منطق الفهم القرآني، – قراءة في أساسيات تفسير النص الديني

7 يونيو 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
2٬920 زيارة

منطق الفهم القرآني، – قراءة في أساسيات تفسير النص الديني

ترجمة: محمد عبدالرزاق

تمهيد ــــــــــ

لعلّ موضوع mمنطق الفهم القرآنيn من المواضيع التي لا تزال مبهمةً لدى بعضٍ، وإن كان يشبه ــ إلى حدٍ كبير ــ الاصطلاح المتعارف عليه في العلوم العقلية، فلكلّ علمٍ عقلي منطق خاصٌ به له ارتباط وثيق بأصوله ومبانيه، بمعنى أن التواصل مع العلوم يتمّ من خلال الأصول والقواعد التي يقوم الأستدلال عليها، هكذا الحال بالنسبة لسائر العلوم الأخرى، حيث لها أصول وقواعد يمكن من خلالها الإفادة منها، وعلى هذا الأساس يرى بعضهم أنّ mأصول الفقهn يمثل منطق علم الفقه، وإذا كان من السهل إعتبار أصول الفقه كذلك، فلا غرابة في أن نطلق على القواعد والأصول التي ترشدنا إلى فهم النص القرآني عنوان mمنطق الفهم القرآنيn، لا سيما وأن الضرورة تفرض وجود أسس وقواعد خاصّة بتفسير الآيات، وإذا سلّمنا ضرورة وجود منطقٍ في فهم القرآن، نعود لنضعه ضمن قسمين عامين:

أحدهما: الفرضيات والأصول الموضوعة للشريعة التي تؤمن بمسألة تفسير القرآن وضرورة فهمه فهماً دقيقاً.

ثانيهما: القواعد الخاصة التي تُستكشف آفاق الآيات على ضوئها، ومن الطبيعي أن يكون لكل نوع من العلوم أسلوبُه الخاص، يحقق بواسطتِهِ هدفه المنشود له، من هنا تتجلّى ضرورة توفر القرآن على أسلوب خاصٍ، إلاّ أن ممّا يؤسف له في هذا الصدد عدم توفر دراسة معمقة مع ضرورتها الملحّة، فكلّ من يفسّر القرآن عليه أن يكون مطلعاً على اصول التفسير وتوظيفها بأحسن شكل ممكن، إلا أنّ الاتجاه العام كان قد صبّ إهتمامه على بعض المسائل والشبهات المطروحة في علوم القرآن من قبيل موضوع تعدّد القراءات والبحوث الهرمنوطيقية.

وبعد أن تبينت ضرورة هذا الموضوع، نلاحظ تفاقم الحاجة إلى هذه الأبحاث؛ نظراً لإتصالنا بالثقافة الغربية وما يتولّد من شبهات في الأوساط العلمية تجاه مبادئنا العامة.

يقع بحثنا الحالي في ثلاثة فروع رئيسة: الأول: ويشتمل على تلك النظريات والأصول المسلّمة. الثاني: وهو جملة من الأصول الخاصّة بتفسير القرآن. أما الثالث فيدور حول الشبهات والإشكاليات المطروحة في هذا المجال والردّ عليها.

أصول التفسير القرآني ــــــــــ

الأصل الأول: ومن أولى الأصول التي نطرحها في التفسير اعتبارُ القرآن الصادر من الله تعالى أحد الأصول التفسيرية المسلّم بها لا البديهية، فقد يوجد هناك مَن يشكّك بوجود الله عزوجل أو بنسبة الكلام له وإن اعترف بوجوده، وبالنتيجة يشكّك في كون القرآن كلام الله، وهو موضوع قديم ليس بالجديد، ومتداول لدى المذاهب الإسلامية المختلفة، ولعلّه يعود إلى عقدين من الزمن في بدايات الثورة الإسلامية، عندما أثار بعضهم شبهة الوحي النفسي ونسبة القرآن إلى النبي محمد 3 نافياً صدوره عن الله عزوجل، محاولاً الاستعانة بالنص القرآني نفسه لإثبات ذلك، إلاّ أننا نعتبر هنا مسألة: القرآن كلام الله، من الأصول الموضوعة، دون أن نخوض في تفاصيلها؛ لأن ذلك يتطلّب نطاقاً واسعاً يفوق ما نحن بصدده.

الأصل الثاني: إن الله تعالى أنزل كتابه لغايةٍ معينة، ولا بد من إدراك هذه الغاية عن طريق الفهم الصحيح لمحتوى الآيات؛ ليتحقق الهدف من وراء نزول القرآن الكريم، لكن هل يرتبط هذا الموضوع في واقعه بعلم الكلام أم بالفلسفة الإلهية؟ إننا نرى أنه أقرب إلى علم الكلام من الفلسفة الإلهية، والملاحظة الجديرة بالذكر هي أنّ هيئة الدليل في هذا اللون من القضايا مختلفٌ؛ لذا اعتمدتُ هنا كلمة mالحكمةn بشكل مكثف حيث إن مقتضى الحكمة الإلهية تكميل نقص المعرفة البشرية في تحديد سبيل السعادة؛ عبر بعث الأنبياء وإنزال الكتب، أمّا عدم إرسال الأنبياء والكتب السماوية فهو نقضٌ للغرض الإلهي وخلاف للحكمة الربانية؛ وعلى هذا الأساس الثابت في الإلهيات والكلام ــ وهو الدليل الأساس على النبوة ــ يتشكّل لدينا الأصل الموضوع الثاني المتمثل بهداية الله تعالى لنا عن طريق الوحي، ومن خلاله نُدرك ما لا سبيل للعقل إليه في القضايا الضرورية ذات المدخلية الكبيرة في رسم طريق السعادة، وهذا ما ينبغي أن يضطلع به الوحي الإلهي؛ وفقاً لقاعدة اللطف والمترشحة عن مشكاة الحكمة الإلهية.

نعم، قد تكون بعض الآيات مؤكّدة لبعض المسائل التي أمكن للعقل إدراكها، من قبيل قوله تعالى: >إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ<، فالعقل يدرك ــ بمفرده ــ حُسن العدل والإحسان وإن لم تنزل الآية، لذا كانت تأكيداً له.

على أي حال، تبقى الضرورة الملحّة للوحي والقرآن كامنةً في إرشادنا إلى طريق السعادة، والتمييز بينه وبين سبيل الشقاء؛ نظراً لضعف عقولنا وعجزها عن تحديد ذلك.

الأصل الثالث: إن للكتاب الذي نزل من عند الحكيم لهدايتنا لغةً عقلائية، أي أنه جاء وفقاً لأصول الخطاب العقلائي، ولهذه المسألة أهمية بالغة، لم يتطرّق إليها المفسّرون والمفكّرون طيلة أربعة عشر قرناً مضت، فهل كان الخطاب الديني ــ في حقيقته ــ خطاباً واقعياً أم رمزياً أسطورياً؟

لم ينل هذا الموضوع حقه في دراساتنا، إلاّ بعد أن تعرّض له الأوروبيّون لا سيما بعد عصر النهضة، فيما يخص الكتب المقدسة (التوراة والإنجيل)، وهل أنّ غرضها الكشف عن الواقع أو لا؟ وقد كان منطلقهم في ذلك اختلاف لغات التفاهم، وأنّ بعضها يروم الكشف عن الواقع ونقله للمخاطب أو السامع، فيما لا يكون بعضها الآخر كاشفاً ــ بالضرورة ــ عن الواقع، كلغة القصص والأساطير والشعر، لا سيما بعض الأشعار الصوفية الممزوجة بالخمر والطرب وغير ذلك، ممّا ينوّه الشعراء أنفسهم إلى أنّ المقصود منه ليس ما هو المتعارف خارجاً، وإنّما هو رمز لغرض مختلف، وهذا معناه ــ إذاً ــ أن لغة الخطاب تختلف وتتنوّع.

لقد حاول بعضهم الدفاع عن المسيحية واليهودية قبال ما تعرضتا له من إثارات بعض العلماء حول مواضيع التوراة والإنجيل ومغايرتها لأصول العقل والعلم، فأسقطوا قيمة تلك الكتب ونفوا قدسيتها، فجاء الردّ بأن لغتهاة تمتاز عن لغة العقلاء وخطاباتهم الحاكية عن الواقع، وأنّ لديها لغةً خاصة كلغة الأقاصيص، التي يهمّ فيها فهم الفكرة ووعيها، فنحن عندما نقرأ كتاب كليلة ودمنة لا يذهب تفكيرنا إلى الأسد والثعلب الواقعيَين..

بهذه التبريرات الواهية نظروا للمسألة، معتقدين أنهم ردّوا بذلك على تلك الشبهات التي تناولت بعض القصص الديني، من قبيل شرب الأنبياء للخمر، وصراع الرب مع يعقوب وإسقاط الأخير له أرضاً و.. فقالوا: إنّ هذه التعابير رمزيةٌ لا تكشف عن واقع خارجي، فلا بد في فهمها من ترجمةٍ خاصة بها وتأويلٍ مناسب لها.

فما هو موقفنا نحن تجاه كتابنا mالقرآنn؟ هل نقول بأسطورية لغة الآيات ورمزيتها؟ أم أنّ لغتها كاشفة عن الواقع، كما في الحوارات العقلائية؟

هذا ما يجيب عنه الأصل الثالث القاضي بواقعية اللغة القرآنية، نعم لا ينفي ذلك وجود أساليب الاستعارة والمجاز بين طيّات نصوصه، كما أن خطابات العقلاء أيضاً لا تخلو هي نفسها من تلك الأساليب ــ مع بقاء غرضها الأصلي في درك الحقائق ــ فلطالما استفاد العقلاء من الأساليب الأدبية المختلفة، فلا ضير في الإفادة من علم البلاغة في هكذا نوع من الخطابات، فالبلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال، الأمر الذي يسهّل على المتكلم إيصال غرضهِ ومراده للسامع المخاطب، دون أن يعني ذلك أسطورية اللغة، فقد نستخدم ــ حتى في معرض بياننا لبعض الحقائق ــ التعابير المجازية مع وجود قرينة ترشد السامع لمجازية الخطاب، من هنا لا ننكر وجود بعض أساليب المجاز والاستعارة ضمن النص القرآني، إلاّ أن ذلك لا يتعارض مع كونهِ نصاً كاشفاً عن الحقائق الواقعية ــ كما لا يعني رمزية دلالة الآيات جميعها.

الأصل الرابع: ويتفرّع من سابقه، وهو أن الله تعالى استخدم في إيصال معاني الآيات الأسلوب عينه الذي اتخذه العقلاء في تخاطبهم وتحاورهم، وبعبارة أخرى لم يتصف الخطاب الإلهي بأسلوبٍ مغايرٍ لأساليب العقلاء، وإن اشتملَ ــ أحياناً ــ على بعض الدقائق والأساليب الفنية التي يصعب على عامة الناس فهمها، إلاّ أن ذلك لا يعني كون أسلوب القرآن في بيان الحقائق أسلوباً غريباً نادراً، نحتاج في دركه إلى ما هو خارج عن دائرتنا، بل ذلك ممكن بالاعتماد على الطريقة العقلائية، وكما أن للفهم العقلائي درجات كذلك بالنسبة للمفسرين، فكلّما كان المفسرُ مطّلعاً على العلوم القرآنية ولغة القرآن زاد ذلك في صحّة استخراجه للنتائج والحقائق، فليست لغة القرآن خارجةً عن نطاق لغة العقلاء.

الأصل الخامس: إنّ محصلة الأصول المتقدمة أن المتكلم ــ أي الباري عزوجل ــ ألقى خطابه على الناس بالأسلوب عينه المستخدم في هذا الغرض، وطلب منهم تفسير خطابه وفهمه، ولو في الجانب المتأتّى لدى من هم على علم بأصول الخطاب على أقلّ تقدير، ويقابل هذا المبدأ نظرية بعض أتباع المذهب الشافعي، وهي نظرية ذات جذور لدى بعض الشيعة أيضاً.

لقد تصوّر بعضهم ــ ممّن أساء فهم الموضوع ــ أنّ إدراك المحتوى القرآني وتفسيره مختصٌ بالمعصومين ( ولا يحقّ لغيرهم الاجتهاد في فهم النص القرآني، أو أن فهم غيرهم ليس حجةً على أقلّ التقادير، واستشهدوا ببعض الروايات المعروفة في هذا الجانب من قبيل: mإنَّما يَعرِفُ القرآنَ مَنْ خُطوِبَ بِهِ)، وهو انطباع خاطئ ــ كما يظهر ــ ومخالف لما عليه غالبية العلماء والمفسّرين، ابتداءً من زمن الأئمة وحتى يومنا هذا، لا سيما الشيخ الطوسي والطبرسي والعلامة الطباطبائي وغيرهم من المفسّرين الكبار، ممن لم يجيزوا المشروع التفسيري فحسب بل اعتبروه من العبادات أيضاً، بل من الواجبات أحياناً.

ولا بد في الردّ على أولئك الذين نفوا الحقّ الإنساني العامك في فهم القرآن من الاستدلال بروايات المعصومين (، إذاً فهناك أصل يعتمد عليه الإنسان في اكتساب أُسس المخاطبة ممّا يؤهله للاستفادة من نصّ القرآن، وإن لم يعنِِ ذلك إطلاعه على الحقائق جميعها والأبعاد، ولا شك في أن هذا الموضوع من البحوث المعمّقة التي تحتاج لسرد الأدلة والروايات، وإن اعتبرناه هنا من الأصول الموضوعة دون خوضٍ في أدلة إثباته، لكننا ــ مع ذلك ــ نذكر واحداً من تلك الأدلة؛ فقد أشارت بعض الروايات إلى أن الملاك في الفصل بين الصحيح منها والموضوع هو النص القرآني وعرضها عليه، فإن وافقته فهي صحيحة، وإلاّ فهي محرفة وموضوعة.

قواعد التفسير القرآني ــــــــــ

أما القسم الثاني من بحثنا فيتعلق بالقواعد والأسس التي من نفهم ــ من خلالها ــ النص القرآني؛ أي أنه بإمكان البعض ــ وهذا على سبيل الموجبة الجزئية ــ أن يرجع للقرآن ويفهم عباراته، ويكوّن ما لديه من تصورات حجة مقنعة، لكن ما هو السبيل لذلك؟ وما الذي يتعين علينا فعله في فهم القرآن؟ فبعد أن ثبت لنا الحق بالاستنباط من القرآن الكريم وتوفر الحجية فيه ــ إذا ما استند للضوابط والأصول العقلائية.. ما هي تلك الأسس والأصول التي يتعين علينا مراعاتها؟

والجواب: إنّ جميعها مستند لقواعد الخطاب العقلائي، أي لا يوجد لدينا أصل تعبّدي، إلاّ في جانب من الجوانب نشير له تباعاً، فنظراً لكون القرآن قد نزل بـ mلِسَانٍ عَرَبيّ مُبينn، تحكم الأصول العقلائية بضرورة إطلاع من يريد فهم نصّه على الأدب العربي وفروعه، فلا بد له من إتقان اللغة، والصرف، والنحو، وعلم البيان والمعاني، وسائر الأساليب البلاغية. ومن دون ذلك لن يتسنى له الإمساك بدفّة التفسير القرآني، لا سيما في بعض الجذور اللغوية لبعض المشتركات اللفظية.

الشرط الأوّل: تأسيساً على ذلك يغدو الشرط الأوّل لفهم النص القرآني فهماً سليماً، إتقان علوم اللغة العربية، وهو شرط عقلائي، فلو حاول مَنْ لغتهُ الإنجليزية قراءةَ نصٍ باللغة الفارسية وإدراك معناه، دون اطلاع على الأدب الفارسي وقاعد اللغة، فلن يُسمح له بتقويل قائل النص الفارسي ما استنتجهُ دون دراية، الأمر الذي ينطبق على ما نحن فيه.

الشرط الثاني: إنّ لكل لغة استخداماتها الخاصة بمفرداتها ممّا يولد تارةً إشتراكاً لفظياً وأخرى معنويّاً، بحيث يصعب علينا تحديد الحقيقة من المجاز، وهنا يتعيّن علينا اللجوء إلى القرائن والشواهد، وأولاها ما يتعلّق بالنص الحالي من بدايته وحتى نهايته من آيةٍ سابقة أو لاحقة، ممّا يصدق عليه جملة السياق المحيط بالنص، نعم، قد يُطلق السياق على ما هو أخصّ من ذلك، وهو المقطع الكلامي أو مجموعة العنوان والموضوع المحدّد، دون أن يكون له صلة بسابقه أو لاحقه، إلاّ أننا هنا نمنح كلمة السياق مفهوماً أوسع من ذلك ليشمل صدر الكلام وعجزه، ممّا يسهّل علينا فهم مراد المتكلم بصورة صحيحة، فلو أخذنا جملةً قصيرة من إحدى الآيات دون ملاحظة بدايتها وما انتهت إليه، فلن نتمكّن من الجزم بفحوى مرادها وضبط فهمه.

وقد تعرّض التفسير للعديد من هذه المغالطات، بأن يُفسّر جزء من الآية ويصدر الحكم في ذلك دون ملاحظة بقيتها ممّا ولّدَ التباساً كبيراً لدى الأذهان.

الشرط الثالث: وهو مشابهٌ للثاني، إلاّ أن القرائن هذه المرّة هي القرائن اللفظية المنفصلة، فبما أن قائل آيات القرآن حكيم لا يسهو ولا ينسى، إذاً من الممكن أن نستعين في فهم الآية بآية أخرى؛ أي يمكن مراجعة بعض الآيات ذات الصلة للتأكّد من صحّة فهمنا الحاصل من الآية الأولى، فنراجع مجموع الآيات القرآنية لفهم واحدةٍ منها.

نعم، من الجزاف أن نقول بضرورة مراجعة سائر الآيات في تفسير كلّ آية، إنما القدر المتيقن في ذلك هو الموارد المشابهة لبعضها والتي بإمكانها الإسهام في تبسيط عملية الفهم السليم، وهو ما أشار إليه الإمام علي % بقوله: mالقرآن يُفسِّر بعضه بعضاًn، وهذا أسلوب عقلائي أيضاً.

إذن، تُعتبر مراجعة كلام المتكلّم في توضيح جزءٍ منه من الأمور العقلائية لا التعبدية، وهكذا الأمر بالنسبة للنص القرآني، لا سيما وأن قائله منزّه عن الخطأ والسهو، أما غيره من المتكلّمين فيجوز في حقه الخطأ والنسيان وتغيير الرأي، الأمر الذي لا يصدق على القرآن، أما مسألة الناسخ والمنسوخ فهي موضوع آخر يعود للأمد الزمني للمعنى.

الشرط الرابع: الاستفادة من الشواهد التأريخية، وتنبع أهمية هذا الشرط من كونه أمراً عقلائياً لا تعبدياً.

يعتمد الكلام ــ بين المتكلم والمخاطب ــ على حيثيات متفق عليها من قبل كلّ متكلم ومخاطبه، كأنْ يفرضا معنىً معيناً لأحد الألفاظ حصراً لدلالة ذلك اللفظ على المعنى المقصود، وهكذا بالنسبة لعبارة أو جملة من الجمل عندما تطلق ضمن حيثيات خاصة قد يُلغى إطلاقها فيفهم من الإطلاق ما هو خلافه، من قبيل قوله تعالى: >وأوتيت من كُلِّ شيءٍ< في معرض بيان بعض مميزات بلقيس وسلطانها، فلو أخذنا الآية على إطلاقها للزم أن يحتوي ملك بلقيس على كلّ ما هو شيء، مادياً كان أو غير مادي، لكن هل كان واقع الأمر كذلك بأن تمتعت بلقيس بكل ما له شيئية في حكمها؟ وربما لم ترَ بعض ما هو في عالمنا اليوم، من هنا يرشدنا المناخ الخطابي في هذه الآية إلى حَصر الدلالة بما كان عن لوازم الحكم آنذاك خاصة، وليس المقصود من الآية عموم إطلاقها، إذاً فلا دليل على التخصيص سوى الحصر الدلالي الناشئ من القدر المتيقن في مقام التخاطب، لا سيما وأن الآية لم يسبقها أو يلحقها مخصصٌ ما.

فعندما يقول القائل: إنّ حكم فلان لا نقص فيه فإنه يعني بذلك توفر جميع الشروط والمكوّنات اللازمة لكلّ حكم في هذه الفترة، ولا يقصد امتلاكه الأشياء جميعها، فبالنظر إلى عصر نزول الآيات يمكن أيضاً تخصيصها بهذه الطريقة، فلو أنّ كل شخص تأمّل في أجواء صدور الخطابات وما يفهم العقلاء من قرائن تتضمّنها لكان ذلك عاملاً مساعداً على الفهم السليم، نعم قد تنشأ مغالطات على هذا الصعيد، فقد يضيف بعضهم أموراً غير داخلة في الكلام، أو يسقط من فهمه ما هو من صميم الخطاب الإلهي وغير ذلك من الأمور.. فكلّ قاعدة معرّضة للإفراط والتفريط وكذلك للخطأ في التطبيق، وهنا يبرز دور المنطق ليعصمنا عن الخطأ في استدلالاتنا العقلية، لكن هل يعني ذلك أن كلّ من تعلّم المنطق كانت استدلالاته صائبة؟ الجواب: كلا، فقد يغفل أحدهم عن بعض الحيثيات، أو يخطأ في تطبيق بعض قواعد الاستدلال فتخطئ النتائج، ولا يعني هذا خلوّ المنطق من الفائدة.

تأسيساً على ذلك، يعتبر التركيز على الظروف المحيطة بالخطاب وسبب صدوره وما إلى ذلك من عوامل تاريخية من ثوابت الفهم الصحيح له، أمّا إذا واجهنا ما هو واضح عقلاً ممّا لا يشكّك العقلاء فيه فمن الممكن العمل به، وإن احتملت المسائل البديهية أيضاً تشكيكاً على مرّ العصور، حتى أنهم قالوا: لا توجد عندنا بديهيات مطلقة، وكل شيء نسبيٌ.

لا شك أنّ هذا النوع من التشكيك يعدّ ضرباً من الشذوذ الفكري؛ فالعاقل لا يؤمن ــ ابتداءً ــ بهذه الأمور، وإنما تنتج عنده تبعاً لتأثير بعض الشبهات، أما الذي لم يصب ذهنه بتلك الشبهات فلن يتبنى الرأي الشاذ، بل يواجه الأمور بحسم وواقعية ملموسة، فعندما أخبر بإنارة المصابيح سيصدق الواقف عندها ذلك دون تشكيك، على خلاف الحال مع السوفسطائيين الذي يشكّون بذلك أيضاً، الأمر الذي يذكّرنا بشبهة ديكارت حين قال: من أين أعلم أنني لست أحلُم؛ فلعلّ ما حولي من الأحلام والرؤيا، فهناك العديد من هذه الشُبه التي لا يُعتدّ بها إطلاقاً، إنما الملاك في الأمر سليمو الفطرة الذين يحكّمون عقلهم في تحديد مسائلهم، فإن خالف الفهم أحكامهم فهو مرفوض. أي أنّ القرائن العقلية بإمكانها الإسهام في درك المعنى الصحيح للكلام، وذلك فيما إذا احتمل الكلام أكثر من تفسير، يكون أحدهما موافقاً للعقل والآخر مخالفاً له، ولو على صعيد الظاهر والأظهر ــ في أقل تقدير ــ أو أحدهما نصّ في المعنى والآخر ظاهر فيه.

إنّ فهم كلام العاقل الحكيم ــ الباري عزوجل ــ خلافاً لحكم العقل فهمٌ خاطئ؛ فللدلالات العقلية واللفظية والحالية والتاريخية دورٌ مؤثر جداً في فهم بعض الآيات، فلو توصّلنا إلى معنىً من المعاني أو حكم من الأحكام زعماً منّا بصحته، وكان يخالف البرهان العقلي إذا ما عرضناه عليه، فإن ذلك دليل ــ في حد ذاته ــ على عدم صحة نتائجنا، كما لو أخذنا ــ مثلاً ــ الآيات الدالّة على تجسيم الخالق ظاهراً، من قبيل قوله تعالى: >وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا< و>الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى<، إذ ربما يخيّل للإنسان في الوهلة الأولى أن هذه الآيات تدلّ على جسمانية الله، والحال أنه يقول: >لَيْس كمِثلِهِ شَيء<، فالدليل العقلي يرشدنا هنا إلى تكذيب الفهم الأولي للآيات، فكما أن الأدلة اللفظية والتاريخية تساعدنا في فهمنا، كذلك الأدلة العقلية بإمكانها الإسهام في ذلك. لكن ما المقصود بالأدلة العقلية؟ إنها تغطي تمام ما اتفق عليه العقلاء، وإلاّ لو قال أحدهم: حَكَمَ عقلي بكذا، وقال آخر: حَكَم عقلي بخلافه، فسنستنتج من ذلك أن مقولة الاثنين ليست من قبيل الدليل العقلي، وإنّما مجرّد رأي خاص، فكل ما يقع فيه الخلاف لا ينسب للعقل والعقلاء.

إنّ الفهم العقلي الحقيقي يحظى بتأييد سائر العقلاء، إلاّ أن يكون إنطباع ذلك وتصوره خاطئاً، فحينما وجدت القرينة العقلية القطعية صار بالإمكان فهم المعنى وفق الأصول العقلية، تلك الأصول التي توافق العقلاء على استخدامها ضمن أساليب التحاور.

لقد حدَّد القرآن واجبات الرسول 3 في أكثر من موضع: منها تلاوة آيات القرآن والتعليم والتزكية: >يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ< من هنا نفهم أن على الرسول مسؤوليات من ضمنها التربية والتعليم، وأن ثمة أمور لا بد له من شرحها لنا، إذاً ففهمنا وحدَه غير كافٍ في إدراك الحقيقة، فقد لا نتمكّن من فهم ما أراد الرسول توضيحه، من هنا تتبيّن ضرورة وجود المعلّم وأن مجرد التلاوة ليس كافياً؛ إذ لو كان كذلك لاكتفت الآية بذكر التلاوة فقط، فيما هناك آية أكثر صراحةً في الموضوع تقول: >وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ<، إنّ هذه الآية لَخير دليلٍ على كون الرسول 3 مفسِّراً للآيات، وأن القرآن محتاج للتفسير النبوي.

 نفهم من ذلك ــ بشكل عام ــ أنه لا يمكننا فهم القرآن فهماً دقيقاً إلا عن طريق الرجوع إلى كلام الرسول، ولو في بعض الأحيان على أقلّ تقدير، وأبرزها مسألة تفصيل المجمل من الآيات، حيث توجد في القرآن مواضيع مجملة ذُكِرت على سبيل الإجمال والكليّة، ممّا لا يكشف عن مراد المتكلم بشكلٍ تامٍ الأمر الذي أحاج إلى تفسيرها وتفصيلها، وعلى سبيل المثال، ثمّة آيات متعددة تتعلّق بالصلاة؛ بيد أنها لم تتطرّق لكيفيتها وعدد ركعاتها، وهو ذات الأمر الذي أشار لهُ الأئمة (، حيث سأل أحد أصحاب الصادق %: لماذا لم تذكر أسماء الأئمة الاثني عشر في القرآن ولزوم الرجوع إلى علي % بعد الرسول 3؟ فأجابه الإمام متسائلاً: إنّ الله ــ عزوجل ــ قال: >وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ<؛ فهل قال ما عدد ركعات صلاة الصبح؟ فأجاب الرجل: لا، فقال الإمام %: إذاً من أين فهم الناس صلاتهم؟ لقد سألوا الرسول 3 كيفيتها فعلّمهم، ثم يتابع الإمام بالقول: جاء في القرآن: >وَآتُواْ الزَّكَاةَ<، فهل أشار لمواردها وبأيّ مقدار؟ قال الرجل: لا، قال الإمام %: فمن أين علم الناس موارد الزكاة وحدود نصابها؟ ثم قال %: إن قوله تعالى: >أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُم< يتضمّن أولي الأمر، وأولي الأمر كأقيموا الصلاة؛ فكان من الواجب على الناس سؤال الرسول 3 عن ذلك، وقد سألوه فعدّد لهم الأئمة الاثني عشر، والقصّة منقولة أيضاً عن جابر بن عبدالله الأنصاري، حيث سأله عن تفسير أولي الأمر ومن هم الذين تجب علينا طاعتهم؟ فذكر له الرسول الأئمةَ واحداً تلو الآخر.

يتبيّن من ذلك ــ ولو على نحو الموجبة الجزئية أيضاً ــ أن فهم القرآن في بعض الأحيان يتوقف على الرجوع لأهل البيت (، لا سيما في الموارد المجملة والمبهمة التي تحتاج إلى شرحٍ وتفصيل وسؤال، وتخصيص العام وتقييد المطلق من هذا القبيل أيضاً.

ومن جملة المسائل التي تتعرّض لها مباحث أصول الفقه عندنا، موضوع تخصيص السنّة الشريفة للعام القرآني وتقييدها لمطلقه، أنا شخصياً ذكرت مثالاً لعله مقنعٌ لمن يحكم إنصافه في هذا الجانب، فقد كان لي ــ ذات مرة ــ لقاءٌ بأحد ممثلي بعض الفرق الضالّة، وقد طلب في مطلع حوارنا أن يستند كلّ شيء من كلامي إلى دليل قرآني قائلاً: أنا لا أقبل منك سواه. فقلت له: أجبني على هذا السؤال ومن ثم أُلبّي ما طلبته، هل أكل لحم الكلب حلال في الإسلام؟ قال: بل محرّم. قلت فهاتني دليلَه من القرآن، قال: إنّما هذه من المسلمات، وقد اتفق المسلمون عليها، وعَجَز عن الردِّ، فقلت له: لكنني سآتيك بدليلٍ من القرآن على حلّية لحم الكلب، فقال: وكيف؟! قلت: ورَدَ في القرآن قوله: >قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِه…ِ<؛ فإنّ هذه الآية تحصر مصاديق الحرمة في أربعة: لحم الخنزير، لحم الميتة، والمسفوك الدم، والمذبوح دون ذكر اسم الله عليه، أما غيرها فهي حلال، ولم تذكر حرمة لحم الكلب إطلاقاً، إذاً فعلى هذه الآية يكون أكل لحم الكلب حلالاً، لا حراماً.

ويؤول جذر القضية إلى دعوة القرآن للرجوع إلى الرسول لتبيين مجمل الآيات والأحكام، وهذا ما يدلّنا على أن كلامه 3 حجةٌ، وأن بإمكاننا الاستشهاد به ضمن إطار الفهم القرآني.

نستنتج من ذلك قاعدةً أخرى في فهم القرآن، وهي أنّ كلام الرسول والأئمة الاثنى عشر ــ حسب المعتقد الشيعي ــ حجةٌ في تفصيل المجمل القرآني وكلّ ما يحتاج إلى تفسير، وبدون ذلك لا يمكننا التأكّد من صحّة أو كمال ما توصّلنا إليه في فهمنا؛ إذ يبقى على الدوام محتملاً للخطأ.

إشكاليات حول فهم النص القرآني ــــــــــ

بقي أن أشير إلى الفرع الثالث من البحث أعني مسألة الشبهات المطروحة في هذا المجال وسبيل ردّها، وهي كثيرة ــ بطبيعة الحال ــ إلاّ أنني أحاول التعرّض لشبهة عامة في هذا الصدد، على نحو الإجمال.

نشاهد ــ وعلى مرّ العصور ــ اختلافاً بين المفسرين في بعض الآيات، ممّا قد يصل إلى حدّ التناقض التام أحياناً، بحيث يقول أحدهم بحكم فيما ينفيه الآخر؛ فإذا كان بإمكاننا الرجوع للقرآن وتفاسيره فأين هوالصواب من بين هذه الآراء المختلفة؟ أقول في ذلك موجزاً: إن استنتاجاتنا من القرآن إذا كانت وفقَ القواعد المذكورة وما قد يضاف إليها بحيث توافق رأي العقلاء فهي حجةٌ قطعاً، أما في الجوانب الظنية المحتملة للخلاف فحالها في ذلك حال المسائل الظنية في سائر العلوم، فالعلوم الإنسانية جميعها تحتوي قسماً يقينياً قطعياً كما تحوي آخر غير قطعي، والقاعدة أن يعمل الجميع بالموارد القطعية، أما غيرها فلذوي الخبرة والمقدرة على البحث فيها إبداء رأيهم، وإن لزم أن يقوم بهذه المهمّة غيرهم فعليه أيضاً الالتزم بالأصول العقلائية والرجوع إلى الأعلم في ذلك العلم ليطّلع على رأيه فيه.

فإذا تعلّق الأمر بالجانب العملي تعيّن ترجيح أحد الطرفين على الآخر، أما إذا دخل الجانب الاعتقادي دون العملي فليس من الضروري تعيين اعتقاد الإنسان في ذلك بالتأكيد، بل بالإمكان أن يعتبر أحدهما حكمه الظني في المسألة دون أن ينسب رؤيةً معينة للقرآن، من قبيل ما يطرحه المتكلّمون حول مسألة البرزخ والآخرة وتفاصيل القبر وغير ذلك من الأمور الغيبية… فهل يتعيّن علينا اختيار نظرية محدّدة في ذلك؟

بما أننا لسنا بحاجة للموضوع ــ عملياً ــ فبإمكاننا الاكتفاء ــ كما يقول الصادق % ــ بما ذهب إليه الأئمة الأطهار في ذلك، مع إمكانية درس الموضوع وفق الأدلة اللفظية والعقلية، وترجيح بعض الآراء على بعض، فالإسلام يسمح بذلك، إلاّ أنه يتعيّن اعتبار النتيجة أمراً ظنياً لا يُنسب للقرآن؛ لعدم توفر الدليل القاطع في ذلك، لذا يستحسن الرجوع إلى ما توصّل إليه الأئمة في هذه الأمور المستعصية؛ من هنا يتحتّم علينا احترام وجهات النظر الأخرى في هذه المسائل التي لا تصنّف من ضروريات الدين، وأنْ لا يجرّنا الخلاف فيها إلى التكفير والزندقة وغير ذلك..

أما الضروريات فهي من القسم الأوّل وثبوتها قطعي؛ فبامكان الجميع الاستناد إليها، والسيرة العقلائية تحكم أيضاً بحجيتها، فهي لا تحتمل الاجتهاد أو التنظير، إلاّ لدى المغرضين، أما غيرها فبإمكان من تتوفر فيه الكفاءة العلمية أن يخوض غمارها، ويبحث فيها، مع إبقاء احتمال الخطأ فيما يتوصّل إليه من نتائج مفتوحاً، إذ لا تتعدّى كونها نتائج ظنيّة، لا يمكن نسبتها إلى الله تعالى بشكل حاسم، فقد يكون الواقع مخالفاً لها، أمّا اعتقادنا القلبي فيها فيبقى قائماً على ما أفادنا بهِ الأئمة المعصومون (، فهو سندنا القويم.



(*) من أبرز أساتذة الفلسفة في إيران، رئيس مؤسسة الإمام الخميني للبحوث والدراسات، وعضو في مجلس خبراء القيادة، اشتهر بمناهضته الشديدة لمقولات الفكر الإصلاحي الأخير في إيران، له مؤلفات عديدة قيّمة.