منهج الحاكم النيسابوري في تصحيح أحاديث الفضائل

7 سبتمبر 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
326 زيارة

منهج الحاكم النيسابوري في تصحيح أحاديث الفضائل

دراسةٌ وتقييم

د. يحيى عبد الحسن الدوخي(*)

 

خلاصة

في هذا البحث سلّطنا الضوء على مفردة في غاية الأهمِّية، وهي ما ورد من شبهة في منهج الحاكم النيسابوري، وهو كونه متساهلاً. مع أن هذا الحافظ قد جمع في مصنفاته كثيراً من روايات الفضائل لأهل البيت^. فانصبّ بحثنا على تحليل هذه الظاهرة (تساهل الحاكم)، فقاربنا ونَقَدْنا مَنْ اتَّهمه بذلك، وأثبتنا أن الحاكم معتدلٌ في أحكامه على تلك الأحاديث، ولا سيَّما التي لها مساس بعقيدة الشيعة، كحديث الغدير وغيره. وبذلك نؤسِّس لمنهجٍ عامّ قد تنقلب فيه المعادلة، فقد يكون المتساهل معتدلاً ومنصفاً، وليس العكس، وتكون كلماته وما ينقله من أحاديث مقبولة ومحلّ اعتماد، بعكس ما اشتهر وكأنّه قاعدة لا يمكن المساس بها. وبذلك نهدم أساساً مغلوطاً سار عليه بعض علماء الجرح والتعديل، ونبني عليه بُنياناً ومنهجاً صحيحاً، وفقاً لموازين علمية رصينة، يمكن من خلاله أن نرتقي بكثير من الأحاديث التي ضُعِّفت، ونرفعها إلى مصافّ الصحة والاعتبار.

 

مدخل البحث

يعتبر المحدِّث والحافظ أبو عبد الله الحاكم النيسابوري من أساطين أهل الصناعة في علم الحديث. اشتهر بكتابه (المستدرك على الصحيحين). وحمل هذا الكتاب في طياته جملة من أحاديث الفضائل، كحديث الغدير، وحديث الطَّيْر، و…

ولكنْ جُوبه هذا المحدِّث بتهمة التساهل، ومن ثم التشيُّع، بحيث نجد أنّ هذه المفردة ـ أي التساهل ـ تُلاك على الألسن، قديماً وحديثاً، وكأنّها منهجٌ تَلبَّس به. ولعلنا نرصد هذه الظاهرة من خلال ما نلمسه من كلمات لابن تيمية، وتلميذه الذهبي، وابن كثير والنووي وغيرهم ـ كما سنأتي على ذكرهم لاحقاً ـ.

ولكن هل هذه الكلمات التي نبزته صحيحة ومطابقة للواقع أم لا؟ ولِمَ لا يكون معتدلاً ومنصفاً، وهو رائد هذا الفنّ والخبير فيه؟! ولعلّ هناك أسباباً أخرى حملت الآخرين على لصق تهمة التساهل، ولعلّ أهمَّها نقلُه لفضائل العترة الطاهرة، أو أنه متشيِّع وغير ذلك.

هذا كله ما سوف نطرقه في هذه المقاربة النقدية؛ لنرى حقيقة هذا الأمر وتجليته بإنصافٍ وموضوعية، وذلك من خلال دراستنا لترجمةٍ مختصرة لحياته، كمقدّمة لمعرفة هذا الحافظ، وما الذي قاله العلماء فيه، وكلمات النقّاد في تساهله، والاحتمالات المفترضة لتساهله، ومناقشتها. وكذلك التحقيق في تهمه تشيُّعه، ودراسة تطبيقية لنموذجٍ من أحاديثه التي رواها في فضائل أهل بيت العصمة والطهارة، ولعلّ أهمّها هو حديث (الغدير)، الذي نضعه في دائرة دراستنا كنموذج لبقيّة الأحاديث، ومن ثم نستلّ نتيجةً لهذا البحث.

ترجمة الحاكم النيسابوري(405هـ)

الإمام محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه الشافعي، الناقد الجهبذ، شيخ المحدِّثين، المشهور بـ (الحاكم النيسابوري). ولد سنة (321هـ) بنيسابور. له تصانيف كثيرة، أشهرها: المستدرك على الصحيحين، ومعرفة علوم الحديث وتاريخ نيسابور، وغيرها.

قال الخطيب البغدادي: كان من أهل الفضل والعلم والمعرفة والحفظ… وكان ثقة([1]).

وقال ابن كثير: وقد كان من أهل الدين والأمانة والصيانة والضبط والتجرُّد والورع([2]).

وقال السبكي: كان إماماً جليلاً، وحافظاً حفياً، اتَّفق على إمامته وجلالته وعظم قدره([3]).

وقال أبو علي الحافظ: إذا رأيته رأيت ألف رجل من أصحاب الحديث([4]).

ولكنْ مع ثناء العلماء وفضله ـ بل إنّ كل مَنْ جاء بعده فهم عيالٌ عليه ـ لم يسلم من غائلة التساهل، وكانت موجة الاتِّهامات تنهال عليه من حَدْبٍ وصَوْب؛ فاتَّهمه الخطيب البغدادي والذهبي والسمعاني وغيرهم بالتشيُّع([5])، والتساهل. وهي نسبةٌ باطلة، كما سيأتي بيانه.

 

كلمات النقّاد في تساهله

أـ قال ابن الصلاح: «واسع الخطو في شرط الصحيح، متساهل في القضاء به، فالأَوْلى أن نتوسّط في أمره…»([6]).

ب ـ قال النووي: «الحاكم متساهل، كما سبق بيانه مراراً»([7]).

ج ـ قال ابن تيمية: «إن أهل العلم متَّفقون على أن الحاكم فيه من التساهل والتسامح في باب التصحيح، حتّى أن تصحيحه دون تصحيح الترمذي والدارقطني وأمثالهما»([8]).

هـ ـ قال الذهبي: فقد تقدَّم القول بأن الترمذي والحاكم متساهلون([9]). وقد ذكر أيضاً أنه يصحِّح في مستدركه أحاديث ساقطة ويكثر من ذلك([10]).

و ـ قال العلامة الألباني ـ وهو من المعاصرين ـ: «وتساهل الحاكم في التصحيح معروف»([11]).

نكتفي بهذه الأقوال التي نسبت التساهل إلى عَلَمٍ من أعلام الجرح والتعديل، وسنأتي لتحقيق هذا الأمر في البحث اللاحق.

 

الاحتمالات المفترضة لنسبة تساهل الحاكم، ومناقشتها

إنّ ما نُسب إلى الحاكم من نسبة التساهل يمكن أن نحقِّقه بإنصافٍ ورويّة، وذلك من خلال مناقشتنا للأسباب أو الاحتمالات التي أدَّتْ إلى القول بتساهله. فهل هذه العلل كافيه لإسقاط أحاديثه؛ بحجّة أنه يُصحِّح الضعيف، أو أن هناك مبرّرات أخرى تنطوي تحت هذه المقولات، ولعلّها هي السبب الحقيقي وراء ما اتُّهم به.

إذن لنفتش في هذه الأقوال، ونضعها في الموازين العلميّة؛ لنخرج بنتيجةٍ تجعلنا نقتنع بأن هذه النسبة مطابقة للواقع أو لا؟ فلا بُدَّ من استقصاء الأسباب أو الاحتمالات التي نُسبت إليه. وبحسب استقرائنا هي كالتالي:

 

1ـ تخريج أحاديث ليست في الصحيحين وليست على شرطهما([12])

وهذا ما نجده في كلمات الذهبي، حين قال: «ولا رَيْب أن في (المستدرَك) ‏أحاديث كثيرة ليست على شرط الصحّة، بل فيه أحاديث موضوعة، شَانَ المستدرك بإخراجها فيه»([13]).

والجواب: إن البخاري ومسلم لم يصرِّحا بذكر شروطهما في كتابَيْهما([14])؛ ومضافاً إلى ذلك فإن الحاكم قد استبق هذا الإشكال عندما سأله جماعةٌ من أعيان أهل العلم أن يجمع كتاباً يشتمل على أحاديث مرويّة بأسانيد مشابهة لأسانيد البخاري ومسلم، فقال: «وأنا أستعين بالله على إخراج أحاديث رواتها ثقات، قد احتجّ بمثلها الشيخان أو أحدهما، وهذا هو شرط الصحيح عند كافّة فقهاء أهل الإسلام: أن الزيادة في الأسانيد والمتون من الثقات مقبولة. والله المعين على ما قصدْتُه، وهو حسبي ونعم الوكيل»([15]).

فالحاكم في هذه العبارة كان واضحاً ودقيقاً جدّاً. فركّز على كلمة (بمثلها)، أي إن الأحاديث التي خرَّجها هي مثل ما احتجّ بها الشيخان. فقد يذكر الحاكم أسانيد تحتوي على نفس الرواة الذين ذكرهم البخاري، وقد لا يذكر ذلك، ويكتفي بأنهم ثقات أثبات. لذا أردف كلامه المتقدِّم بقوله: إن البخاري ومسلم «لم يحكما، ولا واحد منهما، أنه لم يصحّ من الحديث غير ما خرَّجه»([16]).

وقصد الحاكم واضحٌ، فإن الحديث ليس من الضرورة أن يكون في نفس صحيح البخاري ومسلم فنحكم بصحّته. كلاّ، فالأمر ليس كذلك؛ لأن نفس البخاري ومسلم صرَّحا بعدم استيعابهما لكلّ الأحاديث الصحيحة. قال البخاري: «ما أدخلت في كتابي الجامع إلاّ ما صحّ، وتركت من الصحيح حتّى لا يطول»([17]).

وقال مسلم: «إنما أخرجت هذا الكتاب وقلتُ: هو صحاح، ولم أقُلْ: إن ما لم أخرِّجه من الحديث في هذا الكتاب فهو ضعيفٌ»([18]).

وأيضاً تناول السخاوي هذا الأمر بوضوحٍ وجلاء بقوله: إنهما «لم يستوعبا كل الصحيح في كتابَيْهما، بل لو قيل: إنهما لم يستوعبا مشروطهما لكان موجهاً»([19]). فهما لم يستوعبا تخريج كلّ الأحاديث الصحاح، وكذلك لم يستوعبا شروطهما.

إذن فقَيْد(المِثْليّة) التي ذكرها الحاكم هي إشارة إلى وصف الرواة بكونهم موثقين، ودرجتهم تماثل ما أخرجه البخاري ومسلم.

وهذا ما جعل الحافظ العراقي يردّ على ابن الصلاح وابن دقيق العيد والذهبي في قولهم: إنه لم يخرِّج على شرط الشيخين([20])، بقوله: «إن ذلك ليس منهم بجيّدٍ؛ لأن قوله: بمثلها أي بمثل رواتها، لا بما هم أنفسهم. ويحتمل أن يراد بمثل تلك الأحاديث، وإنما تكون مثلها إذا كانت بنفس رواتها»([21]).

ثم إن هذا القول لا يتعارض مع قول ابن حجر، الذي اعترض فيه على شيخه العراقي، وأبدى رأيه بأن نظرالحاكم إلى نفس الرواة، لا المثلية.

قال: «ولكن تصرّف الحاكم يقوّي أحد الاحتمالين اللذين ذكرهما شيخنا ـ أي العراقي ـ، فإنه إذا كان عنده الحديث قد أخرجا أو أحدهما لرواته قال: صحيح على شرط الشيخين، أو على شرط أحدهما. وإذا كان بعض رواته لم يخرجا له قال: صحيح الإسناد فحَسْب»([22]).

وجوابه: سواءٌ قلنا: إن مراد الحاكم أنه يخرِّج للثقات بمثل ما فعله البخاري، أو إنه يروي بمثل شروط البخاري، فالنتيجة أن الحاكم شرطه هو أن يكون السند مشتملاً على الرواة الثقات، ومتصلاً وخالياً من الشذوذ والعلّة. وهذا مؤدّاه صحة الحديث. مع ملاحظة مهمّة، وهي أن البخاري ومسلم لم يستوعبا كلّ الأحاديث الصحيحة، ولم يستوعبا شروطهما، كما تقدم آنفاً عن السخاوي.

ومن هنا يبطل قول أبو سعد الماليني، من أنه لم يَرَ في المستدرك حديثاً على شرطهما. وقد أنكر الذهبي ذلك عليه بشدّة، وأنه ليس له الأهلية لهذا الكلام، بل هو مكابرةٌ وغلوّ؛ لأن في المستدرك شيءٌ كثير على شرطهما، وشيءٌ كثير على شرط أحدهما([23]).

وهناك مَنْ اعتبر أنّ الماليني إنّما قال ذلك للحسد، فهو قرينٌ ومعاصر للحاكم. قال: «وأما قول أبي سعد الماليني فهو قولُ قرينٍ للحاكم، حمله على ذلك شيء مما يقع بين المتعاصرين من المشاحّة والمنازعة، وأما إذا كان عنى ما يقول فهو جاهل لم يَشُمّ رائحة الصحيح»([24]).

وحينئذٍ نقول: لا يمكن أن نلوم الحاكم أو شيخه الدارقطني أو ابن حِبّان لو صنّفوا ورووا أحاديث صحيحةً وغير موجودة في الصحيحين، ومن ثم يكونون مظنّةً لكونهم من المتساهلين. وكذلك يندفع ما أوردوه وأشكلوه على الحاكم، كالذهبي في تلخيص المستدرك وغيره؛ لأن فيه بعض الرواة، ولم يخرِّج لهم البخاري.

إذن هذا الاحتمال غير وارد. ودعوى التساهل المترتِّبة عليه ساقطة، ولا يمكن القبول بفرضيتها.

 

2ـ تصحيح الأحاديث الضعيفة

هذه الدعوى نقرؤها في كلمات ابن تيمية، وتلميذه الذهبي، وابن الصلاح، والزيلعي. وتكاد تكون كلماتهم متّفقة على أن الحاكم متساهلٌ لهذه العلة.

ولكنْ ما مدى مصداقيّة هذه الأقوال؟ وهل ما اتفقوا عليه يلامس الواقع أم لا؟

يحسن بنا أن ننقل بعض تلك الآراء، ومن ثم نناقشها ونتأمَّل فيها، ومن ثم نقيِّمها.

قال ابن تيمية: «وكثيراً ما يصحِّح الحاكم أحاديث يُجزم بأنها موضوعة لا أصل لها»([25]).

وقال الذهبي: «يصحِّح في مستدركه أحاديث ساقطة، ويُكثر من ذلك»([26]).

وقال الحافظ ابن الصلاح: «وهو واسع الخطو في شرط الصحيح، متساهلٌ في القضاء به»([27]).

وقال الزيلعي: «الحاكم عرف تساهله وتصحيحه للأحاديث الضعيفة، بل الموضوعة»([28]).

إذن من خلال هذه المفردات التي صرَّح بها هؤلاء العلماء يظهر أن الحاكم يُصحِّح الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ومن ثم يحكم ويقضي عليها بالصحّة.

والجواب: لكي نقف على صحّة هذه الدعوى وهذه الرؤية لا بُدَّ لنا أن نرجع قليلاً إلى ما قالوه في تصحيحات الحاكم، وبعبارةٍ أخرى: هل الحاكم مؤهَّل لهذه الصناعة، وهو محلّ اعتماد للحفّاظ والمحدِّثين، أم لا؟

فنقول بضرسٍ قاطع: نعم الحاكم هو شيخ المحدِّثين في هذه الصناعة، وغيره عيالٌ عليه. فهو ذلك الإمام الذي وصفه كثيرون بأنه من أهل الدين والأمانة والصيانة والضبط والتجرُّد والورع و…. وهو إمامُ أهل الحديث، والمؤلِّف فيه الكتب التي لم يسبق إلى مثلها، فكان عالماً عارفاً بدقائقها وتفاصيلها، ناظره شيخه الدارقطني فرضيه، ويكفيه فخراً أن أبا علي الحافظ كان إذا رأى الحاكم يعدّه بألف رجلٍ من أصحاب الحديث([29]). وقد تبعه وقلّده الآخرون في منهجه ورؤاه التي أبدع في صياغتها، فخرجت بأكثر من ألف جزءٍ؛ فمن المستدرك والإكليل والمدخل؛ إلى معرفة المستدرك وتأريخ نيسابور؛ فالأمالي؛ فالضعفاء والعلل ومعجم الشيوخ ومعرفة علوم الحديث؛ ومروراً بفضائل فاطمة ومقتل الحسين’، وغير ذلك الكثير.

وبتعبيرٍ موجز نقتنصه من فم الذهبي: هو بحرٌ من بحور العلم، صنَّف وخرَّج وجرح وعدَّل وصحَّح وعلَّل([30]).

هذا هو حال الحاكم النيسابوري في هذا الفنّ. فمن غير الصحيح والمنطقي أن نطلق الأحكام بهذه العجالة، ونسقط ما خرَّجه وصحَّحه، وهو الدقيق والحصيف وصاحب المعرفة، ويُعَدّ بألف رجل من أصحاب الحديث.

ثم تعالَ معي عزيزي القارئ لننظر كيف قُيِّمَتْ أحكام هذا الحافظ على الأحاديث، بلسان بعض العلماء. ولنأخذ نماذجَ من هذه الأقوال:

1ـ قال الحافظ الذهبي في الموقظة، في كلامه حول الراوي (الثقة): «فإن خُرِّج حديث هذا في الصحيحين فهو موثق بذلك، وإنْ صحّح له مثل الترمذي وابن خزيمة فجيد أيضاً، وإنْ صحّح له مثل الدارقطني والحاكم فأقلّ أحواله حَسَن حديثه»([31]).

إذن الراوي الذين يخرِّج له الحاكم ويُصحِّحه أقلّ أحواله كونه حَسَن الحديث. ولكنّنا نجد أن الذهبي، وفقاً لما تقدَّم، قد نقده وأسقط بعض أحاديثه. وهذا تناقضٌ واضح.

2ـ يؤيِّد الإمام الشنقيطي حُسْن أحاديثه وصحّتها، فأحاديث الحاكم على فرض ـ جَدَلي ـ التسليم بالتساهل فيها لا يلزم من ذلك أنه لا يقبل له تصحيحٌ مطلقاً. قال: «ورب تصحيح للحاكم مطابق للواقع في نفس الأمر»([32]). ومن هنا نجده يردّ على النووي، الذي اتَّهم الحاكم بالتساهل، بقوله: «وتصحيحه لحديث أنس (في حديث الطَّيْر) المذكور لم يتساهل فيه. ولذا لم يُبْدِ النووي وجهاً لتساهله فيه، ولم يتكلَّمْ في أحدٍ من رواته، بل هو تصحيح مطابق للواقع»([33]).

إذن فقد تكون تصحيحات الحاكم مطابقة للواقع ويجب التسليم والأخذ بها، ولا يلزم من ذلك طرحها أو أنها ضعيفة أو موضوعة.

3 ـ قال الحافظ ابن الصلاح، في نقاشه لأبي عبد الله محمد بن يعقوب بن الأخرم، الذي قال: إنه قلّما يفوت البخاري ومسلماً من الأحاديث الصحيحة: «فإن الحاكم قد استدرك عليهما أحاديث كثيرةً، وإنْ كان في بعضها مقالٌ، إلاّ أنه يصفو له شيءٌ كثير»([34]). فابن الصلاح هنا يُسلِّم بأن للحاكم استدراكات كثيرة على الصحيحين، وهي على شرطهما، وانْ كان بعضها القليل فيها نقاشٌ أو مقال، بحَسَب رأي ابن الصلاح.

ولكنّنا نقول لابن الصلاح: لعلّ هذا القليل هو من المتابعات والشواهد التي كان يدرجها الحاكم، والغرض منه هو تقوية الأحاديث، وليس الانفراد بها؛ أو لعلّه أخرجها لزيادة فيها، أو مخالفة للسياق برأيه، فهو أعلم بالأسانيد وطرقها. فلا يُعاب على الحاكم هذا الصنيع، فهو العالم بطرق الحديث ومضامينه ودلالاته.

3 ـ قال العلاّمة المعلمي، في معرض ردِّه على الكوثري، الذي استشهد بقول ابن حجر: إنه حصل له تغيُّر وغفلة في آخر عمره: «وأما قول الكوثري: اختلط (أي الحاكم) اختلاطاً شنيعاً، فمجازفةٌ، بل لم يختلط([35]). وقال أيضاً: مع هذا كلِّه لم يقع خللٌ ما في روايته؛ لأنه إنما كان ينقل من أصوله المضبوطة، وإنّما وقع الخلل في أحكامه. فكلّ حديث في (المستدرك) فقد سمعه الحاكم كما هو، هذا هو القَدْر الذي تحصل به الثقة…»([36]).

هذا الكلام من المعلمي نحرز من خلاله أن الحاكم النيسابوري ينقل من أصوله المضبوطة، ولا يوجد اختلاطٌ في ما ينقله، ولم يقع الخلل في روايته، وهذا هو القَدْر المتيقَّن الذي يحصل به الثقة. لذا نجد أن المعلمي في ثنايا كلامه عن الحاكم يصفه أنه: «إمام مقبول القول في الجرح والتعديل»([37]).

وأما الأحكام التي لم يَرْتَضِها المعلمي، ويرى أن هناك خللاً فيها، فأمرها سهلٌ، بعدما تقدَّم من ضبط أصوله؛ لأن الحاكم يتكلَّم وينطق بعلمٍ. وقد قلنا: إنّه بشهادة الذهبي وابن كثير وغيرهم من بحور العلم، وإنه من أهل الأمانة والصيانة والضبط والتجرُّد والورع، وهو إمام أهل الحديث.

فلعلَّنا لو تجرَّدنا ودقَّقنا الأمر بإنصافٍ لوجدنا أن هناك سبباً آخر وراء هذه التهمة، هي التي جعلت الحاكم في مظنّة التساهل، ومظنّة حكمه على الأحاديث الضعيفة بالصحّة. وهذا ما يُجيبنا عنه الاحتمال الثالث.

 

3ـ ذكر فضائل أهل البيت^، وتخريجه لها

نختصر ما قالوه بنقلنا لعبارة الخطيب البغدادي، حيث قال: «وكان ابن البيِّع يميلُ إلى التشيُّع؛ فحدَّثني أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الأرموي، بنيسابور، وكان شيخاً صالحاً فاضلاً عالمًا، قال: جمع الحاكمُ أبو عبد الله أحاديث زعم أنها صحاحٌ على شرط البخاري ومسلم، يلزمهما إخراجها في صحيحَيْهما، منها: حديث الطائر، ومَنْ كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه، فأنكر عليه أصحاب الحديث ذلك، ولم يلتفتوا فيه إلى قوله، ولا صوَّبوه في فعله»([38]).

فتخريجه لحديث الطير، وحديث مَنْ كنتُ مولاه، كانت السبب الجليّ في كونه متساهلاً. ولكنّ الحق أن هذه الأحاديث صحيحةٌ، وليست ضعيفة، كما سيأتي في تحقيق ذلك لاحقاً.

 

4ـ موقفه من معاوية

كان الحاكم ينأى بنفسه عن نقل فضائل معاوية، بحيث كسروا منبره الذي كان يحدِّث فيه، ومُنِع من الحديث، وبعبارةٍ معاصرة: كانت عليه إقامة جبرية، وكان بإمكانه أن تُرفَع عنه لو نطق بحديث بفضائل معاوية، ولكنْ أبَتْ نفس الحاكم وقلبه أن تنطق بحرفٍ واحد. لذا نجد بعض المحدِّثين يؤاخذ الحاكم على ذلك.

ينقل لنا الذهبي عن ابن طاهر صورة رفض الحاكم وموقفه من معاوية. قال: «قال ابن طاهر: كان شديد التعصُّب للشيعة في الباطن، وكان يظهر التسنُّن في التقديم والخلافة، وكان منحرفاً غالياً عن معاوية، يتظاهر بذلك، ولا يعتذر منه. سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: دخلتُ على الحاكم وهو في داره، لا يمكنه الخروج إلى المسجد؛ وذلك أنهم كسروا منبره، ومنعوه من الخروج، فقلتُ له: لو خرجْتَ وأملَيْتَ في فضائل هذا الرجل (أي معاوية) حديثاً لاسترَحْتَ من المحنة، فقال: لا يجيء من قلبي، لا يجيء من قلبي»([39]).

والذهبي يشاطر ابن طاهر في هذه الرؤية، ولكنه يعترض عليه في أنه كان مُعظِّماً للشيخين، فهو شيعي لا رافضي. وكان يتمنّى أمنيةً لم تتحقَّق له، وهي عدم تصنيف الحاكم لكتاب المستدرك، والعلّة معاوية!

قال: «قلتُ: أما انحرافه عن خصوم عليٍّ فظاهرٌ. وأما أمر الشيخين فمعظِّمٌ لهما بكلّ حالٍ. فهو شيعي لا رافضي. وليته لم يصنِّف المستدرك فإنه غضَّ من فضائله بسوء تصرُّفه»([40]).

وأدلى ابن تيمية بدلوه أيضاً، فقال: «هذا مع إن الحاكم منسوبٌ إلى التشيُّع، وقد طُلِبَ منه أن يروي حديثاً في فضل معاوية فقال: ما يجيء من قلبي، ما يجيء من قلبي. وقد ضربوه على ذلك فلم يفعل. وهو يروي في الأربعين أحاديث ضعيفةً، بل موضوعةً عند أئمّة الحديث، كقوله بقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين»([41]).

وابن تيمية ـ كعادته ـ كلَّما وجد حديثاً في فضائل عليٍّ× يطلق أحكامه بتضعيفها أو وضعها، بدعوى أن الإجماع أو أن أئمّة الحديث ضعَّفوها، أو أنه من المكذوبات الموضوعات عند أهل العلم والمعرفة بحقائـق النقل([42]). وهكذا يعطي العنان لنفسه بذكر هذه الألفاظ بلا درايةٍ في علم الحديث. فلا نجده يتكلَّم بدليلٍ علمي رصين، بحيث ينقل لنا طرق الحديث ومتابعاته وشواهده، ومن ثمّ الحكم عليه([43]).

إذن فالحاكم وفق هذه الرؤية وهذه النصوص لم يجِئْ من قلبه أن يحدِّث بفضائل معاوية. والسبب واضحٌ؛ لأنه خبير بما تحويه السنّة النبوية، وهو واقف عليها وعلى دقائقها وتفاصيلها. فمعاوية قد ذمَّه رسول الله| في أكثر من مناسبةٍ، فالحقّ بنظره أن يذكر مساوئه ومثالبه، لا أن يتكلَّم بفضائله. وقد سبقه الحافظ النسائي في هذه المحنة، فضُرب حتّى قُتل إثر ذلك؛ لأنه لم يتكلَّم بفضائل معاوية، وقد صرّح أنه كيف ينقل فضائله وهو لا يعرف له إلاّ (لا أشبع الله بطنه)([44])، أي دعاء النبيّ في حقّه؟! والغريب أن هناك مَنْ جعل هذه منقبة لمعاوية([45]).

لذا اتُّهم النسائي بالتشيُّع؛ لأنه لم ينقل فضائل معاوية، أو لأنه كتب في خصائص أمير المؤمنين×. قال الذهبي: «إن فيه قليلَ تشيُّع وانحراف عن خصوم الإمام عليٍّ، كمعاوية وعمرو، والله يسامحه»([46]).

إذن كان الباب مفتوحاً للحاكم، ويمكن أن يستريح من المحنة لو تكلَّم برغبات بعض مَنْ يدافع عن السلطة الأموية، ولكنْ لا بُدَّ من دفع الثمن. فدعوى تساهل الحاكم واضحةٌ.

فلو لم ينقل الفضائل، وكان يُحدِّث بفضائل معاوية، لانقلبت المعادلة، ولكان الحاكم من المتشدِّدين، وأحاديثه يجب العضّ عليها بالنواجذ، ولما قال فيه بعضهم: إنه ثقةٌ في الحديث، رافضيّ خبيث([47])؛ لأنهم يعلمون جيداً مَنْ هو الحاكم. ولكنْ نسي هذا الشيخ أو تناسى أنه إذا كان ثقةً في الحديث فهو صادقٌ في النقل، وهذا يؤهِّله لأن يلتزم بما ينقل ويُحدِّث. ولكنْ من السهل إطلاق كلمات الرفض أو الخبث أو أنه شيعي، وبتعبير العلامة العسكري: هو قتلٌ معنوي للرواة والمحدِّثين، وأحيانا يُقتل جسدياً الراوي الذي يروي ما يخالف مصلحة مدرسة الخلفاء([48]).

هذه هي الحقيقة التي لا مناص منها، ويجب الإذعان لها، والتأمُّل فيها مليّاً. فالمعيار هو نقل فضائل عليّ وأهل بيته^، والكلام حول معاوية. فلو تجرَّد هذا الراوي أو المحدِّث عن تلك الخصلتين لكان معتبر الحديث ومقبوله.

 

5ـ تشيُّعه

وأيضاً كانت تهمة التشيُّع والرفض سبباً لاتّهام الحاكم بالتساهل. وهذا الاحتمال يمكن أن نلحظه في ما صرَّح به السخاوي في فتح المغيث، عند كلامه حول كتاب المستدرك، بعد أن ذكر تساهله، قال: «…بإدخاله فيه عدّة موضوعات، حَمَلَه على تصحيحها إمّا التعصب لما رُمي به من التشيُّع»([49]). فتساهله بنظر السخاوي هو لتعصُّبه للتشيُّع، فأدخل فيه بعض الأحاديث الموضوعة، وصحَّحها.

هل دعوى تشيُّع الحاكم صحيحةٌ؟

إنّ كلمات علماء أهل السنّة في تشيُّعه تكاد تكون متقاربةً في وصفه بالتشيُّع؛ فتارةً يصفه الخطيب البغدادي بقوله: إنه يميل إلى التشيُّع؛ ويقول السمعاني: إنه كان فيه تشيُّع؛ ويقول ابن الجوزي: كان متشيِّعاً في الظاهر؛ ويقول ابن تيمية: كان منسوباً إلى التشيُّع؛ ويقول الذهبي: إن تشيُّعه خفيف؛ ويقول ابن كثير: فيه شيءٌ من التشيُّع؛ و…، وهلمَّ جرّاً([50]).

ولكننا عندما نتأمَّل بالجواب حول هذه الدعوى يجدر بنا أن نفهم معنى الشيعي في التراث السنِّي. فعندما يُطلقون مفردة الشيعي هل يقصدون بها الفرد الشيعي الذي يؤمن بولاية عليٍّ× على الإطلاق، وأن نظرية النصّ والتعين هي المحور في ولايته، أم أن هناك معنى آخر للشيعي من وجهة نظر علماء أهل السنّة؟

 

تعريف الشيعي عند محدِّثي أهل السنّة

ولعلنا نفهم معنى إطلاق كلمة الشيعي، والمراد منها، ولا سيَّما في علم الجرح والتعديل، ممّا يُحدِّثنا به علماء أهل السنّة.

قال ابن حجر العسقلاني: «فالتشيُّع في عرف المتقدِّمين هو اعتقاد تفضيل عليٍّ على عثمان…، مع تقديم الشيخين وتفضيلهما»([51]).

فتقديم عليٍّ× على عثمان فقط في الفضيلة، مع الاعتقاد بأفضلية الشيخين، والقول بإمامتهما، هذا يُعَدّ تشيُّعاً، بنظر ابن حَجَر.

وكذلك قال الذهبي: «فالشيعي الغالي في زمان السَّلَف وعرفهم هو مَنْ تكلَّم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية…»([52]). فبمجرد أن يتكلَّم في عثمان وطلحة ومعاوية يُعَدّ من الشيعة الغلاة.

وقال ابن عبد ربّه الأندلسي: «والشيعة… وهم الذين يفضِّلون عليّاً على عثمان، ويتولَّوْن أبا بكر وعمر»([53]).

 

الحاكم مُنصفٌ في أحكامه على الأحاديث، وليس شيعياً

عندما نقيِّم هذه التعاريف، ونتفحَّصها، ونقارنها بما كتبه الحاكم، ولا سيَّما في كتابه (معرفة علوم الحديث)، حيث قال عند تقسيمه لطبقات الصحابة في النوع السابع: «فأوّلهم قومٌ أسلموا بمكّة، مثل: أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وغيرهم، رضي الله عنهم»([54]).

فهنا الحاكم وفق هذا التقسيم الرباعي يقدِّم الخلفاء الثلاثة على عليٍّ×. وهذه قرينةٌ واضحة في ما يعتقد به.

وكذلك تبويب الحاكم في كتابه المستدرك على الصحيحين، فقد سار وفق منهجية علماء أهل السنّة في ترتيبهم للصحابة، وذكر مناقبهم وفضائلهم. فمثلاً: قال: «ذكر مناقب حواريِّ رسول الله| وابن عمَّته الزبير بن العوام…»، و«ذكر مناقب طلحة بن عبيد الله التيمي رضي الله عنه»، و«ذكر مناقب المغيرة بن شعبة رضي الله عنه»([55]).

ومعلومٌ أنّ هذا الترتيب وذكر المناقب لا يُعْرَف عند محدِّثي الشيعة. وكذلك مَنْ راجع كتبه الأخرى يجد ذلك واضحاً.

وكذلك مشايخه الذين نَهَلَ منهم وتتلمذ على أيديهم، وهؤلاء كانوا من كبار أهل السنّة، وهم من الأشاعرة، كالشيخ أبي بكر إسحاق الضبي، وأبي بكر بن فورك، وأبي سهل الصعلوكي، وأمثالهم، فكان يجالسهم في البحث ويتكلَّم معهم في أصول الديانات، بحيث نجد أن ابن عساكر جعله في عداد الأشعريّين([56]).

لذا نعتقد أن تقديم الحاكم لعليٍّ× كان من جنبة العلم والفضل، وليس من ناحية تقديمه في الخلافة. وقد أكّد السَّبْكي في طبقاته هذه الفرضية، حيث قال: «فتأمّلت مع ما في النفس من الحاكم من تخريجه حديث الطَّيْر في المستدرك… لا تعلق لها بتشيُّع ولا غيره، فأوقع الله في نفسي أن الرجل كان عنده ميلٌ إلى عليٍّ رضي الله عنه يزيد على الميل الذي يطلب شَرْعاً، ولا أقول: إنه ينتهي به إلى أن يضع من أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، ولا أنه يُفضِّل عليّاً على الشيخين، بل أستبعد أن يفضِّله على عثمان، فإنّي رأيته في كتابه الأربعين عقد باباً لتفضيل أبي بكر وعمر وعثمان، واختصَّهم من بين الصحابة، وقدم في المستدرك ذكر عثمان على عليٍّ رضي الله عنهما… وأخرج غير ذلك من الأحاديث الدالّة على أفضليّة عثمان مع ما في بعضها من الاستدراك عليه، وذكر فضائل طلحة والزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص. فقد غلب على الظنّ أنه ليس فيه ولله الحمد شيءٌ مما يستنكر عليه، ولا إفراطٌ في ميلٍ لا ينتهي إلى بدعة»([57]).

فخلاصة رأي السبكي أنه يميل إلى التشيُّع، بمعنى أنه يَنْقُل ويُخرِّج بعض فضائل أهل البيت^. وهذا لا يلزم منه أن يكون شيعياً.

والحقُّ أن الحاكم مُنصفٌ في أحكامه على بعض الأحاديث التي رواها في فضائل أهل البيت^، وقد صحَّح بعضها على شرط الشيخين، ولا سيَّما في كتابه المستدرك على الصحيحين. وإنّه لا يتكلَّم بفضائل معاوية. فهو شيعيٌّ بلحاظ ما قدَّمناه من تعريف المحدِّثين له، كابن حجر والذهبي وغيرهم.

وأما ما تقدَّم ممَّنْ قال بتشيُّعه، كالخطيب وابن تيمية والذهبي و…، فنعتقد أن مرجع أقوالهم هو لإبطال ما أورده من أحاديث صحَّحها، واحتجَّتْ الشيعة بها، وألزمتهم بما قاله هذا المحدِّث الثقة. وهذا ما أشار إليه العلاّمة آغا بزرگ الطهراني، حيث قال: «ويُحكى الجزم بتشيُّعه عن ابن تيمية أيضاً. لكنْ احتمل جمعٌ من الأعلام أن رمي هؤلاء بالتشيُّع لإرادة إبطال احتجاج الشيعة بما أورده في مستدركه وغيره ممّا يضرّ بعقائدهم. وهو غيرُ بعيدٍ»([58]).

ونُضيف إلى ما قاله العلاّمة الطهراني: إن تهمة التشيُّع للحاكم قد تدخله في دائرة البدعة، التي نظَّر لها الذهبي، بتقسيمه لها إلى ضربين: بدعة صغرى، كغلوّ التشيُّع، أو كالتشيُّع بلا غلوّ ولا تحرق؛ ثم بدعة كبرى، كالرفض الكامل والغلوّ فيه([59]).

فالذهبي وإنْ كان نظره إلى أن صاحب البدعة الصغرى قد تُقبل أحاديثه؛ لأنه مضطرٌّ إلى ذلك؛ لأن في التابعين وتابعيهم مَنْ حاز على هذه الصفة. فلو ردَّ حديث هؤلاء لذهب جملةٌ من الآثار النبوية([60]). ولكنْ عند التطبيق نجد بعض الأحاديث قد اتُّهم رواتها بغلوّ التشيُّع، وأُسقطت عن الاعتبار، كما نجد ذلك في قول الذهبي نفسه في ترجمة سالم بن أبي حفصة الكوفي، حيث قال عنه: «شيعيٌّ لا يحتجّ به»([61]). وقال عنه ابن حَجَر: «صدوقٌ في الحديث، إلاّ أنّه شيعيٌّ غالٍ»([62]). مع أن هذا الرجل من رجال البخاري، روى عنه في الأدب المفرد، وكذلك روى عنه الترمذي.

حديث الغدير، برواية الحاكم النيسابوري

بعدما تقدَّم فلنأخذ نموذجاً تطبيقياً واحداً من أحاديثه التي رواها في كتابه المستدرك، وهو (حديث الغدير).

ونترك الحكم للقارئ الكريم ليراجع غير هذا الحديث؛ ليرى تقييم الحاكم لها، ولا سيَّما في أحاديث الفضائل، التي اتُّهم بها الحاكم النيسابوري بالتساهل والتشيُّع؛ لإخراجه وتصحيحه لهذه الحديث.

وأما حديث الغدير فقد غمزوا الحاكم لتصحيحه له. وهذا ما نجده جليّاً في كلمات الخطيب البغدادي، التي ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية، حيث قال: «قال الخطيب البغدادي: كان ابن البيِّع يميل إلى التشيُّع، فحدَّثني أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الأرموي قال: جمع الحاكم أبو عبد الله أحاديث زعم أنها صحاح على شرط البخاري ومسلم، يلزمهما إخراجها في صحيحَيْهما، فمنها: حديث الطير، «ومَنْ كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه»، فأنكر عليه أصحاب الحديث ذلك، ولم يلتفتوا إلى قوله، ولاموه في فعله»([63]).

ولعل الإنكار واللَّوْم الذي يشير إليه الخطيب من أصحاب الحديث ينصرف إلى شيوخه، كابن حزم وابن تيمية، وهذا ما نجده في كلماتهم. قال ابن حزم: «وأما مَنْ كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه فلا يصحّ من طريق الثقات أصلاً»([64]).

وقال ابن تيمية: «وأما مَنْ كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه فليس هو في الصحاح، لكنْ هو ممّا رواه أهل العلم، وتنازع الناس في صحته. وأمّا قوله: اللهُمَّ والِ مَنْ والاه، وعادِ مَنْ عاداه، وانصر مَنْ نصره، واخذُلْ مَنْ خذله، فهو كذبٌ باتّفاق أهل المعرفة بالحديث»([65]).

 

نصّ الحديث

رواه بسنده عن زيد بن أرقم، قال: «لما رجع رسول الله| من حجّة الوداع، ونزل غدير خمّ، أمر بدوحات فقممن([66])، فقال: كأنّي قد دُعيتُ فأجَبْتُ. إني قد تركتُ فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله تعالى؛ وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما؛ فإنهما لن يتفرقا حتّى يردا عليَّ الحوض. ثمّ قال: إنّ الله عزَّ وجلَّ مولاي، وأنا مولى كلّ مؤمنٍ، ثمّ أخذ بيد عليٍّ رضي الله عنه، فقال: مَنْ كنتُ مولاه فهذا وليُّه، اللهُمَّ والِ مَنْ والاه، وعادِ مَنْ عاداه، وذكر الحديث. هذا حديثٌ صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرِّجاه بطوله»([67]).

وقد صححه أيضاً من طريق بريدة الأسلمي([68]).

 

دراسة الحديث وبيان الحقّ

هل يمكن أن يكون ما صرَّح به الخطيب وابن حزم وابن تيمية صحيحاً وفق الموازين العلمية في دائرة علم الحديث، وبالتالي تصح النسبة التساهل إلى الحاكم وغير الحاكم ممَّنْ صحَّحوا هذا الحديث، أم أن هذا الحديث قد أجمع علماء أهل السنّة على صحّته، بل وتواتره، وبالتالي لا يمكن الالتزام بما قالوا؟

إذن لندرس هذا الحديث من ناحيةٍ تطبيقية؛ لنرى ما هو الأرجح: تساهل الحاكم أم اعتداله وإنصافه وإصابته للواقع؟

 

مشاهير الحفّاظ يُخرِّجون الحديث

بلغ تخريج هذا الحديث عدداً لا يُستهان به. وأكتفي بنقل مشاهير هؤلاء العلماء عبر القرون المختلفة.

فقد رواه أحمد بن حنبل، وابن ماجة، والترمذي، والنسائي، وأبو يعلى الموصلي، والطبري، وابن حِبّان، والدارقطني، والحاكم النيسابوري، وابن عبد البرّ، والخطيب البغدادي، وأبو نعيم الإصبهاني، والبيهقي، والبغوي، وابن عساكر، والضياء المقدسي صاحب المختارة، والذهبي، وابن حجر العسقلاني، والسيوطي، وابن حجر المكّي([69])، وغيرهم من الحفّاظ الكبار، الذين لم نذكرهم؛ لأننا نروم الاختصار.

 

شهادة العلماء بكثرة طرق الحديث

وأما طرق حديث الغدير فلا عَدَّ لها ولا حصر، بحيث نجد تصريح علماء أهل السنّة بهذا الكم الهائل من الطرق، التي قد أدهشت بعضهم وأبهرته؛ لكثرتها.

وننقل في هذا الصدد عبارات بعض منهم:

1ـ قال الذهبي: «رأيتُ مجلَّداً من طرق الحديث لابن جرير فاندهشت له ولكثرة تلك الطرق»([70]).

وقال أيضاً عند ترجمته للطبري: «قلتُ: جمع طرق حديث غدير خمّ في أربعة أجزاء، رأيت شطره، فبهرني سعة رواياته، وجزمْتُ بوقوع ذلك»([71]).

وقال أيضاً: «واعتنى بجمع طرقه أبو العباس ابن عقدة، فأخرجه من حديث سبعين صحابياً أو أكثر»([72]).

وقال أيضاً: «…وأما حديث (مَنْ كنتُ مولاه) فله طرقٌ جيِّدة، وقد أفردْتُ ذلك أيضاً»([73]).

2ـ قال ابن كثير الدمشقي، عند ترجمته للطبري: «أبو جعفر بن جرير الطبري…. وقد رأيتُ له كتاباً جمع فيه أحاديث غدير خمّ في مجلَّدين ضخمين»([74]).

3ـ قال ابن حجر العسقلاني: «وأما حديث (مَنْ كنت مولاه فعليٌّ مولاه) فقد أخرجه الترمذي والنسائي، وهو كثير الطرق جدّاً، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، وكثيرٌ من أسانيدها صحاحٌ وحسان»([75]).

لذا نجد أن الشيخ الأميني في موسوعته الغدير ذكر بعض تلك الطرق، قائلاً: «وقد رواه أحمد بن حنبل من أربعين طريقاً، وابن جرير الطبري من نيِّف وسبعين طريقاً، وابن عقدة من مائة وخمسة طرق، وأبو سعيد السجستاني من مائة وعشرين طريقاً، وأبو بكر الجُعابي من مائة وخمسة وعشرين طريقاً. وفي تعليق هداية العقول: عن الأمير محمد اليمني أحد شعراء الغدير في القرن الثاني عشر: إنّ له مائة وخمسين طريقاً»([76]).

 

نماذج تطبيقية لطرق الحديث، ومَنْ قال بصحّتها

في هذا البحث سوف أكتفي بخمسة طرق مع تصحيحها، وإلاّ فالطرق أكثر من ذلك بكثيرٍ، كما تقدَّم. ولكنْ لكي نعطي مصداقية لصحّة هذا الحديث نذكر بعض طرقه، وهي:

1ـ عن علي عليه السلام (صحَّحه ابن حجر العسقلاني)

أخرجه ابن حجر العسقلاني في المطالب العالية، قال: «وقال إسحاق: أخبرنا أبو عامر العقدي، عن كثير بن زيد، عن محمد بن عمر بن عليّ، عن أبيه، عن عليٍّ (رضي الله عنه) قال: إن النبيّ| حضر الشجرة بخمّ، ثم خرج آخذاً بيد عليٍّ رضي الله عنه، قال: ألستم تشهدون أن الله تبارك وتعالى ربّكم؟ قالوا: بلى، قال|: ألستم تشهدون أن الله ورسوله أَوْلى بكم من أنفسكم، وأن الله تعالى ورسوله أولياؤكم؟ فقالوا: بلى، قال: فمَنْ كان الله ورسوله مولاه فإنّ هذا مولاه، وقد تركت فيكم ما إنْ أخذْتُم به لن تضلُّوا: كتاب الله تعالى سببه بيده، وسببه بأيديكم؛ وأهل بيتي». ثمّ قال: «هذا إسنادٌ صحيح»([77]).

 

2ـ عن أبي الطفيل (صحَّحه الهيثمي والألباني)

أخرجه أحمد بن حنبل بسنده عن أبي الطفيل: «قال: جمع عليٌّ رضي الله تعالى عنه الناس في الرحبة، ثمّ قال لهم: أنشد الله كلّ امرئٍ مسلم سمع رسول الله| يقول يوم غدير خمّ ما سمع لمّا قام، فقام ثلاثون من الناس، وقال أبو نعيم: فقام ناسٌ كثير، فشهدوا: حين أخذ بيده، فقال للناس: أتعلمون أنّي أَوْلى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: مَنْ كنتُ مولاه فهذا مولاه، اللهُمَّ والِ مَنْ والاه، وعادِ مَنْ عاداه، قال: فخرجت وكأنّ في نفسي شيئاً، فلقيتُ زيد بن أرقم، فقلتُ له: إنّي سمعتُ عليّاً رضي الله تعالى عنه يقول: كذا وكذا، قال: فما تنكر، قد سمعت رسول الله| يقول ذلك له»([78]).

قال الهيثمي في مجمع الزوائد: «رواه البزّار وأحمد، ورجاله رجال الصحيح، غير فطر بن خليفة، وهو ثقةٌ»([79]).

وقال الألباني في سلسلته الصحيحة: «أخرجه أحمد وابن حِبّان في صحيحه، وابن أبي عاصم والطبراني والضياء في المختارة، وإسناده صحيحٌ على شرط البخاري»([80]).

وكذلك رواه الترمذي في سننه، بسنده عن النبيّ|، قال: «مَنْ كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه». قال أبو عيسى: «هذا حديثٌ حَسَن صحيح»([81]). وصحَّحه الألباني فقال: «أخرجه الترمذي، قال: حديثٌ حَسَن صحيح. قلتُ: وإسناده صحيحٌ على شرط الشيخين»([82]).

 

3ـ عن سعد بن أبي وقّاص (صحَّحه الألباني)

رواه ابن ماجة في سننه، عن سعد بن أبي وقاص، قال: «قدم معاوية في بعض حجّاته، فدخل عليه سعد، فذكروا عليّاً، فنال منه، فغضب سعد، وقال: تقول: هذا الرجل، سمعتُ رسول الله| يقول: مَنْ كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه»([83]). قال الألباني: «صحيحٌ»([84]).

 

4ـ عن البراء بن عازب (صحَّحه الألباني)

رواه ابن ماجة في سننه، عن البراء بن عازب، قال: «أقبلنا مع رسول الله| في حجَّته التي حجّ، فنزل في بعض الطريق، فأمر الصلاة جامعة، فأخذ بيد عليٍّ رضي الله عنه، فقال: ألستُ أَوْلى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، قال: ألستُ أَوْلى بكلِّ مؤمنٍ من نفسه؟ قالوا: بلى، قال: فهذا وليُّ مَنْ أنا مولاه، اللهُمَّ والِ مَنْ والاه، اللهُمَّ عادِ مَنْ عاداه»([85]). قال الألباني: «صحيحٌ»([86]).

 

5ـ عن رياح بن الحرث (صحَّحه الهيثمي والألباني)

رواه أحمد في مسنده، بسنده عن رياح بن الحرث، قال: «جاء رهط إلى عليٍّ بالرحبة، فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال: كيف أكون مولاكم وأنتم قومٌ عَرَب؟ قالوا: سمعنا رسول الله| يوم غدير خمّ يقول: (مَنْ كنتُ مولاه فإنّ هذا مولاه). قال رياح: فلمّا مضوا تبعتهم، فسألتُ: مَنْ هؤلاء؟ قالوا: نفرٌ من الأنصار، فيهم أبو أيّوب الأنصاري»([87]).

قال الهيثمي في مجمع الزوائد: «ورجال أحمد ثقات»([88]). وقال الألباني: «وهذا إسنادٌ جيّدٌ، رجاله ثقات»([89]).

 

تواتر الحديث

بعدما تقدَّم من بيان مَنْ خرَّج هذا الحديث، وأبان طرقه، لا نلوم مَنْ يجزم بتواتره، وأنّه في أعلى مراتب الصحّة. لذا سوف ننقل جملة من الأعلام الذين صرَّحوا بهذه الحقيقة:

1ـ قال الذهبي: «فالحديث في أعلى درجات الصحّة، وهو من الأحاديث المتواترة»([90]).

2ـ قال ابن حَجَر المكّي: «إنه حديثٌ صحيح لا مرية فيه. وقد أخرجه جماعةٌ، كالترمذي والنسائي وأحمد. فطرقه كثيرة جدّاً، ومن ثَمَّ رواه ستّة عشر صحابياً…. ولا التفات لمَنْ قدح في صحّته»([91]).

3ـ قال ابن كثير الدمشقي: «قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: الحديث متواترٌ، أتيقَّن أن رسول الله قاله»([92]).

4ـ قال الفقيه ضياء الدين المقبلي: «إنْ لم يكن معلوماً فما في الدين معلومٌ»([93])، وهو بذلك يشير إلى أنه في أعلى مراتب الصحّة، ووضوحه كالشمس في رابعة النهار.

5ـ قال الدكتور سعد بن عبد الله الحميد([94]): «وأما حديث مَنْ كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه فهو حديثٌ صحيح، بل متواتر. ولا يجوز أن ينتقد الحاكم على هذا الحديث، بل الذي ينبغي أن يُنتَقَد هو المنتَقِد. ومَنْ أراد مطالعته فليراجع تخريج الشيخ ناصر الدين الألباني لهذا الحديث»([95]).

إلى غير ذلك من الأقوال التي أشارت إلى تواتره، وأنه في أعلى مراتب الصحة.

إذن هذا الحديث في غاية الصحّة والاعتبار، فقد شهد جملة كبيرة من العلماء بصحّته، فضلاً عن كثرة طرقه، فضلاً عمَّنْ خرَّجه وقال بتواتره.

وبالتالي فإنّ شهادة الحاكم النيسابوري بكونه صحيحاً لا تضعه في دائرة التساهل، بل هو من أهل الخبرة في تخريج الأحاديث، والحكم عليها صحةً أو ضعفاً.

 

نتيجة البحث

بعدما تقدَّم من بحوثنا السابقة يمكن لنا أن نستلّ النتائج التالية:

1ـ إنّ الحاكم النيسابوري من محدِّثي أهل السّنة الذين يُشار اليهم بالبَنان، وأنه من أهل الصناعة في هذا الفنّ، وأحاديثه لا تقلّ رتبةً عن أقرانه، بل لا نغالي إذا قلنا: إنّه قد تفوَّق عليهم بما نقده في مستدركه على الصحيحين.

2ـ إنّ الاحتمالات التي فُرضت لتساهله، كتخريجه للأحاديث الضعيفة، أو تصحيحه لها، أو غير ذلك، قد بان وهنها وعدم تماميتها.

3ـ شبهة منهجه في التساهل قد لا نشكّ أن منشأها هو نقله لروايات الفضائل لأهل بيت العصمة والطهارة، وكذلك موقف هذا الحافظ من معاوية الذي غاير فيه بعض المحدِّثين، فغمزوه ولمزوه لذلك.

4ـ دعوى تشيُّع الحاكم حقَّقنا الأمر فيها، واتَّضح بما لا يقبل الشكّ والرَّيْب أن الرجل من أهل السنّة والجماعة، ويسير وفق منهجهم، ولكنّ ذنبه أنّه يُخرِّج أحاديث الفضائل، ويقيِّمها وفق الموازين العلمية الصحيحة، فكانت أحكامه عليها منصفة ومتوازنة.

5ـ إنّ ما صرَّح به الحاكم النيسابوري من الحكم على بعض الأحاديث ـ والتي قد تصبّ في دائرة التشيُّع، كحديث الغدير وغيره ـ صحيحةٌ، وهو مصيبٌ فيها. فهو معتدل ومنصف، وليس العكس. بل يجب أن نعضّ على ما حَكَمَ به بالنواجذ، كما صرَّح بذلك الذهبي([96])، ولا سيَّما أن هناك مَنْ وافقه في هذا التصحيح. وبذلك نُثبت انقلاب الموازين لمَنْ صنَّفه بالتساهل، فليس من الضروري أن تصدق هذه النسبة لهذا الحافظ أو ذاك، بل لعلّ هناك مَنْ أرادهُ أن يكون كذلك وفقاً لأهوائه ورغباته.

6ـ قد لا نجانب الصواب إذا قلنا: إنّ تأثير العامل العَقْدي هو الأساس الذي يساهم في بلورة هذا التصنيف (أي رمي الحاكم بالتساهل). ولذا نجد انعكاس وتجلِّيات هذه الظاهرة على تضعيف بعض الأحاديث، ورمي وطعن بعض حفّاظ الحديث بالتشدُّد أو التساهل، مع أن الواقع قد يغاير ويشهد بغير ذلك، كما حقَّقنا الأمر في هذا البحث.

 

الهوامش

 

(*) أستاذٌ مساعد في جامعة المصطفى| العالميّة. من العراق.

([1]) تأريخ بغداد 3: 94.

([2]) البداية والنهاية 11: 355.

([3]) طبقات الشافعية 4: 156.

([4]) سير أعلام النبلاء 17: 167، 177.

([5]) تاريخ بغداد 5: 474؛ ميزان الاعتدال 3: 608؛ الأنساب 2: 371.

([6]) مقدّمة ابن الصلاح: 24.

([7]) المجموع 7: 64.

([8]) مجموع الفتاوى 1: 97.

([9]) ذكر مَنْ يعتمد قوله في الجرح والتعديل: 171 ـ 172.

([10]) ميزان الاعتدال 3: 608.

([11]) سلسلة الأحاديث الصحيحة 1: 200.

([12]) لا توجد في محتوى الكتابين (صحيح البخاري ومسلم) شروط بمعنى أن البخاري ومسلم ذكرا في صحيحَيْهما؛ وإنّما مَنْ أتى بعدهما قال بهذه الشروط من باب الاستقراء والاجتهاد، لا من باب القطع واليقين. فهي في الحقيقة ظنونٌ أكثر منها قطوع، والظنّ لا يغني من الحق شيئاً. ومن باب المثال: ذكروا أن من الشروط هي أن يخرجا حديث المجمع على كونه ثقة إلى الصحابي. ولكنّ هذا الشرط ردّه الحافظ العراقي بقوله: ليس بجيِّدٍ؛ لأن النسائي ضعَّف جماعة أخرج لهما الشيخان أو أحدهما، بل تجنَّب النسائي كثيراً من رجال الشيخين.

وللعلامة الألباني كلامٌ بهذا الصدد في تعقّبه لحديثٍ من طريق الأعرج، عن أبي هريرة، بلفظ: «وينشئ للنار مكان…»، قال: هذا الشذوذ في هذا الحديث مثال من عشرات الأمثلة التي تدلّ على جهل بعض الناشئين الذي يتعصَّبون لصحيح البخاري، وكذا لصحيح مسلم، تعصُّباً أعمى، ويقطعون بأن كل ما فيهما صحيح! (انظر: اللكنوي، ظفر الأماني: 126؛ السخاوي، فتح المغيث 1: 112؛ الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة 6: 39).

([13]) سلسلة الأحاديث الصحيحة 1: 200.

([14]) السيد أحمد بن الصديق المغربي يستفهم حول وجود شروط البخاري ومسلم، فيقول: «ثم أين هو شرط البخاري ومسلم منصوصاً عليه مقرَّراً حتّى يتبعه الحاكم، وما في مقدّمة مسلم جدال منه للبخاري في مسألة العنعنة فقط، فأين باقي الشروط؟!». (درّ الغمام الرقيق: 62).

([15]) المستدرك على الصحيحين 1: 3.

([16]) المصدر السابق 1: 3.

([17]) مقدّمة فتح الباري: 5.

([18]) شرح صحيح مسلم 1: 26.

([19]) فتح المغيث 1: 46.

([20]) النكت على ابن الصلاح 1: 319.

([21]) انظر: تدريب الراوي 1: 127.

([22]) النكت على ابن الصلاح 1: 320.

([23]) انظر: سير أعلام النبلاء 17: 175.

([24]) انظر؛ مقدّمة كتاب المستدرك: 119، بتحقيق: عبد السلام علوش.

([25]) مجموع الفتاوى 22: 426.

([26]) ميزان الاعتدال 3: 608.

([27]) مقدّمة ابن الصلاح: 11.

([28]) نصب الراية 1: 484.

([29]) طبقات السبكي 4: 160. وقد تقدَّم الكلام في ترجمته في مقدمة البحث، فراجِعْ.

([30]) انظر المصادر التالية؛ سير أعلام النبلاء 17: 171؛ البداية والنهاية 11: 355؛ وفيات الأعيان 4: 281.

([31]) الموقظة في علم مصطلح الحديث: 78، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة.

([32]) أضواء البيان 4: 315.

([33]) المصدر نفسه.

([34]) مقدّمة ابن الصلاح: 23.

([35]) التنكيل 2: 689.

([36]) المصدر السابق 2: 536.

([37]) المصدر نفسه.

([38]) تاريخ بغداد 5: 435.

([39]) سير أعلام النبلاء 17: 175.

([40]) تذكرة الحفّاظ 1: 1045.

([41]) منهاج السنّة 7: 373.

([42]) وهذا ما نطق به في حديث الطَّيْر، الذي صحَّحه الحاكم وغيره من كبار أهل السنّة. وسنأتي على بيان ذلك لاحقاً. (منهاج السنة 7: 373).

([43]) كثيرا ما يُتَّهم ابن تيمية بالوَهْم والخلط وعدم الدقّة في النقل وفي الحكم. ولنضرب مثالاً على ذلك: في حديث (أحبّ أسمائكم إلى الله…) نقده الألباني قائلاً: «وهذا من أوهامه، فإنه كان يكتب من حفظه، قلَّما يراجع كتاباً عندما يكتب». (إرواء الغليل 4: 409).

([44]) انظر: محمد بن عقيل، العتب الجميل: 40.

([45]) انظر: المصدر نفسه.

([46]) سير أعلام النبلاء 14: 133.

([47]) عبارة الذهبي عن ابن طاهر المقدسي في (تأريخ الإسلام 28: 31).

([48]) معالم المدرستين 1: 259.

([49]) فتح المغيث 1: 35.

([50]) راجع المصادر التالية: تاريخ بغداد 5: 473؛ الأنساب 2: 371؛ المنتظم 8: 269؛ منهاج السنة 7: 373؛ سير أعلام النبلاء 17: 165؛ البداية والنهاية 8: 583.

([51]) تهذيب التهذيب 1: 81.

([52]) ميزان الاعتدال في نقد الرجال 1: 6.

([53]) العقد الفريد 2: 245.

([54]) معرفة علوم الحديث: 22.

([55]) المستدرك على الصحيحين 3: 359، 368، 447.

([56]) انظر: مقدمة كتاب معرفة علوم الحديث: 7.

([57]) طبقات الشافعية 4: 167.

([58]) الذريعة 2: 199.

([59]) ميزان الاعتدال 1: 5.

([60]) المصدر نفسه.

([61]) المغني في الضعفاء 1: 220؛ الكاشف 1: 422.

([62]) تقريب التقريب 1: 334.

([63]) البداية والنهاية 11: 409.

([64]) نقله ابن تيمية عن ابن حزم. (منهاج السنة: 7: 320).

([65]) المصدر نفسه 7: 319.

([66]) أي كُنِسْنَ.

([67]) المستدرك على الصحيحين 3: 109.

([68]) المصدر نفسه 3: 110.

([69]) انظر: الأميني، الغدير 1: 41، 144.

([70]) تذكرة الحفاظ 2: 713.

([71]) سير أعلام النبلاء 14: 277.

([72]) تهذيب التهذيب 7: 297.

([73]) تذكرة الحفاظ 3: 1042ـ 1043.

([74]) البداية والنهاية 11: 167.

([75]) فتح الباري 7: 61.

([76]) الغدير 1: 41 ـ 144.

([77]) ابن حجر العسقلاني، المطالب العالية 16: 142.

([78]) مسند أحمد بن حنبل 4: 370.

([79]) الهيثمي، مجمع الزوائد 9: 130.

([80]) سلسلة الأحاديث الصحيحة 4: 331.

([81]) سنن الترمذي 5: 633، ح3713.

([82]) سلسلة الأحاديث الصحيحة 4: 331 ـ 332.

([83]) سنن ابن ماجة 1: 45.

([84]) المصدر نفسه.

([85]) المصدر السابق 1: 43.

([86]) سلسلة الأحاديث الصحيحة، ج4، ح1750.

([87]) مسند أحمد بن حنبل 17: 36، ح23453.

([88]) مجمع الزوائد 9: 104.

([89]) سلسلة الأحاديث الصحيحة 4: 340.

([90]) سير أعلام النبلاء 8: 335.

([91]) ابن حجر الهيثمي، الصواعق المحرقة 1: 106 ـ 107.

([92]) البداية والنهاية 5: 233، حوادث سنة (10هـ).

([93]) الغدير 1: 314، عن كتابه هداية العقول إلى غاية السؤول.

([94]) أستاذ مساعد بجامعة الملك سعود بالرياض، قسم الدراسات الإسلامية.

http://www.alukah.net/Web/homayed/CV/

([95]) سعد بن عبد الله الحميد، مناهج المحدثين: 187.

([96]) ذكر مَنْ يعتمد قوله في الجرح والتعديل: 171 ـ 172.