مرجعيّة الحديث الشيعي الإمامي

27 ديسمبر 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
539 زيارة

مرجعيّة الحديث الشيعي الإمامي

المصدر والحدود

د. مجيد معارف(*)

د. عبد الهادي فقيهي زاده(**)

د. نظيرة غلاّب(***)

إن دراسة الحديث حاجة معرفية وتاريخية، استدعتها الرغبة العلمية في إعادة هيكلة مصادر المعرفة الدينية؛ لتجاوز ثقل الثقافة التاريخية وفهومها، التي ما زالت تشحذ هذه المصادر بتنميطات تقليدية دائرة بين الإفراط والتفريط، وهو الشيء الذي لم يعُدْ يجدي أمام تحديات مناهج البحث العلمي، وتنامي ظاهر نقد المتون الدينية.

من هنا فإعادة دراسة مرجعية الحديث الشيعي الإمامي ضرورة معرفية وتاريخية، بلحاظ كون الحديث مصدراً معرفياً وتشريعياً، وبلحاظ كونه إطاراً معرفياً يؤسّس للهوية الدينية بشكل عام، والهوية المذهبية بشكل خاص.

 لقد تسالم جميع المسلمين على مصدرية ومرجعية الحديث النبوي في التشريع وعملية استنباط الأحكام، لم يشذّ عنهم إلا فئة ممَّنْ يسمَّوْن بالقرآنيين.

لكنْ وقع خلاف بين المسلمين حول مرجعية روايات الصحابي والأحاديث المروية عن أئمة الإمامية.

انطلق الإمامية في مرجعية الحديث الشيعي الإمامي وحجّيته من مجموعة من الأدلة العقلية والنقلية التي تثبت لأئمة أهل البيت العلمية والعصمة، وبالتالي الأهلية المعرفية والدينية، بحيث لا تنحصر مرجعيتهم تحت عناوين الاجتهاد والرأي.

نتناول في هذا المقال البحث في حجية ومرجعية الحديث الشيعي، انطلاقاً من بيان ما طرح من الأدلة العقلية والنقلية التي تنبني عليها هذه المرجعية، محددين بذلك حدود هذه المرجعية ومساحتها المعرفية.

1ـ الحجِّية في الحديث

لقد ثبتت عدة تعاريف للحجية وماهيتها؛ وذلك لأن قوام العلوم كلها بالحجة، سواء ما لوحظ منها في العلم باللحاظ الاستقلالي أو ما لوحظ باللحاظ الآلي. ولا بُدَّ أن نقف عند المعنى المراد من الحجِّية في الحديث، هل هي بالمعنى المنطقي أو بالمعنى الأصولي أو أنها شيءٌ آخر؟

فإذا عرفنا أن الحجية في المنطق هي الكاشفية، بحيث تكون الصورة مطابقة لعين الواقع، وهي المنجِّزية والمعذِّرية، كما يذهب إلى ذلك الأصوليين، كالآخوند الخراساني&([1]). والمقصود بهما حكمان من أحكام العقل العملي، حيث يدرك أن عدم متابعة القطع أمر قبيح، ولو تابع القاطع القطع فأخطأ القطع الواقع فإن العقل العملي يرى أن معاقبة القاطع ظلمٌ قبيح. فمرجع المنجِّزية إلى لزوم متابعة القطع؛ لأن عدم متابعته ظلم للمولى، وأنه لا عقوبة لمَنْ تابع قطعه؛ لأن عقوبته ظلم. فالخبر الواحد حجّة، أي إنه منجِّز وموجب لاستحقاق الثواب لدى الإصابة، ومعذِّر لدى الخطأ وفقدان العلم، بمعنى المنجِّزية والمعذِّرية([2]).

لكنّ الحديث الإمامي؛ بلحاظ كاشفيته عن مراد كلام المعصوم×، مخبر عن إخبارات الله وإنشاءاته، على ما سنبيِّن في علم الإمام، يفيد العلم، والعلم حجة، وبه تقع المنجزية والمعذرية. فتكون الحجية في الحديث أعمّ من الحجة في المنطق والأصول.

وفي الجملة تكون الحجية المقصودة في موضوع الحديث هي بيان أن الحديث الشيعي مرجعٌ شرعي، ومصدرٌ معرفي، سواء تعلق الأمر بالجانب العلمي أو العملي، بمعنى أنّ مطلق ما صدر عن المعصوم متى ثبت صدوره عنه وجب الامتثال له والاحتكام إليه.

إذا ثبت ذلك عرفنا أن الحديث منه ما يكون حجة؛ وما يكون غير حجة. والحجة منه ما يفيد العلم، وهو المتواتر، والمحفوف بالقرائن؛ وما لا يفيد العلم لذاته وهو الظنّ المعتبر، وينقسم إلى: الصحيح، الحسن، القوي، والموثق.

وقد فصلت كتب علم مصطلح الحديث في تعريف كلّ هذه الأقسام، علماً أن تعريف الصحيح عند القدامى ليس هو نفسه عند المتأخّرين. واختلف في نوعية العلم الذي يحصل من الحديث المتواتر، هل هو العلم القطعي أو يفيد الاطمئنان والوثوق؟

فذهب الحلّي في مبادئ الوصول، وصاحب الجواهر، والميرداماد في الرواشح السماوية، حيث قال «هو ـ أي الخبر المتواتر ـ لا محالة يعطي العلم البتّي بمفاده»([3])، وهو نفس رأي الشهيد الثاني في البداية.

وذهب الشيخ النرقي في عوائد الأيام، والشيخ الأنصاري في الرسائل، إلى أنه يفيد الاطمئنان.

لكنّنا نقول: لو قلنا: إن الحديث المتواتر يفيد العلم، والعلم يفيد القطع، صارت حجية القطع عقلية، يحكم بها العقل، ولا يمكن للمعتبر سلبها عن القطع؛ للملازمة الذاتية بين العلم والقطع، واللازم الذاتي لا ينفكّ، كما يقرّر في المنطق.

بينما لو قلنا: إن المتواتر إنما يفيد الاطمئنان، والاطمئنان لا يفيد القطع، إنما يفيد الظنّ المعتبر، صارت حجيته عقلائية، وأمكن سلب هذه الحجية عنه؛ لأنها ليست من الملازم الذاتي، بل عرضيّ قابل للانفكاك. والاطمئنان ـ على ما عرّفه السيد الطباطبائي ـ «برزخٌ بين اليقين والظنّ». وكما هو معلوم فالبناء العقلائي جارٍ على اعتماد الاطمئنان، والتعامل معه معاملة اليقين، سواء في المجال العلمي أو النظري.

 2ـ أهمّ النظريات الواردة في حجِّية الحديث

أـ حجِّية المتواتر والمحفوف بالقرائن القطعية

لم يختلف أحدٌ حول حجية المتواتر، فهو يفيد العلم لذاته، وما كان علمه ذاتياً لا يعلّل؛ تبعاً للقاعدة المنطقية: الذاتي لا يعلل.

وإنما اختلفوا حول كيفية حصول العلم منه.

فذهب جمعٌ إلى القول بنظرية الظنون، منهم: الوحيد البهبهاني في الفوائد، والآشتياني في بحر الفوائد في شرح الفرائد، والشيخ النائيني في فوائد الأصول.

وذهب جمعٌ آخر إلى القول بنظرية حساب الاحتمال، التي طرحها الشهيد محمد باقر الصدر، وتبناها كلٌّ من: السيد الشاهرودي، والعلاّمة الحائري، وجلّ تلامذته.

ب ـ حجِّية أخبر الآحاد

 مشهور علماء الإمامية على أن المراد بحجِّية خبر الواحد قيام الدليل الخاص على اعتبار الخبر غير المقطوع بصدوره حجّةً ودليلاً. والمراد بعدم حجّيته هو عدم قيام الدليل الخاص على اعتباره. فحجيته تعبّدية. وحصول العلم التعبدي لخبر الآحاد بسبب المقدمات اليقينية، وبذلك لا تكون حجيته ذاتية، بل جاءت من تلك المقدمات المقطوعة؛ لأن خبر الواحد بما هو ليس فيه اقتضاء الحجية، بل حجيته جاءت نتيجة لتعبُّدنا ببعض الأدلة القائمة على حجّيته. والمشهور على القول بحجّية خبر الواحد على غير الإطلاق، فقد اشترط القدماء في حجيته أن يكون رواته إماميين عدولاً، فيما اكتفى المتأخّرون قاطبة بوصف الوثاقة.

لكنْ ذهب بعض الإمامية إلى عدم اعتبار حجّية الآحاد، كابن قبة والسيد المرتضى وأبي المكارم وابن زهرة وابن البرّاج وابن شهرآشوب، صاحب معالم العلماء، وابن إدريس الحلي(598هـ‍)، حيث نفوا ومنعوا من العمل به والاعتماد عليه في الأحكام الشرعية، حيث لم تتمّ عندهم الأدلة على حجيته تعبُّداً، بعد أن لم يكن عندهم علماً ذاتياً([4]).

 3ـ المعايير المعتمدة في الحجِّية

إن الحديث عن المعيار والملاك المعتمد في قبول الرواية وتصحيحها أو تضعيفها يختلف بين المتقدمين والمتأخرين، بل يختلف بين المتأخرين أنفسهم، وفقاً للمباني المعتبرة لدى كلّ واحد منهم. وتختزل المعايير في معيارين: معيار الوثوق؛ ومعيار الوثاقة.

أـ معيارالوثوق

لقد امتاز القدامى بقربهم من عصر النصّ ومعاصرتهم، واطلاعهم عن حسّ أو ما هو قريب من الحسّ على أحوال العديد من الرواة والأصول الأربعمائة المعتبرة. هذا بالاضافة إلى رغبتهم في تجميع الروايات وحفظها وتدوينها. كل هذه الأسباب جعلتهم يعتمدون معايير في الحجية أقلّ ما يمكن وصفها به أنها معايير فرضها الواقع. فقد اعتمدوا معيار الوثوق الذي يقوم عندهم على تجميع القرائن. فعند اطمئنانهم بصدور الرواية يحكمون عليها، وينعتونها بالصحة، الباعث لإمكان الاعتماد عليها. ومع عدم ذلك يحكمون عليها بالضعف. وهذا معيارٌ ساد مرحلة ما قبل التقسيم الرباعي.

 وبالجملة هذا المعيار يقوم على تجميع القرائن. علماً أن اعتمادهم على تجميع القرائن لا يعني عدم اعتنائهم بالسند مطلقاً، بل السند وفق هذا المبنى ليس هو الملاك والمناط الكلّي الذي على أساسه يقال بالصحة أو بالضعف، بل ملاك الوثاقة أحد القرائن الدالة على الصدور، لا الملاك التامّ لقبول الرواية واعتمادها، لكنه على سبيل الطريقية في تعاملهم مع الحديث؛ إذ وجدناهم يوهنون من حديث الثقة إذا لم تتوفر فيه شروط القرائن. خلافاً لمنهج التقسيم الرباعي، فهو قائمٌ على ملاك الوثاقة ومناطيته. وهذا ما يفسر استعمالهم للأبحاث والتحقيقات الرجالية، والبحث في أحوال الراوي.

فأصحاب الكتب الاربعة ـ التي هي بالنسبة للإمامية مورد الاعتماد في استنباط الأحكام، وفي التحقيق ـ قد راعَوْا هذا المعيار، واعتمدوه في اعتبار الروايات، وتنقيح مناطها في حال التعارض واختلاف الرواية.

وفي الجملة مدار الحجية عندهم هو مجرّد كون الخبر موثوق الصدور عن النبي‘ وعن الأئمّة^، بنحوٍ يضعف فيه احتمال الكذب. والترجيح عندهم قائمٌ على القرائن التي اعتمدوها.

وكمثال على ذلك: وجدنا الشيخ الطوسي يضعِّف ابن سنان في كتبه الرجالية، بينما وجدناه، في كتابَيْه التهذيب والاستبصار، ينقل له العديد من الروايات. وهذا لا يعني التهافت أو الاضطراب للشيخ، وإنما يوضح أن ملاك حجية الحديث لديه هو الوثوق بالصدور، بينما كتب الرجال المعيار فيها هو دراسة حال الراوي. ولعلّ هذا ما يفسر ظاهرة الإجماعات، كما هو عند الطوسي؛ لأنه بالفعل قد توفرت لديه القرائن التي غابت عن السيد المرتضى؛ لأسباب خارجية؛ إما بسبب الاندراس أو غيرها، فادعى الإجماع بعدم حجية الآحاد. وإلاّ إذا غابت هذه المعطيات حصل التهافت بين ما ادعاه الشيخ والسيد المرتضى في مسألةٍ هي في حقيقة الأمر عصب عملية الاستنباط. اللهمّ إلاّ إذا فهمناه في إطار اختلاف المعايير. فملاك الحجية عند أصحاب هذا المبنى هو الوثوق والاطمئنان بالصدور.

حاول العديد من رجالات الإمامية تحديد نوعية هذه القرائن. وقد تحدث أكثر من واحد عن القرائن المعتبرة في حجية الخبر، وحدّدها الملا الفيض الكاشاني في عدة قرائن:

فمثلاً: حددها الفيض الكاشاني بقوله: «…كوجوده في كثير من الأصول الأربعمائة المشهورة؛ أو تكرّره في أصل أو أصلين منها فصاعداً، بطرق مختلفة وأسانيد عديدة معتبرة؛ أن يوجد في أصل معروف الانتساب إلى أحد الجماعة الذين أجمعوا على تصديقهم، أو على تصحيح ما يصحّ عنهم، أو على العمل بروايتهم؛ وأن يندرج في أحد الكتب التي عرضت على أحد الأئمّة المعصومين^؛ وكأخذه من أحد الكتب التي شاع بين سلفهم الوثوق بها والاعتماد عليها، سواء كانت لإمامي أو غير إمامي([5]).

وأضاف الشيخ البهائي قرينةً خامسة، وهي أن تكون الرواية في أحد الكتب المعتبرة والمشهود لها بالحجية لدى الإمامية.

هذه القرائن التي اعتمدها أصحاب الكتب الأربعة كانت متوفِّرة لديهم، كما سبق إلى ذلك القول. لكنْ اليوم صار من المتعسِّر الحصول عليها؛ لاندراس العديد منها، وضياع الكثير منها، مما أوجب على الآخذين بمعيار الوثوق طرح شروط تنسجم والمعطيات الحالية، كشرط عدم معارضة الرواية للروايات الموثوقة؛ وعدم مخالفتها للقرآن والسنة القطعية؛ وعدم مخالفتها للأحكام العقلية؛ وعدم وقوع الاضطراب في متنها.

ويعتبر كلٌّ من العلاّمة البروجردي والشيخ رضا الهمداني والسيد الخميني من روّاد معيار الوثوق([6]).

ب ـ معيار الوثاقة

يمكن إلى حدٍّ كبير عدّ العلامة الحلي(648 ـ 726هـ‌) المؤسِّس الأول لمعيار الوثاقة، وذلك بتصنيفه لكتاب «خلاصة الأقوال»، حيث عمد فيه إلى دراسة أحوال الرواة، جاعلاً لها الموضوعية في قبول الرواية أو ردّها. «إن العلم بحال الرواة من أساس الأحكام الشرعية، وعليه تبتني القواعد السمعية. يجب على كلّ مجتهد معرفته وعلمه، ولا يسوغ له تركه وجهله…؛ حيث روى مشايخنا رحمهم الله عن الثقة وغيره، ومَنْ يعمل بروايته ومَنْ لا يجوز الاعتماد على نقله. فدعانا ذلك إلى تصنيف مختصر في بيان حال رواة ومَنْ يعتمد عليه، ومَنْ تترك روايته»([7]).

ثم استمر هذا المعيار في التطوّر مع مدرسة الشهيد الأول(786هـ)، والشهيد الثاني(965هـ)، الذي يمكن القول: أنه عمّق بحقٍّ دراسة الرواة. وجاء بعده الأردبيلي(993هـ)، ثم الشيخ البهائي(1031هـ) في مشرق الشمسين والوجيزة.

ويبقى أبرز القائلين بهذا الملاك الشهيد الثاني، والمحقق الأردبيلي، والشيخ حسن العاملي، والسيد محمد العاملي.

ورفع شعار هذا المبنى من المعاصرين السيد أبو القاسم الخوئي، الذي نافح عنه بشدة، سواء في كتبه الأصولية أو في موسوعته الرجالية (معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة).

4ـ مرجعية حديث أ ئمة أهل البيت^

أـ أئمة أهل البيت مَنْ هم؟ الحدود والدليل

وردت لفظة «أهل البيت» في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم:

الأولى: في قصّة موسى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْله ناصِحُونَ﴾.

والثانية: في قصة إبراهيم×: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾.

والثالثة: في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾.

وردت لفظة «أهل» في أكثر من موضع في القرآن، لتأخذ مفهومها وفق ما اقترن بها من ألفاظ.

فعلى سبيل المثال: أهل القرى «سكانها». أهل الكتاب «أتباعه وقرّاؤه». وتستعمل كذلك في العرف العربي بعدّة معانٍ، وفق ما أضيف إليها. وذكرت كتب اللغة أن أهل الرجل إذا أطلق أُريد به «ذوو قرباه ومَنْ يجمعه وإيّاهم نسب»([8]).

وأطلق في القرآن على أولاد إبراهيم× وأولاد أولاده.

لكنْ في ما يختص بالنبي الأكرم‘ أوضحت مجموعةٌ من الآيات والأحاديث مَنْ هم أهل بيت النبيّ‘:

ب ـ أهل البيت هم أصحاب الكساء

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (الأحزاب: 77). فأهل البيت حَسْب هذه الآية الكريمة هم أصحاب الكساء، وهم رسول الله‘ وعليّ وفاطمة والحسن والحسين، حَسْب ما فصلته الأحاديث الكثيرة والمستفيضة.

فقد نقلت مصادر الحديث والتفاسير أن الآية الشريفة نزلت في الخمسة.

أخرج الحاكم، في المستدرك، عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: في بيتي نزلت ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾. قالت: فأرسل رسول الله‘ إلى عليّ وفاطمة والحسن والحسين، فقال: «هؤلاء أهل بيتي». قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرِّجاه.

وتكرّر هذا الحديث من النبي الأكرم‘ في أكثر من ظرفٍ وموضع، ومرات متكرّرة.

وأخرج مسلم، بالإسناد إلى صفية بنت شيبة قالت: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير ـ واللفظ لأبي بكر ـ قالا: حدَّثنا محمد بن بشر، عن زكريا، عن مصعب بن شيبة، عن صفية بنت شيبة قالت: قالت عائشة: خرج النبي غداة، وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن عليّ فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء عليّ فأدخله، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾. وقال الفخر الرازي، بعد أن نقل هذه الرواية بهذا الإسناد، في تفسيرها معقِّباً: «واعلم أن هذه الرواية كالمتَّفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث»([9]).

ولأن المقام لا يتّسع لنقل جميع الروايات التي نقلت الكساء؛ لكثرتها وتعدد طرقها، نكتفي بالإشارة إلى أن الحديث قد بلغ حدّ التواتر، وبلغ رواة الحديث من الفريقين حدّ الوفرة، حيث رواه جمٌّ غفير من الصحابة والتابعين، متَّفقين جلّهم على أن آية التطهير نزلت في الخمسة أهل الكساء.

وبالجملة فمن الذين روَوْا حديث الكساء متَّفقين على أن آية التطهير نزلت فيهم: البراء بن عازب، وثوبان مولى رسول الله‘، وحكيم بن سعد، وحماد بن سلمة، ودحية بن خليفة الكلبي، وأبو الدرداء، وزيد بن الأرقم، وأبو سعيد الخدري، وأم سلمة، وعائشة، وشداد بن عمار، وشهر بن حوشب، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن عباس، والإمام الحسن المجتبى بن عليّ بن أبي طالب×، وعلي بن الحسين×، وواثلة بن الأسقع، وعبد الله بن معين مولى أم سلمة، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم كثير، لتؤكد الإحصاءات أن طرق العامة إلى حديث الكساء قد تجاوزت الأربعين طريقاً.

وتعدّدت روايته من طرق الشيعة. فقد رُوي عن الإمام عليّ×، والإمام الحسن بن عليّ، والإمام عليّ بن الحسين، ومحمد بن عليّ الباقر، وجعفر بن محمد، وعليّ بن موسى. ونقله عنهم جمعٌ من الأصحاب، من جملتهم: أبو الأسود الدؤلي، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبو ذر الغفاري، وأبو سعيد الخدري، وأمّ سلمة، وعائشة، وعبد الله بن عباس، وعطية العوفي، وعمر بن ميمون، وواثلة بن الأسقع، وأنس بن مالك، وشهر بن حوشب، وعطاء بن يسار، وغيرهم إلى ما يتجاوز الثلاثين طريقاً([10]).

وقد صرّح العديد من علماء الحديث والرجال بصحة حديث الكساء. ونذكر من بينهم: الشيخ الألباني، الذي قال بشأنه: ما أخرجه أحمد بن حنبل من حديث الكساء ونزول آية التطهير في شأنه حديث صحيح([11]).

وقال ابن تيمية، معترفاً أمام هذا الكمّ الهائل من الروايات التي نقلت حادثة الكساء، وارتباطها بآية التطهير: «ولما بيَّن سبحانه أنه يريد أن يذهب الرجس عن أهل بيته ويطهرهم تطهيراً دعا النبيّ‘ لأقرب أهل بيته، وأعظمهم اختصاصاً به، وهم: عليّ وفاطمة رضي الله عنهما وسيّدا شباب أهل الجنة، جمع الله لهم بين أن قضى لهم بالتطهير وبين أن قضى لهم بكمال دعاء النبي‘([12]). ولم يقتصر الحديث عن اختصاص آية التطهير في أصحاب الكساء على كتب الحديث، بل تناولته العديد من كتب التاريخ والتفسير([13]).

ج ـ دخول باقي أئمّة الشيعة ضمن عنوان أهل البيت

قد تقوم الدعوى على أنه إذا ثبت لدينا أن أهل البيت حَسْب حديث الكساء هم الخمسة، فما هو الدليل على أن باقي أئمّة الشيعة يدخلون ضمن عنوان أهل بيت النبي‘؟

الجواب: إن إثبات كون التسعة الباقين من أئمّة الشيعة، وبالضبط من أولاد الحسين، هم كذلك مطهَّرون من الرجس، وأنهم من «أهل البيت»، يتمّ من لحاظات مختلفة:

اللحاظ الأوّل: صحّ بالأدلة الروائية والتاريخية أن شأن نزول آية التطهير في الخمسة من أهل الكساء. لكنْ وكما يقول الأصوليون: إنّ المورد لا يخصِّص الوارد؛ وإن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، فلا تلازم في الانطباق على مصداق بسبب النزول وبين نفيه للمصاديق الأخرى الداخلة في العموم، وخصوصاً أن هناك قرائن أخرى تبين أن عنوان أهل البيت لا يختصّ بهؤلاء الخمسة الموجودين زمن نزول آية التطهير. ونذكر على سبيل المثال: حديث الثقلين، الذي ربط القرآن بالعترة في كلّ زمان: «حتّى يَرِدا عليَّ الحوض»، حيث يكون التلازم في الوجود والكمال والحجِّية، ممّا يعني ضرورة وجودهم دائماً بوجود القرآن.

وقد صرَّح النبي الأكرم‘ عن هذه الاستمرارية. فقد أخرج البخاري وأحمد والبيهقي وغيرهم، عن جابر بن سمرة قال: سمعتُ النبي‘ يقول: يكون اثنا عشر أميراً، فقال كلمةً لم أسمعها، فقال أبي: إنه قال: كلّهم من قريش».

بالإضافة إلى حديث السفينة، وحديث الثقلين. بل هناك مجموعة أخرى من الأحاديث النبوية الشريفة ذكرتها كتب أهل السنّة تتحدّث عن الأئمة الآخرين من أهل البيت([14]). وعلى سبيل المثال، لا الحصر: وردت روايات في الباقر×([15])؛ وتلك الروايات التي تواترت واستفاضت في كتب العامة عن الإمام الثاني عشر الإمام المهدي#، حيث لو فتحنا الباب أمام عدّها لما وسعها بحثنا البتّة. ويكفي أن نشير إلى مقولة أحد المحقِّقين في الرجال، والذي له باعٌ عريض في هذا الميدان على مستوى مدرسة أهل السنة، ونقصد الشيخ ناصر الدين الالباني، حيث قال في مقالٍ له بعنوان (حول المهدي) ما نصُّه: «أما مسألة المهدي فليعلم أنّ في خروجه أحاديث صحيحة، قسمٌ كبير منها له أسانيد صحيحة». على أن الألباني من المصرِّحين بالتواتر أيضاً([16]).

اللحاظ الثاني: إن الدعوى في أن قوله‘ في حديث الكساء: «اللهم هؤلاء أهل بيتي» قد حصر أهل البيت في هؤلاء الخمسة حصراً حقيقياً، فلا يتعدّاهم إلى غيرهم.

والجواب: إن دعوى الحصر هنا يكشف عن وقوع في الخلط بين المفهوم والمصداق. فآية التطهير تتحدث عن مفهوم أهل البيت، والنبي الأكرم‘ في حديث الكساء طبّق المفهوم على بعض مصاديقه؛ لقرينة الأحاديث الواردة في غيرهم، كما أشرنا سابقاً، فيكون مفهوم أهل البيت لا من قبيل: المفهوم المتلقى من تخصيص الشيء بالذكر. مثاله: قولنا: زيد صديقي، فلم يتضمّن نفي الصداقة عن غيره. فقول النبيّ‘ في حديث الكساء: «هؤلاء أهل بيتي» يخالف مفهوماً القول: (أهل بيتي هؤلاء)؛ فالأخير يعني أن أهل البيت فقط هؤلاء الموجودون في ظرف الخارج أثناء نزول آية التطهير، وحينها سيكون حصراً حقيقياً، نظير: قولنا: صديقي زيد، فيعني أن الصداقة تنحصر في زيد. بينما قوله‘: «هؤلاء أهل بيتي» نظير: قوله تعالى ﴿قُلْ لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ﴾ (الأنعام: 145). فهل ينحصر الحرام أكله في ما ذكر في هذه الآية الشريفة فقط، أم أن هناك حيوانات أخرى محرَّم علينا أكلها؟ فالحصر هنا ظاهرٌ في الحصر الإضافي، وليس الحقيقي؛ باعتبار أنها في مقام نفي المحرَّمات في الجاهلية، وبقرينة آيات أخرى تمّ فيها تحريم حيوانات أخرى غير التي ذكرت في هذه الآية. فقول النبيّ الأكرم: «هؤلاء أهل بيتي» لا يقتضي الحصر الحقيقي، وإنما الحصر الإضافي.

5ـ إمامة اهل البيت^

إن طرحنا لمبحث الإمامة لما لها من أهمية خاصة في مرجعية الحديث الشيعي. فما لم يُسْتَجْلَ الغموض عن موضوع الإمامة والإلمام بجميع جوانبه سيظلّ الإشكال وارداً على الحديث الشيعي بلحاظ مرجعيته المعرفية والدينية. لذا فإن تطرّقنا لموضوع العصمة أو علم الإمام ليس بقصد الحشو، ولكنْ لكونها لها الموضوعية في تحديث هذه المرجعية. وبالتالي يكشف عن مدى قيمة هذا الحديث الشيعي، سواء على مستوى ما يتضمنه من تشريعات أو غيرها، بمعنى أنه يحدّد موضع هذا الحديث على مستوى التشريع خاصة.

أـ الأدلة العقلية على الإمامة

إن أهمّ برهان على الإمامة بعد برهان اللطف([17]) هو برهان إمكان الأشرف:

إذا كان الشيخ الرئيس قد استعمل قاعدة إمكان الأشرف كقاعدة فلسفية عقلية محضة في إثبات العقول العشرة، من العقل الأول إلى العقل الفعّال، فإن شيخ الإشراق، ومن بعده الملا صدرا، على مبنى فلسفة الحكمة، حاول تطعيمها بالصبغة النقلية، وأضاف بناءً عليها وجود عقول عرضية. وقد استعملت القاعدة كبناء أساسي في إثبات العديد من أمور الدين، تشبه في هذا قاعدة «لا ضَرَر»، التي استعملها الفقهاء بشكلٍ واسع في استنباط جملةٍ من الأحكام الفقهية.

وبدءاً لا بُدَّ من البيان أن قاعدة الأشرف تبتني على قاعدة «الواحد لا يصدر عنه إلاّ الواحد»، وبذلك تكون النتيجة على الشكل التالي:

 بما أن الوجود الإنساني متفاوت شدّة وضعفاً، تقدّماً وتأخّراً، شرفاً وخسة، بلحاظ الرتبة الوجودية، وجريان هذه القاعدة صار في تمام مراحل الوجود من دون استثناء، وهذا أصل موضوعي يرجع فيه إلى التشكيك في الوجود، «وتفاوت الإنسان رتبة، لا بمادته؛ لأن المادة قوة محضة لا تفاوت فيها، وإنما التفاوت حاصل بلحاظ الجانب العقلي بما يدركه من المعقولات، وهذا هو ملاك التقدُّم والأشرفية في النوع الإنساني، فالأشدّ تعقّلاً يكون الأشرف، وبالتالي يكون متقدماً رتبة (لا زماناً) على الأضعف وغير الأكمل، وهو الأخسّ المتأخِّر عنه، فثبت أن الأشدّ يكون أكثر تعقّلاً من الأخسّ. فالنفس العاقلة كلما كانت متعلّقة بعالم المعقولات، متنزّهة عن عالم المادة، كانت أشرف، وبالعكس، كلّما كانت النفس المتعقلة متعلقة بعالم المادة كانت أبعد عن عالم المعقولات، وبالتلازم كانت أخس.

فوجود النبي الأكرم‘ وجود أكمل وأشرف عن غيره من باقي البشر بملاك تلقّيه الوحي، الذي هو أشرف وأتم وأكمل معقول يتلقّاه الإنسان؛ إذ إن تلقي الوحي يحتاج إلى أن تكون النفس العاقلة قد وصلت إلى مرتبة أعلى وأشرف من الاتصال بعالم المعقولات. فبختم النبوة وباستمرارية قاعدة الأشرف؛ لأنها دليل عقلي لا يتخصَّص بزمان ولا مكان، لزم بالضرورة أن يكون الأشرف حاضراً في الواقع بعده، وعلى الدوام، ومن دون انقطاع. وبما أن الوحي قد ختم وتمّ فيكون ملاك الأشرفية هنا قد انتقل إلى فهم الوحي وتعقّله وتفسيره. وهذا البرهان كما يثبت لنا ضرورة وجود الإمام باعتباره المصداق الأتم والاكمل للممكن الأشرف يثبت لنا بالضرورة عصمته عن الرجس المادي والمعنوي، وإلاّ كانت مصادرة على المطلوب، وهو خلاف البرهان الذي ينسجم كلّياً مع قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. فالذي يحتاج لأن يتلقّى الهداية من نوعه لا يستحقّ أن يكون هادياً، بل إن برهان إمكان الأشرف يفسّر لنا بمنحى فلسفي عقلي مفهوم حديث الثقلين؛ إذ دوام الوحي عملياً بدوام مفسِّريه ومبيِّنيه حسب كلّ زمان. وهذا التفسير والبيان للوحي يستلزم أن تكون في المفسِّر والمبيِّن نفس خصائص الوحي، وهي العصمة والأشرفية.

ب ـ الأدلة من الآيات القرآنية

1ـ آية الاستخلاف: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 30).

قال الراغب الإصفهاني: «الخلافة» النيابة عن الغير؛ إما لغيبة المنوب؛ وإما لموته؛ وإما لعجزه؛ وإما لتشريف المستخلف»([18]).

إن الاستخلاف جَعْلٌ إلهي: في تعاملنا مع الأدلة القرآنية نركِّز فقط على النقاط الشاهد، دون الدخول في تفسير الآيات؛ تفادياً للتكرار. ثم إن مجال المقالة لا يسمح بالتوسُّع إلاّ في ما هو ضروريٌّ:

أـ إن الآية تتحدّث عن الاستخلاف في مقام الجعل الإلهي. وسواء كان هذا الجعل بمفاد كان التامة أو بمفاد كان الناقصة ففي كلَيْهما حقيقة الجعل الإلهي هي الإيجاد([19])، وما يميز بينهما هو متعلّق الجعل، وهو القرائن الواردة أو النصّ الإلهي. وهنا لا بُدَّ من الحديث ولو باختصارٍ عن مسألة الجعل:

 الجعل هو الإيجاد، سواء بمفاد كان التامة أو بمفاد كان الناقصة لا فرق، ففي كلَيْهما حقيقة الجعل الإلهي هو الإيجاد. والجعل من الأفعال المتعدية إلى مفعولين، متحدين مصداقاً، متغايرين مفهوماً، كأفعال القلوب. وقد يجيء بمعنى خلق، فيتعدّى إلى مفعول واحد؛ فقد يكون الجعل منه تعالى بما هو جاعل هويات الممكنات والعلاقات بينها، كجعله الليل والنهار والظلمات والنور، فيتمحّض في التكوين؛ وقد يكون الجعل منه تعالى بما هو شارع، جعل الشرائع والأحكام والمناصب بالنظر إلى مصالح العباد، ودفع ما فيه فسادهم، فيكون جعلاً تشريعياً. فيكون ملاك التمييز والتمايز بينهما، أو ما يصطلح عليه بمتعلق الجعل، هو القرائن الواردة في الكلام.

ب ـ علم آدم في الآية علم لدني، ما يعني اتصالاً بعالم الغيب من دون واسطة.

ج ـ الإطلاق الزماني، وكذا تساؤل الملائكة، يكشف عن استمرارية الخلافة، وأن الأرض والكون يتقوّم بالخلافة.

د ـ إن سجود الملائكة يطلق الخلافة، ويخرجها من القيد بالأرض.

 هـ ـ إن إضافة الكاف إلى «ربك» تبين أن الخلافة سنة إلهية جارية في هذه الأمة، كما كانت جارية في الأمم التي سبقتها. هذا بالإضافة إلى أن مقتضى الجملة الاسمية، واعتماد هيئة الفاعل في الخبر، على ما سنبيِّن لاحقاً، يفيد الاستمرار، كما يعني حصر الجعل في هذا المقام بالواجب تعالى.

و ـ نتيجة هذه المقدّمات أن الخليفة جعل تكويني وولاية تكوينية، وليس أمراً اعتبارياً، بمعنى أنها أمر وجودي لها آثار وجودية في العالم وفي الكون. فكما أن للماء دوراً في نظام الكون، بحيث له أثر، كذلك للإمامة دورٌ تكويني، وبالتالي لا يكون دورها مجرّد إراءة الطريق، بل الإيصال إلى الصراط المستقيم، فتكون لها الهداية التكوينية، إلى جانب الهداية التشريعية. وهذا ما يتأكد لدينا من خلال الآية الشريفة: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾.

ز ـ لقد نسب الحقّ تعالى جعل الخليفة إلى ذاته المقدّسة، حيث قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، ممّا يعني أن جعل الخليفة وفق المعايير الإلهية هو من اختصاص الحقّ تعالى، ولا وساطة فيه، نظير: قوله تعالى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ﴾، حيث خص الخلق به سبحانه وتعالى، ولا وساطة في الخلق لأحد ممَّنْ خلق»([20]).

 2ـ الآية الشريفة: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلْ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (يونس: 35).

أـ قوله: ﴿أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى﴾، أي الذي لا يهتدي، فضلاً عن أن يَهدي غيره، أي لا يقبل الهداية، فكيف يهدي غيره! فلا يحقّ له أن يُتَّبع.

ب ـ المقسم في الآية: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى﴾، بلحاظ الهادي، بقرينة «أفمن يهدي إلى الحقّ أحقُّ أن يتبع»، غير محمول على الأفضلية، وإنما هو محمول على التعيين، شأنها شأن قوله تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾.

ج ـ ما هي الهداية المقصودة في الآية؟ الهداية أمرٌ وجودي في مقابل الضلالة والغواية، اللذان هما أمران عدميان. فالتقابل الموجود تقابل المَلَكة والعدم. والهداية تكوينية عامة تشمل جميع البشر»، وحرمان البشر من هذه الهداية ظلمٌ، والظلم لا يجوز في حقّ الله تعالى: ﴿وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً([21]). لكنْ ما هي الهداية المطلوبة في الآية الكريمة: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى﴾؟ هل هي هداية تشريعية؟ فإنْ كانت هداية تشريعية فالآية تقول: لا يجوز اتباعه: ﴿أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾». إذن فالهداية التي نؤمر باتباعها هي الهداية التكوينية، وهي الهداية بالذات، والهادي بالذات هو الله سبحانه وتعالى. لكن الله سبحانه وتعالى نسب هذه الهداية إلى بعض الناس ممَّنْ تتجلّى فيهم صفات الكمال، قال تعالى: ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ﴾ (المائدة: 15 ـ 16). وإسناد الهداية في هذه الآيات هي من باب إسناد الفعل إلى الآلة، نظير: إسناد الكتابة للقلم. فالقرآن الذي هو نورٌ وكتاب مبين منزَّلٌ من عند الذات الإلهية المقدّسة. فالله يهدي عباده بالكتاب المبين، والقرآن يهدي الناس ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذن الله، فهو فيضٌ من الله، وهدايته مستمدة من الحقّ تعالى». ولم تقتصر الهداية من هذا النوع على الكتاب، بل جعل الحقُّ تعالى هذه الهداية لبعض الناس، قال تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾. فالأئمّة الهادون للناس مجعولين من الحقّ تعالى، وليسوا من جعل الناس أو اختيارهم، بمعنى أنهم لم يتلقّوا الهداية بنفس الوسائل التي تلقّتها عامّة البشرية. فالبشرية تحتاج إلى الهداية التكوينية والهداية التشريعية، تحتاج إلى الواسطة، بينما هؤلاء الهداة المهديّين لا يحتاجون إلى وساطة الممكن، وإنما هدايتهم تلقّوها مباشرة من الذات المقدّسة، بلحاظ الجعل الإلهي.

6ـ العصمة

إن تعرُّضنا لمبحث العصمة لا يقصد به إرجاع القضية كلامية، والخروج بها من قصدها في الاستدلال على مرجعية حديث أئمة أهل البيت^. لكنْ، ومن باب «ما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجبٌ»، دليلُ العصمة دليلٌ له أهمِّية كبيرة في إثبات مرجعية أهل البيت، وبالتالي مرجعية حديثهم ومروياتهم.

أـ الدليل العقلي

حيث يظنّ البعض أن القول بالعصمة إنما يستند إلى بعض الروايات، ولا دليل عقليّاً عليه. وهذا كلامٌ غير صحيح. والدليل أن العصمة ثابتةٌ بأدلة عقلية ثابتة:

1ـ برهان امتناع التسلسل: والشكل المنطقي لهذا البرهان في قالب قياس استثنائي: لو لم يكن الإمام معصوماً لزم أن يكون الأئمة إلى عددٍ لا متناهٍ، وهو ما يعني لزوم التسلسل في الأئمّة، وهو محالٌ عقلاً. واللازم بحكم العقل باطلٌ، وكذا الملزوم باطلٌ، فثبت وجود إمام معصومٍ.

 ونتيجة هذا القياس الاستثنائي متوقفة على إثبات أمرين: صحة الملازمة؛ وعدم صحة اللازم.

أما عدم صحة اللازم كأنْ يقول بوجود أئمة متعدّدة في نفس الزمن، وبمعنى آخر فرض وجود عدد لا متناهٍ في زمن محدود، فهو محالٌ؛ لأنه موجب لاجتماع النقيضين من التناهي وعدمه، واجتماع النقيضين محالٌ بالبداهة.

وصحة الملازمة، بمعنى إثبات عدم وجود إمام معصوم، يلزمه وجود عدد لا متناهٍ من الأئمة. ولتبيين الملازمة لا بُدَّ أن نبين علة الحاجة إلى الإمام. وتقوم الحاجة إلى الإمام على برهان اللطف، وأن الإمام لطفٌ إلهيّ في حقّ المكلَّفين، بمعنى أن وجود الإمام داعٍ لقيام الناس بتكاليفهم الشرعية والعقلية. ثم إن عدم وصول المكلَّفين إلى مستوى العصمة كان داعياً لوجود الإمام، فلا يتصور بكل هذه اللحاظات وجود الإمام من دون العصمة، حتّى على الصعيد الثبوتي:

ب ـ الأدلة النقليّة على عصمة الإمام

1ـ الأدلة من القرآن

أـ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (الأحزاب: 33).

في الجملة الطهارة في القرآن تعني التطهُّر من الشرك وعبادة غير الله، ومن الفواحش ظاهرها وباطنها، وطهارة القلب من كلّ آفات الكفر والمعصية. وبالتالي يكون الرجس؛ وفق مبدأ ما يسمّى في البلاغة بتقابل الضدّين، هو وجود الشرك وعبادة الأوثان ونحوها، وارتكاب الفواحش الظاهرة والباطنة، وامتلاء القلب بكلّ آفات الكفر والمعصية. وقد قال الآلوسي في روح المعاني: «والرجس في الأصل: الشيء القذر…. وقيل: يقع على الإثم، وعلى العذاب، وعلى النجاسة، وعلى النقائص. والمراد هنا (يريد آية التطهير) ما يعمّ ذلك».

ب ـ ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: 124).

لقد تعرّضنا ضمن مبحث الإمامة إلى هذه الآية، وبيَّنّا كيف أن الظلم مانع ذاتي من التشرُّف بمقام الإمامة. وكما أنّ للظلم مراتب متفاوتةً في العرف الاستعمالي لدى الناس كذلك استعمله القرآن وفق مراتب، أقصاها الشرك بالله. وقد ذكره الحق تعالى على لسان لقمان ضمن وصيّته لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. وقد اعتبر القرآن الكريم العديد من الاعتقادات المخالفة للحقّ، وللكثير من السلوكيات، ظلماً. وقد تكلَّم جلُّ المفسِّرين في هذه الآية.

2ـ الأدلة من السنّة

أـ حديث الثقلين: عن زيد بن أرقم قال: لما رجع رسول الله‘ من حجة الوداع، ونزل غدير خم، أمر بدوحات فقمن، ثمّ قال: «كأنّي قد دُعيت فأجبت، إني قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله تعالى؛ وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض»، ثم قال: إن الله مولاي، وأنا مولى كلّ مؤمن، ثمّ أخذ بيد عليٍّ، فقال: مَنْ كنت مولاه فهذا وليُّه، اللهُمَّ والِ مَنْ والاه، وعادِ مَنْ عاداه. فقلتُ (حبيب بن أبي ثابت) لزيد: سمعتَه من رسول الله‘؟ قال: ما كان في الدوحات رجلٌ إلاّ رآه بعينه، وسمع بأذنه»([22]).

حديث الثقلين ظاهرٌ في عصمة أهل البيت؛ بدليل التلازم بينهم وبين القرآن. والتلازم ثابت لهما بكلا نوعيه: التلازم الوجودي؛ والتلازم في الحجِّية. فما يثبت للقرآن يثبت لهم بدليل الالتزام، الذي يكشف عن السِّنخية بينهما. وحيث إن المانع من الضلالة يكون بالتمسُّك بهما معاً ثبتت عصمتهم بعصمته.

 ب ـ حديث المنزلة: «قول النبيّ الأكرم‘ للإمام عليّ×: «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى». وقوله في بعض الألفاظ: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى»؛ أو «عليٌّ منّي بمنزلة هارون من موسى»([23]).

وقد ذكر النسائي الحديث ضمن الفضائل الخاصّة بعليّ بن أبي طالب. وكذلك قال الآلوسي([24]). لكنّنا نقول: إن تنزيل النبي الأكرم‘ عليّاً× منزلة هارون× بلحاظ ما بينهما من تشابه. ويكفي الرجوع إلى سورة الأعراف، الآية 142، لاستجلاء نقاط التشابه؛ فهارون قد شارك موسى في الأمر، وحيث إنه لا نبي بعد النبي محمد تكون المشاركة في المرجعية، عدا الوحي. ويؤيِّده ما نقله أحمد بن حنبل في مسنده، من حديثٍ طويل، قال: «إن تولوا عليّاً تجدوه هادياً مهدياً، يسلك بكم الطريق المستقيم»([25]).

علم الإمام وعلاقته بالتشريع

1ـ نوعية علم الإمام

قبل الشروع في الحديث عن علم الإمام لا بُدَّ من طرح مقدّمة ضرورية للموضوع مفادها: ثبت في الحكمة أن واجب الوجود هو العلة التامة والفاعل الحقيقي لما سواه من الممكنات، وإليه يرجع كلّ موجود ممكن بلا واسطة أو بواسطة. وثبت كذلك أن كل كمالات المعلول توجد بنحوٍ أشرف وأتمّ في العلة، وإلاّ لزم أشرفية المعلول على العلّة. وهذا محالٌ؛ لأنه يلزم منه كمالٌ بدون علّة. وهذا خلافٌ لمبدأ العلّية. فثبت أن للواجب كلّ الكمالات الموجودة في عالم الإمكان بنحوٍ أتمّ وأشرف وأكمل.

أـ علم الإمام الحضوري

الإمام باعتباره إماماً يجب أن تكون مرتبته العلمية في نفس مرتبته الوجودية، ومرتبته الوجودية تستلزم كلّ الكمالات شدّةً وضعفاً. ولأن مرتبته هي الأشدّ؛ لأنها هي الأعلى بحسب برهان إمكان الأشرف، فعلمه هو الأشدّ والأعلى. والأشدية تستلزم العلم بحقيقة الأشياء، أي بذواتها، وليس بمفاهيمها. والعلم بذوات الاشياء هو العلم الحضوري. ويتمّ له العلم الحضوري بانكشاف حقائق الأمور لديه؛ لأن الغرض من الإمام هو إيصال الناس إلى الكمال، ولا يكون ذلك إلاّ إذا كان علمه كاملاً وتامّاً؛ بدليل حديث الثقلين. وكنا أشرنا في تعرضنا لهذا الحديث الشريف إلى نوعية التلازم بين القرآن والعترة في الوجود والحجّية والكمال. ومن كمالات القرآن إحاطته بكلّ شيء، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، فعدم التفريط هو المعرفة التامة، وبمقتضى التلازم تكون هذه المعرفة التامّة للعترة.

والإمام يعلم كلّ الغيب إلاّ علمه بكنه الذات العلية، فهذا خاصٌّ بالله تعالى، فهو الذي يعلم ذاته بذاته.

وعلم الإمام بالغيب له شواهد من القرآن. فإذا استطاع آصف بن برخيا، كاتب النبي سليمان×، أن يحضر عرش بلقيس من اليمن إلى بيت المقدس قبل ارتداد الطرف، قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ (النمل: 47)، فكيف يكون الذي عنده علم الكتاب، قال تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (الرعد: 43)، والمراد بالكتاب هو القرآن، الذي هو تبيان لكلّ شيء. فعلمهم بالغيب ضروريٌّ، وإلاّ ضعفت حجّتهم. وقد رُوي عن الإمام الصادق×: «إن الله تعالى أحكم وأكرم وأجلّ وأعظم وأعدل من أن يحتجّ بحججه، ثمّ يغيِّب عنهم شيئاً من أمورهم». وفي تعبيرٍ آخر قال×: «مَنْ شكَّ أن الله تعالى يحتجّ على خلقه بحجّة لا يكون عنده كلّ ما يحتاجون إليه فقد افترى على الله»([26]).

فلا غَرْو إذا قلنا بعد ذلك كلّه: إن المقصود بالشهيدية في الآية هو مقام الشهادة على الخلق، والتي تفسر بالإحاطة والهيمنة، والإشراف التامّ على كلّ الحالات والخصوصيات. وقرن الشهيدية بشاهدية الله تعالى لأن الله هو مصدر الفيض والعطاء والتمكين. فليس علمه عين ذاته، حتّى مع كون علمه حضوريّاً.

والخلاصة: إن علم الله ذاتي أزلي فعلي، وعلم ما عداه انفعالي غير ذاتي. واستعلام واطّلاع النبيّ‘ والأئمة× مخلوقٌ للباري، وإن علمه تعالى محيطٌ، وما يعلمه للأنبياء والأئمة محاطٌ من قبله تعالى. فلا يضرّ القول بأن النبي والأئمة^ يعلمون الغيب بعد هذا؛ لأنه لا يصل إلى علم الله مطلقاً.

ب ـ علم الإمام الحصولي

دلت شواهد كثيرة من الروايات الصحيحة على أن للأئمّة علماً حصوليّاً، إلى جانب علمهم الحضوري. ومصدر هذا النوع من العلم تارة يكون عن النبي الأكرم‘، فقد رُوي عن الإمام أمير المؤمنين× أنه قال: «علَّمني رسول الله ألف باب ينفتح لي من كلّ باب ألف باب، فذلك ألف ألف باب، حتّى علمت ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وعلمت علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب»([27])؛ وتارة يكون عن طريق تحديث الملائكة، فعن أبي الحسن×: «الأئمّة علماء صادقون مفهَّمون محدّثون»([28])؛ وتارة يكون بالرجوع إلى ما يتوارثونه من الكتب التي تحدَّثت عنها مصادر الحديث عند الفريقين، كالجَفْر والجامعة ومصحف فاطمة وغيرها. وباستثاء قراءتهم في ما ورثوه من الكتب لا نعلم الكيفية التي يتمّ لهم بها التعلُّم من رسول الله. وإذا ثبتت ملازمة الإمام علي× لرسول الله‘ فكيف تعلَّم باقي الأئمة^ من بعضهم البعض؛ لأن الحديث عن أن العلماء ورثة الأنبياء عنوان بدون كيفية؟!

2ـ علاقة علمهم بالتشريع

إن الحديث عن علاقة علم الأئمة^ الأتمّ والاكمل بالتشريع يحمل في طياته سؤالاً ليس بالخفيّ، مفاده: هل الأئمة مشرِّعة؟ بمعنى هل يثبت لهم حقّ الأحكام التأسيسية؟

وبالجملة إنّ تعاضد مجموعة من الأدلة له الكاشفية عن التشريعات التأسيسية:

العصمة: التي تنفي عنهم الخطأ والنسيان.

العلم الحضوري: الذي يعني الاتصال بعالم الغيب، والاطلاع على حقائق الأمور، بحيث لا يمكن حصول الظنّ لهم. وإنهم خزّان العلم، وخزانته عندهم، غير نافذة، ولا مقدَّرة بقدر.

حديث الثقلين، وأنهم عدل القرآن، وما يثبته لهم من وجود الدعم والمؤيّد الغيبي بشكلٍ مستمر. كما أنه في عهد النبيّ الأكرم‘ لم يكن الفهم التفصيلي للقرآن ميسَّراً لهم على وجه العموم، بالإضافة إلى مدلول الحديث أنه كما أن القرآن الكريم يمثِّل شاهداً على الحقّ والباطل كذلك أهل البيت^، حيث يمكن من خلالهم تمييز الحقّ من الباطل.

وقوع أحكام تأسيسية بالفعل، سواء من رسول الله‘ أو من قبل الأئمة^، كصحيحة محمد بن مسلم وزرارة، عنهما’ جميعاً، قالا: وضع أمير المؤمنين× على الخيل العتاق الراعية في كلّ فرس في كلّ عام دينارين، وجعل على البراذين ديناراً([29]). وأنهم شرعوا للناس التخيير بين التقصير والتمام في المشاهد المشرَّفة([30])، وشرعوا الخمس في غير الغنائم، و….

مجموعة من الروايات: وهي تتحدث عن التفويض لهم في التشريع ـ رغم ضعف سندها([31]) ـ، وتُعَدّ شاهداً على تفويض التشريع التأسيسي لهم؛ لأن انعقاد التواتر بلفظ صريح ليس شرطاً في الشاهد. نعم، مَنْ لا يقول بحجّية خبر الآحاد هذه الروايات تخالف مبناه جملةً وتفصيلاً، لكنّ الواقع اليوم أن لا أحد يقول بعدم حجّية خبر الآحاد، فخرج اعتراضهم تخصُّصاً.

ثم هنا مسألةٌ سارية في علم الأصول: إن الأحكام الإمضائية تثبت حجّيتها من إمضاء النبي الأكرم‘ والأئمة^. ونحن نتساءل: هذا الإمضاء ما هو الملاك فيه، إذا لم يكن إلاّ الأحقّية في التشريع؟! ونفسِّره بأن الأحكام التشريعية كلّها من إنشاء الله سبحانه وتعالى، فالبعض منها يصدر من الله مباشرة، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، أو ﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ…﴾، لكن هناك أحكامٌ تشريعية يتوقّف إخراجها إلى الفعل إما على رسول الله‘، كما في إضافته‘ ركعتين في الصلاة الرباعية، أو على الامام، كما في سنّهم الخمس في الذهب والفضّة.

وبالجملة نقول: إن التشريع ينقسم إلى:

1ـ الأحكام الأوّلية الثابتة: حيث تفيد الأحاديث الشريفة أن الأحكام الأولية باقية أبداً إلى يوم القيامة، كما في قوله×: «حلال محمد حلال أبداً إلى يوم القيامة، وحرامه حرام أبداً إلى يوم القيامة»([32]).

2ـ الأحكام الثانوية: وهي متغيِّرة، ولها دورٌ مهمّ في الشريعة الإسلامية؛ لأنها تمثِّل عامل المرونة الذي يمنح الشريعة القدرة على مواكبة المستجدّات والمستحدثات، سواء على الصعيد الفردي أو الاجتماعي.

وإذا نظرنا إلى تشريعات الأئمّة بمعنى إنشاء حكم جديد فإن ظاهر الروايات إنما هي من هذا القبيل: «إن كل تشريعات الرسول‘ هي من هذا القبيل، وكذا الحال في تشريعاتهم^؛ فإنها في طول الأصول القانونية القرآنية والنبوية»([33]). فتشريعاتهم متنزلة من أصول الشريعة التي شرعها الله. وهو ما يعبِّر عنه في القانون بالتشريعات المستمدة من الأصول القانونية. وهذا ما يستشفّ من أحاديث العرض على القرآن، فلم نجدهم قد ضيَّقوا من دائرة الواجبات والمحرمات، أو أنهم عطَّلوا واجباً، لكنّهم وسعوا من دائرة الواجب والحرام، ناظرين في تشريعاتهم إمّا إلى الحالات الاستثنائية، كما هو معروف لدى الأصوليين والفقهاء، فالأحكام الثانوية تعبر عن موقف الشارع في الحالات الاستثنائية التي أغلبها يدخل تحت قواعد أصولية، كقاعدة «لا ضَرَر»، وقاعدة «لا حَرَج»، وغيرها، أو إلى تغيُّر في موضوع الحكم واقعاً، فبحكم تنصيبهم من الله تعالى فقد جعل لهم صلاحية الخيار في البيان والعمل بين الحكم الواقعي والظاهري، بل يمتدّ هذا الخيار في درجات الحكم الواقعي نفسه؛ لاطّلاعهم على ملاكات الأحكام والمصالح والمفاسد؛ «لأنّ لهم العلم اللدني»، وعصمتهم عن اللغو والخطأ، أو من تغيُّر العرف أو القيمة التي يمنحها أو يسلبها عن الموضوع في ما يخصّ الأحكام التي ترك الشارع تحديد موضوعها للعرف.

هل تثبت حجِّية أحاديث الأئمّة من خلال إثبات العلم والعصمة؟

إنّ جميع الأصول الأساسية لمدرسة أهل البيت^ نجد الأئمة أنفسهم قد صرَّحوا بها، وقالوا: نحن الذين نتَّصف بهذه الصفات. والروايات الواردة في هذا المجال كثيرة جدّاً، بالنحو الذي يغنينا في كثير من الأحيان عن البحث السندي، باعتبار أن المضامين مضامين متواترة أو قريبة من التواتر، ويحصل للإنسان اطمئنان بصدور هذا المضمون عنهم، ولو بنحو الإجمال.

والنتيجة أن العمل على اعتبار ما عليه عقائد الإمامية في الإمامة من تنصيب بالنصّ، وعلم بالغيب، وعصمة، يجعل حجِّية ومرجعية حديثهم محلّ نقاش. فإذا لم يكونوا أئمّةً معصومين عالمين بالعلم اللدني، ولهم الولاية على المؤمنين، فبأيّ دليل تكون لهم المرجعية؟ هذا أوّلاً. وثانياً: كيف تكون أقوالهم وأفعالهم حجّة؟

إذا نفينا عنهم العصمة سيصبح قولهم بمثابة حجِّية قول الراوي الثقة، وحقيقةِ حجِّية قول الرواة، بأنها متمحِّضة في جانب وجهة الكشف والإراءة المحضة، ومن ثمّ فإنّ التنجيز والتعذير ـ وهما استحقاق العقوبة والمثوبة ـ لا يترتّب عليها مباشرة؛ لأنّه لا مولويّة حقيقةً لحجِّية قول الراوي، وإنّما الثابت واقعاً المولويّة لقول المعصوم؛ لما ذكرنا سابقاً من الأدلة، فتكون حجِّيته لولايته ـ التي هي في طول ولاية الله ورسوله ـ طبقاً لقوله تعالى في آية الولاية. فحصر حجِّية قولهم في حجِّية قول الرواة، وبأنهم رواة ثقات، أو مبيِّنون فقط للأحكام، يحمل إنكاراً واضحاً لولايتهم ومولويتهم، التي أثبتتها لهم الآيات وحديث الثقلين. فحجِّيتهم ليست فقط في الإرشاد، بل في الاتّباع والانقياد. فتكون أقوالهم وأفعالهم وتقريراتهم التي وصلتنا بالرواية حجّة، ومرجعيّتها ثابتة.

ويفسِّر هذا القول الشيخ السند، فيقول: «فحجِّية قول الراوي الثقة بمثابة مقدِّمات الاستدلال من الصغرى والكبرى، أي الحجّية النظريّة، وأمّا حجِّية قول المعصوم فهي بمنزلة الحكم والتصديق بالنتيجة، أي الحجِّية في العقل العمليّ. فحجّية قول الراوي منزّلة من باب العقل النظريّ والإراءة والكشف والإدراك، وأمّا حجّية قول المعصوم فهي من حجّية قول الله ورسوله، وهي حجّية من باب العقل العمليّ، أي التي فيها تصديقٌ وطاعة وإذعان وإنقياد».

فخلع شرط (أو قُلْ: صفة) العصمة والعلم الكامل عنهم يجعل شأنهم شأن سائر المجتهدين وأئمة المذاهب الاسلامية في الاعتماد على الرأي والاجتهاد، وبالتالي فهم سيكونون مجتهدين وأصحاب الرأي، والمجتهد قد يصيب وقد يخطئ، والحالات التي يخطئ فيها لا تقلّ عن الحالات التي يصيب فيها حكم الله تعالى.

لكنّ كل هذا لا يعني أنهم مشرِّعة مطلقاً، أو في عرض القرآن والسنّة؛ فهذا مخالفٌ للمقطوع. فالظاهر من بعض الروايات أنهم كانوا يشرِّعون لكنْ من خلال ما لديهم من العلم المكنون، أو ما كان لهم من مؤيّدات غيبية. فتشريعاتهم في طول القرآن والسنّة، كما سيتّضح من مجموع الروايات التي سنوردها بالتَّبَع.

8ـ أحاديث مرجعيّتهم

وردت عن أئمة البيت^ عدّة أحاديث يرجعون ما لديهم من العلم، أو ما قاموا به من إصدار للتشريعات، إلى النبي الاكرم‘. وجاءت هذه الأحاديث على طوائف مختلفة:

الطائفة الأولى: استفاضت الروايات عن المعصومين^ في أن ما يشرِّعونه وما يفتون به مستند إلى كتاب الله وسنّة رسول الله‘، نافين عن أنفسهم أن يكونوا قالوا في الدين بالرأي والاجتهاد. ونذكر منها على سبيل المثال:

 ـ عن خيثم، عن أبي عبد الله×، قال: قلتُ له: يكون شيءٌ لا يكون في الكتاب والسنّة؟ قال: «لا»، قال: قلتُ: فإنْ جاء؟ قال: «لا» ـ حتّى أعدتُ عليه مراراً ـ فقال: «لا يجيء»، ثمّ قال بإصبعه: «بتوفيقٍ وتسديد، ليس حيث تذهب، ليس حيث تذهب»([34]). وفي بعضها: «وليس كما تظنّ»([35]). وفي بعضها: «فأمّا ما تظنّ فلا»([36]).

ـ حديث الفضيل، عن أبي جعفر× قال: لو أنّا حدّثنا برأينا ضللنا، كما ضلّ مَنْ كان قبلنا، ولكنّا حدّثنا ببيِّنة من ربِّنا، بيَّنها لنبيِّه‘، فبيَّنها لنا»([37]).

 ـ رواية سماعة، عن أبي الحسن موسى الكاظم×، قال: قلتُ له: أكلّ شيء في كتاب الله وسنّة نبيه‘، أو تقولون فيه؟ قال «بل كلّ شيء في كتاب الله وسنّة نبيه‘»([38]).

 ـ عن أبي عبد الله× أنّه قال: «إنّا على بيِّنة من ربّنا، بيَّنها لنبيِّه‘، فبيَّنها نبيُّه لنا. فلولا ذلك كنّا كهؤلاء الناس»([39]).

الطائفة الثانية: مجموعة من الروايات يصرِّحون فيها بأن ما لديهم هو من آثار رسول الله يتوارثونها. ونذكر منها على سبيل المثال:

 ـ عن جابر: «قال أبو جعفر×: لو كنّا نفتي الناس برأينا وهوانا لكنّا من الهالكين، ولكنّا نفتيهم بآثار من رسول الله‘، وأصول علم عندنا، نتوارثها كابراً عن كابر، نكنزها كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضّتهم»([40]).

 ـ حديث أبي الجارود، عن أبي جعفر× قال: «إنّ رسول الله‘ دعا عليّاً في المرض الذي توفي فيه، فقال: يا عليّ، ادْنُ مني، حتّى أسرّ إليك ما أسرّ الله إليَّ، وأَأْتمنُك على ما ائتمنني الله عليه. ففعل ذلك رسول الله‘ بعليّ×. وفعله عليّ× بالحسن×، وفعله الحسن× بالحسين×، وفعله الحسين× بأبي×، وفعله أبي× بي (صلوات الله عليهم أجمعين)»([41]).

 ـ رُوي عن جابر ـ بثلاثة أسانيد ـ قال: قال الإمام أبو جعفر×: «يا جابر، لو كنا نحدّث الناس أو حدَّثناهم برأينا لكنّا من الهالكين…، ولكنّا نحدِّثهم بآثار عندنا من رسول الله‘، يتوارثها كـابر عن كابـر، نكنـزها كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضّتهم»([42]).

الطائفة الثالثة: إن ما يروونه ويحدِّثون الناس به هو مسند إلى رسول الله‘:

 ـ كرواية هشام بن سالم وحمّاد بن عثمان وغيرهما: «حديثـي حديث أبي… وحديث أبي حديث جدّي… وحديث جدّي حديث الحسين… وحديث الحسين حديث الحسن… وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين×… وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله‘… وحـديث رسول الله قـول الله عزَّ وجلَّ»([43]).

و مع أن في سند الرواية ضعف؛ بوجود سهل بن زياد في طريقها، فمدلوليّة المتن بالتسامح يمكن أخذه على أن حديثهم يتوارثونه حسِّياً أباً عن جدّ.

الطائفة الرابعة: إن ما لديهم من كتب هي من إملاء رسول الله على عليّ بن أبي طالب×:

 ـ عن عذافير الصيرفي قال: كنتُ مع الحكم بن عُيَيْنَةَ عند أبي جعفر×، فجعل يسأل، وكان أبو جعفر× له مكرماً، فاختلفا في شي‏ءٍ، فقال أبو جعفر: «يا بنيّ، قُمْ، فأخرج كتاباً مدروجاً عظيماً»، ففتحه، وجعل ينظر، حتّى‏ أخرج المسألة، فقال أبو جعفر: هذا خطّ علي وإملاء رسول الله×‏، وأقبل على‏ الحكم، وقال: «يا أبا محمد، اذهب أنت وسَلَمة وأبو المقدام حيث شئتم، يميناً وشمالاً، فواللهِ، لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل»([44]).

 ـ رواية سليمان بن خالد قال: سمعتُ أبا عبد الله× يقول: «إن عندنا لصحيفة، سبعين ذراعاً، إملاء رسول الله‘ وخطّ علي× بيده، ما من حلالٍ ولا حرام إلاّ وهو فيها، حتّى أرش الخدش»([45]).

دلالة مجموع هذه الأحاديث بمختلف طوائفها

بالجملة هذه الروايات في مجموعها كاشفة وبشكلٍ صريح عن مرجعية أهل البيت^، فهم امتداد الرسالة والإسلام، وإن حجِّيتهم مقترنة بحجّية القرآن والحديث النبوي.

بل إن معية حجّية القرآن مع حجّية العترة^ يستشفّ منها بالجملة أن أقوالهم وفتاواهم طريقها القرآن وحديث النبي الأكرم‘ بشكلٍ حسّي، وليس بالحدس والتخمين، كما يستشفّ منها أن أحاديثهم مطابقةٌ للمعطى الواقعي الشرعي، فأبواب الظنّ والشكّ مُوصَدةٌ عنهم، وليس لديهم سوى القطع، وهو ما يعطيهم الحجّية التشريعية، وليس فقط المصدرية. فطريقهم إلى السنّة قطعية؛ لأنهم توارثوها أباً عن جدّ. هذا بالاضافة إلى ما تعنيه هذه الروايات من أعلميّتهم بالشريعة. بل إن مجموع هذه الأحاديث تنطق بأنهم الأمناء على الدين، الحافظون له، المبلغون إيّاه للناس على أكمل وجه؛ كونهم رواة أمناء للنصوص الشرعية، وحفظة لها… وهم الواعون لمضامينه؛ لأنهم أخذوها بالوراثة عن رسول الله‘، ومبيِّنون له دون خطأ أو اشتباه، فلا مجال للرأي والاجتهاد في أقوالهم البتّة.

النتيجة

من مجموع الأدلة العقلية والنقلية القرآنية والروائية تبين أن مرجعية أئمّة أهل البيت^ أمرٌ ثابت. كما أن الروايات المتعددة والصادرة عنهم، والتي يكشفون فيها عن أنّ كل ما لديهم هو علمٌ علمهم إيّاه رسول الله‘، من خلال الكتب التي توارثوها، واختصّوا بها دون بقية الخلق بعد رسول الله‘. ثمّ إن الواقع التاريخي شهد لهم بالأعلمية، والصفات الأخلاقية والعلمية التي لم يبلغها أحدٌ غيرهم بعد رسول الله‘. كل هذا يتضافر في الدلالة على مرجعيّتهم. وحين تثبت مرجعيّتهم فإن أقوالهم والروايات الصادرة عنهم ـ متى ما ثبت صحّة انتسابها إليهم، وصدورها عنهم، سواء على مبنى الوثوق أو الوثاقة ـ تصبح حجّةً دينية ومعرفية.

الهوامش

(*) عضو الهيئة العلميّة في جامعة طهران، ومسؤول الدراسات والتحقيق في كلِّية الإلهيّات والمعارف الإسلاميّة. باحثٌ متخصِّصٌ في تاريخ الحديث الإسلامي. من إيران.

(**) أستاذٌ مساعد في قسم علوم القرآن، كلِّية الإلهيّات والمعارف الإسلاميّة في جامعة طهران.

(***) باحثة متخصّصة في علوم القرآن والحديث، من المغرب.

([1]) كمال الحيدري، شرح الحلقة الثالثة، القسم 1، الجزء 2.

([2]) المحقق الإصفهاني، بحوث في علم الأصول: 22.

([3]) الرواشح: ٤٠.

([4]) انظر: السيد المرتضى علم الهدى، جوابات المسائل الموصليات: 48؛ رسائل السيد المرتضی 1:  20 ـ 73؛ ابن إدريس الحلي، السرائر 1: 18.

([5]) الوافي: 1: 22، المقدّمة الثانية، توقيف في تنويع الحديث المعتبر.

([6]) البروجردي، نهاية التقرير 2: 227؛ الهمداني، مصباح الفقيه 2: 15؛ الخميني، كتاب البيع 2: 468.

([7]) العلاّمة الحلّي، خلاصة الأقوال 1: 43.

([8]) مفردات الراغب: 29 (أهل).

([9]) الرازي، التفسير الكبير 8: 85.

([10]) الطباطبائي، تفسير الميزان 16: 311.

([11]) الألباني، صحيح سنن الترمذي: 3: 306، ح3205. وذكره الألباني في نفس المصدر، وقال عنه أيضاً: (صحيح). انظر سنن الترمذي 3: 543.

([12]) ابن تيمية، رسالة فضل أهل البيت وحقوقهم: 22، تعليق: أبي تراب الظاهري.

([13]) انظر: صحيح مسلم 4: 1883؛ مسند أحمد 1: 285، وفي مواضع أخرى من نفس الجزء؛ الترمذي، الجامع الصحيح 5: 351 ـ 352، 663)؛ الإحسان بترتيب صحيح ابن حِبّان 9: 61، ح6937؛ العقد الفريد 4: 311؛ الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين 2: 416، 133، 146؛ الطبراني، المعجم الكبير 3: 46، ح2662؛ المعجم الصغير 1: 135. هذا بالإضافة إلى كتب التاريخ والسير، كالاستيعاب في معرفة الفضائل الصحابة 2: 66 ـ 67؛ أسد الغابة في معرفة الصحابة 2: 10، 13، 19؛ فضائل الصحابة 2: 66؛ سير أعلام النبلاء 2: 122. كذلك نقلته كتب الحديث الأخرى، كالبداية والنهاية 7: 338؛ تاريخ الإسلام 3: 44، 95 ـ 96؛ تهذيب التهذيب 2: 297؛ الصواعق المحرقة: 139؛ النسائي، خصائص أمير المؤمنين: 37، 49؛ أنساب الأشراف 2: 104؛ وكذلك نقله ابن تيميّة في منهاجه 3: 4، 20؛ والسيوطي في الإتقان 4: 277؛ وفي الدرّ المنثور 5: 198؛ تاريخ مدينة دمشق 13: 205. ولم تقتصر المصادر التي نقلت لنا نزول آية التطهير في أصحاب الكساء، بل شملت كذلك كتب التفسير، كـ: الجصّاص، أحكام القرآن 3: 529؛ الكشّاف 1: 369؛ معالم التنـزيل 4: 183، ح3796؛ تفسير الثعلبي 8: 42؛ الواحدي، أسباب النـزول: 203؛ ابن عربي، أحكام القرآن 3: 1538؛ وجلّ كتب المناقب وغيرها. هذا، عدا عن المصادر الشيعية، سواء في الحديث أو في التاريخ والتفسير، ونذكر منها: تفسير فرات الكوفي: 121؛ تفسير الحبري: 297 ـ 311؛ التبيان 8: 339؛ تفسير مجمع البيان 8: 462 ـ 463؛ تفسير الميزان 16: 311؛ أصول الكافي 1: 286 ـ 287؛ كمال الدين وتمام النعمة 1: 278؛ سعد السعود: 106 ـ 107؛ ابن البطريق، العمدة: 31 ـ 46.

([14]) ابن حجر الهيثمي، الصواعق المحرقة 2: 585.

([15]) تاريخ اليعقوبي 2: 320. وكذلك نقله ابن حجر الهيثمي في الصواعق المحرقة.

([16]) الألباني، حول المهدي (مقالٌ نشر في مجلة التمدُّن الإسلامي: 644، دمشق، ٢٢ ذي القعدة ١٣٧١هـ.

([17]) يراجع: العلاّمة الحلّي، مناهج اليقين: 439؛ كشف المراد: 325، الفصل الثاني، المسألة الثانية عشرة، ط قم، 1407؛ الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية: 156 ـ 158؛ رسائل المرتضى 2: 309؛ 3: 20؛ الذخيرة : 409 وما بعدها؛ الفاضل المقداد، اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية: 325؛ الخواجه نصير الدين الطوسي، تحصيل المحصل: 474؛ الإسترآبادي، شرح الفصول النصيرية: 273 ـ 240؛ المظفَّر، عقائد الإمامية: 65.

([18]) الراغب الإصفهاني، مفردات القرآن الكريم: 156.

([19]) النصّ الإلهي (ينظر: حسن زاده الآملي، الجعل: 10؛ محمد علي صنقور، المعجم الأصولي 1: 604 ـ 607.

([20]) جوادي الآملي، تسنيم 3 (عربي): 5 ـ 15؛ الفخر الرازي، المطالب العالية من المعارف الإلهية 8: 105 ـ 107.

([21]) جوادي الآملي، الهداية في القرآن (بالفارسي): 47.

([22]) النسائي، خصائص أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب: 71، ح79، تحقيق: الداني بن منير آل زهوي. وفي الحاشية يقول الزهوي: إسناد صحيح بالمتابعات. والحديث أخرجه أحمد والبزّار والحاكم والطبراني وابن أبي عاصم والخوارزمي.

والذهبي صحَّح الحديث، وذلك نقلاً عن ابن كثير الذي روى نفس الحديث، وقال في آخره: قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي: وهذا حديث صحيح. (البداية والنهاية 7: 668).

وقال الإمام الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين، بعد أن نقل الحديث كاملاً بنفس العبارات والصيغة: هذا حديثٌ صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. (المستدرك على الصحيحين 3: 109).

والألباني صحَّح الحديث، فتحت عنوان (حديث العترة وبعض طرقه): الحديث 1761: يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب الله؛ وعترتي…. قلتُ: إن الحديث صحيح، فإن له شاهداً من حديث زيد بن الأرقم، وله شاهد آخر قويّ من حديث عليّ مرفوعاً بلفظ، أخرجه الطحاوي. (الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة 4: 355، بعد أن ينقل أصل الحديث في رقم 1761).

([23]) صحيح مسلم 4: 212، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عليّ بن أبي طالب؛ صحيح البخاري، ج3، ح4416، كتاب المغازي، باب غزوة تبوك؛ مسند أحمد 3: 418.

([24]) الألوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، في تفسيره للآية 35.

([25]) مسند أحمد بن حنبل 1: 109.

([26]) الصفّار، بصائر الدرجات: 143.

([27]) المصدر السابق: 325.

([28]) الكليني، الكافي 1: 271.

([29]) المصدر السابق 3: 530

([30]) الطوسي، الاستبصار 2: 335.

([31]) حيدر حبّ الله، نظريّة السنّة، أحاديث التفويض.

([32]) المحقق الحلي، شرائع الإسلام: 251 ـ 254

([33]) محمد السند، الإمامة الإلهية 2: 243.

([34]) بصائر الدرجات: 388، باب 6، ح2.

[35])) بصائر الدرجات: 388، باب 6، ح4، 5.

([36]) المصدر السابق: 388، باب 6، ح1.

([37]) بحار الأنوار 2: 172.

([38]) الكافي 1: 62.

([39]) بصائر الدرجات: 301، باب 14، ح9.

([40]) بحار الأنوار 2: 172.

([41]) بحار الأنوار 2: 174.

([42]) بصائر الدرجات: 299 ـ 300، باب 14، ح1، 4، 6.

([43]) الكافي 1: 53، ح14.

([44]) جامع أحاديث الشيعة 1: 9.

([45]) الكافي 1: 242.