منهجيات البحث الديني، – قراءة في الاتجاهات المنهجية التراثية والمعاصرة

22 مايو 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
2٬858 زيارة

منهجيات البحث الديني، – قراءة في الاتجاهات المنهجية التراثية والمعاصرة

تـرجمة : حيدر حب الله

هل ثمّة ضرورة لاستخدام المنهج المخارج للدين في البحث الديني وتناول الموضوعات الدينية المتنوعة، أعم من الكلام، وفلسفة الدين، وعلم النفس الديني، وعلم الاجتماع الديني، و… وهو المنهج القائم على قراءة الدين من زاوية غير مستقاة من الدين نفسه، أو أن المنهج الداخلي قابلٌ للتفعيل أيضاً؟ هل يمكن توظيف المنهج التجريبي في هذا المجال أو أنه لابد ـ فقط ـ من استحضار المنهج العقلي؟

أهميّة المنهج المعرفي في القراءة الدينية ــــــــــ

يكتب العلاّمة الطباطبائي حول أهمية دور تحديد المنهج المعرفي للبحث الديني على مستوى مختلف المعارف الدينية وتفسير القرآن فيقول: mفأما المحدِّثون، فاقتصروا على التفسير بالرواية عن السلف من الصحابة والتابعين، فساروا وجدّوا في السير حيث ما يسير بهم المأثور، ووقفوا فيما لم يؤثر فيه شيء، ولم يظهر المعنى ظهوراً لا يحتاج إلى البحث؛ أخذاً بقوله تعالى: ]وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا[ آل عمران: 7، وقد أخطأوا في ذلك، فإن الله سبحانه لم يبطل حجة العقل في كتابه، وكيف يعقل ذلك وحجيّته إنما تثبت به؟ ولم يجعل حجيّةً في أقوال الصحابة والتابعين وأنظارهم على اختلافها الفاحش، ولم يدعُ إلى السفسطة بتسليم المتناقضات والمتنافيات من الأقوال، ولم يندب إلاّ إلى التدبّر في آياته، فرفع به أيّ اختلاف يترائى منها، وجعله هدىً ونوراً وتبياناً لكل شيء، فما بال النور يستنير بنور غيره؟! وما شأن الهدى يهتدي بهداية سواه؟! وكيف يتبيّن ما هو تبيان كل شيء دون نفسه؟!

وأمّا المتكلّمون فقد دعاهم الأقوال المذهبية ـ على اختلافها ـ أن يسيروا في التفسير على ما يوافق مذاهبهم، بأخذ ما وافق وتأويل ما خالف، على حسب ما يجوّزه قول المذهب.

واختيار المذاهب الخاصّة واتخاذ المسالك والآراء المخصوصة، وإن كان معلولاً لاختلاف الأنظار العلمية أو لشيء آخر كالتقاليد والعصبيات القومية، وليس ها هُنا محل الاشتغال بذلك، إلا أن هذا الطريق من البحث أحرى به أن يسمّى تطبيقاً لا تفسيراً.

ففرقٌ بين أن يقول الباحث عن معنى آية من الآيات: ماذا يقول القرآن؟ أو يقول: ماذا يجب أن نحمل عليه الآية؟ فإن القول الأول يوجب أن ينسى كل أمر نظري عند البحث، وأن يتكىء على ما ليس بنظري، والثاني يوجب وضع النظريات في المسألة وتسليمها وبناء البحث عليها، ومن المعلوم أن هذا النحو من البحث في الكلام ليس بحثاً عن معناه في نفسه.

وأما الفلاسفة، فقد عرض لهم ما عرض للمتكلّمين من المفسّرين من الوقوع في ورطة التطبيق وتأويل الآيات المخالفة بظاهرها للمسلّمات في فنون الفلسفة بالمعنى الأعم، أعني: الرياضيات، والطبيعيات، والإلهيات، والحكمة العملية، وخاصة المشّائين، وقد تأوّلوا الآيات الواردة في حقائق ما وراء الطبيعة، وآيات الخلقة وحدوث السماوات والأرض، وآيات البرزخ وآيات المعاد، حتى أنهم ارتكبوا التأويل في الآيات التي لا تلائم الفرضيات والأصول الموضوعة التي نجدها في العلم الطبيعي: من نظام الأفلاك الكلية والجزئية، وترتيب العناصر، والأحكام الفلكية والعنصرية إلى غير ذلك، مع أنهم نصّوا على أن هذه الأنظار مبتنيةٌ على أصول موضوعة لا بيّنة ولا مبيّنة.

وأمّا المتصوّفة، فإنهم لاشتغالهم بالسير في باطن الخلقة واعتنائهم بشأن الآيات الأنفسية دون عالم الظاهر وآياته الآفاقية.. اقتصروا في بحثهم على التأويل، ورفضوا التنزيل، فاستلزم ذلك اجتراء الناس على التأويل، وتلفيق جمل شعرية، والاستدلال من كلّ شيء على كلّ شيء، حتى آل الأمر إلى تفسير الآيات بحساب الجمل، وردّ الكلمات إلى الزبر والبينات، والحروف النورانية والظلمانية إلى غير ذلك.

ومن الواضح أن القرآن لم ينزل هدى للمتصوّفة خاصّة، ولا أن المخاطبين به هم أصحاب علم الأعداد والأوفاق والحروف، ولا أن معارفه مبنيّة على أساس حساب الجمل الذي وضعه أهل التنجيم، بعد نقل النجوم من اليونانية وغيرها إلى العربية.

نعم، قد وردت روايات عن النبي 2 وأئمة أهل البيت E كقولهم: إن للقرآن ظهراً وبطناً، ولبطنه بطناً إلى سبعة أبطن أو إلى سبعين بطناً… الحديث.

لكنهم E اعتبروا الظهر كما اعتبروا البطن، واعتنوا بأمر التنزيل كما اعتنوا بشأن التأويل، وسنبيّن في أوائل سورة آل عمران إن شاء الله: أن التأويل الذي يراد به المعنى المقصود الذي يخالف ظاهر الكلام من اللغات المستحدثة في لسان المسلمين بعد نزول القرآن وانتشار الإسلام، وأن الذي يريده القرآن من لفظ التأويل فيما ورد فيه من الآيات ليس من قبيل المعنى والمفهوم.

وقد نشأ في هذه الأعصار مسلك جديد في التفسير، وذلك أن قوماً من منتحلي الإسلام في أثر توغّلهم في العلوم الطبيعية وما يشابهها، المبتنية على الحسّ والتجربة، والاجتماعية المبتنية على تجربة الإحصاء، مالوا إلى مذهب الحسّيين من فلاسفة الأوروبة سابقاً، أو إلى مذهب أصالة العمل (لا قيمة للإدراكات إلاَّ ترتيب العمل عليها بمقدار يعيّنه الحاجة الحيوية بحكم الجبر)، فذكروا: أن المعارف الدينية لا يمكن أن تخالف الطريق الذي تصدقه العلوم، وهو أن: لا أصالة في الوجود إلاّ للمادة وخواصّها المحسوسة، فما كان الدين يخبر عن وجوده ممّا يكذب العلوم ظاهره كالعرش والكرسي واللوح والقلم يجب أن يُأوَّل تأويلاً، وما يخبر عن وجوده مما لا تتعرّض العلوم لذلك، كحقائق المعاد، يجب أن يوجّه بالقوانين المادية.

وما يتكي عليه التشريع من الوحي والملك والشيطان والنبوة والرسالة والإمامة وغير ذلك، إنما هي أمور روحية، والروح ماديّة ونوع من الخواص المادية، والتشريع نبوغ خاص اجتماعي يبني قوانينه على الأفكار الصالحة، لغاية إيجاد الاجتماع الصالح الراقي.

ذكروا: أن الروايات، لوجود الخليط فيها لا تصلح للاعتماد عليها، إلاّ ما وافق الكتاب، وأمّا الكتاب فلا يجوز أن يُبنى في تفسيره على الآراء والمذاهب السابقة المبتنية على الاستدلال من طريق العقل الذي أبطله العلم بالبناء على الحس والتجربة، بل الواجب أن يستقلّ بما يعطيه القرآن من التفسير إلاّ ما بينه العلم.

هذه جمل ما ذكروه أو يستلزمه ما ذكروه، من اتباع طريق الحسّ والتجربة، فساقهم ذلك إلى هذا الطريق من التفسير، ولا كلام لنا ها هنا في أصولهم العلمية والفلسفية التي اتخذوها أصولاً وبنوا عليها ما بنوا، وإنما الكلام في أن ما أوردوه على مسالك السلف من المفسرين: أن ذلك تطبيق وليس بتفسير، واردٌ بعينه على طريقتهم في التفسير، وإن صرّحوا أنه حقّ التفسير الذي يفسّر به القرآن بالقرآن.

ولو كانوا لم يحملوا على القرآن في تحصيل معاني آياته شيئاً، فما بالهم يأخذون الأنظار العلمية مسلمةً لا يجوز التعدّي عنها؟ فهم لم يزيدوا على ما أفسده السلف إصلاحاً.

وأنت بالتأمّل في جميع هذه المسالك المنقولة في التفسير تجد: أن الجميع مشتركة في نقص، وبئس النقص، وهو تحميل ما أنتجه الأبحاث العلمية أو الفلسفية من خارج على مداليل الآيات، فتبدّل به التفسير تطبيقاً، وسُمي به التطبيق تفسيراً، وصارت بذلك حقائق من القرآن مجازاتٍ، وتنزيل عدة من الآيات تأويلات.

ولازم ذلك ـ كما أومأنا إليه في أوائل الكلام ـ أن يكون القرآن الذي يعرّف نفسه بأنه هدى للعالمين، ونور مبين، وتبيان لكل شيء، مهدياً إليه بغيره، ومستنيراً بغيره ومبيناً بغيره، فما هذا الغير؟! وما شأنه؟! وبماذا يهدى إليه؟! وما هو المرجع والملجأ إذا اختلف فيه؟! وقد اختلف واشتد الخلافn([1]).

مناهج البحث الديني وأنواعها ــــــــــ

اهتمّ الباحثون الدينيون بتحديد منهج القراءة الدينية في الثقافة الإسلامية، وقد جرى التركيز على الثقافة العقلية من أعماق الثقافة النصيّة، وقبال ذلك كانت الثقافة والحضارة اليونانية عقلية الطابع مشبعةً بهذه العقلية، وقد استمرّت هذه الحالة مع الغرب أيضاً؛ نظراً لفقدان النصوص الدينية القيمةَ والاعتبار أو إصابتها بالضرر الشديد والنقص الواضح والتحريفات المتعدّدة، وهو ما أدّى إلى انبثاق عصر النهضة، ثم التنوير، ثم الرومانسية و…

أما تاريخ الإسلام، فيشير ـ منذ البداية ـ إلى اتكاء الحركات العلمية الدينية والإصلاحية كافّة على النص الديني، فيما اعتور طريق الحركات التي تغافلت هذا النصّ الكثيرُ من المشكلات، لتصاب في النهاية بالفشل، وقد أفضى التعارف الذي حصل ما بين المسلمين والثقافات الأخرى إلى بروز إشكاليّة رئيسة بين الثقافة الإسلامية وغير الإسلامية، وبعبارةٍ أخرى: ما بين الثقافة النصيّة ـ العقلية وتلك العقلية الخالصة، وقد أدّت هذه المشكلة إلى ظهور نوعين من البحث الديني، أو فلنقل: منهجين من مناهج القراءة الدينية، أحدهما: منهج الكلام الفلسفي، وثانيهما: منهج الفلسفة الكلامية، وهما منهجان قدّمتهما شخصيات مفكّرة من أمثال ابن سينا والفارابي، ومذاهب من قبيل المعتزلة والأشاعرة.

وقد شكّل هذان الاتجاهان محاولةً لحلّ التعارض الواقع ما بين الحضارة الإسلامية والحضارات غير الإسلامية، أو بين المدنية القائمة على النصّ وتلك المبنيّة على العقل، ومن هنا نلاحظ تغيّراً جاداً في هذه المرحلة الزمنية في تعريف الكلام، أي أن علم الكلام الذي كان محصوراً بالدفاع عن المعتقدات الدينية والقضايا اللاهوتية، اتسع ليشمل تقديم صياغات عقلانية للمفاهيم والعقديّات الدينية، وهو ما أدّى إلى طفو نوعٍ من التمازج والتواشج ما بين الكلام والفلسفة، وقد لعبت الترجمات التي حصلت للنصوص الفلسفية اليونانية إلى اللغة العربية، والاهتمام الذي أبداه المسلمون بالآيات المتشابهة، وبروز تساؤلات جديدة أثارها المسيحيون واليهود أو أهـل الكتاب الذين كانوا حديثي عهد بالإسلام، ذلك كلّه، لعب دوراً لافتاً في عملية التلفيق هذه.

لقد بذل الفارابي قصارى جهده لتفسير المعتقدات الدينية وفقاً للمعطيات الفلسفية الأرسطيّة، فقد عمد في كتابه mآراء أهل المدينة الفاضلةn إلى محاولة تفسير ظاهرة النبوّة والنبيّ، وتحليلها وفقاً للرتب الرباعية للعقل النظري، ألا وهي: العقل الهيولاني، والعقل بالملكة، والعقل بالفعل، والعقل المستفاد، وكذلك العقل الفعّال أيضاً، أي أنّه نصب ـ بهذه المحاولات ـ المبادئ والأساسيّات الفلسفية ومعطياتها بنيةً تحتيّة لتقوم عملية تفسير التعاليم الدينية عليها فيما بعد، وهذا الطرز من التعامل هو ما كوّن الكلام الفلسفي، أي ذاك الكلام الذي تكون فيه الاعتقادات الدينية والجهود الكلامية تابعةً لنظام فلسفي خاص ومحدّد، وهو ـ عند الفارابي ـ الفلسفة الأرسطيّة.

وقد واصل المعتزلة ممارسة المنهج ذاته عقب عصر الترجمات، بيد أن تياراً آخر وقف على النقيض من هذا التيار متمثلاً بالاتجاه الأشعري، أي الفخر الرازي والغزالي، فقد عارض هؤلاء التوجّه الفلسفي الأرسطي، لكنهم رغم ذلك، خاضوا بأنفسهم في الفلسفة ومسائلها، جاعلين منها تابعاً للكلام والعقديات الدينية.

ويذهب الغزالي ـ على سبيل المثال ـ في تعريفه لعلم الكلام إلى أنه العلم بعوارض الموجود بما هو موجود، في محاولةٍ منه لإقحام الموضوعات الفلسفية في الدرس الكلامي، ومن ثم جعلها تابعةً له.

وقد وقع هذا الانقسام في الوسط الشيعي أيضاً، وشكّلت نتاجات الخواجة نصير الدين الطوسي ـ إضافةً إلى أعمال ابن سينا والفارابي ـ أنموذجاً بارزاً للكلام الفلسفي، فيما نلاحظ على صعيد مصنّفات اللاهيجي والفيض الكاشاني نماذج من الفلسفة الكلامية.

وتجدر الإشارة هنا إلى ضرورة عدم الغفلة عن المنحى الكلامي العرفاني الذي شرع منذ القرن الرابع الهجري وما بعد على يد أبي نصر سراج الطوسي (378هـ)، وأبي بكر الكلاباذي (380هـ)، والقشيري، والهجويري (465هـ)، والأنصاري (481هـ)، والهمداني (533هـ)، ومحيي الدين وغيرهم.

وقد تضاعفت أهمية هذه القضايا التاريخية في العصر الراهن، وأبدت موضوعةَ المنهج في البحث الديني مسألةً في غاية الأهميّة.

الاتجاهات المنهجية في البحث العلمي ــــــــــ

أ ـ الاتجاه الداخل ـ ديني  ونقده ــــــــــ

يقترح بعض المشتغلين الدينيّين الرجوعَ في مجال المعرفة الدينية إلى الكتاب والسنّة، والكشح ـ في المقابل ـ عن الاستفادة من بقيّة المصادر الدينية الخارجية، وقد طرح هذا المسار من جانب النصيّين وأصحاب الاتجاه الظاهري، مشتملاً طيفاً كبيراً وملحوظاً.

وقد أصرّ جماعة من أمثال مالك بن أنس (93 ـ 179هـ)، ومحمد بن إدريس الشافعي (150 ـ 204هـ)، وأحمد بن حنبل (161 ـ 241هـ)، وداوود بن علي الإصفهاني (200 ـ 270هـ)، أصرّوا على هذه القراءة للدين، وأكّدوا على عدم الخروج عن إطار النصوص والروايات، كما عارضوا ـ بشدّة ـ مختلف أشكال التفكير البشري والعقلي في الموضوع الديني.

وقد وقف هذا الفريق ـ وبصلابة ـ ضدّ النشاطات الفكرية لمدرسة الرأي في العراق، من أمثال أبي حنيفة (80 ـ 150هـ)، ومن الطبيعي أن أصحاب الحديث وأهل النصّ لم يكونوا على نسقٍ واحد، فقد ذهب بعضهم إلى الاعتراف بالأحاديث بما تحمله من مضامين، ممارسين نوعاً من اللاأبالية إزاء تحديد صحة سندها أو سقمه، وانطلاقاً من ذلك وقعوا ـ فيما وقعوا فيه ـ في شباك التشبيه والتجسيم([2])، وقد كانت المعارضات التي أثارها أهل الحديث، لاسيما أحمد بن حنبل، ضدّ المتكلّمين والمباحث الكلامية، والذم المكرّر من جانبه لهذا الاتجاه.. أحد روافد هذه الرؤية والقراءة([3]).

وكان داوود بن علي الإصفهاني (200 ـ 270هـ) شخصاً آخر من الظاهريين، اعتقد ـ متسلّطاً تسلّطاً كافياً على المنطق والفلسفة اليونانيين وعلى الاستدلالات الكلامية ـ بأن كشف الأصول الأولية للدين كالتوحيد والنبوّة دون الاستفادة من الأدلة العقلية، أي بالاقتصار على سبيل الاتّباع للنبي 2… اعتقد أن ذلك ممكنٌ، ومن هنا، رأى أن إقامة البراهين العقلية لا يغدو ضرورياً إلا للأشخاص الشاكّين فقط([4])، لكن ابن حزم الأندلسي ـ ورغم كونه من أعلام الاتجاه الظاهري ـ تجنّب شديداً المعاني الجسمانية للألفاظ والصفات الخبرية لله تعالى، كما سجّل ملاحظاته على التفاسير الأشعرية، طارحاً وصلةً محكمة مع ظواهر الكتاب والسنّة على مختلف الأصعدة الفقهية والكلامية([5]).

وكان ابن تيمية أحد النصوصيّين وأهل الحديث أيضاً، وقد واجه ـ تحت شعار العودة إلى عقائد السلف ـ العقلانية الإفراطية، وحذّر عملياً ـ في مقام البحث العلمي ـ من ممارسة أيّ نوعٍ من أنواع الاستدلال العقلي([6]).

أما على الصعيد الشيعي، فقد هجر الأخباريون الذي عارضوا المدرسة الأصولية أشكال الاستفادة من العقل في مجالي الأصول والفروع، واعتبروا ذلك عاملاً من عوامل الانحراف عن الصراط المستقيم، ومن ثم السقوط في الضلالة والحيرة.

ويرى العلامة المجلسي ـ أحد معتدلي التيار الأخباري ـ عقم الاستفادة من العقل إلا في سبيل إثبات الإمامة، ذلك أن باب العقل قد أقفل بعد معرفة الإمام عن طريق الإمام نفسه، وعليه يلزم على الإنسان أخذ معارف الدين عن الأئمة E أنفسهم، وتجنّب الرجوع إلى عقله الناقص المنتج للاستنتاجات الخاطئة، وللانحرافات أيضاً، هذا فضلاً عن أن التعصّب وطلب الجاه وغيره يترك أثراً على صرافة الإدراك العقلي ليختزل أو يحدّ من صحّته وصوابيّته([7]).

ويذهب الأخباريون في تحليلهم لأسباب تعدّد الآراء واختلافها في مجال أصول الدين إلى القول بنشوء ذلك عن توظيف العقل والتأويل العقلي للنصوص والمصادر الشرعية والمعرفية ضمن سياقات غير مبرّرة([8])، ويقول السيد نعمة الله الجزائري عقب بيانه أقسام اللذة الحسية والخيالية والعقلية، وشرف العلوم العقلية: mفحاصل العقول كلّها ظنون وخيالات، ومنتهى الأمر أوهام وحسباناتn([9]).

ومن اللازم التنبّه إلى أن أخباريّي الشيعة لا يلتقون بالتطابق مع ظاهرية أهل السنّة في المخالفة المطلقة للعقل، فأخباريّو الشيعة يعترفون بالبديهيات العقلية بوصفها أحكاماً عقلية فطرية، ويرون لزوم العمل على أساسها وضرورته، كما أنهم يقرّون بالعمل بالأحكام غير البديهية المستحصلة عن طريق الاستدلال العقلي فيما لو لم تعارض الشرع، أما مع المعارضة فإن الدليل الشرعي يصبح هو المقدّم على الدليل العقلي([10]).

هذا الاتجاه ذو المنطلق الداخلي الديني واجه العديد من الانتقادات التي يمكن الإشارة إلى بعضها بوصفها نماذج ـ لا أكثر ـ على الشكل التالي:

أ ـ لقد ابتلى الأخباريون الشـيعة في إشكالية معرفية وشطط إيبستمي، ذلك أنه:

أولاً: مع الاعتراف بالأحكام الفطرية، يصبح من اللازم الأخذ بالأحكام غير الفطرية المستندة إلى الفطريات والبديهيات أيضاً، ذلك أن الأحكام اليقينية المنتهية إلى البديهيات أحكام معتبرة، حتى لو كان بينها وبين تلك البديهيات مائة واسطة.

ثانياً: كيف وظّف الأخباريون العقل في سياق إثبات الإمامة ورأوا ما يأتي به على هذا الصعيد معتبراً، مع ممانعتهم من استخدامه في المراحل اللاحقة على إثباتها؟! وإذا ما كان الأئمة E قد ساقوا أحاديث في ذمّ العقل وتقبيحه فإن ذلك لم يكن في سياق سدّ مجال العقل اليقيني والقطعي، وإنما كان مرادهم من العقل في هذه النصوص العقل الظني من قبيل القياس والاستحسان.

ومن المناسب هنا الإشادة والإقرار معاً بالاحتياط الذي مارسه الأخباريون إزاء نزعات التعقّل المفرطة والاتجاهات ذات المنحى التأويلي.

ب ـ إن اللاأبالية المفـرطة إزاء الاسـتدلال العقلي في مجال البحث الديني تزلزل بنيان الاعتراف العقلاني بالدين، ذلك أننا مجبورون على سلوك سبيل العقل قبل الاعتراف بحجيّة الكتاب والسنّة، نعم، طريق الفطرة غير مسدود لكنه عصيّ عن التبلور بالنسبة للخصم.

ج ـ النقطة الأخرى الجديرة بالملاحظة هي أن الأحاديث المنقولة عن أئمة الدين لم تحظ بقيم متساوية فيما بينها، وفقاً للمعطيات التاريخية الصحيحة، فقد قُسّمت من حيث السند إلى صحيح وسقيم، كما أن حضور الإسرائيليات والأحاديث الكاذبة غير الواقعية في المصادر الروائية الإسلامية ـ لاسيما عند أهل السنّة ـ كان ينادي على الإنسان دوماً لمزيد من الاحتياط والحذر.

د ـ الخطأ الآخر الذي وقع فيه هذا الاتجاه الظاهري أنه وضع يده على بعض المعاني اللغوية للألفاظ التي تنتهي إلى التشبيه والتجسيم، والحال أن ثمّة شواهد وقرائن من المضمون الداخلي الديني تستبعد هذا النوع من الاختيار المعنائي وتحليله.

2 ـ الاتجاه الخارج ـ ديني ونقده ــــــــــ

وثمّة أطياف وأنواع لهذا الاتجاه، نستعرض أبرزها:

النوع الأول: المنهج العقلي والفلسفي الذي يُعنى بإثبات المعتقدات الدينية كوجود الله، وضرورة بعثة الأنبياء، ولزوم الحياة الأخروية وأمثال ذلك، عن طريق إقامة الأدلة المنطقية والعقلية، وقد كان للمتكلّمين المعتزلة والإمامية سهم وافر وأسبق في احترام مكانة العقل في الفكر الديني، نعم، لقد استخدم الأشاعرة العقل أيضاً، بيد أنّهم جعلوه ـ في خاتمة المطاف ـ تابعاً للشريعة.

ويمكن تقسيم حركة الصيرورة والسيرورة الاعتزالية في الثقافة الإسلامية من زاوية ايبستمية إلى مرحلتين:

1 ـ مرحلة الكلام المعتزلي غير الفلسفي، وقد استمرّت هذه المرحلة مدّة قرنٍ واحد، بدأ منذ ظهور مذهب الاعتزال في النصف الأوّل من القرن الثامن الميلادي وحتى عصر ترجمة النتاج اليوناني الفلسفي، وقد استعان المعتزلة في هذه الحقبة بالمناهج القديمة للقياس، أي التمثيل المنطقي والقياس الفقهي.

2 ـ المرحلة الثانية: وشرعت منذ فترة ترجمة الآثار اليونانية الفلسفية، فقد اطلع المعتزلة ـ إثر ذلك ـ على منهجين استدلاليين جديدين هما:

أ ـ منهج القياس المنطقي.

ب ـ منهج توظيف القياس القديم توظيفات جديدة([11]).

أما المتكلّمون الشيعة، فرغم عدم تورّطهم في النزعة الاعتزالية الإفراطية التي نحت منحى إعطاء العقل نحواً من سلطةٍ مطلقةٍ مستقلةٍ، إلا أنّهم ساندوا العقل ودعموه بقوّة، مركّزين على حجيته الذاتية، وفي هذا المجال يكتب الشيخ المفيد قائلاً: mاتفقت الإمامية على أنّ العقل يحتاج في علمه ونتائجه إلى السمع، وأنه غير منفكّ عن سمع ينبّه الغافل على كيفية الاستدلال، وأنه لابدّ في أوّل التكليف وابتدائه في العالم من رسول… وأجمعت المعتزلة والخوارج والزيديّة على خلاف ذلك، وزعموا أن العقول تعمل بمجرّدها من السمع والتوقيف…n([12]).

وينصّ السيد المرتضى علم الهدى أيضاً على مكانة العقل وأهميّته، فيقول: mوغير ممتنعٍ أن يبعث الله تعالى الرسول لتأكيد ما في العقول وإن لم يكن معه شرع… وليس يُفيد هذا الوجه ما لا يزالون يقولونه من أن ذلك عبثٌ، لأنّ ما في العقول يغني عنه… وذلك أنّه غير ممتنع أن يعلم الله تعالى أنه إذا دعا إلى ما في العقول على سبيل التأكيد أطاع عند دعائه من كان لا يطيع، فيخرج من أن يكون عبثاً إلى أن يصير واجباً، وأي فرقٍ في وجوب البعثة بين أن يأتي النبي بشرعٍ هو لطف، أو يكون دعاؤه إلى ما في العقل نفسه هو اللطف، ولو لم يكن في دعائه لطف لم يكن عبثاً إذا كان على سبيل التأكيد…n([13]).

وهكذا اعتقد ابن رشد، الفيلسوف الأندلسي المسلم، بإيجاب الشرع التأمّلَ والنظر العقلي، وهو القياس البرهاني([14]).

إنني أعتقد أن الخطأ الذي وقعت فيه المعتزلة والفلاسفة وبعض متكلّمي الإمامية يكمن في تأطير الحركة الفكرية داخل نظام فلسفي وكلامي محدّد، دفعهم في نهاية المطاف إلى ممارسة التأويلات القرآنية، حتى لو ذهبنا ـ كما هو الصحيح ـ إلى ضرورة استحضار العقل والمنهج التعقلي في مجال البحث الديني.

النوع الثاني: المنهج العملاني، الذي يجري استخدامه ـ بشكل أساسي ـ في علم النفس الديني وعلم الاجتماع الديني، ويركّز هذا المنهج نشاطه ـ بعيداً عن صدق القضايا الدينية وصوابيّتها ـ على شرح الآثار والفوائد والنتائج العملية للعقديات الدينية، هذه القراءة الجديدة للدين ـ على قيمتها وفائدتها ـ تقف عاجزةً عن احتواء المجالات الدينية كافّة، إذ يمكن أن تكون آثار بعض المعتقدات الدينية ـ رغم حقّانيتها ـ غير مكشوفةٍ للمؤمنين.

النوع الثالث: المنهج الذي يقرأ الدين قراءة خارجيّة حيادية، تستفيد من الموافقين والمخالفين له على السواء، فتدرس أسباب إقبال المتديّنين على الدين وإعراض مخالفيه عنه.

هذا المنهج منهجٌ جديرٌ من الناحية التجربية، بيد أنه غير قادر على إثبات المعطيات وتحقيقها، ولا كشف صحّة أو سقم القضايا الدينية أمام المخاطبين.

النوع الرابع: المنهج الأنثروبولوجي التجربي، وهو منهج يقوم على قراءة الحاجات البشرية، ودور العلوم في رفعها، ومن ثم تحديد الحقل الديني والحاجات الدينية، وعندها يقوم بإجراء تحقيق ديني اعتماداً على المنهج نفسه([15]).

لكن هذا المنهج غير تام؛ ذلك أن التجربة ليست قادرةً على كشف حاجات البشر كافّة، ولا على تمكين العلم من رفعها.

3 ـ المنهج التوفيقي الجامع ــــــــــ

وهو منهجٌ لم يحتفظ لنفسه بنسقٍ واحد، بل ظهرت فيه اتجاهات وأنواع أيضاً:

أ ـ وهو النوع الذي يقترح الرجوع إلى العقل واستدلالاته إلى جانب الكتاب والسنّة، طارحاً مركّب: العقل والنقل.

ب ـ منهج المدرسة التفكيكية الخراسانيّة، وهو منهج يؤكّد ـ بعد إيمانه بالمناهج الثلاثة: القرآنية، والبرهانيّة، والعرفانية ـ على ضرورة التفكيك ما بينها، وفصلها عن بعضها؛ بغية الحصول على المعارف القرآنية الخالصة، والنظم العقدية الدينية الصافية، وتجنّب المعطيات الممتزجة: القرآنية ـ العرفانية، والقرآنية ـ الفلسفية و… ([16]).

لكن مذهب التفكيك هذا يحصر اعتقاده بالفصل ما بين الفلسفة والعرفان من جهة والتعاليم الوحيانية من جهة أخرى، دون أن يقدّم تصوراً عن التجربة، كما أنه لا يقدّم أيّ جوابٍ إزاء تعارض التعاليم الدينية مع المسائل الفلسفية أو العرفانية، رغم إبدائه الاحترام للنظم الفلسفية والعرفانية كافّة، ويركّز الاتجاه التفكيكي ـ بشكل أكبر ـ على الجوانب السلبية للبحث الديني، لكنّه لا يحدّد لنا بالدّقة ظاهرة الفهم الديني ومناهج البحث في الدين نفسه.

وحقّ المطلب أن يصار إلى الجمع بين المنهجين: الداخلي والخارجي في ساحة البحث الديني، مستفيدين من الكتاب، والسنّة، والعقل، والتجربة، والتاريخ، والشهود، فبالعقل يعمد إلى إثبات الدين وحجيّته، وبالتجربة والتاريخ والشهود نصل إلى تأييد المعتقدات الدينية، ونوظّف العقديات الموجودة في الكتاب والسنّة في هداية الإنسان وسعادته، إن المطلوب أن لا نغسل أيدينا من ظواهر الآيات والروايات، فلا نخرج عن هذه الظواهر إلا في حالة قيام القرائن القطعية اليقينية العقلية وغيرها على الخلاف، ومن ثم أن لا نبتعد عن الأساليب والطرق التي تشكّل بالنسبة إلينا مفتاح فهم القرآن، أي القواعد اللغوية، والقوانين اللغوية العامّة من أمثال قاعدة العام والخاص، والمطلق والمقيّد، والمجمل والمبيّن، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ وغيرها من القواعد.

*    *     *

الهوامش



(*) أستاذ جامعي، ورئيس مركز الدراسات والأبحاث في الحوزة العلمية في مدينة قم، وعضو الهيئة العلمية في مركز الدراسات الثقافية، قسم الفلسفة والكلام في إيران، له مؤلفات عدة في فلسفة الدين والكلام الجديد.



[1] ــ السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن ج1، المقدّمة، نشر اسماعيليان.

[2] ــ الشهرستاني، الملل والنحل 1: 187 ـ 188، منشورات الشريف الرضي.

[3] ــ تلبيس إبليس، الباب الخامس: 82 ـ 83؛ وانظر “در قلمرو وجدان”: 268؛ والشيخ جعفر السبحاني، بحوث في الملل والنحل 1: 165.

[4] ــ ابن حزم الأندلسي، الرسائل، ج3، رسالة البيان عن حقيقة الأديان: 191 ـ 193.

[5] ــ الفصل في الملل والأهواء والنحل 2: 116، 122، 166.

[6] ــ درء تعارض العقل والنقل 1: 144، 147، 255، وج5: 22؛ وانظر مجموعة الفتاوى 4: 38، و8: 255.

[7] ــ العلاّمة المجلسي، بحار الأنوار 2: 314.

[8] ــ البحراني، الحدائق الناضرة 1: 126 ـ 127.

[9] ــ الجزائري، الأنوار النعمانية 3: 127.

[10] ــ الحدائق الناضرة 1: 129 ـ 130، والأنوار النعمانية 3: 132 ـ 133.

[11] ــ هري أسترين ويلفسون، فلسفة علم الكلام (فارسي): 32 ـ 33، ترجمة أحمد آرام، انتشارات الهدى، شتاء 1989م.

[12] ــ الشيخ المفيـد، أوائـل المقالات في المذاهب والمختارات: 798، طهران، مؤسسة المطالعات الإسلامية، 1993م.

[13] ــ السيد المرتضى علم الهدى، الذخيرة في علم الكلام: 323 ـ 324، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1411هـ.

[14] ــ إبن رشد الأندلسي، فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال: 7، 12، 18، بيروت، دار مكتبة التربية، 1987م.

[15] ــ عبدالكريم سروش، مدارا ومديريت: 135 ـ 137، طهران، انتشارات صراط، 1997م.

[16] ــ محمد رضا الحكيمي، مكتب تفكيك، دفتر نشر فرهنك إسلامي، الطبعة الأولى، 1996م.