مفهوم الحاكمية عند «حاج حمد» من النقد إلى البناء

12 مايو 2016
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
611 زيارة

مفهوم الحاكمية عند «حاج حمد» من النقد إلى البناء

أ. عبد العالي المتقي(*)

 

تمهيد

تسعى هذه الورقة إلى مقاربة مفهوم الحاكمية عند الحاج حمد من خلال مستويين: مستوى النقد؛ ومستوى البناء، وذلك من خلال العناصر التالية:

أولاً: المنطلقات المنهجية لأبي القاسم حاج حمد في مقاربة مفهوم الحاكمية.

ثانياً: نقد مفهوم الحاكمية الإلهية عند الحاج حمد.

ثالثاً: بناء مفهوم الحاكمية عند الحاج حمد: الحاكمية والأطوار التاريخية.

 

أولاً: المنطلقات المنهجية لأبي القاسم حاج حمد في مقاربة مفهوم الحاكمية

ينبني اشتغال الحاج حمد على المفاهيم القرآنية على مجموعة من المنطلقات التي تعدّ مدار أفكاره. وفي ما يلي أهمّ هذه المنطلقات التي أعتبرها مدخلاً في فهم منهج الحاج حمد في النظر إلى المفاهيم القرآنية:

 

1ـ لغة القرآن لغةٌ مثالية

يرى الحاج حمد «أن الاستخدام الإلهي للغة هو غير الاستخدام الكلامي البشري». وينطلق في ذلك من كون مرجعية القرآن المطلقة مبنية على تميّز لغته، «فلكي يكون القرآن مرجعاً مطلقاً ارتقى الله بلغته ومفرداته فوق الاستخدام اللساني العربي والتراثي، محقّقاً مفهوم اللغة المثالية، بلا مترادف أو مشترك»([1]).

فلغة القرآن «منضبطة على مستوى دلالات الألفاظ والعائد المعرفي لكلّ مفردة، بحيث تعني دلالة واحدة، دون ترادف أو اشتراك أو تضادّ»([2]).

ومن خلال مثالية لغة القرآن الكريم يرى حاج حمد أن المفردات القرآنية مفردات اصطلاحية، فالقرآن الكريم يرتقي بالمفردة إلى مستوى المصطلح.

ولهذا فإن التعامل مع «العائد المعرفي» لدلالات المفردة القرآنية يرتبط بكونها اصطلاحاً، لا مترادف ولا مشترك فيه ولا مجاز. فلغة القرآن ولسانه مثالية رياضية منضبطة الدلالات، كاللغة العلمية تماماً. فهي ترتقي على كلام العرب، ليس من حيث الإعجاز البلاغي في القرآن، ولكنْ من حيث الاستخدام الإلهي للمفردة بمستوى منضبط لا يخضع لبلاغة الشعر([3]).

وتأتي أهمّية اعتبار المفردات القرآنية مصطلحات في كون القرآن يستند في تقديم منهجيته المعرفية وإحاطته المطلقة بالوجود على المفردات اللغوية، فهي أداته المعرفية، ولذلك يرتقي بالمفردة إلى مستوى المصطلح الذي يرتبط بدلالةٍ واحدة. فالمسألة اللغوية بالنسبة للقرآن منهجية. فعبر هذه الدلالات المميّزة للألفاظ يتمّ تفكيك وإعادة تركيب الموروث الروحي للبشريّة، بدءاً من سرمدية التكوين، ومروراً بآدم، مع تفكيك إشكاليات عديدة أخرى. فالأداة اللغوية المنضبطة هي المدخل لكونية القرآن، وإحاطته المنهجية والمعرفية بالوجود، كوحيٍ مطلق([4]).

 

2ـ التجديد النوعي

إن بناء المفهوم عند حاج حمد لا ينطلق من خلال المنطق السائد في الفكر الديني، الذي يرتكز على منطق المقاربات، بل يندرج في سياق ما يسمّيه «التجديد النوعي»، الذي ينظر إلى القرآن الكريم باعتباره «كتاباً كونياً مطلقاً».

وهذا التجديد «لا يرتبط بالذكاء الطبيعي للاستنباط، ولكن «بآليات جديدة» للمعرفة والاستنباط، تعيد فهم التراث محكوماً بآليات إنتاجه التاريخية وظروفه الموضوعية الخاصّة به، ثم تعيد معالجة النصّ القرآني بآليّات المعرفة الجديدة، وضمن الأوضاع العالمية المعاصرة المتغيِّرة نوعيّاً. فتتحوَّل من مجرّد بلاغة اللغة إلى ضوابط الألسنية المعاصرة، ومن التفسير القرآني إلى التحليل، ومن تجزئة سور القرآن وآياته إلى وحدته العضوية التي تستخرج منهجه»([5]).

 

3ـ المنهجية المعرفية القرآنية

يعتبر الحاج حمد علاقته بالقرآن الكريم علاقة منهجية ومعرفية، وهي علاقة اقتضت في نظره أن يتجاوز كلّ المناهج التي تعاملت مع القرآن الكريم؛ لأنها كانت أسيرة شروطها العقلية وأوضاعها الاجتماعية والتاريخية، ولم تلتفت إلى البعد المنهجي في القرآن الكريم([6]).

وتكشف المنهجية القرآنية «ضمن كلّية القرآن ووحدته العضوية»، فلا يتناول القرآن كمجرّد نصوص وأحكام، لكن يتناول كمنهجٍ محيط بهذه الأحكام، ودالّ على خلفيتها، وضابط لمفهوميتها، فينفذ إلى «ما ورائيات»  النصّ، عوضاً عن محاولات التأويل الذاتي لبعض النصوص؛ لكي تتلاءم قسراً مع محدثات الأمور وبِدَعها([7]).

 

 ثانياً: نقد مفهوم الحاكمية الإلهية عند الحاج حمد

يرتكز الحاج حمد في تناوله لمفهوم الحاكمية الإلهية على المنهجية المعرفية القرآنية والجدلية الكونية الثلاثية: «الغيب؛ والإنسان؛ والطبيعة». وهو بذلك يتجاوز التصوّرات المتداولة حول المفهوم، سواء في الفكر الديني أو العلماني؛ لأن كلا التصوّرين يرتكزان على المقابلة بين حاكمية الله وحاكمية البشر. وهذه المقابلة لا تستقيم «وفق منهجية القرآن المعرفية؛ وذلك للتفاوت الجوهري بين الطبيعتين: الطبيعة الإلهية؛ والطبيعة البشرية. فالطبيعة الإلهية أزلية، تمارس الحاكمية بأشكال مختلفة، طبقاً لمقتضيات مكان الإنسان وزمانه، دون أن تسلبه، ودون أن يكون هذا الإنسان مكافئاً لها، مهما منحته من حاكمية خاصّة أو سلبته إيّاه»([8]).

ومن هذا المنطلق ينتقد الحاج حمد التقابل بين الحاكمية الإلهية والحاكمية الوضعية في وعي الحركات الإسلامية؛ لما له من تداعيات في الوعي الديني لهذه الحركات، «الذي يمضي بتداعيات منطقية ميكانيكية إلى أقصى حالات الغلوّ والتطرُّف، مستجيبة في كلّ ذلك لتسلسلها المنطقي الخاصّ من الحاكمية لله إلى تكفير الآخرين، إلى مشروعية التصرّف الديني براحة ضمير تامّة ضدّ الجاهليين العلمانيين الوضعيين»([9]).

ويرى الحاج حمد أن الأرضية في فهم النصوص لدى الحركات الإسلامية تتماثل، ويبقى الاختلاف لديهم فقط في كيفية الطرح وتبنّي الوسائل. ولهذا ينتقد بعض المواقف المتسامحة والتوفيقية والإصلاحية في صفوف الحركات الإسلامية؛ لأنها لا تستطيع أن تتخلّص من التداعي المنطقي لمفهوم الحاكمية الإلهية، الذي ينتهي إلى مجاهَدة الآخرين؛ لأن هذه المواقف في نظره أقرب إلى تحسين الوسائل منها إلى ضبط المفاهيم والغايات([10]). بل إنّ «هذه المواقف الإصلاحية المَرِنة هي الحدّ الأدنى للتسلسل المنطقيّ ذاته، الذي يمضي في حدّه الأقصى إلى ما لدى الغير من غلوّ عصابي. فالمشكلة إذن هي «ضبط المفاهيم» بأكثر ممّا هي في «عقلنة» المواقف، وتحسين الوسائل. فمهما حسنت الوسائل دون ضبط المفاهيم سترتدّ الحركات الإسلامية إلى تداعي المنطق الميكانيكي، حيث تجد نفسها في قمّة السلطة السياسية؛ إذ لا تكون ثمة حاجة وقتها إلى تحسين الوسائل القولية أو العملية»([11]).

ويلاحظ على الحاج حمد في نقده لمفهوم الحاكمية في الفكر الإسلامي عدم اعتماده على المصادر الأصلية، واكتفائه بالمصادر الثانوية([12]). ولا يعفيه اختلاف منهجه في البحث من عدم البسط في النقد، وخصوصاً أن مكمن اعتراضه ينبني في نظره على عدم فهم الأستاذ المودودي وسيّد قطب لمعنى الحاكمية الإلهية. فكان من الأجدر بيان مواطن عدم الفهم بالتمثيل والتعيين، بدل الاكتفاء بتعميمات لا تعين القارئ على فهم جوهر الخلاف ومكمن المشكل.

إلى جانب أن الفكر الإسلامي المعاصِر تجاوز فهم كلٍّ من سيد قطب والمودودي للحاكمية الإلهية، وأصبح يطرح معاني جديدة للحاكمية، ترتكز على مفهوم الأمة وحاكمية الأمة. وكان من المفيد علمياً ومعرفياً فتح باب النقد على هذه التصوّرات الجديدة في الفكر الإسلامي لمفهوم الحاكمية، والتي لم يلتفت إليها الحاج حمد؛ لأنه في اعتقاده لا تعدو أن تكون إلاّ تحسيناً في الوسائل، ولا تتعلق بضبط المفاهيم.

ولكنّ هذا التعميم لا يعفيه من تجاوز هذه الأطروحات؛ لأن مقارناتها بما طرح المودودي وسيد قطب يظهر الفرق في الطرح والاشتغال، ولو أنها تشترك في الأرضية([13]).

 

ثالثاً: بناء مفهوم الحاكمية عند الحاج حمد: الحاكميّة والأطوار التاريخية

يمكن اعتبار مفهوم الحاكمية عند الحاج حمد مفهوماً وصفياً أعمله في إطار جدليته المعرفية، التي تسعى إلى فهم «فعل الله في التاريخ». وهذا المفهوم المركزي تتفرع عليه ثلاثة مفاهيم: «الحاكمية الإلهية»؛ و«حاكمية الاستخلاف»؛ و«الحاكمية البشرية». وهي مفاهيم تندرج في سياق تدريجي.

وسنورد دلالة كلّ مفهوم على حِدَة، مع إبداء بعض الملاحظات.

 

1ـ الحاكمية الإلهية

وتعني عند الحاج حمد «حكم الله المباشر للناس، دون استخلاف بشري. وهو حكم يتميَّز بالهيمنة المباشرة على البشر وعلى الطبيعة في آنٍ واحد، مع التصرُّف الإلهي فيهما تصرفاً محسوساً وملموساً»([14]).

والحالة التاريخية الإسرائيلية تجسِّد المناط التطبيقي لهذا المفهوم، وتعكسه. لذلك أسبغ الله عزَّ وجلَّ على الأرض التي اختيرت لهذا الحكم الإلهي صفة التقديس([15])، وعلى الشعب الإسرائيلي صفة التفضيل([16]). كما اقتضت تلك الحاكمية أن يهيمن الله عزَّ وجلَّ على الإنسان والطبيعة. فقد مارس الله هيمنته على الطبيعة من خلال المعجزات الحسّية المنظورة، كشقّ البحر، وانبجاس الماء من الصخر، إلى تظليل بني إسرائيل بالغمام، وإنزال المنّ والسلوى([17]). أما الهيمنة على البشر فلم يمارسها الله عزَّ وجلَّ عبر خليفةٍ عنه يتصرَّف من عند ذاته بموجب النظر في التوراة فقط، والاجتهاد في نصوصها، وإنما جعل حكمه مباشراً عبر الأنبياء المتعاقبين([18])، وكلما مات نبيٌّ يخلفه نبيٌّ؛ لنقل تعليمات الله المباشرة إلى الشعب الإسرائيلي، بما في ذلك شرائع حسّية غليظة، أسماها الله «شرعة الإصر والأغلال»([19]).

ولقد جمعت التجربة الإسرائيلية بين العطاء الخارق والعقاب الصارم. وآيات الذكر الحكيم دالّة على هذا المعنى.

العطاء الخارق

قال تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمْ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ (البقرة: 50).

وقال تعالى: ﴿وَإِذْ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾  (البقرة: 60).

 

العقاب الصارم

قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 63).

قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمْ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً * فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً * وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ (النساء: 155 ـ 161).

فالحاج حمد أخضع التجربة الإسرائيلية التاريخية لهذا المفهوم بكلّ أبعاده التحليلية، واعتبر أن الحاكمية الإلهية بمعناها السابق ترتبط بشمولية التجربة الإسرائيلية التاريخية، وأنها لا تنفصل عنها، ولا تمتدّ إلى غيرها، وأنّ هذا المفهوم ليس تعبيراً جزافياً يقتصر معناه فقط على التزام البشر بشريعة الله([20]).

ونخلص إلى أن مفهوم الحاكمية الإلهية عند الحاج حمد مفهومٌ وصفيّ، تقتصر كفايته في وصف التجربة التاريخية الإسرائيلية، ولا يمتدّ إلى ما هو أكثر من ذلك. عكس دلالة هذا المفهوم في الفكر الإسلامي الذي يحمل دلالات عقدية وفقهية وسياسية([21]).

ولعل مقارنة بعض مقولات المودودي([22]) أو سيّد قطب([23]) حول معاني الحاكمية الإلهية مع مفهوم الحاكمية عند الحاج حمد يبيِّن مدى الفرق بين التصوّرين، من حيث مداخل الاشتغال، وآليات التحليل، وطبيعة النتائج.

 

2ـ حاكمية الاستخلاف

وهذه الحاكمية تلي في الدرجة الحاكمية الإلهية([24]). وهي مرحلة وسيطة([25]) بين الحاكمية الإلهية والحاكمية البشرية، وتتعلق بمرحلة تاريخية في تجربة بني إسرائيل، وهي المرحلة التي تمرَّد فيها الإسرائيليون على الحاكمية الإلهية، وطلبوا ملكاً من عند أنفسهم، بديلاً عن سلطة الأنبياء والربّانيين والأحبار المتّصلين بالله، وطلبوا من الله أن يبعث لهم ملكاً([26]).

وحاكمية الاستخلاف عن الله في الأرض للإنسان في هذا السياق التاريخي تعني: «أن يكون «الخليفة» موصولاً بالله عبر الإلهام والإيحاء، وأن تسخَّر له الطبيعة والكائنات، وتعني أن يختار الله ـ لا المجتمع البشري ـ  هذا الخليفة، تماماً كما اختار الله طالوت، ثم داوود، ثم سليمان. فالخلافة «اختيارٌ إلهي» مرتبط بترشيدٍ إلهي وتسخير إلهي، وليست مجرّد ممارسة سلطة دينية بموجب شرع الله، وباختيار بشري»([27]).

وخليفة الله في الأرض يكون كلّ شيء مسخَّراً له، ويصرف له الله عزَّ وجلَّ بالتسخير من مظاهر قوّته ما يشاء. فالطبيعة رهن أمره، والطير محشورة، ومنطق الطير ولغة النمل معلومة، والجند من الإنس والجن محشورون، والريح مسخَّرة([28]).

وهذا المفهوم تقتصر كفايته الوصفية على تفسير جزءٍ من تاريخ بني إسرائيل، ولا تتعدى ذلك. وهذا المفهوم بالذات قد يثير بعض الأسئلة، من قبيل: لماذا قصرت حاكمية الاستخلاف على مرحلة داوود وسليمان؟! وهل معنى حاكمية الاستخلاف يقتصر فقط على المعنى الذي أورده فقط لوصف مرحلة داوود وسليمان؟! أَوَليس للاستخلاف معانٍ أخرى في الذكر الحكيم([29])؟!

ولعلّ النظر في الآيات التي يرِدُ فيها هذا المفهوم تكشف الغنى الدلالي لمفهوم الاستخلاف. وتحديد وظيفة مفهوم حاكمية الاستخلاف في الوصف التاريخي لتجربة بني إسرائيل تضييقٌ لغناه الدلالي.

 

3ـ الحاكمية البشرية

وهي المرحلة الأخيرة في الخطاب الإلهي. وهي أخطر المراحل التي تناولها الخطاب الإلهي للبشرية منذ خطاب الحاكمية الإلهية وحاكمية الاستخلاف. فالله قد تدرَّج بالبشرية لتحكم نفسها، وتلك غايته من الخلق، وهي غاية انتهى الله إلى تأسيسها على يد «خاتم النبيّين»، وفي الأرض «المحرمة»، وجعل لها القرآن العظيم منهجاً([30]).

وجوهر مفهوم الحاكمية البشرية عند الحاج حمد «هو التعلُّق الغيبي بالله، دون معجزات خارقة، ودون تسخير للإنس والجانّ والرياح»([31]).

وتقتضي الحاكميّة البشرية أن يمارس الإنسان مسؤوليته الوجوديّة بأقصى ما لديه من قدرات الوعي، سمعاً وبصراً وفؤاداً، وأن يسعى إلى رؤية فعل الله في حركة الطبيعة والتاريخ، فعلاً غير مباشر، ولكنّه كامل التأثير.

إنها مرحلة جديدة في تاريخ البشرية، تتدامج فيها جدلية الغيب والإنسان والطبيعة، فلا يتحوّل الغيب إلى لاهوت يستلب الإنسان والطبيعة، ولا يتحوّل الإنسان إلى وجوديّة عبثية إباحيّة فردية، ولا تتحول الطبيعة إلى جَبْرية مادّية([32]).

فمفهوم الحاكمية البشرية هو المفهوم المركزي في مشروع الحاج حمد؛ لأنه لا تتحدَّد كفايته النظرية في الوصف التاريخي، كالمفهومين السابقين، بل تمتد وظيفة هذا المفهوم إلى طرح مجموعة من المراجعات الفكريّة والمنهجية في العديد من القضايا.

وسنذكر في هذا المقام بعض النتائج التي توصَّل إليها الحاج حمد من خلال إعماله النظري لمفهوم الحاكمية البشرية:

 

أولاً: إنّ النبيّ| لم يؤسِّس دولة، وإنّما أسَّس دار دعوة

إن مقتضيات الحاكمية البشرية أنّ على الأمة أن تبتدع الأنماط الدستورية التي تلائمها، والتي تستجيب لمشاكلها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، من خلال قاعدة الشورى، التي تتأسَّس على الاختيار الحُرّ، دون غلبة تسلطية، ودون تميُّز اجتماعي([33]).

وقاعدة السِّلم التي تؤسِّس للمجتمع المسلم عدم السقوط في براثين الطبقية والعبودية، التي تسلب حرّية الإنسان وقدراته على التعبير والحرّية([34]).

وهاتين القاعدتين عند الحاج حمد متلازمتين، ولا يمكن تحقيقهما إلاّ في «المجتمع الإنساني الحرّ اللاطبقي»([35]).

 

ثانياً: قراءة ما ورائيّات النصوص

لأن من مقتضيات الحاكمية البشرية أن يتفاعل الإنسان مع فعل الله الغيبي، وأن يدرك أبعاده ومراميه، وأن ينفذ إلى ما ورائياته، «فلا تكون العلاقة بالتشريع مثلاً علاقة نصوص، بل علاقة اكتشاف لما وراء النصوص؛ ولا تكون العلاقة بقصص الأنبياء علاقة مع مجرد سير ذاتية، بل علاقة بما تتضمَّنه هذه القصص، وترمز إليه؛ ولا تكون العلاقة مع القرآن مجرّد ترتيل لفظي، ولكن علاقة استيعاب لهذا الكتاب بوصفه منهجاً للوعي المعادل موضوعياً للوجود الكوني، وحركته فيه، ومن خلاله يلج الإنسان آفاق المعرفة الكونية، التي تهيِّئه لممارسة حاكميّته في الأرض»([36]).

وهذه القراءة أعمق من مقاصد الشريعة. ولقد قدم الحاج حمد نموذجاً لهذا النوع من القراءة عند دراسته لقضيّة تعدُّد الزوجات([37]).

ومقصد الدين الأساسي بناءً على هذه القراءة أن يرتقي الإنسان من الحالة الطبيعيّة المادّية الغريزية إلى حالةٍ يتطهَّر فيها نفساً وحسّاً من المتعلّقات الدونية، بحيث يكون الخلق مكافئاً للحقّ.

وبهذا المعنى فالشرائع ليست سوى حدود تمنع الانهيار نحو الدونية، وتدفع باتجاه الترقّي. والقرآن كله منهج كلّي لهذا الترقّي، يتجاوز منهج العقاب الحسّي؛ لأنه يتّجه إلى معالجة النفس، لا الحواس وحدها؛ لأنّ ترقية النفس هي الأصل في حاكمية الإنسان، وهي حاكمية نسخت شرعة الإصر والأغلال([38]).

ثالثاً: إن الحاكمية البشرية نسخت الحاكمية الإلهية وحاكمية الاستخلاف

ولقد بيَّن الحاج حمد بتفصيلٍ مقتضيات هذا النسخ في كتابه (العالمية الإسلامية الثانية). ونكتفي بإيراد الخلاصة التي أوردها لبيان ذلك: «بظهور محمد خاتم الرسل والنبيّين نُسخت المنظومة الحسّية الموسوية ـ  اليهودية، وبكلّ متعلقاتها الجبرية، حيث بلغت إطلاقية الإنسان ذروتها بظهور دين الأنبياء، وهو الإسلام، لكافّة الناس.

منظومة الإطلاق هي منظومة إسلامية ومتكاملة أيضاً. فالخطاب الحصري لبني إسرائيل يُنسَخ بخطاب للناس كافّة «عالميّة الخطاب». والحاكمية الإلهية وحاكمية الاستخلاف تحل بديلاً عنهما حاكمية الكتاب، الذي يتَّجه عبر عالمية الخطاب ليتفاعل مع كافّة المناهج المعرفية، ومختلف الأنساق الحضارية للشعوب. وشرعة الإصر والأغلال التي ارتبطت شرطياً بمنظومة التجربة الحسّية ومعجزاتها الطبيعية الخارقة تُنسَخ بشرعة التخفيف والرحمة، التي ترتبط باتّساع خوارق المعجزات، فلا ينابيع تتفجَّر، ولا منّ ولا سلوى، والعلاقة بالغيب تصبح غير مباشرة، فالعلاقة بالله غيبية غير حسّية، مضمونها وحي لدني، وتتحول النبوّة من الأرض المقدّسة إلى الأرض المحرَّمة، وعوضاً من الدعوة إلى التوطن يؤمَر العرب بالخروج إلى الناس، وتختم النبوّة، وكذلك الرسالة»([39]).

وخلاصة القول: إن مفهوم الحاكمية عند الحاج حمد لا ينفصل عن نسقه الفكري في النظر إلى المفاهيم القرآنية، وهو نسقٌ يمثِّل قطيعة نظرية ومنهجية عن النسق الوضعي واللاهوتي في منهجه ونتائجه، فهو يتجاوز منطق التقابل بين الحاكمية الإلهية والحاكمية الوضعية، ويؤسِّس تصوّراً للحاكمية يقتضي أن الخطاب الإلهي تدرَّج بالبشرية عبر ثلاثة أنماط من الحاكمية: الحاكمية الإلهية، وحاكمية الاستخلاف، والحاكمية البشرية، وأن لكلّ نمطٍ منها خصائص تميِّزها عن غيرها.

الهوامش:

(*) كاتبٌ وباحث إسلامي. من المغرب.

([1]) محمد أبو القاسم حاج حمد، قراءة تفكيكية معاصرة في النسق التاريخي لإنتاج التراث الديني بشرياً، وإعادة قراءة تركيبية على ضوء المطلق القرآني والسنة النبويّة النسبية الموازية، مجلة المنطلق، العدد 111: 123، ربيع 1995.

([2]) المصدر نفسه.

([3]) محمد أبو القاسم حاج حمد، التدوين بالدونية: المرأة والتشريع بالعرف العربي، مجلة الوعي المعاصر، العدد 13: 112، خريف 2004.

([4]) قراءة تفكيكية معاصرة في النسق التاريخي…، مجلة المنطلق، العدد 111: 125.

([5]) محمد أبو القاسم حاج حمد، جذور المأزق الأصولي: 62 ـ 63، دار الساقي بالاشتراك مع مؤسّسة الدراسات الفكرية المعاصرة، ط1، 2010.

([6]) محمد أبو القاسم حاج حمد، جدلية الغيب والإنسان والطبيعة: العالمية الإسلامية الثانية: 258، دار الهادي، ط1، 2005.

([7]) محمد أبو القاسم حاج حمد، الحاكمية: 113، دار الساقي بالاشتراك مع مؤسّسة الدراسات الفكرية المعاصرة، ط1، 2010.

([8]) المصدر السابق: 30.

([9]) المصدر السابق: 40.

([10]) المصدر السابق: 41.

([11]) المصدر نفسه.

([12]) اعتمد الحاج حمد على بحث الدكتور محمد عمارة بعنوان: نظرية الحاكمية الإلهية في فكر أبو الأعلى المودودي، ندوة إشكاليات الفكر الإسلامي المعاصر، مركز دراسات العالم الإسلامي، مالطا 28 ـ 30، أبريل 1991: 139 ـ 157. والحاج حمد يصرِّح بذلك فيقول: «وقد تعدَّدت الكتابات والدراسات حول موضوع الحاكمية الإلهية. وهي مع كثرتها وتعدّدها وتناولها لفكر المودودي بالذات متماثلة من حيث النقد والبحث في الأصول اللغوية والدينية والتراثية للمفهوم. ولم أجِدْ دراسة شاملة لكلّ هذه الكتابات المتعدِّدة أكثر من تلك التي وضعها هشام أحمد عوض جعفر، ثم ما كتبه الأستاذ حسين معلوم، وكذلك الدكتور محمد عمارة. ومن الأخير سنقتبس بعض الفقرات في الفصل الأول، وأظن أنها كافية؛ نظراً إلى اختلاف منهجنا في البحث» (محمد أبو القاسم حاج حمد، الحاكمية: 29).

([13]) انظر: الشيخ محمد مهدي شمس الدين، الأمة والدولة والحركة الإسلامية، منشورات الغدير، المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، ط1، 1414هـ ـ 1994م، بيروت؛ لؤي صافي، العقيدة والسياسة معالم نظيرة عامة للدولة الإسلامية، منشورات الفرقان، ط3، المغرب، 2001م؛ طارق البشري، في المسألة الإسلامية المعاصرة، الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر، دار الشروق، القاهرة، ط1، 1996؛ محمد سليم العوّا، في النظام السياسي للدولة الإسلامية، المكتب المصري الحديث.

([14]) الحاكمية: 45.

([15]) انظر الآية 21 من سورة المائدة: قال تعالى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾.

([16]) انظر الآية 47 من سورة البقرة: قال تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.

([17]) انظر: جدلية الغيب والإنسان والطبيعة، العالمية الإسلامية الثانية: 263؛ الحاكمية: 52.

([18]) الحاكمية: 53.

([19]) انظر: جدلية الغيب والإنسان والطبيعة: 263.

([20]) الحاكمية: 55.

([21]) انظر إلى نماذج من دلالات الحاكمية في الأصول الشرعية والاصطلاحات العلمية في كتاب الحاكمية في الفكر الإسلامي، لحسن حساسنة، سلسلة كتاب الأمّة، العدد 118: 37 ـ 72، ربيع الأول 1428هـ.

([22]) محمد عمارة، نظرية الحاكمية الإلهية في فكر أبو الأعلى المودودي: 139 ـ 157. وهو بحث ضمن بحوث ندوة إشكاليّات الفكر الإسلامي المعاصر، مركز دراسات العالم الإسلامي، مالطا، ط1، خريف 1991.

([23]) لتقريب القارئ من معنى الحاكمية الإلهية عند سيد قطب أورد بعض مقولاته: «إن العالم يعيش اليوم كله في جاهلية من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها، جاهلية لا تخفّف منها شيئاً هذه التفسيرات المادية الهائلة… هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض، وعلى أخصّ خصائص الألوهية، وهي الحاكمية» (معالم في الطريق: 10، دار الشروق، ط6، 1979). وقوله: «إن الحاكمية العليا لا تكون إلاّ لله سبحانه، ولا تزاول إلاّ بالطريقة التي بلغها عنه رسله» (معالم في الطريق: 90). ويطرح سيد قطب مفهوم الحاكمية الإلهية كنقيض لحاكمية البشر: «إن إعلان ربوبية الله وحده للعالمين معناها الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كلّ صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها، والتمرّد الكامل على كلّ وضع في أرجاء الأرض الحكم فيه للبشر بصورةٍ من الصور…، أو بتعبيرٍ آخر مرادف: الألوهية فيه للبشر في صورةٍ من الصور…؛ ذلك أن الحكم الذي مردّ الأمر فيه إلى البشر، ومصدر السلطات فيه هم البشر، هو تأليهٌ للبشر، يجعل بعضهم لبعض أرباباً من دون الله. إنّ هذا الإعلان معناه انتزاع سلطان الله المغتصَب وردّه إلى الله، وطرد المغتصبين له، الذين يحكمون الناس بشرائع من عند أنفسهم، فيقـومون منهم مقام الأرباب، ويقوم الناس منهم مكان العبيد… إن معناه تحطيم مملكة البشر لإقامة مملكة الله في الأرض» (معالم في الطريق: 59 ـ 60).

([24]) الحاكمية: 63.

([25]) المصدر نفسه.

([26]) المصدر السابق: 55.

([27]) المصدر السابق: 64.

([28]) المصدر السابق: 67.

([29]) قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: 29)، ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ ءامَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اَسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾(النور: 53)، ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ اَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظ﴾ (هود: 56)، ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ (الأنعام: 134)، ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ﴾ (النور: 55)، ﴿آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (الحديد: 7)، ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُواْ آلاء اللهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾(الأعراف: 73).

([30]) الحاكمية: 71

([31]) المصدر السابق: 85.

([32]) المصدر السابق: 86.

([33]) المصدر السابق: 93.

([34]) المصدر السابق: 102.

([35]) المصدر السابق: 103.

([36]) المصدر السابق: 113.

([37]) المصدر السابق: 106 ـ 112.

([38]) المصدر السابق: 113.

([39]) جدل الغيب والإنسان والطبيعة: 264.