قراءة في العدد (51) من مجلة نصوص معاصرة

12 أغسطس 2018
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
897 زيارة

قراءة في العدد (51) من مجلة نصوص معاصرة

الشيخ محمد عبّاس دهيني

تمهيد: بلوغ البنات، بالسنّ أو بالنضج

شرطيّة البلوغ في العبادة والمعاملة

يمثِّل (البلوغ)، بلوغ الصبيّ أو البنت، شرطَ وجوبٍ لجميع العبادات، كالصلاة والصيام والحجّ و…، وشرطَ صحّةٍ لجملةٍ من المعاملات، كالبيع والشراء، والطلاق، والذَّبْح، والوصيّة، و…، على اختلافٍ في شرطيّته في بعض هذه المعاملات، حيث يصحّ بعضها من ابن 10 سنين، كما جاء في بعض الأخبار.

بلوغ الذكر والأنثى عند علماء أهل السنّة

وفي ظلّ الاختلاف الحاصل بين علماء أهل السنّة في تحديد السنّ الشرعيّة لتحقُّق البلوغ لدى الذكر والأنثى ـ بعد اتّفاقهم على كون الاحتلام، وهو خروج المنيّ، من الرجل أو المرأة، في يقظةٍ أو منامٍ، وكذلك نبات الشعر الخشن على العانة، علامةً مشتركة للبلوغ عند الذكر والأنثى، وعلى كون الحَيْض والحمل علامةَ بلوغٍ عند الأنثى ـ؛ حيث ذهب الشافعية والحنابلة وأبو يوسف ومحمد من الحنفية إلى كون البلوغ للذكر والأنثى بتمام خمس عشرة سنة قمريّة؛ وذهب المالكية إلى كونه بتمام ثماني عشرة سنة، وقيل: بالدخول فيها؛ وذهب أبو حنيفة إلى أن البلوغ بالسنّ للغلام بلوغ ثماني عشرة سنة، وللجارية بلوغها سبع عشرة سنة([1]).

بلوغ الفتاة عند علماء الشيعة

في ظلّ هذا الاختلاف اتّفق علماء الشيعة ـ إلاّ قليلاً من المتأخِّرين ـ على أنّ بلوغ الفتاة يتمّ إذا ما بلغت من العمر تسع سنين قمريّة، حاضَتْ أو لم تحِضْ، وأشْعَرَتْ أم لم تُشْعِرْ.

جماع البنت قبل إكمال 9 سنوات وبعده، بين الحرمة والجواز

ويحرِّمون وطأها قبل إكمالها تسع سنوات قمريّة، حتّى ولو تحمَّلَت الجماع من دون ضررٍ أو أذىً، خلافاً لبعض علماء أهل السنّة، الذين يرَوْن أن المناط في جواز وَطْء الصغيرة هو قدرتها على تحمُّل الجماع دون أن يصيبها ضررٌ، ويختلف ذلك باختلافهنّ ولا يُضْبَط بسنٍّ. وهذا هو مذهب مالك والشافعي بلا خلافٍ. وأما الحنفية فقد قال ابن نجيم في (البحر الرائق): «اختلفوا في وقت الدخول بالصغيرة؛ فقيل: لا يدخل بها ما لم تبلغ؛ وقيل: يدخل بها إذا بلغت تسع سنين؛ وقيل: إنْ كانت سمينةً جسيمة تطيق الجماع يدخل بها، وإلاّ فلا».

وأما الحنابلة فمذهبهم يختلف مع مذهب جمهور علماء الشيعة، ويتَّفق معه؛ يختلفون في أنّ مَنْ لم تبلغ تسع سنين، وكانت تتحمَّل الجماع، يجوز وطؤها عند الحنابلة، ويحرُم عند الشيعة؛ ويتَّفقون على أنّ مَنْ بلغت سنّ التاسعة يجوز وطؤها، بل تُجْبَر عليه، ما لم يَقُمْ دليلٌ بيِّن على أنّه يصيبها منه ضررٌ معتدٌّ به([2]).

ولعلَّهم يتمثَّلون في ذلك بما يَرْوُونه من أن النبيّ(ص) بنى بزوجته أمّ المؤمنين عائشة بنت أبي بكر (نقلها إلى بيته، ووطأها) وهي في التاسعة من عمرها([3]).

وكذلك يرى الشيعة أنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(ع) خطب السيدة فاطمة الزهراء(عا) وهي بنت تسع سنوات، حيث وُلدت بعد البعثة بخمس سنوات، كما هو المشهور عندهم، ويكون عمرها في السنة الأولى للهجرة 9 سنوات لا أكثر([4]).

الأدلّةٌ الروائية على بلوغ الفتاة في سنّ التاسعة

وعلى أيّ حالٍ فإنّ علماء الشيعة شبهُ متَّفقين على أنّ الفتاة تبلغ سنّ التكليف الشرعي بإتمامها تسع سنوات قمريّة.

ويستدلّون لذلك بجملةٍ من الروايات التي ذكرت أنّ بلوغ البنت يكون عند إتمامها تسع سنوات، ويذهب عنها اليُتْم، ويُدْفَع إليها مالُها، وتُزوَّج، ويجوز أمرها، وتجب عليها الفرائض، وتُقام الحدود التامّة عليها ولها.

ويرفضون رفضاً باتّاً الربط بين هذه السنّ (9 سنوات) وبلوغ النضج الجنسيّ الكامل، المتمثِّل بالحَيْض والقدرة على الحَمْل، فيعتبرون إتمام تسع سنوات قمرية من العمر هو المعيار التامّ لبلوغ البنت، سواء رأت الدم قبل ذلك، فلا عِبْرة به، ولا يُعتَبَر حَيْضاً، ولا يترتّب عليه آثار الحَيْض، من وجوب الغسل وحرمة الصلاة و…([5])، أو لم تَرَ الدم بعد التاسعة، فهي عند تمام تسع سنين مكلَّفةٌ بالفرائض، ولها ما للنساء البالغات، وعليها ما عليهنّ، ولو لم تحِضْ.

هجران (منهج استنطاق القرآن)

والذي يلفت الانتباه في المقام أنّهم لم يعتمدوا (منهج استنطاق القرآن) في استدلالهم ـ وهو المنهج المهجور في كثيرٍ من البحوث الفقيهّة، للأسف الشديد ـ، وإنّما اعتمدوا على جملةٍ من الروايات ـ وفيها ما وُصف بالصحيح والموثَّق وغيرُه ـ، وأهمُّها:

ما عُبِّر عنه بـ (موثَّق الحسن بن راشد)، عن العسكريّ(ع) قال: «إذا بلغ الغلام ثمان سنين فجائز أمره في ماله، وقد وجب عليه الفرائض والحدود، وإذا تمّ للجارية سبع سنين فكذلك»([6]).

وهي كما ترى غريبةٌ في مضمونها، حيث ذكرت أن بلوغ الصبيّ بإتمام 8 سنوات، وبلوغ الفتاة بإتمام 7 سنوات، وهو ما لم يقُلْ به أحدٌ.

ولئن قيل: إنّ في بعض المصادر: «إذا تمّ للجارية تسع سنين»([7]).

قلنا: غرابة المضمون في تحديد بلوغ الصبيّ يمنعنا من العمل بهذه الرواية.

ما رُوي عن أبي عبد الله(ع) قال: «حدُّ بلوغ المرأة تسع سنين»([8]).

وهي صحيحةٌ على بعض المباني الرجاليّة، وليس جميعها.

إهمال بعض الروايات المعلِّلة

وأهملوا غيرها من الروايات ـ وفيه الصحيحُ أيضاً ـ، وأهمُّها:

ما عُبَّر عنه بـ (موثّقة عبد الله بن سنان)، عن أبي عبد الله(ع) قال: «إذا بلغ الغلام ثلاث عشرة سنة كُتبت له الحسنة وكُتبت عليه السيئة وعوقب، وإذا ب