منصب أمير الحاج في الفقه السياسي

26 أغسطس 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
113 زيارة

منصب أمير الحاج في الفقه السياسي

قراءةٌ تقريبيّة

د. الشيخ محمد رحماني(*)

ترجمة: وسيم حيدر

 

أهمِّية منصب أمير الحاج

يحظى منصب أمير الحاج في الفقه الإسلامي، ولا سيَّما في الفقه السياسي الشيعي، بمكانة مرموقة. وكفى هذا المنصب أهمية أنه كان في عصر النبي الأكرم والأئمة المعصومين^ من جملة مختصّاتهم.

ومن جهة أخرى فإن أداء أمير الحاج يرتبط ارتباطاً وثيقاً في العمل على أداء فريضة الحج على أحسن وجه. وحيث إن فريضة الحج ـ لما تشتمل عليه من الخصائص المنحصرة بها ـ تفوق في أهميتها أهمية سائر الواجبات الشرعية الأخرى فإن منصب أمير الحاج سيكون بدوره على أهمية كبرى أيضاً.

ومن خصائص فريضة الحج ما يلي:

أـ اشتمال هذه الفريضة على مختلف الأحكام الفقهية المتنوّعة، من قبيل: الأحكام العبادية والاقتصادية والسياسية والفردية والاجتماعية.

ب ـ يمكن القول: إن أداء مناسك الحجّ يعتبر ـ مقارنة بسائر الأحكام والواجبات الأخرى ـ من أصعب الواجبات الشرعية، ولا سيَّما في العهود السابقة، حيث كانت الشقّة بعيدة، ووسائط النقل بدائية جدّاً.

ج ـ تشتمل فريضة الحجّ ـ من بين سائر الواجبات الشرعية ـ على أكثر التشعّبات والتفريعات الفقهية.

د ـ إن فريضة الحجّ إنما تجب مرّةً واحدة في العمر، ولكن يترتَّب على الإخلال بها مشاكل وتعقيدات جمّة، ومنها: حرمة الزواج على الرجل والمرأة.

هـ ـ إن أداء مناسك الحجّ يشكِّل مناسبة طيّبة لاجتماع المسلمين من مختلف الجنسيات والأقطار الإسلامية، الأمر الذي يعكس عظمة الإسلام ووحدة المسلمين وقوّة العالم الإسلامي، ويقذف الرعب في قلوب أعداء الإسلام، الأمر الذي يوفِّر الأرضية الصالحة لنشر التعاليم الإسلامية الخالصة (التشيُّع)، وهكذا يوفِّر هذا الاجتماع فرصة ثمينة للبحث في مشاكل العالم الإسلامي، وإيجاد الحلول لها، وتوثيق العلاقات بين المسلمين، وتجاوز الأحقاد والخلافات فيما بينهم.

إن هذه الأمور تجعل من منصب أمير الحاج منصباً في غاية الأهمية من زاوية الفقه السياسي لدى الشيعة، وأن يعمل الفقهاء على رصد وظائف هامّة لمَنْ يتولى هذا المنصب.

إن منصب الحاج بالنسبة إلى الحجاج الإيرانيين ـ بالالتفات إلى خصوصية نظام الجمهورية الإسلامية، ورسالتها الإعلامية الموجهة للمسلمين في العالم، وإبطال مفعول الإعلام المغرض الموجّه ضدّها من قبل أعداء الإسلام والثورة ـ يتمتَّع بأهمية مضاعفة.

من هنا نروم في هذا المقال أن نلقي نظرة عابرة على منصب ومهام أمير الحاج. ولكنْ قبل الدخول في البحث نجد من الضروري التنويه بالأمور التالية:

1ـ إن المسائل الواردة في هذا المقال ذات طابع تقريري أكثر منه تحقيقاً أو بحثاً.

2ـ لقد سعينا إلى طرح الأبحاث بشكلٍ تقريبي.

 

سابقة البحث

إن لتنصيب شخص بوصفه أميراً للحاج جذوراً تاريخية تعود إلى صدر الإسلام وبعثة النبي الأكرم|، وعليه سيكون للبحث في هذا العنوان تاريخٌ طويل أيضاً. فهناك في الروايات ما يدلّ على أن أوّل مَنْ تولى هذا المنصب هو شخص النبيّ الأكرم|، وأنه نصّب الإمام علي× بعد ذلك في هذا المنصب في السنة السابعة من الهجرة ليكون أميراً للحاج، وكان من جملة الأمور التي ألقاها عليه بوصفه متسنِّماً هذا المنصب قراءة سورة براءة في مناسك الحج.

وبعد ذلك استمرّ العمل بمنصب أمير الحاج بمختلف الأشكال، حتّى تكفل الإمام علي أمير المؤمنين بتولّي هذا المنصب مدّة إمامته([1]).

وقد صرّح بعض الفقهاء بأن منصب أمير الحاج كان متعارفاً في العصور الماضية من قبل الخلفاء([2]).

وقد ذكر بعض المؤرِّخين أسماء أمراء الحج المنصوبين من قبل الخلفاء في معرض تدوينهم للتاريخ الإسلامي، ومن هؤلاء المؤرِّخين: المسعودي في مروج الذهب؛ إذ دوَّن أسماء مَنْ تولى منصب أمير الحاج منذ سنة 8هـ إلى سنة 335هـ([3]).

 

بحثٌ لغوي

إن كلمة «أمير» على وزن فعيل مشتقّة من مادة الإمارة بمعنى الولاية. فالإمارة والإمرة: الولاية. يُقال: أمر على القوم يأمر فهو أمير، والجمع أمراء([4]). ويُقال: هو أمير، وتأمّر عليهم أي تسلّط([5]).

وبحسب المصطلح الفقهي يعني نوعاً خاصاً من الولاية الشرعية؛ إذ تمّ في الشريعة وضع واعتبار مختلف أنواع الولاية، من قبيل: الولاية على القضاء، والولاية على الضعفاء، والولاية على الأوقاف، ولكنْ دون أن يُطلَق على أيِّ واحدٍ من هذه الأنواع من الولايات عنوان الإمرة والأمير، وإنما يطلق لفظ وعنوان الأمير على موارد خاصّة، من قبيل: الإمارة على منطقة، أو الإمارة على الجيش، أو الإمارة على الحجّ.

من هنا فإن منصب أمير الحاج عبارة عن نوع من الولاية في التدخّل والتصرّف في الأمور المرتبطة بتنظيم أمور الحجاج.

هذا وقد ذهب فقهاء أهل السنّة إلى القول بأن مفهوم أمير الحاج يتناسب مع المعنى اللغوي لهذه العبارة، وصرَّحوا بأن المصطلح الفقهي لهذه العبارة لا يختلف عن المعنى اللغوي المستعملة فيه([6]).

 

الموضوع

لا بُدَّ من تحرير محل البحث؛ لتكوين رؤية إجمالية بشأن مختلف أقسام الإمارات.

يعمد فقهاء الشيعة إلى تقسيم الإمارات ـ على غرار الولاية ـ إلى قسمين رئيسين، وهما:

أـ الإمارات العامّة: وهذا النوع من الإمارات لا ينحصر في مساحات خاصّة، بل يجري في مختلف شؤون الحياة. وهذا بدوره ينقسم إلى قسمين:

1ـ الإمارة العامّة والمباشرة (بلا واسطة): وهي عبارة عن الولاية والإمامة الكبرى الثابتة لرسول الله والأئمة الأطهار^، والمجعولة لهم من قِبَل الله تعالى. وقد تمّ إثباتها بالأدلة القطعية القرآنية والعقلية والروائية المتضافرة في علم الكلام.

2ـ الإمارة العامة غير المباشرة (بالواسطة): وهي عبارة عن الإمارة والولاية الثابتة للفقهاء الجامعين للشرائط في عصر الغيبة، بوصفهم نواباً لإمام العصر#، وبعبارةٍ أخرى: إن الولاية والإمارة انتقلت إلى عنوان النيابة والفقاهة، وليس إلى شخصٍ بعينه([7]).

ب ـ الإمارة الخاصّة: وهي عبارة عن تنصيب شخص بعينه في منصب أو عدد من المناصب المعلومة، ومنحه صلاحيات معيَّنة من قبل رسول الله أو الأئمة المعصومين^ أو من قبل الولي الفقيه الجامع للشرائط، في المجال العسكري والاقتصادي والثقافي والتنفيذي. ويقع البحث في منصب أمير الحاج في دائرة هذه الإمارة الخاصة.

ومن الواضح جدّاً أن حدود صلاحيات هذا النوع من الإمارة ـ سعةً وضيقاً ـ يدور مدار الحكم الصادر من قبل الإمام أو الولي الفقيه.

فعلى سبيل المثال: تمّ تنصيب مالك الأشتر النخعي من قبل أمير المؤمنين ليتولى عدّة مناصب عندما أرسله إلى مصر، وكان من المهام الموكلة إلى مالك الأشتر:

1ـ إدارة الأمور المالية والاقتصادية، بمعنى جباية الخراج.

2ـ قيادة القوات المسلَّحة ومواجهة أعداء الإسلام عسكرياً.

3ـ إدارة الأمور الاجتماعية، وإقامة النظم الاجتماعي، وحلّ مشاكل المجتمع.

4ـ عمارة البلاد([8]).

ومن باب المثال أيضاً: أسامة بن زيد، حيث لم يتمّ تنصيبه أميراً من قبل رسول الله| إلاّ لقيادة الجيش([9]).

وبذلك يتَّضح من هذا الأمر مسألة أساسية ومحورية، وهي عبارة عن أن الأصل الأولي من زاوية الفقه الشيعي يقوم على أن الولاية لله فقط، ولا ولاية لأحدٍ على أحد، إلاّ في حدود تفويض هذه الولاية من قبل الله سبحانه وتعالى.

من هنا فإن مشروعية أيّ نوعٍ من أنواع الإمارة والولاية في نظام الجمهورية الإسلامية يجب أن تكون من طريق الجعل أو الإمضاء الصادر عن الوليّ الفقيه بأمر من الأئمة، ومن خلالهم إلى الله سبحانه وتعالى، وإلاّ لن تثبت له المشروعية بأيّ شكلٍ من الأشكال.

ويصدق هذا الكلام بشأن الموظَّفين في الحكومات أيضاً، وعليه فإن القائمين بالأمور في نظام الجمهورية الإسلامية من أدنى السلالم الوظيفية إلى أعلاها، متمثِّلاً بمنصب رئاسة الجمهورية، إنما تثبت مشروعيتهم من خلال تنصيبهم وإمضاء تنصيبهم من قبل الولي الفقيه؛ إما مباشرةٌ وبلا واسطة؛ أو بشكلٍ غير مباشر وبالواسطة.

هذا، ويعمد فقهاء أهل السنَّة إلى تقسيم الإمارة إلى: إمارة عامّة؛ وإمارة خاصّة. وقالوا بشأن الإمارة العامّة: إنها عبارة عن الإمامة والخلافة الكبرى؛ وبشأن الإمارة الخاصة: إنها عبارة عن التصدّي للقيام بأحد الواجبات الكفائية، مثل: الإمارة على القضاء، أو الصدقات، أو الجيش، وما إلى ذلك. وذكروا للقسم الثاني أمثلة مختلفة([10]).

 

أمير الحاج

إن من المصاديق للولاية والإمارة الخاصّة منصب أمير الحاج من قبل الإمام المعصوم× أو الولي الفقيه؛ لإدارة مختلف الأمور المرتبطة بالحجّ وزيارة العتبات المقدّسة خارج إيران، سواء في ذلك وضع السياسات العامة، والذهاب والإياب، وكيفية أداء مناسك العمرة والحجّ، ومدّة الإقامة ومكانها، وتوفير الطعام، وضمان الصحّة والعلاج، وإحياء مراسم البراءة من المشركين، والتعامل مع الحجّاج الآخرين، وما إلى ذلك.

 

حكم تنصيب أمير الحاج

لم أرَ بين الفقهاء الشيعة مَنْ يُصرِّح بوجوب أو استحباب منصب أمير الحاج. ولكنْ يمكن القول ـ طبقاً للموازين والقواعد الأصولية ـ: إنه بلا أدنى شَكٍّ أمرٌ راجح في نفسه؛ لأن النبي الأكرم| في الحدّ الأدنى قد نصّب الإمام علياً×، وقد تولّى هو نفسه| هذا المنصب (مسؤولية إمارة الحجّ) في السنة العاشرة من الهجرة؛ ومن ناحيةٍ أخرى فقد تصدّى الإمام علي× لهذه المسؤولية في مدة حكومته الظاهرية شخصياً([11]).

من الواضح أن عمل المعصوم كاشف عن الرجحان؛ ومن ناحيةٍ أخرى فإن تنظيم أمور الحجيج في الكثير من الموارد، وإقامة المناسك بشكلٍ صحيح، والحفاظ على أرواحهم وأموالهم وأعراضهم، يتوقَّف على وجود شخص يحمل عنوان (أمير الحاج). وعليه فمن باب مقدِّمة الواجب يمكن لنا أن نستنتج وجوب تنصيب أمير الحاج في هذه الموارد.

وأما فقهاء أهل السنّة فقد اختلفوا في ذلك، بَيْدَ أن المشهور منهم على استحباب أن يقوم الإمام (الخليفة) ـ إذا لم يرافق الحجّاج ـ أن ينصِّب شخصاً في منصب أمير الحاج؛ ليقوم على شؤون الحجيج ومصالحهم في الذهاب والإياب ومدّة الإقامة، وأن يقرأ الخطبة في المواضع التي ينبغي أن تقرأ فيها الخطبة، وأن يعلِّم الناس أداء المناسك([12]).

وقد ذهب بعض فقهاء الشافعية إلى وجوب تنصيب أمير الحاج، مستدلاًّ لذلك بأن النبي الأكرم| قد نصَّب عتاب بن أسيد في هذا المنصب في السنة الثامنة للهجرة، ونصّب أبا بكر في السنة التاسعة للهجرة([13]).

ومهما كان فإن حكم تنصيب أمير الحاج من وجهة نظر فقهاء أهل السنّة يتراوح بين الاستحباب والوجوب.

 

أقسام إمارة الحجّ

لقد عمد فقهاء الشيعة إلى تقسيم هذه المسؤولية إلى قسمين. ومنهم: الشهيد الأوّل، إذ يقول: «ويجوز أن يتولى الإمام الواحد وظائف السفر، وتأدية المناسك، وأن يُفوّضا إلى إمامين. ولو كان إمام التأدية والتعليم حلالاً جاز. والظاهر أنه مكروهٌ»([14]).

يتضح من هذه العبارة إمكان أن يتولّى شخصان مهمّة منصب أمير الحاج في وقتٍ واحد، ويقتسمان المهام الملقاة على عاتق مَنْ يتولى هذا المنصب. كما يمكن لشخص واحد أن يضطلع بجميع مهام هذا المنصب.

كما قسَّم فقهاء أهل السنَّة الإمارة إلى قسمين، ومنهم: الماوردي، إذ يقول: «الوِلايَةُ عَلَى الحَجِّ ضَربَانِ: أَحَدُهُمَا: أَن تَكُونَ عَلَى تَسيِيرِ الحَجِيجِ؛ وَالثَّانِي: عَلَى إقَامَةِ الحَجِّ»([15]).

وعليه من الجدير أن نتناول بالبحث الأحكام والوظائف المرتبطة بكلّ واحدٍ من هذه الأقسام بشكل مستقلّ، حتى إذا كان الذي يتولّى الاضطلاع بجميع الأقسام شخصاً واحداً([16]).

 

شرائط أمير الحاج

لقد ذكر بعض الفقهاء شروطاً لمنصب أمير الحاج. ومن هؤلاء: الشهيد الأول، إذ يقول: «ويشترط في الوالي العدالة والفقه في الحج، وينبغي أن يكون شجاعاً مطاعاً ذا رأي وهداية وكفاية»([17]).

يتَّضح من هذه العبارة أن بعض الأمور، من قبيل: العدالة، والعلم بمناسك الحج، هي من الأمور الواجبة والإلزامية التي يجب توفرها في مَنْ يتولّى منصب أمير الحاج. أما الشروط الخمسة الأخرى فهي غير مُلزمة؛ لاقترانها بكلمة «ينبغي».

وفي المقابل هناك مَنْ ذهب إلى عدم اشتراط العدالة والعلم بمناسك الحج. ومن هؤلاء: العلامة المجلسي، حيث رأى أن المطلوب من أمير الحاج هو مجرّد تنظيم أمور القافلة ليس إلاّ، وقال في ذلك: «إمارة الحاج على قراءة الآيات على الناس ـ كما يشعر به كلام بعضهم ـ باطلٌ؛ إذ قراءة الآيات على الناس من المناصب الخاصة بالرسول| أو مَنْ كان منه، كما يدلّ عليه لفظ أخبار المخالف والمؤالف، حيث قال|: «لا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو رجلٌ منّي». وأما إمارة الحاج فيتولاّها كلّ برّ وفاجر، وليس من شروطها إلاّ نوع من الاطلاع على ما هو الأصلح في سوق الإبل والبهائم ومعرفة المياه والتجنُّب عن مواضع اللصوص [وعليه لا تشترط فيها العدالة]»([18]).

بَيْدَ أن الصحيح هو ما ذهب إليه الشهيد الأول؛ لأن وظائف أمير الحاج لا تنحصر بتنظيم أمور القوافل، بل إن الكثير من الوظائف الأخرى تقع على عاتقه، وهي من الوظائف التي تُشترط فيها العدالة.

ومن الأمور التي أشارت إليها بعض الروايات كراهة أن يكون مَنْ يتولى منصب أمير الحاج مكِّياً. ومن ذلك الرواية التالية: «عن عمر بن يزيد، عن أبي عبد الله×، قال: لا يلي الموسم مكِّي»([19]).

وربما كانت الحكمة من وراء ذلك تكمن في أن أمير الحاج إذا كان مكِّياً فإنه سينشغل غالباً في تفقُّد أهله وقومه، فلا يَسَعُه متابعة الأمور المتعلِّقة بالحجاج.

وقد ذكر فقهاء أهل السنّة شروطاً يجب توفُّرها في مَنْ يتصدَّى لمنصب أمير الحاج، ومنها:

1ـ أن تتوفَّر فيه جميع الشرائط التي يجب توفُّرها في إمام الجماعة للصلاة.

2ـ أن يكون عالماً بمناسك الحجّ وأحكامه، وعلى علمٍ بمواقيت مناسك الحج([20]).

 

وظائف أمير الحاج في الذهاب والإياب

ومن بين فقهاء الشيعة كان للشهيد الثاني السهم الأوفر في بحث مسائل هذا الباب. وحيث إن ما ذكره هو الأشمل بالقياس إلى الآخرين فإننا سنكتفي بنقل ما ذكره في هذا الشأن.

فهو يقول: وعليه في مسيره أمور خمسة عشر:

1ـ جمع الناس في سيرهم ونزولهم؛ حذراً من المتلصّصة [والسرّاق وقطّاع الطرق].

2ـ وترتيبهم في السير والنزول، وإعطاء كلّ طائفة معتاداً في السير، وموضعاً من النزول؛ ليهتدي ضالّهم إليهم.

3ـ وأن يرتاد لهم المياه والمراعي.

4ـ وأن يسلك بهم أوضح الطرق وأخصبها وأسهلها، مع الاختيار.

5ـ وأن يحرسهم في سيرهم ونزولهم.

6ـ ويكفّ عنهم مَنْ يصدّهم عن المسير ببذل مالٍ أو قتال، مع إمكانه. ولو احتاج إلى خفارة بذل لها أجرة، فإنْ كان هناك بيت مال أو تبرّع به الإمام أو غيره فلا بحث، وإنْ طلب من الحجيج فقد مرَّ حكمه.

7ـ وأن يرفق بهم في السير على سير أضعفهم.

8ـ وأن يحمل المنقطع منهم من بيت المال أو من الوقف على الحاج إنْ كان، وإلاّ فهو من فروض الكفاية.

9ـ وأن يراعي في خروجه الأوقات المعتادة، فلا يتقدَّم بحيث يؤدّي إلى فناء الزاد، ولا يتأخَّر فيؤدّي إلى النصب أو فوات الحج.

10ـ وأن يؤدّب الجناة حدّاً أو تعزيراً إذا فوِّض إليه ذلك.

11ـ وأن يحكم بينهم إنْ كان أهلاً، وإلاّ رفعهم إلى الأهل.

12ـ وأن يمهلهم عند الوصول إلى الميقات ريثما يتهيّأوا له بفروضه وسننه.

13ـ ويمهلهم بعد النفر [من منى] لقضاء حوائجهم من المناسك المتخلِّفة وغيرها.

14ـ وأن يقيم على الحائض والنفساء كي ما تطهرا، [وتمكثا في الميقات].

15ـ وأن يسير بهم إلى زيارة النبيّ والأئمّة^، ويمهلهم بالمدينة بقدر أداء مناسك الزيارات، والتوديع، وقضاء حاجاتهم([21]).

وقد ذكر فقهاء أهل السنّة هذه الوظائف لأمير الحاج أيضاً في الذهاب والإياب. ومنهم: الماوردي، حيث ذكر عشرة من هذه الوظائف، وهي الوظائف المذكورة في الفقرات المتقدِّمة، ولكنَّه لم يذكر الفقرات المذكورة تحت الأرقام (9، 12، 13، 14، 15)([22]).

 

وظائف أمير الحاج المتصدِّي لإقامة المناسك

لقد ذكر الشهيد الأول ـ في ما يتعلَّق بأداء مناسك الحج ـ ما يقرب من عشر وظائف، ومنها:

1ـ وعليه في إمامة المناسك أمور: الإعلام بوقت الإحرام، ومكانه، وكيفيته.

2ـ وكذا في كل فعل ومنسك. والخطب الأربع تتضمَّن أكثر ذلك. ولتكن الأولى بعد صلاة الظهر من اليوم السابع من ذي الحجّة وبعد إحرامه؛ لمكان تقدُّمه إلى منى؛ والثانية يوم عرفة قبل صلاة الظهر؛ والثالثة يوم النحر؛ والرابعة في النفر الأول. وكلّها مفردة، إلاّ خطبة عرفة فإنها اثنتان؛ يعرِّفهم في الأولى كيفية الوقوف وآدابه ووقت الإفاضة ومبيت المزدلفة ووقت الإفاضة منها، ويحضّهم على الدعاء والأذكار، ثم يجلس جلسة خفيفة كالأولى؛ ويقوم إلى الثانية فيأتي بها مخفَّفة.

3ـ وتقدُّمه في الخروج إلى منى؛ ليصلّي بها الظهرين، وتخلُّفه فيها حتّى تطلع الشمس.

هناك من الفقهاء مَنْ ذهب إلى استحباب هذا العمل من أمير الحاج([23]). وقد ورد في هذا الشأن روايات، ومنها: صحيحة محمد بن مسلم، عن الإمام الصادق× قال: لا ينبغي للإمام أن يُصلّي الظهر يوم التروية إلاّ بمِنى، ويبيت بها إلى طلوع الشمس([24]).

وذهب الشيخ الطوسي في كتابَيْه (النهاية) و(المبسوط) إلى اختيار القول بالوجوب، حيث قال ما معناه: «لا يجوز لأمير الحاج أن يخرج من مكّة في اليوم الثامن (يوم التروية)، بحيث يصلّي الظهر والعصر هناك»([25]).

والحقّ أنه رغم ظهور بعض الروايات في الوجوب، فإنّ استفادة الوجوب منها مشكلٌ؛ بقرينة رواياتٍ أخرى، من قبيل: صحيحة محمد بن مسلم، الأمر الذي يدعونا إلى حمل تلك الروايات (الظاهرة في الوجوب) على الاستحباب المؤكَّد. من هنا قال بعض الفقهاء، كالعلاّمة الحلّي: يُستحب استحباباً مؤكَّداً لأمير الحاج أن يتحرّك في اليوم الثامن إلى مِنى([26]).

4ـ وكذا يتخلَّف بجَمْعٍ حتى تطلع، ولا يلبث بعد طلوعها، وتقدمه يوم النحر في الإفاضة إلى مكّة.

إن هذا العمل من وجهة نظر بعض الفقهاء([27]) مستحبٌّ. ومدرك هذا القول رواية من طريق إسحاق بن عمّار، عن الإمام الصادق× قال: من السنّة أن لا يخرج الإمام من منى إلى عرفة حتّى تطلع الشمس.

وقد رُوي عن الإمام الصادق× أنه قال ما مضمونه: «يُستحبّ لأمير الحاج أن لا يخرج من منى إلى عرفات حتّى تطلع الشمس؛ وأما غير أمير الحاج فتستحب له الإفاضة من منى إلى عرفات بعد طلوع الفجر من اليوم التاسع»([28]).

وفي المقابل ذهب بعض الفقهاء إلى القول بوجوب بقاء أمير الحاج في منى حتّى طلوع الشمس، وقال بعدم جواز خروجه من منى إلى عرفة في اليوم التاسع حتى تطلع الشمس([29]).

5ـ ثم يعود ليومه؛ ليصلي الظهرين بالحجيج في منى.

6ـ وتأخره بمنى إلى النفر الثاني، ثم يتقدّم الصلاة الظهرين بمكة.

7ـ وأمر أهل مكة بالتشبُّه بالمحرمين أيام الموسم.

8ـ وإمامة الحجيج في الصلوات، وخصوصاً الصلوات التي معها الخطب. وعلى الناس طاعته في ما يأمر به، ويستحب لهم التأمين على دعائه، ويكره التقدُّم بين يدَيْه في ما ينبغي التأخُّر عنه، وبالعكس. ولو نهى حَرُم.

9ـ وعليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخصوصاً في ما يتعلَّق بالمناسك والكفارات. ولو كان الحكم مختلفاً فيه بين علماء الشيعة فليس لهم أن يأمرهم باتّباع مذهبه إذا لم يكن الإمام الأعظم أو مَنْ أخذ عنه، إلاّ أن يكون الخطأ ظاهراً فيه؛ لندور القول، فله ردُّ معتقده.

10ـ ولو أمر الإمام منادياً أن ينادي أيام منى، كما أمر رسول الله| بديل بن ورقا: «ألا لا تصوموا؛ فإنها أيام أكل وشرب وبعال»، كان حَسَناً([30]).

 

 

الهوامش

(*) أستاذٌ في الحوزة العلميّة في قم، وأستاذٌ مساعد ومدير قسم الفقه والأصول في جامعة المصطفى| العالميّة.

([1]) انظر: محمد بن مكي العاملي (الشهيد الأول)، الدروس الشرعية في فقه الإمامية 1: 495، مؤسّسة النشر الإسلامي، قم، 1414هـ.

([2]) انظر: المجلسي الأول، روضة المتقين 4: 348.

([3]) انظر: أبو الحسن عليّ بن الحسين بن المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر 4: 396، دار المعرفة، بيروت، 1402هـ.

([4]) أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي، المصباح المنير 22، مؤسّسة دار الهجرة، قم، 1405هـ.

([5]) الجوهري، الصحاح 2: 582.

([6]) انظر: حاشية ابن عابدين على المكاسب (تراث الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري) 2: 172، مجمع الفكر الإسلامي، قم، 1420هـ.

([7]) انظر: الشيخ الأنصاري، المكاسب 2: 332؛ جوادي الآملي، ولايت فقيه ولايت فقاهت وعدالت (مصدر فارسي): 121، مركز نشر إسراء، قم، 1387هـ.ش.

([8]) انظر: الشريف الرضي، نهج البلاغة: 306، الكتاب رقم 53، تحقيق: صبحي الصالح، دار الهجرة، قم، 1412هـ.

([9]) انظر: حسين علي المنتظري، دراسات في ولاية الفقيه 2: 113، مكتب الإعلام الإسلامي، قم، 1408هـ، والدار الإسلامية، بيروت، 1409هـ.

([10]) انظر: أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الماوردي، الأحكام السلطانية: 13، دفتر تبليغات إسلامي، قم؛ أبو يعلى محمد بن الحسن الفرّاء الحنبلي، الأحكام السلطانية: 12، تعليق: محمد حامد الفقهي، دفتر تبليغات إسلامي، قم.

([11]) انظر: الدروس الشرعية في فقه الإمامية 1: 419.

([12]) انظر: حاشية ابن عابدين على المكاسب (تراث الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري) 2: 367؛ نهاية المحتاج 3: 294.

([13]) انظر: حاشية عميرة علي الغليوني 2: 112؛ أسنى المطالب 1: 485.

([14]) انظر: الدروس الشرعية في فقه الإمامية 1: 407.

([15]) انظر: الماوردي، الأحكام السلطانية: 93.

([16]) انظر: الدروس الشرعية في فقه الإمامية 1: 497.

([17]) انظر: المصدر السابق 1: 495.

([18]) العلاّمة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار 30: 419، مؤسّسة الوفاء، بيروت، 1403هـ ـ 1983م.

([19]) محمد بن الحسن الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة 11: 398، الباب 26 من أبواب السفر، ح2، مؤسّسة آل البيت^ لإحياء التراث، قم، 1410هـ.

([20]) انظر: الماوردي، الأحكام السلطانية: 93.

([21]) الدروس الشرعية في فقه الإمامية 1: 496.

([22]) انظر: الماوردي، الأحكام السلطانية: 93.

([23]) انظر: المحقق الداماد، الحجّ (بقلم: عبد الله جوادي الآملي) 3: 9، مهر، قم.

([24]) وسائل الشيعة 13: 523، الباب 4 من أبواب إحرام الحجّ، ح1.

([25]) الشيخ الطوسي، نهاية الأحكام: 249؛ المبسوط 1: 490.

([26]) انظر: العلاّمة الحلّي، منتهى المطلب 11: 25، مجمع البحوث الإسلامية، مشهد المقدّسة، 1414هـ.

([27]) ومنهم: الشيخ الطوسي في النهاية: 249؛ المحقِّق الحلّي في شرائع الإسلام 1: 253؛ النجفي في جواهر الكلام 19: 12.

([28]) نهاية الأحكام: 249؛ يوسف البحراني، الحدائق الناضرة 16: 372.

([29]) أبو الصلاح، الكافي في الفقه: 213.

([30]) الدروس الشرعية في فقه الإمامية 1: 498.