(كتب الضلال) وحُرِّية التعبير

20 أبريل 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
153 زيارة

(كتب الضلال) وحُرِّية التعبير

الشيخ مرتضى مطهّري(*)

ترجمة: وسيم حيدر

 

تعريف كتب الضلال

ما هو تعريف «كتب الضلال»؟ قد يقال: إن المراد من «كتب الضلال» الكتب المشتملة على مضامين باطلة وخاطئة في حدّ ذاتها. ولكن لا شَكَّ في أن هذا المقدار ليس هو المراد؛ إذ لا يمكن إطلاق مصطلح «كتب الضلال» على كلّ مسألةٍ خاطئة. فلو كان الكتاب مشتملاً على بعض المسائل المخالفة للمذهب، ولكنه لا يتمتع بتلك القوّة على التأثير في أفكار الآخرين، وإضلالها وحرفها عن الحقّ، بمعنى أنه من السخف والهزال بحيث لا يمتلك القدرة على التأثير في أفكار الأشخاص، فهو وإنْ كان باطلاً ومن الضلال في حدِّ ذاته، ولكنه غير مُضِلٍّ، وليس من دليلٍ على حرمة حفظ هذا النوع من الكتب.

هناك مَنْ يمثِّل لكتب الضلال بكتب البهائية، ولا سيَّما كتب الباب نفسه، ويقول: إن هذه الكتب وإنْ كانت من الضلالة في حدّ ذاتها، بمعنى أن مضمونها هو الضلال بعينه، ولكنّ هذا المضمون من السخف والهشاشة وعدم التماسك بحيث لا يتمتع بأيّ قدرةٍ على الإضلال.

وعليه فإن المراد من كتب الضلال هي الكتب التي تؤثِّر بحسب الواقع على أفكار بعض الأشخاص. ويضيفون إلى هذا قيداً آخر، وهو القول بأن حرمة حفظ هذا النوع من الكتب إنّما تثبت في حقّ الشخص الذي لا يمتلك القدرة على نقدها، أما القادر على نقدها وإثبات بطلانها فلا حرمة عليه في حفظها. ولذلك يسمح كافّة العلماء لأنفسهم بشراء وحفظ كلّ كتابٍ.

وإذا قال شخصٌ بحرمة حفظ كتب الضلال لم يقتصر قولُه بهذه الحرمة على حفظ هذا النوع من الكتب في مكتبته الخاصّة، بل سوف يشمل هذا الحكم شراء هذه الكتب وبيعها، وطباعتها، ونشرها وتوزيعها، والترويج والدعاية لها أيضاً.

ولكنْ ما هو الدليل على هذه الحرمة؟ وهل هناك دليل على إثبات هذه الحرمة من القرآن والسنّة أم هو مجرّد اجتهادٍ قائم على بعض الاستحسانات العقلية؟

ليس هناك آيةٌ أو رواية صريحة في إثبات حرمة حفظ كتب الضلال. بَيْدَ أن الذين ذهبوا إلى القول بهذا الحكم قد استندوا في إثباته إلى بعض الآيات القرآنية، التي يمكن القول بأن إجماع الفقهاء قائمٌ على عدم دلالتها على ما ذهبوا إليه.

 

الآيات التي استدلّ بها، ومناقشتها

1ـ اجتناب قول الزور

يقول تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (الحجّ: 30). والزور يعني الكلام الباطل، والاجتناب يعني الابتعاد عن ذلك الكلام الباطل، أيّاً كان نوعه. فعلينا أن نجتنب الكذب والباطل بجميع أشكاله، سواء أكان كلاماً منطوقاً أم مكتوباً. وحيث إن كتب الضلال تشتمل على الباطل يجب اجتنابها والابتعاد عنها أيضاً.

وقد أُجيب عن ذلك بأن معنى قوله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ توجيه الكلام إلى المخاطَب بأن لا يتكلَّم بكلامٍ باطل. وعليه فإن «الاجتناب» في هذه الآية ناظرٌ إلى صدور الباطل من المكلَّف، وأن عليه أن لا يقول أو يكتب ما ينطوي على الباطل. وهذا أجنبيٌّ عن حفظ الكلام أو الكتاب الباطل الصادر عن الآخرين.

 

2ـ شراء لهو الحديث

يقول تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ (لقمان: 6). قال المفسِّرون: إن هذه الآية ناظرةٌ إلى تيّارٍ ظهر في مكة بعد نزول القرآن، حيث وجد المشركون أن القرآن يجتذب الناس إلى سماعه، وكان هناك رجلٌ يُدعى النضر بن الحارث ـ وكان من الطبقة التي يصطلح عليها في العصر الراهن بطبقة المثقَّفين في مكّة، وكانت له أسفارٌ إلى إيران وروما ـ قال: إن محمّداً قد خدع الناس بهذه القصص التي جاء بها، وأضاف النضر: إن بإمكانه أن يأتي بمثل هذه القصص. وحيث كان على معرفة باللغة الفارسية فقد شدّ الرحال إلى إيران، واقتنى مجموعة من تلك الكتب التي تشكِّل مصدراً لكتب اللاهوت وأخبار الملوك والملاحم الفارسية، من قبيل: قصّة رستم وإسفنديار وما إلى ذلك، ثمّ عاد بها إلى مكّة، وأخذ يلقيها على مسامع الناس، وتحلّق حوله عددٌ منهم، فنزل القرآن بهذه الآية؛ لبيان أن هناك من الناس مَنْ يشتري من الكلام ما لا نفع فيه غير إلهاء الناس عن ذكر الله.

فإذا أُضيف إلى اللهو ما يترتَّب عليه من الإضرار زاد ذلك في الطين بِلَّةً. وإن الموسيقى إنما كانت في نظر الإسلام لهواً؛ لأنها لا تشتمل على غير الإلهاء([1]).

وعليه فإن القرآن الكريم يقول: إن هؤلاء إنما يشترون قصص اللهو التي تحول دون توجيه الناس إلى التقرُّب من الله، على العكس من كلمات القرآن التي لا تحتوي على غير ما يقرِّب الناس من الله.

وعليه قيل في تقريب الاستدلال بهذه الآية: إنها تتحدث عن كتب الضلال، وإنّ القرآن قد حرَّم فيها شراء كتب الضلال.

وقد أجاب الفقهاء عن هذه الآية بالقول: إننا لا نستطيع أن نستفيد من هذه الآية حرمة حفظ كتب الضلال؛ فإن هذه الآية إنما هي في وارد انتقاد عملٍ معيّن، وهو اقتناء هذا النوع من الكتب؛ بغية إلهاء الناس وصدِّهم عن ذكر الله. ولا شَكَّ في حرمة العمل الذي يُلْهي الناس عن ذكر الله، حتّى إذا كان من خلال الكتب التي لا تعتبر من كتب الضلال، بل كانت من كتب الهداية. وعليه فإن القرآن إنّما ينهى في هذه الآية عن نوعٍ من العمل ينطوي على إلهاء الناس وحرفهم عن سبيل الله والتقرّب منه. ولا شَكَّ في حرمة هذا العمل، سواء أكان من خلال لهو الحديث أم غيره.

هاتان آيتان تمّ الاستناد إليهما. وقد اكتفيتُ بمجرَّد نقلهما. وقد ردّ الفقهاء دلالتهما على المدَّعى، وقالوا بعدم إمكان الاستدلال بهما على حرمة حفظ كتب الضلال.

الروايات التي استدلّ بها على حرمة حفظ كتب الضلال، ومناقشتها

1ـ قصّة عبد الملك بن أعين والإمام الصادق×

أما الأحاديث التي استدلّ بها على إثبات حرمة حفظ كتب الضلال فهي الأحاديث التي لم تَرِدْ في خصوص هذه المسألة، وإنما يُستفاد حكم هذه المسألة من عمومات بعض الأحاديث، ومن جملتها: ما ورد في باب التنجيم، لا بمعنى علم التنجيم الرياضي الذي يرصد ظواهر من قبيل: الخسوف والكسوف وما إلى ذلك، بل المراد هنا من التنجيم ما يقوم به البعض من تقرير ظواهر السَّعْد والنَّحْس وأمثال ذلك، وهذا هو التنجيم المحرَّم، دون التنجيم الرياضي.

فقد ورد في كتب الحديث أن عبد الملك بن أعين ـ أخو زرارة بن أعين([2]) ـ دخل على الإمام الصادق×، وقال له: «إنّي قد ابتُليت بهذا العلم، فأريد الحاجة، فإذا نظرت إلى الطالع ورأيت الطالع الشرّ جلستُ ولم أذهب فيها، وإذا رأيت الطالع الخير ذهبت في الحاجة، فقال لي: تقضي؟ قلت: نعم، قال: أحرق كتبك»([3]). فلم يكن منه كسائر الشيعة الملتزمين بأوامر الإمام إلاّ أن امتثل لأمر الإمام، وقام بحرق جميع ما عنده من كتب التنجيم.

قيل: حيث إن كتباً مثل: كتب التنجيم تشتمل على أحكام مضلَّة أمر الإمام الصادق× بإتلافها. وعليه يمكن لنا تعميم هذا الحكم إلى كلّ كتابٍ يشتمل على ضلالٍ.

وقد أجاب الفقهاء عن ذلك بأن هذه الرواية لا تدلّ على المطلوب؛ وذلك لأن الإمام الصادق× قد سأل فيها عبد الملك قائلاً: «أتقضي؟»، بمعنى: أتحكم على طبق ما يَرِدُ في تلك الكتب أم لا؟ وعندما أجاب عبد الملك بالإيجاب أدرك الإمام أنه قد ابتُلي بمرضٍ لا أمل له بالشفاء منه إلاّ من خلال إتلاف تلك الكتب وإبعادها عنه. ولو أن عبد الملك كان قد راجع طبيباً نفسيّاً لوصف له نفس العلاج الذي وصفه الإمام له. وعليه لو كان عبد الملك بن أعين ـ بوصفه عالماً ـ يقتني جميع أنواع الكتب بحياديّةٍ علميّة تامّة، دون أن يتأثَّر بها إلى ذلك الحدّ، لما أمره الإمام الصادق× بحرقها. وعليه لا يمكن لنا أن نستنبط التعميم من هذا المورد الخاصّ.

 2ـ حديث الإمام الصادق×، أو الدليل العقلي

أما الدليل الآخر الذي يسوقونه فهو في الحقيقة إرجاع إلى حكم العقل في هذا الشأن. وهذا الدليل عبارةٌ عن رواية معروفة بين الفقهاء بـ «رواية تحف العقول»([4])، وهي رواية تفصيلية عن الإمام الصادق×، زاخرة بالمعاني. وقد تعرّض فيها الإمام إلى الوجوه والطرق العامة للتكسُّب، وما هي الطرق الحلال؟ وما هي الطرق الحرام في ذلك؟ فقال الإمام في حقل الصناعات: إن الحكم فيها تابعٌ للأثر المترتِّب عليها؛ فالصناعة التي لا يكون لها من آثار ونتائج غير الفساد فهي حرامٌ؛ وعليه فإن الصناعة التي يُستنتج منها أمور جيّدة وحسنة فهي حلال؛ وإنْ اشتملت على آثار حسنة وسيئة فهي حلالٌ أيضاً. وفي ذلك يقول الإمام: «إنّما حرَّم الله الصناعة التي حرام كلها، التي يجيء منها الفساد محضاً»، وقال قبل ذلك: «أو ما يقوى به الكفر»([5]).

وبطبيعة الحال فإن هذه الرواية لا تتحدَّث عن خصوص كتب الضلال أو غيرها، إلا أن المستدلّ بها يستنبط منها العموم، بحيث يشمل هذا الحكم اقتناء كتب الضلال أيضاً، بتقريب أن الرواية تقول: إن كل صناعة لا ينتج منها غير الفساد أو تقوّي الكفر فهي حرام. وحيث إن تأليف الكتب صناعة وعمل فإنه طبقاً لهذه الرواية إذا كان مشتملاً على مجرَّد الفساد فهو حرامٌ، ولذلك يحرم نشر هذا النوع من الكتب وتوزيعها وشراؤها وحفظها أيضاً.

إن هذا المنطق يقرِّبنا من الاستدلال العقلي الذي يمكن لنا ـ حتّى مع عدم وجود حديثٍ ـ أن نستند إليه. وهذا أساساً هو موضع البحث. وإن الفقهاء الذين استدلوا على حرمة حفظ كتب الضلال إنما بحثوا هذه الحرمة من الناحية العقلية، وقالوا بعدم وجود ضرورة إلى الاستدلال على حرمة حفظ كتب الضلال بالآيات أو الروايات، بل يكفي في ذلك الاستناد إلى حكم العقل بحرمة كلّ عملٍ لا ينتج منه غير الفساد. وحفظ كتب الضلال ليس سوى حفظٍ لمادّة الفساد فيحرم حفظها إذن. وإنّ نشرها ليس سوى نشر لمادة الفساد فيحرم نشرها أيضاً.

 

نماذج من كتب الضلال

في ما يتعلَّق ببعض الكتب الواضح فسادها بالنسبة إلى جميع الناس ـ سواء أكانوا من المتديِّنين أم غير المتديِّنين ـ فإن الحكم بشأنها واضحٌ [وهو ضرورة حظرها]. وربما كان هذا الحكم مُجْمَعاً عليه من قبل جميع عقلاء العالم، سواء في ذلك المتديِّنين وغيرهم. وذلك من قبيل: كتابة مقالة تهدف إلى إفساد الشباب ـ من الفتيان والفتيات ـ، مع أنها لا تتعرَّض إلى الأديان والعقائد، كتلك التي تدعو اليافعين إلى التهتُّك والتحلُّل الجنسي!

لقد قرأت في مقدّمة كتاب «فتنة»، لمؤلِّفه علي الدشتي، أنه يعترف بأن سيِّدة ذكرت له أنها قد اشترت هذا الكتاب أربع مرّات، وفي كل مرّة يختلسه زوجها ويُبْعده عنها؛ لاعتقاده بأن هذا النوع من الكتب يُفسد السيِّدات المتزوِّجات! وهو محقٌّ في ذلك. وعليه لو سَأَلَنا شخصٌ عن حكم هذا النوع من الكتب والمقالات التي تنشر في الكثير من المجلات والصحف، من قبيل: مجلّة (زن روز)([6])، و(اطلاعات جوانان)([7])، والتي تهدف إلى تقويض بناء الأسر؟ وعمّا إذا كانت مثل هذه الكتابات حراماً أم حلالاً؟ فهل نحتاج في بيان حكمها إلى الاستشهاد بآيةٍ أو رواية بعينها؟

كلا، لسنا بحاجةٍ إلى ذلك؛ لعلمنا من خلال ما نعرفه من جوهر الدين وحكم العقل بالحرمة. ولذلك لا نتردَّد في بيان حرمة مثل هذه الأمور. فالعقل لا يقول هنا بحرية التعبير، وأن بإمكان الشخص أن يكتب كلّ ما يحلو له تحت ذريعة أنّه لم يجبر الآخرين على تطبيق ما دعا إليه، وأن على الأغرار من الفتيان والفتيات أن يشحذوا تفكيرهم وعقولهم، ولا يقعوا تحت تأثير هذا النوع من الكتب، أو أن على تلك السيدة المتزوِّجة أن تتمتَّع بالمستوى الكافي من المناعة التي تحول دون سقوطها في الفاحشة؛ [فإن هذا المنطق هو ذات المنطق القائل: رماه في البحر وقال له: إيّاكَ أن تبتلّ بالماء]([8]).

وعليه فإن الجواب عن هذا السؤال هو: ليس جميع الأفراد على مستوى واحد من التفكير، ولا شَكَّ في تأثير الذين يتمتَّعون بالمستويات العليا من التفكير على الذين لا يمتلكون غير المستوى القليل من الخبرة والعلم والتجربة والقدرة على التحليل. فلنفترض أننا نعيش في مجتمع مخالف للدين؛ لاعتقاده بأن الدين يعيق تقدُّم المجتمع نحو السعادة والرفاه، كما نشاهد ذلك لدى البعض، حيث يقول بأن الدين إنما يشكِّل دعامة ورافعة لبعض الأنظمة الفاسدة والجائرة، فهل سيسمح هؤلاء بكتابة المقالات والكتب الدينية أم أنهم سيعملون على حظرها؟ لا شَكَّ في أنهم سيحظرونها. ولا يتذرَّعون بحُرِّية التعبير، وأن الشباب عليهم أن يتجنَّبوا أضرار الكتب الدينية بإرادتهم وقدرتهم الفكرية والعقلية. فهؤلاء يعتبرون أنفسهم أصحاب رسالة تهدف إلى بناء المجتمع، وإيصاله إلى السعادة، ويرى في الكتب الدينية عائقاً يحول دون تحقيق هذه الرسالة التي رسمها لنفسه، وعليه فإنه سيحرِّم نشر هذا النوع من الكتب واقتنائها، وسوف يأمر بحرقها وإتلافها. وعليه لا أتصوَّر شخصاً مبدئيّاً وصاحب عقيدة ـ سواء أكان من أتباع المؤسّسة الدينيّة أو المؤسّسة الإلحاديّة ـ يرى بعض الأفكار الفاسدة من وجهة نظره مئة بالمئة، ومع ذلك يسمح بانتشارها والمحافظة عليها تحت عنوان حُرِّية التعبير والمعتقد.

 

بيان المسألة بشكلٍ آخر

وعليه إذا كان لنا من كلامٍ بشأن كتب الضلال فإنّ كلامنا سيقتصر على الأفكار وكتب الضلال التي تكون كتابتها وحفظها وتوزيعها ونشرها ـ بسبب إضلالها ـ حراماً. ولكنْ بطبيعة الحال يوجد هنا أمرٌ آخر، وهو أن هذا الأمر يخصّ تلك الكتب التي يعترف مؤلِّفوها بأنها تؤدّي إلى الضلال والانحراف، كما هو الشأن بالنسبة إلى هذه المقالات التي تدعو إلى التهتُّك والإباحية، وعليه تكون كتابتها محرَّمة، وكذلك نشرها وتوزيعها واقتناؤها وحفظها، سواءٌ أكنت أنا مَنْ يكتبها أو غيري، وأنه لا بُدَّ من حظرها ومنعها، أو أن لا أسمح ـ في الحدّ الأدنى ـ بدخول هذا النوع من الكتب والمجلات والصحف إلى بيتي.

ولكنْ قد يقال: إن الأمر قد يكون بحيث إن ما تراه من كتب الضلال لا يراه كاتبُها كذلك، بل يرى ما تدعو إليه هو الضلال. وعليه كما ترى أن مصلحة المجتمع تكمن في عدم نشر هذه الأفكار يرى الآخر أن المصلحة تكمن في نشرها. وعليه كيف يكون الحكم بشأن حظر الكتب التي يؤلِّفها أصحابها لا بقصد الإضلال، وإنما بقصد هداية الناس وإصلاح أمورهم، وأنت تراها مضلّة؟ هل يحقّ لك أن تحول دون بيان رأيه إذا قدرْتَ على ذلك أم لا؟ في مثل هذه الحالة يكون للمسألة وجهٌ آخر.

إن هذه المسألة لم يتمّ طرحها في كتب الفقهاء على هذا النحو، لنتحدث عن الأحكام التي أصدروها بهذا الشأن. وإنّما بحثوها من زاوية الشخص الذي يكتب شيئاً يقتنيه أو يكتبه غيره أو يقتنيه وهو يعلم بأنه من الضلال. وأما إذا كان الآخر يراه من الهداية فقد ذكرنا أنه لا يوجد لدينا نصٌّ خاصّ بشأنه، وإنّ كل ما بأيدينا لا يعدو الاستحسانات العقلية.

 

الجواب

أرى في ما نحن فيه ضرورة التفكيك والفصل بين جهتين، وهما:

أوّلاً: أن نحافظ على الشريحة الضعيفة من أبناء الأمّة من التأثُّر بهذا النوع من الأفكار. فعلى سبيل المثال: حيت يتمتّع الشخص منا بتجربة عالية وفكر متين بعد قطعه سلسلة من المراحل العلمية يدرك أن ولده اليافع لا يمتلك القدرة على التحليل والنقد، ولذلك فإنه سرعان ما يتأثّر بالمسائل التي تعرض عليه بشدّةٍ، ولربما يأتي عليه يوم يعتريه الندم فيه، ولكنْ لات حين مندمٍ. ومن الطبيعي هنا أن يرى ذلك الشخص نفسه مسؤولاً في الحفاظ على ولده من هذه الأخطار، التي هي من وجهة نظره أمراضٌ فكريّة وروحيّة.

ولكنّ الذين يمتلكون القدرة والاستقلال الفكري ـ كما صرَّح الفقهاء في بيان أصل المسألة ـ، ويمتلكون ملكة الاجتهاد والقدرة على النقد والتحليل، فإن الأفكار المخالفة لن تشكِّل خَطَراً عليهم، بل هي ضرورية ولا بُدَّ منها لشحذ أفكارهم والتصدّي لها (ومن المناسب أن نبحث هذه الموارد بالموازين العقلية)؛ فإن وجود الأفكار المخالفة هو الذي يؤدّي إلى التقدُّم والرقيّ في الوصول إلى الحقيقة، فقد أثبتت التجارب التاريخية أن الفكر إذا انطوى على جانبٍ من الحقيقة فإنه سيغدو أقوى وأمتن من خلال مواجهته للأفكار المخالفة، تماماً كما هو الأمر بالنسبة إلى الكائنات الحيّة من النبات والحيوان وجسم الإنسان، حيث يغدو أكثر مناعة عند تعرُّضه للآفات والمخاطر.

وهكذا الأمر بالنسبة إلى فكر الإنسان. فإذا كان لدى الفرد فكرٌ حيّ وعقيدة حيوية فإنها كلما واجهت الأفكار المخالفة ستغدو أكثر قوّةً ومنعة وحصانة. وهذا الأمر بطبيعة الحال يقوم على منظومةٍ. فالعقيدة الضعيفة تنهار في أوّل مواجهة. وبشكلٍ عامّ فإن وجود الفكر المخالف يعمل على تقوية الفكر الحقّ، لا أنه يؤدّي إلى زواله. لا ينبغي للحقّ أن يخشى من مواجهة الباطل. وبعكس ذلك عندما لا يواجه الفكر فكراً مخالفاً ومعارضاً فإنه سيغدو مثل الماء الراكد الذي يغطيه العَفَن بالتدريج، وتنمو على سطحه الطحالب وغيرها من الشوائب الأخرى، حتّى تغيِّر ماهيته تماماً. وقد ذكرنا ذلك مراراً، سواء عندما كنا ندرس في قم أو عندما انتقلنا إلى طهران لنشر المعارف والعلوم.

 

 خدمة الكسروي غير المقصودة

لقد كان الكسروي عدوّاً للتشيّع، وكان يسبّ أئمّة الشيعة جهاراً. وليس هناك من شَكٍّ في أنه قد أضرّ بالشيعة، بمعنى أنه تسبَّب في خروج شرذمةٍ قليلة من رحاب التشيُّع. ولكنَّني أرى أننا إذا أجرينا حساباً وجرداً دقيقاً سنرى أن المنافع التي ترتَّبت على حركة الكسروي تفوق الأضرار التي ترتَّبت عليها، بمعنى أن كتب الكسروي هي التي حفَّزت علماء الشيعة إلى إخراج الأفكار الشيعيّة التي مضى عليها ما يقرب من الأربعة قرون أو أكثر، واختلط فيها الغثّ بالسمين؛ لينفضوا الغبار المتراكم فوقها، بل إن تلك الأفكار قد أصبحت مثل تلك البركة ذات الماء الراكد والآسن، وكان العوام من الشيعة يرَوْنها هي التشيُّع الصحيح والأصيل، مع أنها مليئة بالشوائب والزوائد، فقام بعض العلماء المحقِّقين ـ في معرض الردّ على الكسروي ـ بتشذيب تلك الأفكار، وتأليف كتب في غاية الروعة والسموّ والأصالة في موضوع تنقيح العقائد. وبطبيعة الحال فإن هذا الكلام لا يعني تحسين صورة الكسروي، والدعوة إلى نشر أفكاره والتعرُّض لها، وإنّما المراد تأكيد أن فائدة هذا النوع من الأفكار هي من قبيل: فائدة بعض الأمراض والآفات، التي إذا ظهرَتْ فإنها تحفّز الأطباء على تشمير السواعد للبحث عن العلاج والدواء.

 

 الاختلاف والتنوُّع ملازم للتطوُّر

وحتى في الأجواء التي تخلو من وجود المخالف يجب علينا أن نختلق الظروف المشتملة على مخالفٍ مصطنع؛ لما في ذلك من النفع لتنقيح وإصلاح الأفكار والعقائد الصحيحة. وبشكلٍ عامّ فإن الاختلاف والتنوُّع مفيد للتقدُّم والتطوُّر. وفي البلدان والدول الديمقراطية، حيث نشاهد التأسيس لظاهرة الأكثرية والأقلّية، إذا كانت هذه الأكثرية والأقليّة حقيقية سيكون وجود الأقلية نافعاً ومفيداً للأكثرية، وليس مفيداً للأقلّية فقط، بل إن وجود الأقلّية المعارضة والمخالفة ينطوي على منفعةٍ لمصلحة المجتمع بأسره.

وعليه يجب علينا تحصين عقائد عامّة المسلمين، والمحافظة عليها وحمايتها، وإبعاد الأفراد الذين يعانون من الضعف، ولا تكون لديهم القدرة والطاقة على مقاومة الأفكار المخالفة، والعمل على تعزيز المناعة عندهم، حتّى إذا اكتسبوا تلك القدرة والمناعة والحصانة الروحية والنفسية أجَزْنا لهم الاحتكاك بتلك الأفكار المخالفة. وفي الوقت نفسه علينا أن لا نمنع شخصاً من إبداء رأيه، حتّى إذا كان مخالفاً فيه للحالة السائدة؛ إذ لا يوجد دليلٌ على منع شخص من إظهار ما يعتقده.

 

منهج تعزيز الثقة بالنفس

علينا أن نتبع منهج تعزيز الثقة بالنفس، ورفع مستوى جهاز المناعة، لا أن نتبع منهج التحسُّس والوسوسة. وهذا بالضبط هو الذي ينصح به الأطباء. فأحياناً يتمّ الحفاظ على صحّة الطفل من خلال إبعاده عن الأجواء الملوّثة، وتكون نتيجة ذلك انهيار صحّة الطفل واعتلالها عند أدنى مواجهة للميكروبات، وقد يؤدّي الأمر إلى موته؛ وأحياناً يتمّ التساهل من هذه الناحية، حيث يتعرَّض الطفل لبعض الأوبئة، من خلال إعطائه هامشاً من الحرّية للعبث في الأتربة والحشائش؛ فيكتسب بذلك مناعة تجعله مقاوماً للميكروبات المضرّة. فما لم تكن هناك نسبة من الميكروبات الضارّة لا يحصل الطفل على مقاومة لهذه الميكروبات.

وفي هذا السياق قد استمعت قبل سنوات إلى محاضرةٍ لفضيلة الدكتور محمد قريب من المذياع، وقد تحدَّث فيها عن أضرار مياه الأنابيب، وقال بأن هذه الظاهرة الحضارية والصحية قد تسبَّبت في رفع أعداد الإصابة بشلل الأطفال؛ لأن الأطفال الذين اعتادوا شرب الماء النقي الخالي من الميكروبات تماماً قد ضعفت المناعة عندهم بالقياس إلى أترابهم الذين واصلوا شرب المياه من الأنهار والقنوات مباشرة. وهذا ما أكَّد عليه الدكتور ألكسس كارل، في كتابه «الإنسان ذلك المجهول»، حيث تحدث عن الأمور الصحيّة. فقد نصح بعدم رعاية الجوانب الصحّية على أساس الابتعاد عن الميكروبات، بل على أساس تقوية جهاز المناعة. وفي هذا السياق تحدَّث عن مخاطر الحضارة قائلاً: إن الحضارة البشرية الراهنة تقود الإنسان إلى الضعف، للأسف الشديد، حيث تنتج أفراداً ضعافاً في مواجهة الطبيعة.

نفس هذا القانون يصدق بالنسبة إلى المسائل الروحية أيضاً. ففي حدود السماح لأنفسكم ولولدكم بالتعرُّض للأمراض يمكن أن تسمح لنفسك ولولدك بالتعرّض للأفكار الضارّة، وبذات النسبة التي ترَوْن فيها ضرورة الابتعاد عن الأمراض عليك أن تبتعد عن الأفكار الضارّة أيضاً. وعليه لا يبدو أن الفرد إذا حافظ على هذا المستوى من الاعتدال في التعاطي مع الأفكار الباطلة يكون قد ارتكب ما يخالف المنطق.

وأرى في ما قلناه كفاية في الحديث عن كتب الضلال.

وقد تقدّم أن ذكرنا أنه لا يوجد في القرآن والسنّة نصٌّ صريح وقاطع [في هذا الموضوع] غير ما تقدَّم ذكره.

 

مسألة محاكم تفتيش الأفكار

أما المسألة الأخرى فهي مسألة محاكم التفتيش والتجسُّس على معتقدات وأفكار الأشخاص. وهذه المسألة لا تحتاج إلى مزيدٍ من البحث. والقدر المتيقَّن أن الإسلام يمنع من القيام بأيّ نوعٍ من أنواع التجسُّس والتفتيش عن عقائد الآخرين وأفكارهم. وهذه المسألة من المسائل الواضحة والصريحة؛ إذ يقول تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً﴾ (النساء: 94). فيكفي الفرد أن يقول: إني مسلم حتّى يحقن دمه، ولا يجوز لنا اتّهامه بعدم الإسلام انطلاقاً من سوء الظنّ. وخير دليل على ذلك وجود المنافقين في المدينة المنوّرة في عصر النبي الأكرم|. فقد عمد القرآن الكريم إلى الإشارة إلى وجود هؤلاء المنافقين ـ دون أن يسمِّيهم ـ، حيث يعيشون بأعدادٍ كبيرة بين المسلمين، يتظاهرون بالإسلام، ويحضرون الصلاة جماعة في المسجد، ويتعامل معهم المسلمون بوصفهم من المسلمين، مع أنهم في حقيقة أمرهم لا يريدون الخير للمسلمين، وكان يتمنَّون غَلَبة الكفار على المسلمين في جميع الظروف، وحتّى في الحروب. فكانوا في واقع الأمر من الكفّار. والقرآن يعمل من جهةٍ على تحذير المسلمين من خطر هذه الشريحة، ويبيِِّن أن مصيرهم سيكون أسوأ من مصير الكفار؛ إذ يقول تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ﴾ (النساء: 145). وفي الوقت نفسه كان المسلمون طبقاً لتعاليم القرآن والإسلام لا يتَّهمون مسلماً أظهر الإسلام ونطق بالشهادتين ويقول: إني من المسلمين، ولا يجيزون لأنفسهم البحث عن عقيدته، بل كانوا يكتفون منه بالظاهر. نعم، لا يجوز لنا أن نخرج شخصاً عن رِبْقة الإسلام إلاّ إذا صدر عنه ما يخالف صريح الإسلام.

 

تغيير تعريف «الحُرِّية» في المرحلة الأخيرة

لقد تمّ التأكيد في العالم الغربي في القرنين السابع والثامن عشر للميلاد على مسألة الحُرِّيّة الفردية إلى حدٍّ كبير، حتّى ذهبوا إلى القول باستحالة أن يكون هناك ما يمكن له أن يحدّ من حُرِّيّة الفرد. فكانوا يعرِّفون الحرية بالقول: إنها تعني عدم وجود ما يمنع الحركات الإنسانية، أيّاً كان مضمونها. وبطبيعة الحال كان ذلك بمثابة ردّة فعلٍ على أجواء الكبت السياسي والمذهبي الشديد. من هنا ضيَّقوا دائرة محدودية الحرية الفردية، وقالوا بأنها لا يحدّها إلاّ حُرِّية الآخرين؛ لأن إضرار حُرِّيتي بحُرِّيتك هو إضرار بالحُرِّية. فإذا كانت حُرِّيتي تعرّض حُرِّية الآخر للتقييد وجب تحديدها، ولا يمكن لأي شيء آخر أن يحدَّها، وإلاّ كان في الأمر ترجيح بلا مرجّح. وعليه فالحُرِّية هي التي من شأنها أن تقيِّد الحُرِّية، ولا يمكن لأيّ شيء آخر غير الحُرِّية أن يحدّها. وقد أضفَوْا على الحُرِّية هالةً كبيرة من التقديس لا حدَّ لها، وأيّ حُرِّية تلك التي عرَّفوها؟! إنّها حُرِّية الأهواء والرَّغَبات والشهوات المنفلتة! إلاّ أن هذه الحُرِّية المنفلتة إنما كانت ردّة فعل على ذلك الكبت السياسي والمذهبي الشديد.

ولكنْ منذ أن ظهر تيار الفكر والعقيدة، ورأى بعض المصلحين أن المسؤولية ملقاة على عاتقه في إصلاح المجتمع، لم يعُدْ للحُرِّية الفردية ذلك الزخم بينهم. فهل هناك اليوم تيار اجتماعي عامّ ـ من قبيل: ما كانت المذاهب تراه ملقى على عاتقها، حيث ترى أنها حاملة لرسالة إلى البشرية، وترى أن سعادة البشرية رهنٌ بتطبيق تلك الرسالة ـ لا يعتقد بوجوب فرض بعض الحدود والقيود على الحُرِّيات الفردية، بَيْدَ أن تلك القيود والحدود إنما تفرض على رغبات الأفراد، لا على سعادتهم. فالفرد لا يدرك ولا يمكن لعقله أن يستوعب أن صلاحه وصلاح الناس يكمن في تقييد هذا النوع من الحُرِّيات.

من هنا فقد اختلفت تعاريف الحُرِّية في المراحل اللاحقة، فلم يعودوا يقولون: إن الحُرِّية تعني عدم وجود الموانع أمام الحركات، أو عدم وجود الموانع في مواجهة الرغبات، وإنْ أخذوا يعرِّفون الحُرِّية بأنها عدم وجود الموانع أمام الظروف التي من شأنها ضمان سعادة الإنسان في المستقبل. أفهل تقوم رغبات ومطالب جميع الأفراد على أساس ضمان السعادة لمستقل البشرية؟ كلاّ، ليس الأمر كذلك. إنما الذي يضمن السعادة للبشرية في المستقبل هو عدم وجود الموانع أمام ما من شأنه أن يضمن تلك السعادة. يمكن لكم العمل على هذه المسألة لترَوْا هل أن العقائد والتيارات الراهنة، ومنها العقائد العامّة والبشرية والرسالة التاريخية الراهنة (والتي لا علاقة لها بالدين)، تعيد نفس التعريف الذي كان سائداً في القرن الثامن عشر للميلاد بشأن حُرِّية العقيدة، التي كانت تمثِّل ردّة فعلٍ طبيعية على أجواء الكبت السياسي والمذهبي، والتي أوصلت الناس إلى حدّ الانفجار، أو أننا نقوم اليوم باجترار كلامهم؟ اليوم نرى البلدان التي تحمل على عاتقها رسالة تمنح مواطنيها بعض الحُرِّيات، وفي الوقت نفسه تشرف على مراقبة كلّ شيءٍ، ابتداءً من دور السينما، وصولاً إلى الموسيقى. فالذين يريدون الخير يقولون: يمكن توجيه السينما والموسيقى والكتاب وما إلى ذلك لما يخدم مصالح الناس. وإذا كانوا لا يوافقون هذه الأمور، لكنّهم لا يمنعونها ولا يرفضونها.

من أين للشخص اليافع، البالغ ثمانية عشر عاماً، أن يعرف مضمون العرض السينمائي الذي يريد مشاهدته، أو محتوى الكتاب الذي ينوي قراءته؟ من هنا يرى قادة المجتمع لأنفسهم هذا المقدار من الحقّ والولاية القانونية؛ ليتولوا مهمة القيمومة لضمان مصالح الناس. فإذا أمكن لهذا التيّار البشري أن يقوم بهذا النوع من القوامة ألا يحقّ للتيّار الإلهي أن يرى لنفسه مثل هذه الولاية والقيمومة؟ وأن يرى لنفسه الحقّ في إصلاح البشر بما يعود بالنفع عليه، لا بالشكل الذي يريده استجابة لرغباته وأهوائه تحت ذريعة القول بأنه حُرٌّ؟

 

سؤالٌ وجواب (حوارٌ مع الشيخ مطهَّري)

_ إنّ الخرافات التي تنتشر في كلّ مجتمع تؤدّي بأفراده إلى الضلال. فهل الخرافات التي يكتبها بعض المسلمين تعدّ من كتب الضلال؟ وهل يجوز الاحتفاظ بها واقتناؤها؟

^ إن الإجابة عن هذا السؤال واضحةٌ. فإن «التعميم» الذي تقولونه لا يختلف عن «التعميم» الذي ذكرناه. فكلّ كتابٍ يؤدّي إلى الضلال والانحراف عن الفكر الإسلامي الأصيل هو من كتب الضلال، سواء لبس مسوح المعارضة للإسلام أو لبس مسوح الإسلام، بل إن كتب الضلال التي تلبس مسوح الإسلام أشدّ خَطَراً من الكتب التي تصرّح بانتمائها المناوئ للإسلام. وعليه لا أرى أيَّ فرق بينهما من هذه الناحية. غاية ما هنالك أن تحديد الموضوع وتعيين المصداق ليس من مهامّ الفقيه ـ كما هو معروف ـ، فلا يستطيع الفقيه أن يضع يده على كتابٍ معيَّن ويقول: هذا الكتاب من كتب الضلال، أو ليس من كتب الضلال. وإنما تحديد ذلك يقع على المختصّ في تلك الجهة، والمطَّلع عليها بشكلٍ كامل. إلاّ أن الحكم الذي يصدره الفقيه بشكلٍ عامّ هو هذا: «كلّ كتاب يؤدّي إلى الانحراف [هو من كتب الضلال، سواءٌ] كتب بدوافع خيِّرة أم بدوافع شريرة، وسواء لبس ثوب الناصح والمؤيِّد أم ثوب العدوّ والمناوئ، فكلُّها مشمولةٌ لحكم هذا الفقيه.

_ الذي فهمناه من مجموع كلام سماحة الأستاذ الشيخ المطهري في مستهلّ الكلام أنه لا يوجد دليلٌ نقليّ صريح على حرمة حفظ كتب الضلال، بَيْدَ أن الأدلة العقلية تحكم بالوقوف ضد أيّ شيءٍ يضرّ بوضع المجتمع. وبطبيعة الحال كان القسم الأخير من كلامه يصبّ في تأييد القسم الأوّل. وعليه ينحصر الكلام في تحديد ما هو المضرّ، ومَنْ يضرّ. والذي نراه عادةً هو أن الحكومات قبل تسنُّم السلطة تنحاز إلى الحُرِّيات، وبعد أن تمسك بالسلطة تتخلّى عن هذا الانحياز تدريجياً. وحيث يعتقدون أنّهم على الحقّ وغيرهم على الباطل، وحيث إن الباطل مضرٌّ، فيجب الوقوف بوجه المخالف، والمنع من نشر أفكاره. وكلّما كانت السلطة أكثر استبداداً كانت أشدّ قسوةً في مواجهة مَنْ يخالفها الرأي. كما حصل ذلك بالنسبة إلى الكنيسة في العصور الوسطى. وخلاصة القول: إنهم إنّما يسعون إلى حفظ مصالحهم. والذي أراه هو ضرورة أن تُمْنَح الحُرِّية لجميع الأفراد في بيان آرائهم وأفكارهم، وأنه لا بُدَّ من مواجهة الأفكار الباطلة بمنطقٍ صحيح، لا بمنعه من النشر.

^ لم أعرف بشكلٍ دقيق أيَّ موضع من كلام السيد المهندس [كتيرائي] يختلف مع أيّ موضعٍ من كلامي. فما هي علاقة ماهيّة الحكومات بما نحن فيه؟ فنحن نقرّ بأن الأقلّيات قبل الاستيلاء على السلطة تتبجَّح كذباً بالعدالة والحُرِّية، وما إن تستولي على السلطة حتّى تكون من ألدّ الخصوم للحُرِّية والعدالة. ولكنْ ما هي علاقة ذلك بموضوع بحثنا؟ فنحن إنما نبحث المسألة من زاويةٍ دينية. والبحث الديني يتعاطى مع الأمر وجدانيّاً. نحن نريد أن نرى جليّة الأمر من خلال وجداننا الديني. لنفترض أننا الآن في سدّة الحكم والسلطة، وأردنا أن نحكِّم الوجدان الديني في هذا الأمر، كيف سيكون تصرُّفنا؟ أو حيث نحن الآن؛ إذ نتمتَّع بهامشٍ من السلطة، كيف ينبغي أن نتصرَّف؟ وأمّا إذا كنّا نعلم في قرارة أنفسنا بأننا نكذب؛ إذ نفوه بهذه الكلمات في الوقت الراهن، وعندما نستلم السلطة غداً سيكون سلوكنا على خلاف ما كنّا نقوله، فعندها سيتّضح أن معالجتنا من أوّل الأمر لم تكن دينيةً أبداً.

وأما بالنسبة إلى الشقّ الآخر فقد ذكرت أن علينا عندما نقع بين حالتين: حالة الهرج والمرج الفكري؛ وحالة المنع المطلق من حرية التعبير، أن ننتهج طريقاً وسطاً [يحول من جهةٍ دون الهرج والمرج الفكري]، ولا يمنع في الوقت نفسه من إعطاء المخالف كامل الحُرِّية في إبداء رأيه والتعبير عن معتقده.

سبق لي أن ذكرتُ في ندواتٍ سابقة أنني لا أعتقد بالحُرِّية بوصفها حقّاً فردياً، أي يثبت للفرد الحقّ في أن يفعل كلّ ما تمليه عليه رغبته، إنّما الحُرِّية التي ألتزم بها هي حُرِّية تطوير الطاقات في إطار التكامل. وهذا هو مكمن الاختلاف في وجهات النظر أحياناً. وأحياناً تنحصر حُرِّية الطاقات من أجل التقدُّم والتكامل بمكافحة الحُرِّيات الفردية والشخصية؛ فإن هذه العقائد التي تقيِّد الأفراد بالأغلال يجب العمل على قطعها من أجل تحرير الطاقات. وعليه فإني معتقدٌ بالحُرِّية في ما يتعلَّق بالمسار العام للمصالح الاجتماعية، وتظهير الشخصيات الصحيحة، دون القول بأني بشرٌ، وأن حيثيّتي الإنسانيّة تدعوني إلى تلبية جميع رغباتي، والعمل بكلّ ما أشتهي؛ لأني حُرٌّ، فهذا كلامٌ فارغ! ليس من الصحيح أن نقول بأن الفرد حُرٌّ في حدود رغباته الشخصية، بل الحُرِّية يجب أن تكون في إطار تكامل الفرد وتكامل المجتمع. وأما أن يتذرَّع شخصٌ بهذه الكلمات أم لا يتذرَّع بها فهو خارج عن محلِّ بحثنا، فإنما نبحث في المسائل على المستوى الوجداني. نحن نريد ـ بحسب مصطلحاتنا الحوزوية ـ أن نبحث القضية في مقام الثبوت، لا في مقام الإثبات، وما إذا كان الذي يقول هذا الشيء صادقاً أم كاذباً؟ وإنما نريد الوصول إلى واقع المسألة، وما هو الشيء الذي يجب أن يكون الإنسان فيه حُرّاً؟ ولو أردنا أن نستلهم وجداننا لنمنح البشر حُرِّية حقيقيّة فكيف يجب أن نمنحها لهم؟ نحن نقول: لا بُدَّ من إعطاء الحُرِّية في إطار المصالح الإنسانية السامية، وفي مسار مصالح الفرد؛ فإن مصلحة الفرد تدعو إلى تحديد حُرِّيّته. فليس مجرَّد حُرِّيات الآخرين [هي التي تحدّ من حريّة الفرد]، بل إن المصالح الاجتماعية تحدّ من حُرِّيّة الأفراد أيضاً، وحتّى مصالح الجيل القادم تحدّ من حُرِّية هذا الجيل.

هناك مَنْ يتحدَّث بكلامٍ لا يمكن أن يصحّ في المسائل الدينية؛ إذ يقول: إنّ ما تقوله صحيحٌ، ولكنْ مَنْ يضمن أنّك لا تخطئ؛ فإن الإنسان يجوز عليه الخطأ، فأنت لا يمكن لك أن تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة. وهذا ما أقوله بالنسبة إلى المسالك والتيّارات البشرية أيضاً. يحقّ لك أن لا تقبل منّي ادّعائي المفاجئ بأني قد توصَّلْتُ إلى التعرُّف على مصالح البشر من أوّل العالم إلى آخره، بَيْدَ أن الذي أريد قوله هو: كيف يمكن التعامل مع حقيقة ما يقوله الدين السماوي النازل من عند الله ـ بشأن ضرورة الحفاظ على الحُرِّيات ـ بوصفه نازلاً من عند الله؟ فهل يكون حقّاً ومن عند الله عندما يمنح الأفراد حُرِّيّتهم الفردية أم يكون من عند الله عندما يأخذ المصالح العامة للناس بنظر الاعتبار في الحاضر والمستقبل؟ أنا أقول: إنه في الحالة الثانية من عند الله. وإذا كان من عند الله يجب أن يمنح الحُرِّية المطلقة للرغبات والإرادات، بل عليه أن يريد الحُرِّية في إطار تكامل الإنسان، وإنْ كانت على خلاف الرغبات الفردية أحياناً.

إنّ ما قلته من ضرورة وجود القطب المخالف في المجتمع لا يقتصر على «الحقّ الفردي»، فهو على كلّ حالٍ واحد من أفراد المجتمع، ويحقّ له التعبير عن رأيه، بل الذي أعنيه هو أن وجود القطب المخالف ضروري حتّى بالنسبة إلى مصالح البشرية. كما أن القرآن الكريم يعترف بالاختلاف والتنوُّع. ويقال: إن هذا هو مَكْمَن الفلسفة في ذلك. فالقرآن يؤكِّد على مسألة الاختلاف بين الناس، ويرى أنها ضرورية؛ فلولا الاختلاف لما كان هناك تضاربٌ بين الآراء والعقائد، ولولا هذا التضارب لما شهدنا هناك تقدُّماً أو تطويراً في العقائد، أو أنها لا تبقى محافظة على حيويتها وبريقها وعنفوانها في الحدّ الأدنى. وأنا إنما أقول ذلك قاطعاً وجازماً: كلّما أبعد القطب المخالف عن العقيدة آلت العقيدة بنفسها إلى الفساد، بمعنى أن العوام من الناس سوف يستحوذون على هذه العقيدة، وينسجون حولها من خيالاتهم الواهية، حتّى تفقد العقيدة بهاءها ورونقها. وبذلك يُسْهِم أنصار العقيدة في تقويضها. ولطالما كان ضرر أنصار العقيدة عليها أشدّ من ضرر أعدائها ومخالفيها. وقد ذكرتُ ذلك في مقالات «المرأة في الحقوق الإسلامية»([9]) في الكثير من المواضع.

وعليه فإن وجود القطب المخالف ضروري، حتّى من ناحية المصالح العامة. ولكنّنا في الوقت نفسه لسنا من الأنبياء. فإذا كنّا من المؤمنين برسالة النبيّ الأكرم|، ونعتبرها حقّاً، يجب علينا أن نؤمن بهذا المقدار من الحدود أيضاً.

 

الهوامش

(*) مفكِّرٌ إسلامي كبير، وأحد أبرز رموز النهضة الحديثة في الفكر الديني. له عشرات المؤلَّفات والأعمال والنظريات والأفكار. استشهد مطلع انتصار الثورة الإسلامية في إيران.

([1]) لا شَكَّ في أن مراد الأستاذ الشهيد هو الموسيقى التي عبَّر عنها في كتابه «التعليم والتربية في الإسلام» بأنها تؤدّي إلى خفّة العقل.

([2]) آل أعين أسرة علمية شيعية معروفة. ويبدو أنها ذات أصول رومية، عُرفت بـ (آل أعين) لجمال عيون أفرادها. وكان من أبرز وجوه هذه الأسرة زرارة بن أعين، وهو من أصحاب الإمام الصادق. وهو واحدٌ من أبرز ثلاثة نفر مقرَّبين من الإمام الصادق، وهم: هشام بن الحكم، ومحمد بن مسلم، وزرارة بن أعين، وربما أمكن القول بأن هؤلاء الثلاثة هم من أشهر رواة الإمام الصادق×. وكان لزرارة ثلاثة إخوة، وهم: بُكَيْر بن أعين، وحمران بن أعين، وعبد الملك بن أعين. وقد اختصّ الأخير بعلم التنجيم، حتّى أنه لم يكن يفعل شيئاً إلاّ بعد الرجوع إلى قواعد هذا العلم، وما يتوصَّل إليه من القضاء بسعد الأشياء ونحسها، وما إذا كانت الطوالع تسمح له بفعل شيءٍ أو تمنعه من الخوض فيه، حتّى شعر بأنه مقيَّدٌ بأغلال هذه الكتب، وفاقد للإرادة، فنصحه الإمام عندها، وأمره بحرق هذه الكتب.

([3]) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار 55: 272.

([4]) انظر: بحار الأنوار 100: 48.

([5]) انظر: المصدر نفسه.

([6]) مجلة إيرانية، عنوانها (المرأة المعاصرة) (المعرِّب).

([7]) مجلة إيرانية، عنوانها (أفكار الشباب) (المعرِّب).

([8]) ما بين المعقوفتين إضافة توضيحية من عندنا (المعرِّب).

([9]) تم نشر هذه المقالات في حياة الشهيد الأستاذ مرتضى المطهري ضمن كتاب بعنوان (نظام حقوق المرأة في الإسلام).