مشروع الإقتدار والثورة

27 مايو 2017
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
141 زيارة

مشروع الإقتدار والثورة

إيمان شمس الدين

ان بنية الدولة الاسلامية في ايران قامت على المشروعية والمقبولية وأسست لانتخابات حقيقية للشعب فيها دور محوري في اختيار رئيس الجمهورية والبرلمان ومجلس الشورى ومجلس الخبراء وحتى الولي الفقيه ضمن ضوابط وقواعد متشابكة ومعقدة تضمن حيوية النظام واستمراريته ومشاركة الشعب، وهو ما أخاف المستعمرين من أن تتحول منهجية الإمام في بناءالدولة إلى مرام للشعوب المحيطة، بعد أن أثبطت عزيمة هذه الشعوب بثورات شكلية لا تملك رؤية ولا قيادة بل كرست  الاستبداد وقمع الشعوب، وجاءت بديموقراطيات شكلية لا تغني ولا تسمن من جوع.

إلا أن نجاح الإمام “رض” كان بعبوره المراكمة التاريخية والتصورات المتمكنة في ذهنية الشعوب عن دور العلماء الخجول في مواجهة السلطة، والتحديات الداخلية، والتحديات المحيطة التي ربطت بين مجموع الثورات التي حدثت وأتت بحكام جدد على دبابات عسكرية وتصورات الشعوب عن الثورات ومآلاتها.

فرسم صورة جديدة لحقيقة دور ووظيفة عالم الدين والمؤسسة الدينية كونها وظيفيا يجب أن تكون في مقدمة المواجهة والرقابة لأي انحراف من قبل السلطة فهي الأجدر على تشخيص الخلل وتقويمه.

نجاح الإمام أيضا كان من خلال انطلاقه من التوحيد العملي إذ هيأ الساحات لتطبيقه ومن ثم بنى صرحا سوَّرَهُ بتفعيل دور الشعب والإنسان في البناء والتحصين والنهوض، ليكون الدور في طول إرادة الخالق وبتشريعاته وليس في عرضه ولا بتشريعات غيره.

بنى الإمام  منهجا جديدا للثورة أعاد فيه دور الإنسان و أسس قاعدته على فهم واعي للإسلام والقرآن، ورفض رغم قوة التحديات ثقافة الرضوخ والمساومة، وأحيى ثقافة الاقتدار والمكنة  والتحول لقوة ناهضة في كافة المستويات قادرة على أن تلعب دورا إقليميا تنصر من خلاله المستضعفين، حيث حول استضعافهم إلى قوة ذاتية ناهضة ودرب سواعدهم وعقولهم ليكونوا قاهرين حتى بموتهم فضلا عن حياتهم ، لتحرج أنظمة المنطقة بنموذجها رغم كل محاولات الشيطنة، ولتجبر السيد أن يقر بقوتها فيتبعه العبيد إقرارا بها كدولة إقليمية ولاعب مهم في العالم، وفق مبدأ الاحترام المتبادل واحترام الحق والسيادة.

ومن أهم نقاط الوعي في مشروع نهضة الإمام رحمه الله وثورته مقارنة مع الثورات التي حدثت مؤخرا، هو أنه لم يثر على الظلم دون امتلاكه رؤية كاملة عن الدولة وهو ما ترجمه كرؤية في كتابه الحكومة الإسلامية، بينما بعض الحركات الإسلامية اليوم التي ثارت ثم فشلت في قيادة الدولة كانت لا تملك حقيقة رؤية عن الدولة التي تريد، من جهة أخرى لم تمتلك هذه الحركات الجرأة على الانقلاب التام على النظام الفاسد وارتباطاته المشبوهة ضد الشعوب بل الأمة، بل زاوجت بين شعاراتها الاسلامية وسياساتها البراغماتية التي أبقت على مشاريع فاسدة لا تتناسب وشعاراتها، بينما الإمام طابق بين شعاراته ومشروعه للدولة من خلال تبنيه نظام جمهوري إسلامي وسلوكه عمليا وفقه مستلهما دستور الجمهورية من نصوص القرآن وسنة النبي ص واجتهاد الفقهاء، لم يساوم أعداء الأمة قيد أنملة رغم حجم الضغوط الذي مورس ضده.

وهنا يكمن الفارق الكبير بين ثورة الإمام وتحقيقها للنهضة، وبين ثورات هذا العصر وفشلها في تحقيق التغيير والنهضة، إذ أن أي ثورة لابد أن تكون أبرز نتائجها التغيير ومن ثم النهضة.

وللقضية الفلسطينية موقع خاص في نبض الإمام رحمه الله، فطالما كانت القضية الفلسطينية في ذاك الوقت معيارا لصدق أي حراك ثوري أو إصلاحي، وكان كثيرين ممن يحاولون جذب الشعوب أن يضعوا في مقدمة برنامجهم قضية فلسطين ليحققوا التفاف الشعوب حولهم، الفارق أن الإمام الخميني لم يرفع فلسطين وقدسها النابض شعارا تعبويا بعيدا عن واقع التطبيق كما فعل كثيرون، بل بمجرد سقوط الشاه قام بخطوات عملانية غير مسبوقة، أولها إغلاق السفارة الصهيونية ورفع علم فلسطين ليفتتح عوضا عنها السفارة الفلسطينية، ثم كانت الخطوة الثانية وهي دعم الحركات المقاومة في فلسطين بالمال والسلاح بل جعل دعم المستضعفين مادة في الدستور.

وكانت الخطوة الأذكى على الاطلاق هي في تخليد قضية القدس في ضمير الشعوب تخليدا تاريخيا يضمن بقاءها حية تنبض في عروق الأمة،  بجعل أخر جمعة من شهر رمضان المبارك يوما للقدس العالمي، حيث قداسة الزمان وقداسة المكان، فالزمان الجمعة من شهر رمضان والمكان هو القدس، وبذلك ضمن ديمومة حياة القضية ووضع فيها مقومات إعادة الروح في جسد الأمة الذي تحاول قوى الاستكبار إماتته بكافة الطرق.

واليوم أيضا يبرز دور إيران بشكل كبير في دعم القضية الفلسطينية، رغم كل محاولات المذهبة والتمييع التي يقوم بها الاعلام الموجه والسياسيين الأسياد وأتباعهم.

وما تمر به المنطقة من ظروف خطيرة مذهبيا، تأتي قضية القدس في يوم الجمعة الأخير لتعيد بوصلتها نحو فلسطين، وتعيد رص الصف وتزيل كل الحساسيات المذهبية ليكون الهم الأكبر هم إسلامي إنساني يوحد العدو ويوجه الأنظار نحو العدو الحقيقي للأمة.

فالإمام رحمه الله تبنى القضية الفلسطينية قولا وفعلا بل أبقاها كقضية حية نابضة حتى بعد رحيله، ليسير سلفه على نفس النهج ويكمل مسيرة بناء حضارة الإسلام.

لذلك نجد اليوم بعد إدراك أثر حركة الإمام الثورية على الميدان، وتحقيقها لانتصارات لم يسبق لها مثيل خاصة في قضية فلسطين، وفي تقديم نموذج للدولة المقتدرة القادرة على قول لا للمشروع الصهيوأمريكي في المنطقة، ارتفعت بسبب ذلك وتيرة الهجوم على الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومحاولات شيطنتها بأموال البترودولار، ومذهبتها والبكاء على الأقليات فيها بينما الدول التي تبكي على الأقليات وتدعي انتقاص حقوقها، هي ذاتها تنتهك حق الأقليات بشكل عسكري بشع دون أدنى التفات لأي مواثيق حقوقية أو قوانين دولية، ودون حتى إدانة، وأمام صمت أعمى لا يرى للإنسان قيمة، بل كل القيمة عنده تكمن في النفط والدولار.

وسيكون مسار الحركة السياسية التصعيدية في المنطقة ضد إيران مسارا تصاعديا وبوتيرة عالية، لكنه لن يستطيع عمليا تحقيق أي تقدم في هذا المجال، و أغلب المتضررين هم الشعوب التي اكتوت من نيران فتنة يعض الأنظمة في منطقتنا، لا لشيء إلا لتحقيق مجموعة أحقاد جاهلية لا تمت للمدنية بصلة.

وستكشف الأيام كيف ستأكل النار التي أشعلتها هذه الأنظمة الحطب الذي احتطبته لأجل تمكين سلطانها، وكيف ستحرق هذه النار كل وجودهم وتاريخهم.