معرفة الله وفق الذوق العرفانيّ للإمام الحسين عليه السلام

26 أبريل 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬208 زيارة

معرفة الله وفق الذوق العرفانيّ للإمام الحسين عليه السلام

د. الشيخ محمد باقر حيدري كاشاني(*)

ترجمة: السيد موسى صبري

 

أهميّة وضرورة معرفة الله ــــــ

تكتسب «معرفة الله» قدراً بالغاً من الأهميّة والضرورة داخل دائرة العرفان الإسلامي، في ساحتي «العرفان النظري» و«العرفان العملي». فمن ناحية نجد أنّ الغاية القصوى لله من وراء خلق الموجودات (في قوس النزول) هي أن يعرِّف لنا حقيقة ذاته؛ ومن ناحية أخرى نرى أنّ غاية السير والسلوك وهدفه النهائي يتمثَّل في المعرفة الشهوديّة لله سبحانه وتعالى.

وعلى هذا الأساس فإنّ «معرفة الله» مسألة محوريّة في ساحة «الرؤية الكونيّة العرفانيّة»، أو في ساحة «السير والسلوك العرفانيّين».

 

 1ـ معرفة الله هدفُ الخلقة ــــــ

في ثنايا مناجاته ذات المضامين العرفانيّة في موقف عرفات يبيّن الإمام الحسين× أنّ الغاية من خلقة الإنسان هي أن يتعرّف على الله في كلّ شيء: إلهي قد علمتُ باختلاف الآثار، وتنقّلات الأطوار، أنّ مرادك منّي أن تتعرّف إليّ في كلّ شيء؛ حتّى لا أجهلك في شيء([1]).

ولكي نفهم هذه الفقرة من دعاء عرفة فهماً صحيحاً يمكننا التأمل في حديث «الكنز المخفيّ»؛ ففي هذا الحديث القدسي يقول الله سبحانه وتعالى: إنّ الهدف الأساسيّ والغاية القصوى من خلق الموجودات هي معرفته تعالى ليس إلاّ: كنتُ كنزاً مخفيّاً، فأحببتُ أن أُعرف، فخلقتُ الخلقَ لكي أُعرف([2]).

وحسب هذا الحديث الشريف فإنّ أصل تجلّي الحقّ من مقام غيب الغيوب، وأصل ظهوره في جميع مراتب قوس النزول، كلّ ذلك قد تحقّق على أساس الحبّ الذاتي للحقّ لأن يعرِّف ذاته([3])؛ فذو الوجه الملائكي لا طاقة له على الستر والخفاء. وعلى هذا الأساس يمكن القول: إنّه لولا الحبّ الذاتيّ للحقّ لأن يعرِّف ذاته لما كان لأيٍّ من الموجودات أن يبصر نور الوجود، وما كان لأيٍّ منها أن يصل إلى كماله المنشود. ومن هنا فإنّ كلاًّ من إيجاد الموجودات وإبقائها متعلِّقان بالحبّ الذاتيّ لله لأن يعرِّف ذاته. إنّه هذا الحبّ الذي يقول عنه أهل المعرفة: إنّه العلّة الموجدة، وكذلك العلّة المُبْقية لنظام الوجود: «لولا ذلك الحبّ لا يظهر موجودٌ من الموجودات، ولا يصل أحدٌ إلى كمال من الكمالات، فإنّه بالعشق قامت السماوات»([4]).

يقول الإمام الخميني، في ديوانه: ماذا عساي أن أقول أنا إذا كان العالم كلّه يعيش تحت ظلِّ عشق ذي الجلال… ذلك العشق الحاكم على الدهر والزمان؟!، فما من ذرّةٍ في الكون تخلو منه، وما شاء الله، إنّ هذا العشق هو الحاكم من أقصى الكون إلى أقصاه!([5]).

وهكذا؛ وبتطبيق مفاد حديث الكنز المخفيّ: «…فخلقتُ الخلق لكي أعرف» على البيان النوراني للإمام الحسين× من «…أنّ مرادك منّي أن تتعرَّف إليّ في كلّ شيء»، يمكن أن ندرك أن الهدف الأساس من خلقة نظام العالم هو تحقُّق «معرفة الله».

فكافّة آثار صنع الله، ومختلف الحالات والأطوار التي يعيشها الإنسان في حياته، هي تجلّيات لله من وجهة نظر العرفان الحسيني. وكلّ واحدة منها هي نافذة وأفق على معرفته تعالى. ومن هنا يرى الإمام الحسين× الزوجة والعيال والمظاهر الطبيعيّة وكلّ ما هو موجود تجلّيات للحقّ. بل وحتّى الأحداث المرّة، والعداوات والبلايا، يراها هي الأخرى آياتٍ إلهيّة، ظهرت لتوسيع دائرة معرفة الإنسان بالله، ولكي يكون الإنسان على ذكر الله دائماً، وناظراً لتجلّياته([6]).

وهناك بعض الآيات من أرقى مبادئ وصفة الشفاء السماوي تعدّ العبوديّة ومعرفة الذات الإلهيّة المقدَّسة أقصى هدف للخلقة:

1ـ ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56)([7]).

2ـ ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ (الطلاق: 65).

وقد بيّنت الآية الأولى أنّ هدف خلق الجنّ والإنس هو العبوديّة لله، وعدّت الآية الثانية معرفة الله تعالى هي الهدف من خلق السماوات والأرض([8]).

وبالجمع بين هاتين الآيتين الكريمتين يمكن أن نستنتج أنّ الهدف النهائيّ من الخلق هو تحقُّق «العبوديّة العارفة»، أو «المعرفة العابدة»، لله([9]).

 

 2ـ المعرفة مقدّمة العبوديّة ــــــ

ما هي العلاقة بين المعرفة والعبوديّة؟ هل المعرفة متقدّمة على العبوديّة أم العبوديّة متقدّمة على المعرفة؟

ويمكن أن نعثر على خير جواب في كلام قدوة العابدين وأسوة العارفين، ذلك الكلام المليء بالإشارات، والذي تلفَّظ به× في جمعٍ من أصحابه، مبيّناً مقام المعرفة الرفيع والعبوديّة لله في نظام الوجود، فقال: أيُّها الناس، إنّ الله عزَّ وجلَّ ذكره ما خلق العباد إلاّ ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، واستغنوا بعبادته عن عبادة ما سواه([10]).

وبما أنّ الله تعالى فطر الإنسان على معرفته([11])، فإنّ كافّة عبادات الإنسان يمكن أن تعدّ نتيجة المعرفة الذاتيّة والفطريّة بخالق الكون. وكلّما كانت مرآة الإنسان أكثر رقّة وانصقالاً فإنّ معرفته بخالقه ستكون أشدّ وأقوى، وفي النتيجة ستكون عباداته أشرف. ومن جهة أخرى كلّما كانت عبوديّة الإنسان أشرف وأخلص كانت شوائب الفطرة أقلّ وأرقّ، وفي النتيجة ستكون معرفة الحقّ في قلب الإنسان وفطرته أكثر نقاء وأوضح شهوداً.

ورغم أنّ شرف كلّ عبادة يرتبط بمستوى المعرفة، إلاّ أنّ نيل المراتب الأعلى من المعرفة ليس له طريق سوى طريق العبادة والعبوديّة الخالصة؛ فما لم يسلِّم العبد لربّه، ويخضع لربوبيّته، فإنّه لن يصل طبق المشيئة الإلهيّة إلى المعرفة الحقيقيّة والشهوديّة.

ولذلك أمكن أن نعدّ المعرفة والعبوديّة متلازمين وتوأمين؛ فكلّما كانت المعرفة أعمق كانت العبوديّة أكثر خلوصاً، وكلّما كانت العبوديّة أخلص كانت المعرفة أشدّ شهوداً.

ونتيجة ذلك أنّه يمكننا أن نقول؛ استلهاماً من كلام إمام العارفين؛ واستناداً إلى الآيات القرآنيّة: إنّ الهدف من وراء خلق الإنسان ليس سوى وصوله إلى مقام «المعرفة العابدة»، أو «العبودية العارفة». وإذا ما استمرّ هذا المزيج المقدَّس في سيره التصاعدي فسينتهي إلى المعرفة الشهوديّة الغنيّة بشكلٍ مطلق، وسيوصل عباد الرحمن إلى القمّة الشامخة للغنى والعزّة.

من خلال تأمّل أعمق في الكلام النوراني للإمام الحسين× بخصوص الدور المحوري لـ «معرفة الله» في ساحة «العرفان العملي» يمكننا كذلك أن ندرك أنّ أهمّ زاد للسالك إلى الله في مسيره نحو الوصول إلى مقام العبودية لله هو طيّ مراتب معرفة الحقّ تعالى: «فإذا عرفوه عبدوه»، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى ندرك أنّ أقوى عامل يدفع السالك في مسيره لطيّ قوس الصعود (السير من الخلق إلى الحقّ) هو حبّه وعشقه للوصول إلى أعلى مراتب معرفة الله؛ ذلك أنّ أقصى وأجمل غاية ينتهي إليها السلوك العبوديّ للعرفاء هو معرفة هذه الذات الغنيّة المطلقة، وتجلّيها في قلب العارف، الأمر الذي يوجب استغناء العارف عمّا سوى الله: «فإذا عبدوه استغنَوْا بعبادته عن عبادة ما سواه»([12]).

وممّا تقدَّم ننتهي إلى النتيجة التالية: كما أنّ تحقُّق قوس النزول من منظور الرؤية الكونيّة العرفانيّة (العرفان النظري) هو انعكاسٌ لحبّ الحقّ الذاتيّ لأن يعرِّف بذاته، كذلك يحتاج طيّ قوس الصعود في وادي السير والسلوك العرفاني (العرفان العملي) إلى زادٍ مناسب، أي إلى العشق والولع في طلب معرفة ومشاهدة هذه الذات الأحديّة.

وكما أنّ أصل ظهور وتجلّي الكثرات من الوحدة ـ بحسب مبنى أهل المعرفة ـ يرجع إلى حبّ الحقّ لأن تُعرف ذاته، كذلك فإنّ رجوع الكثرات إلى الوحدة هو أيضاً أمرٌ ممكن من خلال امتطاء مركب محبّة معرفة الحقّ تعالى([13]).

يقول الإمام الخميني، في ديوانه: عجباً لراية العشق! فما إنْ رفرفت فوق العالمَين حتّى حيّرت الإنس والجنّ والملك. فسكّان العرش يبكون وينوحون في سبيل الحبيب، وأهل القدس يلطمون على رؤوسهم وصدورهم من حسرة العشق([14]).

 

 3ـ معرفة الله أساس جميع المعارف ــــــ

تعدّ المعرفة الحقيقية لله سبحانه وتعالى حسب الذوق العرفاني للإمام الحسين× عماد وأساس العلم والمعرفة: «ما رأس العلم؟ معرفة الله حقّ معرفته»([15]).

إنّ معرفة الله هي أساس ورأس مال جميع العلوم والمعارف؛ حيث إنّ كلّ علم يتناول معرفة الظواهر المختلفة للعالم. وفي عالم الوجود ليس هناك سوى حقيقة الوجود ومظاهره وتجلّياته. إذاً فكلّ علم ـ سواء كان معروفاً أم غير معروف ـ في بدايته وخاتمته ينظر إلى حقيقة العالم ومظاهره اللامتناهية.

يقول الإمام الخميني، في ديوانه: ما من عينٍ لم ترَ وجه جمالك، وما من أذنٍ لم تصغِ إلى لحنك، وما مدَّت يدٌ إلاّ إلى مائدتك، ولم يبحث أحدٌ في العالم إلاّ عن أثر أقدامك.

وبناءً على ذلك فشرف كلّ علمٍ يرجع إلى مقدار ارتباطه بحقيقة الوجود، والنظرة الإلهيّة له، وإلاّ فإنّ كلّ ما كان من صنع الخيالات الواهية وغير الواقعية ـ حتّى وإنْ خلعوا عليه صفة العلم ـ فسوف لن تكون له أيّ قيمة أوشرف.

يقول نظامي كنجوي، في الديوان: فليكن في عالم النسيان كلّ ما خلا من ذكرك، وليخرس كلّ مَنْ لم ينطق عنك.

في أفق العرفان الحسيني لا تُدرك ولا تُعرف أيّ ظاهرة إلاّ بالله([16]). ولا يمكن لأيّ معرفة أو علم أن تتحقّق سوى تحت ظلّ معرفته؛ حيث يقول الإمام الحسين×: به تُعرَف المعارف، لا بها يُعرَف([17]).

إنّ معرفة أيّ ظاهرة مرهونةٌ بمعرفة الله، وكلّ مَنْ وجد الله بالمعرفة الحقيقيّة فقد وجد كلّ شيء، وكلّ مَنْ لم يجده بالمعرفة التي تناسبه تعالى فلم يجِدْ في الواقع شيئاً: ماذا وجد مَنْ فقدك؟! وما الذي فقد مَنْ وجدك؟!([18]).

أجل، بالمعرفة الوجدانيّة والحضوريّة لحقيقة الوجود سيكون كلّ شيء وكلّ شخص حاضراً ومعروفاً عند العارف. ومن ناحية أخرى فمع الحرمان من الحقيقة الواقعيّة لحقيقة الوجود سيبقى كلّ شيء وكلّ شخص مجهولاً عند الإنسان.

إنّ المكافأة التي تعطيها المعرفة الوجدانيّة هي إدراك ومعرفة كلّ شيء، وكلّ شخص، بينما عاقبة الحرمان من هذه المعرفة هي الجهل المحض، وعدم إدراك جميع الأشياء، وجميع الأشخاص.

 

حدود معرفة الله ــــــ

استحالة المعرفة التفصيليّة بحقيقة الذات الإلهيّة ــــــ

يعرّف إمام العارفين ـ الإمام أبو عبد الله الحسين× ـ الذات الإلهيّة المقدّسة بأنّها بعيدة عن ساحة أيّ فكر وشهود؛ فهي في أفق لا محدود من الكبرياء والعظمة. وإنّ هكذا وجود لا حدّ له يقصر جميع الحكماء وأصحاب الفكر عن بلوغ كنه وحقيقة عظمته، وتنقطع سبل آمال العارفين عن شهود جبروته وعظمته: لا يُقدِّر الواصفون كُنْه عظمته، ولا يخطر على القلوب مبلغ جبروته؛ لأنه ليس له في الأشياء عديلٌ([19]).

من مجموع كلمات إمام العارفين× حول الوجه في استحالة معرفة الذات الربوبيّة نجد أنّ هناك أسباباً عدّة يمكن أن نوردها على النحو التالي:

 

أـ ليس للذات الإلهيّة مثيلٌ ولا نظير ــــــ

في الفقرة الأخيرة التي أوردناها يذكر الإمام الحسين× أنّ عدم وجود مثيل ونظير لله لهو دليلٌ واضح على استحالة معرفة ذاته الربوبيّة: «…لأنّه ليس له في الأشياء عديلٌ».

والوجه في هذا الأمر هو أن أبسط وأسهل طريق لمعرفة أيّ ظاهرةٍ هو مقارنتها مع الأمور التي تشبهها، بينما الذات الإلهيّة ليس لها مثيل ولا نظير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى: 11).

وعليه فإنّ الاعتماد على هذا الطريق لأجل معرفة الذات الإلهيّة سيكون منتفياً؛ لانتفاء موضوعه، وهي الذات التي يقول بشأنها الإمام الحسين×: لا كُفْوَ له يعادله، ولا سميَّ له يشابهه، ولا مِثْلَ له يشاكله([20]).

 

ب ـ ليس للذات الإلهيّة ضدٌّ ولا رقيب ــــــ

من الوسائل الأخرى لمعرفة ظاهرةٍ ما معرفتها بأضدادها؛ حيث يُقال: «تُعرف الأشياء بأضدادها»، كمعرفة الليل من خلال معرفة النهار. ولا سبيل إلى هذا الطريق لمعرفة الذات الإلهيّة المقدّسة التي لا ضدّ لها بين سائر المخلوقات([21])؛ فالقدرة المطلقة والمحيطة للذات الإلهيّة، بحسب مولى العارفين والموحِّدين، لم تترك مجالاً لأيّ ضدّ أو رقيب أو لأيّ غير: لا منازع له في شيء من أمره، ولا ضدّ له ينازعه… ليس بقادرٍ مَنْ قارنه ضدٌّ، أو سَاوَاهُ نِدٌّ([22]).

 

ج ـ ليس للذات الإلهيّة حدٌّ ــــــ

إنّ معرفة وشهود أيّ ظاهرة ـ سواء كان الشهود عقلياً أم قلبياً ـ نابعان من الإحاطة بهذه الظاهرة، والتمكّن منها. وعلى هذا الأساس فالوصول إلى أيّ معرفة بالذات الإلهيّة ـ حصوليّة كانت أم حضوريّة ـ هو أمرٌ غير ممكن؛ لأنّ ذاته المقدَّسة لها إحاطة مطلقة بجميع الأشياء، ولا تقع تحت نطاق الإحاطة العقليّة أو القلبيّة لأيّ عاقل: ﴿أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ (فُصِّلت: 54).

وعليه لن يبقى غيره في دار الوجود، حتّى يتمكن من إدراك ذاته اللامتناهية، ويوفّق لمعرفة حقيقته وكنهه. من هنا فإنّ الوقوف على كنه وحقيقة ذاته اللامحدودة غير ممكن لأيّ حكيم متأمّلٍ في حقائق الأشياء، ولأيّ عارف متبصِّر واقف على كنه الأمور.

إنّ الوجود المطلق والمحيط لله منزَّه عن الوقوع تحت إحاطة وَهْم الإنسان وعقله؛ إذ إنّ ما يقع تحت سيطرة الوَهْم والعقل ليس إلاّ من نسج خيالنا، ومن ترشُّحات أذهاننا([23])، وليس ذلك بربِّ العالمين: ما تُصوِّر في الأوهام فهو خلافه؛ ليس بربٍّ مَنْ طُرح تحت البلاغ، ومعبودٍ مَنْ وُجد في هواء أو غير هواء([24]).

يقول العطّار النيشابوري: لا يعرِّف أحداً على كنه ذاته، فكلّ ما يُقال: هذا هو فليس ذاك([25]).

إنّ لازم المعرفة الشهوديّة كذلك هو الارتباط الوجوديّ بين العالِم والمعلوم، بينما الذات الإلهيّة المطلقة واللامحدودة أنزه وأقدس من أن ترتبط وجوديّاً بشيء آخر. من هنا فإنّ ذاته المقدَّسة ليست موضوعاً للمعرفة الشهوديّة لأيِّ مخلوق؛ لأنّ الوجود المطلق المحض واللامحدود لا يمكن أن يُقيَّد بأيّ قيد، ولا أن يتعلّق بأيّ ربط([26]).

وعلى هذا الأساس فإنّ أيَّ نوع من المعرفة العقليّة أو الشهوديّة لذاته القدسيّة، المحتجبة بحجاب الكبرياء، لا تتيسَّر لأيّ كائن كان، بحسب الرؤية العرفانيّة الحسينيّة: … احتجب عن العقول، كما احتجب عن الأبصار، وعمَّنْ في السماء احتجابه عمَّنْ في الأرض…([27]).

يقول العطّار النيشابوري: ماذا يعلم عن قداستك الخلق الترابي؟! فأنت منزَّه عن كلّ قداسة نحن نتصوَّرها، فأنت فوق كلّ ما أقول، وأنت محيطٌ بغيب الغيوب([28]).

ويقول العارف داوود القيصري في هذا الخصوص: «فإنّ الحقّ من حيث هو لا نسبة بينه وبين أحدٍ من العالمين، فلا تمكن رؤيته لأحدٍ من هذه الجهة»([29]).

 

د ـ لا يمكن وصف الذات الإلهيّة ــــــ

إنّ إمكان تعريف أيّ ظاهرة هو فرع إمكان وصفها، وما لم يتيسّر لنا وصف شيء ما فلا يمكن بأيّ حال معرفته. إنّ ذات الله تبارك وتعالى هي ذات محيطة، لا حدّ لها، ولا تقبل الوصف؛ إذ إنّ وصف ظاهرة ما يتفرَّع عن إمكان تحديدها، وإذا كان الشيء غير قابل للتعيُّن والتقيُّد والتحديد فلا يمكن إبراز تعريف وتوصيف حقيقيّين له أبداً. وعليه فإنّه ليس لأحدٍ سبيلٌ إلى المعرفة الحقيقيّة بذات الله تعالى.

يسوق الإمام الحسين× مسألة عدم إمكان وصف الذات الإلهيّة كدليلٍ واضح على عدم إمكان معرفة هذه الذات، وذلك في قوله: ولا تدركه العلماء بألبابها، ولا أهل التفكير بتفكيرهم، إلاّ بالتحقيق؛ إيقاناً بالغيب؛ لأنه لا يوصَف بشيء من صفات المخلوقين، وهو الواحد الصمد([30]).

يطلق أهل المعرفة على الذات الربوبيّة من حيث إنّها غير مقيّدة بأيّ قيد، ولا تتَّصف بأيّ وصف، «مقام اللا مقام» و«مقام اللا اسم واللا رسم»([31]). يقول القونوي ما نصّه: «اعلم أنّ الحقّ من حيث إطلاقه وإحاطته لا يسمّى باسم، ولا يُضاف إليه حكم، ولا يُعيّن بوصفٍ ولا رسم»([32]).

إنّ جميع أهل الحكمة والمعرفة متّفقون على أنّ هويّة ذات الحقّ تعالى وحقيقته ليست معلومة لأحدٍ سواه؛ لأنّ الذات الأحديّة المختصّة به لا توصَف بأيّ حكم، ولا تُقيّد بأيّ وصف([33]).

وعلى هذا الأساس فإنّ كنه هذه الذات الأحديّة، من حيث إنها لا تقبل التناهي ولا التمايز ولا التعيّن، لا يمكن تعقّله ومشاهدته، حتّى لأنبياء الله وأوليائه: «وأمّا الذات الإلهية فحار فيها جميع الأنبياء، كما قال|: ما عرفناك حقّ معرفتك»([34]).

إنّ المتمسّكين بأستار كعبة جلال الحقّ اعترفوا بالتقصير عن عبادته: «ما عبدناك حقّ عبادتك»، والواصفين لحِلْية جماله تحيّروا في معرفته: «ما عرفناك حقّ معرفتك»([35]).

ونتيجة هذا المطلب هي أنّ إدراك حقيقة وجود الله اللامحدود، وكيفيّته، هو أمرٌ غير ممكن لأحدٍ سواه. ونجد كذلك إشارة إلى هذه الحقيقة في دعاء المشلول الشريف([36])، الذي ينقله الإمام الحسين× عن أبيه أمير المؤمنين×: يا هو، يا مَنْ لا يعلم ما هو، ولا كيف هو، ولا حيث هو، إلاّ هو([37]).

وينبغي هنا أن ندرك أن مرادهم أيضاً من أن هناك طريقاً للقاء، ومشاهدة جمال الحقّ وجلاله، لا يعني أن اكتناه ذاته المقدَّسة هو أمرٌ جائز، أو أنّه يمكن الإحاطة بهذه الذات المحيطة على الإطلاق في مقام العلم الحضوري والمشاهدة العينيّة الروحيّة، بل إنّ امتناع الوقوف على حقيقة وكُنْه هذه الذات بقدم التفكُّر في العلم الكلّي ـ الفلسفة ـ، وامتناع الإحاطة بقدم البصيرة في العرفان الشهوديّ، هو من الأمور البرهانيّة، وموضع اتّفاق جميع العقلاء وأرباب المعارف والقلوب([38]).

 

 إمكان المعرفة الإجماليّة بالذات الإلهيّة ــــــ

رغم أنّه لا يمكن لأحدٍ العلم بالذات الإلهيّة المتعالية واللامحدودة، وشهودها، حسب الرؤية العرفانيّة الحسينيّة، إلاّ أنّ هذا الأمر لا يعني على الإطلاق أنّ الطريق نحو المعرفة العقليّة والشهوديّة بهذه الذات مسدودٌ بنحو كلّي، بحيث لا يمكن المعرفة بها ولو إجمالاً. وبشكل أساسي فإنّ أيّ شخص يدَّعي أنّه يؤمن بشيء غير قابل للمعرفة فهو بعيدٌ كل البعد عن ساحة المعرفة([39]).

إنّ هذا الوجود الذي لا نظير له ولا مثيل يمكن معرفته وإدراكه من خلال العلم والشهود الإجماليّين([40])؛ لكنّ غاية علم الإنسان وشهوده بخصوص هذه الذات اللامحدودة هي الوصول إلى درجة اليقين، من دون الوصول إلى كُنْه وحقيقة هذه الذات، كما يقول الإمام الحسين×: لا تدركه العلماء بألبابها، ولا أهل التفكير بتفكيرهم، إلاّ بالتحقيق؛ إيقاناً بالغيب([41]).

وعلى صعيد الفكر الفلسفيّ يطرح البعض إشكالاً، مفاده أنّ بعض المفاهيم، كمفهوم «اللامتناهي»، لا يمكن تصوُّرها، وهذه الأمور وإنْ كان لها مفهوم، فليس لها معنى مشخَّص، ولا تقبل حكماً خاصّاً. ونقول في معرض الردّ على هذا الإشكال: ليس الأمر بهذا النحو، من أنّه لا يمكن وجود أيّ تصوُّر البتّة حول مفهوم اللامتناهي، بل إنّ التصوّر الإجماليّ حول اللامحدود أمرٌ ممكن، ويمكن الاستناد إلى هذا التصوُّر الإجمالي في إيجاد أحكام بشأن الوجود اللامتناهي.

إنّ ذروة الشهود العقليّ للحكيم، وغاية درجة الشهود القلبي للعارف، هي الإذعان بأنّ هناك حقيقة غير متعيّنة وغير متناهية فوق جميع تعيّنات العالم. ومن خلال هذا الطريق يمكن إدراك وجود هذه الحقيقة، وتحقّقها، والإيمان بها باليقين العقلي والقلبي، كما يقول وارث الشهود التامّ المحمّدي: يصيبُ الفكرُ منه الإيمانَ به موجوداً ووجود الإيمان، لا وجود صفة([42]).

يقول حافظ الشيرازي: إنّ أحداً لا يعرف أين يقع منـزل المعشوق (ذات الحقّ تعالى)، ومعرفة هذه الذات كسماع صلصلة الجرس من بعيد([43]).

رغم أنّه ليس لدى البشر سبيلٌ للمعرفة الحقيقيّة بذات الله وصفاته الذاتيّة ـ التي هي عين ذاته القدسيّة ـ، فإنّه بالإمكان معرفة الذات المقدَّسة للحقّ تعالى على نحو الإجمال، ورؤية كيفيّة إحاطة هذه الحقيقة بكلّ شيء. إذاً فلا يمكن الوصول إلى غاية كُنْهه وحقيقته، لكنْ يمكن إدراكه من خلال حضوره الإحاطي وراء كلّ تعيّن.

بالالتفات إلى ما مرَّ بيانه يمكن حمل الآيات والروايات التي تصرّح بالتنزيه الصرف، وعدم إمكان معرفة الله، على أنّها ناظرة إلى معرفة كُنْه وحقيقة الذات، أو المعرفة الحاصلة من خلال الرؤية بالعين الظاهريّة. كما يمكن حمل الآيات والروايات التي تدلّ على التشبيه، وإمكان الوصول إلى الله ومعرفته، على إمكان المعرفة الإجماليّة لذات الحقّ، ولصفاته الذاتيّة، أو لأسمائه وصفاته، في مقام تجلّي الذات إلى الحدّ المتاح للموجود الممكن([44]).

 

أقسام معرفة الله ــــــ

بالنظر في مجموع كلمات ومناجاة الإمام الحسين× يمكن تقسيم أنواع معرفة الله من خلال النظرة العرفانيّة الحسينيّة إلى ثلاثة أقسام كلّيّة:

1ـ المعرفة الفطريّة العموميّة.

2ـ المعرفة العقليّة البرهانيّة.

3ـ المعرفة القلبيّة الشهوديّة.

 

 1ـ المعرفة الفطريّة العموميّة ــــــ

إنّ الله تعالى من وجهة نظر العرفان الحسينيّ قد عجن معرفته مع الوجود كلّه. وعليه فليس يعرفه بنو آدم فقط، بل إنّ جميع المخلوقات في حقيقتها وفطرتها تعرف هذه الذات الأحديّة: أنت الذي لا إله غيرك، تعرَّفتَ لكلّ شيء، فما جهلك شيء([45]).

يؤكّد الإمام الحسين× في هذه الفقرة من دعاء عرفة على حقيقة سريان معرفة الله في جميع مظاهر عالم الوجود. وعلى هذا الأساس فإنّ كلّ واحد من موجودات العالم هو على مرتبة من الشعور والمعرفة بالله، وعلى أساس هذا الشعور وهذه المعرفة هي تسبّح بحمد الله: ﴿…وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (الإسراء: 44).

يقول الإمام الخميني، في ديوانه: ذرات الوجود عاشقة لوجهه، وهي بالفطرة تثني عليه. والقلوب ـ شاءت أم أبت ـ إنّما هي ناظرة إليه أينما نظرت([46]).

ويؤكّد الإمام الحسين× في فقرةٍ أخرى من مناجاة عرفة على حقيقة أنّ المعرفة الفطريّة بالله هي وديعة استودعها الله في جبلّة الإنسان: …حتّى إذا اكتملت فطرتي، واعتدلت مِرَّتي، أوْجبتَ عليَّ حجّتَك، بأنْ ألهمتَني معرفتك.

يظهر من القرائن السابقة على هذه الفقرة، والتالية لها، أنّ كلام الإمام يعبّر عن حقيقة كلّيّة تشمل أفراد البشر، وهي أنّ الله تعالى إذ أوصل فطرة الإنسان إلى معرفته، وأتمّ عليه الحجة بها، فإنّ ذلك لا يختصّ بالإمام المعصوم× وحده، بل كلّ إنسانٍ يأتي إلى هذه الدنيا فهو يصحب معه هذه المعرفة الفطريّة؛ استناداً إلى ما قاله الرسول الخاتم: كلّ مولود يُولَد على الفطرة بأنّ الله عزَّ وجلَّ خالقه([47]).

وانطلاقاً من هذه البيانات النورانيّة يمكن القول: إنّ عبدة الأوثان هم كذلك يعرفون الله في أعماق فطرتهم، لكنَّهم وأثناء عبادة ما سواه يخطئون في مقام تعيين المصداق. وعلى هذا الأساس فإنّ جميع البشر، بمَنْ فيهم الكفّار والملاحدة، الذين يندرجون تحت زمرة الجاهلين، هم على مراتب من المعرفة الفطريّة: معروفٌ عند كلّ جاهل([48]).

 

 2ـ المعرفة العقليّة البرهانيّة ــــــ

وحسب العرفان، من وجهة نظر الإمام الحسين×، يعدّ من الأمور اللازمة والحسنة التمسّك بالبراهين العقليّة ـ كبرهان النظم، وبرهان الإمكان، وبرهان فسخ العزائم ـ في بدايات السير والسلوك المعرفيّ إلى ساحة الحقّ.

 

 أـ برهان إتقان الصنع ــــــ

لقد أودع ربّ العالمين في خلق السماوات والأرض، ونظمِ كافّة مظاهر الوجود فيهما، علامات وإشارات لأولي الألباب والعقول وأصحاب الفكر: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ (آل عمران: 190).

فالقرآن الكريم يؤكّد بشدّة على التفكّر والتدبّر في عظمة المخلوقات الإلهيّة، فقد أثنى الله تعالى على هؤلاء السالكين الذين يتوجَّهون ـ عبر التفكّر العقليّ الدائم في آثار صنع الله ـ إلى ساحة معرفة الصانع عزَّ وجلَّ: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (آل عمران: 191).

أجل، إنّ التفكّر الدائم والمستمرّ في آثار صنع الله يمكنه أن يكون أساساً لأوضح البراهين في مقام إثبات وجود الصانع، وأوصافه التي لا نظير لها، كالعلم والقُدْرة والحكمة واللطف و…، كما أنّه يفرش طريقاً محكماً وصلباً للسالكين نحو معرفة الله، كما يقول مولى الموحّدين والعارفين عليّ×: بصنع الله يُستدلّ عليه، وبالعقول يُعرف([49]).

إنّ التمسّك بالبراهين العقليّة، كبرهان إتقان الصنع، في بداية الطريق نحو تحصيل معرفة الله هو أمرٌ مطلوب، ولكنْ لا ينبغي بأيّ حال من الأحوال الاكتفاء بهذه المرتبة من المعرفة؛ لأنّ هذه المعرفة محدودة وناقصة، بالقياس إلى المراتب العليا من المعرفة: إلهي تردُّدي في الآثار يوجِب بُعدَ المزار، فاجمعني عليك بخدمةٍ توصلني إليك([50]).

أجل، إنّ الأرض والصحراء والسماء والبراري الخضراء والأزهار والجبال، ومن الذرّة إلى المجرّة…، هي مظاهر لله حسب سعته الوجوديّة، ولكنّ هذا السير العقلاني في نَظْم وإتقان الآثار الإلهيّة يسوقنا حسب العرفان الحسينيّ نحو معرفة تُفرّق وتُبعّد، وتتّّسم بالمحدوديّة من حيث السعة الوجوديّة، معرفة ناقصة ومتدنّية تقبع وراء آلاف الحجب. إنّ هذه المعرفة ـ التي تنتقل من الأثر إلى معرفة المؤثّر، ومن النظم والإتقان في الخلقة إلى معرفة الخالق ـ هي ـ كما ورد على لسان مولى العارفين عليّ× ـ كالتعرُّف على الإنسان من خلال آثار أقدامه، وكدلالة الروثة على كلٍّ من الإبل والحمير([51]).

إنّ كلّ مخلوق هو مظهر وظلّ للذات الإلهيّة اللامتناهية، حيث يمثِّل كلٌّ ـ بحسب سعته الوجودية ـ أحد مظاهر الجمال والجلال الإلهيّين. غير أنّ كلّ واحد من هذه المظاهر؛ وبسبب ما له من تشخّص وتعيّن ومحدوديّة، يُعدّ حجاباً ومانعاً أمام نور هذا الوجود اللامحدود([52]).

كيف يمكن من خلال رؤية ظلّ الظواهر أن ندرك حقيقتها؟ كيف يمكن من خلال رؤية المانع والحجاب، والتدقيق والفحص فيهما، أن نرى النور الكائن وراءهما، ونعرف حقيقته؟

حول هذا المعنى يقول الشيخ اللاهيجي: «إنّ جميع الموجودات ما هي إلاّ مظاهر ومرايا وجه الله؛ فهو الذي ظهر في جميع صور الموجودات، واختفى في حجاب التعيّنات: وراء حجاب كلّ ذرة يختفي جمال الروح المنتشر فوق الأرواح.

من عجائب الشؤونات الإلهيّة أنّه مخفيّ في عين ظهوره، وظاهر في عين خفائه. مع العلم بأنه ليس لغيره وجود؛ فإنّ التعيّنات والتشخّصات ليست إلاّ حجاب جماله. تحت حجاب كلّ ذرة من الذرّات يختفي الجمال المنتشر لهذا المحبوب الحقيقي»([53]).

إنّ مشاهدة لطافة وعظمة المخلوقات الإلهيّة تقودنا إلى المعرفة الجزئيّة والناقصة بالخالق عزَّ وجلَّ؛ حيث إنّ معيار الظهور الإلهيّ في كلّ موجود هو بحسب مقدار المحدوديّة الذي ناله من حقيقة الوجود. بينما الإنسان؛ ولأجل الوصول إلى المعرفة التامّة بخالقه، فقد أعطي القدرة والإمكانيّة لذلك، ولهذه الغاية خلقه الله. من هنا فإنّ مولى العارفين يطلب من خالقه أن يُظهِر له جماله، الذي لا نظير له، من دون حجاب وغطاء، مجرَّداً من أيّ قيد وتعيّن، وأن يشاهده دون حضور غيره في ساحة الوصال والخلوة: إلهي أمرتني بالرجوع إلى الآثار([54])، فأرجعني إليك بكسوة الأنوار، وهداية الاستبصار، حتّى أرجع إليك منها مصون السرّ عن النظر إليها، ومرفوع الهمّة عن الاعتماد عليها، إنّك على كلّ شيء قدير([55]).

يقول الإمام الخميني، في ديوانه: أنا عاشق وجهك يا أيّتها الوردة التي لا نظير لها. والله، ليس لي هوى في سواك. ارفعي الحجاب عن وجهك. فقَسَماً بروحك ليس لي غاية سوى رؤية وجهك([56]).

ب ـ برهان فسخ العزائم ــــــ

أفضل تقرير لبرهان فسخ العزائم، هو البيان الجامع والنوراني لأمير المؤمنين× الذي رواه الإمام عليّ بن الحسين×: «إنّ رجلاً قام إلى أمير المؤمنين× فقال: يا أمير المؤمنين، بِمَ عرفتَ ربك؟ قال: بفسخ العزائم، ونقض الهمم. لمّا هممتُ فحيل بيني وبين همّي، وعزمتُ فخالف القضاء عزمي، علمتُ أنّ المدبِّر غيري»([57]).

وفي بعض فقرات دعاء عرفة نجد الإمام الحسين× ـ وهو ربيب المدرسة العرفانيّة لأمير المؤمنين× ـ يشير إلى برهان فسخ العزائم، إما تلويحاً، أو تصريحاً. وهذه الفقرات يمكن استعراضها بهذا الترتيب:

1ـ إلهي، قد علمتُ؛ باختلاف الآثار، وتنقّلات الأطوار، أنّ مرادك منّي أن تتعرّف إليّ في كلّ شيء.

2ـ إلهي، حكمك النافذ ومشيئتك القاهرة لم يتركا لذي مقالٍ مقالاً، ولا لذي حالٍ حالاً.

3ـ إلهي، كم من طاعة بنيتُها، وحالة شيّدتُها، هدم اعتمادي عليها عدلُك، بل أقالني منها فضلُك.

4ـ إلهي، كيف أعزم وأنتَ القاهر، وكيف لا أعزم وأنتَ الآمر.

5ـ إلهي، إنّ اختلاف تدبيرك وسرعة طواء مقاديرك منعا عبادك العارفين بك عن السكون إلى عطاءٍ، واليأس منك في بلاء.

أجل، إنّ العوامل والأسباب التي لا تؤخذ في الحسبان تتنزَّل علينا دائماً، حتّى كأنّ مصيراً جديداً ينتظرنا في كلّ لحظة([58]). وهذه الأحوال المتغيِّرة، والتي لا تؤخذ في الحسبان، هي التي تسوق أهل المعرفة ـ العرفاء ـ نحو مدبِّر العالم، والوجود بأسره.

 

ج ـ برهان الإمكان الفقري ــــــ

إنّ وجود جميع الموجودات الإمكانيّة هو عين الفقر والاحتياج. فكما أنّ الغنى وعدم الاحتياج هو عين ذات الواجب فإنّ الفقر والاحتياج هو عين ذات الممكن، ولا ينفكّ عنه أبداً:

يقول الشيخ محمود الشبستري، في گلشن راز: لم يوجد في الدنيا، ولا في الآخرة، موجود ممكنٌ منفصلاً عن الله تعالى، والله أعلم.

إنّ وجود كلّ ما سوى الله هو وجود فقير ومحتاج. كما أنّ وجود الممكن ليس حقيقيّاً، ولا ذاتيّاً؛ إذ إنّ كلّ ما لدى الممكن يُفاض عليه من غيره، وليس أمراً ذاتيّاً له: إلهي أنا الفقير في غناي، فكيف لا أكون فقيراً في فقري([59]).

يتّضح من ذلك أنّ الفقر والاحتياج حقيقة الذات الإنسانيّة، وهي الحقيقة التي لا تنفكّ عن جوهره لحظة واحدة. وانطلاقاً من هذه الحقيقة إذا نسي الإنسان فقر ذاته، وعدّ نفسه صاحب كمال وحقيقة، فإنّ مزاعمه ستكون باطلة، وادّعاءاته كاذبة: …إلهي مَنْ كانت محاسنه مساوئ فكيف لا تكون مساوئه مساوئ. ومَنْ كانت حقائقه دعاوى فكيف لا تكون دعاواه دعاوى([60]).

يرتكز برهان الإمكان الفقريّ على أساس الوجود الفقير للموجودات الإمكانيّة. فالموجود الممكن فقيرٌ ومحتاج، وكلّ فقير يرتبط بموجودٍ غنيّ غير محتاج. إذاً فللإنسان، ولكلّ ممكن آخر، هناك موجود غنيّ ومستقل يتميَّز وجوده بأنّه قائمٌ بذاته. إنّ الموجود الممكن (المعلول) هو عين الربط والاحتياج، وتحقّق الربط والاحتياج المحض من دون الانتهاء إلى الغنيّ المطلق المستقلّ هو أمرٌ محال، ويرجع ذلك إلى استحالة الدور أو التسلسل([61]). وعليه فإنّ الوجود الرابط الذي هو عين الفقر والاحتياج يتلازم مع حضور الغنيّ المطلق والمستقلّ([62]).

تتجلّى الثمرة النهائية لهذا البرهان في استحالة أن يتحقّق أيّ موجود بغير الارتباط بالله، وأنّ وجود كلّ موجود يساوي تعلّقه وارتباطه بالله. وحين ندرك أنّ المعلول هو عين الربط والتعلّق بعلّته الحقيقيّة، وليس له استقلال في ذاته، وأنّ جميع الموجودات لها ارتباط متّصل لا ينقطع بخالقها، وأنّ حقيقة وجودها هو عين الربط والتعلّق به، حين ندرك ذلك كلّه فسوف تتجلّى لنا حقيقة أنّ وجود كلّ الأشياء محالٌ من دون الارتباط بالله، والإشراق الوجوديّ له([63]).

وها هو الإمام الحسين× يتوسَّل إلى ربّه عبر احتياجه وفقره الذاتي، ويعبر من وجوده الفقير إلى ساحة الوجود الغنيّ المطلق: «ها أنا أتوسَّل إليك بفقري إليك».

لكنّه× سرعان ما يعدّ هذا النحو من السير لعبور الطريق إلى الله ـ وهو مطلوبٌ في بداية مراحل السير والسلوك ـ أمراً ناقصاً، ولا يمكن الاعتماد عليه لنيل المراتب العليا من معرفة الله: ها أنا أتوسّل إليك بفقري إليك، وكيف أتوسَّل إليك بما هو محالٌ أن يصل إليك([64]).

أجل، كيف يمكن للفقر ـ والذي لا سبيل له إلى ساحة القدس الربوبيّة ـ أن يوصل الإنسان إلى أعلى درجات الشهود والاتّصال بالله الغنيّ؟!([65]).

 

 د ـ برهان الصدّيقين ــــــ

بعد أن أشار إلى عدد من البراهين العقليّة في ساحة معرفة الله يؤكِّد مولى العارفين الإمام أبو عبد الله الحسين× بشكلٍ صريح على نقصان كافّة الاستدلالات المستندة إلى الوجود الناقص للظواهر والآثار الإلهيّة: كيف يُستَدَلّ عليكَ بما هو في وجوده مفتقرٌ إليك؟

من هنا فإنّ كافّة الاستدلالات التي منشؤها الوجود الفقير للممكنات يُنظر إليها ـ من زاوية العرفان الحسيني ـ على أنّها ناقصة، وليست بسديدة، في ساحة المعرفة الحقيقيّة لمقام الحقّ تعالى. إنّ براهين من قبيل: برهان النظم وإتقان الصنع، وبرهان الإمكان الفقري، وبرهان فسخ العزائم، وغيرها، تستمدّ قوامها من المراتب الدانية للوجود الفقير للموجودات الإمكانيّة، وهذه الاستعانة تحول دون الإدراك المستقيم والمباشر للواجب تعالى([66]).

بهذا النحو في مقام الإثبات والمعرفة الحقيقيّة بالله يكتسب أيُّ برهان قيمته حين يكون ناظراً إلى حقيقة الوجود فحسب، ويكون دالاًّ وشاهداً على ذات الحقّ بذاته، كما يقول الإمام الحسين×: منك أطلب الوصول إليك، وبك أستدلّ عليك([67]).

وهذا الاستدلال هو بعينه برهان الصدّيقين، واستدلالهم الصدق المحض، ولا يستدلّون على ذات الحقّ بغير ذات الحقّ. يقول صدر المتألِّهين في هذا الصدد: «واعلم أنّ الطرق إلى الله كثيرة؛ لأنه ذو فضائل وجهات كثيرة: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ (البقرة: 148)، لكنّ بعضها أوثق وأشرف وأنور من بعض. وأسدُّ البراهين وأشرفها إليه هو الذي لا يكون الوسط في البرهان غيره بالحقيقة، فيكون الطريق إلى المقصود هو عين المقصود، وهو سبيل (الصدّيقين) الذين يستشهدون به (تعالى) عليه، ثم يستشهدون بذاته على صفاته، وبصفاته على أفعاله، واحداً بعد واحد. وغير هؤلاء (كالمتكلِّمين والطبيعيين وغيرهم) يتوسَّلون إلى معرفته تعالى وصفاته بواسطة اعتبار أمر آخر غيره (كالإمكان للماهيّة، والحدوث للخلق، والحركة للجسم، أو غير ذلك). وهي أيضاً دلائل على ذاته، وشواهد على صفاته، لكنَّ هذا المنهج أحكم وأشرف»([68]).

إنّ برهان الصدّيقين، مع كونه يدلّ على ذات الواجب فحسب، وليس في مقام بيان صفاته وأفعاله، وفي الوقت الذي لا يحتاج إلى مقدِّمات فلسفيّة، يستهدي كثيراً بسائر البراهين الأخرى. وفي الحقيقة هو يطوي بخطوةٍ واحدة تمام الخطوات التي تخطوها البراهين الفلسفيّة بعد مراحل عديدة لإثبات الإطلاق والواقعيّة اللامحدودة لله. وهناك تحت ضياء ظهور الإطلاق وعدم تناهي الواقعيّة تظهر صفاته الأخرى الواحدة تلو الأخرى، كالوحدة والعلم والحياة. وبعد صفاته الذاتيّة تظهر أيضاً مراتب وخصوصيّات الظهورات والتجلّيات الفعليّة([69]).

إنّ برهان الصدّيقين ليس في صدد إثبات واقعيّة مجهولة تحتاج إلى برهان، بل إنّه يثبت فقط بداهة العلم والمعرفة بالواقعيّة المطلقة، الواقعيّة المطلقة التي تُعدّ الأكثر بداهة ومعرفة، ومعرفة أيّ شيء إنّما تنشأ منها.

ولا يخفى أنّ الإدراك الكامل لبرهان الصدّيقين يستلزم لطافةً في السرّ، كما أنّ له مراتب من المعرفة القلبيّة والشهوديّة.

 

 3ـ المعرفة القلبيّة والشهوديّة ــــــ

أـ محلّ معرفة الله ــــــ

لقد خلق ربّ العالمين الإنسان في أحسن تقويم([70])، وأنعم عليه بقلب يتميَّز بالقابليّة والظرفيّة اللامتناهية؛ لأجل التخلّق الكامل بأسماء الله وصفاته([71]). وكما أنّ الله تعالى غير متناهٍ في ذاته وصفاته وأفعاله فقد جعل قلب الإنسان أيضاً ـ من حيث القابليّة والظرفيّة ـ مرتبطاً بذاته، ومتّصفاً بأسمائه وصفاته اللامتناهية، إلى الحدّ الذي يقول: لا تسعني أرضي ولا سمائي، ولكنْ يسعني قلب عبدي المؤمن([72]).

نعم، لا بدّ أن يكون محلّ معرفة ورؤية هذا الوجود اللامتناهي نابعاً من قابليّة وظرفيّة غير محدودة، ومثل هذا الموضع ليس إلاّ القلب اللامحدود للإنسان الكامل، فقد سُئل رسول الله: هل رأيت ربَّك؟ فكان جوابه: «رأيتُه بقلبي»([73]).

وحسب الرؤية العرفانيّة الحسينيّة فإنّ محلّ لقاء حضرة الحقّ، وساحة معرفته، ليس سوى قلب الإنسان، ذاك القلب الذي صار بفضل العناية الإلهيّة محلاًّ لتجلّي أنوار الجمال والجلال، واتّصل بالأصل اللامحدود للوجود: أنت الذي أشرقْتَ الأنوار في قلوب أوليائك، حتّّى عرفوك ووحَّدوك([74]).

من هنا يُعدّ قلب العارف محلّ تجلّي الذات، والمظهر التامّ للأسماء والصفات الإلهيّة، وله من الاتّساع والعظمة بحيث «لو أنّ العرش وما حواه مائة ألف ألف مرّة في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحسّ به»([75]).

وعلى هذا الأساس فإنّ السعة الوجوديّة لأيّ موجود سوف لن تصل إلى سعة القلب؛ حيث إنّ ذلك القلب قد حالفه التوفيق في الصعود إلى القمّة المنيعة، والحضور في المقام الشامخ، للفناء بالله، والبقاء بعد الفناء، واتَّصل بالذات الإلهيّة اللامحدودة. يقول الشيخ الأكبر ـ محيي الدين ابن عربي ـ حول ساحة قلب العارف: «واعلم أنّ القلب، أعني قلب العارف بالله، هو من رحمة الله، وهو أوسع منها؛ فإنّه وسع الحقّ جلَّ جلاله، ورحمته لا تسعه»([76]).

يقول العطّار النيشابوري: أنتَ سرّاً وعلانية في القلب، أنتَ لا يحويك مكان، وأنتَ في كلّ مكان، أنتَ في القلب. هنا صار القلب منزلاً لك، وصار القلب مظهراً لجميع ذرّات وجودك([77]).

 

ب ـ المشاهدة القلبيّة لنور الوجود ــــــ

حسب الرؤية العرفانيّة الحسينيّة ليس هناك من الأساس ما يقبل الوصف والتعريف سوى بوجود الله: به توصف الصفات، لا بها يوصف([78]).

وعليه فإنّ معرفة الذات الإلهيّة المقدّسة، ومعرفة العالم، الذي هو تجلّي ومظهر أسماء الله وصفاته، إنّما يتحقّق بفضل نور ذات الله: فاهدِني بنورك إليك([79]).

لقد ملأ نور وجود الحقّ أركان الوجود بأسره، وأحاط بكلّ شيء، وبكلّ إنسان. من هنا فإنّ نور وجوده ظاهرٌ لكلّ مظهر، ويمكن رؤيته قبل أيّ شيء آخر، بحيث إنّ الإنسان يرى النور الإلهيّ حتّى قبل أن يدرك ذاته، ويلتفت إلى فهمه الخاصّ. وبناء على ذلك ينال الإنسان معرفة وجود الله قبل وصف ومعرفة أيّ شيء آخر، فيعرف الذات الأحديّة التي أحاط نور وجودها بحقيقة وجود كلّ شيء، وهي أقرب الأمور إلى جميع الأشياء، وليس المقصود من المعرفة هنا معرفة كُنْه الذات الإلهيّة([80]).

بحسب مباني أهل المعنى فإنّ ظهور جميع الماهيّات هو بفضل الوجود، والممكنات بما هي هي ليس لها حظّ من الوجود والنورانيّة، وإنما هي في حدّ ذاتها عدمٌ وظلامٌ محض، والنور المفاض عليها ليس ذاتياً لها، وليس نابعاً منها، بل هو مكتسب ومفاض عليها من الوجود المحض: ﴿اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (النور: 23)([81]). وحده الوجود الإلهيّ هو الذي يتّصف بأنه وجود مطلق، ونورانيّة محضة، والظهور الوجوديّ لجميع الموجودات إنما هو ببركة وجوده المطلق: يقول حسن زادة الآملي: كلّ العالم ظاهرٌ بنورك، فأنّى لك أن تظهر بالعالم؟!

أجل، إن هويّة الذات الإلهيّة هي النور بحسب المشرب الذوقيّ لأهل المعرفة([82])؛ ذلك أنّ الله تعالى لا يحتاج في ذاته وهويّته إلى ما يظهره، وجميع ما سواه، بداية من العقل الأوّل إلى العقل العاشر، ومن أعلى التعيّنات إلى أدناها، إنما تظهر بنور الله. فهو أصل الوجود، وجميع الموجودات موجودةٌ بفضل إيجاده لها. هو ظاهرٌ بذاته، وما سواه ظاهرٌ بظهوره. هو حقيقة النور، وما سواه منوَّرٌ بنوره. هو حاضرٌ في كل مكان، وما سواه مرتبطٌ ومتّصل بحضوره([83]).

في مناجاته العرفانيّة في عرفات يرى الإمام الحسين× الظهور والمُظهِريّة الحقيقيّة من الله فحسب، ويسلب ذلك من جميع ما سواه: أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك؛ حتّى يكون هو المُظهِر لك([84]).

وبناءً على أنّ الماهيات ليست لها أيّ أصالة، وأثرها وظهورها إنما ينبع من نور الوجود، والوجود ليس سوى ذات الله تعالى، التي ملأت أركان كلّ شيء، وأضاءت ظلام الماهيّات بنورها، فإنّ أوّل شيء تتعلّق به الرؤية والمعرفة والعلم هو ذاك الوجود. إنّه ظاهرٌ بذاته، ولا يحتاج إلى معرِّف ودليل ليدلّ عليه؛ فالدليل إمّا أن يكون وجوداً أو عدم الوجود. والوجود وجودٌ، وغير الوجود عدم، والعدم لا شيء محض، وليس بشيء على الإطلاق، فكيف يدلّ على الموجود؟ إنّ الماهيّات التي هي أشباح الوجودات ممكنة، وهي موجودات تكتسب معرفتها من الوجود المطلق. سُئل رسول الله|: كيف عرفتَ ربّك؟ قال: بالله عرفتُ كلَّ شيء([85]).

يُعرِّف الإمام الحسين× الوجود المطلق لله بالوجود الحاضر بشكلٍ دائم، والظاهر في كلّ مكان، والذي لا تحتاج معرفة وجوده إلى دليلٍ أو برهان أو واسطة: متى غبتَ حتّى تحتاج إلى دليلٍ يدلُّ عليك، ومتى بعُدتَ حتّى تكون الآثار هي التي تُوصل إليك؟

 

مراتب معرفة الله ــــــ

لمعرفة الله مراتب ودرجات عديدة، ويمكن القول بأنّ مراتب المعرفة الفطرية بالله في نفوس بني آدم هي بعدد نفوسهم، فنفس الإنسان مفطورةٌ على معرفة الله([86]). لكنّ عدد النفوس التي تطّلع على المعرفة الفطريّة المودعة فيها، وتقتدي بنور الولاية، وتبقى ثابتة على ذلك، هو عددٌ قليل، كما يقول الإمام الحسين×: نحن وشيعتنا على الفطرة التي بعث الله عليها محمداً، وسائر الناس منها براءٌ([87]).

وبالطبع فإنّ مراتب معرفة الله بين أهل الإيمان عديدةٌ أيضاً. وأعلى مراتب معرفة الحقّ مختصّةٌ بمَنْ وصلوا إلى مقام الإنسان الكامل، كرسول الله|، والأئمة المعصومين^، الذين وصلوا إلى مقام التعيُّن الأول([88]).

هؤلاء العظام، الذين بلغوا أقصى مراتب معرفة المخلوق بالخالق عزَّ وجلَّ، تعرَّفوا بشكل أفضل من الآخرين على مقام الحقّ بنحو إجمالي. كما أنّهم في هذا المقام، ومن دون أن ينكشف لهم كُنْه ذات الحقّ، يرَوْن من خلال أوضح المشاهدات وأكثرها شفافية أنّ الوجود اللامتعيِّن والمحيط لله حاضرٌ وبارز وراء كلّ تعيُّن. وكما يقول أمير المؤمنين×: ما رأيتُ شيئاً إلاّ ورأيتُ الله معه، وقبله، وبعده([89]).

يقول سيد السالكين، وقائد ركاب العارفين، الإمام أبو عبد الله الحسين× ـ وهو الوارث الثالث للكشف التامّ المحمدي، والواصل إلى أعلى درجات المعرفة الشهوديّة ـ في مناجاته العرفانيّة، التي تُعد مرآة شهوده التامّ والكامل([90]): و أنتَ الذي تعرَّفتَ إليَّ في كلّ شيء، فرأيتُك ظاهراً في كلّ شيء، وأنتَ الظاهر لكلّ شيء… كيف تخفى وأنتَ الظاهر، أم كيف تغيب وأنتَ الرقيب الحاضر([91]).

نعم، يتجلّى الله تعالى في أعلى درجات ومراتب المعرفة، من خلال أنوار جمال وجلال ذاته المقدَّسة، في عقل وقلب وسرّ خواصّ أوليائه، فيفنيهم عن ذواتهم، ويجعلهم باقين بذاته وبأمره. لقد جعل الحقّ تعالى قلوبهم فانية في جماله، وعقولهم مستغرقة في معرفة ذاته، وتعهَّد هو بتدبير أمورهم بنفسه. لكنَّ حاصل معرفتهم، بعد الوصول إلى أعلى مراتب كشف سبحات الجلال، وشهود أنوار الجمال، هو عجزهم عن معرفة كُنْه ذات الحقّ بالكشف والعيان([92]).

إنّ نسبة أقصى مراتب معرفة الحقّ، التي تتحقَّق للإنسان الكامل، إمّا من خلال العلم أو الشهود، إلى ما لا يمكن معرفته عن كُنْه الذات المقدَّسة هي نسبة المتناهي إلى اللامتناهي([93]). من هنا فإنّ أقصى درجات معرفة العارفين تكون مصحوبة بالإقرار بالعجز، وعدم القدرة على معرفة الله([94])، إلى الحدّ الذي يعتذر فيه النبيّ الخاتم|، صاحب الكشف التامّ المحمدي، إلى الساحة القدسيّة للربّ المتعال، ويظهر العجز عن الوصول إلى المعرفة الحقيقيّة: «ما عرفناك حقّ معرفتك».

أجل، فهذا عجزٌ عن المعرفة. كما أنّ سائر الناس عاجزون أيضاً عن المعرفة بدورهم. ولكنْ أين هذا من ذاك؟ إنّ من المقطوع به في سلسلة مراتب المعرفة بالله أنّ التباين بين مرتبة عجز النبيّ الخاتم| وورثة كشفه التامّ^ ومراتب عجز الآخرين، بل ومراتب عجز علماء الأمّة، هو أبعد من التباين ما بين عجز الجماد وعجز الإنسان([95]).

 

مراتب معرفة الله في الدنيا والآخرة ــــــ

إنّ محدوديّة الدنيا وحقارتها أمام سعة الحياة الأخرويّة وعظمتها لهي أصغر من أن تُتصوَّر. وفي الواقع فإنّ الحياة الدنيويّة المحدودة لا تعدّ شيئاً أمام الحياة الأخرويّة التي لا نهاية لها. من هنا فإنّ عالم الدنيا المحدود ليس له قابلية تحمّل الثواب الأخروي الكامل. كما أنّ ذلك الأجر الذي يعود على العباد الصالحين في الدنيا ما هو إلاّ شعاعٌ ضئيل وشيءٌ لا يذكَر من نصيبهم من الثواب الكامل واللامحدود في الآخرة.

ويجري هذا الأصل كذلك في مسألة الرؤية والمعرفة الشهوديّة بالله([96]). فالرؤية والمعرفة الشهوديّة بالله ـ سواءٌ في الدنيا أم في الآخرة ـ لها مراتب عديدة. وأولئك الذين نالوا في الدنيا مراتب من المعرفة الشهوديّة بالله هم في الحقيقة لم يصلوا إلاّ إلى مرتبة دنيا من رؤية ومشاهدة الله، وليس ذلك سوى شعاعٍ ونور ضعيف من مراتب المعرفة الشهوديّة بالله في عالم البقاء.

وفي العالم الأخروي أيضاً لا ينال أهل الجنّة نعمة المشاهدة الإلهيّة بنفس الدرجة؛ حيث إن القابليّة المعرفيّة لأهل الجنّة تتفاوت أيضاً؛ بتفاوت مقاماتهم المعرفيّة في الدنيا: إنّ المقام المعرفيّ لبعض أهل الجنّة يصل إلى الدرجة التي يغيبون فيها عن الوعي بتجلّي كلام الله([97])؛ وطائفة أخرى من أهل الجنّة يطلبون التشرّف برؤية جمال الحقّ، وعلى أثر تجلّي نور الحقّ يظلّون مدهوشين لمدّة طويلة؛ وطائفة ثالثة من أحبّاء الله وأوليائه في الجنّة يصلون إلى مقامٍ بحيث ينالون مشاهدة الحقّ كلّ جمعة([98])؛ وينال الشهداء حظوة النظر إلى وجه الله([99])؛ وتلك الطائفة من أهل الجنّة، الذين كانوا يصونون ألسنتهم عن الكلام الكثير، وبطونهم عن الطعام الزائد، هؤلاء ينعمون بتجلّي الله لهم في كلّ يوم سبعين مرّة([100])؛ وفي النهاية هناك عباد الله الكُمَّل، الذين يتجلّى لهم الله بجماله الجميل بشكلٍ دائم، ولا يغيبون عن الوعي ولو للحظة([101]).

وأحياناً يتجلّى هؤلاء العباد الكمّل والمخلصون، الذين وصلوا إلى أعلى مراتب الشهود الإلهي في الآخرة، أي إلى مقام التجلّي الذاتي لله، يتجلّون لخواصّ أهل الجنّة، فينصرفون عن الحور العين وجميع نِعَم الجنّة التي لا تُحصى، ويستغرقون في مشاهدة جمالهم الأخّاذ؛ حيث ورد في محبّي الإمام الحسين× وشيعته الحقيقيّين أنهم في عرصات يوم القيامة يقفون في ظلّ عرش الله، ويكونون ضيوفاً لمولاهم، ويتلذَّذون بمشاهدة جمال إمامهم، ويبتهجون بالحديث معه، بحيث إنهم لا يشعرون بمصاعب وأهوال يوم القيامة، ولا حتّى بانتهائها. ورغم أنّ مصيرهم الجنّة، فإنّهم يفضِّلون الجلوس مع الإمام الحسين×، والتحدّث معه، على الذهاب إلى الجنّة. ويطول هذا الأمر إلى درجة أنّ الحور العين لا يُطِقْنَ فراقهم، ويبعثْنَ إليهم من خلال الملائكة ما يشير إلى تململهنَّ، وتمنّي لقائهم وسؤالهم: متى تأتون إلى الجنّة؟ فيبعث هؤلاء بدورهم أنّنا سنأتي….

يقول الإمام الصادق×: …وهم حدّاث الحسين تحت العرش، وفي ظلّ العرش، لا يخافون سوء الحساب، يُقال لهم: ادخلوا الجنّة، فيأبَوْن، ويختارون مجلسه وحديثه. وإنّ الحور العين لَترسل إليهم: إنّا قد اشتقناكم مع الولدان المخلّدين، فما يرفعون رؤوسهم إليهم؛ لما يرَوْن في مجلسهم من السرور والكرامة… وإنّ الملائكة لتأتيهم بالرسالة من أزواجهم، ومن خزّانهم، على ما أُعطوا من الكرامة، فيقولون: نأتيكم إنْ شاء الله…([102]).

 

طرق الوصول إلى المعرفة الحقيقيّة بالله ــــــ

1ـ الاستعانة بالحقّ تعالى ــــــ

إنّ جميع السالكين الذي قصدوا طريق الحقّ يشتركون جميعاً في هذه الحاجة، وهي ضرورة الاستعانة بالحقّ تعالى في أيّ مقام أو رتبة أو حال كانوا. وما لم نلجأ إلى الله، ونطلب منه بشكلٍ جادّ وصادق أن يعيننا ويمدّنا؛ لاكتساب معرفته، ونيل مشاهدته، فسوف لن يعبأ بنا، ولن يعتني بما نتمنّاه: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ﴾ (الفرقان: 77).

في سيرنا عبر مناجاة عرفة للإمام الحسين× نواجه أشدّ أنواع الطلب والحاجة، وأعمق صور التمنّي، وأجمل مظاهر الاستعانة في مختلف الميادين. ومن جملتها: تمنّي معرفة ومشاهدة حضرة الحقّ:

1ـ منك أطلب الوصول إليك…، فاهدني بنورك إليك.

2ـ إلهي علِّمْني من علمك المخزون.

3ـ إلهي حقِّقني بحقائق أهل القرب، واسلك بي مسلك أهل الجذب.

 2ـ المجاهدة العلميّة ــــــ

السالكون إلى الله على نحوين: السالكون المجذوبون؛ والمجذوبون السالكون. المجذوبون السالكون ينتمون إلى هذه المجموعة من أولياء الله، الذين أشرقت قلوبهم بنور الله في البداية، ومن ثمّ قادتهم جذبة الحبّ الإلهي إلى وادي المجاهدة، والسير إلى الله. غير أنّ معظم أولياء الله ينتمون إلى طائفة السالكين المجذوبين، أولئك الذين اكتسبوا، من خلال السعي والمجاهدة العلميّة والعمليّة، الاستعداد واللياقة اللازمة لاستقبال أنوار الجمال والجلال الإلهيّين. وعلى هذا الأساس فإن الطريق الطبيعي لمعرفة الله وطلبه هو المجاهدة العلميّة والعمليّة.

ففي بعض الكلمات النورانيّة يذكر الإمام الحسين× أنّ المداومة على طلب العلم ودراسته هي الطريق نحو الوصول إلى المعرفة. وفي بيانٍ آخر يذكر أنّ أعلى مراتب العلم هي معرفة الله: دراسة العلم لقاح المعرفة([103]). رأس العلم معرفة الله حقّ معرفته([104]).

والنتيجة الحاصلة من هاتين العبارتين هي أنّ طريق الوصول إلى الكمال يتمثّل في المعرفة الفطريّة بالله، والمداومة على المجاهدة العلميّة؛ في سبيل تحصيل معرفة الله، والعلم بأسماء وصفات هذه الذات المقدَّسة. وكما يقول الإمام الخميني&: إنّ العلوم بذور المشاهدات، وإنّه لمن الممكن أن يبلغ الإنسان إلى مقامات شامخة من دون تعلّم حجاب المصطلحات والعلوم. ولكنَّ هذا خلاف العادة، وخلاف طبيعة السنن، وإنّه نادراً ما يحصل. فالطريق الطبيعيّ لمعرفة الله وطلبه هو أنّ الإنسان يبتدئ أوّلاً بإنفاق وقت في التفكُّر بالحقّ سبحانه، ويحصل على العلم بالله وأسماء ذاته المقدَّسة وصفاته، حسب الأساليب المتَّبعة من التلمذة على يد رجال ذلك العلم، ثمّ يتزوّد من المعارف بواسطة الرياضة العلميّة والعمليّة، وينتهي بذلك حتماً إلى النتيجة المنشودة. وإنْ لم يكن الإنسان من أهل المصطلحات ـ العلم ـ يستطيع أن يصل إلى النتيجة من خلال تذكُّر المحبوب، وانشغال القلب بالذات المقدَّسة. ومن المعلوم أنّ مثل هذا الانشغال القلبيّ والتوجّه الباطنيّ سيكون سبباً لهدايته، وأنّ الله سبحانه سيعينه في ذلك، وأنّ حجاباً من الحجب سيرفع له…([105]).

 3ـ المجاهدة العمليّة (قطع الارتباط القلبيّ عن الأغيار، والوصول إلى تجلّي الأنوار) ــــــ

في ثنايا دعاء عرفة يرى الإمام الحسين× أنّ الوصول إلى مقام وحدانيّة الحقّ ومعرفته مختصٌّ بالأولياء الذين جعل الله قلوبهم محلاًّ لإشراق أنوار ذاته([106]): أنتَ الذي أشرَقْتَ الأنوار في قلوب أوليائك، حتَّى عرفوك ووحّدوك([107]).

لا شكّ أنّ الإشراقات الربّانيّة الخاصّة إنما تختصّ بهؤلاء الذين يمتلكون القابليّة والاستعداد لاستقبال الفيض، أولئك الذين جعلوا أنفسهم تحت نور الهداية الإلهيّة، والولاية الخاصّة لله تعالى، من خلال مجاهداتهم الخالصة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت: 68).

إنّ الله تعالى يتعهّد هؤلاء المجاهدين فيه، ويخرجهم من ظلمات جميع الكثرات؛ ليدخلهم في حريم وحدانيّته ونورانيّته: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (البقرة: 257).

وجزاءً للعبودية والمجاهدات الخالصة فقد أثاب الحقّ تعالى أولياءه ومحبّيه بأن استنقذهم من جميع أنواع الكثرات، وطهَّر قلوبهم من أيّ محبةٍ، سوى محبّته: أنتَ الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبّائك، حتّى لم يحبّوا سواك([108]).

وعلى هذا الأساس فإنّ الوصول إلى معرفة الله، وتوحيده الحقيقي، يستلزم ترك جميع أنواع الكثرات، والوصول إلى مقام الوحدة في العلم والعمل. ومن المسلَّم به أنّ طيّ جميع هذه المراحل يتمّ تحت العناية الإلهيّة الخاصّة، وكثمرةٍ للمجاهدات الخالصة للسالك([109]).

وحين يُوفَّق قلب الإنسان إلى نيل المعرفة الحقيقيّة بالله فإنّه يسعى للاندكاك والفناء في ذات الله، ولا يبقى في قلبه مثقال ذرّة من رؤية ذاته، ولا من رؤية غيره. وما دام في قلب الإنسان مثقال ذرّة من الأنانيّة والمحبّة لغير الله فلن يكون له سبيلٌ إلى نيل معرفة ومشاهدة الوجود المطلق. يقول الإمام الخميني، في ديوانه: يجب أن تعبر من وجود ذاتك، يجب أن تصرف النظر عن هذا الغول اللعين. إذا كنت تطلب لقاء الحبيب فيجب عليك أن تسافر من منزل الغربة([110]).

وفي حديث المعراج يخاطب الحقّ تعالى رسوله الأكرم| بخطابٍ يحتوي على نكات وتعليمات ليس لها نظيرٌ لسالكي طريق المحبّة والمعرفة: يا أحمد، لو صلّى العبد صلاة أهل السماء والأرض، ويصوم صيام أهل السماء والأرض، وطوى من الطعام مثل الملائكة، ولبس لباس العاري، ثم أرى في قلبه من حبّ الدنيا ذرّة أو سُمعَتِها أو رياستها أو صِيتها أو زينتها، لا يجاورني في داري، ولأنزعنَّ من قلبه محبّتي، ولأُظلمنّ قلبه حتّى ينساني، ولا أذيقه حلاوة معرفتي([111]).

أجل، إنّ الله غيورٌ. ومن لوازم غيرته أنه يُبعِد عنه كلّ مَنْ لا يزال في قلبه ذرّة من بقايا الأنانيّة ومحبّة ما سوى الله. يقول الإمام الخميني، في ديوانه أيضاً: ما دام هناك ذرّةٌ من الوجود فلن يصفو كأس الشهود من الكدر.

إنّ المعرفة الشهوديّة الكاملة لذات الحقّ أمرٌ يختصّ به المقرَّبون، الذين تخطّوا مراحل الأنانيّة والكثرات، وشاهدوا في النور جميع الحجب الظلمانيّة والنورانيّة، ذلك أنّه في ساحة معرفة الحقّ يُعدّ كلّ ما سوى الله حجاباً. وطالما بقي حجابٌ واحد فسوف لن ينال الإنسان المعرفة التامّة والكاملة.

حول هذا المطلب يقول الإمام الخميني، ببيانٍ جامع ومختصر: المقصود لدى من يدّعي مقام لقاء الله هو أنه بعد حصول التقوى التامّة والكاملة، وانصراف القلب نهائياً عن جميع العوالم، ورفض التوجّه نحو النشأتين ـ المُلْك والملكوت ـ، ووطء الأنانيّة والإنّية، والإقبال الكلّي نحو الحقّ المتعالي وأسماء ذاته المقدّسة وصفاته، والانصهار في عشق ذاته المقدّسة وحبّه، وتحمُّل جهد وترويض القلب، يحصل صفاءٌ في القلب لدى السالك، يبعث على تجلّي أسمائه وصفاته، وتمزُّق الحجب الغليظة التي أسدلت بين العبد من جهةٍ والأسماء والصفات من جهةٍ أخرى، والفناء في الأسماء والصفات، والتعلُّق بعزّ قدسه وجلاله، والتدلّي التامّ بذاته. وفي هذه الحال لا يوجد حاجزٌ بين روح السالك المقدّسة والحقّ المتعالي، سوى حجاب الأسماء والصفات. ويمكن أن يُرفع الستار النوري للأسماء والصفات لبعض أرباب السلوك أيضاً، وينال التجلّيات الذاتية الغيبية، ويرى نفسه متدلياً ومتعلقاً بالذات المقدّسة، ويشهد الإحاطة القيّوميّة للحقّ، والفناء الذاتي لنفسه، ويرى بالعيان أنّ وجوده ووجود كافّة الكائنات ظلٌّ للحقّ المتعالي([112]).

والحاصل أنّ الوصول إلى مقام محبّة الله ومعرفته بشكلٍ حقيقيّ غير ممكنٍ، إلاّ أن يتعهَّد الحقّ تعالى بهداية السالك، وإدخاله تحت ولايته، ويجعل قلبه محلاًّ لتجلّي أنوار جماله. ولا يتحقَّق ذلك إلاّ في ظلّ دوام المجاهدة بإخلاصٍ؛ لأجل نيل رضا الله تعالى، كما جاء في حديث المعراج من أنّ الطريق إلى محبّة الله ومعرفته عبر نيل رضاه: «فمَنْ عمل برضاي ألزمته ثلاث خصال: أُعرفُه… محبّة لا يؤثر على محبّتي محبّة المخلوقين، فإذا أحبّني أحببته، وحبّبتُه إلى خلقي، وأفتح عين قلبه إلى جلالي وعظمتي… ولأستغرقنَّ عقله بمعرفتي، ولأقومنّ له مقام عقله [أي إن الله تعالى يدبّر أمور حياته، حتّى لا يحتاج إلى أن يشغل فكره بهذه الأمور، وإنّما يُعمِل عقله وفكره فقط في ساحة معرفة الله]([113])»([114]).

يقول حافظ الشيرازي: إنّ الحبيب معنا، فما حاجتنا إلى طلب المزيد؟! فجمال حديث هذا المؤنس للروح يكفينا. إلهي، لا تدخلني جنّتي من باب نفسي؛ فإنّ طرف زقاقك يغنيني عن الكون والمكان كلَيْهما([115]).

 

4ـ معرفة النفس ــــــ

إنّ الطريق إلى معرفة الله يمرّ عبر معرفة النفس([116]). فكلّما شعر الإنسان بحقيقة أنّ ما يميّز نفسه هو الربط والفقر والنقص والجهل فسوف يكون باستطاعته حينئذٍ أن يصل إلى معرفة الحقيقة المستقلّة الغنيّة الكاملة واللامحدودة.

وللوصول إلى تلك الحقيقة المستقلّة يجب أن يُوفّق الإنسان إلى نيل المعرفة الشهوديّة والإدراك الحضوريّ لحقيقة وجوده، الذي هو عين التعلّق والربط بالله. ولا شكّ أنّ العلم الحصولي لا يكفي لكسب هذه المعرفة، ولتحقيق هذه الغاية([117])؛ ذلك أنّ العلم الحصولي لا يدرك سوى المفهوم والصورة الذهنيّة للواقع الخارجي، لا أصل الواقع العينيّ الخارجي.

إنّ العلم الحصولي في الواقع لا يتعلَّق أبداً بذات المعلوم. وفي هذا النحو من المعرفة يكتفي العالم بمعرفة مفهوم وماهيّة المعلوم من خلال صورته الذهنيّة. بناءً على ذلك يمكن للإنسان من خلال العلم الحضوري وحده أن يدرك حقيقة وجوده؛ حيث إنّ العلم الحضوريّ هو بمعنى حضور المعلوم عند العالم، وما من شكٍّ في أنّ نفوسنا المجرَّدة بإمكانها إدراك واقعيّتها([118]).

ونلاحظ في مناجاة عرفة التصوير الحضوريّ والشهوديّ لمعرفة النفس من قِبَل أكمل النفوس وأكثرها واقعيّة في التعبير عن حقيقة النفس الإنسانيّة([119])، كما لو أنّ أسوة السالكين ومقتدى العارفين كان يقصد في خاتمة مناجاته في عرفات أن يتعرّف على الله، وعلى الإنسان، بأكمل نحوٍ ممكن. ونورد هنا فقرات من المناجاة، تشير إلى كيفيّة إدراك حقيقة النفس البشريّة من خلال أكمل أشكال المعرفة الحضوريّة:

1ـ الإنسان عين الربط والفقر: إلهي، أنا الفقير في غناي، فكيف لا أكون فقيراً في فقري؟

2ـ الإنسان غارق في الجهل: إلهي، أنا الجاهل في علمي، فكيف لا أكون جهولاً في جهلي؟

3ـ الإنسان قرين الإساءة والنقصان: إلهي، مَنْ كانت محاسنه مساوي، فكيف لا تكون مساوئه مساوي؟

4ـ الإنسان أسير الوهم والخيال: إلهي، مَنْ كانت حقائقه دعاوى، فكيف لا تكون دعاواه دعاوى؟

5ـ الإنسان أسير التمنّي والشهوة: إلهي، إنّ القضاء والقَدَر يمنّيني، وإنّ الهوى بوثائق الشهوة أَسَرني.

 

 5ـ معرفة إمام العصر× ــــــ

يذكر الإمام الحسين× أنّ الطريق إلى معرفة الله هو التعرُّف على إمام الزمان. فقد «جاء رجلٌ إلى الإمام الحسين×، وسأله: يا بن رسول الله، بأبي أنت وأمّي، ما معرفة الله؟ فأجابه الإمام الحسين×: معرفة أهل كلّ زمان إمامهم الذي يجب عليهم طاعته»([120]).

يبيِّن الإمام الحسين× في هذا الحديث أنّ معرفة الله هي معرفة الإمام، ومعرفة الإمام هي عين معرفة الله. وهذا الأمر من ناحية أنّ قلب الإمام المعصوم هو محل التجلّي الأعظم للحقّ تعالى (تجلّي ذات الحقّ اللامحدودة من خلال الاسم الجامع «الله»).

إنّ كلّ موجود هو مظهر لاسم ـ أو لعدّة أسماء ـ من أسماء الله تعالى، لكنّ قلوب الأئمة المعصومين^، وهم الورثة لخاتم الأنبياء، وقلوبهم تابعة لتجلّيات قلبه، هم مظاهر الاسم الجامع «الله»، وحاوون لجميع الأسماء والصفات الإلهيّة. وبعبارة أخرى: يتجلّى الحقّ تعالى في كلّ موجود بحسب القابليّة والظرفيّة التي يمتلكها ذلك الموجود، لكنّه تعالى يتجلّى في قلوب المعصومين^ بحسب ذاته اللامتناهية([121]). من هنا نفهم قول قطب العارفين، أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب×: …ونحن الأعراف، الذين لا يُعرف الله عزَّ وجلَّ إلاّ بسبيل معرفتنا… إنّ الله لو شاء لعرَّف العباد نفسه، ولكنْ جعلنا أبوابه، وصراطه، وسبيله، والوجه الذي يُؤتَى منه([122]).

النكتة الملفتة للنظر هي أنّ الإمام الحسين×، بالإضافة إلى تأكيده على معرفة الإمام، يؤكّد كذلك على وجوب إطاعته في كلّ عصر وزمان: «…إمامهم الذي يجب عليهم طاعته». من هنا فإنّ أفضل الطرق العمليّة في السير والسلوك إلى الله، وأكثرها اطمئناناً، هو التبعيّة المطلقة لأقوال وأفعال الأئمّة المعصومين^.

وحسب الرؤية العرفانيّة الحسينيّة فإنّ طريق العقل والبرهان في السير إلى الحقّ تعالى طريقٌ بعيد، وغير موثوق به، بينما طريق القلب والشهود هو طريقٌ قريب وموثوق به. ولكنْ ينبغي أن نعرف أنّ كلّ مكاشفة وشهود في السير القلبيّ الشهوديّ ليست محلاًّ للثقة والاطمئنان، ووحده كشف وشهود الكمّل المعصومين^ هو ما يمكن الاعتماد عليه، والاطمئنان إليه، في هذا الميدان.

إنّ الكشف والشهود على قسمين: شهود مضطرب وفاقد لليقين؛ وشهود آخر يقيني ومعصوم. وبإمكان الشهود المعصوم أن يكون ميزاناً يُقاس عليه سائر الموارد الأخرى من الشهود. إنّ شهود المعصوم هو شهود يحصل على أثر الخلوص والإخلاص، واتّباع الفرائض والنوافل، وبعد فناء العبد، وعبوره للتعيُّنات الخَلْقية والخُلُقية ومشاهدة وجه الله.

هذا الشهود الذي يختصّ به عباد الله المخلصون مقترنٌ باليقين. والعقل بعد أن أثبت أصل العلم الشهوديّ للمعصوم، والضرورة اليقينيّة لذلك الشهود، يستعمل كلام المعصوم بوصفه حدّاً أوسط في البرهان، وبالطبع بشرط أن يكون كلام المعصوم قطعيّاً، من حيث السند؛ والدلالة؛ وجهة الصدور. إنّ وحي المعصوم وشهوده في سلسلة مراتب العلم والمعرفة هو فصل الخطاب. وشهود المعصوم حجّة على سالكي الطريقة، وكذلك على علماء العلوم البحثيّة والدرسيّة. وبناء على ذلك فإنّ أهل المعرفة كذلك يقيسون معارفهم الشهوديّة على طبق موازين الوحي (الكشف المحمّدي التامّ)([123]).

إنّ أفعال وأقوال المعصومين^ إنما تحصل على أساس أشدّ المكاشفات والمشاهدات يقينيّة. ومن هنا فإنّ السيرة العلميّة والعمليّة للأئمة المعصومين هي أرقى وأوثق حجّة على جميع سالكي الطريقة. وعليه فأوثق الطرق وأقربها للوصول إلى معرفة الله يتمثّل في معرفة الأئمّة المعصومين^، وأكثر الطرق العمليّة تأثيراً في السير إلى الله إنما هو في الإطاعة المطلقة لهم، والتمسّك الكامل بسيرتهم العلميّة والعمليّة.

 

آثار ونتائج معرفة الله ــــــ

 1ـ رؤية جميع عالم الخلقة كظلّ ــــــ

يصف الإمام الحسين× رؤية أهل المعرفة لنظام الوجود على هذا النحو: إنّ جميع ما طلعت عليه الشمس في مشارق الأرض ومغاربها، بحرها وبرّها، سهلها وجبلها، عند وليّ من أولياء الله، وأهل المعرفة بحقّ الله، كفيء الظلال([124]).

بحسب أهل المعرفة (العارفون بحقّ الله) فإنّ جميع ما سوى الله مجرّد ظلال ومظاهر للوجود الإلهيّ المطلق اللامحدود. ولو لم يكن مقتضى الإرادة الإلهيّة امتداد الظلّ ونشر الوجود لما تلبّس شيء غيره على الإطلاق بلباس الوجود: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾ (الفرقان: 25).

وبناءً على ما أفادته الآية الشريفة، التي استند عليها العرفاء لتشبيه العالم بالظلّ، فإنّ جميع ما سوى الله، من الفرش إلى العرش، من المُلْك إلى الملكوت، من عالم الطبيعة إلى ما وراء الطبيعة، ليس إلاّ امتداد ظلّ الوجود في مراتب قوس النزول.

يقول العطّار النيشابوري: إنّ الوجود بجملته هو ظلّ حضرتك، وجميع الآثار هي من صنعك وقدرتك([125]).

ويبدو أنّ الآية الآنفة ناظرةٌ إلى امتداد ظلّ الوجود في مراتب قوس النزول، أما الرواية فهي ناظرةٌ إلى مقام الجمع ورجوع ظلال الوجود إلى مراتب قوس الصعود.

ويؤيِّد هذا الرأي ما جاء على لسان أمير المؤمنين× في نهج البلاغة: ألا إنّ الدنيا… عند ذوي العقول كَفَيْء الظلّ، بينا تراه سابغاً حتّى قَلَصَ، وزائداً حتى نَقَصَ([126]).

يقول محيى الدين ابن عربي في هذا الصدد: «اعلم أنّ المعقول عليه، سوى الحقّ أو مُسمَّى العالم، هو بالنسبة إلى الحقّ كالظلّ للشخص، فهو ظلّ الله…»([127]).

ويقول الإمام الخميني&، ببيانٍ دقيق، في معرض تشبيه العالم بالظلّ: «ليس للظلّ وجود حقيقي، بل إنّ وجوده وجودٌ خيالي. فحقيقة الظلّ عدم وصول النور من مركزه إلى محلّ الظلّ، وهو ما نراه على هيئة الظلّ، فنظنّ أنّ هناك شيئاً ما، بينما حقيقة الأمر أنّ الظلّ ليس له أيّ وجود. ويظنّ الإنسان أنّ ذلك الظلّ موجودٌ بذاته. وكما أنّ الظلّ ليس له وجود حقيقي فكذلك العالم الذي هو ظلّ حضرة الحقّ ليس له وجودٌ إلاّ في خيالنا وفكرنا. ومن منظورٍ عرفاني ليس له وجودٌ حقيقي: ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطلُ»([128]).

ولهذه النظرة، أي النظر إلى العالم بوصفه ظلاًّ، ثمرتان:

1ـ طبيعة الظلّ هي تخيُّل الحقيقة، وليس وجود الحقيقة. فإنّ شخصاً لم يرَ حمامةً إلى الآن حين يرى ظلّ الحمامة على الأرض سوف يظنّ أن الحمامة في الحقيقة على هذه الشاكلة. وفي تلك الحالة فإن معرفته بالحمامة لن يكون سوى أمر خيالي. من هنا، فإنّ الظلّ ـ الذي هو تخيُّل الحقيقة ـ لا يمكنه بأيّ حالٍ من الأحوال أن يؤدّي إلى معرفة الواقع. وعلى هذا الأساس فإنّ أيّ سعي لنيل معرفة الله من خلال التدقيق في المخلوقات، التي هي بمثابة ظلال حضرة الحقّ، سوف لن تقودنا إلاّ إلى معرفة ناقصة، إلى معرفة حقيقتها وجوهرها أنّها «خيال في خيال»([129]).

2ـ إنّ العارف الذي تجاوز قلبه أستار الخيال كلّها، في أنوار وإشراقات حقيقة الوجود، يرى جميع ما سوى الله، من الفرش إلى العرش، مظهراً وظلاًّ للوجود اللامتناهي للحقّ تعالى. من هنا فإنّه يرى حقيقة النور في كلّ ظلّ، ويرى وراء كلّ ذرّة طريقاً نحو معرفة حقيقة الوجود، ولا يرى في كلّ مظهر، ولا في كل ذرّة من ذرّات هذا العالم، سوى الله؛ وكما يقول الإمام الحسين×: فرأيتُك ظاهراً في كلّ شيء… كيف تخفى وأنتَ الظاهر؟! وكيف تغيب وأنتَ الرقيب الحاضر؟!([130]).

يقول العطّار النيشابوري: إنّ كلّ لباس ظهر في الصحراء هو ظلّ للسِّيمُرْغ الجميل. ولو أنّ السِّيمُرْغ ظهر لك بجماله لرأيتَ أنّ الظلّ هو عين السِّيمُرْغ، وأنتَ خليّ البال([131]).

 

2ـ رؤية الله حاضراً في كلّ مكان ــــــ

ذكرنا أن معرفة كُنْه ذات الحقّ غير ممكنٍ لأحد، لكنّ تحصيل المعرفة والشهود لهذه الذات المقدَّسة بنحو إجمالي هو أمرٌ ممكن إلى الحدّ الذي يرى فيه أهل المعرفة هذا الوجود المطلق في كلّ ذرّة وخلف كلّ شيء: أنتَ الذي تعرّفتَ إليَّ في كلّ شيء، فرأيتُك ظاهراً في كلّ شيء، وأنتَ الظاهر لكلّ شيء([132]).

إنّ ذات الحقّ؛ بسبب إطلاقها وعدم تناهيها، قد أحاطت بكلّ شيء، إلى الحدّ الذي لا يمكن معه تصوُّر أيّ مكان يخلو من وجوده. وهو ما عبّر عنه الإمام الحسين×، في تفسيره لمعنى «الصمد»: الصمد الذي لا جوف له، والصمد الذي قد انتهى سُؤدَدُه([133]).

وهكذا فإنّ وجود الحقّ من منظور العرفان الحسيني هو وجودٌ مطلق لا متناهٍ. ومن هذا المنطلق فإنّ وجود كلّ موجود إنّما يمكن تصوُّره وتحقّقه داخل ساحة هذا الوجود المطلق فحسب. ومحصّلة ذلك أنّ الوجود اللامتناهي لذات الله تعالى ظاهرٌ وحاضرٌ في كلّ ذرة من ذرّات الوجود. وجوده الأحديّ، الذي ليس كمثله شيء، قابلٌ للمشاهدة والمعرفة بنحو إجمالي في قلب كلّ ذرّة من ذرّات الوجود، ووراء كلّ ظاهرة. وهنا نجد الإمام الحسين× يعدّ الوصول إلى هذا المقام ـ أي إلى رؤية الله ومعرفته الشهودية في كلّ شيء ـ هي الهدف النهائي من وراء خلق الله للإنسان([134]).

وبناءً على ذلك يمكن القول: إنّ الذات اللامتناهية للحقّ تعالى من المنظور العرفاني الحسيني هي من جهة؛ وبسبب إحاطتها وإطلاقها، تشمل حقيقة وجود كلّ شيء، وموجودةٌ وحاضرة في جميع مراتب الوجود، ولكنّ ذلك لا يعني أنّ هذه الذات تقبل أن يكون لها حدٌّ أو تعيُّن خاصّ: هو في الأشياء كائنٌ، لا كينونةَ محظورٍ بها عليه([135]).

ومن جهة أخرى فمع هذه الإحاطة واللاتناهي في ذاته فإنّ هذه الذات غير الأشياء وفوقها، ولكنّ ذلك لا يعني أنها غائبة عنها، ومنفصلة عن شؤوناتها الوجوديّة: ومن الأشياء بائنٌ، لا بينونةَ غائبٍ عنها([136]).

ويذكر الإمام الحسين× مضمون هذه العبارة في موضعٍ آخر: فهو قريبٌ غير ملتصق، وبعيدٌ غير مُتَقصٍّ([137]).

ويبيّن قطب العارفين، أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب×، هذه الحقيقة بهذا النحو: داخلٌ في الأشياء لا بالممازجة، وخارجٌ عن الأشياء لا بالمباينة([138]).

هذه الحقيقة هي التي عبّر عنها العرفاء، وجاءت في صحفهم العرفانية، باسم التمايز الإحاطي([139]). فمن حيث إنّ الواجب تعالى مطلق، والمطلق سارٍ في كلّ مقيَّد، فالمطلق إذاً عين جميع المقيَّدات؛ ولكن من حيث إنّ المطلق لا يمكن تحديده بأيّ وجه من الوجوه. فالحقّ تعالى، مع عين إطلاقه وإحاطته، مغايرٌ لجميع الأشياء([140]):

يقول نظامي گنجوي: يا محرم عالم التحيّر، العالم في عين خلّوه منك هو أيضاً ممتلئ بك.

 

 3ـ حقيقة العبوديّة ــــــ

عرفنا أنّ حقيقة الذات الإلهيّة لا يمكن معرفتها وشهودها. كما رأينا أنّ العبوديّة وعبادة الحقّ تعالى، من منظور العرفان الحسيني، هي فرع معرفة الله وثمرتها([141]). وبناءً على ذلك فإنّ كلاًّ من العبوديّة الحقّة والعبادة الحقّة لذات الله تعالى ليس أمراً ميسوراً لأحد. وكما أنّ نهاية وغاية عرفان أهل المعرفة هو المعرفة الإجماليّة، فكذلك الأمر بالنسبة إلى أهل العبادة؛ حيث إنّ نهاية وغاية عبوديّتهم العبوديّة الإجماليّة. وكما يقول الإمام الخميني&: «العبادة هي الثناء على تلك الذات المقدَّسة، والثناء على أيّ شخص فرع معرفته. ولأنّ غاية آمال العباد قاصرةٌ عن الوصول إلى عزّ جلال معرفته فلا يتيسّر لهم القيام بالثناء على جماله وجلاله. فأشرف الخلائق وأعرف الموجودات بمقام الربوبية قد اعترف بقصوره عن ذلك: «ما عبدناك حقَّ عبادتك، وما عرفناك حقَّ معرفتك»»([142]).

وعلى أيّ حال فالعبادة الواقعيّة لله تعالى لا يمكن تحقّقها إلاّ من خلال المعرفة الحقيقيّة به (المعرفة القلبيّة والشهوديّة). وكأنّي بمَنْ هو في حال العبادة لله ولسان حاله يقول: من خلال شهودي القلبي وجدت هذا الأمر، وهو أنّه لا معبود بالحقّ سوى الله، وكلّ معبود سواه فهو باطلٌ، ومن خلال لساني، وقيامي، وقعودي، وركوعي، وسجودي، أقرّ بمعرفتي القلبيّة تلك. كما يقول الإمام الحسين×، حول المعنى الحقيقي للشهادة، بحقيقة وحدانيّة الله، التي هي أساس وحقيقة العبادة؛ استناداً إلى كلام أبيه عليّ بن أبي طالب×: وأمّا قوله أشهد أن لا إله إلاّ الله فإعلامٌ بأنّ الشهادة لا تجوز إلاّ بمعرفةٍ من القلب، كأنّه يقول: أعلم أنّه لا معبود إلاّ الله عزَّ وجلَّ، وأن كلّ معبود باطلٌ سوى الله عزَّ وجلَّ. أقرّ بلساني بما في قلبي من العلم بأنّه لا إله إلاّ الله…([143]).

 

 4ـ الغِنى والعزّة ــــــ

وفقاً للرؤية العرفانية للإمام الحسين× فإنّ المعرفة الحقيقيّة لله تعالى تستتبع العبوديّة الخالصة له، والعبوديّة العرفانيّة والخالصة له تستلزم الغِنى والاستغناء المطلق عن كلّ ما سواه: إنّ الله عزَّ وجلَّ ذِكرُه ما خلق العباد إلاّ ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنَوْا بعبادته عن عبادة ما سواه([144]).

أجل، إنّ العبوديّة العرفانيّة لله تعالى هي نتيجة المعرفة الشهوديّة له. وامتزاج كلا الأمرين معاً (المعرفة الشهوديّة والعبادة العرفانيّة) يمكن أن يجعل من قلب العارف محلاًّ لتجلّي الغنيّ المطلق عزَّ وجلَّ، وأن يوصله إلى ذروة العِزّة والاستغناء عن الغير، إلى الحدّ الذي لا يكون في قلبه معبودٌ سواه: تجلّي الغنيّ المطلق يدفع إلى الغنى المطلق، ويغرِق القلب في بحر العزّة والغِنى، فيمتلئ من الغنى وعدم الاحتياج: ﴿وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾… فتوصد باب فقر العبد وفاقته نهائيّاً، ويستغني عن العالمين. ومن المؤكّد أنّه يرتفع من وراء هذا التجلّي الخوف من جميع الكائنات، ويحلّ الخوف من الحقّ المتعالي محلَّه، وتملأ القلبَ عظمة الحقّ وهيبته، ولا يرى لغير الحقّ عظمة واحتشاماً وتصرفاً، ويدرك حقيقة (لا مؤثّر في الوجود إلاّ الله) بكلّ قلبه. وقد أُشير في هذا الحديث الشريف إلى بعض هذه المطالب التي ذكرناه: «تفرَّغ لعبادتي أملأ قلبك غِنى… »([145]).

وحسن الختام حديث قدسيّ لله عزَّ وجلَّ يقول فيه: يا بن آدم، أنا غنيٌّ لا أفتقر، أطعني في ما أمرتك أجعلك غنياً لا تفتقر. يا بن آدم، أنا حيّ لا أموت، أطعني في ما أمرتك أجعلك حيّاً لا تموت. يا بن آدم، أنا أقول للشيء كُنْ فيكون، أطعني في ما أمرتك تقُلْ للشيء كُنْ فيكون([146]).

من خلال الجمع بين هذا الحديث القدسي وبين رواية الإمام الحسين× يمكن استخلاص هذه النتيجة: إذا أراد العبد الرفعة الحقيقيّة والعزّة الحقيقيّة والقدرة الحقيقيّة فعليه أن يطوي مسيرة العبوديّة العرفانيّة للحقّ تعالى، من خلال المعرفة الشهوديّة القلبيّة والمجاهدة الخالصة، إلى أن يمنّ عليه الله بأنْ يجعله مظهراً لغناه وعزّته وعظمته.

 

الهوامش

(*) أستاذٌ في الحوزة والجامعة، دكتوراه في الدراسات المهدويّة، ومدير مؤسَّسة «طليعة ظهور»، له مؤلّفات متعدّدة.

([1]) من دعاء عرفة للإمام الحسين×.

([2]) بحار الأنوار 87: 199، باب 12، ح6.

([3]) «فالحب الذاتي تعلّق بظهوره في الحضرة الأسمائية والعوالم الغيبية والشهادية؛ لقوله: «كنت كنـزاً مخفياً، فأحببت أن أُعرف، فخلقت الخلق لكي أُعرف». فالحب الذاتي منشأ ظهور الموجودات…» (الإمام الخميني، شرح دعاء السحر: 189).

(([4] الإمام الخميني، مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية: 71.

([5]) الإمام الخميني، الديوان: 62.

([6]) الأستاذ مصباح اليزدي، به سوي خود سازي (نحو معرفة الذات): 119 ـ 200.

([7]) وفي رواية عن مجاهد فسّرت ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ في الآية بـ (ليعرفون). (راجع: تفسير منهج الصادقين 9: 50).

([8]) راجع: الأستاذ جوادي آملي، رحيق مختوم شرح حكمة متعالية (الرحيق المختوم في شرح الحكمة المتعالية) 2: 398، القسم الرابع.

([9]) وللجمع بين الآيتين يمكن أن نعدّ ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ في الآية الأولى بمعنى العبادة العارفة، و﴿لِتَعْلَمُوا﴾ في الآية الثانية بمعنى المعرفة العابدة.

([10]) علل الشرائع: 9، كنـز الفوائد 1: 328؛ بحار الأنوار 24: 254؛ موسوعة كلمات الإمام الحسين×: 540.

([11]) راجع: الإمام الخميني، چهل حديث (الأربعون حديثاً): 224.

([12]) بحار الأنوار 5: 312.

([13]) انظر: ابن الفناري، مصباح الأنس: 247.

([14]) الإمام الخميني، الديوان: 134.

([15]) هذا الحديث الشريف ينقله الإمام الرضا× عبر سلسلة سنديّة عن الإمام الحسين×، والذي ينقله بدوره عن جدّه رسول الله|: «عليّ بن موسى الرضا× قال: حدّثني أبي، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ أنه قال: …جاء رجلٌ إلى رسول الله| قال: ما رأس العلم؟ قال: معرفة الله حقّ معرفته…». (جامع الأخبار: 5).

([16]) عن أبي عبد الله×(الإمام الصادق): «…لا يُدرك مخلوق شيئاً إلاّ بالله». (الصدوق، التوحيد: 142).

([17]) تحف العقول: 173؛ بحار الأنوار 4: 301، ح29؛ موسوعة كلمات الإمام الحسين×: 530.

([18]) من دعاء عرفة للإمام الحسين×.

([19]) بحار الأنوار 4: 301؛ موسوعة الإمام الحسين×: 529؛ المعجم الجامع لكلمات الإمام الحسين×: 594.

([20]) المصدر السابق.

([21]) يقول الإمام علي×: «ليس له في ما خلق ضدّ». (الصدوق، التوحيد: 43).

([22]) تحف العقول: 173؛ موسوعة كلمات الإمام الحسين×: 529.

([23]) مضمون حديث أمير المؤمنين×: «كلّ ما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه فهو مخلوقٌ لكم مردود». (بحار الأنوار 66: 293، ح23).

([24]) موسوعة كلمات الإمام الحسين×: 529؛ المعجم الجامع لكلمات الإمام الحسين×: 594.

([25]) أسرار نامه (صحيفة الأسرار): 2.

([26]) انظر: الشيخ جوادي الأملي، الرحيق المختوم (شرح الحكمة المتعالية) 2: 47، القسم الخامس.

([27]) بحار الأنوار 4: 301؛ المعجم الجامع لخطب الإمام الحسين×: 594.

([28]) أسرار نامه (رسالة الأسرار): 8.

([29]) القيصري، شرح فصوص الحكم: 261.

([30]) علي مؤيدي، ترجمة موسوعة كلمات الإمام الحسين×: 592 ـ 593.

([31]) انظر: ابن تركه، تمهيد القواعد: 119؛ القونوي، النصوص: 30؛ يثربي، العرفان النظري: 240.

([32]) القونوي، النصوص: 10.

([33]) «الغيب الحقيقي هو حضرة الحقّ وهويته، ومن المتَّفق عليه أنّ حقيقته لا يحيط بها علمُ أحدٍ سواه؛ لأنّه لا يتعيَّن عليه حكمٌ مخصوص بوصف، ولا يتميّز، ولا يتناهى، وما لا يتميّز بوجهٍ لا يمكن تعقّله…». (انظر: القونوي، إعجاز البيان: تفسير فاتحة الكتاب: 114).

([34]) القيصري، شرح فصوص الحكم: 69 ـ 70.

([35]) الشيخ مصلح الدين السعدي.

([36]) بينما أمير المؤمنين× يطوف حول الكعبة في إحدى الليالي إذا به يرى شابّاً قد أصابه الشلل؛ إثر دعاء أبيه عليه. فرقّ له قلب أمير المؤمنين، وعلّمه دعاءً عظيم الشأن؛ ليستعين به على الشفاء من مرضه. وبعد أن أعطاه الدعاء أمر ابنه الإمام الحسين×، الذي كان برفقته حينذاك، أن يحضر ورقة وقلم ويدوّن هذا الدعاء الشريف. وعليه فالراوي الوحيد لهذا الدعاء، المعروف بدعاء المشلول، هو الإمام الحسين×. ويذكر الإمام الحسين، بعد أن اختصّه والده أمير المؤمنين× بكتابة هذا الدعاء، أنّ فرحته بهذا الدعاء وبآثاره فاقت فرحة ذلك الشاب باسترداده عافيته؛ إذ إنه قبل ذلك اليوم لم يسمع هذا الدعاء من أمير المؤمنين×، ولم يكن يعرف عنه شيئاً. (انظر: مهج الدعوات: 151 ـ 157؛ بحار الأنوار 95: 394 ـ 402؛ موسوعة كلمات الإمام الحسين×: 887 ـ 896).

([37]) راجع: مفاتيح الجنان، دعاء المشلول؛ موسوعة كلمات الإمام الحسين×: 815. وقد ذكر الإمام الحسين هذا المعنى في دعاء عرفة: «يا مَنْ لا يعلم كيف هو إلاّ هو، يا مَنْ لا يعلم ما هو إلاّ هو، يا مَنْ لا يعلمه إلاّ هو».

([38]) الإمام الخميني، چهل حديث (الأربعون حديثاً): 454.

([39]) مضمون الحديث الشريف المروي عن الإمام الصادق×: «فمَنْ زعم أنّه يؤمن بما لا يُعرَف فهو ضالٌّ عن المعرفة». (بحار الأنوار 4: 160).

([40]) إنّ مقام الذات، من حيث ما له من الإطلاق المقسمي، موجودٌ في باطن كلّ ذرّة، ويمكن رؤيته بنحوٍ إجمالي في كلّ مظاهر الوجود. وقد طرح العرفاء ما يشبه هذا الكلام في ما يتعلّق بدائرة الشهود، والفلاسفة في ما يتعلّق بدائرة العقل، فقالوا: إنّ مقام ذات الحقّ من حيث التصوّر الإجماليّ يمكن العلم به إجمالاً، كما يتبع ذلك التصديق الإجماليّ به، ولكن لا يمكن إدراك ذلك المقام واكتناهه على نحو التفصيل. (انظر: يزدان پناه، دروس في العرفان النظري (موسوعة العلوم العقلية الإسلامية): 27 ـ 29).

([41]) المعجم الجامع لكلمات الإمام الحسين×: 594.

([42]) المصدر السابق.

([43]) يمكن أن يكون هذا المطلب مستنداً إلى ما قاله رسول الله|، من أنّ الوحي أحياناً ما كان يأتيه كصلصلة الجرس. (بحار الأنوار 18: 260 ـ 261).

([44]) انظر: الميرزا جواد الملكي التبريزي، رسالة لقاء الله: 3.

([45]) من الفقرات الأخيرة لدعاء عرفة. يُنسب القسم الأخير من دعاء عرفة إلى الإمام الحسين×. وحيث إنّ مضامينه العرفانية تقوّيها الروايات المعتبرة لأهل البيت^ فهو يندرج ضمن معارف أهل البيت^. وبحسب العديد من كبار أهل المعرفة فإنّ هذا القسم من دعاء عرفة؛ استناداً إلى عباراته الموزونة الجميلة، ومفاهيمه العرفانية الراقية، يُقطَع بصدوره من الإمام المعصوم×، بحيث إنّ هذا القسم من دعاء عرفة يُعدّ عصارة وذروة الدعاء. ويرى بعض الأعلام أنّ تعبيرات الإمام الحسين× في هذا القسم تصل إلى الذروة، بحيث إنّ أحداً من غير المعصومين^ والعرفاء الكُمّل ليس لديه القدرة على تحمّل وفهم هذه الحقائق. (نقلاً عن حجة الإسلام الدكتور مرتضى الطهراني).

([46]) الإمام الخميني، الديوان: 212.

([47]) الصدوق، التوحيد: 331، ح9.

([48]) الكليني، الكافي 1: 91.

([49]) الصدوق، التوحيد: 35، ح2.

([50]) إحدى فقرات دعاء عرفة للإمام الحسين×. المقصود بالآثار جميع آثار صنع الله، والتي تشمل ما سوى الله من المخلوقات. من هنا فإن لعبارة: «تردُّدي في الآثار» معنى واسعٌ ومنبسط. ومن أبرز مصاديقه السير العقلاني في آثار صنع الله.

([51]) «سُئل أمير المؤمنين× عن إثبات الصانع، فقال: البعرة تدلّ على البعير، والروثة تدلّ على الحمير، وآثار القدم تدلّ على المسير، فهيكل علوي بهذه اللطافة، ومركز سفلي بهذه الكثافة، كيف لا يدلاّن على اللطيف الخبير». (بحار الأنوار 3: 55، ح27).

([52]) انظر: صدر المتألهين، الأسفار الأربعة، الفصل 33؛ جوادي الآملي، الرحيق المختوم (شرح الحكمة المتعالية) 2: 253، وما يليها، القسم الخامس (الفصل الخاصّ بكيفيّة كون الممكنات مرآة لظهور وتجلّي الحقّ تعالى).

([53]) انظر: الشيخ محمد اللاهيجي، شرح گلشن راز (شرح روضة الأسرار).

([54]) من أبرز مصاديق «الرجوع إلى الآثار»، وهي محل تأكيد إلهي: الرجوع العقلاني إلى آثار صنع الله؛ بهدف الوقوف على طريق معرفة الله. والشاهد على هذا المعنى القرينة الكلامية في عبارة لاحقة: «حتّى أرجع إليك، كما دخلت إليك منها».

([55]) مقطع من دعاء الإمام الحسين× يوم عرفة.

([56]) الإمام الخميني، الديوان: 41.

([57]) الصدوق، التوحيد: 289؛ وانظر: بحار الأنوار 3: كتاب التوحيد.

([58]) العلامة محمد تقي جعفري، مناجاة الحسين: 35.

([59]) الفقرة الأولى من الجزء الأخير في دعاء عرفة.

([60]) من الفقرات الأولى في القسم الثاني لدعاء عرفة.

([61]) استحالة الدور أو التسلسل في الوجودات الإمكانيّة ثبت في محلّه في الفلسفة والحكمة المتعالية. (انظر: عبد الرسول عبوديت، معرفة الوجود، الفصلان 17 و18).

([62]) انظر: الملاّ صدرا، الأسفار الأربعة 1: فصل 12 (ماهيّة الممكن)؛ جوادي الآملي، الرحيق المختوم (شرح الحكمة المتعالية) 2: 381 ـ 383، القسم 3.

([63]) انظر: مصباح اليزدي، نحو بناء الذات: 121 ـ 129.

([64]) فقرة من القسم الثاني من دعاء عرفة.

([65]) بالطبع إنّ الإدراك الدقيق والكامل لبرهان الإمكان الفقري له نتائج شريفة ومثمرة؛ ذلك أنه ـ كالسُلّم المرتفع ـ بإمكانه أن يرتفع بالسالك العقلي إلى ساحة المعرفة القلبيّة لله. ولعلّه من هذه الناحية يُعدّ هذا البرهان أعلى ثمرة للفكر البشري، وأنفس ما وصلت إليه الفلسفة في تاريخها، الذي يمتد لعدّة آلاف من السنين، وخصوصاً الفلسفة الإسلاميّة. (انظر مصباح اليزدي، نحو بناء الذات: 120 ـ 121).

([66]) انظر: جوادي الآملي، توضيح براهين إثبات الله: 215.

([67]) من فقرات دعاء عرفة للإمام الحسين×. يُشار إلى أنّ تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر، ويكون المعنى الدقيق لقوله: «بك أستدلّ عليك» هو: بوجودك فحَسْب يُستدلّ على وجودك.

([68]) الملاّ صدرا، الأسفار الأربعة 6: 14 ـ 15.

([69]) جوادي الأملي، توضيح براهين إثبات الله: 223 ـ 224.

([70]) ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (التين: 4).

([71]) ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (البقرة: 31).

([72]) عوالي اللآلي 4: 7.

([73]) تفسير البيضاوي 2: 472.

([74]) فقرة من دعاء عرفة للإمام الحسين×.

([75]) انظر: القيصري، شرح فصوص الحكم: 195 ـ 196، تصحيح: محمد حسن الساعدي (نقلاً عن محيي الدين ابن عربي، عن أبي يزيد البسطامي).

([76]) القيصري، المصدر السابق: 271. ويقول القيصري في شرحه لهذا الكلام بأنّ هذه السعة التي للقلب إنّما تحصل بعد مرتبة الفناء في الله، والبقاء بالله.

([77]) العطّار النيشابوري، إلهي نامه (الرسالة الإلهيّة): 7.

([78]) المعجم الجامع لخطب الإمام الحسين×: 594؛ موسوعة كلمات الإمام الحسين×: 530.

([79]) فقرة من دعاء عرفة.

([80]) انظر: جوادي الآملي، الرحيق المختوم (شرح الحكمة المتعالية) 1: 312، القسم الخامس.

([81]) وانظر: حسن زادة الآملي، لقاء الله، التفسير العرفاني لآية ﴿اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾: 55 ـ 65.

([82]) كما أنّ النور ظاهرٌ بذاته، ومظهِر لغيره، كذلك الوجود ظاهرٌ بذاته، ومظهِرٌ لغيره؛ أي إن الوجود مظهِرٌ لجميع الماهيّات والممكنات (ما سوى الله).

([83]) انظر: محمد حسين الطهراني، الله شناسي (معرفة الله) 1: 50.

([84]) فقرة من دعاء عرفة.

([85]) حسن زادة الآملي، لقاء الله: 69.

([86]) عن الإمام الباقر×: «فَطَرَ الله الخلق على معرفته». (بحار الأنوار 3: 279، ح12).

([87]) موسوعة كلمات الإمام الحسين: 672 (نقلاً عن: رجال الكشي 1: 331)؛ المعجم الجامع لخطب الإمام الحسين×: 746.

([88]) أوّل تجلٍّ من تجليّات ذات الحقّ يُقال له التجلّي أو التعيّن الأول. والتعيّن الأول هو آخر مرتبة تقع موضوعاً لعلم وشهود الإنسان. ووحده النبيّ الخاتم وأوصياؤه يمكنهم الوصول إلى هذا المقام الرفيع؛ وغيرهم من جميع البشر، حتّى سائر الأنبياء، محرومون من بلوغ هذه الدرجة.

([89]) الكلمات المكنونة: 3؛ علم اليقين 1: 49؛ الأسفار الأربعة 1: 117.

([90]) انظر: الإمام الخميني، شرح دعاء السحر: 54 (دعاء السالك تابع لمشاهداته)، ترجمة: الفهري.

([91]) الفقرة الأخيرة من دعاء عرفة للإمام الحسين×.

([92]) انظر: الميرزا جواد آقا الملكي التبريزي، رسالة لقاء الله: 4، تحقيق: السيد أحمد الفهري.

([93]) «إنّ الحقّ لا يُحاط به علماً. وإنّ نسبة ما تعيَّن لك من الحقّ، علماً أو شهوداً، إلى ما لم يتعيّن لك أو لغيرك نسبة المتناهي إلى غير المتناهي». (انظر: ابن الفناري، مصباح الأنس: 264).

([94]) «فغاية عرفان العارفين إقرارهم بالعجز والتقصير، وعلمهم برجوع الكلّ إليه، وهو العليم الخبير». (الملا صدرا، الأسفار الأربعة 1: 249).

([95]) الميرزا التبريزي، رسالة لقاء الله: 5.

([96]) بالطبع لدينا كذلك دليلٌ قرآني حول عدم إمكان المشاهدة الكاملة لله في الدنيا، كما جاء في سورة الأعراف، الآية 143: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً﴾.

([97]) انظر: الميرزا التبريزي، رسالة لقاء الله: 48.

([98]) يتجلّى الله تعالى في الجنّة لوليّه، ثم يقول له: «ولك في كلّ جمعة ذروة». (انظر: العلامة الطباطبائي، طريق العرفان (ترجمة وشرح رسالة الولاية): 56، ترجمة: صادق حسن زادة).

([99]) قال رسول الله|: «للشهيد سبع خصال من الله: …والسابعة أن ينظر في وجه الله». (وسائل الشيعة 15: 16).

([100]) «أنظر إليهم في كلّ يوم سبعين مرة، وأكلّمهم كلّما نظرتُ إليهم». (انظر: الميرزا التبريزي، رسالة لقاء الله: 48).

([101]) قال الله تعالى: «…وعزَّتي وجلالي لا أحجب بيني وبينك في وقت من الأوقات، حتّى تدخل عليّ أيّ وقت شئتَ، وكذلك أفعل بأحبّائي». (انظر: رسالة لقاء الله: 45، تتمّة حديث المعراج).

([102]) بحار الأنوار 45: 206، ح13.

([103]) بحار الأنوار 87: 128، ح11.

([104]) نفس المصدر 23: 83.

([105]) إمام خميني، چهل حديث: 457. وفي النسخة العربية: الأربعون حديثاً: 412، ترجمة: محمد الغروي.

([106]) كذلك نلاحظ في المناجاة الشعبانية، والتي تُعدّ من الأدعية العامّة والدائمة للأئمّة الطاهرين^، طلب معرفة الله من خلال إشراق نوره: «وألحقني بنور عزّك الأبهج، فأكون لك عارفاً، وعن سواك منحرفاً».

([107]) من دعاء عرفة.

([108]) من دعاء عرفة.

([109]) طبقاً للآية الشريفة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾.

([110]) الإمام الخميني، الديوان: 204.

([111]) فقرة من حديث المعراج. (انظر: الكليني، أصول الكافي 2: 352).

([112]) إمام خميني، چهل حديث: 454. وفي النسخة العربية: الأربعون حديثاً: 409.

([113]) انظر: مصباح اليزدي، السائرون إلى جبل الحبيب (شرح حديث المعراج): 236 ـ 246؛ نحو بناء الذات: 160 ـ 171.

([114]) إرشاد القلوب: 204؛ بحار الأنوار 77: 28، ح6.

([115]) حافظ الشيرازي، الديوان: 296.

([116]) سُئل رسول الله|: «كيف الطريق إلى معرفة الربّ؟ قال: معرفة النفس». يقول العلامة الطباطبائي في كتابه النفيس (رسالة الولاية)، والذي يُعدّ من أهمّ مؤلَّفاته؛ بشهادة كبار العلماء: إن أساس منهج الشريعة في تربية الناس هو التأكيد على معرفة الله بشكلٍ حضوري، من خلال معرفة النفس. وهو المنهج الذي يضمن أقرب النتائج وأكملها. وهناك يتناول العلاّمة، ببيان بليغ وجامع، كيفيّة الوصول إلى المعرفة الحقيقيّة بالله، من خلال سلوك طريق معرفة النفس. وهو الأمر الذي تناوله في مؤلَّفاته الأخرى، كما تناوله آخرون أيضاً. (انظر: طريق العرفان (ترجمة وشرح رسالة الولاية): 81 ـ 96، ترجمة: صادق حسن زادة.

([117]) بالطبع يمكن في المراحل الأولى لمعرفة النفس الاستفادة من التعاليم الحصوليّة البرهانيّة؛ لأجل الإعداد للمعرفة الحضوريّة وتقويتها.

([118]) انظر: مصباح اليزدي، نحو بناء الذات: 129 ـ 131.

([119]) ذلك أنّ دعاء كلّ عارف ومناجاته تابعان لإدراكه الحضوري والشهودي. (انظر: الإمام الخميني، شرح دعاء السحر: 54).

([120]) بحار الأنوار 23: 83.

([121]) انظر: شرح فصوص الحكم. بشكل أساسي يختصّ الفصّ الآدمي في فصوص الحكم بتبيين الموضع الحقيقي للإنسان في ساحة الوجود.

([122]) بحار الأنوار 24: 253؛ تأويل الآيات: 182؛ تفسير العياشي 2: 19؛ تفسير فرات الكوفي: 142، في تفسير آية: ﴿وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ﴾.

([123]) رحيق مختوم 2: 155 ـ 156، القسم الخامس.

([124]) لمعة من بلاغة الحسين: 95. وينسب الشهيد مطهري الرواية المذكورة إلى الإمام الحسين×، في كتابه الملحمة الحسينية؛ استناداً إلى ما جاء في كتب: الأنوار البهيّة؛ نفس المهموم؛ حياة الإمام الحسين×؛ ولمعة من بلاغة الحسين×. (انظر: الملحمة الحسينية 1: 150). وهذه الرواية وردت في كتاب تحف العقول، نقلاً عن الإمام عليّ بن الحسين×. (انظر: تحف العقول: 391).

([125]) العطّار النيشابوري، أسرار نامه (صحيفة الأسرار): 3.

([126]) نهج البلاغة، الخطبة 62.

([127]) القيصري، شرح فصوص الحكم: 466 ـ 467، تصحيح: محمد حسن الساعدي.

([128]) انظر: الإمام الخميني، تعليقة على شرح فصوص الحكم: 149.

([129]) انظر: القيصري، شرح فصوص الحكم: 477.

([130]) آخر فقرة من دعاء عرفة.

([131]) العطّار النيشابوري، منطق طير: 72. وهو يرى أنّ السِّيمُرْغ هو تمثيلٌ للوجود الحقيقي، وغيره هو ظلٌّ له.

([132]) من الفقرات الأخيرة لدعاء عرفة.

([133]) الصدوق، التوحيد: 90، ح3؛ تفسير نور الثقلين 5: 711، ح68؛ بحار الأنوار 3: 233، ح2؛ موسوعة كلمات الإمام الحسين×: 569.

([134]) إلهي، علمتُ باختلاف الآثار، وتنقُّلات الأطوار، أنّ مرادك منّي أن تتعرَّف إليَّ في كلّ شيء؛ حتّى لا أجهلك في شيء.

([135]) بحار الأنوار 4: 301، ضمن ح29؛ موسوعة كلمات الإمام الحسين×: 529.

([136]) المصدر السابق.

([137]) في أحد الأيّام كان ابن عبّاس جالساً في المسجد الحرام، يخطب في الناس، ويجيب على أسئلتهم، ويبيِّن أحكام الدين لهم، حين وقف رجلٌ يُدعى نافع بن الأرزق، وقال له: يا بن عبّاس، أنتَ تفتي الناس بخصوص النمل والقمل، فهلاّ أخبرتني عن الله الذي أعبده، وأخبرتني عنه؟ فسكت ابن عبّاس، وقد أكبر ما سأله الرجل. وفي هذه الأثناء كان الإمام الحسين× جالساً في أحد أركان المسجد، فالتفت إلى الرجل، وقال له: يا بن الأرزق، هَلُمَّ إليّ. فقال له الرجل: أنا لم أسألك لكي تجيبني. وهنا قال له ابن عبّاس: يا بن الأرزق، هذا الحسين بن عليّ، من أهل بيت النبوّة، ومن ورثة العلم والحكمة الإلهيّة. فاقترب ابن الأزرق من الإمام الحسين×، الذي قال له: «…يا بن الأزرق، أصف الله بما وصف به نفسه، وأعرِّفه بما عرّف به نفسه: لا يُدرَك بالحواسّ، ولا يُقاس بالناس، فهو قريبٌ غير ملتصق، وبعيد غير متقصٍّ، يُوحَّد ولا يُبعَّض، معروفٌ بالآيات، موصوفٌ بالعلامات، لا إله إلاّ هو الكبير المتعال. (فرهنگ جامع سخنان إمام حسين× (موسوعة كلمات الإمام الحسين×): 597 ـ 599).

([138]) نهج البلاغة، الخطبة 1.

([139]) انظر: تمهيد القواعد: 21، 91، 174.

([140]) انظر: يزدان پناه، العرفان النظري: 56 ـ 58، الدفتر الثاني (النكتة الثالثة: التمايز الإحاطي).

([141]) انظر: بداية هذا المكتوب «المعرفة لازم العبوديّة»: «ما خلق العباد إلاّ ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه».

([142]) انظر: الإمام الخميني، چهل حديث (الأربعون حديثاً): 224.

([143]) موسوعة كلمات الإمام الحسين×: 537؛ بحار الأنوار 84: 131، ح24.

([144]) بحار الأنوار 24: 259.

([145]) إمام خميني، چهل حديث: 446. وفي النسخة العربية: الأربعون حديثاً: 404.

([146]) ابن فهد الحلّي، عدّة الداعي: 291.