منهج الحاكم النيسابوري في تصحيح أحاديث الفضائل

7 سبتمبر 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: 1
6٬358 زيارة

منهج الحاكم النيسابوري في تصحيح أحاديث الفضائل

دراسةٌ وتقييم

د. يحيى عبد الحسن الدوخي(*)

 

خلاصة

في هذا البحث سلّطنا الضوء على مفردة في غاية الأهمِّية، وهي ما ورد من شبهة في منهج الحاكم النيسابوري، وهو كونه متساهلاً. مع أن هذا الحافظ قد جمع في مصنفاته كثيراً من روايات الفضائل لأهل البيت^. فانصبّ بحثنا على تحليل هذه الظاهرة (تساهل الحاكم)، فقاربنا ونَقَدْنا مَنْ اتَّهمه بذلك، وأثبتنا أن الحاكم معتدلٌ في أحكامه على تلك الأحاديث، ولا سيَّما التي لها مساس بعقيدة الشيعة، كحديث الغدير وغيره. وبذلك نؤسِّس لمنهجٍ عامّ قد تنقلب فيه المعادلة، فقد يكون المتساهل معتدلاً ومنصفاً، وليس العكس، وتكون كلماته وما ينقله من أحاديث مقبولة ومحلّ اعتماد، بعكس ما اشتهر وكأنّه قاعدة لا يمكن المساس بها. وبذلك نهدم أساساً مغلوطاً سار عليه بعض علماء الجرح والتعديل، ونبني عليه بُنياناً ومنهجاً صحيحاً، وفقاً لموازين علمية رصينة، يمكن من خلاله أن نرتقي بكثير من الأحاديث التي ضُعِّفت، ونرفعها إلى مصافّ الصحة والاعتبار.

 

مدخل البحث

يعتبر المحدِّث والحافظ أبو عبد الله الحاكم النيسابوري من أساطين أهل الصناعة في علم الحديث. اشتهر بكتابه (المستدرك على الصحيحين). وحمل هذا الكتاب في طياته جملة من أحاديث الفضائل، كحديث الغدير، وحديث الطَّيْر، و…

ولكنْ جُوبه هذا المحدِّث بتهمة التساهل، ومن ثم التشيُّع، بحيث نجد أنّ هذه المفردة ـ أي التساهل ـ تُلاك على الألسن، قديماً وحديثاً، وكأنّها منهجٌ تَلبَّس به. ولعلنا نرصد هذه الظاهرة من خلال ما نلمسه من كلمات لابن تيمية، وتلميذه الذهبي، وابن كثير والنووي وغيرهم ـ كما سنأتي على ذكرهم لاحقاً ـ.

ولكن هل هذه الكلمات التي نبزته صحيحة ومطابقة للواقع أم لا؟ ولِمَ لا يكون معتدلاً ومنصفاً، وهو رائد هذا الفنّ والخبير فيه؟! ولعلّ هناك أسباباً أخرى حملت الآخرين على لصق تهمة التساهل، ولعلّ أهمَّها نقلُه لفضائل العترة الطاهرة، أو أنه متشيِّع وغير ذلك.

هذا كله ما سوف نطرقه في هذه المقاربة النقدية؛ لنرى حقيقة هذا الأمر وتجليته بإنصافٍ وموضوعية، وذلك من خلال دراستنا لترجمةٍ مختصرة لحياته، كمقدّمة لمعرفة هذا الحافظ، وما الذي قاله العلماء فيه، وكلمات النقّاد في تساهله، والاحتمالات المفترضة لتساهله، ومناقشتها. وكذلك التحقيق في تهمه تشيُّعه، ودراسة تطبيقية لنموذجٍ من أحاديثه التي رواها في فضائل أهل بيت العصمة والطهارة، ولعلّ أهمّها هو حديث (الغدير)، الذي نضعه في دائرة دراستنا كنموذج لبقيّة الأحاديث، ومن ثم نستلّ نتيجةً لهذا البحث.

ترجمة الحاكم النيسابوري(405هـ)

الإمام محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه الشافعي، الناقد الجهبذ، شيخ المحدِّثين، المشهور بـ (الحاكم النيسابوري). ولد سنة (321هـ) بنيسابور. له تصانيف كثيرة، أشهرها: المستدرك على الصحيحين، ومعرفة علوم الحديث وتاريخ نيسابور، وغيرها.

قال الخطيب البغدادي: كان من أهل الفضل والعلم والمعرفة والحفظ… وكان ثقة([1]).

وقال ابن كثير: وقد كان من أهل الدين والأمانة والصيانة والضبط والتجرُّد والورع([2]).

وقال السبكي: كان إماماً جليلاً، وحافظاً حفياً، اتَّفق على إمامته وجلالته وعظم قدره([3]).

وقال أبو علي الحافظ: إذا رأيته رأيت ألف رجل من أصحاب الحديث([4]).

ولكنْ مع ثناء العلماء وفضله ـ بل إنّ كل مَنْ جاء بعده فهم عيالٌ عليه ـ لم يسلم من غائلة التساهل، وكانت موجة الاتِّهامات تنهال عليه من حَدْبٍ وصَوْب؛ فاتَّهمه الخطيب البغدادي والذهبي والسمعاني وغيرهم بالتشيُّع([5])، والتساهل. وهي نسبةٌ باطلة، كما سيأتي بيانه.

 

كلمات النقّاد في تساهله

أـ قال ابن الصلاح: «واسع الخطو في شرط الصحيح، متساهل في القضاء به، فالأَوْلى أن نتوسّط في أمره…»([6]).

ب ـ قال النووي: «الحاكم متساهل، كما سبق بيانه مراراً»([7]).

ج ـ قال ابن تيمية: «إن أهل العلم متَّفقون على أن الحاكم فيه من التساهل والتسامح في باب التصحيح، حتّى أن تصحيحه دون تصحيح الترمذي والدارقطني وأمثالهما»([8]).

هـ ـ قال الذهبي: فقد تقدَّم القول بأن الترمذي والحاكم متساهلون([9]). وقد ذكر أيضاً أنه يصحِّح في مستدركه أحاديث ساقطة ويكثر من ذلك([10]).

و ـ قال العلامة الألباني ـ وهو من المعاصرين ـ: «وتساهل الحاكم في التصحيح معروف»([11]).

نكتفي بهذه الأقوال التي نسبت التساهل إلى عَلَمٍ من أعلام الجرح والتعديل، وسنأتي لتحقيق هذا الأمر في البحث اللاحق.

 

الاحتمالات المفترضة لنسبة تساهل الحاكم، ومناقشتها

إنّ ما نُسب إلى الحاكم من نسبة التساهل يمكن أن نحقِّقه بإنصافٍ ورويّة، وذلك من خلال مناقشتنا للأسباب أو الاحتمالات التي أدَّتْ إلى القول بتساهله. فهل هذه العلل كافيه لإسقاط أحاديثه؛ بحجّة أنه يُصحِّح الضعيف، أو أن هناك مبرّرات أخرى تنطوي تحت هذه المقولات، ولعلّها هي السبب الحقيقي وراء ما اتُّهم به.

إذن لنفتش في هذه الأقوال، ونضعها في الموازين العلميّة؛ لنخرج بنتيجةٍ تجعلنا نقتنع بأن هذه النسبة مطابقة للواقع أو لا؟ فلا بُدَّ من استقصاء الأسباب أو الاحتمالات التي نُسبت إليه. وبحسب استقرائنا هي كالتالي:

 

1ـ تخريج أحاديث ليست في الصحيحين وليست على شرطهما([12])

وهذا ما نجده في كلمات الذهبي، حين قال: «ولا رَيْب أن في (المستدرَك) ‏أحاديث كثيرة ليست على شرط الصحّة، بل فيه أحاديث موضوعة، شَانَ المستدرك بإخراجها فيه»([13]).

والجواب: إن البخاري ومسلم لم يصرِّحا بذكر شروطهما في كتابَيْهما([14])؛ ومضافاً إلى ذلك فإن الحاكم قد استبق هذا الإشكال عندما سأله جماعةٌ من أعيان أهل العلم أن يجمع كتاباً يشتمل على أحاديث مرويّة بأسانيد مشابهة لأسانيد البخاري ومسلم، فقال: «وأنا أستعين بالله على إخراج أحاديث رواتها ثقات، قد احتجّ بمثلها الشيخان أو أحدهما، وهذا هو شرط الصحيح عند كافّة فقهاء أهل الإسلام: أن الزيادة في الأسانيد والمتون من الثقات مقبولة. والله المعين على ما قصدْتُه، وهو حسبي ونعم الوكيل»([15]).

فالحاكم في هذه العبارة كان واضحاً ودقيقاً جدّاً. فركّز على كلمة (بمثلها)، أي إن الأحاديث التي خرَّجها هي مثل ما احتجّ بها الشيخان. فقد يذكر الحاكم أسانيد تحتوي على نفس الرواة الذين ذكرهم البخاري، وقد لا يذكر ذلك، ويكتفي بأنهم ثقات أثبات. لذا أردف كلامه المتقدِّم بقوله: إن البخاري ومسلم «لم يحكما، ولا واحد منهما، أنه لم يصحّ من الحديث غير ما خرَّجه»([16]).

وقصد الحاكم واضحٌ، فإن الحديث ليس من الضرورة أن يكون في نفس صحيح البخاري ومسلم فنحكم بصحّته. كلاّ، فالأمر ليس كذلك؛ لأن نفس البخاري ومسلم صرَّحا بعدم استيعابهما لكلّ الأحاديث الصحيحة. قال البخاري: «ما أدخلت في كتابي الجامع إلاّ ما صحّ، وتركت من الصحيح حتّى لا يطول»([17]).

وقال مسلم: «إنما أخرجت هذا الكتاب وقلتُ: هو صحاح، ولم أقُلْ: إن ما لم أخرِّجه من الحديث في هذا الكتاب فهو ضعيفٌ»([18]).

وأيضاً تناول السخاوي هذا الأمر بوضوحٍ وجلاء بقوله: إنهما «لم يستوعبا كل الصحيح في كتابَيْهما، بل لو قيل: إنهما لم يستوعبا مشروطهما لكان موجهاً»([19]). فهما لم يستوعبا تخريج كلّ الأحاديث الصحاح، وكذلك لم يستوعبا شروطهما.

إذن فقَيْد(المِثْليّة) التي ذكرها الحاكم هي إشارة إلى وصف الرواة بكونهم موثقين، ودرجتهم تماثل ما أخرجه البخاري ومسلم.

وهذا ما جعل الحافظ العراقي يردّ على ابن الصلاح وابن دقيق العيد والذهبي في قولهم: إنه لم يخرِّج على شرط الشيخين([20])، بقوله: «إن ذلك ليس منهم بجيّدٍ؛ لأن قوله: بمثلها أي بمثل رواتها، لا بما هم أنفسهم. ويحتمل أن يراد بمثل تلك الأحاديث، وإنما تكون مثلها إذا كانت بنفس رواتها»([21]).

ثم إن هذا القول لا يتعارض مع قول ابن حجر، الذي اعترض فيه على شيخه العراقي، وأبدى رأيه بأن نظرالحاكم إلى نفس الرواة، لا المثلية.

قال: «ولكن تصرّف الحاكم يقوّي أحد الاحتمالين اللذين ذكرهما شيخنا ـ أي العراقي ـ، فإنه إذا كان عنده الحديث قد أخرجا أو أحدهما لرواته قال: صحيح على شرط الشيخين، أو على شرط أحدهما. وإذا كان بعض رواته لم يخرجا له قال: صحيح الإسناد فحَسْب»([22]).

وجوابه: سواءٌ قلنا: إن مراد الحاكم أنه يخرِّج للثقات بمثل ما فعله البخاري، أو إنه يروي بمثل شروط البخاري، فالنتيجة أن الحاكم شرطه هو أن يكون السند مشتملاً على الرواة الثقات، ومتصلاً وخالياً من الشذوذ والعلّة. وهذا مؤدّاه صحة الحديث. مع ملاحظة مهمّة، وهي أن البخاري ومسلم لم يستوعبا كلّ الأحاديث الصحيحة، ولم يستوعبا شروطهما، كما تقدم آنفاً عن السخاوي.

ومن هنا يبطل قول أبو سعد الماليني، من أنه لم يَرَ في المستدرك حديثاً على شرطهما. وقد أنكر الذهبي ذلك عليه بشدّة، وأنه ليس له الأهلية لهذا الكلام، بل هو مكابرةٌ وغلوّ؛ لأن في المستدرك شيءٌ كثير على شرطهما، وشيءٌ كثير على شرط أحدهما([23]).

وهناك مَنْ اعتبر أنّ الماليني إنّما قال ذلك للحسد، فهو قرينٌ ومعاصر للحاكم. قال: «وأما قول أبي سعد الماليني فهو قولُ قرينٍ للحاكم، حمله على ذلك شيء مما يقع بين المتعاصرين من المشاحّة والمنازعة، وأما إذا كان عنى ما يقول فهو جاهل لم يَشُمّ رائحة الصحيح»([24]).

وحينئذٍ نقول: لا يمكن أن نلوم الحاكم أو شيخه الدارقطني أو ابن حِبّان لو صنّفوا ورووا أحاديث صحيحةً وغير موجودة في الصحيحين، ومن ثم يكونون مظنّةً لكونهم من المتساهلين. وكذلك يندفع ما أوردوه وأشكلوه على الحاكم، كالذهبي في تلخيص المستدرك وغيره؛ لأن فيه بعض الرواة، ولم يخرِّج لهم البخاري.

إذن هذا الاحتمال غير وارد. ودعوى التساهل المترتِّبة عليه ساقطة، ولا يمكن القبول بفرضيتها.

 

2ـ تصحيح الأحاديث الضعيفة

هذه الدعوى نقرؤها في كلمات ابن تيمية، وتلميذه الذهبي، وابن الصلاح، والزيلعي. وتكاد تكون كلماتهم متّفقة على أن الحاكم متساهلٌ لهذه العلة.

ولكنْ ما مدى مصداقيّة هذه الأقوال؟ وهل ما اتفقوا عليه يلامس الواقع أم لا؟

يحسن بنا أن ننقل بعض تلك الآراء، ومن ثم نناقشها ونتأمَّل فيها، ومن ثم نقيِّمها.

قال ابن تيمية: «وكثيراً ما يصحِّح الحاكم أحاديث يُجزم بأنها موضوعة لا أصل لها»([25]).

وقال الذهبي: «يصحِّح في مستدركه أحاديث ساقطة، ويُكثر من ذلك»([26]).

وقال الحافظ ابن الصلاح: «وهو واسع الخطو في شرط الصحيح، متساهلٌ في القضاء به»([27]).

وقال الزيلعي: «الحاكم عرف تساهله وتصحيحه للأحاديث الضعيفة، بل الموضوعة»([28]).

إذن من خلال هذه المفردات التي صرَّح بها هؤلاء العلماء يظهر أن الحاكم يُصحِّح الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ومن ثم يحكم ويقضي عليها بالصحّة.

والجواب: لكي نقف على صحّة هذه الدعوى وهذه الرؤية لا بُدَّ لنا أن نرجع قليلاً إلى ما قالوه في تصحيحات الحاكم، وبعبارةٍ أخرى: هل الحاكم مؤهَّل لهذه الصناعة، وهو محلّ اعتماد للحفّاظ والمحدِّثين، أم لا؟

فنقول بضرسٍ قاطع: نعم الحاكم هو شيخ المحدِّثين في هذه الصناعة، وغيره عيالٌ عليه. فهو ذلك الإمام الذي وصفه كثيرون بأنه من أهل الدين والأمانة والصيانة والضبط والتجرُّد والورع و…. وهو إمامُ أهل الحديث، والمؤلِّف فيه الكتب التي لم يسبق إلى مثلها، فكان عالماً عارفاً بدقائقها وتفاصيلها، ناظره شيخه الدارقطني فرضيه، ويكفيه فخراً أن أبا علي الحافظ كان إذا رأى الحاكم يعدّه بألف رجلٍ من أصحاب الحديث([29]). وقد تبعه وقلّده الآخرون في منهجه ورؤاه التي أبدع في صياغتها، فخرجت بأكثر من ألف جزءٍ؛ فمن المستدرك والإكليل والمدخل؛ إلى معرفة المستدرك وتأريخ نيسابور؛ فالأمالي؛ فالضعفاء والعلل ومعجم الشيوخ ومعرفة علوم الحديث؛ ومروراً بفضائل فاطمة ومقتل الحسين’، وغير ذلك الكثير.

وبتعبيرٍ موجز نقتنصه من فم الذهبي: هو بحرٌ من بحور العلم، صنَّف وخرَّج وجرح وعدَّل وصحَّح وعلَّل([30]).

هذا هو حال الحاكم النيسابوري في هذا الفنّ. فمن غير الصحيح والمنطقي أن نطلق الأحكام بهذه العجالة، ونسقط ما خرَّجه وصحَّحه، وهو الدقيق والحصيف وصاحب المعرفة، ويُعَدّ بألف رجل من أصحاب الحديث.

ثم تعالَ معي عزيزي القارئ لننظر كيف قُيِّمَتْ أحكام هذا الحافظ على الأحاديث، بلسان بعض العلماء. ولنأخذ نماذجَ من هذه الأقوال:

1ـ قال الحافظ الذهبي في الموقظة، في كلامه حول الراوي (الثقة): «فإن خُرِّج حديث هذا في الصحيحين فهو موثق بذلك، وإنْ صحّح له مثل الترمذي وابن خزيمة فجيد أيضاً، وإنْ صحّح له مثل الدارقطني والحاكم فأقلّ أحواله حَسَن حديثه»([31]).

إذن الراوي الذين يخرِّج له الحاكم ويُصحِّحه أقلّ أحواله كونه حَسَن الحديث. ولكنّنا نجد أن الذهبي، وفقاً لما تقدَّم، قد نقده وأسقط بعض أحاديثه. وهذا تناقضٌ واضح.

2ـ يؤيِّد الإمام الشنقيطي حُسْن أحاديثه وصحّتها، فأحاديث الحاكم على فرض ـ جَدَلي ـ التسليم بالتساهل فيها لا يلزم من ذلك أنه لا يقبل له تصحيحٌ مطلقاً. قال: «ورب تصحيح للحاكم مطابق للواقع في نفس الأمر»([32]). ومن هنا نجده يردّ على النووي، الذي اتَّهم الحاكم بالتساهل، بقوله: «وتصحيحه لحديث أنس (في حديث الطَّيْر) المذكور لم يتساهل فيه. ولذا لم يُبْدِ النووي وجهاً لتساهله فيه، ولم يتكلَّمْ في أحدٍ من رواته، بل هو تصحيح مطابق للواقع»([33]).

إذن فقد تكون تصحيحات الحاكم مطابقة للواقع ويجب التسليم والأخذ بها، ولا يلزم من ذلك طرحها أو أنها ضعيفة أو موضوعة.

3 ـ قال الحافظ ابن الصلاح، في نقاشه لأبي عبد الله محمد بن يعقوب بن الأخرم، الذي قال: إنه قلّما يفوت البخاري ومسلماً من الأحاديث الصحيحة: «فإن الحاكم قد استدرك عليهما أحاديث كثيرةً، وإنْ كان في بعضها مقالٌ، إلاّ أنه يصفو له شيءٌ كثير»([34]). فابن الصلاح هنا يُسلِّم بأن للحاكم استدراكات كثيرة على الصحيحين، وهي على شرطهما، وانْ كان بعضها القليل فيها نقاشٌ أو مقال، بحَسَب رأي ابن الصلاح.

ولكنّنا نقول لابن الصلاح: لعلّ هذا القليل هو من المتابعات والشواهد التي كان يدرجها الحاكم، والغرض منه هو تقوية الأحاديث، وليس الانفراد بها؛ أو لعلّه أخرجها لزيادة فيها، أو مخالفة للسياق برأيه، فهو أعلم بالأسانيد وطرقها. فلا يُعاب على الحاكم هذا الصنيع، فهو العالم بطرق الحديث ومضامينه ودلالاته.

3 ـ قال العلاّمة المعلمي، في معرض ردِّه على الكوثري، الذي استشهد بقول ابن حجر: إنه حصل له تغيُّر وغفلة في آخر عمره: «وأما قول الكوثري: اختلط (أي الحاكم) اختلاطاً شنيعاً، فمجازفةٌ، بل لم يختلط([35]). وقال أيضاً: مع هذا كلِّه لم يقع خللٌ ما في روايته؛ لأنه إنما كان ينقل من أصوله المضبوطة، وإنّما وقع الخلل في أحكامه. فكلّ حديث في (المستدرك) فقد سمعه الحاكم كما هو، هذا هو القَدْر الذي تحصل به الثقة…»([36]).

هذا الكلام من المعلمي نحرز من خلاله أن الحاكم النيسابوري ينقل من أصوله المضبوطة، ولا يوجد اختلاطٌ في ما ينقله، ولم يقع الخلل في روايته، وهذا هو القَدْر المتيقَّن الذي يحصل به الثقة. لذا نجد أن المعلمي في ثنايا كلامه عن الحاكم يصفه أنه: «إمام مقبول القول في الجرح والتعديل»([37]).

وأما الأحكام التي لم يَرْتَضِها المعلمي، ويرى أن هناك خللاً فيها، فأمرها سهلٌ، بعدما تقدَّم من ضبط أصوله؛ لأن الحاكم يتكلَّم وينطق بعلمٍ. وقد قلنا: إنّه بشهادة الذهبي وابن كثير وغيرهم من بحور العلم، وإنه من أهل الأمانة والصيانة والضبط والتجرُّد والورع، وهو إمام أهل الحديث.

فلعلَّنا لو تجرَّدنا ودقَّقنا الأمر بإنصافٍ لوجدنا أن هناك سبباً آخر وراء هذه التهمة، هي التي جعلت الحاكم في مظنّة التساهل، ومظنّة حكمه على الأحاديث الضعيفة بالصحّة. وهذا ما يُجيبنا عنه الاحتمال الثالث.

 

3ـ ذكر فضائل أهل البيت^، وتخريجه لها

نختصر ما قالوه بنقلنا لعبارة الخطيب البغدادي، حيث قال: «وكان ابن البيِّع يميلُ إلى التشيُّع؛ فحدَّثني أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الأرموي، بنيسابور، وكان شيخاً صالحاً فاضلاً عالمًا، قال: جمع الحاكمُ أبو عبد الله أحاديث زعم أنها صحاحٌ على شرط البخاري ومسلم، يلزمهما إخراجها في صحيحَيْهما، منها: حديث الطائر، ومَنْ كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه، فأنكر عليه أصحاب الحديث ذلك، ولم يلتفتوا فيه إلى قوله، ولا صوَّبوه في فعله»([38]).

فتخريجه لحديث الطير، وحديث مَنْ كنتُ مولاه، كانت السبب الجليّ في كونه متساهلاً. ولكنّ الحق أن هذه الأحاديث صحيحةٌ، وليست ضعيفة، كما سيأتي في تحقيق ذلك لاحقاً.

 

4ـ موقفه من معاوية

كان الحاكم ينأى بنفسه عن نقل فضائل معاوية، بحيث كسروا منبره الذي كان يحدِّث فيه، ومُنِع من الحديث، وبعبارةٍ معاصرة: كانت عليه إقامة جبرية، وكان بإمكانه أن تُرفَع عنه لو نطق بحديث بفضائل معاوية، ولكنْ أبَتْ نفس الحاكم وقلبه أن تنطق بحرفٍ واحد. لذا نجد بعض المحدِّثين يؤاخذ الحاكم على ذلك.

ينقل لنا الذهبي عن ابن طاهر صورة رفض الحاكم وموقفه من معاوية. قال: «قال ابن طاهر: كان شديد التعصُّب للشيعة في الباطن، وكان يظهر التسنُّن في التقديم والخلافة، وكان منحرفاً غالياً عن معاوية، يتظاهر بذلك، ولا يعتذر منه. سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: دخلتُ على الحاكم وهو في داره، لا يمكنه الخروج إلى المسجد؛ وذلك أنهم كسروا منبره، ومنعوه من الخروج، فقلتُ له: لو خرجْتَ وأملَيْتَ في فضائل هذا الرجل (أي معاوية) حديثاً لاسترَحْتَ من المحنة، فقال: لا يجيء من قلبي، لا يجيء من قلبي»([39]).

والذهبي يشاطر ابن طاهر في هذه الرؤية، ولكنه يعترض عليه في أنه كان مُعظِّماً للشيخين، فهو شيعي لا رافضي. وكان يتمنّى أمنيةً لم تتحقَّق له، وهي عدم تصنيف الحاكم لكتاب المستدرك، والعلّة معاوية!

قال: «قلتُ: أما انحرافه عن خصوم عليٍّ فظاهرٌ. وأما أمر الشيخين فمعظِّمٌ لهما بكلّ حالٍ. فهو شيعي لا رافضي. وليته لم يصنِّف المستدرك فإنه غضَّ من فضائله بسوء تصرُّفه»([40]).

وأدلى ابن تيمية بدلوه أيضاً، فقال: «هذا مع إن الحاكم منسوبٌ إلى التشيُّع، وقد طُلِبَ منه أن يروي حديثاً في فضل معاوية فقال: ما يجيء من قلبي، ما يجيء من قلبي. وقد ضربوه على ذلك فلم يفعل. وهو يروي في الأربعين أحاديث ضعيفةً، بل موضوعةً عند أئمّة الحديث، كقوله بقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين»([41]).

وابن تيمية ـ كعادته ـ كلَّما وجد حديثاً في فضائل عليٍّ× يطلق أحكامه بتضعيفها أو وضعها، بدعوى أن الإجماع أو أن أئمّة الحديث ضعَّفوها، أو أنه من المكذوبات الموضوعات عند أهل العلم والمعرفة بحقائـق النقل([42]). وهكذا يعطي العنان لنفسه بذكر هذه الألفاظ بلا درايةٍ في علم الحديث. فلا نجده يتكلَّم بدليلٍ علمي رصين، بحيث ينقل لنا طرق الحديث ومتابعاته وشواهده، ومن ثمّ الحكم عليه([43]).

إذن فالحاكم وفق هذه الرؤية وهذه النصوص لم يجِئْ من قلبه أن يحدِّث بفضائل معاوية. والسبب واضحٌ؛ لأنه خبير بما تحويه السنّة النبوية، وهو واقف عليها وعلى دقائقها وتفاصيلها. فمعاوية قد ذمَّه رسول الله| في أكثر من مناسبةٍ، فالحقّ بنظره أن يذكر مساوئه ومثالبه، لا أن يتكلَّم بفضائله. وقد سبقه الحافظ النسائي في هذه المحنة، فضُرب حتّى قُتل إثر ذلك؛ لأنه لم يتكلَّم بفضائل معاوية، وقد صرّح أنه كيف ينقل فضائله وهو لا يعرف له إلاّ (لا أشبع الله بطنه)([44])، أي دعاء النبيّ في حقّه؟! والغريب أن هناك مَنْ جعل هذه منقبة لمعاوية([45]).

لذا اتُّهم النسائي بالتشيُّع؛ لأنه لم ينقل فضائل معاوية، أو لأنه كتب في خصائص أمير المؤمنين×. قال الذهبي: «إن فيه قليلَ تشيُّع وانحراف عن خصوم الإمام عليٍّ، كمعاوية وعمرو، والله يسامحه»([46]).

إذن كان الباب مفتوحاً للحاكم، ويمكن أن يستريح من المحنة لو تكلَّم برغبات بعض مَنْ يدافع عن السلطة الأموية، ولكنْ لا بُدَّ من دفع الثمن. فدعوى تساهل الحاكم واضحةٌ.

فلو لم ينقل الفضائل، وكان يُحدِّث بفضائل معاوية، لانقلبت المعادلة، ولكان الحاكم من المتشدِّدين، وأحاديثه يجب العضّ عليها بالنواجذ، ولما قال فيه بعضهم: إنه ثقةٌ في الحديث، رافضيّ خبيث([47])؛ لأنهم يعلمون جيداً مَنْ هو الحاكم. ولكنْ نسي هذا الشيخ أو تناسى أنه إذا كان ثقةً في الحديث فهو صادقٌ في النقل، وهذا يؤهِّله لأن يلتزم بما ينقل ويُحدِّث. ولكنْ من السهل إطلاق كلمات الرفض أو الخبث أو أنه شيعي، وبتعبير العلامة العسكري: هو قتلٌ معنوي للرواة والمحدِّثين، وأحيانا يُقتل جسدياً الراوي الذي يروي ما يخالف مصلحة مدرسة الخلفاء([48]).

هذه هي الحقيقة التي لا مناص منها، ويجب الإذعان لها، والتأمُّل فيها مليّاً. فالمعيار هو نقل فضائل عليّ وأهل بيته^، والكلام حول معاوية. فلو تجرَّد هذا الراوي أو المحدِّث