مستمسك السيد الحكيم

5 يوليو 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬849 زيارة

مستمسك السيد الحكيم

تقريرٌ عن ظروف طباعته والاعتراضات عليه

الشيخ رسول جعفريان(*)

ترجمة ونقد وتعليق: عماد الهلالي([1])

 

1ـ في جمادى الأولى من عام 1368هـ نشر المجلد الأول من كتاب «مستمسك العروة الوثقى»([2])، تأليف المرجع الديني السيد محسن الحكيم(1306 ـ 27 ربيع 1390). وهو شرحٌ لكتاب «العروة الوثقى»، للسيد محمد كاظم اليزدي. وقد تسبب بحالةٍ من الإرباك لدى البعض في الحوزة العلمية في النجف، واتُّهم بسببه السيد الحكيم بأنه ذو ميولٍ انحرافية. وهذا الاتّهام شبيهٌ بتلك التهم التي تنتشر بين حين وآخر في إيران، من قبيل: الوصم بالميول الوهابية والسنّية. وقد استند هؤلاء في اتّهامهم ـ حسب ما يدَّعون ـ إلى بعض الفتاوى التي اشتمل عليها هذا الكتاب.

2ـ ينبغي أن يُقال: إن الحوزة العلميّة في النجف بنحوٍ عام عاشت حالة من الازدواجية؛ فمن جهة كانت مركزاً يحتضن مختلف الآراء والأفكار على تنوُّعها، حتى يُتصوَّر أن لها القدرة على استيعاب الاتجاهات الفكرية المتنوِّعة؛ ومن جهةٍ أخرى، وفي ظروف خاصّة، تتعامل بقسوةٍ مع بعض الحالات، ومنها محلّ بحثنا، وربما يهاجم فيها أفرادٌ أو تيارات، وأحياناً بدوافع غير علمية.

والنموذج المرتبط بكتاب السيد الحكيم تجربة مثيرة صدرت عن علماء كبار، ومجهولي الهوية غالباً، ثمّ خمدت ونامت بعد برهةٍ قصيرة من الزمن، ولم تستمرّ.

تحليل تلك الظروف صعبٌ للغاية، لكنّنا نسعى إلى الخوض في هذه التجربة الشائكة.

3ـ في تلك الفترة نشرت كراسة من ثماني صفحات، وباللغتين العربية والفارسية، حملت عنوان: (أباطيل الحكيم)، وبعنوان فرعي هو «إعلان الحقيقة»، أو «حقيقت روشن» بالفارسية. ويبدو من الغلاف أن هذه الكراسة هي قسم من كتاب يحمل عنوان: (الحق يدمغ الباطل). ولم يذكر صاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة [الشيخ آغا بزرگ الطهراني](1970م) هذا الكتاب. ومن هنا يبدو أن هذا الكرّاس على أقل تقدير لم يُنْشَر. وكذلك لم يذكر في الذريعة عنوان (أباطيل الحكيم). وربما لم تقع هذه الكراسة أو الكتاب في يد آغا بزرگ، أو لم يَرَ أن هناك مصلحة في ذكره([3]). يقول المدرّس الكيلاني، الذي كان مقيماً في النجف آنذاك: حينما نشر كتاب المستمسك للسيد الحكيم قام بعض مساعديه بطباعة وتوزيع الكرّاس لتشويهه وذمّه. وكلّ ذلك ناشئٌ من الحسد؛ لأن كل مَنْ له شيءٌ من المعرفة يعلم بأنه متَّفق عليه في الفقه([4]).

4ـ لا يُعرف مؤلِّفو هذه الكراسة (الرسالة) على وجه الدقّة، لكنْ كما ورد في صفحتها الأخيرة بأن هذه الكراسة مؤلَّفة من قبل الهيئة العلمية في النجف الأشرف. والمشهور أن مؤلِّفها هو شخصٌ يُدْعى الشيخ عبد الكريم الزنجاني(1968م)، كان مقيماً في النجف([5]). وفي هذا المجال يحتاج الأمر إلى بحثٍ وتنقيب بنحوٍ أكبر. وقد ذكرت هذه الكراسة 15 مورداً من فتاوى السيد الحكيم، مشفوعةً بترجمة فارسية. والسبب وراء الترجمة الفارسية واضح، وهو أن يتعرَّف الناطقون بالفارسية في إيران على الانحرافات الموجودة في هذا الكتاب، بحَسَب رأي المؤلِّف. وقد طبعت هذه الكرّاسة ونشرت، وتمّ إرسالها إلى مختلف المدن الإيرانية، ومنها النسخة التي حصلنا عليها. وهذه النسخة التي بين أيدينا مرسَلَةٌ بالبريد الداخلي إلى تبريز، وتحمل طابعاً إيرانياً. والموارد التي يذكرها المؤلِّف على أنها انحرافية لم يتعرّض لبحثها ونقدها نقداً استدلاليّاً؛ لإبطالها، بل ترك الحكم عليها للقارئ، وكأنّه اعتبر أن مخالفتها للحقّ يعدّ أمراً بديهياً.

5ـ البيان الختامي كان واضحاً وحادّاً وشديد اللهجة، وباللغتين العربية والفارسية، جاء فيه: «ليس خافياً على عامّة المسلمين، فضلاً عن العلماء، أن الفتاوى الصادرة عن السيد محسن الحكيم تمثِّل بدعةً في الشريعة الإسلامية المقدَّسة، وإنكاراً لضروريّات شريعة سيّد المرسلين|، وتؤدّي إلى الشكّ في أصول الدين، وتساعد على نشر المذهب الوهّابي. وعليه يجب على عموم المسلمين، وعلى قادتهم، أن يقتلعوا جذور المفسدين، ولا يسمحوا لأمثال دجّال آخر الزمان لكي يُضلّ المسلمين، ويغيِّر الدين الإسلامي المقدَّس. ولو كفر كلّ مَنْ في الأرض فإن الله غنيٌّ عن الجاهلين، ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. الهيئة العلمية في النجف».

وجاء خلف غلاف الكراسة: «لم نقصد من طباعة ونشر هذه الكراسة سوى رضا ربّ العالمين، وإدخال السرور على الإمام الحجّة عجّل الله فرجه، وخدمة الدين الإسلامي المقدّس، وتعريف الأخوة المسلمين بالحقيقة الواضحة. والآن أيّها الأخ المسلم، تقع عليك ـ بعد تحرّي الحقيقة ـ مسؤوليّة توعية سائر الإخوة في الدين، وتعريفهم بمسؤوليّاتهم الشرعية، ولا يضيع أجر العمل الصالح عند الله. والسلام على مَنْ اتَّبع الهدى. هيئة نشر الكتاب».

6ـ بعد نشر هذه الكرّاسة، التي يبدو أن الدافع الذي يقف وراء تأليفها هو التعصُّب، بدأت عملية التصدّي لها. وأوّل مَنْ ردَّ عليها هو العلاّمة عبد الحسين الأميني(1390هـ / 1971م)، وهو معروفٌ بأنه في أسمى درجات الولاية والتشيُّع. وقد اعتبر كتابة هذه الكراسة عملاً غير صحيح، وليس لدينا اطلاع على النصّ المطبوع للبيان الصادر عن الأميني، لكنّ نصّ هذا البيان ورد في مصدر خطّي. ويبدو من ظاهر النصّ أنه قد طُبع، وهناك مقدّمةٌ بقلم شخصٍ آخر للتعريف بهذا البيان([6]). وقد ذكر نصّ هذا البيان العلاّمة الشيخ مرتضى المدرس الكيلاني في كتابه تاريخ النجف (مخطوط، ج1، ص 213)، وقد جاء في بداية المخطوط: «بما أنّ كراس (يعني أباطيل الحكيم) تمّ نشره، فقد كتب مؤلِّف الغدير ردّاً عليه، وبعد ذلك جمع أوراقه المطبوعة».

 

بيان العلاّمة الأميني دفاعاً عن السيد الحكيم

دفاع عن الإسلام المقدّس، عن المركز الديني، عن الشعب والوطن والعروبة، بقلم المصلح الناصح، المجاهد، المدافع الحسر، شيخنا العلاّمة الحجة الأكبر الأميني صاحب الغدير الفخم، كلمة فيها صلاح العلم والدين، صلاح الشعب العراقي النبيل، رفعها مَنْ عرفته الأمّة؛ لولائه الخالص للبيت الهاشمي الرفيع، إلى رجالات الملّة، إلى البلاط الهاشمي، إلى أصحاب الفخامة والمعالي، إلى أعيان مجلس الأمّة.

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُو الأَلْبَابِ﴾.

لم يكن في الهواجس أن يأتي على الأمّة يوم يحمل البريد إلى الحواضر الإسلامية صحيفة وقيعة شائنة في عَلَمٍ من الأعلام الدين، وزعيم من زعماء الإسلام، كسماحة آية الله السيد محسن الحكيم، مشحونة بالأفائك والقذائف والطامّات، يستاء لها كلّ رجل دينٍ غيور، وكلّ سياسي محنَّك يسعى وراء أمن البلاد وصالح العباد.

أفي مثل هذا اليوم العصيب، والأمّة الإسلامية في حاجةٍ ماسّة إلى إكبار عظمائها، وتشييد مكانة حماة الدين الحنيف تجاه النَّعَرات الحاسمة لأصول فضائل الإنسانية، القاضية على كيان العروبة، قبل كيان الإسلام المقدّس، يحقّ علينا أن نسكت عن هذه الجنايات، ونمرّ بها كراماً، وهي تفرِّق صفوف العلم والدين وأهله، وتشتّت شمل الأمّة، وتضعضع قاعدة مركز الدين، وتحول بين الملأ وبين رجالاته الصالحين المصلحين؟! ونحن على ثقةٍ من أن الحكومة الهاشمية المحبوبة أشدّ اهتماماً وعناية بالأمر من الأهلين و… قبل أن…([7]) إلقاء القبض على المجرم الخطر، ناشر الصحيفة السوداء.

ألم تكن تلكم الحروب الداهية أمس دون استقلال الوطن وحرّية الشعب العراقي تحت راية أعلام الدين؟

ألم تكن تلكم الجيوش الحيّة المحروسة يقودها الأبطال المجاهدون من حملة العلم الناجع في طيات العراق؟

هل يحسب…([8]) صفو الجوّ في اليوم والغد، وهذه السياسة العالمية تهددنا بيوم نحسٍ مستمرّ، وهذه المراكز الحساسة الإسلامية احتلّت بأيدي أعداء الدين الحنيف، أعداء الاستقلال والحرية والعروبة؟

وهل يزعم الدهماء، أن هؤلاء القادة السادة زعماء الدين بعدما اضطهدوا وهُتكوا وحُطَّتْ أقدارهم وقطِّعَتْ أوصال مكانتهم بين ظهرانيّ الأمّة تتأتّى بهم حياة الشعب النبيل، ويتحقّق أمل أبناء العروبة، ورقيّ الحزب الوطني، وتقدّم الجبهة الشعبية، وتدعيم قواعد الاستقلال، وإنقاذ المجتمع الديني من الويلات والنهاية المدلهمّة، ونجاة الملأ من سطوة الاستعمار الغاشم؟! لا واللهِ هذا لا يكون.

دَعْ الدين. هلاّ حُكم في طقوس البشرية ودساتير الأمم الآخرين لهتك ناموس أمّةٍ كبيرة بالوقيعة في سيّدها؟! هل تستدعي سياسة البلاد ونظامها الوطني وأمنها العامّ قطع هذه الأيدي الأثيمة وأخذ صاحبها بما جنَتْ واقترفت وإبقاء السلام والوئام.

يا رجال الأمة، أدركوا أمّة محمّد نبيّ العظمة، إنْ كنتم أحراراً كما تدَّعون، قبل أن تجدوها حائرة بائرة، ضحية الأطماع والميول والشهوات، ضحية الاستعباد والاستيصال، وقَطِّعوا عنها أيدي أناس دجّالين، ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾، و﴿تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. خُذُوهم أخذ عزيزٍ مقتدر، ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾، ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾، و﴿إِنْ لاَ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾، ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ﴾، والسلام على مَنْ اتَّبع الهدى.

29 / 12 / 1370هـ

عبد الحسين أحمد الأميني. انتهى([9]).

 

رسالة (رفع الشُّبْهة ودفع التُّهْمة)

والرسالة الأخرى التي كتبت ونُشرت ردّاً على رسالة أباطيل الحكيم هي رسالة (رفع الشبهة ودفع التهمة)، للحاج السيد علي مولانا(1320 ـ 1392هـ)، وهو من علماء تبريز([10]). وهذه الرسالة نُشرت في الثاني والعشرين من ذي القعدة سنة 1375هـ، يعني بعد مضي سبع سنوات من نشر الأباطيل. ويبدو من مقدّمتها أن مؤلّفها قد وقعت بيده تلك الرسالة متأخّرة. ونستوحي من المقدمة أن الرسالة (الكراسة) كانت ما تزال تنشر حين ردّ عليها السيد علي مولانا، وأنها قد ترجمت في مدينة تبريز الإيرانية، وتم إرسالها إلى البيوت بالبريد. وقد جاء في المقدّمة: «قبل عدة أيام عرض عليَّ بعض المؤمنين من التجار الخيِّرين حين التقيتُ بهم كرّاسة، مكتوب على غلافها بخطٍّ كبير: أباطيل الحكيم [كذا]. وقد تناولت الكراسة وقرأتها كلّها، من أولها إلى آخرها، ورأيت أنها تشتمل على نفس تلك الافتراءات الواهية التي أطلقها أحد المبعدين عن إيران إلى العراق على آية الله الحكيم، ونفس تلك الأكاذيب التي لا أساس لها التي حاكها عميلٌ للأجنبيّ مقيمٌ في النجف([11])، متستِّر تحت عنوان الهيئة العلميّة، وأرسلت إلى مدينة تبريز بواسطة شخصٍ يتاجر بالحجّ»([12]).

والأمر اللافت للنظر هو أنه من المحتمل أن السيد مولانا قد اطّلع؛ استناداً إلى مصادره الخاصّة، على كيفية إرسال هذه الرسالة، وعرف مَنْ الذي قام بإيصالها من النجف إلى تبريز، حيث ترجمت هناك ووُزِّعت، وأنها لم تترجم وتطبع في النجف. وعبارته كالتالي: «في هذه الأيام قام بعض المفسدين المتلبِّسين بلباس أهل العلم، ممَّنْ هو على علاقةٍ ببعض التجّار، بترجمة تلك الرسالة، وقام بتوزيعها عن طريق البريد الداخلي، وإيصالها إلى المتاجر والمحلات. ولأجل إضلال العوام وقّع في نهايتها تحت عنوان: الهيئة العلمية في النجف؛ ليوهم أنها مطبوعةٌ هناك، بينما نرى أن سعر هذه الرسالة المدوَّن عليها هو 2 ريال، وقد غفل عن أن الريال هو عملة إيران، لا العراق»([13]).

ولكنْ بما أن العلاّمة الأميني وغيره في النجف قد اطَّلعوا على نصّ الرسالة المطبوعة، فمن المستبعد أنها طُبعت في إيران.

والنقطة الأخرى التي يشير إليها السيد مولانا هي قوله: «كما سمعنا فإن المرحوم آية الله الكبرى الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (1954م) كتب جواباً على ذلك، وكذلك قام بعض فضلاء بغداد بالردّ على هذه الافتراءات نثراً ونظماً».

ومع ذلك فقد طلب تجّار تبريز من السيد مولانا أن يكتب شيئاً يوضِّح الأمر، وهو بدوره يقول: «اضطررت للنزول عند طلبهم، والاستجابة لأمرهم».

والأمر الآخر الذي يشير إليه المؤلِّف هو أنه إذا كان السيد الحكيم فعلاً قد أنكر الضروري من ضروريات الدين فلماذا سكت علماء النجف الكبار عن هذا الأمر، ولم يصدر سوى كرّاس، وبدون ذكر اسم مؤلفه. ويشير أيضاً إلى أن «الكتاب المستطاب مستمسك العروة الوثقى من الكتب النفيسة المؤلَّفة في الفقه الجعفري، وقد صدر منه حتّى الآن سبعة أجزاء».

وبعد أن قام السيد مولانا بتطبيق بعض الفتاوى التي اعتُرِض عليها مع الفتاوى المذكورة في كتب الفقهاء المتقدِّمين قال: «كان ينبغي على هؤلاء المفسدين على أقلّ تقدير أن يراجعوا الكتب الفقهية بالفروع التي عنونها العلماء، ثمّ يفتروا على الحكيم».

ثمّ يؤكِّد قائلاً: «إذا كان الحكيم ـ والعياذ بالله ـ منكراً لضروري الدين، ومن الواضح أن منكر الضروري كافرٌ قطعاً، فلماذا ما زال علماء النجف والآيات العظام على علاقةٍ به، من قبيل: آية الله الشيرازي، والشاهرودي، والاصطهباناتي، والخوئي، وغيرهم، ويسمحون له بالدخول إلى الحَرَم الشريف وسائر المساجد»([14]).

ثم يطابق بعض فتاوى السيد الحكيم مع الكتب الفقهية المتقدِّمة، ويقول: «إن تأييدنا ليس لشخص الحكيم، بل للحكيم النوعيّ. وقد كتبت هذه الأسطر من أجل رفع التُّهمة عن الحكيم، وتقديم النصيحة للأخوة المسلمين، نزولاً على إصرار بعض المؤمنين».

وقد جاء في ختام الكرّاسة (الرسالة): «طبع منها في الأسبوع الماضي 3 آلاف نسخة». وبسبب عدم كفاية العدد والطلب المتزايد من قبل المؤمنين طبعت مرّة أخرى 3 آلاف نسخة منها»([15]).

 

الهوامش

(*) باحثٌ متخصِّص في مجال التاريخ. من إيران.

([1]) أتقدم بجزيل الشكر والعرفان للأستاذ محمد رضا القاموسي، المتخصِّص في الأدب والتراث النجفي، على الجهود التي بذلها حول هذا المقال، والتعليقات والمعلومات القيِّمة التي زوَّدني بها، فله محبتي وامتناني. [عماد الهلالي].

([2]) صدر المجلّد الأول من كتاب (مستمسك العروة الوثقى)، للسيد محسن الحكيم، عام 1368هـ، عن المطبعة المرتضوية في النجف. وصدرت أجزاؤه الأخرى فيما بعد، وقد بلغت 14 جزءاً. ويُعَدّ الكتاب أوّل شرح استدلالي لمسائل العروة الوثقى (للسيد اليزدي)، استطاع بما احتواه من آراء رصينة، وبيان واضح، أن يأخذ مكانته في الوسط العلمي، واعتمده الباحثون مصدراً أوّلياً عند تعرّضهم لآراء الإمامية في المسائل الفقهية.

وبدون شَكٍّ فإن صدوره عزّز يومها من مكانة السيد الحكيم، ولفت الأنظار إليه، وبخاصّة أنه كان متصدِّياً لمرجعيةٍ كانت تتّسع تدريجياً. وكلنا يعرف أن التصدّي للمرجعية في الوسط الشيعي مسألة تستدعي تجاذبات ومماحكات بادئ الأمر لتمتدّ فيما بعد أو تنحسر.

([3]) هذا القول أقرب إلى الواقع، حيث إنّ الشيخ آغا بزرگ هو صاحب الفنّ في هذا المجال، ومن المستبعد من الشيخ أن لا يطّلع على الكرّاس.

([4]) عام 1370هـ، وبعد وفاة الشيخ محمد رضا ياسين، بدأت مرجعية السيد الحكيم بالاتّساع، مما أثار حفيظة بعضهم، فصدر يومها منشور بعنوان: (إعلان الحقيقة، المذهب الوهّابي وإنكار ضروري الدين في فتاوى السيد محسن الحكيم)، تناول بعض ما جاء في المستمسك من آراء، هي كما يزعم كاتب المنشور (بدعة في الدين، وإنكار للضروري في شريعة سيد المرسلين، وتشكيك في أصول الدين، وترويج لمذهب الوهّابيين…، إلخ). وقد توجَّهت أصابع الاتّهام في كتابته ونشره حينها إلى الشيخ عبد الكريم الزنجاني. ويقول الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي: إن الحكومة العراقية كانت وراء هذا العمل، محاولةً منها لحمل الناس على العدول عن التوجُّه إلى السيد الحكيم. (بتصرُّف عن: هكذا قرأتهم 1: 240، طبعة بيروت)، مع ملاحظة أن الزنجاني كانت له علاقة متينة بالحكومة.

وقد ذكر الفاضل الشيخ شريف، نجل الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، أن الزنجاني سلَّمه رزمة من المنشور ليوصلها إلى والده، قائلاً له بمباهاة: (إن يد العناية الإلهية هي التي كتبت هذا!!)، مؤكِّداً ان الشيخ كاشف الغطاء لم يكن له أيّ يدٍ في الأمر، كما أشيع يومها.

([5]) وهذا الأقرب إلى الواقع. (للمزيد حول هذا الموضوع انظر: من أوراق الشيخ محمد رضا المظفَّر: 114 ـ 117، إعداد وتقديم: محمد رضا القاموسي، المكتبة العصرية، بغداد، 2014م).

([6]) انبرى للردّ على هذا المنشور اثنان من علماء النجف آنذاك:

أوّلهما: صاحب الغدير العلاّمة عبد الحسين الأميني بمنشور (مثبت في نصّ جعفريان).

وثانيهما: السيد محمد تقي الحكيم، في مقال نُشر في جريدة الهاتف، بحسب ما ذكره الفضلي. (المصدر السابق).

([7]) كلمتان غير مقروءتان.

([8]) كلمة غير مقروءة (كلمة شبيهة بالمفضل).

([9]) بعد مضيّ شهرين من ذلك صدر منشورٌ آخر بعنوان (فتاوى السيد محسن الحكيم تخالف الكتاب والسنّة والإجماع)، وبتوقيع الهيئة العلمية أيضاً، وفيه ردّ كاتبه على منشور الأميني، ونَعَتَهُ بأنه (من المعمَّمين الذين يعدّون أنفسهم من أهل العلم، وليس لهم منه قلامة ظفر)، وأخذ عليه بعض الأمور، ضارباً على الوتر نفسه في التعريض بالمستمسك، ومؤلِّفه السيد الحكيم.

([10]) راجع حوله: مفاخر أذربيجان 5: 2857 ـ 2862.

([11]) يقصد الشيخ عبد الكريم الزنجاني(1304 ـ 1388هـ). والشيخ عبد الكريم بن محمد رضا الزنجاني من علماء النجف، ومن تلامذة السيد كاظم اليزدي(1337هـ) المجازين منه بالاجتهاد ـ كما في بعض المصادر ـ، سافر إلى عددٍ من الدول العربية والإسلامية، والتقى أعلامها وملوكها، وحظي باهتمامهم. (راجع: الزركلي، الأعلام 4: 26، ط5؛ مير بصري، أعلام الأدب في العراق الحديث 2: 342).

والزنجاني شخصية يكتنف سيرتها الغموض، تضاربت الآراء حولها، وتباينت أطر التقويم لها:

1ـ فأسبغ عليها بعضهم من كلمات الثناء ما لا مزيد عليه، وعدّوه من رموز الإصلاح الديني، ورجال التجديد (انظر: الناهي، دراسات أدبية 1: 70؛ عادل رؤوف، عراق بلا قيادة: 181 ـ 147؛ عادل رؤوف، محمد باقر الصدر بين دكتاتوريتين: 268؛ الفتلاوي، المنتخب: 272).

2ـ واتّهمها بعض آخر بالعمالة (عزّ الدين الجزائري: 377؛ تاريخ القزويني 17: 198. ويذكر الشيخ موسى العصامي في مذكراته المخطوطة أن الشيخ الزنجاني زوّر إجازة اجتهاده)، والجهل والتطفل على العلم (مجلة البذرة الصادرة في مدينة النجف، العدد 1، السنة 3، عدد خاصّ بابن سينا، صدر عام 1952م).

3ـ وتجاهله فريقٌ ثالث، فلم يترجموا له في موسوعاتهم ـ مع شهرته في محيطه ـ، أمثال: الشيخ آغا بزرگ الطهراني في كتابه (النقباء)، وحرز الدين في (معارف الرجال). وفي ذلك أكثر من دلالة.

وقد ذكر السيد محمد علي الروضاتي(2012م) أن الشيخ الزنجاني كان ساقطاً عن أعين المراجع والفضلاء كافّة يوم زار النجف عام 1371هـ (تكملة طبقات أعلام الشيعة: 515).

ولربما كان لمواقف الزنجاني السياسية إبّان الاحتلال البريطاني للعراق، وعلاقته الوثيقة بساسة العراق والبلاط الملكي، وأخيراً مواقفه المناوئة لمرجعيّة السيد محسن الحكيم، ومشاركته في إصدار المنشورات في معركة (المستمسك)، دورٌ في إثارة غبار الشكّ حوله، وتسديد التُّهَم نحوه. (للمزيد عن دور الشيخ عبد الكريم الزنجاني انظر: الهوامش التي كتبها سماحة الأستاذ محمد رضا القاموسي على كتاب: من أوراق الشيخ محمد رضا المظفّر(1904م/1322هـ ـ 1964م/1383هـ): 113 ـ 114، من منشورات المكتبة العصرية في بغداد، سنة 2014م).

([12]) أي يبيع ويشتري فاتورات الحجّ إلى بيت الله الحرام.

([13]) كانت عملة العراق آنذاك تعرف بالفلس والدرهم.

([14]) رسالة رفع الشبهة ودفع التُّهمة: 6.

([15]) في خاتمة المقال أودّ الإشارة إلى بعض الملاحظات عن مقال الدكتور رسول جعفريان المحترم، منها:

1ـ نسبة الازدواجية إلى حوزة النجف، وبخاصة في موقفها من المستمسك، فيه نظر، فلا يعني صدور منشور أو كتاب باسم الهيئة العلمية أنّه يمثّل وجهة نظر عامّة، وكلّنا نعلم أن لا أحد يمكنه منع آخر من الحديث باسم الحوزة التي لا تملك مقوّمات (المؤسَّساتية) وحدودها.

2ـ وصف ما صدر عن المستمسك أنه كان من (علماء كبار مجهولي الهوية غالباً). ولا أدري كيف تأتّى له وصفهم بالعلماء الكبار، وهم مجهولون بالنسبة إليه؟!

3ـ بالنسبة إلى موقف صاحب الذريعة أعتقد أنّه لم يَرَ مصلحةً في ما ذكره، وقد نأى بنفسه عن ترجمة الشيخ عبد الكريم الزنجاني، مع أنه من معاصريه.

4ـ ما نقله الشيخ رسول جعفريان، نقلاً عن الشيخ مرتضى الكيلاني، من أن بعض مساعدي الحكيم قام بنشر كرّاس لتشويهه، فيه خلطٌ. والصحيح أن نقول: إنّه بعض مناوئي الحكيم.

5ـ قولك في الهامش: إن من المستبعد على الشيخ صاحب الذريعة أنه لم يطّلع على الكرّاس، لا محلّ له كما أعتقد، فلم يكن المطبوع يومها كرّاساً، وإن ما صدر هو عبارةٌ عن منشورٍ من صفحة واحدة، وليس من منهج الذريعة ذكر مثل هذه الإصدارات.

6ـ أحتمل أن الكراس الصادر بالعربية والفارسية، والذي عوّل عليه جعفريان، إنما أرسل إلى تبريز (مستلاًّ من كتاب الحقّ يدمغ الباطل)؛ لرجوع كثير من أهالي تبريز في التقليد إلى السيد الحكيم، ولوجود العلاّمة الشهيد السيد محمد علي القاضي التبريزي بينهم، وهو من مؤيِّدي مرجعية السيد الحكيم، وبخاصة بعد رحيل الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء.

7ـ ما أشير إليه في الفقرة السادسة من أن الأميني ردّ على هذا الكراس فيه نظرٌ. فالردّ كان على المنشور الأوّل الصادر بعد عام 1370هـ، وأعيد نشره في الكرّاس وكتاب الخالصي.

8ـ ما ذكره السيد مولانا، كما في ترجمة مقدّمته، يشير إلى أن الرسالة التي وصلته مستلّة من كتاب الحق يدمغ الباطل، ويقصد بالمبعد من إيران الشيخ محمد الخالصي، وكان قد نُفي إليها من العراق، مع والده الشيخ الامام الخالصي، على أثر الخلاف على شرعيّة المجلس التأسيسي وانتخاباته في العراق.

9ـ ما أشار إليه مولانا، من أن الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء كتب جواباً أو ردّاً على المنشور، لم يُشِرْ إليه أحدٌ. وليس في آثاره الموجودة في مكتبته شيءٌ من ذلك. غير أن نجله الشيخ شريف أكَّد لي أن والده كان مستاءً من صدور المنشور، علماً بأن علاقته لم تكن على ما يرام مع السيد الحكيم في تلكم الحقبة، ممّا دفع البعض من معاصري الأحداث إلى اتّهام الشيخ كاشف الغطاء بتأييد الزنجاني. وهو كما أحسب مجرّد ظنٍّ.