مفهوم الإدارة الإسلامية

26 أبريل 2015
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: 1
1٬939 زيارة

مفهوم الإدارة الإسلامية

مقاربة في المنظور الفلسفي

د. علي نقي أميري (*)

مقدمة ـــــــ

إن من جملة المسائل التي ينبغي الالتفات إلى أهميتها في ما يخص الوجهة الإسلامية للحكومة والنظام الإسلامي مسألة الإدارة، ذلك لأن الحكومة في حالة كونها إسلامية أو غير إسلامية لابد من البحث عن إحدى مظاهر الاختلاف في مضمار الإدارة.

لقد قام الباحثون والمفكرون الإسلاميون، ومن تهمهم قضية الإسلام، وكذلك مؤسسات عديدة، بإنجاز خطوات مهمة على صعيد بيان مفهوم الإدارة الإسلامية، إلاّ أنه وبرغم كل الجهود المبذولة فلا تزال المسافة بعيدة والنواقص كثيرة للوصول إلى المستوى المطلوب. خلاصة القول: إن الوضع الحالي للإدارة الإسلامية مقرون بتشتت الدراسات، والبحوث وضعف الترابط بينها، مع فقدان الإطار النظري الجامع لهذه الدراسات وعدم وجود الصلة المنطقية والنسبية للبحوث مع الإسلام، وغير هذه الأمور([1]).

إن التحرر من هذه النواقص وملء الفراغات يقتضي اتخاذ خطوات جديّة في دراسة الوضع الراهن، ففهم الوضع الذي نطمح إليه، ووضع خطة عملية لبلوغه وإن كان ممكناً، إلاّ أن العملية تبدو طويلة الأمد، لكن المسألة المهمة تبدو في رسم الصورة واتخاذ الخطوات الواجب إنجازها.

إن هذا البحث وإن جاء ليقف على الاتجاهات السائدة في حقل الإدارة الإسلامية فهو يرمي أيضاً لبيان هذه العملية، وبذلك يعتبر بذرة لأعمال أفضل وأكثر من قبل العلماء والهيئات العلمية المؤيدة للنظام والثورة الإسلامية.

1ـ مفهوم الاتجاه ومنزلته في أبحاث الإدارة الإسلامية ـــــــ

الاتجاه (approach) يعني النظرة إلى الموضوع من زاوية ما، الاتجاه يعني الأُسلوب والمسلك للوصول إلى فهم الموضوع، فالاتجاه المختار لدراسة وتحليل موضوع ما يتأثر باُمورٍ، منها: الذوق ورؤى وذهنيات الأفراد. <[الاتجاه أو] التوجه هو بمثابة اتخاذ طريق للاقتراب من المسألة، وإيجاد مسلك للكشف عن نظرية، أو قنص فرضية من الفرضيات؛ في حين أن الأسلوب يستفاد منه كوسيلة لنقد وتقييم الفرضية الحاصلة، بناءً على ذلك فالتوجه يكون في مقام الكشف(context of discovery) والاستقصاء، والأُسلوب في مقام الحاكمية والتبرير(context of justification)>([2]).

إنّ أسمى ذروة يمكن أن يرقى إليها أي علم من العلوم هي بلوغه مرحلة النظرية، والتي يكوّن على أساسها مجموعة من النظريات المنسجمة مع بعضها، فيصبح ذلك العلم معروفاً من خلالها، والإدارة الإسلامية أمامها مسيرة طويلة لبلوغ مثل هذه المرحلة، لذا تعد الآن في خطواتها الاُولى للوقوف على النظريات والاتجاهات في هذا المضمار.

لو شبّهنا الإدارة الإسلامية ببستان، وهناك أبواب مفتوحة على هذا البستان، وكل باب منها يختص بمنظر ما، فأحياناً يكون المنظر دائرياً يعكس بعداً من أبعاد ذلك البستان، فهذه الأبواب في الحقيقة اتجاهات مختلفة، لكل منها موضوع تختص به الإدارة الإسلامية، فلو أردنا وضع أقدامنا في هذا البستان، والنيل من نعمه، فعلينا معرفة هذه الاتجاهات، وبجعل هذه الاتجاهات مترابطة في ما بينها يتسنى لنا الخروج بنظرية عامة حول الإدارة الإسلامية.

2 ـ الأنموذج السائد في دراسة الاتجاهات ـــــــ

المسألة المهمة في دراسة الاتجاهات في الإدارة الإسلامية مسألة تحقيق الأنموذج والقاعدة التي تمتلكها، فالأنموذج السائد في دراسة تلك الاتجاهات هو الأنموذج المعروف بـ «أنموذج مستويات المعرفة»، ويتألف هذا الأنموذج من بعدين:

البعد الأول: يتعلق بالإنسان، ودرجات معرفته، ويتشكل من أربعة اتجاهات مختصة بالمعرفة: الاتجاه الحسّي (الذي يتناسب مع وسائل الحسّ في الإدراك، فالأصل ما قامت به التجربة)؛ الاتجاه العقلي (الذي يتناسب مع وسائل العقل وأصله قد تم عرضه)؛ الاتجاه القلبي (الذي يتناسب مع وسائل القلب، وقد نشأ موضوعه من التركيز على هذه الوسائل)؛ الاتجاه الوحيوي (الذي يعتمد على مصدر الوحي، وأصله معروض).

البعد الثاني: يتعلق بموضوع المعرفة، وخبايا وجودها، ومستويات مختلفة تتعلق بمعرفة الإنسان، وتقع في الاتجاهات المختصة بالمعرفة، وهذه المستويات عبارة عن: المستوى الظاهري (الذي يتعلق بالأبعاد الفيزيائية ويمكن معرفته بواسطة الوسائل الحسية والعلمية)؛ المستوى الانتزاعي (يتعلق بمعرفة المفهوم والمعرفة الفلسفية)؛ المستوى الآيتي (الذي يشير إلى الأشياء من جهة أنّ لها آية وعلامة تدل عليها ويتعلق بالمعرفة العرفانية)؛ المستوى الغائي (الذي يشير إلى الغاية والهدف من خلق الأشياء، وينطوي على الرشد والكمال وفهم الوحي).

لقد تم رسم الأنموذج المتصوّر لدراسة الاتجاهات في الإدارة الإسلامية حسب الأبعاد المذكورة آنفاً، وكما في الشكل أدناه:

Untitled-1

و بالنظر إلى سعة الأبحاث في ما يخص الإدارة الإسلامية طبقاً للأنموذج المتصور أعلاه فإننا سنشير وبشكل إجمالي في هذه المقالة إلى الاتجاه التجريبي ـ الحسّي فقط؛ وأمّا توضيح سائر الاتجاهات فنرجئه إلى مجال آخر.

3 ـ الاتجاه العقلي ـ الفلسفي في دراسة الإدارة ـــــــ

إن أحد الاتجاهات الذي أدّى إلى فهم صفحة عميقة من الإدارة، ووضعها محوراً في دراسة الإدارة الإسلامية، فأضاء منها أبعاداً مختلفة، هو الاتجاه العقلي ـ الفلسفي.

شيّد الاتجاه الفلسفي على أساس أن العقل هو الأصل في إدراك الأمور الكلية، والمؤيدون لهذا الاتجاه (الفلاسفة والحكماء) يعتقدون بأن تكامل وتطور الإنسان مرهونٌ لتكامل فكره وقدرته العقلية، ففي هذا الاتجاه يعتبر تطابق الأُمور النظرية مع الأُمور البديهية هو المعيار في الصحة، أي إن الكلام والفكر الصحيح ما كان منطقياً ودقيقاً ومحرزاً لهذا التطابق. فالفلاسفة يعتبرون كمال الإنسان إنما هو باللجوء إلى المنطق والبرهان ودعوة الجميع إلى التفكّر والتعقّل([3]). إن تكامل المعرفة تبعاً لهذه النظرية يتم باستخدام القياس، أي بالسير من الكل إلى الجزء.

و على قاعدة الاتجاه العقلي ـ الفلسفي «فالإدارة الاسلامية» تكون مركباً من «الإسلام» و«الإدارة»، فالإدارة مصداقٌ «للعلم»، والإسلام مصداقٌ «للدين»، وبالنتيجة فإن الإدارة الإسلامية تكون مصداقاً «للعلم الديني»، ويتم بحثها على نحو فلسفي، ولذا فإن الاستفادة من المفاهيم الفلسفية والمنطقية «المواد الثلاث»، أي «الوجوب، الإمكان، الامتناع»، والنسب الأربعة أيضاً، أي «التساوي، التباين، العموم والخصوص المطلق، والعموم والخصوص من وجه»([4]) يقودنا إلى سؤال أساسي وجذري، وهو: هل أن «العلم الديني» أساساً، و«الإدارة الإسلامية» بالتبع، مفهومٌ له معنى وممكن أم لا؟ وفي كُلٍّ من هذه الحالات ما هي النتائج والآثار الناتجة عن ذلك؟([5]).

وبتعبير آخر: هل أن العلاقة بين العلم والدين علاقة ضرورية أم امتناعية أم ممكنة؟ وما نوعها طبقاً للنسب الأربعة؟ بناءً على ذلك فالتوصل إلى مفهوم العلم الديني و«الإدارة الإسلامية» يستوجب أيضاً التأمل في حقل العلم ومعرفته، والدين ومعرفته، ومدى التناسب بينهما، ففي هذه الصورة يصبح واضحاً هل ثمة مجالٌ لتحقق العلم الديني ومصاديقه، ومنها: الإدارة الإسلامية، أم لا؟([6]).

و هناك اتجاهات يمكن اعتبارها في سياق هذا البحث ضمن مجموعة الاتجاه العقلي ـ الفلسفي.

1ـ3ـ اتجاهات التباين ـــــــ

حاصل اتجاهات التباين أن العلم الديني مفهومٌ واقعي إلاّ انّه غير ممكن، وبهذا تصبح «الإدارة الإسلامية» أيضاً مفهومٌاٌ بلا معنى، فلا يتسنى الجمع بين الإدارة والإسلام في مركّب علمي وذي معنى. ومن أهم الإتجاهات والنظريات حول العلم والدين، أو العلم الديني، التي تقول بأن العلم الديني ومصاديقه مفهومٌ غير ذي معنى ما يلي:

1ـ1ـ3ـ النظرية الإثباتية ـــــــ

إن السمة الأساسية للنزعة العلمية في عصر نهضة الحضارة الغربية في القرون الوسطى (الرنسانس) وحتى ظهور الثورة الصناعية هي الاعتماد على اُسلوب التجربة بشكل محوري وأساسي، والنظرة السائدة آنذاك هي النظرة المثبتة؛ (positivism) النظرة التي ترى الحقيقة والواقع من خلال منظار التجربة، فكل ما لا يسعه هذا المنظار يصبح وهماً وغير واقعي؛ ففي هذه الفترة كان المناخ الغالب على الثورة الصناعية مناخاً ذا نظرة تشاؤمية نحو الدين؛ بسبب ما كانت تقوم به الكنيسة الكاثوليكية من الممارسات غير المبررة، وتفسيرها الخاطىء للظواهر العلمية، فأصبحت النظرة إلى الدين والمسائل المعنوية نظرة ثانوية، وافتقد الدين بذلك مكانته المعهودة، ليحل محله العلم.

لقد شيدت النظرية الإثباتية على أساس أن للعلم البشري أصل واحد ويد واحدة، والمميّز الأساسي له التجربة؛ فقداعتبر المذهب الإثباتي كل قضية مجعولة لا يمكن إخضاعها للتجربة قضية لا معنى لها، ولأجل هذا فقد أنكر إمكان ثبوت كل معرفة خارج نطاق التجربة([7]).

فعلى نهج الرؤية المنطقية للإثباتيين يتكون العلم من قضايا لها بناء منطقي متشابه ومتجانس، وكلها من نوع القضايا المركبة إلى جانب ذلك فإن الأُسلوب العلمي هو أيضاً واحد، والذي يستفاد منه للتوصّل إلى القضايا المركبة، وذلك الأسلوب هو الأسلوب التجريبي. وعلى هذا الأساس تكون القضايا المبنيّة على أسس المفاهيم الدينية والفلسفية والأخلاقية إما بلا معنى (Tautological) أو هي نوع من إبراز العواطف والأحاسيس الباطنية لاغير، وعلى أيّة حال فإن المجعولات التي تتضمن مثل هذه المفاهيم لا صحيحة ولا خاطئة، ومنه يكون تعبير «العلم الديني»، وأيضاً «الإدارة الإسلامية»، تعبيراً بلا معنى حسب ما ترتئيه هذه النظرية؛ ذلك لأن المجعولات الدينية ليست ذات معنى، وإضفاء صفة «الدين» على العلم، و«الإسلام» على الإدارة يُنتج مركباً لا معنى له([8]).

2ـ1ـ3ـ النظرية العملية (pragmati theory) ـــــــ

العملية كسابقتها الإثبات في أن أي نوع من المعرفة لا يمكن اعتبارها أو تقييمها إلا من خلال النتائج العملية كمقياس لها. فالمعرفة لا تكون ذات قيمة إلاّ إذا كانت معرفة تجريبية، أو تكون قابلة للإجراء العملي، فالنظرية العملية تقول بوجوب الالتزام بتعريف قابلية الإجراء العملي(operationable). «أسلوب التحقيق التجريبي، الاُسلوب الذي يتسنّى المضي به دون مواجهة ثغرة مفاجئة>([9]).

لقد ظهرت هذه النظرية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين من قبل الفلاسفة البراغماتيين الأمريكان، وعلى الخصوص شارلز بيرس ووليام جيمز. وفي هذه النظرية يكون العمل والنتائج العملية لأية عقيدة أو قضية عاملاً لتصديقها، ولهذا السبب سمّيت بالنظرية العملية، وبطبيعة الحال اعتبر البعض ـ لدى بيان المقياس في النظرية العملية ـ أن الإجماع مفهومٌ أساسي على أساسه تكون القضية المجعولة صادقة فيما لو جرّبها الجميع واتفقوا على قبولها، وفي موارد أُخرى يكون المقياس في العملية مبتنٍ على الذرائعية (Instrumentlism)؛ أي إن الفكرة تكون صحيحة لو كانت تملك قابلية الجذب والتأييد والتصديق؛ وعلى ذلك فإن للكلمات من قبيل: مثمر، عملي، مرضي، أهمية خاصة في هذه النظرية، فمقياس صدق النظرية أو القضية المجعولة يكمن في مدى نجاحها وقابليتها العملية واستحسانها عند تلبية الأغراض، حتى أن الحكم في قضية «هل ان الله موجود» يعتمد على الربح والخسارة العمليين الناتج من هذا الاعتقاد، أي «لو ثبت ان لنظرية الإيمان بالله قيمة في حياة الإنسان الشخصية فإنها ستكون حقيقة للمذهب العملي (البراغماتيسمي)».

لو أننا أمعنا النظر في الملاكات المذكورة آنفاً لتوصلنا إلى نتيجة أن العمليين في النهاية يعتبرون المعرفة عن طريق التجربة هي الأساس الأمثل للمعرفة، والمقياس لتقييم أيّة معرفة؛ وعليه فإن مصطلح «العلم الديني» سوف يكون غير موجه وبلا معنى؛ لأن الدين بمثابة قضية محمولة على نوع من المعرفة الإلهية، فلا يمكن وسمها بصفة العلم الخاضع للتجربة؛ وذلك لأن مكتشفات العلم قائمة على التجربة([10]).

إنّ النظرية العملية ومقاييسها يمكن مناقشتها من جهات عدة؛ وذلك لأن الاختلافات النظرية فيها تصل إلى مرحلة الإجماع، وحينها لا يتسنّى إثباتها أو تفنيدها بأي دليل مهما كان معتبراً، ولا يسعنا القبول بما تدعيه هذه النظرية بالرجوع إلى الشواهد المشتركة المستوحاة من الطبيعة ذاتها؛ لأن ذلك يتجاهل أموراً أخرى لها مدخلية بالتقييمات، كالقيم والاعتقادات المتعلقه بما وراء الطبيعة. ولو افترضنا أيضاً أن الجميع قد اتفقوا على قضية ما فهل يوجد ضمان أن جميع هؤلاء لم يكونوا على خطأ؟ إلى جانب هذا فإن هذا المقياس لو كان صحيحاً من ناحية النظرية نفسها فإن تكذيبه أمرٌ لا مناص منه؛ لأن الإجماع لم يحصل في هذه القضية، بل إن أكثر المهتمين يرفضها. أضف إلى هذا أنّ «الربح» هو من المفاهيم المرنة التي يمكن أن تتغيّر من شخص إلى آخر ومن ثقافة إلى ثقافة أخرى، كما أن هذا التعريف يقتضي كون الصدق والحقيقة أموراً نسبيةً من ناحية الزمان أيضاً، بمعنى أن الطبيعة تابعة لفكرنا، فكلما تغيّر فكرنا تتغير الطبيعة تبعاً لذلك لتنسجم مع ما نفكر به، وإلى جانب هذا فإن المذهب العملي (البراغماتي) لم يعطنا تعريفاً واضحاً وصريحاً عن طبيعة الربح والتجربة([11]).

 3ـ1ـ3ـ النظرية التكثّرية التباينية ـــــــ

إن التكثّر في فهم المعرفة دليل على أن نطاق معرفة الإنسان ليس نطاقاً من جنس واحد، بل يمكن تجزئته إلى عدة حقول، وطبقاً للصورة التي تمت بها هذه التجزئة فقد نحصل على نوعين من التكثّر: التبايني؛ والتداخلي. أما التكثّر التبايني فمبنيٌّ في الواقع على أساس افتراض عدم الترابط، أو الامتناع، أو قل: على نسبة التباين بين العلم والدين؛ ففي هذا الاتجاه يتم تقسيم دائرة المعرفة البشرية إلى حقول مختلفة لا تجمعها سنخية واحدة.

و مصاديق هذا الاتجاه ـ والتي جميعها يعتبر العلم الديني لا أساس له ـ كثيرة؛ فالبعض يعتقد بأن العلم والدين متفاوتان من ناحية الموضوع والأسلوب والغاية والسبيل والصورة، فلا يتسنى الجمع بينهما؛ فمثلاً: كارل ﭘـات يعتقد أن موضوع الدين والإلهيات «تجلّي الرب في المسيح»، وموضوع العلم دراسة الطبيعة؛ فالأسلوب المطلوب في مجال الدين لأجل معرفة الله يكمن في التأمل في تجلّيه لدى الإنسان، ومن هنا يجب انتهاج الأسلوب الحضوري، في حين أن العلم يتطلب الأساليب الموضوعة على أساس العقل البشري، فغاية الدين تعريف الإنسان بربه، أمّا العلم فغايته معرفة الطبيعة عن طريق التجربة، وعلى هذا الأساس فإن مارتين بوبر يعتبر ان موضوع وغاية العلم والدين مختلفة أيضاً([12]).

بعض الفلاسفة التحليلين، من أمثال: وينكشتاين، يعتبر اصطلاح العلم الديني بلا معنى؛ لأنه خليطٌ ومزيجٌ لوجهتين مختلفين من المعرفة البشرية، وهذا نقض وتلاعب بقواعد اللغة([13]).

وعلى هذه الوتيرة قال فيلسوف تحليلي آخر، اسمه بل هرست: العلم الديني أو بعض مصاديقه، كـ «المسيحية الفيزيائية» تعابير بلا معنى وغير منطقية([14]).

أمّا دونالد مك كي، فخلال عرضه لثلاثة أنواع من العلاقة: المساعدة، المطلقة، والتكميلية، بين العلم والدين، توصّل في النهاية إلى أن العلم الديني تعبير خالٍ من المعنى([15]).

و هناك صنف آخرمن أصحاب التكثّر التبايني لهم عقيدة تتلخص بأن التعاليم العلمية والدينية تعود لأصل واحد، إلاّ أنّ التعاليم الدينية لا يمكن الاستفادة منها، إلا في حالة وصول التعاليم العلمية إلى طريق مسدود، فعندها يأتي دور التعاليم الدينية لملء الفراغ الحاصل من غياب البيانات العلمية، وحسب هذه النظرية فإن تعبير العلم الديني سوف يكون غير ذي معنى أيضاً.

إن من جملة الانتقادات الموجهة لنظرية التكثر التبايني أنّه خلافاً للتصوّر الذي تعطيه عن المعرفة البشرية؛ فإن جميع العلوم، من حيث الموضوع والغاية والأسلوب وغيرها، لا يمكن فصلها عن بعض([16]).

 2ـ3ـ الاتجاه المتداخل ــــــ

بإزاء الاتجاهات المتباينة، التي لا تؤمن بأي نوع من العلاقة بين العلم والدين، توجدهناك اتجاهات فلسفية أخرى وضعت أساساً لنوع من الترابط بين العلم والدين؛ ففي هذه الاتجاهات يُعرّف العلم والدين بنحوٍ وكأنهما متداخلان، ويمكن التقاؤهما بنقاط مشتركة من جهات عديدة التي منها يحصل تعريف العلم الديني، وبعبارة آخرى: تكون العلاقة بين العلم والدين في هذه الحالة عموماً وخصوصاً من وجه، بحيث يشكل تأثير العلم والدين في بعضهما البعض وحدة مترابطة ومتواصلة، وللاستمرار في البحث حول مصاديق الاتجاهات الفلسفية المتداخلة نذكر ما يلي:

1ـ2ـ3ـ الاتجاهات ذات المحاور العلمية ـــــــ

إن العلم هو القاعدة الإسلامية والنهائية في اتجاهات العلم المحور في موضوع تفسر «العلم الديني» بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فالعلم متغيّر ومستقل وذو صدارة، والدين متغيّر وتابع للعلم، وبتعبير آخر: إنّ للدين دوراً صغيراً بإزاء الدور الكبير والمؤثر الذي يلعبه العلم، ففي النماذج المتصوّرة للعلم الديني قد نلحظ أبهت صورة وأدنى منزلة للتعاليم الدينية لدرجة أننا قد لا نشاهد أيّة خصوصيات ملفتة للنظر فيها تميّزها عن النماذج اللادينية، بل إنّها في الواقع تطبيقات خاصة مقترحة للعلم غير الديني لاغير.

إن اتجاهات علم المحور نحو العلم الديني قد يُعبَّر عنها أحياناً «باتجاهات الحد الأدنى»؛ نظراً للدور الضعيف للدين فيها. ولها مصاديق كثيرة، كل منها يعبر عن بعد أو زاوية من زوايا الدين، ويبرزها كعنوان للدين كله، وفي خضم غياب النظرة الجامعة الشمولية للدين نرى هذه الاتجاهات قد عكست أثراً محدوداً للدين في العلم الديني.

أ ) الاتجاه الجديد  ـــــــ

إن هذا الاتجاه قد ظهر أساساً في العالم الغربي، وجاء كثمرة للضغوط والممارسات الهائلة التي كانت تقوم بها الكنيسة تجاه المجتمع العلمي بعد عصر النهضة (الرُّنِسّانْس)، سمته الرئيسية كسمة «الاتجاه الإثباتي» ذاتها، فلم يكتفِ بنعت العلم الديني ـ من وجهة التحليل النظري والمنطقي ـ بأنه بلا معنى فحسب، بل ذهب إلى مقام العمل أيضاً، فلم يترك مجالاً للدين لإثبات نفسه؛ وحتى في الأمور المعنوية وتهذيب الأخلاق والأمور التربوية والنفسية والعلوم الإنسانية، التي كانت قبلاً من وظيفة الدين، أخذ العلم يدّعي شيئاً فشيئاً بأن الدين غير قادر على القيام بهذا الدور، والعلم قادر على تقديم البديل للدين والمذهب، وله السلطة المطلقة على الدين، فلو نظرنا إلى مركب «العلم الديني» ـ طبقاً لهذا التحليل الجديد ـ يكون الدور الأكبر للعلم، ويبقى الدين إمّا بلا دور وإمّا أقل دوراً وتأثيراً. وهذا الأمر يصدق أيضاً على الإدارة الدينية؛ وذلك أن إدارة أُمور الفرد، المؤسسة، والإدارة الاجتماعية، تعتبر جميعها مفاهيم علمية أساساً، فهي أمور يتم التمهيد لها على أساس العقل فقط، وليس للدين دور مباشر فيها.

طبعاً لا ينبغي لنا أن نغفل عن هذه الحقيقة، وهي أنه إذا استطاع العلم بعد (الرنسانس) أن يُخرج الدين عن مسرح إدارة الأمور، ويقلص دوره إلى أدنى حد ممكن، فإن ذلك كان بسبب وجود دين ضعيف ومحرّف عن المسيحيّة، والذي فشل منطقيّاً في التوفيق بين العلم والدين؛ في حين أن الإسلام غير المسيحيّة فهو يمتلك هذا التوافق والانسجام المطلوب([17]). لكن بالرغم من الانسجام والشمول للإسلام، قد تظهر اتجاهات عن العلم الديني تغفل جانب التكامل والشمول للإسلام ونظرتها الضيقة لا تهتم سوى بأبعاد خاصة من الإسلام، ونواصل الإشارة إلى بعض هذه الاتجاهات.

ب) الاتجاه المعنوي  ـــــــ

إن بعضاً من القائلين بالدور الأدنى للدين في مركب العلم الديني يعتقدون بأن الإسلام وإن كان ديناً متكاملاً إلاّ أنه لا يتولى سوى الاُمور المعنوية للبشر، فلا نتوقع أن يتعدى دوره إلى سائر نواحي الحياة، لذا فهو دين كامل، لكنه ليس جامعاً، ولا يمتلك الشمول فلا ينبغي أن نخلط بين دائرة العلوم الحسيّة للبشر ودائرة الدين. وبعبارة أخرى: الدين جاء صرفاً لسعادة وأبدية الإنسان، ولا يتكفّل النظام المعيشي والدنيوي للبشر، وفي النتيجة لا نتوقع من الدين أن يذهب بنا أكثر من سعادة البشر، وبهذا الوصف يكون الدين ضرورة، لكنّها تبقى ضرورة الحد الأدنى، ولو أن الدين حقيقة كاملة، لكنّه بالضرورة ليس جامعاً([18]). وبما أنه لا يمكن انفصال نواحي الإنسان النفسية والذهنية والحسية بعضها عن بعض فلو جعلنا البعد المعنوي على عهدة الدين فذلك يقتضي جعل الأبعاد الأخرى على عهدة العلوم المختلفة. فبالنظر لسعة الأمور والحاجات الدنيوية في شتى النواحي، ويتبع ذلك توسيع دور العلوم المختلفة لتلبية هذه المتطلبات، تكون نتيجة هذه النظرية رجحان حصة العلوم وهيمنتها في النهاية على مختلف النواحي، ومن ضمنها الدين.

و على هذا الأساس فإن للإدارة أيضاً دوراً مهماً في تأمين متطلبات الفرد والمؤسسة والمجتمع، والفضل في ذلك يعود للتجارب البشرية، وليس للدين. وعليه يمكن القول بأن الدين يتعلق بأمور الإنسان الشخصية، يتحدث عن صلة الإنسان بربه، وكشف أسرار الحياة والموت، ولا نتوقع منه الإجابة عن كثير من المشاكل البشرية. وحضور الدين في الأخلاق محدود جداً، فالقيم الأخلاقية لها جنبات أبعد من الدين، وليس من المحتم أن نأخذ ما ينبغي  وما لا ينبغي أخلاقياً من الدين، فالدين يجب أن يضمن سعادة الإنسان الأخروية، وليس سعادته الدنيوية، والبشر يجب أن يديروا حياتهم بالاستفادة من عقلهم الجمعي. وإدارة الأمور الاجتماعية للبشر تكون بالعقل لا بالدين، وبعبارة أخرى: لا نتوقع من الدين أن يرسم لنا صور النظم الاقتصادية، والسياسية،  والحقوقية والثقافية، فكيف نتوقع منه وضع الخطط والبرامج لحل المشاكل الاجتماعية للبشر»([19]).

وبناءً على هذا الاتجاه فالدين لا يسع إلاّ ثلاث نواحٍ: الفقه؛ والأخلاق؛ والعلوم الدينية، وعند استقرائنا لهذه النواحي الثلاث لا نكاد نعثر على نظام لإدارة حياة الإنسان، بل ما تم بيانه لا يتجاوز موضوع القيم، فبناءً على هذا القول تصبح النظم والأساليب أموراً منفصلة عن دائرة الدين، ومختصة بالإدارة العلمية.

إن القصد والمحصّل من هذه النظرية إنكار النظام السياسي للإسلام بشكل عام، والنظام الفعلي والرسمي بشكل خاص، الأمر الذين يجر إلى نفي النظام الإداري بنحو أولى حسب القاعدة([20]).

ج) نظرية قبض الشريعة وبسطها (اتجاه إحياء الدين) ـــــــ

إن هذه النظرية تعتبر فلسفتها الوجودية تبياناً لمسار الدين عبر الزمن، دفاعاً عن الدين وإحياءً له. وتبيين النسبة بين الدين الثابت والعالم المتغير في هذه النظرية مبني على عدة فروض أو أصول:

ــ أصل الفصل بين المعرفة الدينية والدين، فالدين أمر ثابت، مقدس، وغير قابل للاختلاف أو التغيير، بيد أن المعرفة الدينية مصداقٌ للمعرفة البشرية، ولها جميع خصوصياتها([21]).

ـ أصل التغذية والملاءمة: إن فهم الشريعة يستمد غذاءه دائماً من المعارف البشرية، ويتناغم ويتلاءم معها.

ـ أصل الترابط بين الدوائر المختلفة للمعرفة البشرية، فبين فروع المعرفة البشرية، ومن بينها المعرفة الدينية، تأثير وتأثّر متبادل فيما بينها.

ــ أصل الانقباض والانبساط المتناسق، فأي نوع من التغيير في المعارف البشرية يجعل فهمنا للشريعة يتناسب مع ذلك التغيير قبضاً وبسطاً.

ــ أصالة المعرفة العلمية، فالعلوم النظرية والعقلية أكثر قطعية بلحاظ الأسلوب من المعارف الدينية، لذا لو كان لزاماً وضع أساس من بين المعرفتين فلابد من اتخاذ المعارف العلمية أساساً وأصلاً، وسائر المعارف ترتكز عليها في التفسير.

ــ أصل التغيّر، فإذا كان الفهم الديني يتأثر بالفهم غير الديني فإن أي تغيير يطرأ على المعارف اللادينية يطرأ أيضاً على المعارف الدينية([22]).

لو تأملنا في الأصول المتقدمة نستنتج أن القول الأول يكون دائماً للعلم، ويأتي الدين في الرتبة الثانية، وعلى ذلك يجري تعريف العلم الديني وتبيانه وفقاً لملاءمته ومجاراته للعلوم البشرية، ولذا قد يعبر عن هذا الأسلوب «بأسلوب التطبيق»، والسبب في ذلك يعود إلى أن المفسّر لآيات القرآن الكريم يستقرئ في التطبيق ما لديه من مقبولات علمية أولاً، ثمّ يحمّل ما ينتج عن هذه العملية من فرضيات علمية على الآيات القرآنية([23]).

د) الأسلوب الهرمنوطيقي والاتجاه التفسيري ـــــــ

كلمة هرمنوطيقا جاءت من الأصل اليوناني، ومن الفعل Hermenucim ، بمعنى التفسير([24])، وغالباً ما تكون بمعنى العلم الموضح لأصول التفسير وأسسه، لكن المراد منها في هذا الباب فهمٌ خاصٌ منه، حتى لقد تم ترجمتها في بعض المطالب بالتأويل([25]). والفكر الغالب على هذا الأسلوب يقول: إن فهم وتفسير أي نص يتم طبقاً لأصول معينة، والنصوص الدينية لا تختلف عن غيرها من النصوص في هذا المجال([26]) .

على النطاق «الهرمنوطيقي» لا يتحتم أن يكون المعنى حكراً على ما يقصده المتكلم، فالمعنى هو ما يصل إلى المخاطب، والمهم فهم المخاطب. والنتيجة الحاصلة من أسلوب الهرمنوتيك تشبه إلى حد ما تلك الناتجة من أسلوب الانقباض والانبساط في الشريعة، وبعبارة أخرى: فهم النصوص الدينية يتم تحققه دائماً بعد العلوم البشرية المختلفة، كالفلسفة، والعلم وغيرها، فالمعرفة الدينية تسير دوماً على خطى هذه العلوم([27]).

ه‍ ) الاتجاه الوسائطي ـــــــ

في هذا الاتجاه يتم تبيان الدين عن طريق استخدام العلم أيضاً، ولكن بنحو آخر؛ بمعنى أن البعض يسعى جاهداً ـ وبالاستعانة بالمكتشفات العلمية ومحاولة الادعاء بأنها قد وردت بشكل صريح أو ضمني في النصوص الدينية ـ إلى إثبات حقانية الدين، ثم يتحدثون عن نوع من الدين العلمي. ففي «الدين العلمي» يوجد اتحاد بين اكتشافات العلم الشائعة والدين، وهذا الاتحاد يكون من نوع علاقة «الواسطة ـ الهدف» أي إن العلم ومكتشفاته تكون بمنزلة الواسطة، حيث يتسنى إثبات حقانية الدين بالاستعانه بها. وبعبارة أخرى: إذا كان العلم النظري علماً مقبولاً ومبرراً، وفي الوقت ذاته أردنا نصوص علمية في الدين مؤيدة لذلك العلم، حينها يمكن أن نحظى بدين علمي، ويكون لدينا دين مبرر ومقبول([28]).

طبعاً ينبغي الالتفات إلى أن الاستعانة بالعلم لإثبات حقانية الدين جهد متزلزل بلحاظ القاعدة والأساس، أما من الناحية العلمية فهو بلا حاصل وغير مثمر؛ لأن الدين لا يمكن استناده إلى العلم؛ لأن هذا أشبه ما يكون «بوضع الآجر على الماء»؛ لأنّ المكتشفات العلمية مهما استندت إلى أدلة كثيرة تكون دائماً عرضة للتغيُّر والتحوّل، أو أنها قد تخرج أساساً من ساحة العلم، وحتى لو نظرنا إلى العلم كواسطة فإنها يقيناً لم تكن واسطة لأمور من قبيل اختيار الدين، اللّهم إلاّ اذا حاول شخص تحويل الدين إلى فرضيات علمية؛ وفي هذه الحالة هل يبقى شيء من الدين للدفاع عن حقانيته أم لا؟ إذاً لا يمكن أن نصنع من نسيج العلم قبعة للدين، والدين العلمي تعبير غير ذي معنى([29]).

و) اتجاه مستهدف المحاور ــــــ

إن المقياس الوحيد لنعت العلم بسمة الديني في اتجاهات هدف المحور هو أن يكون في خدمة أهداف وغايات الدين والمجتمع الديني، وفي النتيجة العلم الديني هو ذاته العلم الموجود الطبيعي أو الإنساني، غاية ما في الأمر أن يستفاد منه لخدمة أهداف الدين والمجتمع المتدين؛ وما لم نأخذ بنظر الاعتبار الهدف والغاية فليس هناك من سبب وجيه لتقسيم العلوم إلى دينية وغير دينية([30]).

وفي هذا المضمار يعتقد البعض ان أسهل صورة وأكثرها قبولاً للعلم الديني قد تم طرحها إلى الآن، خصوصاً من قبل علم الاجتماع الإسلامي، تقول: أن العلم المعني ما كان في خدمة القضايا الإسلامية الأساسية والمجتمع الإسلامي، فعلى هذا الأساس علينا الاستفادة من علم الاجتماع مثلاً كوسيلة مفيدة ومؤثرة، وأن نختار المسائل على أساس المشاعر والمتطلبات والروابط الدينية والإسلامية، ونستعرضه بالدراسة والتحقيق عن طريق الأساليب المعروفة في علم الاجتماع، وأن نستفيد أيضاً من علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية في مجال التطبيق وفي تلبية المتطلبات والقضايا الوطنية والدينية([31]).

إن اتجاه هدف المحور قد عرض العلوم الاجتماعية بصفتها واسطة لاغير، في حين أن هذا الادعاء لا يمكن انطباقه على هذه العلوم، فبالنظر إلى القيم والرؤى الخاصة التي أعطتها هذه العلوم حول معرفة الإنسان والعالم، بحيث أصجت جزءاً لا ينفك عنها (بحيث أصبح تعلم هذه العلوم من قبل الآخرين يجعلهم يميلون بنحو قهري إلى هذه القيم والنظريات)، فإن عدم استناد الادعاء المذكور إلى الدليل واضحٌ؛ أي إننا في الواقع أمام واسطة، وإلى جانب واسطيتها فإنها تمتلك خصوصيات ذات قيم، وبعضها يناقض القيم أيضاً، وبناءً على هذا قد يمكن من الوجهة المنطقية غربلة العلوم الاجتماعية الموجودة من الفروض الميتافيزيقية غير الدينية، لكن لو تم هذا العمل بلا بديل لإطار ميتافيزيقي ديني لانهار صرح العلم؛ أمّا لو حصلنا على بديل للإطار الميتافيزيقي والقيم الدينية ففي هذه الحالة نترك اتجاه الحد الأدنى ونتجه نحو اتجاهات الوسط أو الحد الأعلى([32]).

ز) اتجاه الإطار العلماني للموضع الديني ـــــــ

ويشير إلى الاتجاهات التي تقترح عرض موضوعات من قبيل: الدين، الظواهر الدينية، الاُمور المتعلقة بالدين، الأشخاص المتدينين أو المجتمعات الدينية، على الدراسة العلمية. وفي هذه الدراسات لا يتم طرح أطر غير أطر العلوم العلمانية([33]).

فمثلاً في ما يتعلق بمصاديق بعض العلوم، مثل: علم الاجتماع الإسلامي، فالبعض يعتقد البعض «أن على علم الاجتماع الإسلامي كشف الستار عن جهود جبارة في تاريخ المجتمع الإسلامي، ويقوم بالدراسة والتحليل العلمي للأحداث التي درات في المجتمع الإسلامي، وبهذا يكون هذا الفرع العلمي مختصاً بدراسة المؤسسات الاجتماعية والظواهر المتعلقة بها، ومبرزاً للدور الرائد الذي لعبه القادة الدينيون، الذين كان مصب اهتمامهم بالفكر الاجتماعي الإسلامي([34]).

ووفقاً لهذه الرؤية ينظر إلى علم المجتمع الإسلامي بصفته فرعاً من علم الاجتماع العام، كما في علم المجتمع المدني، القروي، علم مجتمع الأسرة، وأمثالها؛ لأن الإسلام يؤكد على دراسة الفكر الاجتماعي للإسلام المقرون بإبراز العُرف الاجتماعي الإسلامي، ومن هنا فهو يمتلك جميع الشروط اللازمة لجعله فرعاً من فروع علم الاجتماع العام، وله أهدافه الخاصة به، ويجب الالتفات هنا إلى أن هذا العلم إذا لم يتخلَّ عن الأسس الميتافيزيقية اللادينية عند دراسة الموضوعات الإسلامية فإن اعتباره علماً دينياً سيكون نوعاً من التناقض أو غير ذي معنى، ولو تسربت إليه الأسس الميتافيزيقية الدينية فلا يمكن اعتبار هذا الاتجاه علم محور، ناهيك عن كون اتجاه موضوع المحور إلى العلم الديني لا يتضمن أية نكتة مهمة تسمح بصبغة العلم صبغة دينية تفترض تطبيقاً خاصاً لنموذج غير ديني. وبناءً على هذا لو أن عالماً غير مسلم جاء بمعتقداته الفكرية والعقائدية الخاصة، واستخدم الوسائل المتاحة في دراسة وتحقيق المواضيع الإسلامية، ولو بقصد خدمة الأهداف الاستعمارية، لوجب أن نسمي عمله بالعلم الديني والإسلامي، وواضحٌ آن قبول هذا ليس إلاّ إنكاراً لهوية العلم الديني المستقلة، فلمراعاة هذا الإشكال الأخير صار يُشار عادة إلى هذا الاتجاه في مجال علم الاجتماع باستخدام تعبير علم اجتماع الإسلام، بدلاً عن علم الاجتماع الإسلامي([35]).

2ـ2ـ3ـ اتجاهات  ذات محاور دينية ـــــــ

إن الأساس الأصل والنهائي في هذه الاتجاهات في تبيان «العلم الديني» هو الدين، فالدين هو المباشر وغير المباشر، والمتغيّر المستقل وصاحب القرار، والعلم يكون المتغيّر والتابع ومقتفي الأثر. وبعبارة أخرى: أعطي دور الحد الأدنى للعلم، وبإزارئه يتمتع الدين بالدور الأكبر والتأثير الأكثر.

لقد ذهبوا إلى تسمية اتجاهات دين المحور أحياناً باتجاهات الحد الأكبر نظراً للدور الأكبر الذي يلعبه الدين([36]).

وهناك مصاديق عديدة تتعلق بهذه الاتجاهات من أهمها:

أ) الاتجاه التقليدي (Traditional) ـــــــ

إن المقصود من الدين في هذا الاتجاه هو الديانة المسيحية، فالعصر التقليدي، أي عصر القرون الوسطى وما قبل الثورة الصناعية، هو فترة سلطة المذهب الكاثوليكي، وانقياد العلم والاكتشافات البشرية إلى الدين والتدين، وفي هذه الحقبة كان قساوسة الكنيسة هم الساسة المطلقون في المجتمع، وفي مختلف النواحي السياسية والاجتماعية والثقافية، وقد سعى هؤلاء لجعل جميع العلوم خاضعة لرغبات الكنيسة وقساوستها، الذين يحكمون البلاد، حتى أوصلوا الأمور إلى حدٍّ متفاقم، فإمّا أن تتطابق نتائج العلماء وبحوثهم مع ما جاء في الإنجيل وإمّا أن يتم التخلّص منها.

لقد كانت للنظريات الدينية وتفسيرها للظواهر أصالة خاصة في الاعتبار، فأي معارض يعتبر كافراً ويواجه بقسوة؛ لهذا السبب كان العلم خاضعاً لنفوذ الدين، وكان على رواده أن يفكروا ضمن إطار النظريات الدينية، ولا يتجاوزوها، فعلى سبيل المثال: في باب نظرية الأفلاك التسعة لبطليموس قالت الكنيسة ـ لشبه بسيط ـ: إن هذه النظرية هي نفس النظرية المشار إليها في الإنجيل؛ لكي يقولوا عبر هذا الأُسلوب أن المسيحيّة تتفق مع العلم، وتتماشى مع المستجدات العلمية للبشر([37]) ، ومن البديهي أن العلم يسير حسب ما تقتضيه طبيعته نحو التكامل، والنظريات العلمية بطبيعتها قابلة للبطلان، كما حصل هذا بمرور الزمن، فقد ثبت بطلان نظرية بطليموس، الأمر الذي سبب حرجاً شديداً للمسيحية؛ لأنه إذا كان مقصودهم مما جاء في الإنجيل نفس الهيئة لبطليموس أفلا يدل بطلانها على بطلان جزء من الإنجيل (الكتاب السماوي)، فكيف تتماشى المسيحية مع العلم والمعارف البشرية؟ بل ما هو الترابط بين العلم والدين؟

و قد حاول علماء اليهود والنصارى توجيه تعاليم التوراة والإنجيل المحرفة من أجل نجاة اليهودية والمسيحية من الهجمة العلمية، لذا قالوا: إن الأُمور المخالفة للتحقيقات والبحوث العلمية في التوراة والإنجيل كانت مطابقة لزمن نزولها، ولا علاقة لها بالدين، ودائرة الأُمور الدينية تختلف عن دائرة البحوث العلمية، وفي النتيجة لا يوجد تعارض بين العلم والدين، ونتيجة لهذه المحاولة فإن اليهودية والمسيحية لم تخرجا عن الحق، وقد استطاع أهل الكتاب بهذا حفظ الدين من الغزو العلمي بصورة مؤقتة، لكن ذلك كان له نتيجة عملية وهي فصل العلم عن الدين، والدين عن السياسة والأُمور الاجتماعية، الأمر الذي حدث في العالم الغربي بعد الرُّنِسّانْس، واقتضى أن يكون الدين أمراً فردياً لا اجتماعياً، وفرعياً لا أصلياً، وأُخروياً وليس دنيوياً، ومهمشاً في حياة الناس ويوجد في قلوب الناس وأروقة الكنيسة فقط([38]).

و على أية حال فالقاعدة طبقاً لهذا الاتجاه أن العلم إمّا أن يكون دينياً تابعاً للدين أو ليس بعلم،و بالنتيجة «العلم الديني» يتمتع بالقبول والحقيقة، وهو بالذات العلم الذي يتطابق ويتماشى مع الأصول والقواعد الدينية، والإدارة بطبيعتها ستكون إدارة دينية أيضاً.

ب) الاتجاه الشامل ـــــــ

إن المقصود من الدين في هذا الاتجاه هو الإسلام، وفيه إشارة إلى بعض الأمور التي يظهر منها أن تأثير الإسلام في العلم الديني بلغ مستوى رفيعاً، والفرضية الأصل في هذا الاتجاه شمولية الإسلام، «و العلم الديني» في الاتجاه الجامع يبين بصور مختلفة، وفقاً لمفهوم الشمولية ودائرة نفوذ الإسلام والقرآن.

(1) الاتجاه الديني الداخلي ـــــــ

و في هذا الاتجاه يكون العلم الديني مفهوماً منتزعاً من النصوص الإسلامية وأبعادها، وبعبارة أخرى: يمكن ان تكون هناك علاقة بين العلم والدين عندما يكون هناك ترابط بين العلم، من حيث الهدف والمحتوى والأسلوب والموضوع، وبين النصوص الدينية والمرتبطة بنحو مباشر أو غير مباشر بالمعارف الإسلامية، ففي هذا الاتجاه العلم الديني عبارة عن كل ما في النصوص والآثار الدينية المنتشرة والمعترف بها رسمياً، وببيان آخر العلم الديني يطلق أساساً على العلوم التي تقع في مسار تحقيق وتفسير المجعولات الدينية، إذاً فعلم العقائد بصفته علماً يقوم على شرح العقائد الدينية وإثباتها بعد استخراجها من النصوص الدينية فهو علم ديني، وكذا تفسير القرآن، وعلم الحديث، وعلم الفقه أيضاً، علوم دينية؛ لأنّها تستنبط ما يريده الله عزوجل وأولياؤه من العبارات في النصوص الدينية، ثم تقوم بعرضها. وإلى جانب ذلك هناك علوم، مثل: علوم القرآن، أصول الفقه، علم الرجال، الدراية، وقواعد الفقه، تقوم بشرح مبادئ وأسس التفسير والاجتهاد، ولصلة هذه العلوم بالعقائد والنصوص الدينية فإنّها سميت منذ الماضي البعيد علوماً دينية([39]).

(2) الاتجاه الشمولي الاستيعابي ـــــــ

و في هذا الاتجاه المقصود من الدين الإسلام أيضاً، والدين شامل لجميع الحقائق، ويلبي جميع متطلبات الإنسان، فجميع ما يحتاجه الإنسان موجود في النصوص الدينية، التي هي بمثابة الوحدة المتكاملة الحاوية لكل هذه الحقائق والحاجات، ففي هذه النظرية يعرّف الدين تعريفاً يشتمل على سمات الموسوعة أو دائرة المعارف، أي «إذا ثبت أن الدين مجموعة من القوانين والمبادىء الثابتة التي تُعنى بالإنسان والعالم، وتوضح الترابط بينهما، يبرز دور الدين تجاه جميع العلوم والمعارف([40]).

ويمكن عرض نظرية دائرة المعارف بصورتين:

في الصورة الأولى الأصل أن الدين جاء مبيناً لجميع الحقائق والأمور، أعم من الكليات والجزئيات، أو الأصول والفروع، طبعاً من الممكن أن لا تكون جميع الأمور موجودة بنحو صريح في النصوص الدينية، فقد تفتقر إلى الفحص والاستنباط، أما الأمر المفروغ منه في هذه النظرية هو أن جميع الأمور الصغيرة والكبيرة التي تكون قيد البحث والعلم موجودة في النصوص الدينية.

في الصورة الثانية من هذه النظرية الأساس قائم على أن الدين جاء بالأصول والأمور الكلية، وأما الأمور الجزئية وتعيينها فتكون من وظيفة البشر، وإعمال قدرته العقلية؛ وهذا يتم طبعاً بالاعتماد على الأُصول والقواعد الكلية.

و الدليل العقلي الذي ترتكز عليه نظرية دائرة المعارف يستند إلى مسألة شمول وكمال الدين، فالإسلام آخر الأديان؛ ولا شك أنه أكمل الأديان، والقرآن يتضمن حقائق العالم، وعلى هذا الأساس لا يمكن إنكار أن الدين مجموعة وظائف وأصول علمية وعملية فيها جميع القيم والعلوم التي يحتاجها البشر، كما قد جاء برسالة عظيمة([41]).

فوظيفة الدين الإلهي في كل زمان هداية البشر في القضايا العلمية، وتوفير كل ما يحتاجون إليه، ووضع الحلول للمشاكل الفردية والاجتماعية، لأن أعمال الإنسان وسلوكياته تجسم روحه، فهي لا تعكس في وضعه الاجتماعي فحسب، بل تجسد أيضاً حياته الأخروية الخالدة.

و الدليل النقلي لنظرية دائرة المعارف الآيات القرآنية، كقوله تعالى:  ﴿وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾(الأنعام: 59)، والروايات كرواية: «إن الله تبارك وتعالى أنزل في القرآن تبيان كل شيء، حتى والله ما ترك الله شيئاً يحتاج إليه العباد حتى لا يستطيع عبد يقول: لو كان هذا أنزل في القرآن إلا وقد أنزل الله فيه»([42]).

فعلى أساس نظرية دائرة المعارف، واستناداً إلى نحو من الاتجاه الاستنباطي، يكون الدين جامعاً للعلوم التي يحتاجها الإنسان، أما في ما يتعلق بمقدار شمول الدين للعلوم فهناك رؤى مختلفة في هذا الموضوع.

الرؤية الأولى: الاتجاه الكاشف للعلم الديني ـــــــ

في هذا الاحتمال المقصود من «كل شيء» في الآيات القرآنية مدلوله الظاهري، وهو جميع الأشياء، وفي هذه الحالة يكون القرآن والنصوص الدينية ذات حد أقصى للشمولية، ومنها يستفاد ان القرآن الكريم جامع لكل العلوم([43]) .

ففي هذه الرؤية يتصور أن الدين يتضمن لجميع العلوم مع كل جزئياتها، من هنا لو استوجب الأمر ابتكار علمٍ دينيٍ لوجب استنباط مواضعه من النصوص الدينية بعد دراستها بدقة، ومن ثم تنظيمها وتأليفها بالشكل المطلوب لإظهار هيكل ذلك العلم؛ وبعبارة أخرى: يكون «العلم الديني» في هذه الحالة مكتشفاً بشكل كامل، وموضع اكتشافه هو النصوص الدينية([44]).

الرؤية الثانية: الاتجاه الاستنباطي للعلم الديني ـــــــ

على أساس هذه الرؤية يمكن العثور على الأصول الكلية لجميع العلوم في الدين وفي هذه الصورة تكون ولادة العلم الديني رهناً لاستخراج أصوله الكلية من النصوص الدينية في المرحلة الأولى، وبعدها وبالاستعانة بتلك الأصول نتوصل إلى جزئيات ذلك العلم عن طريق الاستنباط، وفي هذه الحالة لا يكون العلم الديني مكتشفاً بشكل كامل، بل «مكتشف ـ مستنتج»..في هذه الرؤية هناك جنبة كشفية للأمر المراد، فالتصور قائم على أنه يمكن الحصول على الأصول والأسس لجميع العلوم من النصوص الدينية، وهذا يشير إلى جنبة دائرة المعارف لهذه النظرية، الدين لم يكن خالي الوفاض وفي موقع اللامبالاة تجاه أي من العلوم الجزئية أو الكلية، بل يمتلك أصولاً كلية، تتفرع منها فروع وتفريعات أخرى([45]).

وبالنسبة للجنبة الاستنتاجية أيضاً ينبغي كشف الفروع والأمور الجزئية بالاستعانة بالأصول والأسس الكلية المستنبطة من النصوص الدينية([46])، وبعبارة أخرى: في ما نواجه مستجدات يقتضيها التجدد الزمني، ويمكننا وضع قوانين جزئية لهذه المستجدات، ولكن بالاعتماد على القوانين الإلهية الكلية، وهذا الأمر لا يحظى بتأييد الدين فحسب، بل يعتبر تركه والاعتراض على إعمال العقل والاجتهاد في الأمور الدينية نوعاً من الجمود الفكري، واتّباعاً للمسلك الأخباري، «فالبشر إذا لم يكن باستطاعتهم وضع القوانين للمسائل الجزئية وبهذاالقدر فهذا هو الجمود، وهذا يشبه تماماً قول الأخباريين([47]).

إن فكرة دائرة المعارف لا يمكن الدفاع عنها بلحاظ المعرفة الدينية؛ لأن ذلك يقتضي تعطيل القوى العقلية للإنسان، وحصرها بالاستنتاج من النصوص الدينية، بدلاً من البحث والاستقصاء في الظواهر الموجودة في هذا العالم ومعرفتها. كما أننا لا نستطيع إقامة الدليل بالاستفادة من النصوص الدينية على أن الدين نفسه قد تعهد ببيان جميع الحقائق العلمية في العالم، أو أصولها وقضاياها الكلية، أو حتى أصول وقضايا العلوم الإنسانية.

ثانياً: من وجهة تحصيل المعرفة فإن ما نحصل عليه من النصوص الدينية بوصفها مكتشفات علمية، سواء أكانت أصولاً كلية أم أموراً جزئية، ستؤول إلى معضلة عقائدية، وتكتسب صفة الجزم والقطعية، وسوف لا تعطي أهمية للتجربة وللتغييرات التي ستطرأ عليها فيما بعد.

ثالثاً: إن الوجهة الحركية لنشأة العلم الديني تكون تابعية على هذا المعنى، ففي البداية يتم تعيين الاكتشافات العلمية للعلماء، ثم يتم تتبع آثارها في النصوص الدينية، الأمر الذي يعتبر فراغاً من الوجهة العلمية؛ لأن ذلك لا يقود أبداً إلى اكتشافات جديدة، بل كل ما في الأمر تهيئة توثيقات دينية لاكتشافات الآخرين لا غير، ومن جهة أخرى تكون عرضة للالتقاط؛ بمعنى الحصول على خليط غير متجانس من المكتشفات العلمية والوثائق الدينية([48]).

3ـ2ـ3ـ الاتجاهات التركيبية ـــــــ

في الاتجاهات التركيبية يكون العلم والدين مفهومين متقابلين، ويمكن أن يتولد منهما «العلم الديني» عبر مركبات مختلفة؛ بحيث لا يمكن ـ بحسب الظاهر ـ أن تكون حصة العلم أو الدين حصة مطلقة، أو أن تذوب في الجزء الآخر، بل يتمتع كل منهما بنسبة من التأثير الخاصة به.

أ) التعدّدية التداخلية والعلم الديني ـــــــ

في التكثّر التداخلي في الوقت ذاته الذي يؤخذ بنظر الاعتبار الفصل فيما بين العلوم المختلفة فإن هذا الفصل لا يحصل بنحو تام، بل يمكن لحاظ نوع من التداخل والنقاط المشتركة بين العلوم، فالمعول عليه هنا أن العلم البشري له دوائر مختلفة، لكن هذه الدوائر مع اختلافها وتغايرها تمتلك حدوداً ونقاطاً مشتركة، ويمكن دراسة الاختلاف والتغاير في دوائر المعرفة طبقاً للموضوع، وكذلك يمكن بيان هذا التغاير من خلال الأسلوب والأدلة الشاخصة.

تنوع الدوائر حسب المواضيع ـــــــ

إن دوائر المعرفة المختلفة تتميز عن بعضها باعتبار المواضيع التي تضطلع بها، ويتم تنوّعها على هذا الأساس، فتكون العلوم الحاصلة من الدوائر المختلفة متغايرة فيما بينها، فعلى سبيل المثال: لو أخذنا بنظر الاعتبار «العلوم الطبيعية» و«المعرفة الاخلاقية» و«المعرفة الدينية» باعتبارها ثلاثة دوائر للمعرفة نرى:

أولاً: هناك ثلاثة مواضيع مختلفة: العلوم الطبيعية (التي تدرس الماديات)، المعرفة الأخلاقية (التي تدرس عمل الإنسان من حيث مطابقته للقواعد الأخلاقية) والمعرفة الدينية (التي تدرس الكائنات من حيث علاقتها بالله).

ثانياً: إن سمة التداخل في هذا التكثّر يشير إلى وجود حدود مشتركة بين هذه الدوائر المعرفية الثلاث، بمعنى أن عناصر للعلوم لهذه الدوائر متداخلة فيما بينها.

و قد نعثر على بعض العناصر تعود للعلوم الطبيعية في دائرة الأخلاق أو نجد معلومات من العلوم الطبيعية في العلوم الدينية، بحيث لا يمكن وضع حد فاصل بين العلم الميتافيزيقي والعلم العملي، فقد ينفذ العلم الميتافيزيقي في هيكل المعرفة العملية.

التكثر التداخلي بحسب الأسلوب والأدلة ـــــــ

إن دوائر المعرفة المختلفة تستفيد من أساليب وأمثلة متباينة، فمثلاً: في الرياضيات والمنطق يُستفاد من أسلوب التحليل ومن أمثلة تدل على التطابق أو التناقض، في حين أن الأسلوب في العلوم الطبيعية هو أسلوب المشاهدة والتجربة فالأمثلة التجريبية تكون أساساً للعمل؛ أما في المعرفة الدينية فالأسلوب عبارة عن تفسير النصوص، والأمثلة المتبنّاة هي الأساس.

إلاّ أن هذه الكثرة ليست كثرة تباين واختلاف، بل نشاهد تداخلات في الأسلوب أيضاً في الدوائر المختلفة.

وبناءً على هذا لا يمكن القول بأنه لا وجود لأمثلة شاخصة أو أدلة محسوسة في المعرفة الدينية، أو لا وجود للعناصر التفسيرية (الهرمونتيكية) في العلوم الطبيعية، أو ليس هناك أمثلة ملفتة للنظر تعبر عن التطابق أو التناقض في كلا القسمين: المعرفة الدينية؛ والعلوم الطبيعية، بل هناك نفوذ وتداخل في أسلوب المعرفة بين الدوائر العلمية، ومع ذلك فإن لكل دائرة أساليب وأمثلة أساسية ومؤثرة، ويمكن القول بأن الهوية المميزة لكل دائرة علمية تابعة أيضاً لهذا الدور الأساسي.

مفهوم تعبير العلم الديني طبقاً للتعدّد المتداخل ـــــــ

يمكننا الحديث أساساً عن معنىً وجيه «للعلم الديني» على أساس التكثر المتداخل، لكن ذلك يجعل العلم الديني في هذه العملية أمراً متأخراً. وبقول آخر: لو بحثنا في الدين، ووجدنا نسبة جيدة من المعارف يمكن أن تدخل في صياغة نظريات علمية، حينها نحصل على العلم الديني في هذه العملية.

عندما ننظر إلى تحليل ويزدم لبناء النظريات العلمية، ولأجل أن يكون تعبير العلم الديني ذا معنىً، يكفينا أن نصوغ منظومة من المعارف الدينية تكون بمثابة الفرضية الأولية لنظرية علمية نافذة في هيكلها. وبناءً على ذلك يكون المراد من العلم الديني العلم الذي يسمى دينياً؛ لتأثير المعارف الدينية تأثيراً واسع النطاق في محتواه، وبعبارة أخرى: يكون التأثير ظاهراً على مستوى النظرية والمحتوى، وأما على نطاق الأسلوب فالعلم يبقى علماً يعمل بأسلوبه الأساسي، أي التجربة وجمع الأدلة التجريبية.

ب) الاتجاه التهذيبي ـــــــ

يدّعي الاتجاه التهذيبي إمكانية التوصُّل إلى «العلم الديني» عن طريق تقبّل العلوم الموجود إجمالياً، ثم تهذيبها من الانحرافات والشوائب البعيدة عن الفكر الإسلامي، مع احتمال إضافة جوانب إليها، ويبرز هذا الاتجاه في أشكال مختلفة:

(1) اتجاه أسلمة العلم ـــــــ

إن فكرة أسلمة العلوم قد شقت طريقها إلى أذهان بعض علماء المسلمين في العشرة الثانية من القرن العشرين، ففي هذه الحقبة برزت فكرة الاقتصاد الإسلامي لأول مرة، لتكون بإزاء المذهبين الاقتصاديين السائدين وهما المذهب الرأسمالي والمذهب الاشتراكي، الأمر الذي استدعى فكرة أسلمة العلوم.

ففي تصور بعض العلماء المسلمين أن العلوم الغربية المعاصرة لم تضع بأيدينا «العلم الصحيح»؛ بسبب خلط هذه العلوم بالعناصر والمفاهيم المنتزعة من الثقافة الغربية، «و لذا فأول واجب نقوم به هو غربلة هذه العناصر»([49])، «و بعد إتمام عملية الغربلة، يتم دمج المعرفة الخالية من العناصر والمفاهيم الغربية بالمفاهيم الإسلامية الأساسية لترقى كمعرفة حقة، والتي هي في الواقع العلم الديني ذاته([50]).

(2) اتجاه أسلمة العلوم الإنسانية ـــــــ

القاعدة في هذا الاتجاه أن العلم والدين لا يتفقان بنحو تام، ولا يتعارضان مئة بالمئة، بل هما أمران متغايران، فهناك نوع من الاتفاق المنطقي والملاءمة النسبية، بحيث توجد نقاط مشتركة، وتوجد أيضاً وجوه اختلاف لكل منهج.

و تبيان التوافق المنطقي بين العلم والدين لهذا الاتجاه يكون بهذه الصورة، بأن تقسم العلوم إلى مجموعتين «العلوم الإنسانية»؛ و«العلوم غير الإنسانية»، مثل: العلوم الأساسية والعلوم الطبيعية والعلوم التجريبية، مع افتراض أن القيم تستقي موضوعيتها عن طريق علاقتها بالإنسان، ففي تحليلنا للعلم الديني نجد القيم في دائرة العلوم الإنسانية فقط، وأما في مجال العلوم الطبيعية والتجريبية فالبحث عن طريق الدين والقيم، وبشكل خاص البحث عن أسلمة العلوم، يعتبر أمراً بلا معنى([51])، وبعبارة أخرى: يمكننا الحصول على «العلوم الإنسانية الإسلامية»، وليس «العلوم الإسلامية».

على هذا الأساس يتوجب علينا الالتفات عند تأليف العلوم الإسلامية إلى نقطة مهمة، وهي أن العلوم التجريبية بطبيعتها ليست علوماً إسلامية وغير إسلامية؛ وكذا العلوم الإنسانية في بدايتها لا صلة لها بالإسلام، لكن بالمقارنة مع التعاليم الدينية لا يخرج الأمر من حالتين؛ إما انسجامها مع التعاليم الإسلامية، ومع هذا الانسجام وعدم المخالفة يمكن اعتبارها إسلامية، وإلى جانب هذا فإن العلوم التي منشؤها ورائدها الدين، كالفقه، والأُصول، وغيرها، تعتبر علوماً دينية وإسلامية؛ وإمّا تعارضها مع التعاليم الدينية، وفي هذه الحالة يمكن الاستفادة من الأساليب العلاجية «التكنيكية»، مثل: أسلوب التهذيب (حذف الشوائب، وإضافة أجزاء عند الضرورة)، وأسلوب التوطين (و هو جعل العلم ـ عن طريق إجراء تغييرات وتدبيرات مناسبة ـ منسجماً مع ثقافة وعادات البلد)، فيمكن عبر هذا الأسلوب تبديلها إلى «العلوم الإنسانية الإسلامية»([52]).

إن الاتجاه التهذيـبي قد يؤدي إلى إيجاد فروع غير متوافقة من المعرفة؛ وذلك لأن النظريات العلمية تعتمد على فروض أولية فلسفية أو ثقافية أو فكرية معينة، ولهذه الفروض تأثير واضح في بناء تلك النظريات، وفي التهذيب يمكن تغافل الانسجام بين أسس الفكر الإسلامي مع هذه القاعدة والأسس.

ثانياً: يمكن في بعض الصور حمل الآية والرواية على معاني وتصورات لا يمكن استفادة ذلك منها.

وثالثاً: في بعض الحالات يؤدي الأمر إلى حصول شعور كاذب بعدم الحاجة.

ج) الاتجاه التأسيسي في العلم الديني ـــــــ

إن الإتجاه التأسيسي أنموذج من العلم الديني، يكون فيه العلم الديني كغيره من العلوم وليداً في إشعاعات فرضياته الأولية، والتي تلهمه القوة من جهة، ومن جهة أخرى يكون وليداً في غمار العمليات التجريبية، وفي هذه النظرية يتم وضع لمحات من الفكر الإسلامي بمثابة دعم ميتافيزيقي للتحقيق في العلوم الإنسانية، فبالنظر إلى التأثير العميق للدعائم الميتافيزيقية في مراحل انتشار النظرية العلمية يمكننا إنتاج نظريات علمية على أساس الفرضيات الميتافيزيقية الأولية، تنتسب بنحو ذي معنى إلى ذلك السند الميتافيزيقي.

في حالة تمكّن الأفكار الإسلامية من تكوين سلسلة أو سلاسل مختلفة من العلوم الإنسانية؛ لما لها من نفوذ عميق ومؤثر، وبسبب هذا النفوذ في المحتوى والمضمون يمكن إضفاء الصبغة الإسلامية على الفرضية المستخرجة، وبعد إيجاد الفرضيات يصل الدور إلى الاختبار بالتجربة، وهنا إذا كانت الأدلة كافية لتأييد الفرضية يمكن الادعاء بإنتاج نظرية علمية جديدة. خلاصة القول: النظرية التي تخرج عبر هاتين المرحلتين تعتبر علمية من جهة؛ لأنّها خرجت من بوتقة الاختبار عن طريق التجربة، ودينية من جهة أُخرى؛ لأن الصبغة التي تمتلكها تتعلق بالفرضيات الدينية الأولية([53]).

فعملية تكوين العلوم الإنسانية الإسلامية هي نفس العملية التي يتم بها تكوين العلوم الإنسانية المعاصرة تماماً، والفرق في الدعائم الميتافيزيقية فقط، والتي لها تأثير على مضمون هذه العملية، وبعبارة أخرى: كلما كان للمضامين الميتافيزيقية ـ في مراحل مثل: اختيار المسألة، والمفاهيم والنماذج لفهم المسألة، وكيفية التحقيق، ويشمل: بيان الؤسلوب، ودراسة الفرضية، وأسلوب التحقيق، وإتمام الصورة، والتنبؤات، والتفسير ـ تأثيراً واضحاً فستتم عملية ينتج عنها علومٌ تتناسب والأفكار الإسلامية([54]).

وفي ما يتعلق بالاتجاه التأسيسي طرحت أمور كانتقادات لهذه النظرية، ومن جملتها:

أولاً: بغض النظر عن المفاهيم الدينية في فرضية ما، أو الاستعانة بنظرية الدين العملاقة حول الإنسان، فإنّ العالم والمجتمع بصرف الافتراض لا يمكن أن يؤمن أو أن يضمن دينية تلك الفرضية. وبعبارة أخرى: صبغ الفرضية بصبغة الدين لا يساوي دينية الفرضية، فكم من النظريات التي استفادت من المفاهيم الإسلامية عند تكوينها ونشوئها، ولها صبغة دينية، لكنها لم تكن بأي نحو إسلامية.

ثانياً: في عملية تكوين العلم الديني، تكون المرحلة التجريبية مرحلة الحكم، أي بعد تكوين الفرضيات يأتي دورها في الاختبار بالتجربة، فإذا كانت الأدلة كافية لتأييد النظرية يمكن الحديث عن مكتشفات علمية، والحال أنه لا يستلزم إثبات أو إبطال النظريات العلمية عن طريق الأمثلة والاختبار، والقول الفصل في ذلك لإجماع المجتمع العلمي وما يقرر، فمثلاً: لو أن المجتمع العلمي كان مجتمعاً مسلماً فيكفي حينئذٍ نسبة أسلوب الفرضية للمعارف الدينية للوثوق بتلك الفرضية، أما إذا كان المجتمع العلمي دولياً (عالمياً) ففي هذه الصورة ليس هناك على الأقل إجماع قاطع بين العلماء في العلوم الإنسانية في ما يخص نظريات العلوم الإنسانية والاجتماعية. ومع هذه التفاصيل ستفقد التجربة مكانتها كأسلوب للمعرفة، على الأقل في العلوم الإنسانية([55]).

الهوامش

(*) عضو الهيئة التعليمية في جامعة طهران (پرديس قم).

([1]) حسن عابدي جعفري، فصلية مصباح، العدد 28 «كتاب معرفة الإدارة الإسلامية»: 8.

([2]) قراملکي، 1484، 228ـ229.

([3]) مطهري، الإنسان الكامل: 175.

([4]) مطهري، مجموعة الآثار 5: 182.

([5]) مصباح يزدي، تبيين مفهوم الإدارة الإسلامية.

([6]) باقري، هوية علم الدين: 12.

([7]) بستان، خطوة تجاه العلم الديني: 29.

([8]) باقري، المصدر السابق: 183.

([9]) ديويي، 1970، ص 23.

([10]) باقري، المصدر السابق: 185.

([11]) بستان، المصدر السابق: 20.

([12]) بوبره مارتين، أنا وأنت.

([13]) وينكشتاين، 1974، ص 184.

([14]) هرست، 1969، ص 82.

([15]) باقري، المصدر السابق: 10.

([16]) حسني وزملاؤه، 1385، ص95.

([17]) أميري، اتجاهات مختلفة حول العلم والدين: 120.

([18]) ميرباقري، الحكومة الدينية والولاية: 5ـ7.

([19]) قوامي، الإدارة من منظار الكتاب والسنة: 33.

([20]) قوامي، المصدر السابق: 182.

([21]) ميرباقري، أنموذج وحدة الحوزة والجامعة: 18.

([22]) سروش، الانقباض والانبساط النظري للشريعة: 347.

([23]) طباطبائي، 1366، ص 2ـ8.

([24]) 1967, p 350 Ronald Kalison,.

([25]) قراملكي، 1385، ص 328.

([26]) شبستري، الهرمنوتيك، كتاب العرف: 32.

([27]) باقري، المصدر السابق: 75.

([28]) باقري، المصدر السابق: 213.

([29]) باقري، المصدر السابق: 215.

([30]) بستان وزملاءه، خطوة تجاه العلم الديني: 123.

([31]) مسعود گلچين، مفهوم علم الاجتماع الإسلامي: 27.

([32]) بستان وزملاؤه، المصدر السابق: 131.

([33]) بستان وزملاؤه، المصدر السابق: 125.

([34]) امزيان، ص 320.

([35]) بستان وزملائه، المصدر السابق: 132.

([36]) بستان، المصدر السابق.

([37]) نقي پور، الأصول والإدارة الإسلامية ونماذجها: 31.

([38]) نقي پور، المصدر السابق: 33.

([39]) بستان وزملاؤه، المصدر السابق: 122.

([40]) جوادي آملي، الشريعة في مرآة المعرفة: 157.

([41]) جوادي آملي، سلسلة بحوث فلسفية ـ الدين: 68.

([42]) أصول الكافي 1: 59 نقلاً عن جوادي آملي، 1377، ص 120.

([43]) بستان، المصدر السابق: 103.

([44]) باقري، المصدر السابق: 211.

([45]) جوادي آملي، الشريعة في مرآة المعرفة: 81 ـ 82.

([46]) باقري، المصدر السابق: 212.

([47]) مطهري، 1365، ص 164.

([48]) باقري، المصدر السابق: 215.

([49]) نقيب العطاس، الإسلام والعلمانية: 63.

([50]) نقيب العطاس، المصدر السابق: 103 ـ 104.

([51]) اميري، المصدر السابق: 120.

([52]) مكتب تعاون الحوزة العلمية والجامعة، علم النفس النحو: 197.

([53]) باقري، المصدر السابق: 250.

([54]) باقري، المصدر السابق: 251.

([55]) حسيني وزملاؤه، 1385، ص 105.