعتبر بعضٌ آخر أنّ العشق هو مرتبةٌ شديدة من الحبّ، كما يعتقدون بأنّ الحبّ هو مقدّمةٌ للعشق([70]).

ومن الجدير بالذكر أنّ الحبّ ـ نظير الوجود ـ مقولةٌ مُشكِّكة، ذات مراتب متفاوتة في الشدّة والضعف؛ لأنّه عبارةٌ عن رابطة وجوديّة بين المحبّ والمحبوب. ومن أيّ جهة نظرنا إلى الحبّ فإنّنا سنجد بأنّ المحبوب هو الله تعالى، وبأنّ الحبّ متوجِّه إليه؛ لأنّ الوجود والكمال اللامتناهيين يقتصران عليه، وجميع الموجودات الأخرى ناقصة. وممّا لا ريب فيه أنّ للموجود الناقص والمحدود تعلُّقاً ذاتيّاً وفطريّاً دائماً بالموجود اللامتناهي؛ وهل يُعقل أن لا يحبّ الإنسان ـ مثلاً ـ خالقَه ورازقَه؟!([71]).

 

2ـ مكانة الحبّ والمعرفة الحبّيّة في القرآن ــــــ

لقد وردت كلمة الحبّ ومشتقّاتها في القرآن عدّة مرات، نظير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً للهِ﴾ (البقرة: 164). ويقول العلاّمة الطباطبائي في ذيل هذه الآية المباركة: على الرغم من أنّ البعض قد اعتبر الحبَّ مسألة شهوانيّةٌ، ولا علاقة لها بالله، إلاّ أنّه، وخلافاً لهذا الاعتقاد، فإنّ هذه الآية تثبت أنّ الذي يتعلّق به الحبّ بشكلٍ حقيقي هو الحقّ سبحانه؛ إذ إنّ مفادها هو قابليّة الحبّ المختصّ بالله تعالى للاشتداد، وأنّ للمؤمنين أعلى درجات الحبّ له عزَّ وجلَّ([72]). ومن هنا تُعلَم المنزلة الخاصّة التي يحتلّها الحبّ الإلهي في القرآن. هذا ويمكننا من خلال النظر بدقّة في الحادثة التي ناظر فيها إبراهيم الخليل عبدةَ النجوم والكواكب أن نستنتج بكلّ يُسْرٍ أنّ معرفة الله المبتنية على المحبّة تمتلك جذوراً قرآنيّة؛ لأنّه عندما وضع الخليل× نفسَه في مقابل الذين كانوا يعبدون الأجرام السماوية، نظير: الشمس، والكواكب، فكأنّه قد توصّل إلى أنّ الطريق الوحيد لهدايتهم يقتصر على «المحبّة»؛ ولهذا السبب أراد أن يُطلعهم على التوحيد من خلال المعرفة الحبّيّة. وقد تحدّث القرآن الكريم عن هذه الحادثة بما نصّه: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ (الأنعام: 76).

وفي هذا الصدد يقول المفسّر الحكيم العلاّمة الطباطبائي، من خلال سرده لبحث مفصّل: على أنّ الربوبية والمربوبية بارتباط حقيقيّ بين الربّ والمربوب، وهو يؤدي إلى حبّ المربوب لربّه؛ لانجذابه التكويني إليه، وتبعيته له، ولا معنى لحبّ ما يفنى ويتغيّر عن جماله الذي كان الحبّ لأجله. وما يشاهد من أن الإنسان يحب كثيراً الجمال المعجَّل والزينة الداثرة فإنّما هو لاستغراقه فيه، من غير أن يلتفت إلى فنائه وزواله. فمن الواجب أن يكون الربّ ثابت الوجود غير متغيِّر الأحوال كهذه الزخارف المزوّقة، التي تحيا وتموت، وتثبت وتزول، وتطلع وتغرب، وتظهر وتخفى، وتشبّ وتشيب، وتنضر وتشين. وهذا وجهٌ برهانيّ، وإنْ كان ربما يتخيّل أنّه بيان خطابي أو شعري، فافهم ذلك.

وعلى أيّ حال فهو× أبطل ربوبية الكوكب بعروض الأفول له؛ إمّا بالتكنية عن البطلان بأنّه لا يحبّه لأفوله؛ لأنّ المربوبية والعبودية متقوّمة بالحبّ، فليس يسع مَنْ لا يحبّ شيئاً أن يعبده‏، وقد ورد في المرويّ عن الصادق×: «هل الدين إلاّ الحبّ؟». وقد بيّنّا ذلك في ما تقدّم.

وإمّا لكون الحجّة متقوّمة بعدم الحبّ، وإنّما ذكر الأفول ليوجّه به عدم حبّه له، المنافي للربوبية؛ لأن الربوبية والألوهية تلازمان المحبوبيّة. فما لا يتعلَّق به الحبّ الغريزي‏ الفطري؛ لفقدانه الجمال الباقي الثابت، لا يستحق الربوبيّة. وهذا الوجه هو الظاهر، يتّكئ عليه سياق الاحتجاج في الآية…([73]).

فالذي يتجلّى في هذه الحادثة ظاهراً للعيان هو جعل نبيّ الله إبراهيم المحبّةَ كحدٍّ وسطٍ للبرهان، وتوسّله بها في احتجاجه على الكفّار، قائلاً: لا يمكن لهذه الأجرام السماويّة أن تكون آلهةً؛ لأنّ الإله هو الذي يكون محبوباً، وبما أنّها عرضةٌ للأفول والزوال فإنّها لن تكون محبوبةً، وبالتالي لن تكون آلهةً([74]).

 

3ـ الدور المتبادل بين المحبّة والمعرفة، وتحليل كلام الإمام الحسين× ــــــ

كما أنّ القلب يلعب دوراً أساسيّاً في المعرفة الشهوديّة، التي لا تحصل إلاّ به، فكذلك الأمر بالنسبة إلى المعرفة الحبّيّة، حيث تمّ الاعتماد فيها على عنصر القلب، بحسب ما ورد في كلام سيّد الشهداء، الذي قال فيه: أوّلاً: إنّ أولياء الله قد ظفروا بمعرفة الحقّ، وأدركوا توحيده، من خلال شعاع النور الذي قذفه هو سبحانه وتعالى في قلوبهم.

ثانياً: إنّ الله تعالى طرد الأغيار عن قلوب محبّيه؛ حتى لا يكون لهم محبوب غيره، وحتّى لا يتجاوز أحدٌ المحبّة التي يُكنّها أولياؤه له.

ثالثاً: إنّ الحقّ سبحانه أذاق أولياءه حلاوة الأُنْس به، إلى الدرجة التي صاروا معها دائمي الانشغال بالتعبير له تعالى عن عشقهم ومحبّتهم.

ومن خلال هذا الحديث يمكننا بوضوحٍ أن نستنتج نقاطاً عدّة:

الأولى: لا يكتفي القلب في المعرفة الحبّيّة ـ كما في المعرفة الشهوديّة ـ بالقيام بدور الأداة، بل يُعدّ فيها من مصادر المعرفة التوحيديّة.

الثانية: إنّ نور المعرفة موجِبٌ لحصول المحبّة، كما أنّ المحبّة تلعب دوراً أساسيّاً في زيادة المعرفة التوحيديّة؛ وبالتالي سيكون للمعرفة والمحبّة تأثيرٌ متبادلٌ في معرفة الحقّ تعالى المبتنية على الحبّ. وقد تمّت الإشارة إلى نفس هذا الأمر في الحديث القدسي الذي يقول: مَنْ طَلَبَني وَجَدَني، ومَنْ وَجَدَني عَرَفَني، ومَنْ عَرَفَني أحَبَّني، ومَنْ أحَبَّني عَشِقَني، ومَنْ عَشِقَني عَشِقتُه([75])‏.

الثالثة: بناءً على التعاليم العرفانية فإنّ الوصال الإلهي ـ والذي تُعَدّ المعرفة التوحيديّة إحدى آثاره ـ يحصل من إحدى طريقين: سلوك المحبّيّة؛ أو سلوك المحبوبيّة([76]). وكأنّ هذه المسألة قد تجلّت بصورةٍ خاصّة في كلام سيّد العشّاق الحسين×، الذي طرح فيه المعرفة التوحيدية بمثابة ظهورٍ لشعاع نور الحقّ في قلب أوليائه، ولذلك فإنّه قال: بعدما يسطع النور على قلوب أولياء الله فإنّهم يقفون على المعرفة التوحيديّة؛ بمعنى أنّ هذا النور موجبٌ لحصول الجذبة المعرفيّة، وعلى ضوء ذلك يحظى الإنسان بالمعرفة التوحيديّة؛ إذ إنّ مسألة البحث عن الله والمعرفة التوحيديّة ـ وخصوصاً إذا حصلت عن طريق المعرفة الحبّية ـ تقع في مرحلة متأخِّرة عن رؤية الله، التي تمتدّ جذورها إلى عمق الفطرة الإنسانيّة.

وفي هذا الصدد يقول الحكيم السنائي: إنّك لا تحصل على شيءٍ ما لم تبحث عنه، وأمّا وجه الحبيب فلن تبحث عنه ما لم ترَ طلعته([77]).

ولهذا السبب فإنّ حرقة الوصال لا تقلّ بعد الرؤية، بل إنّها ستزداد أكثر.

وهو نفسُ ما أشار إليه حافظ في قوله: كان بلبلٌ يحمل في منقاره ورقةَ زهرةٍ جميلة، ومع هذا الثراء كان يبكي ويتأوّه بحُرْقة، فقلتُ له: لِمَ كلّ هذا الأنين والشكوى وأنتَ في وصالٍ؟ قال: يجبرني عليه تجلّي المعشوق.

وعليه لا يبعد كون كلامه× في صدد بيان ذلك الأمر الذي يطلق عليه اسم (سلوك المحبّة). فما تقدّم من كلامه× بأنّ الله تعالى قد أخرج عن قلوب أوليائه محبّة غيره، وعوّضها بحلاوة الأنس به، هو لببيان ذلك الأمر، الذي يُعبَّر عنه بـ (سلوك المحبّة).

الرابعة: لقد تمّ اعتبار المعرفة الحبّيّة في كلام سيّد الشهداء ـ كما في كلام إبراهيم الخليل ـ كإحدى أفضل الطرق المفضية إلى المعرفة التوحيديّة، وخصوصاً إذا علمنا بأنّ هذا المعرفة قد طُرحت ضمن المناجاة، والتي عادةً ما تُطرَح فيها أدقّ الحقائق والإشارات التوحيديّة. ويُعَدّ هذا الأمر في حدّ ذاته من الخصائص الأخرى التي يمتاز بها هذا النوع من المعرفة.

 

4ـ الأثر الواقعي للمعرفة الحبّيّة ــــــ

إذا أمعنّا النظر في المسائل المرتبطة بالمعرفة الحبّيّة، وكذلك في بعض الروايات والأدعية الواردة عن سيّد الشهداء، يمكننا أن نستخلص أنّ المعرفة الحبّيّة لا تنفكّ عن أثرين ونتيجتين شاخصتين: الأولى: علميّة، وتكمن في نفس تلك المعرفة الحبّيّة لله تعالى؛ والثانية: هي النتيجة الواقعيّة والعمليّة المترتِّبة عليها؛ إذ إنّ المعرفة التي ظهرت من خلال العشق، وبُنيت أركانها على أساس المحبّة والهيام ستُحْدث في الإنسان ـ على خلاف بقيّة المعارف ـ حالةً من التسليم والانجذاب، إلى أن ترتقي به من العلم إلى العمل، ومن المعرفة إلى الذوق، وتنقل أعباء العشق عن الكاهل إلى الصدر. ورغم أنّ لهذا البحث مجاله الواسع، وخصوصاً إذا نظرنا إليه من خلال السيرة العلميّة والعمليّة للأئمّة^، فإنّنا سنكتفي من ذلك ببعض النماذج من التعاليم القوليّة والفعليّة لسيّد الشهداء وأصحابه، وذلك بما يناسب الموضوع، وتسمح به هذه المقالة.

 

أـ الوَلَه بالمداومة على المناجاة ــــــ

من خلال التمعُّن في العديد من المناجاة الواردة عن الإمام الحسين يتجلّى لنا بشكلٍ واضح أنّ الانشغال الدائم بمناجاة الحقّ ومدحه كانت تمثِّل بالنسبة إليه× أعلى منية وأرقاها؛ ولذلك ورد في دعاء عرفة الجذّاب: يَا مَنْ أَذَاقَ أَحِبَّاءَهُ حَلاوَةَ الْمُؤَانَسَةِ، فَقَامُوا بَيْنَ يَدَيْهِ مُتَمَلِّقِينَ([78]).

ويقول× في مقطع آخر: إِلَهِي، إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي وَإِنْ لَمْ تَدُمِ الطَّاعَةُ مِنِّي فِعْلاً جَزْماً فَقَدْ دَامَتْ مَحَبَّةً وَعَزْماً([79]).

فعلى الرغم من أنّي لا تتيسّر لي مناجاتك وثناؤك بنحوٍ مستمرّ، مع ما أعيش من ظروف، فإنّك تعلم بأنّ نار محبَّتك مازالت مشتعلةً في قلبي.

كما أنّ الهمّة الحسينيّة العالية تقتضي منه× أن يقيِّم جميع الأمور على أساس المحبّة؛ ولذلك يقول: خَسِرَتْ صَفْقَةُ عَبْدٍ لَمْ تَجْعَلْ لَهُ مِنْ حُبِّكَ نَصِيباً([80]).

ولهذه المحبّة استمهل العدوّ ليلةَ عاشوراء؛ ليتفرّغ للعبادة والدعاء، وقال: «إنّه يعلم أنّي أحبّ الصلاة»([81])، كما قيل: «وقام الحسين وأصحابه الليلَ كلَّه يصلّون ويستغفرون ويدعون ويتضرّعون، وباتوا ولهم دويٌّ كدويّ النحل، ما بين راكع وساجد وقائم وقاعد»([82]). وفي هذا الصدد تتجلّى صلاة الظهر التي أقامها سيّد العشّاق الحسين× وأصحابه الكرام كأبهى ما يكون، حيث قيل بأنّ أبا ثمامة الصائدي لمـّا رأى الجيش يقترب صوب الإمام أكثر فأكثر قال: لا واللهِ، لا تقتل حتّى أقتل دونك، وأحبّ أن ألقى الله ربّي وقد صليتُ هذه الصلاة التي دنا وقتها، فقال الإمام: «ذكرتَ الصلاة، جعلك الله من المصلّين». بعد ذلك جعل عدّةٌ من أصحابه× أنفسَهم دروعاً واقيةً من سهام العدوّ، فأقام الإمام صلاة الظهر تحت وابلٍ من النبال.

لا شكّ في أنّ السبب الأساس الذي يرجع إليه كلّ هذا الوَلَه بالدعاء والمناجاة، والرغبة في أن تدور جميع الأمور على محور المحبّة، هو وجود نوعٍ من المعرفة يرتكز إلى المحبّة، ويقترن بعنصر العشق لله تعالى؛ إذ إنّ الأثر المباشر للعشق والمحبّة يكمن في أنّ المُغرَم يرى الخير كلّه في ذكر كمالات المحبوب، والثناء عليه.

 

ب ـ عشق التضحية ــــــ

تُعَدّ التضحية والفداء في سبيل رضا المحبوب من الآثار المترتِّبة على المعرفة الحبّيّة؛ لأنّ السالك في طريق التوحيد، ومن خلال نورانيّة القلب التي حصل عليها بعد طيّه لمراحل عدّة، يحسّ بجَذْبة محبّة الحقّ في أعماق وجوده، بالنحو الذي يقلّ فيه ميلُه نحو نشأة الدنيا، ويزداد نزوعُه نحو عالم الحقيقة. وترتقي فيه هذه المحبّة بالتدريج، وتشتعل نار العشق في روحه، إلى أن تصل به إلى مقام الفناء في التوحيد، الذي هو على مراتب ثلاث:

1ـ الفناء في الأفعال: في هذا المقام لا يرى سالكو طريق التوحيد أيَّ تأثير للقدرات والأسباب والعوامل المؤثّرة في العالم في مقابل إرادة الحقّ؛ بحيث تتجلّى لهم حقيقة معنى «لا حول ولا قوّة إلاّ بالله»، فلا يخافون غير الحقّ سبحانه، ولا يطمعون في سواه تعالى.

2ـ الفناء في الصفات: وفي هذا المقام ينظر العارف إلى العالَم، بجميع صفاته وكمالاته وآثاره وتجلّياته الوجوديّة، كمظهرٍ للحقّ، ومجلىً لجمال المحبوب. ويرى أنّ هذا العالم المترامي الأطراف ـ الذي يرَوْنه كقاعةٍ للعَرْض ـ قد هُنْدس بكافّة أرجائه على صورة العلم، والقدرة، والرحمة، واللطف، والحنان، والمحبّة الإلهيّة. ويحصر الصفات والكمالات الوجوديّة في الحقّ تعالى، عادّاً صفات الموجودات الأخرى بمثابة صورةٍ وظهور له تعالى.

3ـ الفناء في الذات: وفي آخر المطاف يرى هؤلاء جميعَ أسماء الحقّ وصفاته في هذا المقام مستهلكةً في غيب الذات الأحديّة، بحيث لن يبقى في روحهم أثرٌ لأيّ وجودٍ سوى وجود الذات الأحديّة، فتتجلّى لهم حقيقة الآية المباركة: ﴿لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (غافر: 16)([83]). واستناداً إلى هذه الرؤية التوحيديّة كان سيّد الشهداء في يوم عاشوراء قد اختار نقطة معيَّنة من ساحة المعركة ليجعل منها مئذنة التوحيد، فيتوقَّف عن القتال من حينٍ إلى آخر، ويعتليها ليطلق منها شعار التوحيد، ويقول: «لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم». فإذا أمعنّا النظر جيّداً سيتبيّن لنا أنّ هذا الشعار التوحيدي الذي أطلقه سيّد الشهداء يعبّر في الحقيقة عن المراتب الثلاث للفناء التوحيدي الذي تجلّى في ساحة المعركة. وانطلاقاً من نفس هذه الرؤية ردّت السيدة زينب في الكوفة على عبيد الله، عندما سألها عمّا رأته في كربلاء، قائلةً: «ما رأيتُ إلاّ جميلاً»([84]).

ففي مثل هذه الحالة تصير الشهادة والتضحية بالنفس في سبيل الله أكبر أمنية يمكن أن يتمنّاها الإنسان. ورغم أنّ بروز هذه المعرفة الحبّيّة قد يكون في متناول الجميع فإنّ المرتبة الكاملة منها لا تتيسَّر إلاّ للأفراد الكُمَّل. ولهذا السبب يقول سيّد الشهداء في كربلاء مخاطباً الله تعالى: «إلهي وسيّدي، وَدَدتُ أن أُقتلَ وأُحيَا سبعينَ ألفَ مرّةٍ في طاعتك ومحبّتك»([85]). وقد تركت هذه النظرة أثرها على روحيّة أصحابه أيضاً. ولذلك قال سعيد بن عبد الله الحنفي للإمام×: واللهِ، لو علمتُ أنّي أُقتل، ثمّ أُحيا، ثمّ أحرق حيّاً، ثمّ أذرّ؛ يُفعَل بي ذلك سبعين مرّة، ما فارقتك، حتّى ألقى حمامي دونك.

وقد رُويت هذه العبارات بعينها عن زهير بن القين، ومسلم بن عوسجة أيضاً([86]). كما أنّ محمد بن بشير الحضرمي لمـّا جاءه خبرُ أَسْر ابنه في مكانٍ ما، وقال له الإمام×: «أنتَ في حلٍّ من بيعتي، فاعمَلْ في فكاك ابنك»، أجابه قائلاً: أكلتني السباع حيّاً إنْ فارقتك([87]). لاشكّ ولا ريب في أنّ مثل هذه القضايا، التي كانت حاضرةً بكثرة في حياة أصحاب أهل البيت^ الأوفياء، لا نجد لها تفسيراً إلاّ في قاموس العشق والمحبّة.

 

الهوامش

(*) باحثٌ وأستاذ في الحوزة العلمية، ومن المختصّين بالدراسات العرفانيّة والأخلاقيّة، له مجموعةٌ من الكتب والمقالات، من أفغانستان.

([1]) حيدر الآملي، جامع الأسرار ومنبع الأنوار: 9.

([2]) موسوعة كلمات الإمام الحسين: 540.

([3]) ابن طاووس، إقبال الأعمال: 652، دعاء الإمام الحسين× يوم عرفة.

وتجدر الإشارة إلى وجود اختلاف في بعض ألفاظ الدعاء بين المتن والمصدر الأصلي. (المترجم).

([4]) الفيض الكاشاني، كلمات مكنونة من علوم أهل الحكمة والمعرفة: 33.

([5]) نهج البلاغة، الخطبة 1.

([6]) المفيد، الأمالي: 282، المجلس 30، ح4.

([7]) حيدر الآملي، أسرار الشريعة: 73.

([8]) الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 6: 95 ـ 104.

([9]) ابن سينا، إلهيّات الشفاء: 47، الفصل 7، المقالة الأولى.

([10]) الطباطبائي، الميزان 6: 95 ـ 104.

([11]) ابن شعبة الحرّاني، تحف العقول: 248.

([12]) الطباطبائي، الميزان 1: 393.

([13]) المصدر السابق 6: 90.

([14]) نهج البلاغة، الخطبة 65.

([15]) الطباطبائي، الميزان 6: 104.

([16]) جعفر السبحاني، الإلهيّات: 356، الباب 4.

([17]) الصحيفة السجّادية: 194، الدعاء 28.

([18]) الطباطبائي، الميزان 1: 409.

([19]) نهج البلاغة، الخطبة 185.

([20]) المصدر السابق، الخطبة 152.

([21]) الصدوق، التوحيد: 70.

([22]) أبو الحسن الشعراني، مقدمه أسرار الحكم (مقدّمة أسرار الحكم) للملا هادي السبزواري: 26.

([23]) نهج البلاغة، الخطبة 1.

([24]) تحف العقول: 248.

([25]) الصدوق، التوحيد: 83، الباب 3، ح3.

([26]) مقتل الخوارزمي 2: 59.

([27]) أبو الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميّين 1: 321، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد.

([28]) المصدر نفسه.

([29]) التوحيد: 107، الباب 8.

([30]) الشهرستاني، الملل والنحل 1: 41.

([31]) تحف العقول: 248.

([32]) استفادة الكاتب هذا المعنى من كلام الإمام الحسين موضع تأمّل، فكلّ ما ينفيه هو استحالة المعرفة العقليّة والقلبيّة في مرحلة ما قبل الفناء الذاتي، وأما مَنْ يصل إلى الفناء الذاتي فإنّه يعرف الله بالله تعالى، وفي الحقيقة يكون الله هو الذي يعرف نفسه.

ولو صحّ ذلك الاستنتاج، من استحالة معرفة الله، لتنافى كلام الإمام الحسين× مع كلام أمير المؤمنين×، المرويّ في الكافي (1: 97 ـ 98): عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الموصلي، عن أبي عبد الله× قال: جاء حبر إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه، فقال : يا أمير المؤمنين، هل رأيتَ ربَّك حين عبدتَه؟ قال: فقال: ويلك، ما كنت أعبد ربّاً لم أره، قال: وكيف رأيتَه؟ قال: ويلك، لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان.

فرؤية القلب بحقائق الإيمان هي المعرفة الشهوديّة الحاصلة حين الفناء الذاتي وإدراك الوحدة الحقيقيّة، فهل كانت معرفة أمير المؤمنين بالله تعالى معرفةً غير كاملة، وهل تسمّى المعرفة الناقصة رؤية من القلب بحقائق الإيمان؟! فلعلّ الصحيح هو التفصيل بين المعرفة العقليّة والمعرفة الشهوديّة الحاصلة حين الفناء الذاتي وإدراك الوحدة الحقيقيّة، التي تقدّم الحديث عنها. (المترجم).

([33]) جوادي الآملي، شرح حكمت متعاليه (شرح الحكمة المتعالية) 6: 185، الفصل 1.

([34]) نهج البلاغة، الخطبة 1.

([35]) القيصري، شرح فصوص الحكم: 69.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ الفقرة المترجمة إلى الفارسية لا وجود لها في شرح فصوص الحكم، وإنّما هي عبارة عن جملتين من موضعين، تمّ دمجهما في سياق واحد، ليشكِّلا فقرةً واحدة تشهد للمدّعى. والحال أنّ قراءة الجملتين في سياقَيْهما اللذين وردا فيهما تؤدّي إلى خلاف ذلك المدَّعى، ونحن نوردهما هنا كما هما:

الجملة الأولى: القيصري الرومي، شرح فصوص الحكم: 345 ـ 347: قوله: (وهذا لا يعرفه عقل بطريق نظر فكري، بل هذا الفنّ من الإدراك لا يكون إلاّ عن كشفٍ إلهي منه، يعرف ما أصل صور العالم القابلة لأرواحه)، أي هذا الأمر المذكور، وتحقيقه على ما هو عليه، طورٌ وراء أطوار العقل؛ أي النظري، فإنّ إدراكه يحتاج إلى نور ربّاني يرفع الحجب عن عين القلب، ويحدّ بصره، فيراه القلب بذلك النور، بل يكشف جمع الحقائق الكونية والإلهية. وأمّا العقل بطريق النظر الفكري، وترتيب المقدمات والأشكال القياسية، فلا يمكن أن يعرف من هذه الحقائق شيئاً؛ لأنها لا تفيد إلاّ إثبات الأمور الخارجية عنها، اللازمة إيّاها لزوماً غير بيِّن. والأقوال الشارحة لا بدّ وأن تكون أجزاؤها معلومة قبلها إنْ كان المحدود مركَّباً، والكلام فيها كالكلام في الأوّل؛ وإنْ كان بسيطاً لا جزء له في العقل، ولا في الخارج، فلا يمكن تعريفه إلاّ باللوازم البيِّنة، فالحقائق على حالها مجهولة. فمتى توجَّه العقل النظري إلى معرفتها من غير تطهير المحلّ من الريون الحاجبة إيّاه عن إدراكها كما هي يقع في تيه الحيرة، وبيداء الظلمة، ويخبط خبطة عشواء. وأكثر مَنْ أخذت الفطانة بيده، وأدرك المعقولات من وراء الحجاب؛ لغاية الذكاء وقوة الفطنة من الحكماء، زعم أنّه أدركها على ما هي عليه، ولما تنبَّه في آخر أمره اعترف بالعجز والقصور. كما قال أبو علي عند وفاته عن نفسه:

يموت وليس له حاصل *** سوى علمه أنّه ما علم

وقال أيضاً:

اعتصام الورى بمغفرتك *** عجز الواصفون عن صفتك

تُبْ علينا فإنّنا بشرٌ *** ما عرفناك حقّ معرفتك

وقال الإمام:

نهاية إدراك العقول عقالُ *** وغاية سعي العالمين ضلالُ

ولم نستفدْ من بحثنا طول عمرنا *** سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا

أما الذات الإلهيّة فحار فيها جميع الأنبياء والأولياء، كما قال|: (ما عرفناك حقّ معرفتك)، و(ما عبدناك حقّ عبادتك). انتهى موضع الشاهد.

أقول: ومن الواضح أنّ المصنّف محي الدين ابن عربي والشارح القيصري يقرّان بإمكان معرفة الذات الإلهيّة عن طريق الشهود، وذلك بعد حصول الفناء الذاتي، وذلك واضح من قوله: بل كشف الحقائق الأسمائية والتجليات الصفاتية…، إلى قوله: تلك الذات. وأما ما ينفيانه فهو المعرفة العقليّة، ولذلك قيّد بقيد نفي الإدراك، بقوله: «بطريق نظر فكري»، كما أكّده الشارح رحمه الله.

الجملة الثانية: شرح فصوص الحكم: 392 ـ 393: (ثمّ ليعلم أنّ الحقّ وصف نفسه بأنّه ظاهر وباطن) مزيد بيان لما مرّ من أنّ الحق تعالى خلق آدم على صورته وكمالاته، ليستدلّ بها عليه، ويتمكّن السالك من الوصول إليه. (فأوجد العالم)، أي العالم الإنساني، وإنْ شئت قلتَ: العالم الكبير؛ لأنه أيضاً صورة الإنسان، لذلك يسمى بالإنسان الكبير. والأوّل أنسب بالمقام؛ إذ المقصود أنّ الإنسان مخلوق على صورته، لا العالم. (عالم غيب وشهادة)، أي عالم الأرواح والأجسام. (لندرك الباطن بغيبنا، والظاهر بشهادتنا) هذا دليلٌ على أنّ المراد بـ (العالم) هو العالم الإنساني، أي لندرك عالم الباطن، وهو عالم الجبروت والملكوت، بروحنا وقلبنا وقوانا الروحانية، وندرك عالم الظاهر بأبداننا ومشاعرنا وقوانا المنطبعة فيها؛ أو ندرك غيب الحقّ من حيث أسمائه وصفاته، لا من حيث ذاته، فإنّه لا يمكن لأحد معرفتها؛ إذ لا نسبة بينها وبين غيرها من العالم ينبغي بنا، أي بأعياننا لغيبته، وندرك ظاهره، وهو مظاهر تلك الأسماء الغيبيّة، من العقول والنفوس وغيرهم من الملائكة، فإنّهم وإنْ كانوا غيباً باطناً بالنسبة إلى الشهادة المطلقة، لكنهم ظاهرٌ بالنسبة إلى الأسماء والصفات، التي هي أربابهم؛ لظهورهم في العين بعد بطونهم في العلم، وقد مرّ تحقيقه في بيان العوالم في المقدّمات. (بشهادتنا)، أي بروحنا وقلبنا وقوانا وأبداننا الموجودة في الخارج. انتهى موضع الشاهد.

وواضحٌ من تعبيره بإمكان الوصول إليه أنّ معرفة الذات الإلهيّة هي الهدف من خلقة آدم على صورة الله وكمالاته، فالوصول ليس سوى المعرفة. وأمّا ما ينفيه فهو الإدراك العقلي أو القلبي ما قبل الوصول إلى الفناء الذاتي، وما دامت هناك غيريّة بين المدرِك والمدرَك.

ويؤيّد ذلك ما ورد ص 390 من الكتاب نفسه، في نقله لتعليق الجنيد على الحديث: (والآن كما كان): «كما قال×: (كان الله ولم يكن معه شيء). وهذا المعنى يجتمع مع الآخرية. لذلك قال الجنيد قدّس الله روحه، عند سماعه لهذا الحديث: (والآن كما كان)، أي لم يتغيَّر هذا المقام عن حاله، وإنْ كان في المرتبة الواحدية معه أسماء وصفات وأعيان ثابتة للأكوان. ويظهر هذا المقام للعارف عند التجلّي الذاتي له، لتقوم قيامته الكبرى، فيفنى ويفنى الخلق عند نظره، ثم يبقى ويشاهد ربّه بربّه. رزقنا الله وإيّاكم. انتهى.

فمن الواضح من قوله: (يشاهد ربّه بربّه) أنّه يعرف الذات. نعم هو يعرفها بها، لا بعقله، ولا بقلبه. وهذا ما يحصل بعد الفناء الذاتي، كما هو واضح. فإذا سلّمنا بالفناء الذاتي، والذي هو من لوازم الوحدة الصرفة، فالمعرفة بالذات متحقِّقة لمَنْ بلغ هذا الفناء، ولا سبيل إلى إنكارها، وإنّما كان يعرف أمير المؤمنين الله تعالى؛ لأنّه كان قد بلغ هذا المقام. ولذلك انتهر سائله في الحديث المتقدِّم، وإلاّ لكانت عبادته للذات عن جهلٍ بها، وهو ما نفاه، أو كانت عبادته لخصوص الأسماء والصفات التي يعرفها، لا للذات التي لا سبيل إلى معرفتها، وهذا خلاف معنى العبوديّة لله تعالى وحده، لا لصفاته وأسمائه. أضِفْ إلى ذلك أنّ قول الإمام عليّ: (لو كُشف لي الغطاء لما ازددتُ يقيناً) يدلّ على معرفته التامّة، لا الناقصة الإجماليّة. (المترجم).

([36]) ابن سينا، تعليقات الشفاء: 20.

([37]) صدر المتألهين، رسائل فلسفيّة: 26، المقالة 2.

([38]) المصدر السابق: 211، المقالة 2.

([39]) نهج البلاغة، الخطبة 49.

([40]) الميزان 6: 102.

([41]) ابن طاووس، إقبال الأعمال: 660.

([42]) الميزان 14: 268.

([43]) الأسفار 2: 292 ـ 300، الفصل 25.

([44]) حيدر الآملي، جامع الأسرار ومنبع الأنوار: 84.

([45]) الصدوق، التوحيد: 90، الباب 4.

([46]) المصدر السابق: 91، الباب 4.

([47]) الطباطبائي، الميزان 5: 20.

([48]) جوادي الآملي، رحيق مختوم 2: 255، الفصل 4.

([49]) صدر المتألّهين، الأسفار 2: 299.

([50]) إثبات الوصيّة للإمام عليّ: 124.

([51]) مصباح المتهجّد: 844.

([52]) الصحيفة السجّادية الكاملة: 322، الدعاء 47.

([53]) ابن طاووس، إقبال الأعمال: 565.

([54]) فاطر: 15. (جميعكم فقراء إلى الله ومحتاجون إليه، ووحده تعالى الذي لا يعوزه شيء، وغنيٌّ بالذات).

([55]) الخميني، تفسير سورة الحمد: 103.

([56]) أبو الحسن الشعراني، هزار ويك كلمه (ألف كلمة وكلمة) 4: 215، الكلمة 354.

([57]) الملاّ صدرا، شرح أصول الكافي: 220، كتاب التوحيد، باب حدوث العالم.

([58]) ديوان دوبيتى ها بابا طاهر عريان )رباعيّات بابا طاهر العريان(: 31.

([59]) ابن طاووس، إقبال الأعمال: 662.

([60]) ابن طاووس، إقبال الأعمال، دعاء عرفة المنسوب إلى الإمام الحسين: 660.

([61]) الصدوق، التوحيد: 239، الباب 4.

([62]) محمد تقي مصباح اليزدي، آموزش فلسفه (المنهج الجديد في تعليم الفلسفة) 1: 172.

([63]) جوادي الآملي، معرفت شناسي در قرآن (نظرية المعرفة في القرآن): 299.

([64]) الطباطبائي، رسالة الولاية: 23، الفصل 3.

([65]) مصباح اليزدي، المصدر السابق 1: 178.

([66]) نهج البلاغة، الخطبة 179.

([67]) صدر المتالّهين، شرح أصول الكافي: 234.

([68]) ابن طاووس، إقبال الأعمال: 565.

([69]) صدر المتألِّهين، الأسفار 7: 188.

([70]) السهروردي، مجموعة المصنّفات 3: 286.

([71]) الميزان 1: 411.

([72]) الميزان 1: 411.

([73]) الميزان 7: 177.

([74]) جوادي الآملي، شرح الحكمة المتعالية 6: 320، الفصل 1.

([75]) الفيض الكاشاني، كلمات مكنونة من علوم أهل الحكمة والمعرفة: 80.

([76]) أمّا سلوك المحبيّة فهو السلوك الذي يكون وصال السالك فيه متأخِّراً عن سلوكه، ويكون موقوفاً على الرياضة والخلوة والمجاهدة… وأمّا سلوك المحبوبيّة فهو السلوك الذي يكون وصال السالك فيه متقدِّماً على سلوكه‏، ويحصل للإنسان من خلال الجذبات الإلهيّة. (حيدر الآملي، نصّ النصوص في شرح الفصوص 1: 31، القسم الثاني، التمهيد الثاني، الوجه الثالث).

([77]) السنائي الغزنوي، ديوان الشعر، الغزل 394.

([78]) إقبال الأعمال، دعاء الإمام الحسين في يوم عرفة: 659.

([79]) المصدر نفسه.

([80]) المصدر نفسه.

([81]) فرهنگ جامع سخنان إمام حسين× (موسوعة كلمات الإمام الحسين×): 436.

([82]) عباس القمّي، منتهى الآمال 1: 341.

([83]) أبو الحسن الرفيعي القزويني، رساله مقامات أربعه (رسالة المقامات الأربعة): 355. هذه الرسالة طُبعت ضمن إحدى عشر رسالة من تأليف: حسن زادة الآملي.

([84]) عباس القمّي، نفس الهموم: 217.

([85]) محمد مهدي الحائري، معالي السبطين 2: 19.

([86]) محمد بن جرير الطبري، تاريخ الأمم والملوك 5: 420.

([87]) البحراني، عوالم العلوم والمعارف 17: 245.