مصادر الاستنباط بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي

10 مايو 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
260 زيارة

مصادر الاستنباط بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي

(مجلّة الأحكام العَدْلية) أنموذجاً

د. الشيخ صاحب محمد حسين نصّار (*)

 

مقدّمة

الفقه الإسلامي هو الدعامة التي يرتكز عليها التطبيق الأمثل لتعاليم السماء وفق شريعة سيّد الرسل والأنبياء محمد|. وقد مرَّ بمراحل تاريخية متعدِّدة، ولم يُخرق ولم يَبْلَ. طالما اعترضته نظريات وأقوال حاولت، عامدةً أو عن غير قصدٍ، أن تغيِّر مساره أو تحرفه عن جادّة الصواب فما أفلحت، وعادت الجهود أدراج الرياح، وغابت هذه الأقوال في طيّات النسيان؛ لأنّه كان فكراً إلهياً نابعاً من ذات الإنسان التي لم تؤثّر عليها متغيّرات الدهر، وتعاضدت عليه جهودٌ جبّارة مخلصة من علماء الأمة ومفكِّريها، حتّى تفرّعت عليه ومنه علوم متعدّدة، أغنت المكتبة الإنسانية بنتاج لم تشهَدْه من قبل، ولم تضاهيه علومٌ من بعد.

ولم يَعُدْ الفقه نظريات مُودَعة بين أروقة المكتبات ـ كما يحلو للبعض أن يتَّهمه ـ وإنما هو واقع معاش، فهو نظامٌ سياسي، واقتصادي، واجتماعي، وتربوي، وعلمي و…. والعالم اليوم أحوج ما يكون إلى التطبيق الأمثل له، للكوارث والويلات والاستبداد التي تعاني منه الإنسانية جمعاء، ولم يسعدها التقدُّم العلمي الهائل والنظريات والمُثُل التي يدَّعيها أصحابها… وقد اعترف بذلك كلُّ مَنْ خلصت نواياهم من أجل الانسانية. ولكنّ قواعد الفقه وتشريعاته وأحكامه تحتاج إلى جهود جبارة تتعاضد عليه، متعدِّدة الاختصاصات، وعمل مؤسّساتي، يحوِّله من لغته الفقهية العالية الثابتة الأسلوب والمحتوى إلى لغة النُظُم والقوانين وموادّه وتفصيلاته وفق ما يحتاجه كلّ نظام؛ كي يستعمله أهل ذلك العلم، ويطبِّقه المنفِّذون له. وهو يشترك مع القوانين الأرضية بأسسه الاستنباطية، وبكثير من المشتركات، ولذلك جاءت هذه الدراسة داعيةً إلى ذلك. أسأل الله أن أوفَّق إلى ذلك؛ فمنه التوفيق، وعليه العَوْن.

 

تمهيد

يرتبط الفقه الإسلامي والقانون الوضعي بمشتركاتٍ عديدة، فهما يهدفان بمقاصدهما إلى إصلاح المجتمع، ومنع ظواهر البغي والتعدّي… فمقاصد العبادات في الفقه الإسلامي من: واجبات مفروضة على المكلَّف، أو مستحبّات مندوب إليها، أو محرَّمات منهيّ عنها، أو مكروهات محذَّر منها، أو مباحات مسكوت عنها، كلها تصب في دائرة حركة الإصلاح الاجتماعي، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ…﴾.

ورُوي عن أئمّة أهل البيت^ قولهم: «مَنْ لم تنْهَهُ صلاته عن منكره لم يزدَدْ من الله إلاّ بُعْداً».

والقصاص والدِّيات والكفّارات بمثابة الرادع عن البغي أو التعدّي، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.

فاشترك الفقه الإسلامي والقانون الوضعي بالأهداف والغايات التي يرنو إليها كلٌّ منهما. وعند عودةٍ سريعة إلى النتائج التي توصَّل إليها كلٌّ من: القانون بفقهه وأحكامه، والفقه بمقاصده، تجد أن هناك التقاءً تارةً؛ وافتراقاً تارةً أخرى. ومن نقاط الافتراق يحدث الاختلاف؛ إذ كلّما زادت نقاط الافتراق زادت هوّة الاختلاف. والعكس صحيحٌ.

وباستعراضٍ سريع مقارن بين القوانين الوضعية الغربية وبين الفقه الإسلامي سوف نقف أمام هوّةٍ كبيرة من الاختلاف لا يمكن تجاوزها… ولكنْ لو أعدنا الاستعراض ذاته بين القوانين الوضعية في المنطقة الإسلامية وبين تشريعات الفقه الإسلامي سنجد أن نقاط الاتّفاق أكثر من نقاط الافتراق؛ لتأثر المشرِّع الوضعي بالمؤثِّرات الخارجية والانتماءات الفرعية. وما دام المشرِّع الوضعي في القانون الغربي بعيداً عن الإسلام، وعن عادات وتقاليد وأعراف المسلمين، نجد أن هوّة الاختلاف كبيره بين قراراته وأحكام الفقه الإسلامي؛ بينما نجد المشرِّع الوضعي المسلم يقترب كثيراً بقراراته من أحكام الفقه الإسلامي وتشريعاته؛ كونه يعيش وسط عادات وتقاليد وأعراف المسلمين… فجاءت قراراته متأثِّرة بتلك الأعراف والتقاليد، وهذا يكون أكثر استجابة من الأوّل، فيما إذا بحثنا عن أوجه التلاقي بين قراراته وأحكام الشريعة الإسلامية….

أضِفْ إلى ذلك أن الأسس والمرتكزات التي انطلق منها المشرِّع الوضعي تلتقي كثيراً مع الأسس والمرتكزات التي تنطلق منها أحكام الفقه الإسلامي؛ حيث ما انفكّا ناتجين عن العقل البشري، والمقصود هنا بالعقل البشري العقل المعرفي المنطلق من العقل المجرّد، بالإضافة إلى المكتسبات الخارجية التي تتشابك على أحكامه، من ثقافة وتعلّم وموروثات وانتماءات.

ومن هنا تنطلق دراسة مصادر الاستنباط في القانون الوضعي ومصادر الاستنباط في الفقه الإسلامي، لنرتكز إليها كأسس نعتمدها في التمييز بين المقبول من الأحكام أو المرفوض منها.

 

المبحث الأول: مصادر الاستنباط في الفقه الإسلامي

لم تكن للفقه الإسلامي في باكورة نتاجه مصادر لاستنباط أحكامه. فما زال مصدر التشريع متواجداً بين ظهرانيهم. والعصمة والمصداقية التي يتمتَّع بها مصدر التشريع الإسلامي [الرسول الكريم|]، حيث قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، أوقفت الاختلافات في التشريع والأحكام. وما خالف النصّ اتَّفق الجميع على شذوذه وانحرافه. أما عندما أصبح مصدر النصّ تاريخاً حُيِّد وغُيِّب عن الواقع بدأ الخلاف:

أوّلاً: في مصداقية صدور الحكم. فاختُلف في الطريق الموصل إلى الحكم (الراوي)، أو في صدقه وضبطه؛ فمنهم مَنْ أطلقه عامّاً في مطلق الصحابة، وتقبلّ وفق ذلك كلّ ما روي عنهم؛ ومنهم مَنْ ضيَّق الباب في قبول الكثير من رواياتهم. ولكلٍّ من الفريقين أدلّته.

وكلما ابتعدت طبقة الرواة كلما زادت المشكلة تعقيداً، ما دعاهم إلى التدوين، وبعده التحقيق والتدقيق، حتّى أوصلت مدرسة الجمهور نتاجها بالقول بـ (الصحيح)، بل رفض أكثرهم بعد ذلك النقاش في ما دعوه بـ (الصحيح). وقد منع الخليفه الثاني «تدوين الحديث».

أما مدرسة أهل البيت^ فقد امتدّ عصر النصّ بهم إلى النصف الثاني من القرن الثالث الهجري (261هـ)؛ لاعتقادهم بامتداد النصّ بأئمّة أهل البيت^، ولهم أدلتهم على ذلك. وبعد عصر النصّ عندهم تركوا الباب مفتوحاً للتحقيق والتدقيق، بل للرفض أو القبول. وهذا المصدر الأكثر قبولاً من مصادر الاستنباط في الفقه الإسلامي.

ولو ترك للموضوعية المنهجية وللحرّية الفكرية بابها المفتوح لتلاقَتْ تلك الأفكار أكثر ممّا هي عليه اليوم.

ثانياً: الاختلاف في تفسير النصوص الواردة، من باب الإطلاق أو التقييد، أو العامّ والخاصّ، أو دلالات اللفظ ومقاصده. والأخيرة أكثر تعقيداً من سابقتَيْها؛ إذ تفرَّعت هذه الدلالات وفق العلوم التي تفرَّعت عليها. فللنحوي دلالة تختلف عن الصَّرْفي والبلاغي. وكلّ أولئك يختلفون عن دلالة المفسِّر، ولكلٍّ من الأصولي والفقيه أدواته للوصول إلى دلالاته، مما أنضج علم الدلالة، وأصبح له منهجٌ خاصٌّ به.

والأمران (أولاً وثانياً) مقبولان في حركة الاستنباط، وما زالا يعتمدان على دليل علمي مقنع، حتّى وإن اختلف الاثنان في حجية الدليل.

ويُعدّ هذا الأمر، أي النصّ (كتاباً أو سنّة)، بمثابة الأساس الذي تنطلق منه ثقافة الفكر الإسلامي.

ولذلك يحاول الأصوليون أن يجدوا حجّيةً لأدلّة الاستنباط الأخرى من الكتاب والسنّة.

وُيعّد العقل الدليل الآخر في حركة الاستنباط؛ فلئن رفضه بعضهم فقد استعمله من حيث لا يشعر، وإلاّ كيف استدلّ على حجّية النصّ؟! فإنْ قال: من نصٍّ آخر أسبق منه فقد لزم الدَّوْر. وقد رفض المنطق الدَّوْر. وكيف ميَّز الصحيح من السقيم من مرويات السنّة؟! ألم يستعمل العقل؟! ثمّ إن مصادر الاستنباط الأخرى، من قياس أو استحسان أو مصالح مرسلة أو أدلّة عقلية، من احتياط أو استصحاب أو براءة أو تخيير، كل تلك الأدلة لا يمكن العمل بها ما لم تفعل العقل، سواء كان العقل المجرّد الذي يستدل على الكبريات أو العقل المعرفي الذي يقيس الصغريات على الكبريات….

ولا نريد هنا أن نستعرض أدلة الاستنباط وفق مدرسة أهل البيت× أو مدرسة الجمهور، ولكنْ نأخذها على الأعمّ الأغلب؛ كوننا نتعامل مع الفقه الإسلامي بعيداً عن النتائج المعطاة.

وإذا أردنا للفقه الإسلامي أن ينطلق من بعض قيوده وجب علينا أن نقف على أهم الأسباب التي دعَتْ إلى جموده، فإن «غياب العقلانية عن منهج التفكير، والافتقار إلى الحرية والعدل في المضمار السياسي والاجتماعي، هما مشكلتان التفّت حولهما أغلب القراءات التي درست أسباب تخلف العالم العربي والإسلامي. ومن ثم أبدت تيارات النهوض ميولاً شديدة إلى كلّ مَنْ يُجسّد هذه القيم الغائبة، وبخاصّة إذا كان ينتمي إلى المسلمين أنفسهم». ولذلك ترى مدوَّنات الفقه قد التزمت بمحتوى مشترك، ولغة تكاد أن تتميَّز بأسلوبها عن العلوم الأخرى، وكأنها تخصّصت للسالكين لدراسة علم الفقه، وليس غيرهم، بينما يجب أن تكون لغة الجميع؛ لاحتوائها على حلول لإشكاليات الجميع، وخاصّة إذا وافقنا علماء الشريعة في سعيهم للبحث في مقاصد الشريعة، وربطه في حكمة تنزيل الأحكام. وهم قد سلكوا في ذلك ثلاثة مسالك:

الأوّل: كان أصولياً جزئياً. تمثَّل في مباحث القياس والعلة.

الثاني: كان فقهياً تعليلياً. تضمَّنته أبواب الفقه.

الثالث: كان جامعاً بين الاثنين. وهذا ما أطلقه الشاطبي(790هـ) في «موافقاته». وإذا ما أعملنا جهودنا في هذا النوع من الدراسات، وجنَّدنا الفقه المعاملي خصوصاً، فإننا سنستنتج قواعد وأحكاماً ترتقي إلى أن تكون فيما إذا تحدّثنا بها أو دوّنّاها بلغة أهل القانون؛ كي تكون في متناول أيديهم، وفي مفهوم وسياق منهجهم في التطبيق. ومقاصد الشريعة في الأحكام تتلاقى كثيراً مع فقه القانون ومقاصده.

وإذا وافقنا الشاطبي في مقدّمته التعليلية التي برهن بها، من خلال استقرائه للأدلة الكلّية والجزئية، أن «فعل الله التشريعي معلّل بمصالح العباد»، وأن كلّ ما صدر من الله عزَّ وجلَّ وفرض على العباد طاعته بعمله أو بتركه، فهو مرتبطٌ بمهمة الإنسان الأساسية على الأرض بإصلاحها، فإننا سنحتكم إلى العقل المعرفي، ونتبع في أحكامنا تلك المصالح، ونسعى إلى تحقيق تلك المقاصد. ومن هنا توجّب أن تنطلق المواد القانونية في القوانين الوضعية لتكون رادعة لوقوع الجريمة، لا محدّدة للقصاص عليها. ونحن هنا لا نطلق العنان للقول بمقاصد الشريعة وعللها، دون ضابطٍ أو تقييد، كما يراها المعتزلة على حدّ تعبير القاضي عبد الجبّار «بوجوب تعليل أفعال الله تعالى بالغرض»، ولا ننفي التعليل مطلقاً، على رأي الاشاعرة، كما يقوله أبو الحسن الأشعري، بأنه «ليس لأفعاله علل؛ لأنه مالك غير مملوك».

ولا نقول برأي الظاهرية، كما يدوِّنه ابن حزم الظاهري(456هـ) في (الإحكام)، بأن «أوّل ضلال هذه المسألة قياسهم الله تعالى على أنفسهم، في قولهم: إنّ الحكيم بيننا لا يفعل شيئـاً إلاّ لعلّةٍ [ويغلو في ذلك، فيصف ذلك بأنها قضيةٌ فاسدة] تكون أصلاً لكلّ كُفْرٍ في الأرض».

وإنّما نوافق إجماع أئمّة الفقه «على أن أحكام الله تعالى لا تخلو عن حكمة ومقصود». ووضعوا ضوابط وقواعد يعتمدونها لوضع تلك العلل والمقاصد… ولا نريد أن نتوسَّع في أدلّة كلّ فريقٍ من هؤلاء؛ فالبحث لا يتّسع لذلك، ولكننا نريد أن نضع هذا الأمر ليكون علاقةً رابطة بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي. فقد كان القاضي في مدرسة القضاء الإسلامية فقيهاً، ولا يمكن أن يكون قاضياً إلاّ أن يكون فقيهاً. أما بعد عملية الفصل والتخصُّص الأضيق فقد ابتعد القاضي عن الفقه، واختلفت أدواته، وأصبح الفقيه مختلفاً عن القانوني المعاصر أو القاضي المعاصر؛ لأنه مكتشف القاعدة القانونية من نصٍّ رفيع الأداء والمضمون، فعليه أن يتفوّق في فقه المفردة المعجمية، وفقه الجملة، وفقه الكتلة المعرفية (السياق بأنواعه: الأضيق والأوسط والأشمل)، وفقه الأداء البلاغي، وفقه الأبنية الصرفية، وتداعيات المعنى، ثمّ فقه العلوم الأخرى المضيئة للنصّ (مثل: المحكم والمتشابه وأسباب النزول، والبيان التفسيري من الحديث النبوي، وتراكم الآراء التفسيرية). لذلك فإن الفقيه ينطلق من نصٍّ استنطقه بأدواته، واستخرج مكنوناته، وأعطى نتائجه.

«بينما القانوني المعاصر إذا طُلِب منه وضع القاعدة الآمرة فإنه يلجأ إلى الأعراف وتجارب المجتمعات؛ ليضع القاعدة، فلا يحتاج إلاّ أقلّ قَدْرٍ من آليّات تحليل النصّ؛ لتفسير ما وضع له من قواعد آمرة»؛ لأنّ القانوني المعاصر يتعامل مع الواقع المعاش في حاضره، ناظراً إلى مخلَّفات ماضيه القريب، دون أن ينظر إلى مستحدثات المستقبل إلاّ من باب الظنّ أو الفرضيات. ثمّ إنه يتعامل مع نصٍّ متساوٍ مع طاقته البشرية، أو ربما أقلّ من طاقته؛ كونه صادراً من بشر مثله، لكنّ الفقيه يتعامل مع الواقع المعاش في حاضره، مستعيناً بمخلَّفات الفقهاء الذين سبقوه، باحثاً في دقّة أدلتهم، ناظراً إلى المستقبل بعين المُطّلع المسؤول عمّا يؤول إليه حكمه، مبتعداً عن الظنّ الذي لا يغني عنده من الحقّ شيئاً، حيث قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئاً﴾.

أضِفْ إلى ذلك أنّه يتعامل مع نصٍّ أعلى من طاقاته بكثيرٍ، يحتاج إلى جهود علمية كبيرة ليصل إلى استنطاقه؛ كونه صادراً من الله سبحانه وتعالى. لذلك توجَّب على الفقيه إذا أراد من القانوني المعاصر أن يتبعه أن يحوِّل نتائجه إلى مفردات قانونية، ومواد متسلسلة قابلة للتطبيق، وبلغة القانوني المعاصر، وبمتناول أدواته. كما توجَّب على القانوني المعاصر أن يتوسَّع في أدواته وعلومه؛ كي يلحق بشأو الفقهاء؛ كي يستطيع أن يتحاور معهم بلغةٍ مشتركة.

 

المبحث الثاني: مصادر الاستنباط في القانون الوضعي

تتوضّح مصادر الاستنباط لدى أصحاب القانون الوضعي، وتنتظم، كما يلي:

1ـ إن منطق الحياة البشرية وحركتها برّز القواعد القانونية؛ لتضطلع بمهمة تأمين الأصول الضرورية (النظام الاجتماعي)؛ للوصول إلى توازن مناسب يحافظ على وتيرة تحوُّل بطيء ومتجانس لمجموع الأوضاع والعلاقات الاجتماعية في مسيرتها الحتمية نحو التغيُّر، لا بمرور عامل الزمن وما ترتبط به من معطيات ومتغيّرات ومؤثِّرات؛ فالقاعدة القانونية ضرورة للمجتمع، ومنبعها حاجات المجتمع للتواؤم، وسلاسة العلاقات، واستمرارها، وتنظيم حدودها، ومنع تصادم المصالح، ولذلك وجدت القوانين التي تحافظ على الحقوق، وتمنع البغي والتعدّي. وتارةً تكون هذه القوانين خاصّة بقومٍ؛ وأخرى خاصّة بمكانٍ دون غيره، أو بأمّةٍ دون الأمم الأخرى. وعند تطور الحياة المدنية أصبحت بمثابة قوانين خاصّة بالدول، فقالوا: القانون البريطاني أو الفرنسي أو المصري أو القانون العراقي. انطلقت هذه الاختلافات في مواد هذه القوانين من الأعراف والتقاليد والأديان التي يؤمن بها هذا الشعب، دون غيره، والتراث الإنساني والتنظيمي الموروث، والتجارب والظواهر الاجتماعية الوطنية، والتجارب الإنسانية الدولية المعاصرة أو السابقة. وطالما تنتاب هذه القوانين الوضعية تعديلات تلغي بموجبها موادّ قانونية، وتستحدث موادّ أخرى؛ نتيجة استحداث مشكلات اجتماعية جديدة في الأجيال اللاحقة تستوجب حلولاً، ممّا يثير نزاعاً بين الجيل السابق؛ حفاظاً على ما يرَوْنه أصالةً لهم، والجيل اللاحق؛ انطلاقاً ممّا يرَوْنه تجديداً لواقعهم. وهذا الأمر يجعل القوانين الوضعية تحمل صفة عدم الدوام والاستمرار؛ لتغيير في موارد استنباط قوانينه.

وهذا يختلف تماماً عن أحكام الفقه الإسلامي وتشريعاته، التي تتّصف بالدوام والاستمرار، وعدم التأثُّر زماناً أو مكاناً. ولا يحدث النزاع والتخاصم بين الأجيال فيه؛ لأنه منطلقٌ من عقيدة الجيلين الثابتة بأن الخروج على هذه الأحكام هو خروجٌ عما يحمله من عقيدةٍ.

ثم إن مصادر استنباط الفقه الإسلامي تستند إلى أسس لا تدخل فيها النوازع أو الأطماع أو المصالح الخاصّة، أو الفلسفات السياسية… وصحيحٌ أن الفقه الإسلامي والقانون الوضعي كلاهما يدعو إلى تنظيم العلاقات الاجتماعية، ولكنّ الفارق بينهما أن الفقه الإسلامي يستند إلى أسس الكمال والقوّة من النصّ المعصوم، وأسس الاستنباط الواضحة، والإمامة المستمرّة، وقوّة الإيمان التي تشكِّل ضمانة من ضمانات احترام القانون الإسلامي، وتطبيقه تطبيقاً واعياً، بالإضافة إلى تدرُّج أحكامه في الإلزام لخمس مراتب (الوجوب، الندب، الإباحة، الكراهة، التحريم)، بعكس مراتب الأحكام الوضعية، التي تدور ما بين الإباحة والحُرْمة، بينما «النظام في المجتمع ليس سلوكاً غريزياً، ولا تلقائياً، ولكنه ينجم عن الضبط الاجتماعي، ويتوقف عليه». لذلك يعدّ القانون وفق المصطلح الأكاديمي الحديث له «من أهمّ وسائل الضبط الاجتماعي، بل هو الوسيلة الأساسية التي يعتمد عليها المجتمع المنظّم في ضبط سلوك أفراده». ولهذ يرى بعض الباحثين الغربيين (روسكو باوند) «أن القانون هو علم الهندسة الاجتماعية الذي يتحقّق من خلاله تنظيم العلاقات الإنسانية في المجتمع المنظم سياسياً، أو الضبط الاجتماعي عن طريق الاستخدام المنهجي المطّرد لقوّة المجتمع المنظم سياسياً». وبهذا إذا ضعفت سلطة القانون في مجتمعٍ ما؛ لأمرٍ من الأمور، فإن القانون لا يصبح رادعاً للجريمة، بل يتحوّل المجتمع إلى انفلاتٍ، وينعدم الأمن والاستقرار؛ لأنّ القانون الموضوع لا يحمل قواعد، ولا يستند إلى أسس منطلقة من ذات الإنسان قادرة على تحقيق أهداف الأمن والحرية والعدالة والمساواة. وإن «الواقع العملي أثبت عدم قدرة الكثير من الدساتير الوضعية على تحقيق تلك المثل العليا، بل إنها في بعض الأحيان أدَّتْ إلى تصاعد الظلم والفوضى والاستغلال والعبودية، وخاصّة عندما يتعلَّق الأمر بسلطة مُستبدّة. وهذا الأمر يرتبط بالجوهر الذاتي للقانون الوضعي، ومفهومه المعنوي، ولا يتوقَّف على الكيفية السليمة التي تتمّ في تنفيذه، باعتبار أن واضع القانون هو نفس الإنسان المتحيِّز إلى اعتباراته الخاصّة ومصالحه الشخصية، وخضوعه لظروف الزمان والمكان المحدودة، مهما كان هذا الإنسان نزيهاً أو محايداً. ولذا فإن مفهوم العدل هذا لا يكون إلاّ نسبياً وضيقاً، يراه واضع القانون من خلال زاويته البشرية الضيقة. والعدل بمفهومه الشمولي والاستيعابي غير المحدَّد وغير المتحيِّز، والقادر على توفير تلك الأهداف العليا، لا يتحقَّق إلاّ من واضعٍ يمتلك تلك الخصوصيات. ومن هنا يتميَّز القانون الإلهي بأنه أقدر على تحقيق العدل والأمن والاستقرار والحرّية؛ باعتباره يمتلك الموضوعية المحايدة في التشريع والتقنين». ومن دواعي الأمن والاستقرار الاستقرارُ النفسي لذات الإنسان. فحاجته إلى الإيمان والفضيلة والعلم والتقوى والتقدُّم والأمن والاستقلال والحرّية والعدالة والمساواة حاجةٌ ملحة تنطلق من ذاته، لا تُعْطَى له على شكل هبةٍ ممنوحة له، بينما لا تتوافر هذه الحاجات في القوانين الوضعية، ولا توفّرها له الأعراف والتقاليد، ولن يجدها إلاّ في التشريع الإلهي الناظر إلى هذه الحاجات….

أضِفْ إلى ذلك طبيعة الإنسان الرافضة للإلزام القسري، والحاكمة على سلوكه. فالقانون الوضعي بأحكامه ومفهومه وفق المصطلح الحديث يحمل ذلك المعنى؛ كونه «قواعد ملزمة تنظِّم سلوك الأشخاص في المجتمع، على أنه يفهم من معنى الإلزام به أن له جزاءً مادّياً توقعه السلطة العليا في الجماعة».

وإذا ما رافقت هذه القوانين سلطة استبدادية ـ وما أكثرها! ـ استغلّت القانون استغلالاً سيّئاً، وجندته لمصالحها، ووضعت موادّ قانونية تحدّ من حرّيات الشعوب، وتستغل ثروتها أبشع استغلال، وتتفلّت هي وأتباعها من موادّه، بينما تلزم الشعوب وتحكمها به، ممّا يفقد القانون احترامه لدى الشعوب، فتصبح نظرتهم إلى القانون كنظرتهم إلى واضعيه. وما دام واضعوه مستبدّين فالقانون أداة الاستبداد التي يحكمونهم بها. لذلك يفقد القانون هيبته، وتبقى موادّه حبراً على ورق….

ومن هنا توجّب دراسة الأسس التي يستند عليها استنباط مواد القانون الوضعي. وما دامت أسس استنباط الأحكام الفقهية تمتلك من الثبوت والقدرة والمرونة والقبول ذلك المقدار الكافي لتطبيقها، فيتوجب على القانوني المعاصر أو فقيه القانون أو القاضي المعاصر أن يستند في وضع أحكامه وقوانينه وموادّه إلى مصادر الاستنباط هذه. لذا يجب أن تدرس مواد أصول الفقه الإسلامي وقواعده دراسةً مستفيضة واعية دقيقة في كلّيات القانون ومعاهده، لا على النحو المعروف اليوم، كدرسٍ عابر لسويعاتٍ غير داخلة في اختصاصه.

فلأصول الفقه أهمّية قصوى للقانونيّين، وصلة وثيقة بالقانون وأحكامه، لمعرفة الحكم العامّ من الخاصّ، والمطلق من المقيّد، والمبهم من الواضح. ولتوضيح ذلك نبين التالي:

أوّلاً: رفع التعارض في المواد القانونية، والجمع بين النصوص المتعارضة، وترجيح أحد الأطراف.

ثانياً: البحث عن تاريخ التشريع لمعرفة المتأخِّر عن المتقدّم؛ للوصول إلى الحكم الناسخ من المنسوخ.

ثالثاً: تعتمد صياغة المواد القانونية لغةً فنية دقيقة، بعيدة عن الحشو والتعقيد، وشاملة للنصّ، تحتّم على القاضي أن لا يحكم بحكمٍ مخالف للنصّ، وتكون واضحة الدلالة، وصريحة المنطوق.

رابعاً: توُضّح الأركان والشروط والأسباب الموجبة لإصدار الأحكام والقوانين وتفرّعاتها.

المبحث الثالث: تقنين الفقه وتفقّه القانون

إن عملية التجديد أمرٌ مفروغ منه في الفكر الإسلامي ما دمنا نعتقد أن التشريع الإسلامي يتماشى مع الواقع المعاش، وله حلول في كلّ مستحدَثات إشكالاته زماناً أو مكاناً. وهذا يدعو إلى حتمية تطوير الشرعية، أي بمعنى تفعيل الاجتهاد لدى المتخصِّصين في الفقه، المالكين لملكة الاستنباط…، لا على نحو فتح الباب على مصراعَيْه دون ضوابط، أو لغير الواجدين لملكة الاجتهاد، وإنما وفق ضوابط وقوانين يلتزمها الساعون إليه في إصدار أحكامهم. وإلاّ فإنّ عدم تفعيل الاجتهاد يستوجب جمود الفقه وتحجّره؛ لأن ما يستجدّ من علوم تدخل أحياناً في حياتنا الاجتماعية، وما يستحدث من اكتشافاتٍ تتوقّف عجلة التطوّر على تفعيلها، لا بُدَّ أن يكون للمشرِّع الإسلامي رأيٌ فيها، إما رافضاً، أو قابلاً لها، أو مصحِّحاً لبعض جوانبها، وإلاّ ففي اللارأي واللاأدري إشكالٌ يستغله أعداء الشريعة لصالحهم. ولذلك كان لفقهاء الإسلام ومجتهديه مواقف وآراء في الاستنساخ البشري، وأطفال الأنابيب، والصلاة على القمر، وغيره، من خلال بحوث ودراسات أُودعت هنا وهناك، احتوَتْها مؤلّفات مستقلّة أحياناً، وبحوث في مجالات متخصِّصة أحياناً أخرى، كلّها تنمّ عن طروح موضوعية بديعة، وملكة علمية رائعة.

وحديثنا عن تقنين الفقه. والتقنين يقصد به على وجه عامٍ «جمع الأحكام والقواعد التشريعية المتعلّقة بمجالٍ من مجالات العلاقات الاجتماعية وتبويبها، وترتيبها، وصياغتها بعبارات آمرة موجزة واضحة في بنود، تسمّى (مواد ذات أرقام متسلسلة)، ثم اصدارها في صورة قانون أو نظام تفرضه الدولة، ويلتزم القضاة بتطبيقه بين الناس»، ويقصد بها تحديد ضوابط سلوكية لروابط اجتماعية بصياغة فنّية يستلهم واضعها معطيات دينية، أخلاقية، ثقافية، عرفية، مقيدة بعامل الزمكان، ومشفوعة بقوّة وضعها. وهو في موضوع هذه الدراسة «صياغة الفقه في صورة مواد قانونية مرتّبة على غرار القوانين الحديثة، من مدنية وجنائية وإدارية، وذلك لتكون منهجاً سهلاً محدّداً يمكن أن يتقيَّد به القضاة، ويرجع إليه المحامون، ويتعامل على أساسه المواطنون». ولكلّ جديد من البديهي أن يكون هناك موافقون ومخالفون، ولكلّ فريق منهم أدلّته وحججه. وقد أعرضنا عنها هنا خوف الإسهاب والإطالة. ولكننا بالمجمل ما دمنا نبحث في عملية تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، وفق التخصُّصات الواقعية للمحاكم الجزائية أو الاقتصادية أو الإدارية، ولحاجة المجتمع إلى هذه التخصُّصات تبعاً للتنظيم والدقّة، وما دام الأمر لا يخرج الأحكام الشرعية عن مسارها، فالداعي إلى ذلك لا غاية له سوى حرصه على تحقيق مجتمع إسلامي ينتمي بأحكامه وتقاليده وأعرافه إلى التشريعات الإسلامية، لا إلى الانتماء الإرثي فقط. والأمر يتطلّب تنمية ثقافية يضع لها المتخصِّصون مساراً يبدأ من الفرد والعائلة، فالمجتمع والنظم السياسية. فهذه حلقاتٌ متّصلة تشكِّل سلسلة مترابطة للأمّة. وفصل أيّ حلقة من هذه الحلقات سيؤثِّر سلباً على مشروع التنمية الثقافية. ولعلّ أوّل مرتكز لمشروع التنمية الثقافية هذه يستوجب تحديداً للمفاهيم والمصطلحات المتداولة وفق الرؤية الإسلامية لها، لا وفق ما هو متداولٌ اليوم، أي مشروع أسلمة المفاهيم والعناوين والاتجاهات والعلوم. وهذا جزءٌ مكمِّل لعملية تقنين الفقه.

ومن الجدير بالذكر أنّ أسلمة المفاهيم، أو تدوين الفقه الإسلامي، ليست بالبِدْعة الجديدة، إنّما هي حركة وعي، لها علماء ومفكِّرون إسلاميون، تبلورت بشكلٍ واضح في ثلاثينيات القرن العشرين، تحت مسمّى (إحياء الشريعة الإسلامية)، بدعوى وجوب تلاقي القانون والأخلاق. وإن الشريعة الإسلامية هي البوتقة التي يتداخل فيها القانون مع الأخلاق. وإن الشريعة الإسلامية اشتملت على أحكام عالمية النطاق، مجردة المفهوم، قابلة للتطبيق. وإنّ عملية تدوين الفقه تستلزم أوّلاً تحقّق مستلزمات التقنيين الأولى، والمتمثِّلة بخطوات التقنيين.

ثمّ إن «الفقه الذي نطالب بتدوين أحكامه القضائية يتكوَّن من مسائل واقعية وافتراضية. وكلّ مسألة مستقلّة عن أختها، من حيث دليلها الذي تستند إليه، من الكتاب والسنّة والإجماع والقياس والاستصحاب والعُرْف أو غيرها من مصادر الاستدلال المعروفة عند علماء أصول الفقه. كما أن هذه المسائل في غالبها تأخذ الصورة الوصفية لفعل العبد، ممّا يتسبَّب في كثرتها وعدم تناهيها.

كما تتصوّر علاقة هذه المسائل بالقاعدة الفقهية أنها تأتي بعدها، بمعنى أن المسائل الفقهية تسبق في الوجود القاعدة التي تجمعها، ومعظم القواعد الفقهية الصغرى ليس لها دليلٌ مستقلّ، بل قيمتها مستندة إلى المسائل التي تدخل تحتها. ولذلك فالقواعد الفقهية ليست كلية، بل أغلبية، يستعين الفقيه بها على حفظ أفراد المسائل، لكنه لا يحكم بموجبها على ما يجدّ لديه من مشكلات، إلاّ على سبيل القياس على مسألةٍ أخرى من المسائل، التي استقرّ دخولها تحت تلك القاعدة. فارتباط الفقه بمصادر الاستنباط يجعل أحكامه أكثر دقّة، وأدق نتائجاً، ولكنّه يبقيها محكومة بقواعد فقهية لا تطلق العنان لتلك الأحكام أن تكون عامّة لكلّ التفصيلات الدقيقة، أو القضايا المندرجة، المتشابهة الأغراض، المختلفة الموضوع، كقضية جواز شرب الخمر لمَنْ أشرف على الهلاك عَطَشاً ولم يجِدْ سوى الخمر، وعدم جواز تناوله لمَنْ أشرف على الهلاك؛ بسبب مرضٍ لاعلاج له إلاّ بالخمر؛ لأن دليل الأولى قاعدة «الضرورات تبيح المحظورات»، ودليل الأخرى قوله|: «مَنْ لم تنْهَهُ صلاته عن منكره لم يزدَدْ من الله إلاّ بُعْداً».

فإذا أجَبْنا عن استثناء القضية الثانية بأن قاعدة الضرورات تبيح المحظورات عامّة، ولكلّ قاعدة عامّة لا بُدَّ من خاصّ، والقضية الثانية هي إحدى المخصِّصات، يقال: إن الحديث المرويّ عن الرسول| أيضاً يعطينا قاعدةً عامّة، ألا من تخصيص له…؟! أو على الأقلّ دراسة الظروف التي ورد الحديث فيها، أي التوسُّع في علم (أسباب ورود الحديث)، لعلّ السبب يكون حاكماً على تخصيص الحديث، لا عمومه.

أما المادّة القانونية فتخلو من حاكميةٍ كهذه، وإنما قواعده عامّة تندرج تحتها تفصيلات كل المواضيع التي تندرج تحتها أو تتشابه معها في الصور.

«وهذه السمة العامة في المواد القانونية هي التي تجعل القانونيين يختلفون في تفسير الموادّ، وتجعل القضاة أيضاً يختلفون في فهمها، ويضطرون أحياناً إلى البرهنة على صحّة فهمهم بما يتناسب واتجاهاتهم من الكتب التي اعتنَتْ بتفسير القانون. يضاف إلى ذلك أن المادة القانونية هي دليلٌ بذاتها، وحين يخرج القاضي عنها؛ لأيّ سبب من الأسباب، فلا بُدَّ أن يستدلّ لخروجه بمادّة أخرى من مواد القانون». ولكننا قد نجد الجواب بالفارق بين أحكام الفقه ومواد القانون بإعذار الفقيه كونه محكوماً بطبيعة الفقه المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالقِيَم والأخلاق؛ كون مقاصد أحكامها تتبع نظاماً أخلاقياً يرنو إلى عدم التعدّي أو إلى إفساد المجتمع. وإذا وافقنا القائلين بأن الأحكام الشرعية تتبع المصالح والمفاسد، وأن المصالح والمفاسد هذه وفق المفهوم الإلهي المُحدَّد لها، والذي لا يتأثَّر بخلفيّات الزمان أو المكان أو الأعراف…، إذا وافقنا ذلك فإننا سنجد أنفسنا مرغمين باتّباع تلك الأحكام على نحو الإلزام، حتّى وإنْ رأينا عدم قناعتنا بالعُذْر؛ وذلك لتأثُّرنا بالظروف المكانية أو الزمانية أو المؤثِّرات الخارجية الأخرى، ورغبتنا في تبعيّة الأحكام لظروفنا أو مفهومنا القاصر عنها….

بينما لا نجد العُذْر في مواد القانون الوضعي، التي تدعو أحياناً إلى الاستبداد والدكتاتورية، أو تلك التي نرى فيها أنها لا تمثِّل العدالة الاجتماعية؛ كون الواضع لها يعيش الظروف التي نعيشها نحن من ملابسات الزمان أو المكان أو الأعراف والتقاليد، لذا توجّب أن تنظر موادّه القانونية إلى تلك الملابسات. ثمّ إنّ حكمنا بجائرية بعض هذه الموادّ يتأتى من ظنّنا بأنها إنّما ترنو إلى مصالح السلطة التي وضعت هذه المواد القانونية، وهذا الأمر تفرضه فلسفة تلك السلطة التي تؤمن بها، وتريد أن تطبِّقها قَسْراً على فلسفات الشعب الذي تحكمه. «وبما أن القانون الوضعي قد فصل نفسه عن الأخلاق والدين وقِيَم القانون الطبيعي فإنه يجد صعوبةً كبيرة في إقناع المحكومين بضرورة الالتزام الطَّوْعي والإرادي بالقانون، لذلك فإنه يعتمد على الإكراه المادّي، لذلك فإن القانون الوضعي يعتمد في ضبط سلوك الأفراد على القوة المادّية التي تظهر ممثّلة بالإكراه البدني بشتّى الأشكال. ومن المؤكَّد أن القوة المادية وحدها لا تستطيع حفظ النظام الاجتماعي؛ وذلك لطبيعتها الغريبة، فهي تستبدل بالعلاقات الاجتماعية علاقات آليّة، والحقيقة أن المغالاة في استعمالها معناه أن النظام الاجتماعي قد تصدَّع».

ولا يبتعد الفقه الإسلامي كثيراً عن دستورية تحكمه. فالقرآن الكريم والسنّة المطهَّرة تعتبر بمثابة الدستور. فقد وضعت الآيات القرآنية وأحاديث المعصومين أُسُساً عامّة وقواعد كلية، وضعت إطاراً أخلاقياً حدَّدَتْ به العقل البشري من الانفلات في ضوء مستجدّات المسائل، والظروف التي تحيط به، وتركَتْ له مساحةً يتحرّك بها، دون المساس بالثوابت، أو الخروج عن دائرة المسموح به.

قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾. والحقيقة التي يجب التأكيد عليها أنّ عالم الدنيا لا يمثِّل غايةً في حدّ ذاته، إنما هو ممرّ ومعبر مؤقَّت في انتظار الآخرة. ومن هنا يتحتَّم أن يكون التشريع الدنيوي خاضعاً لكلّيات الشرع الإسلامي. وإنْ ظهر عجزٌ أو تأخّر عن مواكبة الوقائع والأحداث فيجب أن تفتح أبواب التأويل، وتبسط أدوات الاجتهاد، للوصول إلى الأحكام الصالحة. وإذا ما استقرأنا أنواع الأحكام التي تضمّنها القرآن الكريم، واحتوتها السنّة المطهَّرة، فإننا نقف على ثلاثة أنواع من هذه الأحكام:

1ـ أحكام اعتقادية.

2ـ أحكام خُلقية.

3ـ أحكام عملية.

وهذه الأنواع تحدّد للإنسان علاقته بربّه أولاً، ثمّ تحوّلها إلى علاقة رابطة بين تلك العلاقة وعلاقته بالإنسان الذي يتعايش معه… لذلك فإن الشريعة تستند إلى مرتكزات ثلاثة أيضاً.

1ـ الفكر. والذي يتمثّل بالاعتقاد بأصول الدين، والإقرار بها.

2ـ العبادات. وهذه تتمثَّل برموز تُعبِّر عمّا يحمله من عقائد وفكر.

3ـ الأخلاق. وهي بمثابة السلوك الذي تقصده الرموز التي قام بها.

فإذا ما اشتركت هذه الثلاثة معاً عند المكلَّف يكون طريق نجاته مظنوناً أو ربما مضموناً إنْ شاء الله تعالى….

أما القانون الوضعي فتنطلق موادّه هي الأخرى من دستور الدولة، التي تكون بمثابة موادّ أساسية عامّة تعطي القواعد والكلّيات، دون التفصيلات الدقيقة والتفريعات. ولكنّ القانون يفتقر إلى العلاقة الرابطة بين ذات الإنسان وخالقه، بل ربما تناقض بعض مواده تلك العلاقة. عندما لا تتماشى مواده مع معتقدات الفرد، أو يسمح لبعض المحرّمات، فإن الفرد يعتبر ذلك بمثابة انتهاكٍ لتلك العلاقة، فيعيش في حالة تناقض بين الإذعان لما يعتقد أو الإذعان بما يفرض عليه أن يلتزم. وهذا الأمر يعدّ من أخطر الويلات على القانون وتطبيقه.

لذلك فإن المشّرع للقانون والقانوني يجب أن يأخذا بنظر الاعتبار هذه المسألة الشائكة بالنسبة لهما؛ كونهما يصنعان موادّ قانونية لشعوب اختلفت فيها الاعتقادات وتباينت الأديان…. بينما يضع الفقه الإسلامي تفصيلاته لتلك العلاقات، ويحدِّد موقفه منها، انطلاقاً من عالميّته وموسوعيته وشموله واستمراريته.

 

المبحث الرابع: (مجلّة الأحكام العدلية) أنموذجاً لتقنين الفقه

وإذا كان لا بُدَّ من إعطاء نموذجٍ حيّ قابلٍ للتطبيق على ما تقدّم من قولنا فإنّه (مجلّة الأحكام العدلية)، التي أعدَّتها لجنة متخصِّصة من العاملين بالفقه والمتخصِّصين بالقانون في عام 1869م، وأقرَّتْ الدولة العثمانية تطبيقها، واعتبرتها القانون الذي تعمل محاكمها فيه في عام (1876م). وقد احتوَتْ (1851 مادّة قانونية)، ثمّ أقرّت للتدريس في كلّيات الحقوق، حتّى بعد انهيار الدولة العثمانية. وبحقٍّ يعدّ هذا العمل أوّل تقنين في العصر الحاضر للشريعة الإسلامية، تلَتْها محاولاتٌ أخرى من هنا وهناك.

وقد قُسِّمَتْ المجلة وفق المنهج القانوني وتقسيمات موادّه.

فأفردت لقانون الإجراءات المدنية أسسه، ثمّ لقانون الأراضي ضوابطه، ثم قنَّنت للأحوال الشخصية أحكامه، وغيرها… ولكنّ المجلة هنا وإنْ كانت خطوة في طريق التقنين، لم تسبقها محاولة أبدع منها، فقد اقتصرت بأحكامها وتشريعاتها على المذهب الحنفي، المذهب الذي تدين به الدولة العثمانية آنذاك، إلاّ قليلاً جدّاً من الأحكام التي لم يتطرَّق إليها فقهاء المذهب الحنفي.

وهذا الأمر بطبيعته يفتح لنا ثغرة في عالم التطبيق؛ لتعدُّد المذاهب في الفقه الإسلامي، فيترك للقاضي مساحةً ـ إنْ كان لا يدين بالمذهب الحنفي ـ يخرج من خلالها عن دائرة التطبيق، وعدم قناعة المتخاصمين أيضاً بتطبيق العدالة. أضِفْ إلى ذلك أنّ العصر الذي دَعَتْ المجلة إلى تطبيق أحكامه بعيدٌ جدّاً عن عصر الإمام أبي حنيفة(150هـ). وقد تعترض التطبيق إشكاليات مستحدثة جديدة، تستوجب فتاوى واضحة، تستند إلى أسس رصينة، وإلى مصادر الاستنباط الإسلامي الرصينة، ممّا يجعل قوانين المجلة قاصرة عن مسايرة العصر، وحلّ إشكاليّاته. ولذلك نستطيع أن نسجِّل على المجلّة نقوداً تنحصر في ثلاثة اتجاهات:

 الأول: مصادر مجلّة الأحكام العدلية

فقد اقتصرت المجلّة في أحكامها على القرآن الكريم وعموميات أحكامه، وعلى الحديث الشريف، ووفق مذهب الإمام أبي حنيفة وفقهاء المذهب الحنفي، مثل: أبي يوسف القاضي، وابن نجيم المصري صاحب كتاب (الأشباه والنظائر)، وأبي سعيد الخاوي صاحب (الحاشية على كتاب الدرر في شرح الغرر).

وقد استندت المجلة في بعض أحكامها إلى المذاهب السنّية الأخرى، ولكنّني أظنّ أن ذلك كان عندما تتوافق بأحكامها مع اتجاهات المذهب الحنفي.

 

الثاني: التوجُّهات المذهبيّة للمجلّة

تأثَّرت المجلة بالاتجاه السياسي للدولة التي اعتمدتها. وما دامت الدولة تتبنّى المذهب الحنفي اقتصرت موادّها القانونية على اتجاه المذهب الحنفي وأحكامه، ممّا يؤثِّر في المنهج الفقهي الدقيق الذي لا يحتكم إلى أيّ اتجاه سياسي او اجتماعي… فإن النظام القضائي في الإسلام لا يخدم الفلسفات الوضعية، ولا مطامع الحكام أو سلطاتهم، بل على العكس من ذلك هو يحدّ من سلطتهم؛ توخّياً للعدالة. ثم إن الاستجابة للتطبيق وفق مذهب واحد في عالمٍ تتناوله المذاهب والطوائف تكون ضعيفة، الأمر الذي دعا العاملين في الفقه من المذاهب الإسلامية الأخرى، وكذلك رجال القانون الوضعي، إلى مراجعة بعض الأحكام والمواد التي وردت فيها، فألّف الشيخ محمد قدوري باشا كتاباً أطلق عليه اسم (مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان)، وقد انسجم الكتاب مع الفقه الحنفي.

وأعقبه الأستاذ الدكتور السنهوري، ثم الشيخ محمد عامر، الذي قنن الفقه المالكي على هيئة مواد قانونية.

وقد أعقب هؤلاء المستشرق الإيطالي (سانتيلا)، الذي صاغ المذهب المالكي على شكل مواد قانونية وضعها في (مجلّة الالتزامات والعقود التونسية)، عام 1906م.

واستدرك الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء على موادّها القانونية وفق مذهب أهل البيت^. والتي سنتحدث عنها بشيءٍ من التفصيل في المبحث الخامس من هذه الدراسة.

الثالث: منهج مجلّة الأحكام العَدْلية

عملت المجلّة بالقوانين الشرعية والوضعية، ووازنت بين موادّهما؛ حتّى يتيسر للقضاة مراجعة الأحكام الشرعية وفق لغتهم القانونية، فجنَّبتهم الدولة العثمانية آنذاك صعوبة الغوص في مصادر الفقه وأدلة استنباطه. وبهذا أنشأت المحاكم النظامية، فأمر السلطان العثماني تأليف لجنة أطلق عليها «مجلتي جمعيتي» ـ باللغة التركية ـ أي (المجلة الجامعة)، وكان عدد أعضائها سبعة، غايتها تأليف كتاب يجمع المعاملات الفقهية التي تتوافر على سهولة التطبيق، واحتواء الأقوال المختارة. وبهذا سارت المجلّة التي احتَوَتْ ـ كما ذكرنا ـ على القانون المدني للدولة العثمانية، ولكنّه مصبوغٌ بالفقه العام، وبهذا فقد قنَّنت الدولة العثمانية قواعد وفتاوى الفقه الإسلامي الذي تؤمن به على شكل موادّ لا تبتعد كثيراً عن القوانين الوضعية؛ ليسهل على القضاة الوصول إلى الأحكام الشرعية من خلالها، وفق لغةٍ قانونية يفهمونها. وأحكام المجلة منسجمة ـ بمعظمها ـ أو مستمدّة من القرآن، قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، ومن الحديث الشريف، كما في قوله: «لا ضرر، ولا ضرار». وكان لهذه المجلة فضل كبير على رجال القانون، حيث جعلت الأحكام الشرعية والفقه الإسلامي في متناول أيديهم.

ولذا تداعى إلى شرحها أتراكٌ وعرب، مسلمون ومستشرقون، مثل: مسعود أفندي، وسليم اللبناني، والسيد يوسف أصاف، وعلي حيدر، وكذلك محمد طاهر الأتاسي، ومحمد سيد المحاسني، وأحمد الزرقا الحلبي، والأستاذ منير القاضي، وعبد الستار القسطنطيني، والشيخ حمود حمزة، ومنهم: الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء.

وقد تصدّى للمجلة الفقهاء والشرّاح والناقدون، بين مؤيِّد ومخالف، وبخاصة في المراكز الدينية، كالنجف الأشرف، وقم المقدسة، والأزهر الشريف، والزيتونة، والقيروان، فضلاً عن المدارس الحقوقية الكثيرة، ومنها: مدرسة الخديوي، التي أسّسها عام (1877م)، والتي درّست قواعد الشريعة الإسلامية مقابل القوانين الوضعية.

وبالمقابل نشأت تيّارت تطالب المجلّة بالعودة في بعض أحكامها إلى أحضان الأحكام الشرعية، بَدَلاً من الأحكام الوضعية.

 المبحث الخامس: (تحرير المجلة)، للشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء (تطبيقاً لتقنين الفقه في مدرسة أهل البيت^)

كان الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء(1373هـ ـ 1954م) من الذين شرحوا مجلّة الأحكام العدلية، وعلَّق عليها، ونقد بعض بنودها، وأضاف إليها دراسةً علمية رصينة، واستدرك على أحكامها وفق مدرسة أهل البيت×. فجاءَتْ بحقٍّ أول دراسة في مجال تقنين الفقه الإسلامي في هذه المدرسة، وعلى نهج (مجلة الأحكام العدلية)؛ لأنها ـ كما يقول الشيخ في مقدّمته عنها ـ «تضمّنت فقهاً قانونياً، وقانوناً فقهياً».

ولا نريد هنا أن نستعرض كتاب (تحرير المجلة)، أو نسهب في البحث فيه؛ لأنه يتطلب دراسةً، بل دراسات واسعة فيها. ولكنّنا سنقصر حديثنا عنها على أربع محاور، نكتفي فيها بالإشارة والتلميح، بدلاً من الإسهاب والتوضيح.

وهذه المحاور الأربعة هي:

 

1ـ سبب التأليف

وقد أورد الشيخ آل كاشف الغطاء سبب تأليفه (لتحرير المجلة) في مقدّمة كتابه بما نصّه: «تكرّر عليّ الطلب من بعض الشباب المهذّب من طلاب الحقوق أن أكتب وجيزاً في الأحوال الشخصية والمعاملات المالية على طريق فقه الإمامية.

ثم إن كتاب (تحرير المجلة) قد ضمنه الشيخ آل كاشف الغطاء آراء المذهب الإمامي، مقارنة بما جاء عن المذاهب الإسلامية الأخرى. لذا غدا الكتاب من مصادر الفقه المقارن، فأعطى للقاضي مساحةً أوسع لاختيار المادة القانونية وفق مذهبه أو مذهب المتخاصمين. وهذا يكون أقرب للقبول منهم إنْ اشترطوا هم ذلك، ويكون ملزماً لهم بالانصياع إليه.

ولأهمّية كتاب (تحرير المجلة) فإنّ (المجمع العلمي العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية) قد اختاره المصدر المعوَّل عليه، وأوكل مهمة تحقيقه إلى الشيخ الجليل (محمد الساعدي)، فبذل في تحقيقه جهداً كبيراً يشكر عليه، وأوكل مهمة الإشراف على التحقيق للشيخ محمد مهدي الآصفي، فكانا نعم التحقيق ونعم الإشراف.

وقد تضمَّن الكتاب (تحرير المجلة) استدراكات الشيخ آل كاشف الغطاء وتهذيباته ومقارناته لما جاء في مجلة (الأحكام العدلية) وفق المذهب الإمامي. فسلَّط الأضواء على ما تفرَّد به الفقه الإمامي من حلول الإشكاليات المحدثة المعاصرة وفق (الاجتهاد العقلي)، الذي تمسَّكت به مدرسة أهل البيت×، متوخِّياً بهذا العمل المقارن أن يوضح ما للاجتهاد عند الإمامية من مرونة حيّة اختصّ بها فقههم، يتماشى ومتطلّبات كلّ عصر، والقدرة على تصويب الآراء وإصدار الأحكام.

 

2ـ خصائص كتاب (تحرير المجلة)

يبدو لي من خلال مراجعة (كتاب تحرير المجلة) أن الشيخ قد وازن بين الفقه الإمامي وفق المذاهب الإسلامية الأخرى. وقد سار على خطى شرّاح المجلة الذين سبقوه، أمثال: (ابن نجيم المصري).

وقد أضاف الشيخ آل كاشف الغطاء أكثر من ثلاث وعشرين قاعدة فقهية، منها: «الدواعي لا تغيِّر الأسباب؛ وكلّ وقف زال جاز بيعه».

ويرى الشيخ أن مجلة «الأحكام العدلية» تحتاج إلى تنقيح وتحرير وتوضيح بعض قواعدها والفروع، وقد أدرج غرضه في كتابة (تحرير المجلة) لحلّ المشاكل ومقارنة موادّها بموادّ فقهية أخرى عند المذاهب الأخرى. وأشار إلى موادّ مذهب الإمامية فيها. ومن الملاحَظ الواضح أن الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء لم يقلِّل شأن علماء المذاهب الإسلامية الأخرى، وإنما كان يلتمس العذر لهم في ما يذهبون إليه، مستنداً إلى القرآن الكريم والسنّة المطهرة الواردة عندهم.

 

 3ـ  نماذج من آراء الشيخ آل كاشف الغطاء في (تحرير المجلة)

ومن جملة آراء الشيخ آل كاشف الغطاء في تحريره لموارد مجلّة الأحكام العدلية أنّه عرّف (المال) بأنه «مدار العقود والمعاملات… وهو حقيقة اعتبارية ينتزعها العقلاء من الموجودات الخارجية».

وعرّج الشيخ على اختيار الناس للذهب والفضّة وسائر المعادن، والورق المطبوع، واعتبروا ذمّة الرجل العاقل الرشيد مالاً، والذمم عند الفقهاء (مال)، حالها حال المعادن. لذا قسّم علماء الفقه ورجال القانون والاقتصاديون المال إلى نوعين:

الأوّل: مال عيني، ويقصدون به النقود والمعروض.

الثاني: مال اعتباري، وهو ما في الذمم، يضبطه العقد الذي يعنون به الالتزام.

 

 4ـ المصادر المعتمدة في (تحرير المجلّة)

فقد اعتمد الشيخ آل كاشف الغطاء في كتابه (تحرير المجلة) على مصادر ومراجع استقصى منها معلوماته، وأودعها كتابه، واستند إلى مصادر الاستنباط المعتمدة في آرائه واجتهاداته الخاصّة، ومن أهمّها: القرآن الكريم؛ والسنّة المطهّرة.

وأحاول عرض أهم المصادر التي اعتمدها، وذلك حسب المسار التاريخي لها:

1ـ شرائع الإسلام، للمحقِّق الحلّي(676هـ).

2ـ تبصرة المتعلِّمين، للعلاّمة الحلّي(726هـ).

3ـ القواعد والفوائد، للشهيد الأول محمد بن مكّي العاملي(786هـ).

4ـ تمهيد القواعد، للشهيد الثاني زين الدين الجبعي العاملي(965هـ).

5ـ عناوين الأصول، لمير عبد الفتاح المراغي(1250هـ).

6ـ العروة الوثقى، للسيد كاظم اليزدي(1337هـ).

ولم يكتفِ بمصادر الإمامية هذه المتقدِّمة، وإنّما اعتمد على مصادر مدرسة الجمهور؛ ليوازن بين الآراء، ويعرض آراء المذاهب الأخرى، مثل:

1ـ الجامع الصحيح، لمحمد بن إسماعيل البخاري(256هـ).

2ـ الأشباه والنظائر، لابن نجيم المصري الحنفي(970هـ).

3ـ كنز العمال، للمتّقي الهندي(975هـ).

فضلاً عن كتب الحديث والفقه الأخرى المعتمدة لديهم.

_________________

(*) رئيس مركز الفقه الإسلاميّ وأصوله للدراسات العليا. من العراق.