الصحوة

30 ديسمبر 2017
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
517 زيارة

الصحوة

إيمان شمس الدين

ملابسات المفهوم وتطوره

الصحوة مصطلح ازدهر رواجا في القرن التاسع عشر، إلا أنه كمفهوم كحال أي مفهوم في اللغة، لم يبق على حاله في دلالاته ومعانيه، بل تطور وتبدل نتيجة لتفاعل الشخصيات الرائدة والنخبوية معه، سواء دينيا أو ثقافيا، وأخذ أشكالا دلالية مختلفة خلقت أنماطا سلوكية مختلفة نتيجة الأفهام المختلفة للمصطلح، ونتيجة الظروف والملابسات التي أحاطت برجالات الصحوة، سواء على المستوى السياسي أو على المستوى الديني والثقافي.

الصحوة كمفهوم كان انبعاثه على يد جمال الدين الأفغاني، الذي طرح رؤية تجديدية في قراءة الإسلام تختلف عن السائد في ذلك الزمان، رؤية تحاكي الزمان والمكان وتطوراته الثقافية والفكرية، وتعيد قراءة النص الديني بعقلية أكثر انفتاحا على الواقع والمحيط، وكان معه في هذه الحركة النهضوية كل من محمد عبده ورشيد رضا وعبد الرحمن الكواكبي لاحقا، ومن ثم حسن البنا، ومحمد إقبال من باكستان الذي اعتبر إحيائها والتقى ببعض الأفكار مع هذه الشخصيات ورم لم يلتق معها في الواقع ولم يلتقيها.

ورغم معاصرة الجميع من هذه الشخصيات لبعضهم البعض، إلا أن ذلك لا ينفي وجود اختلاف في قراءة مفهوم الصحوة وأليات تطبيقه على الواقع.
وكمثال بسيط كان جمال الدين الأفغاني يؤمن بالتغيير الثوري، بينما زميله في الفكر محمد عبده يؤمن بالتغيير المستند إلى العلم والتربية. وهذا مثال بسيط جدا في اختلاف زوايا النظر في مشروع الصحوة، وهو ما يخلق مدارس تحت هذا المفهوم تختلف في زوايا النظر وبالتالي تختلف دلالات المفهوم وآليات تفعيل هذه الدلالات على أرض الواقع.

وتعني الصحوة كمفهوم إحياء دين الإسلام من جديد، وهو ما يعني قراءة تجديدية إحيائية للنصوص الدينية تناسب تطورات الزمان والمكان ومعطياته دون التنازل عن ثوابته الصالحة لكل زمان ومكان.

وهذا يفتح أبوابا ومدارس في تشخيص الثابت والمتغير في الإسلام، وبالتالي تختلف بذلك هذه المدارس في مساحات الثابت والمتغير وبالتالي امتدادات الصحوة في جسد النصوص الإسلامية.

”فالصحوة مرتبطة بعملية الانبعاث الإسلامي الشامل التي توطدت في العالم الإسلامي وكانت هذه الحركة وثيقة الصلة في العالم العربي ببروز الحركات الإسلامية وفي مقدمتها الإخوان المسلمين“.[1]

الصحوة ومراحل التطور:

ارتبط مفهوم الصحوة في بداياته مع حركة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا تلميذ محمد عبده، والذي اتفق مع أستاذه في منه الاصلاح والصحوة وهو التربية والتعليم ورفع الجهل، وكان لرشيد رضا دورا هاما في موضوع توحيد صفوف الأمة من خلال الكتب التي ألفها حول أهم المشتركات بين مذاهب الإسلام وطالب بإصدار فقهي يضم المشتركات الفقهية بين المذاهب الإسلامية، ونشر مؤلفاته الوحدوية في مختلف البلدان وطالب النخب دراستها والتمعن بها وتطبيقها.

كانت هذه المرحلة تعتمد على التالي:
– إنشاء المدارس وممارسة التدريس والتعليم
– الإعلام من حلال إنشاء صحيفة المنار
– ممارسة النصح للسلطات وتوحيد صفوف الشعوب العربية والإسلامية.

تأثر حسن البنا تأثرا كبيرا بمحمد رشيد رضا، وكان هو المؤسس لحركة الإخوان المسلمين في مصر كمنظمة سياسية إسلامية تهدف لتطبيق الإسلام وفق فهمه المعاصر له، خاصة أن الفترة التي عاصرها حسن البنا، كانت فترة الاستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي للمنطقة، وكانت تعاني الشعوب من وطأتين:
– وطأة الاستعمار
– وطأة الغزو الفكري والثقافي والكولونيالية .

فكانت حركة حسن البنا الصحوية لا تختلف كثيرا في مرادها واستراتيجيتها عن صحوة الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا، إلا في بعد واحد وهو تأسيس منظمة سياسية لهدف إعادة قيم الإسلام وتطبيقها وفق رؤى عصرية، وهو ما يقترب من رؤية جمال الدين الأفغاني في التغيير الثوري، والذي يعني في ظاهره مواجهة الأنظمة الفاسدة ومحاولة تحرير الشعوب من الاستبداد والتبعية. بينما آثر كل من محمد عبده ورشيد رضا الابتعاد عن السياسة. فكان حسن البنا ينتمي إلى مدرسة إصلاحية تؤمن بأولوية مناهضة الغرب الإمبريالي وفق تصور حسن البنا لمفهوم الإصلاح والصحوة.

ثم جاء بعد ذلك سيد قطب كشخصية بارزة أيضا آمنت بمفهوم الصحوة وانتمت للمدرسة الإصلاحية، لكنها وفق تصور سيد قطب كانت تعتمد على مناهضة الأنظمة الكافرة في الشرق الأوسط.

وبذلك تطور مفهوم الصحوة مع انضمام شخصيات جديدة بزوايا نظر جديدة فرضتها الظروف السياسية والاجتماعية المحيطة بهذه الشخصيات، فما كان عليه حال الأنظمة السياسية والمجتمعات في عهد الأفغاني وعبده ورشيد رضا والبنا، يختلف عن حال هذه الأنظمة والمجتمعات في عهد سيد قطب، فكان الواقع الزماني والمكاني يفرض وجوده على المفهوم ويصنع له دلالات جديدة وإن كان الهدف هو الإصلاح والنهضة، لكن تفسير أي إصلاح وأي نهضة كان يعتمد على المعطيات المحيطة بصاحب تلك الحقبة الزمنية

الإخوان المسلمين وحركة الصحوة:

وبعد بروز فهمين للصحوة في مدرسة الإخوان المسلمين هو فهم البنا وفهم سيد قطب، بات هناك تقسيم يفرض نفسه في جسد الإخوان وفقا لانتمائهم لهذه المدارس.

– البنائين ومرجعياتهم الفكرية الصحوية تعتمد على تأسيسات حسن البنا في ذلك، وهو مواجهة الغرب الإمبريالي وطرح بدائل نهضوية تعيد للإسلام حاكميته، وتمهد لإقامة دولة إسلامية تطبق الشرع.
– القطبيين ومرجعياتهم الفكرية الصحوية تعتمد على تأسيسات سيد قطب، وهو مواجهة الأنظمة الكافرة في الشرق الأوسط، ومع اختلاف الهدف اختلفت الاستراتيجيات الحركية في تحقيق هدف الصحوة.

إلا أنه في الواقع الميداني كان كل منهم يكمل حراك الآخر في مشروع الصحوة، وفي مشروع النهضة والتغيير والاصلاح.

وكان للإخوان المسلمين هجرتان أثرتا كثيرا على كثير من أفكارهم بل هجنت بعضهم بهجين فكري ديني جديد.
– الهجرة الأولى هي هجرة سياسية جاءت نتيجة اضطهاد ومطاردة جمال عبد الناصر للإخوان، وزج أكثرهم بالسجون، فهرب كثير منهم إلى السعودية التي استقبلتهم في فترة سياسية حرجة، كان فيها جمال عبد الناصر على خلاف مع ملك السعودية واستغل الملك هذا الخلاف باستقباله للإخوان المسلمين العدو اللدود لجمال عبد الناصر.
– والهجرة الثانية هجرة اقتصادية، هاجر فيها الأخوان  إلى الخليج بعد اكتشاف النفط وازدياد ثروتها المالية، فكانت فرصة كبيرة لهم للعمل في الخليج وكسب المال، و العمل بالتجارة.
وفي الهجرة الأولى كان من أبرز المهاجرين إليها من القطبيين محمد قطب، أخو سيد قطب، الذي سجن في مصر وعذب وتم إعدام أخاه أمامه، ولكنه بعد انقضاء مدته القانونية في السجن آثر الذهاب إلى السعودية والتفرغ فيها للتعليم والتربية ووضع المناهج التعليمية.
وفي السعودية كانت المدرسة الدينية المهيمنة فيها هي المدرسة الوهابية والتي لها أولوية مغايرة لأولوية البنائين والقطبيين من الإخوان المسلمين، وهي الفرق الإسلامية المناوئة للفكر الوهابي مثل الشيعة والصوفية. وبالطبع الفكر الوهابي يعتمد في منهجه على عقيدة التوحيد، ويطرح لها دلالات متشددة تعتبر كل من لا يـومن بهذه العقيدة في التوحيد خارج عن ملة الإسلام ويصفه بالشرك.

وبرزت هنا الصحوة بشكل آخر حيث ظهرت الصحوة على يد الإخوان المسلمين عبر النظام التعليمي، والذي أبقى العقيدة امتيازا للوهابيين. أي أن تدريس العقيدة حكرا فقط على الوهابيين.

سادت الميول القطبية في السعودية على الميول البنائية، وهو ما يدلل على تأثير المدرسة الوهابية في سلفنة الإخوان تدريجيا، ”فهناك ترابط إيديولوجي وثيق بين الفكر القطبي والمدرسة الوهابية، بما أنهما يستندان إلى الصراع المانوي نفسه بين الإسلام والجاهلية، والسبب الآخر لغلبة أفكار سيد قطب هو أن الإخوان الذين وفدوا جماعات إلى المملكة العربية السعودية في سبعينيات القرن الماضي وفاقوا الإخوان الذين سبقوهم عددا، كانوا على اتصال بأوساط القطبيين غالبا“[2].
لكن أيضا كانت هجرة الإخوان الأولى قد وقعت في وقت بروز نجم سيد قطب وبروز أفكاره، وتبدل الحالة السياسية التي كانت تحارب الإخوان المسلمين، فمن الطبيعي أن تسود في ظل هذه الظروف السياسية الضاغطة أفكار سيد قطب، مع وجود فاصل زمني طويل عن أفكار حسن البنا، وتبدل الظروف السياسية والاجتماعية التي عاصرت حسن البنا ونشأة أفكاره الصحوية.

وبعد ذلك قام محمد قطب بإظهار بعض مؤلفات سيد قطب في السعودية، وهي تلك المؤلفات التي لا تثير سخط السلطة، ولا تسبب حساسية مع المؤسسة الدينية، فكانت أبرز المؤلفات التي أشهرها هي في ظلال القرآن وكتاب معالم في الطريق، وتم تنقيح كتاب العدالة الاجتماعية في الإسلام بعد حذف المصطلحات والفقرات الأكثر إشكالية.
راجع كتاب عبد الله الظفيري ملحوظات وتنبيهات على فتوى فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين في دفاعه عن حسن البنا وسيد قطب و عبد الرحمن عبد الخالق.

وهنا لا يفوتني أن أذكر أن المدرسة الوهابية تنقسم إلى الوهابية الإقصائية والوهابية الاحتوائية، وكان التقسيم قائم على أساس موقف الوهابية من الجنود المصريين الذين غزوا السعودية، فأفتى البعض بضرورة قتلهم لأنهم خرجوا عن الإسلام، بينما آخرين اعتبروهم مسلمين لكنهم ضلوا ويمكن التعايش معهم ونصحهم محاولة هدايتهم أو إتقائهم وعدم الأكل مما يأكلون.

وقد كانت الوهابية الإحيائية هي المدرسة الأكثر انتشارا لأن الملك السعودي استعان بهم لضرورات سياسية فرضت نفسها، وأقصى الوهابية الإقصائية.

وبذلك نرى كيف تطور مفهوم الصحوة وتبدلت دلالاته وفقا لتبدل الإيديولوجيا التي فرضت نفسها نتيجة الظروف السياسية والاجتماعية المحيطة.

ولكن كيف تأسس فرع الإخوان المسلمين في الكويت؟

فرت كثير من الأسر النجدية نتيجة المجاعات والحروب إلى الزبير في جنوب البصرة، وفي أواخر القرن التاسع عشر أصبحت منطقة الزبير قاعدة للوهابيين الاحتوائية الذين اضطرهم هيمنة الإقصائيين في البداية على المجال الديني السعودي إلى الاستقرار فيها،[3].
وكان في هذه المدينة قبر لولي من أولياء لله هو قبر لصحابة النبي ص الزبير، وهو ما لا يمكن التعايش معه إلا من قبل الوهابية الاحتوائية كون الإقصائية تعتبر التبرك بقبور الأولياء شرك وتعمد لهدم أي قبر يمكن التبرك به . ومع ظهور أولى علامات الثروة النفطية بدأت هذه الجماعات بالهجرة من الزبير إلى كل من الكويت والسعودية، وهجرة إخوان الزبير كان لها أثرا كبيرا في كل من السعودية والكويت.

ففي الكويت قاموا بدور أساس في تأسيس جمعية الإصلاح الاجتماعي في سنة ١٩٦٢م،فكانت الجهاز الرئيس في الإخوان المسلمين الكويتيين وحامل اسم الجمعية نفسها التي كانوا قد أسسوها في الزبير قبل عشر سنين. مقابلة مع اسماعيل الشطي.

وبعد هذا السرد التاريخي منذ تأسيس حركة الصحوة على يد جمال الدين الأفغاني، إلى مدرسة محمد عبده ومحمد رشيد رضا، إلى حسن البنا ومن ثم سيد قطب ومن ثم محمد قطب والمدرسة الوهابية بشقيها نلاحظ كيف اختلفت دلالات مفهوم الصحوة من حقبة زمنية إلى أخرى، باختلاف الظروف السياسية والاجتماعية واختلاف زوايا النظر والأهداف الكبرى وبالتالي اختلاف الأولويات والاستراتيجيات التي تنتج حراكات اجتماعية وسياسية مختلفة.
وقد تمايزت دلالات المفهوم بين الاعتدال تارة والتطرف تارة أخرى متأثرة بالبيئة التي نشأ بها المفهوم.

فالبيئة التي نشأ بها مفهوم الصحوة اختلفت من الأفغاني إلى محمد قطب وإخوان الزبير، وبالتالي اختلف الوعاء الثقافي والفكري الذي نشأ به المفهوم، وهو ما يلحظ جليا كاختلاف اليوم بين إخوان مصر وتونس وإخوان الخليج.

إلا أن العنوان الرئيس كان للجميع هو إحياء القيم والمفاهيم الإسلامية وأسلمة القوانين ليحكم الإسلام كدين وشريعة الشعوب، وتتخلص هذه الشعوب من الجهل والإمبريالية الغربية.

لكن الآليات والاستراتيجيات في تطبيق هذا العنوان العامل الشامل اختلفت باختلاف دلالات مفهوم الصحوة ومدارسه.

ومازال مفهوم الصحوة تداولي في العالم العربي والإسلامي وتتبدل دلالاته وطرق تطبيقه اليوم من قطر إلى قطر، ومن جماعة إلى جماعة، مع ثبات العنوان العام لجميع حركات الصحوة عبر التاريخ، وهو عنوان شامل وعام يحمل في أحشائه كثير من التيارات والتفسيرات والمدارس الفكرية والإيديولوجية.

وهو ما يطرح سؤال : أي صحوة نريد؟ وأي منهج يناسب اليوم قيم التعايش والتسامح والمواطنة والحريات والأنظمة الدستورية ؟

فكما تطور مفهوم الصحوة وفق تطورات المعطيات السياسية والاجتماعية، فهو بحاجة ماسة اليوم لحركة تطور في الدلالات تتناسب والقيم العالمية الجديدة، والتطورات السياسية سواء في المصطلحات المتداولة أو في الممارسات السياسية الجديدة في عالم باتت شعوبه تطمح لمزيد من الحريات والعدالة والكرامة، ولقيم التعايش والتسامح بعد أن طحنتها الحروب باسم الدين، و أنهكها الاستبداد والفقر والجهل بفتاوى دينية عنوانها طاعة الولي.

المصدر: مدارك للاستشارات

[1] “الصحوة الحركات الإسلامية المعاصرة في السعودية /ستيفان لاكروا/الشبكة العربية للأبحاث والنشر ص ٧٤

[2] مصدر سابق ص ٧٥

[3] مصدر سابق ص ٩١