كتاب «حديث الحاضر والغائب، مقالاتٌ في باب إلهيّات الغَيْبة»

27 أكتوبر 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
75 زيارة

كتاب «حديث الحاضر والغائب، مقالاتٌ في باب إلهيّات الغَيْبة»

تعريفٌ وتعليق

د. معصومة علي أكبري(*)

ترجمة: حسن علي مطر

 

(إن هذا السكوت، وهذا الخلأ من العمق، بحيث إنني مهما بالغت في النظر بحدّة لا أرى شيئاً، ومهما أرهفت سمعي لا أسمع شيئاً).

1ـ إن الكتاب الذي بين أيدينا يبحث في هذا الخلأ، ويسعى من خلال محاولة جدلية إلى استجلاء النبرة الصوتية لذلك الكلام الصامت. وقد عمد المؤلف جاهداً إلى التعرّف على هذا الخلأ وتحليله جيداً، وتنقيبه من جميع الزوايا. حتّى اشتمل ما يقرب من نصف هذا الكتاب، البالغ تسعة فصول، على هذه المحاولة. وأما الفصول الخمسة الأخيرة فهي عبارةٌ عن جولة نقدية حول النظريات المشهورة للباحثين الإيرانيين في الشأن الديني، وفي حقل الكلام القدسي النبوي. لقد سعى آرش نراقي ـ من خلال نقده لنظرية بسط التجربة النبوية لـ (عبد الكريم سروش)، ونظرية القراءة النبوية بشأن الكون لـ (محمد مجتهد شبستري)، بأسلوبٍ منطقي ـ إلى الإبقاء على فتح الطريق الذي لم يواصله هذا الضرب من الباحثين في الشأن الديني، من الذين ينظرون إلى الوحي بوصفه تجربة بشرية، أو القائلين بوجود علاقة بين لغة الوحي وبين المنشأ الأرضي ـ البشري، والعمل على تظهير نقاط ضعفها المنطقية، وليس المفهومية بالضرورة، ويزيد عليها إبقاء باب الاعتقاد ببشريّة ذلك الفهم مفتوحاً. إن المؤلِّف في مقالاته التسعة، بالإضافة إلى التوجّه الانتزاعي المنطقي إلى الوحي، مع التركيز على الأسس الجوهرية للمفاهيم الدينية التي تمثّل جوهر الأخلاق العملية، من قبيل: الإيمان والمعصية، يسعى من خلال شرح عصر الغيبة الإلهية إلى رؤية إمكان الوحي من زاويةٍ أخرى بالنسبة إلى الإنسان ـ الإله. إنّ أفق رؤيته مزيجٌ من عرفان عصر الحضور الإلهي، واعتبار بشرية عصر الغيبة. وربما كانت تلك الغيبة والصمت في اعتقاد المؤلِّف قابلة للزوال على يد الإنسان التي تجترح المعاجز. وكأنّ العناصر والعوامل الإنسانية ـ من وجهة نظر المؤلِّف ـ تلعب الدور الأكبر في هذه الغيبة، مقارنة بالعوامل المرتبطة بالعالم القدسي. وكأنّ هذه العوامل هي في الحدّ الأقصى وليدة النزعة الباطنية للناس، وليست ناتجةً عن علاقاتهم الجماعية على المستوى الخارجي.

2ـ عمد الأستاذ آرش نراقي إلى بيان جوانب من البحوث الدينية في عصرنا الحديث بأسلوبٍ مبسط. وهي بحوثٌ تعكس إلى حدٍّ بعيد التساؤلات الإيمانية والأخلاقية التي تشغل أذهان الأجيال المعاصرة التي اجتازت تجارب ثرّة حول المجتمع والعالم، أو التي لا تزال تشغل أذهانهم. فإن الكذب والظلم والفقر والتعذيب والمجاعة والعدوان والإبادة الجماعية، والجشع المفرط، وسباق التسلّح في المجال الذرّي من قبل القوى العظمى، وما إلى ذلك من الأمثلة التي تلقي بظلالها الحالكة على العالم، بحيث لم يعُدْ بوسع الإنسان المعاصر أن يتقبَّل ـ بنفس البساطة التي كان يتقبلها الإنسان القديم ـ أنّ جميع هذه الشرور إنّما هي إفرازات عن الخير الغالب. فإن غلبة الشر قد فاقت هذه التبريرات، بل ربما كان الأصحّ اعتبار الخير إفرازاً عن شذرات الشرّ الغالب، حتّى أنّه لم تتمكّن القديسة تيريزا في العقود الستّة المنصرمة من تحرير روحها من احتدام هذه الشرور. وقد اضطرّتها تجربة الشر الغالب إلى التساؤل عن ظلمة الروح أو غيبة الله. أمّا الحالة النفسية للأجيال المعاصرة فهي أشدّ تلاطماً من الحالة الروحية لدى القديسة تيريزا، مع فارق أن تيريزا كانت تخشى من ذلك الصمت، وكانت مدركة له، في حين أن الإنسان المعاصر حتّى إذا كان مدركاً لهذه الغيبة، إلاّ أنّه لا يملك مخاوف القديسة تيريزا نفسها. لقد بحث نراقي جذور هذا الاضطراب النفسي، لا في خارج الإنسان وعلاقات الناس فيما بينهم، بل في الخلأ والفجوة الموجودة في الارتباط بين الإنسان والخالق. وكأنّه يروم إرجاع فتور العلاقة إلى رحمة الله؛ إذ يريد لعبده أن يكون مستقلاًّ في فهمه للوجود وفي العمل من جهةٍ، وأن يكله إلى نقصه وإلى الأخطاء التي يرتكبها الإنسان في حقّ نفسه من جهةٍ أخرى. إن هاتين الحيثيتين هما اللتان تسبَّبتا في غيبة الله. إن الأستاذ نراقي لا يريد في هذا الكتاب أن يضع أمام القارئ مخارج محدَّدة من حالة الغيبة، أو أن يقلِّل من حِدَّة مشاكله، بل إنّه يعمل على تسليط الضوء على التساؤلات. وفي هذه الإضاءة لا يمكن تجاهل نزعته إلى الإدراك الذاتي المعاصر للعرفان. إنّ الإنسان المنشود له هو الذي تجاوز بنفسه عتبة التجارب الفرويدية، وبلغ بها مرحلة التجربة الوجودية العرفانية.

3ـ إن البحث بشأن حضور الله وغيبته بحثٌ ديني خارج عن نطاق الشريعة؛ إذ تستحيل الغيبة في الشريعة. والبحث الرئيس عند أتباع الشريعة لا يكمن في إصلاح الارتباط، بل امتثال التكليف الذي أوجبه الله تعالى، وهو تكليفٌ قد لا يستطيع العبد أن يفهم كنهه، ولا يمكن لعقله أن يستوعبه. فبالنسبة إلى أتباع الشريعة لا تكمن المشكلة في اختفاء الله. وربما كانت المشكلة تكمن في استحداث مفاهيم مثل المعصية والثواب. فمن غير المعلوم في العصر الجديد أن تندرج مفاهيم مثل: الجريمة والخطأ، وإطاعة القانون والتهرّب من القانون، والالتفاف على القانون، وما إلى ذلك من المفاهيم، ضمن مقولة المعصية، أو أن يكون لها دخلٌ في صحّة عمل المؤمنين بالشريعة؛ فإن بحث الإيمان في الشريعة قبل أن يكون بحثاً وجودياً هو بحث عملي، ناظرٌ إلى الحياة اليومية. إن الإيمان والمعصية بمصاديقهما الجزئية الحاضرة في الحياة اليومية قد أخلّ بحدود العمل الأخلاقي وغير الأخلاقي. وعندما نتعرّض لبحث آرش نراقي بشأن «دائرة الإيمان الإبراهيمي» من هذه الزاوية يرد السؤال التالي: هل الفرد المؤمن المتشرِّع هو في موقع الإيمان الإبراهيمي، أم أن الموقع الوجودي استثنائي؟ إن فهم المؤلِّف لا ينسجم مع الناحية الاستثنائية؛ إذ إنه يصرّح أن هذه المواقع سوف تتحول فيما بعد ـ وعبر التاريخ ـ إلى مناسك دينية، وتتحوّل إلى مناسك فارغة من محتوياتها الأصيلة. ومع ذلك لا يمكن تجاهل بعض الوثائق الاجتماعية الواقعية. من باب المثال: إننا في السنوات الأولى من انتصار الثورة الإسلامية، إبّان الأحداث السياسية والمعارك في جبهات القتال، قد شهدنا نماذج ملحوظة من تحقُّق هذه المناسك في الحياة، وفي العلاقات الأسرية. فإن الناس في عين التمسُّك بإدراك الشريعة المحورية تجاه التكاليف الدينية كانوا يضحّون بأرواحهم أو بفلذات أكبادهم وأحبّتهم في إطار العمل النابع من إيمانهم. فهل كانت هذه النماذج واقعة في دائرة الإيمان الإبراهيمي؟ بمعنى هل كانت تعبِّر عن اجتياز تجربة دينية خاصّة، أم إنّها مجرّد تعبير عن إطاعة فردٍ مؤمن يلبي نداء الشريعة في مواجهة الكفر؟ يبدو أن الخوض في هذه الجهات المحسوسة والملموسة في الحياة اليومية للإيرانيين، وخاصّة التجارب الأليمة التي عاشوها طوال السنوات الأولى من الثورة، يفتح بحث إيران بالنسبة إلى الإيرانيين بشكلٍ أعمق وأوضح من البحوث التي تقتصر على الجدل اللغوي والمعرفي المنطقي المحبوس ضمن جدران الصفوف، ولا تصل إلى أسماع الغالبية من المخاطَبين بالدين. إن الفارق بين موقع الإيمان الإبراهيمي للنبيّ إبراهيم وبين موقع الإيمان الإبراهيمي للفرد المسلم في عصر غيبة الله في فترة الحَرْب والثورة يكمن في أنه لم يبْقَ إسماعيل إلاّ وقد تمَّتْ التضحية به في الموقع الجديد، كما تمَّتْ التضحية بكلّ إبراهيم. وكما يؤكِّد المؤلف ففي الصيغة الأولى لهذه الموقعية في عصر الحضور الإلهي لم تكن التضحية بإسماعيل واردة أبداً، بل كانت الغاية مجرَّد أن يذبح إبراهيم عاطفته الأبوية على مذبح العشق الإلهي، وهذا هو الذي حصل بالفعل.

4ـ إن المسلمين في العصر الأخير، وخاصّة في العقود التي أعقبت الحربين العالميتين، والدخول في القرن الحادي والعشرين، أخذوا يواجهون شواهد أخرى تدلّ على الغيبة الإلهية. وهي شواهد تكمن بشكلٍ عام في حدود تشابك المساحات العامة والخاصة والسياسية. وهي إمّا شواهد ذات منشأ شرير، أو أن لها غايات ومعطيات شريرة. بَيْد أن المسألة تكمن في أن الناس العاديين إنما يبحثون عن حضور الله وغيبته في تدخّل أو عدم تدخّل الإرادة الإلهية في تحسين أوضاع حياتهم اليومية. من باب المثال: عند مرض الولد، أو موت قريب، أو إنهيار حبّ، أو عروض فقر، أو عدم نجاح في عمل، أو الإخفاق في الدراسة، وما إلى ذلك من المصاديق، تجد الفرد يتمسّك بأهداب الدعاء، ويسأل الله أن يتدخّل في دفع الشرّ واستجلاب الخير. إن التجارب الدينية لعامّة الناس تبقى عادةً في هذه الدائرة. وفي هذه الصورة لا نشاهد أيّ شبه بين هذا الموقع الإيماني الذي يصرّ على تدخّل الإرادة الإلهية من أجل تغيير مسار الحياة الفردية وبين الواقع الإيماني للأنبياء. فإن عامّة الناس ليسوا من السالكين ولا من العرفاء، ولا من الزاهدين، بل قصارى ما يَصْبُون إليه هو الحصول على حياة روتينية يومية هادئة. هذا إذا سمحت لهم سلطات الشرّ بذلك، وإذا تكرَّم عليهم العصر الجديد بمثل هذا الهدوء. وفي هذه الصورة هم ينشدون هدوءهم في اتّباع أحكام الشريعة. في حين أن موقع الإيمان في الشريعة، التي هي دائرة تكليفية، لا يشبه موقع الإيمان الإبراهيمي الذي هو موقع وجودي. ففي التجربة العامّية الدينية للناس هناك إحجام عن الطواف حول كعبة الفؤاد، إنّما كلّ الهمّ والحماسة تبذل من أجل الطواف حول بيت الطين. بالالتفات إلى هذه الحقيقة يمكن القول: إن بعض فصول هذا الكتاب ـ مثل الفصل الرابع، تحت عنوان «بيت الطين وبيت القلب» ـ لا يضيف شيئاً جديداً على الفهم المعاصر لموقع الإيمان الإبراهيمي، وإنما هو عبارة عن جولة في إدراك العرفاء القدامى لحضور الله وغيبته. فليس هناك إدراكٌ وفهم جديد لإمكانية الإحالة على الدخائل الفردية، وإقامة النسبة غير المتعارضة بين هذه الدخائل وبين الحقيقة الخارجية الواقعة تحت سيطرة الشرّ.

5ـ ومن زاوية أخرى يمكن اعتبار المسلم التقليدي لا أُبالياً وسلبياً تجاه خفاء الأمر الإلهي عن ساحة حياته. فهو يرى شَرْخاً كبيراً بين حياة المؤمنين وحياة الكافرين. فطبقاً لإدراكه وفهمه للتعاليم المقدّسة كان يجب أن يكون هناك تبدُّلٌ في أنماط هذه الحياة. فالمؤمنون يعيشون محاصرين من الشرور، حيث يحيط بهم الاستبداد والفقر والاحتقار والدونية والأمراض والبطالة وأنواع الجرائم والخيانات والعقوبات التي تلقي بظلّها الثقيل على جميع أبعاد حياتهم. وأما بالنسبة إلى حياة الكفّار فإن هذه الشرور ليست هي الغالبة. إن مشاهدة السعادة والرفاه والمتعة واللذة والحرّية في المستوى المطلوب في تلك الحياة تدعو المؤمن إلى التأمُّل في حياته؛ وذلك طبقاً لتجربة دنيوية بالكامل، فتكون النتيجة التي يصل إليها هي أنّ الحياة الكافرة أقرب إلى الدعوة الإلهية في النصّ المقدّس القائل: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا﴾ (الأعراف: 31). إن تحقّق هذه الدعوة التي تضمن السعادة والحياة المتكافئة والمتعادلة في حياة الكفّار يمكن أن تكون مثار تساؤل الفرد المسلم الذي يعيش في ضنك من الألم والبؤس والحرمان. يمكن أن نشاهد نموذج هذه الحياة البائسة لدى المسلمين في الصومال. والجانب الآخر في المدارس الدينية المجّانية في قرى النيبال، حيث يتمّ إجبار الأطفال في مقابل تعلّم النصّ المقدّس على توفير الطعام للمعلِّمين عن طريق استجدائه من المحسنين، فإنْ لم يفلحوا في استدرار عطف المحسنين، وعاد الواحد منهم خالي الوفاض، كانت العقوبة إلى حدِّ التعذيب والحبس بانتظاره. ولا يمكن لوزارة التربية والتعليم أن تفعل شيئاً؛ لإيقاف هذا الإجحاف بحقّ الطفولة والبراءة. ربما كانت هذه الأمثلة شاذّة ونادرة! فهل الأمثلة في باكستان وأفغانستان كذلك أيضاً؟! إنّ هذه النماذج المناقضة لدعوة وإجابة النصّ المقدّس لمواصلة الحياة بسعادةٍ واعتدال في أحضان الطبيعة والصناعة تدعو المسلم التقليدي بقليلٍ من التأمّل إلى التفكير بشأن غيبة الله عن حياة المؤمنين. يبدو أن حقيقة الإيمان في هذه الأمثلة المتقدّمة هو «الفقر» والحرمان، وليس «العشق». وهذا الفقر ليس هو الفقر الإرادي المنبثق عن الزهد والعرفان، بل هو فقرٌ دنيوي مفروض على الإنسان كرهاً. إن الاهتزازات التي يشعر بها المؤمن في هذه الحياة، وفي هذا الفقر المتطفّل في غيبة الأمر الإلهي، لا تنبثق عن «الشعور بالعشق العميق من صميم وجوده» بحضور الله، وإنما هي نابعة من الشعور بألم الجوع والهوان. وفي هذه التجربة اليومية تمّ إغلاق النوافذ الثلاثة ـ التي عبَّر عنها المؤلِّف بأنها النوافذ التي كان الله يتكلّم من خلالها مع الناس ـ بإحكامٍ، وختم عليها بالشمع الأحمر.

فالطبيعة بوصفها واحدة من تلك النوافذ الثلاث قد أظهرت جانبها الحالك والكالح والقاسي والمستبدّ والجائر بالنسبة إلى المسلمين في القارّة الأفريقية، حيث يتآمر الماء والهواء والتراب والنار؛ للحيلولة دون تنعُّم سكان تلك المناطق بذرّةٍ من رحمة الطبيعة وحنانها.

وأما النفس الإنسانية، التي يمكن لها أن تسمو وترتقي حتّى تستحق الفوز بمقام خلافة الله، فإنّها بدلاً من ذلك قد تسفَّلت وانحطت، ولم ترتَقِ، وأخذت تدّعي الربوبية، وتدعو الناس إلى الطواف حولها إنْ أرادوا لطوافهم حول الكعبة أن يقبل.

وأما النافذة الأخيرة التي يحاور الله الإنسان من خلالها فهي «الكلمة». وهي الكلمة التي يجب أن تقحم في أذهان المتعلِّمين بضربات من عصا الأستاذ في البرد القارس والحرّ القائظ والأجواء الخالية وغير الإنسانية، أو مصحوبة بالقنابل، أو محمولة في الجسد المفخَّخ للانتحاري؛ كي تثمر تلك الكلمة بفعل سلسلةٍ من التفجيرات المتتالية التي تسقط على رؤوس وأجساد الأفراد المتقطّعة أوصالهم.

إن هذا النوع من الانسداد يختلف إلى حدٍّ كبير عن الانسداد الذي يذكره المؤلِّف. ففي الانسداد المنظور للمؤلِّف هناك إمكان لفتح النافذة، وأما في هذا الانسداد فإن احتمال فتح النوافذ إذا لم يكن صفراً فهو دون الصفر. ولذلك لا يمكن توقُّع أن تتوفّر الأرضية لإمكان تحقّق تجربة الإيمان الإبراهيمي بوصفها تجربة وجودية. وفي الحقيقة فإن مصابيح الارتباط إنّما تضيء إذا كان طرفا الارتباط لهما حظٌّ من الوجود، بحيث يمكِّنهما من التخاطب.

6ـ ربما كان وجه الاشتراك الوحيد بين جميع أنماط الحياة الدينية ـ وخاصّة أنماط حياة المسلمين، على اختلاف وتباعد مساحاتهم الجغرافية والسياسية والثقافية والقومية ـ هو غياب الأمر الإلهي عن أرض وسماء العصر الجديد. بَيْد أن هذه الغيبة لا يمكن أن تكون منبثقة عن تراكم تجلّي النور الإلهي، كما يقول المؤلِّف، مستنداً إلى رؤية العرفاء؛ لأن العالم في طريقه إلى الغرق التدريجي في مستنقع الظلمات، وعلى الخصوص عالم المتديِّنين. ولا يعود الإشكال إلى أزمةٍ في المرايا. فكما ينقل الأستاذ نراقي عن الغزالي: حتّى إذا وضعنا آلاف المرايا في مواجهة بعضها البعض من مختلف الزوايا لن نحصل إلاّ على صورةٍ واحدة قد تكرَّرت إلى ما لا نهاية، وهي لا تعبِّر إلاّ عن فقدان التصوير، أو تكثير واستنساخ للظلمات. يحتمل أن يكون الصدأ قد أصاب جميع القلوب والأفئدة، كما يقول المولوي، غير أن الذنوب الفردية ليست هي وحدها السبب في اسوداد القلوب؛ فإن الفقر والمجاعة والكذب والظلم والخيانة تعمل على تسويد القلب بنسب خيالية تفوق الذنوب الفردية. ومن هنا تبدو ضرورة المبادرة إلى إعادة تعريف الذنوب والمعاصي بما ينسجم وحياة الإنسان في العصر الراهن. لو آمنا بأن الثقافة والبيئة والمجتمع من العناصر المؤثِّرة في تنزيل الوحي يجب أخذ هذه العناصر بنفسها في فهم ذلك النصّ في العصر الحديث، وإعادة فهمه الجوهري في مثل المعصية والإيمان. إن الفهم التقليدي للمعصية بوصفها واحدة من الأسس الأخلاقية التقليدية قد أصبحت اليوم مثار تساؤل وجدل في أوساط واسعة من المجتمع. وبالإضافة إلى هذه المناقشات فإن السلوك المتناقض لدعاة التديُّن يحدث اهتزازات مروِّعة في الوجدان الفردي والاجتماعي للأخلاق التقليدية. إنّ تحديد العقوبات القاسية على المعاصي الفردية ـ التي لا تعتبر جرماً في المنظار الحقوقي ـ تثير الحدّ الأدنى من التداعيات الاجتماعية، وفرض العقوبات المخفّفة للجرائم الاجتماعية ـ التي تعتبر من الجرائم الكبرى في المنظار الحقوقي ـ، التي تؤدّي إلى الكثير من الآفات والأمراض الاجتماعية الواسعة، قد تسبَّبت باهتزازاتٍ أخلاقية عنيفة، وإضعاف الأسس الأخلاقية التقليدية والدينية أكثر من أيّ عنصر آخر. إن هذه التناقضات الملموسة في النظر إلى المعاصي والذنوب، ومقارنتها بالعقوبات، تعمل على حرق جذور المعتقدات الأخلاقية في ذهن ووجدان الأفراد، وخاصّة لدى جيل الشباب. إن مفهوم المعصية قد امتزج بالحياة اليومية، بحيث لم يعُدْ بالإمكان الاقتصار على بحثها ضمن الصفوف الدراسية والجامعية على المستوى التنظيري فقط، بل حتى الفصل بين المفهومين (الفرويدي النفسي، والعرفان الوجودي) ـ على نحو ما صنع المؤلِّف ـ لا يفي بتوفير الأرضية اللازمة لهذا البحث، بما يتناسب ومتغيّرات الحياة الفردية والاجتماعية للإنسان في العصر الحديث. إن الأفراد الذين لا هُمْ من الحداثويين تماماً، ولا هُمْ من التقليديين تماماً، يعيشون في برزخٍ بين هذين المفهومين، هُمْ في أمسّ الحاجة إلى معايير واضحة ودقيقة لتحديد المعصية من غيرها. إن هؤلاء ربما كانوا ـ كما قال المؤلِّف ـ لم يعودوا يريدون الانقلاب على ذواتهم، ولم يعودوا يرغبون في نقض ذاتهم. إلاّ أن «نقض الذات» ليس له معنى واضح. فالذات الواقعية ليس لها حدودٌ واضحة؛ كي يمكن لها أن تشعّ منها على الذات غير الواقعية. «إن الشعور المؤلم نوعٌ من الجرح العميق في جوهر الوجود والشخصيّة»، على حدّ تعبير المؤلِّف، يشكِّل واحداً من معايير إدراك الذات الواقعية، والشعور بالذنب الواقعي. يرى المؤلِّف أن هذا الشعور إنما يحصل لدى الفرد إذا تخلّص وجدانه من الشعور بالمعصية السادية ـ الماسوشية، التي يعنى بها المختصون في علم النفس. وأن يخلّص نفسه من ضغط الرغبات والميول الطبيعية، وأن تحصل تمنّياته على التلبية الطبيعية. إن هذه المسألة التي يثيرها الأستاذ نراقي في البحث بشأن المعصية يمكن أن تشكِّل منطلقاً مناسباً للحوار الأخلاقي بالنسبة إلى المخاطبين الذين يواجهون الخلأ الأخلاقي. وعلى الرغم من ذلك فإن الفهم الباطني للمؤلف عن المعصية لا يعطي مفهوماً دقيقاً ومحصّلاً لنقض الذات وعدم الوفاء للنفس والذات، وخاصّة عندما يراد لهذا الفهم أن ينتقل من مرتبة البحوث اللغوية إلى عالم الواقع، ويرمي بنفسه في خضم أمواج الحياة اليومية المتلاطمة. إن الإدراك العيني للمعصية الزائفة، واستيعاب المعصية الحقيقية في وجدان وذهن الفرد، يمكن أن تمتزج ببعضها، وتتحوّل إلى أمر داخلي من قبل المراجع العليا والسلطات الدينية وغير الدينية، تحت عنوان المعصية، بدلاً من إدراك المعصية ونقض الذات، وتتم المطالبة بإعلان التوبة منها. ويمكن لنا مشاهدة الكثير من نماذج هذا الخلط بين المفاهيم الواقعية والزائفة في المجتمعات الدينية الملتزمة بظواهر الشريعة. ومن المصاديق الكارثية على ذلك هو الجريمة المروِّعة التي ارتكبها القاتل العنكبوتي المتمثّلة في طريقة اصطياده للضحايا وتصفيتهم. وقد كانت ابتسامته المتهكِّمة أمام عدسات التلفزيون والمذيع تحكي عن اغتباطه الديني؛ حيث كان يرى أن ما قام به منطلقٌ من إدراكه لمعنى المعصية، ولم يشكّ في فهمه قيد أنملة، حتّى في أحرج اللحظات التي كان يُساق فيها نحو حبل المشنقة. وعليه للحيلولة أو للتحذير من الخلط بين المفاهيم لا بُدَّ من إعادة تعريف وتفسير جديد للمعصية الحقيقية والذات الواقعية، على أن يكون هذا التعريف لصيقاً بواقع المجتمع والعقيدة الفردية في المجتمعات الدينية في هذا العصر، وأن تكون ناجعة للحصول على دقّة في الاستنتاجات المنطقية البحتة. كما يمكن مشاهدة نماذج أخرى عن اختلاط معنى المعصية والعمل الإيماني بالعمل غير الإيماني، وحتى المخالف للعمل الإيماني في المجتمعات المسلمة، من قبيل: ما تقوم به جماعة الشباب من منعها إيصال المساعدات الدولية للمنكوبين؛ بسبب المجاعة في الصومال؛ ومن قبيل: تعذيب الأطفال في المدارس الدينية في النيبال.

7ـ بعد ملاحظة إمكانية هذا الانحراف الذهني والاعتقادي الكامن في الأخلاق الدينية يمكن القول بضرورة بحث إلهيات الغيبة من الناحيتين الفردية والاجتماعية. إن حديث الحاضر الغائب كما هو بحثٌ عرفاني مرتبط بالتوحيد الوجودي، هو كذلك بحثٌ في الشريعة أيضاً. وهي طريق الحياة الدينية الممتزجة بالجزئيات المصغَّرة والمتفرّقة في الحياة اليومية للمؤمنين. ولهذا السبب يمكن القول بأن هذا الحديث هو حديثٌ إنساني بالكامل. فإذا كان النزر القليل من العرفاء والزاهدين والقدّيسين في المجتمعات الدينية القديمة، وحتى المعاصرة في القرنين الأخيرين، يرزحون في ظلمة ليل الروح، وتحترق نفوسهم في لهيب الشكّ واليقين، فإن جحيم هذه الغَيْبة الإلهية في العصر الحديث وما بعد الحديث أخذت تحرق الأفراد العاديين في علاقاتهم الإيمانية وغير الإيمانية، المتوسّّطة والضعيفة، بمعنى أن الألم الناشئ عن هذه الغيبة الإلهية لا يقتصر على الفرد فقط، بل حتّى المجتمعات الدينية تعاني بدورها من هذه الغيبة أيضاً؛ إذ في عصر غلبة الغيبة والاحتجاب الإلهيّ يُصبح كلّ شيء جائزاً أكثر من أيّ وقتٍ مضى. إن هذه الغيبة لا تبقى حبيسةً ضمن الأطر الإيمانية، كما يراها الأستاذ آرش نراقي بالنسبة إلى كبار علماء المعنى، وكأن هذه الغيبة مشرّعة ولا حدود لها. ويشتدّ هذا التصوُّر عندما نذعن بأن آفة الروتين اليومي لدى الفرد قد استحوَذَتْ عليه «بمعزلٍ عن التأمّل والمراقبة في رفع حقارة الحياة اليومية»([1]). إن رفع حقارة الحياة الروتينية هي الآفة التي نشبت في حياة أكثر أفراد البشر، الأعمّ من المؤمنين وغير المؤمنين، وخاصّة في المجتمعات الدينية. وهي آفة قد سلبت في الحدّ الأدنى إمكانات الحياة الاعتيادية من الأكثرية، وحوّلتهم إلى ما يشبه الصبيّ الذي يروي الشاعر سعدي الشيرازي حكايته، مشبِّهاً إياه بـ «حالة الكلب» الذي لا يطمع بالحصول على الحلوى التي يمسك بها الولد الثري، بل يسعى إلى الفوز بكسرة خبز تُبْقيه على قيد الحياة. إن حقارة الحياة الروتينية لأكثر الناس في هذه التجربة المتكرِّرة لـ «حالة الكلب» ـ لا بالشكل الذي يبدو من نصّ المؤلِّف ـ ناشئة عن الاستغراق في وفرة النعم، أو الاعتدال في استهلاك النعمة. إن الصراع من أجل الفوز بلقمة العيش لا يترك فسحة لتفتح العبادة ذراعَيْها لتحتضن الفرد في زاويةٍ من زوايا الحياة الروتينية اليومية. ولذلك لا يمكن موافقة المؤلِّف في قوله بأن «المناسك الدينية [لا تزال] أسلوباً دينياً لخلق مناخ مقدّس وسط التململ من حقارة الحياة الروتينية؛ من أجل المحافظة على جوهر الحياة المعنوية في منعطفات الروتين اليومي»([2]). وفي الحدّ الأدنى ما دامت غَيْبة الله غير معلولة لصدأ القلوب المتسبّب عن الذنوب الفردية، بل ناشئة عن صدأ الجور الذي ترتكبه السلطات السياسية وهيمنتها على المعنوية والتديُّن، لا يمكن لنا موافقة المؤلِّف. فحتى إذا كانت رؤيته إلى المناسك الدينية من حيث المجموع صائبة، وكانت مقبولة في مواقع تنعم بالحرّية والحياة الإنسانية المعتدلة نسبياً (وهي كذلك من وجهة نظري)، لا يمكن القبول بها على مستوى المواقع السياسية والاجتماعية الراهنة من قبل بعض فئات المؤمنين. ولذلك نجد المؤلِّف يقوم بجولةٍ في بحثه بشأن موانع وآفات الأساليب الدينية التي لا تصل بجماعة المتديّنين إلى النتائج المطلوبة. إلاّ أن هذه الجولة قبل أن تشعّ بضوئها على كيفية غلبة المعتقدات الخارجية من قبل مراجع السلطة والسياسة طوال العصور الداخلية، وهيمنتها على الوجدان الفردي والاجتماعي، تستند إلى النزعة الفردانية لدى المؤمنين. وهي فردانية لا تجد لنفسها مجالاً للظهور في المجتمع التقليدي. ربما كانت الجهود المبذولة في استئصال سُرّة الوجدان الفردي عن الوجدان التقليدي عملية طويلة الأمد، وعسيرة، ومصحوبة بالآلام المبرحة، ولن تؤتي ثمارها على المدى القريب، ولكنْ ليس هناك مفرٌّ من بذل هذه الجهود. وعندما تثمر هذه الجهود سيغدو بالإمكان وضع أثقال ملل وحقارة الحياة اليومية وصدأ القلب وغَيْبة الله على كاهل الفرد، واعتبار دور المرجع الخارجي للدين أدنى من دور الفرد نفسه.

 

الهوامش

 

(*) باحثةٌ متخصِّصة في مجال علم اجتماع الثقافة، ولها أعمال في مجال الفلسفة المعرفية المعاصرة.

([1]) حديث الحاضر والغائب، مقالات في باب إلهيات الغيبة: 109.

([2]) المصدر السابق: 111.