منهج دراسة المسائل الاقتصادية

16 مارس 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
314 زيارة

منهج دراسة المسائل الاقتصادية

الصدر أنموذجاً

د. أبو القاسم اليعقوبي(*)

ترجمة: السيد حسن علي مطر

 

 مقدّمة ــــــ

هناك الكثير ممَّنْ يسعى إلى طرق باب المسائل السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولكنهم لا يعثرون على نقطة الانطلاق بشكل صحيح، أو إنهم يهابون الدخول في مثل هذه المسائل. وإذا تمكَّنوا من تذليل صعوبات الانطلاقة الأولى فإنهم يحتاطون في بيان ما توصَّلوا إليه، ويبالغون في هذا الاحتياط.

بيد أن السيد الشهيد محمد باقر الصدر من الفقهاء القلائل والأفذاذ الذين كانت لهم خطوات واسعة ومثمرة في مجال التعريف بالمفاهيم الدينية، وحلّوا الكثير من العُقد والمعضلات. فقد كان السيد الشهيد يسعى إلى تشخيص الداء بشكل صحيح، ويحاول وضع العلاج الناجع. وكان يعرف مداخل المباحث ومخارجها بشكل علمي، وكان يُظهر ما توصَّل إليه بكلّ جرأة وشجاعة ووضوح. وكان يستحثّ الأفكار إلى السعي والنشاط، ويأخذ الظروف الزمانية والمكانية بنظر الاعتبار، ويعمل على طرح الدين الإسلامي بشكل منطقي، ومنسجم مع المتغيّرات المعاصرة، متجنِّباً تكرار ما سبق أن ذكره المتقدِّمون، ساعياً إلى فتح آفاق جديدة، وسلوك أودية غير مطروقة.

ومن تلك الأودية غير المطروقة التي خاض السيد الشهيد في فجاجها بشكل صحيح ودقيق، وعلّم الآخرين وأرشدهم إلى فجواتها ومداخلها، المسائلُ الاقتصادية في الإسلام. وقد شكَّلت بحوثه العلمية والفقهية في هذا المجال منعطفاً في طرح هذا النوع من المباحث، وترك لنا الكثير من الإبداعات التي يمكن لكلّ واحد منها أن يشكِّل دعامة مفعمة بالعطاء العلمي في الثقافة الشيعية. مضافاً إلى الكتابات والمقالات المتفرّقة حول موضوع المباحث والطرق الرئيسة للاقتصاد الإسلامي يجب التذكير بكتاب (اقتصادنا)، الذي لا يزال ـ بعد مضي عقود على تأليفه ـ في صدارة المؤلفات الإسلامية في موضوع الاقتصاد، وعلى حدّ تعبير أحد تلاميذ السيد الشهيد: «لا تزال الأبعاد العميقة لهذا الكتاب مجهولة حتى في مجتمعاتنا»([1])، أو على حدّ تعبير شخص آخر من تلاميذ السيد الشهيد: «من وجهة نظري لم يسبق أن تمّ تأليف كتاب مثل كتاب (اقتصادنا)، كما لم يؤلَّف مثله كتاب حتّى بعد مضي ربع قرن على تأليف هذا الكتاب»([2]).

وبالإضافة إلى ذلك فإنّ المؤلفات الاقتصادية للسيد الشهيد ـ وخاصّة كتاب (اقتصادنا) ـ قد ساهمت في خلق تيارات فكرية إسلامية، وكانت بارقة أمل للمتعطِّشين إلى الثقافة الإسلامية، وحثَّتهم على القراءة والبحث والتحقيق المبدع في المصادر الدينية؛ إذ «منذ أن تمّ تأليف كتاب (اقتصادنا) من قبل السيد الشهيد محمد باقر الصدر ساد توقُّع بين جميع المفكِّرين في البلدان الإسلامية بأن تتمّ دراسة المسائل الاقتصادية في ضوء (الاقتصاد الإسلامي)، واكتشاف حلولها النظرية في الوهلة الأولى، ليصار بعد ذلك إلى تطبيقها على المستوى العملي، عندما يتمّ تأسيس الدولة الإسلامية؛ من أجل رفع الأزمات والمشاكل الاقتصادية»([3]).

وفي هذه المقالة ستكون لنا إطلالة عابرة على أساليب دراسة المسائل الاقتصادية من وجهة نظر هذا الفقيه الفذّ، وكلّنا ثقة ويقين بأن أفكار السيد الشهيد ومؤلَّفاته ستنفع المجتمع الإسلامي والحوزات العلمية والجامعات، وسوف تعبِّد الطريق لمواصلة الدرب، ولكي تكون ملهمة للنظام الإسلامي والمسؤولين في الدولة.

إننا نسعى في هذه المقالة إلى بيان الأساليب والطرق الإبداعية التي قام بها السيد الشهيد في مجال الاقتصاد الإسلامي. ولكنْ حيث إن المباحث في هذا المجال شديدة التشعّب والسعة سنكتفي ببيان قطرة من هذا المحيط، مكتفين بالمسائل الجوهرية والأساسية.

وقبل الدخول في صُلب الموضوع نشير إلى ثلاثة خصائص عامّة من خائص أسلوب كتابة السيد الشهيد الصدر، وهي:

 

 1ـ الكتابة الاستيعابية والمنهجية ــــــ

إن اتّساع رقعة العلوم البشرية، والتوظيف العميق للأدوات والوسائل الجديدة في البحوث، يفتح كلّ يوم أمام الباحثين والمحقِّقين آفاقاً جديدة. وفي القرن الأخير، وإثر بعض الأحداث والثورات العلمية والمدرسية في العالم، عمد هؤلاء الفقهاء إلى توظيفها، فانعكست في آثارهم بشكلٍ كبير، وحثّهم ذلك إلى توسيع وزيادة الأساليب الحديثة في طرح المباحث والمسائل.

وقد تركت هذه الحقيقة تأثيرها على البنية التحقيقية في حوزات العلوم الدينية، الأمر الذي حمل العلماء والفقهاء الواقعيين والخبراء بالمرحلة على اختيار الأساليب الحديثة في عملية تبيين التعاليم الدينية، وتجسيد حقيقة الإسلام الواقعي والصحيح.

ومن أولئك الفقهاء المبدعين والطليعيين الأستاذ السيد الشهيد محمد باقر الصدر. فقد كان هذا العالم العملاق، بالإضافة إلى إحاطته بالعلوم الحوزوية وإشرافه الكامل عليها، يتمتَّع أيضاً بأسلوب خاصّ ومبدع في طرح المسائل الفقهية والتعاليم الدينية. فلم يكن ليقنع بمجرّد إضافة فرع على الفروع السابقة، أو أن يضيف هامشاً وحاشية على سائر الهوامش والحواشي السابقة، بل كان يرنو إلى مواكبة الزمن والحاجة المستحدثة، وتوظيف الأساليب الجديدة والمنهجية في التعاطي مع المصادر والتعاليم الدينية، وعرضها وتقديمها بشكل منهجي منتظم. وقد انعكست هذه الرؤية الشاملة والمنهجية للمسائل في جميع المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية على أفكاره وآثاره بشكل خاصّ. ولكنها تجلّت في مجال دراسة المسائل الاقتصادية بشكلٍ أكبر.

يرى السيد الشهيد وجود علاقة وثيقة بين الاقتصاد الإسلامي والمسائل العقائدية والأخلاقية والعاطفية والنظام السياسي. ومن هنا فقد ذهب إلى القول بوجوب عدم الفصل بين الاقتصاد الإسلامي وسائر الأجزاء الدينية الأخرى. وقال سماحته ما مضمونه: هناك بين الشكل العام للنظام الإسلامي والأساس الخاصّ الذي يقوم عليه نوع من الترابط، وإنّ الغفلة عن هذه الحقيقة تعرِّض الباحث في دراسته الاقتصادية للكثير من حالات التشكيك والتناقض في النصوص.

من هنا فإن السيد الشهيد يقدِّم في كتاباته وتحقيقاته الاقتصادية طرحاً منهجياً منسجماً؛ وذلك حيث يقول: «إننا في وعينا للاقتصاد الإسلامي لا يجوز أن ندرسه مجزّأً بعضه عن بعض، نظير: أن ندرس حكم الإسلام بحرمة الربا، أو سماحه بالملكية الخاصّة، بصورة منفصلة عن سائر أجزاء المخطَّط العام… وإنما يجب أن نعي الاقتصاد الإسلامي ضمن الصيغة الإسلامية العامّة التي تنظم شتّى نواحي الحياة في المجتمع، كما ندرك الشيء المحسوس ضمن صيغة عامة تتألف من مجموعة أشياء. وتختلف النظرة إلى الشيء ضمن الصيغة العامة عن النظر إليه خارج تلك الصيغة أو ضمن صيغة أخرى»([4]).

وبذلك ندرك أن الاقتصاد الإسلامي جزءٌ من كلّ. وعليه يجب على الباحث الذي يروم الكشف عن المذهب الاقتصادي في الإسلام أن ينظِّم قراءته وأبحاثه من خلال هذه الرؤية المنهجية؛ لكي يصل إلى النتائج المناسبة والمطلوبة.

 

 2ـ المذهب الاقتصادي ــــــ

يذهب السيد الشهيد إلى الاعتقاد بأنّ على المحقِّق في المباحث الاقتصادية أن يعمل قبل كلّ شيء على الفصل بين مقولة علم الاقتصاد والمذهب الاقتصادي، وأن لا يخلط بينهما في العملية التحقيقية؛ لكي يغدو فهم البحوث الاقتصادية عليه أيسر.

وهذا ما بيَّنه سماحته في سائر كتاباته، وفي موضعين من كتاب (اقتصادنا)، وقد توصل من خلالهما إلى معيار وميزان استعادة استيعابهما، حيث يقول: «إن علم الاقتصاد هو العلم الذي يتناول تفسير الحياة الاقتصادية وأحداثها وظواهرها، وربط تلك الأحداث والظواهر بالأسباب والعوامل العامة التي تتحكّم فيها… بينما المذهب الاقتصادي للمجتمع عبارة عن الطريقة التي يُفضّل المجتمع اتّباعها في حياته الاقتصادية، وحلّ مشاكلها»([5]).

وعلى الرغم من أن علم الاقتصاد السياسي قد ظهر في القرون المتأخرة، وترعرع في طليعة العصر الرأسمالي بشكلٍ كبير، بيد أنّ جذوره العلمية تمتدّ لأبعد المراحل التاريخية. فقد ساد نوع من التفكير الاقتصادي في جميع الحضارات بما يتاسب والمساحة التي تسيطر عليها، وكانت تعمل على توظيف البرامج والمشاريع الاقتصادية العامة والجزئية، آخذين بنظر الاعتبار المدّة الزمنية والاحتياجات الملحّة. وكان علم الاقتصاد يتبلور على أساس المدارس الاقتصادية المتَّبعة. من هنا نرى لكلّ واحد من علماء الاقتصاد مذهباً خاصّاً. وإنّ أشخاصاً، من أمثال: آدم سميث، وريكاردو ماركس، وغيرهما، كانوا ينتهجون مذهباً ومسلكاً اقتصادياً خاصّاً، وكانوا يقيمون علومهم الاقتصادية على أساسه.

وعلى الرغم من نقاط الاشتراك الكثيرة بين علم الاقتصاد والمذهب الاقتصادي توجد نقاط افتراق واضحة بينهما. فمثلاً: إن علم الاقتصاد يبحث في أدوات الإنتاج وكيفية تأثيرها على بعضها، وكذلك نصيب كلّ واحد منها في أنواع الملكية، في حين أن المذهب الاقتصادي يتحدّث عن صحّة وعدم صحّة أنواع الملكية. وإنّ علم الاقتصاد يبحث في نماذج التوزيع، بينما يبحث المذهب الاقتصادي في ما هو الصالح وغير الصالح من هذه النماذج، وما إلى ذلك.

وقد عمد السيد الشهيد ـ من خلال الالتفات إلى الفرق بين علم الاقتصاد والمذهب الاقتصادي ـ إلى بيان الشواخص والمعايير الواضحة التي تفصل بينهما، وذلك حيث يقول: «فالمذهب الاقتصادي يشمل كلّ قاعدة أساسية في الحياة الاقتصادية تتصل بفكرة (العدالة الاجتماعية). والعلم [علم الاقتصاد] يشمل كلّ نظرية تفسّر واقعاً من الحياة الاقتصادية بصورة منفصلة عن فكرةٍ مسبقة أو مَثَلٍ أعلى للعدالة… ففكرة العدالة هي الحدّ الفاصل بين المذهب والعلم، والعلامة الفارقة التي تَميَّز بها الأفكار المذهبية عن النظرات العلمية»([6]).

ربما كان الدافع وراء رفض البعض للاقتصاد الإسلامي هو أن هذا البعض قد تصوّر أن الهدف من الاقتصاد الإسلامي هو التأسيس لعلم الاقتصاد الإسلامي، إلاّ أنّهم غفلوا عن وجود فرق بين علم الاقتصاد والمذاهب الاقتصادية. وإننا في الإسلام وإنْ كنا لا نمتلك علماً في الاقتصاد، ولكنْ يمكن أن يكون لنا مذهبٌ اقتصادي. وإن هذا الفصل والتفريق يُعدّ واحداً من إبداعات السيد الشهيد الصدر. وبطبيعة الحال لا ينبغي أن يذهب التوهُّم بأحد إلى القول بأن الإسلام حيث يمتلك مذهباً اقتصادياً فإنّه لا يتمتَّع بصبغة علمية، ولا يستطيع ولا ينبغي أن يكون له حظّ من علم الاقتصاد وفروعه، بل ـ كما يقول السيد الشهيد الصدر ـ إن أساس تقدُّم وتطوّر العناصر المذهبية الحيوية والمتغيّرة للمباحث الاقتصادية يرتبط في الأساس بتوسيع البحوث العلمية، وحسن الاستفادة من العلم والتكنولوجيا المتطوّرة. وإنّ على الدولة الإسلامية أن تقيم سياستها الاقتصادية على أساس المذهب الاقتصادي، وأن تمضي بها قُدُماً، من خلال الاستعانة بالعلوم الاقتصادية([7]).

 

 3ـ الرؤية الواقعية ــــــ

إن المسار المتسارع والمتغيّرات في المجتمعات البشرية أمر حتمي، ولا يمكن إنكاره. فإن التحوّلات المتزايدة عبر الزمان، والتي تشمل جميع الأبعاد والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية وما إليهما، حقيقةٌ يستحيل تجاهلها.

كما لا يمكن التشكيك في دور الزمان والاحتياجات المستجدّة في صياغة التفكير، وتأثيره على نوعية فهم الإنسان. وعليه فإن المحقّقين والباحثين الذين يسعَوْن من أجل حلّ المشاكل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية لن يتوصلوا إلى النتائج المطلوبة دون أخذ هذه الحقيقة بنظر الاعتبار.

وعليه فإن الاهتمام بدور الزمان والمكان في التحقيق يعتبر الخطوة الأولى، ومكمن السرّ في الإجابة عن التساؤلات المستحدثة، والظواهر الجديدة. وإنّ الحوزات العلمية والفقهاء المخلصين والمدافعين الحقيقيين عن جامعية الدين وخاتمية الشريعة ـ والذين يرَوْن الفقه نظرية متكاملة لإدارة الإنسان والمجتمع من المهد إلى اللحد ـ إنما يتمكَّنون من تطبيق الفقه على المستوى العملي، ويخرجونه من الهامش إلى صلب حياة الناس والمجتع، إذا استعانوا في اجتهادهم وتحقيقاتهم بالعنصرين الرئيسين المتمثِّلين بـ: الزمان؛ والمكان، وأن يقوموا بتحقيقاتهم في المصادر الدينية، من خلال الالتفات إلى الحقائق والواقعيات الراهنة. وقد انصبّت جميع جهود الإمام الخميني& من أجل إقناع الحوزات العلمية بهذه الحقيقة. فقد أثبت سماحته حيوية وحركية الفقه بوضوحٍ، من خلال رؤيته ومنهجه العلمي.

وإنّ من خصائص السيد الشهيد البارزة في جميع تحقيقاته وتأليفاته، وخاصة في بحوثه الاقتصادية، الاهتمامَ بدور الزمان والمكان، ومن ذلك قوله: «إن عملية التحقيق في المسائل الفقهية تبدأ من الواقعيات العينية، ولكنْ لا على تلك المحدوديات التي كانت على عهد الشيخ الطوسي أو المحقِّق الحلّي؛ لأن واقعيات حياتهما كانت تفي بحاجتهما الزمنية، وأما بالنسبة لنا فإنّ مسائل ذلك العصر لم تعُدْ كافية»([8]).

إن هذا النهج والأسلوب ملحوظٌ في جميع تحقيقات وأبحاث السيد الشهيد. فإن سماحته لا ينتهج هذا النمط الفكري في أبحاثه النظرية والعلمية، وإنما كان يهتم بذلك على مستوى تقديم المشاريع العملية والتطبيقية. ومن باب المثال: نجده عند تأليف كتابه (البنك اللاربوي في الإسلام) يأخذ الظروف والشرائط السائدة في المجتمع بنظر الاعتبار.

في بداية عقد الستينيّات تقدّمت الدولة الكويتية لسماحته بطلبٍ أن يقدِّم لها مشروعاً بشأن البنك الإسلامي اللاربوي، فقبل سماحته القيام بهذه المهمّة. بيد أنه قال في بداية هذا الكتاب: «وحديثنا الآن عن أطروحة البنك اللاربوي المقترحة يجب أن يكون بروح الموقف الثاني [النظام غير الإسلامي]؛ لأن المفترض بقاء الواقع كما هو من سائر نواحيه الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والسياسية، ولو كنا نعالج الموضوع بروح الموقف الأول [النظام الإسلامي] لكان لنا حديثٌ غير هذا الحديث»([9]).

إن التخطيط والبحث في حقل مسائل الاقتصاد الإسلامي في مجتمع تصبّ جميع جهوده ومعاملات الناس فيه على أساس الربا، والذي يسود فيه النظام الرأسمالي، ويحكم جميع مفاصل حياة الناس على المستوى الفكري والأخلاقي والاقتصادي، يختلف اختلافاً جوهريّاً عن المجتمع الذي تقوم فيه الأمور العامة والتخطيطات والمشاريع الخاصة فيه على أساس الموازين والأصول الإسلامية. وبعبارة أخرى: إنّ لكلٍّ من المجتمع الذي يكون فيه الإسلام هامشياً، ويكون فيه المسلمون بعيدين كلّ البعد عن مسار الأمور، والمجتمع الذي تشكِّل الحكومة الإسلامية وقوانينها جوهر وروح حياة الناس، حاجته الخاصّة التي تناسبه. وإن المتوقّع من الحوزة الدينية ورجال العلم فيها أن يلعبوا دورهم تجاه هذين النوعين من المجتمعات بما يتناسب وواقعهما: «وفي أكثر الرسائل العملية تذكر الصورة الأولى المحدودة؛ لأن هذه الرسائل قد كتبت للمتديِّنين الذين يعيشون في المجتمعات التي يلعب فيها الإسلام دوراً كبيراً في بنائها. من هنا فإنّ هذه الرسائل العملية لا تستطيع تقديم الاقتصاد الإسلامي إلى المجتمع في إطاره الصحيح والأصيل. ومن هنا فإن القوانين والتشريعات الاقتصادية في الإسلام ـ والتي يمكن لها أن تضمن رفاه المجتمع والشعب وسعادته ـ ستبقى حبيسة الإبهام والغموض»([10]).

إن رسالة هذا الفقيه ـ العميق والناظر إلى المستقبل ـ التي يريد إيصالها من خلال هذا الكلام هو أنّ على الحوزات العلمية الدينية في هذا العصر أن تعيد النظر في مناهجها التعليمية وأساليبها التحقيقية في مختلف المجالات، وخاصّة في حقل الاقتصاد الإسلامي. ففي الماضي لم تكن الظروف مهيّأة لبحث وتقديم المناهج والأساليب التطبيقية للقوانين الاجتماعية والاقتصادية الإسلامية؛ وذلك تحت ذريعة عدم وجود أرضية يمكن على أساسها تطبيق الاقتصاد الإسلامي، وسائر الأحكام الاجتماعية الإسلامية الأخرى؛ لعدم وجود دعامة تنفيذية لها. وكان هذا الكلام في حينها وجيهاً ومقبولاً. أمّا الآن حيث تمّ تدوين الدستور على طبق الموازين الإسلامية، وتمّ تأسيس دولةٍ يشرف عليها الولي الفقيه، ويرصدها مجمع مؤلَّف من شورى الفقهاء الذين يتكفَّلون بصيانة الدستور، فلم يبقَ أيُّ موضع لمثل هذه الأعذار. ويجدر بالحوزات العلمية، والمحقِّقين والباحثين المسلمين، أن ينظِّموا أبحاثهم وتحقيقاتهم بحيث تصبّ في حلّ المشاكل القانونية والتنفيذية الماثلة أمام النظام الإسلامي، وخاصّة في مجال قوانين الاقتصاد الإسلامي، التي قلَّما يتمّ الاهتمام بها قياساً إلى سائر المسائل الفقهية الأخرى.

وبطبيعة الحال فإن هذا الكلام لا يعني التنكُّر لجهود الماضين؛ فإنّ ما قام به الأوَّلون كان يصبّ أيضاً في سياق الحاجة الزمنية التي عاشوها. وقد قاموا بما عليهم في إطار ذلك الظرف، وهم مشكورون على ما قاموا به من جهود قيّمة. إنّما المراد هو إمكان تظهير المسائل القديمة في قالبٍ جديد؛ ليتناسب وحاجة الواقع المعاصر؛ لنتمكن ـ في إطار التمسُّك بالفقه التقليدي والجواهري([11]) ـ من إظهار الفقه بوصفه علماً حيوياً ومنسجماً مع الاحتياجات المعاصرة، لا أن نظهره بوصفه عاجزاً عن تلبية المسائل المعاصرة.

 

التحقيق المنهجي ــــــ

لقد بدأ السيد الشهيد بما يتمتَّع به من الخصائص الثلاث التي سبق أن أشرنا إليها، وهي: «الرؤية الشمولية، والمنظَّمة، والواقعية؛ مع الإيمان بالمذهب الاقتصادي في الإسلام؛ ومقدرته وكفاءته الخاصّة على المستوى العلمي والفقهي»، تقديم اقتصاد منهجيّ إلى أصحاب التحقيق في هذا المجال. وفي ما يلي نعمد إلى بيان عنصرين جوهريّين في أفكار ومؤلَّفات السيد الشهيد في الحقل الاقتصادي. وكلُّ واحد من هذين العنصرين يُعتبر في واقع الأمر فرعاً لأساليب التحقيق:

أـ الاجتهاد والاكتشاف في المسائل الاقتصادية.

ب ـ موقع الدولة في نظام الإسلام الاقتصادي.

 

الاجتهاد والاكتشاف ــــــ

إن أهمّ أسلوب ومبنى لمعرفة المذهب الاقتصادي في الإسلام هو الاجتهاد. وإن للاجتهاد؛ طبقاً للأسلوب ومنهج القراءة المتّبع لكلّ مجتهد، أنواعاً مختلفة. من هنا فإن كل نوع من أنواع الاجتهاد القائم على أساس قواعد الكتاب والسنّة يكون معتبراً ومشروعاً. من هنا ـ أي بسبب الحريات النظرية والعلمية والاجتهادية في الإسلام ـ توجد في المسائل الاقتصادية نماذج وأمثلة اقتصادية كثيرة ومتنوّعة.

إن على الباحث في حقل المنظومة الاقتصادية في الإسلام أن تكون لديه القدرة الكافية لاستنباط أحكام الإسلام الاقتصادية؛ كي يتمكن من بيان ورسم المذهب الاقتصادي في الإسلام بشكل واضح. ومضافاً إلى ذلك يجب عليه أن يكون مطَّلعاً على مختلف آراء الفقهاء في هذا المجال بشكلٍ كامل؛ ليتمكن من اختيار أحد الآراء في عملية تقديم النموذج الاقتصادي المطلوب؛ إذ قد لا يتمكن من التوصل إلى رأيه الخاص، وعليه يضطر من أجل بيان منظومة الاقتصاد الإسلامي، والمذهب الاقتصادي في الإسلام، إلى الاستعانة باجتهادات الآخرين، رغم احتمال مخالفتها لرأيه الخاصّ.

إن دائرة نشاط المجتهد لا تقتصر على الإبداع فقط، وإنما الذي يقوم به في الدرجة الأولى هو البحث والاكتشاف؛ فإنّ الأحكام والآراء الفقهية للفقهاء هي أمور بنائيّة، يتوصَّل المجتهد من خلالها إلى المبنى، أي المذهب الاقتصادي في الإسلام.

من هنا يجب أن يكون اجتهاد المجتهد مقروناً على الدوام باكتشافه؛ ليتمكَّن من الإبداع دائماً. وهذا ما يطلق عليه السيد الشهيد تسمية (عملية الاكتشاف). وهو ما قام في ضوئه ببحث واسع في الاقتصاد الإسلامي. وحيث كان على اطلاع كامل بمختلف المذاهب الاقتصادية، وكان مستوعباً لآراء الفقهاء بشكلٍ صائب وكامل، فقد تمكَّن من هذه العملية الاكتشافية بشكلٍ واضح ويسير، وعمد إلى عرض اكتشافاته في كتاب (اقتصادنا)، وشرح وبيان هذا المبنى، قائلاً: «إذا أراد الفقيه أن يتخطّى فقه الأحكام إلى فقه النظريات، ويمارس عملية اكتشاف المذهب الاقتصادي في الإسلام، فإنّ طبيعة العملية تفرض عليه نوع الأحكام التي يجب أن ينطلق منها، وتحتِّم أن تكون نقطة الانطلاق مجموعة متَّسقة ومنسجمة من الأحكام. فإن استطاع أن يجد هذه المجموعة في ما يضمّه اجتهاده الشخصي من أحكام، وينطلق منها في عملية الاكتشاف لفهم الأسس العامة للاقتصاد الإسلامي، دون أن يُمنى بتناقضٍ أو تنافر بين عناصر تلك المجموعة، فهي فرصةٌ ثمينة تتَّحد فيها شخصية الممارس بوصفه فقيهاً يستنبط الأحكام مع شخصيته بوصفه مكتشفاً للنظريات… وأما إذا لم يُسعَد بهذه الفرصة، ولم يُسعِفْه اجتهاده بنقطة الانطلاق المناسبة، فإنّ السبيل الوحيد الذي يتحتّم عليه في هذه الحالة هي أن يستعين بالأحكام التي أدّت إليها اجتهادات غيره من المجتهدين… وهذا كلّ ما يُمكن إنجازه في عملية الاكتشاف للاقتصاد الإسلامي عندما يعجز الاجتهاد الشخصي للممارس عن تكوين النقطة المناسبة للانطلاق، بل إنّ هذا هو كلّ ما نحتاج إليه تقريباً في هذا الصدد»([12]).

وطبقاً لهذه الرؤية فإنّه؛ لمعرفة المنظومة والمذهب الاقصادي، لا يسعنا الاكتفاء بالأمور البنائية فحسب؛ إذ ربما تؤدي الكثير من موارد الاختلاف بين آراء وفتاوى الفقهاء ـ المستنبطة من ظاهر النصوص، ومن دون الالتفات إلى سائر الجهات الأخرى ـ إلى إدخال المحقِّق والباحث في متاهة واضطراب وتناقض، فلا يستطيع الوصول إلى حلٍّ. من هنا يتعيَّن عليه أن يبذل كلّ ما في وسعه، وعلى مختلف الاتجاهات؛ لكي يتمكَّن من الوصول إلى الاكتشاف من خلال الاجتهاد: «لا يجب الاقتصار على واحد من الأبنية العُلوية الاقتصادية المباشرة المتمثِّلة بالقانون المدني فحسب، بل لا بدّ من انتهاج ومواصلة هذه الطريقة في جميع الأبنية العُلوية الأخرى؛ لكي نتمكن من الوصول إلى البنى التحتية بمعطيات أكثر غنىً وثراءً. ومن هنا سيكون أسلوب القراءة والدراسة منطلقاً من الأبنية العلوية إلى البنية التحتية»([13]).

توظيف المصطلح: إنّ الأبنية الفوقية والأبنية التحتية في كتابات السيد الشهيد الصدر الاقتصادية، ومنهجه واستنباطه القائم على هذا الأساس، ملحوظٌ في جميع مواطن كتاب (اقتصادنا). فهو في كلّ بحث يقوم قبل كلّ شيء باستعراض الروايات والنصوص ذات الصلة بالبحث، ثم يلقي نظرة على آراء الفقهاء الكبار، ومختلف الفتاوى، ويتوصَّل من خلالها إلى القانون والقاعدة الاقتصادية.

 

المفاهيم الممهّدة ــــــ

في ما يتعلَّق بمسار الاكتشاف من طريق الاجتهاد علينا أن لا نغفل عن مسألتين، وهما:

1ـ المفاهيم التمهيدية.

2ـ العقبات الكابحة.

لقد عمد السيد الشهيد الصدر ـ من خلال الإشارة إلى بحث المفاهيم والعقبات الماثلة أمام المسار الاكتشافي في المذهب الاقتصادي في الإسلام من المصادر الدينية والآراء الفقهية ـ إلى بيان هاتين المسألتين بوضوحٍ تام. فالمفاهيم على قسمين، وهما: أولاً: المفاهيم الثابتة؛ وثانياً: المفاهيم النسبية والقابلة للتغيير. والفقيه إنما يستطيع الوصول إلى القاعدة الممهّدة في تحقيقاته إذا كان مدركاً للمفاهيم المستعملة في المذهب الاقتصادي بشكلٍ صحيح وكامل. ومن باب المثال: مفهوم (الفقر)، الذي يقع موضوعاً لبعض الأحكام الفقهية. فإننا من دون معرفة هذا المفهوم بدقّة لن نستطيع الوصول إلى الحكم الصحيح، ولن نتمكَّن من التوصُّل إلى فتوى مطابقة للواقع. فعلى الفقيه أوّلاً وقبل كلّ شيء أن يحدِّد ويوضّح مفهوم الفقر والفقير؛ كي لا يتردَّد في بيان الحكم الدائمي والثابت لوجوب الزكاة القائم على هذا الموضوع.

يقول السيد الشهيد الصدر ما مضمونه: «إن هذا المفهوم نسبيّ، بمعنى عدم وجود مستوى من الحياة على نَسَق واحد لنوعية الناس في كلّ عصر. وعليه قد يكون الفرد مستغنياً بالنسبة إلى احتياجاته الفردية، وفقيراً في ما يتعلَّق باحتياجاته الرفاهية»([14]).

من هنا يتعيَّن على مَنْ يروم اكتشاف المذهب الاقتصادي في الإسلام أن يحدِّد هذا النوع من المفاهيم في المرحلة الأولى، وأن يعمل على بيان وإيضاح موقع كلّ واحدٍ منها بشكلٍ صحيح.

إنّ نوعية الرؤية التي يكوِّنها الفقيه بإزاء مفاهيم، من قبيل: المالكية المطلقة لله، وخلافة الإنسان، وحرّيته في حدود معيَّنة من الرأسمالية التجارية، وطريقة الإنتاج، وطريقة التوزيع، والعلاقات الاقتصادية القائمة، ودور الاقتصاد في السياسة والثقافة، وما إلى ذلك، تشكِّل أرضية للاستنباط الذي يمارسه. من هنا فإنّ السيد الشهيد يرى الاجتهاد نافعاً إذا استطاع المجتهد من خلاله أن يصل إلى مرحلة الاستكشاف. وإنّ من عناصر كشف المذهب الاقتصادي في الإسلام هو معرفة الفقيه للمفاهيم بشكلٍ صحيح. يقول&: «نعني بالمفهوم كلّ رأي للإسلام أو تصوّر إسلامي يُفسِّر واقعاً كونياً أو اجتماعياً أو تشريعياً. فالعقيدة بصلة الكون بالله تعالى وارتباطه به تعبير عن مفهوم معيَّن للإسلام عن الكون. والعقيدة بأنَ المجتمع البشري مرّ بمرحلة فطرة وغريزة قبل أن يصل إلى المرحلة التي يسود فيها العقل والتأمُّل تعبير عن مفهوم إسلامي عن المجتمع. والعقيدة بأنّ الملكية ليست حقّاً ذاتياً، وإنما هي عملية استخلاف، تعكس التصوّر الإسلامي الخاصّ لتشريع معيَّن، وهو الملكية للمال؛ فإن المال في المفهوم الإسلامي كلّه مال الله، والله يستخلف الأفراد أحياناً للقيام بشأن المال، ويُعبِّر عن هذا الاستخلاف تشريعاً بالملكية»([15]).

وفي ما يلي نستعرض جانباً من المفاهيم من وجهة نظر السيد الشهيد:

 

 أـ خلافة الإنسان ــــــ

إن الإنسان هو خليفة الله في الأرض. وإن الإنسان في هذه الرؤية مرتبطٌ بالسماء قبل أن يكون مرتبطاً بالأرض، وقبل أن يرنو إلى الماديات هو متشبِّث بالغيب والإيمان. وإنّ الفرد المسلم يسعى مدعوماً بالمعنويات وقوّة السماء إلى عمارة الأرض. وهذا هو معنى خلافة الإنسان في الأرض. فهي مسؤولية توجب عليه التزاماً. وإنّ إدراك الفقيه لهذه الحقيقة يسمح للفقيه بالتعرُّف إلى جميع الآراء المطروحة بالنسبة إلى المسائل الاقتصادية في الإسلام، وتحديد موقع كلّ واحد من المسائل بشكل صحيح، وأن يمارس عملية اكتشاف المذهب الاقتصادي من خلال الالتفات إلى التفسير والرؤية تجاه الباري تعالى والإنسان والكون. وقد بيَّن السيد الشهيد هذه المسألة بوضوح، فقال: «أنا لا أعرف مفهوماً أفضل وأقدر من مفهوم (خلافة الله)، حيث يتمّ فيه التأكيد بكثافة على طاقة الإنسان وقدرته، بحيث يتمّ اعتباره بوصفه خليفة لله وحاكماً مطلقاً في العالم. كما أنّ مفهوم (خلافة الله) هو أبعد المفاهيم في إثبات التسليم المطلق للقضاء والقدر؛ وذلك لأن هذه الخلافة تفرض على الخليفة مسؤولية تجاه ما استُخلف عليه، وإن هذه المسؤولية لا يمكن أن تكون إلاّ من خلال الحرية والإحساس والاختيار والقدرة على الحاكمية والسيطرة على الأرض»([16]).

«إن الإيمان بكلمة (لا إله إلا الله) تعني في الخطوة الأولى تحرير الإنسان من الداخل، وفي الخطوة الثانية، وكنتيجة لتحرُّر الإنسان، تفرض عليه أن يعمل على تحرير الثروات الطبيعية من مالكيّة غير الله؛ لأن هذه الرؤية تقول: (العباد عباد الله، والمال مال الله)»([17]).

إنّ هذه الرؤية تدعو الفقيه إلى توظيف أساليب استنباطه وتحقيقاته في إطار تبلور خلافة الإنسان على الأرض. وهذه الرؤية ذاتها تجعل الفقيه قادراً على بلوغ الاكتشاف من خلال اجتهاده، وأن يتوصَّل من خلال الأبنية الفوقية والنصوص وآراء غيره من الفقهاء إلى اكتشاف المذهب الاقتصادي.

 

ب ـ العدالة الاجتماعية ــــــ

إن العدالة الاجتماعية تجسيدٌ لخلافة الإنسان في الأرض.

لا يمكن اكتشاف المذهب الاقتصادي في الإسلام دون الالتفات إلى مفهوم العدالة الاجتماعية بمعناها العامّ والواسع. ومن الواضح أن الباحث والفقيه إذا أراد إيضاح المنظومة الاقتصادية للإسلام من الناحية النظرية، وأن يبحث في طرقها وأساليبها التنفيذية والتطبيقية أيضاً، فعليه أن يهتمّ بهذه القاعدة الكلّية في جميع مراحل تحقيقه واستنباطه. يقول السيد الشهيد الصدر: «يتألَّف الهيكل العام للاقتصاد الإسلامي من أركان رئيسية ثلاثة، يتحدّد وفقاً لها محتواه المذهبي، ويتميَّز بذلك عن سائر المذاهب الاقتصادية الأخرى في خطوطها العريضة. وهذه الأركان هي كما يلي:

1ـ مبدأ الملكية المزدوجة.

2ـ مبدأ الحرّية الاقتصادية في نطاق محدود.

3ـ مبدأ العدالة الاجتماعية»([18]).

وليس المراد من العدالة الاجتماعية مفهومها المجرّد العام، وإنّما المراد منها حقيقة تبدو بمثابة الروح من جسد الأحكام الإسلامية.

تكتسب العدالة في النظام الاقتصادي للإسلام مفهومها الخاصّ والشامل للعدالة في طريقة توزيع المواد الأولية والطبيعية، وتوزيع الثروة المُنتجة. وإنّ الذي يلعب دوراً محورياً في سلامة النظام الاقتصادي في المجتمع هو التوزيع العادل للثروات الأولية والمصادر الطبيعية. وإذا لم يتمّ توزيع هذه المصادر منذ البداية بشكل صحيح، وتمّ احتكارها من قبل أفراد أو فئات خاصّة، فإن ذلك سيؤدي إلى ظهور الاختلاف الطبقي، الأمر الذي يمهِّد إلى سيطرة المتجبرين وأصحاب الثروات الطائلة.

من هنا فقد عمد السيد الشهيد الصدر إلى انتقاد المذهب الرأسمالي، الذي حصر التوزيع بالربح الوطني، وسكت عن توزيع مصادر الإنتاج، والذي تبجّح بإطلاق شعار الحرّية الاقتصادية. ثم قام السيد الشهيد ببيان موقف الإسلام من التوزيع العادل للمصادر الطبيعية فقال: «وأمّا الإسلام فهو يُعالج قضايا التوزيع على نطاق أرحب، وباستيعابٍ أشمل؛ لأنه لا يكتفي بمعالجة توزيع الثروة المنتجة، ولا يتهرَّب من الجانب الأعمق للتوزيع ـ أي توزيع مصادر الانتاج… بل إن الإسلام تدخّل إيجابياً في توزيع الطبيعة وما تضمّه من مصادر إنتاج، وقسّمها إلى عدّة أقسام، لكلّ قسم طابعه المميز من الملكية الخاصة أو الملكية العامة… ووضع لهذا التقسيم قواعده، كما وضع إلى صفّ ذلك أيضاً القواعد التي يقوم على أساسها توزيع الثروة المنتجة، وصمّم التفصيلات في نطاق تلك القواعد… ولهذا السبب تصبح نقطة الانطلاق، أو المرحلة الأولى في الاقتصاد الإسلامي، هي التوزيع، بدلاً عن الإنتاج، كما كان في الاقتصاد السياسي التقليدي؛ لأنّ توزيع مصادر الإنتاج نفسها يسبق عملية الإنتاج، وكلّ تنظيم يتَّصل بنفس عملية الإنتاج أو السلع المنتجة يُصبح في الدرجة الثانية»([19]).

لا شكّ في أن الباحث والمجتهد الذي يروم رسم معالم المذهب الاقتصادي في الإسلام، والبحث عن مبانيه النظرية والعملية، عليه قبل ذلك أن يبيّن العدالة الاجتماعية بمعناها الجوهري والواسع، كي يتسنّى له توظيفها في طريقة استنباطه، والحصول على النتيجة المطلوبة والمناسبة.

تقوم العدالة الاجتماعية على أصلين:

1ـ التعاون الجماعي.

2ـ المساواة الاجتماعية.

أما التعاون الجماعي فيعني أن أفراد المجتمع يشعرون بالمسؤولية الكاملة تجاه بعضهم بعضاً. من هنا فقد أمر الإسلام الأغنياء بأن يعطوا الفقراء ممّا عندهم، وأن يتجنَّبوا اكتناز الثروة، والإسراف والتبذير.

إنّ اهتمام الإسلام بهذا العنصر الروحي والعامل النفسي في إطار تحقيق الاقتصاد الإسلامي، وتبلور العدالة الاجتماعية، يلعب دوراً مؤثِّراً ومحورياً في العلاقات الاقتصادية في المجتمع. وإنّ الذي أدخل الاقتصاد الأوروبي والغربي في أزمته الراهنة هو غياب هذا العنصر.

وفي هذا المجال لم يكتفِ الإسلام بتشجيع الناس على الإنفاق، وذمّ التبذير والإسراف فحسب، بل رسم حدوداً للكثير من الواجبات المالية، بوصفها من جملة العبادات الشرعية المفروضة على العباد.

إن هذه الخصوصية التي يتميَّز بها الاقتصاد الإسلامي تشكِّل دعامة هامّة في صرح العدالة الاجتماعية والاقتصادية. وكما يقول السيد الشهيد الصدر: «فالإسلام إذاً لا يقتصر ـ في مذهبه وتعاليمه ـ على تنظيم الوجه الخارجي للمجتمع، وإنما ينفذ إلى أعماقه الروحية والفكرية؛ ليوفِّق بين المحتوى الداخلي وما يرسمه من مخطَّط اقتصادي واجتماعي»([20]).

إن هذا المفهوم، الذي يشتمل في الغالب على صبغة أخلاقية وروحية، يساعد في الكثير من الموارد على اكتشاف المذهب الاقتصادي في الإسلام.

 

 ج ـ تكافؤ الثروة ــــــ

إنّ الإسلام يذهب إلى ضرورة التكافؤ الاجتماعي بوصفه أصلاً في سياسته الاقتصادية. فالإسلام ملتفتٌ إلى هذه الحقيقة الطبيعية القائمة على الاختلاف الطبيعي بين أفراد البشر من الناحية الفكرية والجسدية. وإنّ هذا الاختلاف يؤدي بشكل تلقائي إلى اختلاف وعدم تساوي الناس في السعي إلى الحصول على المنافع والمكاسب الاقتصادية. وعليه من الطبيعي أن تظهر في المجتمعات طبقة بوصفها ذات دخل طائل، وطبقة أخرى ذات دخل منخفض. ومن جهة أخرى هناك في المجتمع على الدوام أشخاص عاجزون وفقراء؛ إما بسبب ضعف بنيتهم الجسدية أو الفكرية؛ أو بسبب عدم امتلاكهم لوسائل الإنتاج، وبذلك يعجزون عن الحصول على أبسط مقوّمات الحياة.

فما الذي يجب علينا فعله تجاه هذه الحقيقة الطبيعية؟ هل يتعيَّن علينا الجلوس مكتوفي الأيدي؛ ليرتفع ثراء الأغنياء، ويزداد فقر الفقراء؛ ليتخبّطوا في بؤسهم وشقائهم،أم هناك حلٌّ لهذه المعضلة الاجتماعية والاقتصادية؟!

لقد حدَّد الإسلام في تعاليمه الاقتصادية البارزة طرقاً لتعديل الثروة وتوازنها على مستوى المجتمع. ومن ذلك أنه اعتبر الحكومة الإسلامية والحكّام في المجتمع مسؤولين عن فرض هذا التوازن الاجتماعي والاقتصادي، وطالَبَهم بالأمرين التاليين:

1ـ أن يضعوا برنامجاً لرفع حاجة الفقراء والمساكين.

2ـ الإشراف على قطاعات الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، والعمل على هدايتها وتوجيهها؛ كي يحصل هذا التكافؤ والتكافل الاقتصادي والاجتماعي.

«إن التوازن الاجتماعي هو التوازن بين أفراد المجتمع في مستوى المعيشة، لا في مستوى الدخل. والتوازن في مستوى المعيشة معناه أن يكون المال موجوداً لدى أفراد المجتمع، ومتداولاً بينهم، إلى درجةٍ تتيح لكلّ فرد العيش في المستوى العام… وهذا لا يعني أن الإسلام يفرض إيجاد هذه الحالة من التوازن في لحظة، وإنّما يعني جعل التوازن الاجتماعي في مستوى المعيشة هدفاً تسعى الدولة في حدود صلاحيّاتها إلى تحقيقه، والوصول إليه، بمختلف الطرق والأساليب المشروعة التي تدخل ضمن صلاحياتها. وقد قام الإسلام من ناحيته بالعمل لتحقيق هذا الهدف، بضغط مستوى المعيشة من أعلى بتحريم الإسراف، وبضغط المستوى من أسفل بالارتفاع بالأفراد الذين يحيون مستوى منخفضاً من المعيشة إلى مستوى أرفع. وبذلك تتقارب المستويات حتى تندمج أخيراً في مستوى واحد… وفهمنا هذا لمبدأ التوازن الاجتماعي في الإسلام يقوم على أساس التدقيق في النصوص الإسلامية، الذي يكشف عن إيمان هذه النصوص بالتوازن الاجتماعي كهدف…، وتأكيدها على توجيه الدولة إلى رفع معيشة الأفراد الذين يحيون حياة منخفضة تقريباً إلى مستويات قريبة بعضها من بعض؛ بقصد الوصول أخيراً إلى حالة التوازن العامّ في مستوى المعيشة»([21]).

لا يمكن فهم واستيعاب المذهب الاقتصادي في الإسلام من دون الالتفات إلى هذه المفاهيم الاعتقادية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية. من هنا يتعيَّن على الفقيه أو أيّ باحث آخر يبحث في هذا الموضوع أن يحدِّد موقع المفاهيم وأساليب توظيف كلّ واحد منها بشكلٍ علمي ومنهجي في بنية الاقتصاد الإسلامي؛ لكي يمكن تفعيلها في إطار الاجتهاد والبحث العلمي من أجل الوصول إلى الحلول العلمية الناجعة.

إنّ ما ذكرناه يشكِّل نصف الحقيقة. فإن مجرّد معرفة المفاهيم لا يكفي في الوصول إلى هذه الحقيقة، وإنّما يتعيَّن على المحقق والباحث ـ إلى جانب ذلك ـ أن لا يغفل العناصر والعقبات الكابحة. فربما تبرز بعض العقبات أمام مسار البحث، تحول دون وصول الباحث، وتحرفه عن مسار التحقيق، وبالتالي سوف تبتلي عملية اكتشافه للمذهب الاقتصادي بالآفة والضعف. وفي ما يلي نلقي نظرة على جانبٍ من هذه الكوابح من وجهة نظر السيد الشهيد الصدر:

 

د ـ الكوابح المانعة ــــــ

سبق أن ذكرنا أن المجتهد يبدأ عمليّته التحقيقية من خلال الاستعانة بنصوص الكتاب والسنّة، والنظر إلى آراء الفقهاء؛ من أجل الوصول إلى استنتاج القواعد الأساسية. وفي هذه المرحلة ينتهي اجتهاده إلى الاستنتاج أيضاً. وحيث إن المحتوى الحقوقي للنصوص لا يخلو من غموض وشبهة في بعض الأحيان فقد يطرأ بعض الاضطراب على مسار التحقيق والاجتهاد في ما يتعلَّق بجمع النصوص، الأمر الذي يخرج بالاجتهاد من كونه عملية بسيطة إلى مسألة بالغة التعقيد. ومن جهة أخرى فإن طرح الاقتصاد الإسلامي إنما يستند في منظومته إلى الأحكام والمفاهيم الدينية، وهذه الأحكام والمفاهيم إنّما هي من معطيات الأساليب الاجتهادية لشخص المجتهد، وهي أساليب يجوز عليها الخطأ. وفي هذه الحالة يرِدُ الإشكال الجوهري في الكشف عن المنظومة الاقتصادية من خلال هذه الأساليب. وكلّما كان المذاق الشخصي للمحقِّق والمجتهد أقلّ تأثيراً في دائرة الكشف كان الاكتشاف أدقّ وأكثر نجاحاً. وكلما كان الباحث والمحقِّق أكثر إحاطة بواقعيات صدور النصوص، وكلما تجنَّب إصدار الأحكام المسبقة، فإنّه سيتوصل إلى اكتشاف أسلم وأكمل. من هنا يجب التعرُّف على مناشئ ومصادر الكوابح المانعة والمعرقلة التي يمكن أن تَمْثُل أمام المحقِّق والمجتهد أثناء قيامه بعملية اكتشاف المذهب الاقتصادي في الإسلام.

وإنّ هذه الكوابح والموانع من وجهة نظر السيد الشهيد الصدر عبارةٌ عن:

1ـ تبرير الواقع: إن الباحث في مجال اكتشاف المذهب الاقتصادي في الإسلام يندفع بقصدٍ أو بدون قصد إلى تبرير الواقع الاجتماعي الفاسد المحيط به، نظير: ما قام به بعض المفكِّرين المسلمين ممَّنْ استسلم للواقع الاجتماعي الفاسد الذي يعيشه، وحاول أن يُخضِع النصّ للواقع، بدلاً من التفكير في تغيير الواقع الاجتماعي والاقتصادي الفاسد على أساس النصّ.

وقد رسم السيد الشهيد الصدر هذا المحذور في إطار المثال التالي: «من باب المثال: يمكن القول: إن البعض قد تأوَّل أدلّة حرمة الربا والفائدة، وخرج من ذلك بنتيجة تواكب الواقع الفاسد، وهي أنّ الإسلام يسمح بالفائدة إذا لم تكن أضعافاً مضاعفة، وإنما ينهى عنها إذا بلغت مبلغاً فاحشاً يتعدّى الحدود المعقولة، كما في الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً﴾ (آل عمران: 130). والحدود المعقولة هي الحدود التي أَلِفَها هذا المتأوِّل من واقعه في حياته ومجتمعه… ولو أراد هذا المتأوِّل أن يعيش القرآن خالصاً، وبعيداً عن إيحاءات الواقع المعاش وإغرائه، لقرأ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: 279). ويَفهم أنّ المسألة ليست مسألة حربٍ مع نوعٍ خاص من الربا الجاهلي الذي يُضاعف الدَّيْن أضعافاً مضاعفة، وإنّما هي مسألة مذهب اقتصادي، له نظرته الخاصّة إلى رأس المال، التي تحدِّد له مبرِّرات نموّه، وتشجب كلّ زيادة له منفصلة عن تلك المبررات، مهما كانت ضئيلة»([22]).

إنّ رسالة المحقِّق وهدفه في الكشف عن المذهب الاقتصادي في الإسلام يكمن في العثور على حلول لرفع المشاكل الاقتصادية. وهي حلول يجب أن تأتي في سياق العدالة وملاكات الحلال والحرام في الإسلام. ولازم ذلك أن يكون المحقِّق محيطاً بقوانين الإسلام منذ البداية بشكلٍ صحيح؛ ليصبّها فيما بعد داخل القوالب المناسبة في عملية التنفيذ والتطبيق. وأما إذا أراد أن ينطلق من تبرير الواقع الاقتصادي الفاسد القائم في المجتمع فإن اكتشافه للمنظومة الاقتصادية في الإسلام سيكون لا محالة ناقصاً، بل سيكون بدعةً وتشريعاً.

2ـ دمج النصّ ضمن إطار خاصّ: إنّ على المحقِّق الذي يروم الكشف عن المذهب الاقتصادي في الإسلام أن يجرِّد نفسه عن أيِّ أطر فكرية محدودة أو متبنّيات مسبقة؛ لكي يتسنّى له فهم النصوص والأدلّة بشكلٍ صحيح، وينطلق من خلالها إلى اكتشاف المذهب الاقتصادي في الإسلام.

لقد آمن جميع الفقهاء والمفكِّرين المسلمين بالملكية الخاصّة في الإسلام، ولكن هذا لا يعني أننا إلى جانب كلّ نوعٍ من أنواع العلاقة الاختصاصيّة للإنسان بشيء يمكن إثبات الملكية الخاصة. وإن الخلط بين هذين الموضوعين يؤدّي بالمحقِّق والباحث إلى نتائج خاطئة من خلال بحثه في النصوص، وبذلك لا يستطيع التوصُّل إلى المذهب الاقتصادي الصحيح والكامل في الإسلام.

وأما بعض الكوابح الأخرى التي قد تحول دون التوصّل إلى الاستنباط الصحيح من النصوص فهي الأطر اللغوية. فربما تتعرَّض مفردة في مسارها التاريخي والاجتماعي إلى التغيير، بحيث إن الغفلة عن معناها الراهن تضلِّل المحقِّق، وتمنعه من فهم معناها ومفهومها التاريخي، وبالتالي فإنّ ذلك سيؤدي إلى عدم فهم النصّ بشكلٍ صحيح. وفي ذلك يقول السيد الشهيد: «خُذْ إليك مثلاً: كلمة (الاشتراكية). فقد أشرطت هذه الكلمة ـ خلال مذاهب اجتماعية حديثة عاشها الإنسان المعاصر ـ بكتلة من الأفكار والقيم والسلوك، وأصبحت هذه الكتلة تشكِّل إلى حدٍّ ما جزءاً مهماً من مدلولها الاجتماعي اليوم، وإنْ لم تكن على الصعيد اللغوي المجرَّد تحمل شيئاً من هذه الكتلة. ويناظرها كلمة (الرعيّة) التي حمّلها تاريخ الإقطاع تبعة كبيرة، وأشرطها بسلوك الإقطاعي صاحب الأرض مع الأقنان الذين يزرعون له أرضه. فإذا جئنا إلى نصوص تشتمل على كلمة (الاشتراكية)، أو كلمة (الرعية)، كالنصّ القائل: (الناس شركاء في الماء والكلأ)، والنصّ القائل: (إنّ للوالي على الرعيّة حقّاً)، نواجه خطر الاستجابة للإشراط الاجتماعي في تلك الكلمات، وإعطائها المعنى الاجتماعي الذي عاشته، بعيداً عن جوّ النصّ، بدلاً من إعطائها المعنى اللغوي الذي ترمز إليه»([23]).

وعلى أيّ حال فإن إدراج مفهوم ومعنى النصّ والدليل الشرعي في إطار محدود لغويّ أو تاريخي خاصّ يؤدّي إلى سوء فهم أو انحراف في استيعاب النصوص، ويفضي بالمحقِّق إلى الحصول على استنباطات غير صائبة.

3ـ تجريد الدليل الشرعي من ظروف الصدور: إنّ تجاهل الأوضاع والظروف والأحوال السائدة في عصر صدور النصّ الشرعي، وتجريد الدليل من المقتضيات المرتبطة به، يُعَدّ واحداً من الكوابح التي تحول دون حصول عملية الاستنباط والكشف عن المذهب الاقتصادي في الإسلام.

فأحياناً يعمد المحقِّق إلى أخذ ظروف وشرائط عصره، ويعمل على تأصيلها، متصوِّراً أن الوضع كان على هذه الشاكلة منذ عصر التشريع، واستمرّ إلى العصر الراهن. ومن باب المثال: يأخذ طريقة استخراج المعادن بالوسائل المعاصرة، ويستنتج منها أنّ هذه الطريقة كانت متَّبعة في العصور المتقدِّمة أيضاً، ويجعل من سكوت المعصوم دليلاً على صحّة هذه الطريقة. ومن هنا يمكن لأيّ شخص أن يعمل على استخراج المعادن بكلّ وسيلة يمتلكها، وينتفع بما يستخرجه.

وأحياناً يحدث العكس. فقد يحصل الباحث على سلوكٍ صادر عن المعصوم في عصر النصّ والتشريع، كما لو قام أحد المسلمين بفعلٍ أمام مرأى المعصوم×، وسكت المعصوم ولم يردَعْ عن ذلك الفعل، فيستنتج من ذلك صحّة ذلك الفعل وجوازه، دون أن يأخذ بنظر الاعتبار الظروف الزمانية والمكانية والخصائص التي صدر فيها ذلك الفعل، والتي ربما كان سكوت المعصوم بسببها، ومع ذلك يحكم بتعميم جواز ذلك الفعل حتى خارج تلك الظروف والخصائص. ومن باب المثال: أن يكون هناك شخصٌ مريض في عصر النبيّ الأكرم، ويصف له الطبيب شراب الفقاع دواءً له أمام النبيّ، ويسكت النبيّ، ولا يمنع من ذلك. فيستنبط هذا الباحث جواز شرب الفقّاع من خلال سكوت النبي، حتى بالنسبة إلى الشخص السليم!

إنّ هذا النوع من الاستدلال والاستنتاج يُعتبر تجريداً للدليل الشرعي من ظروف وشرائط صدوره. وقد أشار السيد الشهيد الصدر إلى هذا المحذور قائلاً: «إن التقرير مظهر من مظاهر السنّة الشريفة، ونعني به سكوت النبيّ| أو الإمام عن عمل معيَّن يقع على مرأىً منه ومسمعٍ، سكوتاً يكشف عن سماحه به، وجوازه في الإسلام»([24]).

وعليه فكما أنّ فهم آيات القرآن الكريم ـ فهماً دقيقاً وصحيحاً ـ يتوقَّف على ملاحظة أسباب النزول والقرائن المحيطة كذلك الأمر بالنسبة إلى الروايات، وخصائص السائل، أو الموضوع المسؤول عنه، فإنّ معرفة الظروف والشرائط المحيطة بكلّ هذه الأمور يساعد الفقيه والباحث في عملية الاستنباط. وربما يؤدي هذا الأمر (أي عدم الالتفات إلى هذه الحقائق) بالمحقِّق إلى القول بإباحة وجواز أمرٍ، بعيداً عن مذاق الشريعة ومزاجها تمام البُعد.

إنّ مراعاة هذه المسألة في دراسة وتحقيق المسائل الاقتصادية في الإسلام مفيد ونافع للغاية.

4ـ اتخاذ موقف معيَّن بصورةٍ مسبقة تجاه النصّ: في عملية الكشف عن المذهب الاقتصادي في الإسلام هناك خطرٌ آخر يقف أمام الباحث، وهو الموقف الذهني والنفسي المسبق الذي يحمله الباحث نفسه. فربما تؤدي زاوية رؤية الباحث والمحقق ورأيه الشخصي إلى وقوعه في الخطأ عند شرحه وتفسيره للنصوص الشرعية وتقييمها. وهذا النوع من الكوابح والمخاطر نشاهده في استنباط الأحكام الفقهية بكثرةٍ، وإن التغاضي عن هذه الظاهرة في أسلوب التحقيق يؤدّي إلى نتائج لا تحمد عقباها.

وقد عمد السيد الصدر ـ ضمن تعداده للكوابح المانعة من الكشف ـ إلى تجسيد هذا العنصر على النحو التالي: «لكي تتَّضح فكرة الموقف نفترض شخصين يمارسان دراسة النصوص. يتَّجه أحدهما نفسياً إلى اكتشاف الجانب الاجتماعي، وما يتَّصل بالدولة من أحكام الإسلام ومفاهيمه؛ بينما ينجذب الآخر إلى اتّجاه نفسي نحو الأحكام، يتصل بالسلوك الخاصّ للأفراد. فإن هذين الشخصين، بالرغم من أنهما يباشران نصوصاً واحدة، سوف يختلفان في المكاسب التي يخرجان بها من دراستهما لتلك النصوص، فيحصل كلٌّ منهما على مكاسب أكبر في ما يتَّصل باتجاهه النفسيّ وموقفه الخاصّ، وقد تنطمس أمام عينيه معالم الجانب الإسلامي الذي لم يتَّجه إليه نفسيّاً»([25]).

ومن هذا القبيل الأسلوب والمنهج الفكري لجميع أولئك الذين تصوَّروا أن كافة أقوال وأفعال النبيّ الأكرم| نشرٌ للأحكام، وأنّها الأحكام الثابتة والخالدة والمستمرة وغير القابلة للتغيير، وتجاهلوا دوره القيادي والسياسي.

إنّ أصحاب هذا النهج عندما يقرؤون قول النبي الأكرم|: «لا يُمنع فضل ماء، ولا يُباع فضل كلأ»([26]) فإنّهم يحملون نهيه| على الكراهة؛ لأنهم يستبعدون أن يكون مَنْ يمنع الفائض عن حاجته من الماء قد فعل حراماً.

وأما ذلك الذي يضع الناحية السياسية إلى جانب الناحية التبليغية للنبيّ الأكرم فإنه يفسِّر هذا النوع من كلامه| على أنّه صادر عنه بوصفه وليّ الأمر ورئيس الحكومة الإسلامية، ومعتمداً في ذلك على صلاحيّاته الخاصة، التي يهدف من خلالها ضمان المصالح الاجتماعية. ويعمل على توظيفها ـ من خلال ضمِّها إلى الأقوال والمواقف المماثلة بوصفها أصلاً أساسياً ـ في استنباطه. ومن الواضح أن ضمّ هاتين الناحيتين إلى بعضهما يؤدّي إلى نتائج متنوّعة، لا يمكن الاستغناء عنها في رسم حدود المنظومة الاقتصادية في الإسلام. وهناك الكثير من هذه الموارد في الفقه، وهو ما سنتعرّض له في القسم الثاني من هذا المقال.

وعلى أيّ حالٍ فإن تأثير الرؤية المسبقة للفقيه والباحث في كيفية استنباطه واكتشافه أمرٌ لا يمكن أن يُنكَر. وإنّ نوع موقفه السابق يظهر بوضوحٍ على موقفه اللاحق.

 

دور الدولة الإسلامية في النظام الاقتصادي ــــــ

أمّا العنصر الثاني في اكتشاف المذهب الاقتصادي في الإسلام من وجهة نظر السيد الشهيد الصدر فهو دور الدولة الإسلامية. فمن وجهة نظره لا يمكن الوصول إلى دراسة وقراءة شاملة وجامعة للاقتصاد الإسلامي دون التعرُّف إلى موقع الدولة ووليّ الأمر في النظام الاقتصادي في الإسلام؛ وذلك لأنّ الجانب الأكبر من الأحكام الثابتة والمتغيِّرة في الإسلام في ما يتعلّق بالمسائل الاقتصادية إنّما تجد معناها ومفهومها الواقعي في إطار النظام والدولة الإسلامية، ولا يتحقَّق معناها إلاّ في ظلّ تطبيق القوانين وتأسيس الحكومة على أساس العقيدة الإسلامية، وكون القائمين على تطبيق القانون رجالاً صالحين وخبراء وأمناء ومخلصين: «وعليه فإذا لم يتوفَّر حاكم الشرع أو المجتمع الإسلامي، بحيث لا يمكن فيه تطبيق القوانين، فإنّ الجانب الأكبر من هذه الظواهر المتحرِّكة ستفقد قابليتها وحيوتها، وستغدو جسداً بلا روح. من باب المثال: إن الصلاحيات الممنوحة لحاكم الشرع في ما يتعلَّق بوضع القوانين التي تحول دون احتكار المواد الضروريّة لاستهلاك المجتمع، والتي تحول أيضاً دون أيّ نوع من أنواع الإجحاف وغلاء الأسعار أو التطفيف، أو الإخلال في عملية العرض والطلب، التي لا يمكن تطبيقها إلاّ بوجود حاكم الشرع، وفي الحقيقة فإنّ تطبيق جميع هذه القوانين يرتبط بوجود حاكم الشرع في المجتمع الإسلامي، ممّا هو خارج عن حدود الصلاحية التنفيذية للفرد المتديِّن في المجتمع غير الإسلامي»([27]).

وعلى هذا الأساس فإنّ معرفة موقع الدولة في النظام الاقتصادي في الإسلام ـ من أجل اكتشاف المذهب الاقتصادي، وإقامة الدولة الإسلامية؛ بغية التطبيق الكامل للقوانين الاقتصادية في الإسلام ـ تعتبر الخطوة الأولى في هذا المجال. وفي ظلّ هذه الرؤية يمكن لنا أن نجيب عن الكثير من الأسئلة التي يُثيرها المخالفون، وأن نرفع المفارقات النظرية والعملية القائمة في الحياة الاقتصادية لدى المسلمين، وأن نظهر القدرة الكامنة في المنظومة الاقتصادية الإسلامية؛ وذلك لأنّ الإسلام ينشد الاقتدار في جميع الحقول، بما في ذلك الحقل الاقتصادي. وبعبارة أخرى: إن العلاقة بين النظام والحكومة الإسلامية وبين المذهب الاقتصادي في الإسلام تشكِّل سلكاً تنتظم فيه جميع أجزاء تلك المجموعة، بحيث لولا وجود ذلك السلك لانفرط عقد جميع تلك الأجزاء، وفقدت معناها وقيمتها ومفهومها الواقعي. من هنا فإنّ للحكومة ودورها في الأمور الاقتصادية، وقابليتها لتحقيق العدالة الاجتماعية، دوراً جوهرياً في المنظومة الفكرية، وتحليل القضايا الاقتصادية، عند السيد الشهيد الصدر. فقد عمد سماحته من خلال طرح هذه النظرية إلى رفع الكثير من التناقضات والمفارقات الموجودة في النصوص الشرعية. ويرى عدم إمكان الوصول إلى اكتشاف المذهب الاقتصادي في الإسلام بوصفه مذهباً ناجعاً إلا من خلال النظر إلى دور الدولة والولي الفقيه في المسائل الاقتصادية. من هنا فإنّه يتحدّث بشكلٍ ما عن عنصر الدولة ودور الولي الفقيه في جميع المباحث الاقتصادية.

وفي ما يلي ستكون لنا نظرة عابرة إلى بعض المسائل والمحاور الأساسية من تلك المباحث الواسعة:

 

الأحكام الثابتة والمتغيّرة ــــــ

هناك آراء متنوّعة بشأن ثبات وعدم ثبات الأحكام الشرعية:

يذهب البعض إلى الاعتقاد بأن الأحكام الشرعية ثابتة، ولا يطرأ عليها التغيير، مهما اختلفت الأزمنة والأمكنة، متمسكين بظاهر الحديث المعروف: «حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة».

بينما يذهب آخرون إلى الاعتقاد بأن الأحكام الشرعية أحكام مرحلية ومرنة، وأنها تتغيّر بتغيُّر الظروف الزمانية والمكانية.

وهناك مَنْ يذهب إلى الاعتقاد بأن الأحكام الشرعية في الإسلام على قسمين، ويقول: إن بعض الأحكام الإسلامية ثابتة ولا تقبل التغيير، وبعضها الآخر متغيِّر وخاضع للمتغيِّرات الزمانية والمكانية.

هذه ثلاثة آراء. وإن الأول والثاني منها لا ينسجم مع المعايير. وأما الرأي الثالث فهو منسجم ومتناغم معها، ويتماهى مع خلود الشريعة وخاتمية الدين. كما أنه متوافق ومنسجم مع الفطرة البشرية، ومتناغمٌ مع الحاجة الإنسانية الثابتة، وأكثر تماشياً مع الثقافة الدينية. وهناك الكثير من الذين يذهبون إلى هذا الرأي.

وقد تبنّى السيد الشهيد الصدر هذا الرأي في دراساته الدينية، ومنها: المسائل الاقتصادية. وقال في بيان ذلك: «إن الظواهر الثابتة أحكام تعمل على تنظيم العلاقة المباشرة للثروات في المجتمع على أساس موازين العدالة الاجتماعية، بما يتناسب وخلافة الإنسان لله على الأرض. ويمكن استنباط هذه الظواهر من الكتاب والسنّة. والمثال البارز لهذه الظواهر يكمن في ربط الملكية بالركنين الرئيسين في الاقتصاد الإسلامي، وهما: العمل؛ والحاجة… وأما القسم الثاني فهي العناصر المتحرِّكة في مجال التوزيع وتنظيم علاقات التوزيع الضرورية؛ بسبب المتغيِّرات في مسار الإنتاج؛ بلحاظ الفرص الجديدة… وإن نموذج هذا النوع من الأحكام يتمثَّل بنشاط حاكم الشرع، في ما يتعلَّق ببيان كيفية ومقدار التصرّف في الثروات الطبيعية، أو تعيين مقدار الأرض التي يمكن للفرد أن يمتلكها من خلال إحيائها. وهذا المقدار يُحدِّده الحاكم الشرعي بالنظر إلى شروط المجتمع وظروفه، وقدرة الفرد من الناحية المادية والإنتاجية؛ ليتمّ بذلك القضاء على الطبقية والاحتكار»([28]).

 

دائرة الترخيص (منطقة الفراغ) ــــــ

اتَّضح أن النظام الاجتماعي والأحكام الشرعية تنقسم إلى: أجزاء ثابتة؛ وأجزاء أخرى متغيِّرة. ونضيف هنا أنّ الأجزاء المتغيّرة من الأحكام هي تلك التي تُلقى على كاهل وليّ الأمر والحاكم الإسلامي؛ ليعمل على وضع القوانين بشأنها، من خلال الاستلهام من روح الشريعة، والاستعانة بالأجزاء الثابتة من الأحكام الشرعية، على أساس مراعاة مصلحة المجتمع، آخذاً بنظر الاعتبار على الدوام حيوية الدين وانسجامه مع تطوُّر المجتمعات البشرية؛ من أجل حلّ صعوبات الحياة. وقد أطلق السيد الصدر على هذه المسؤولية تسمية (منطقة الفراغ)([29])، ذاهباً إلى القول بأنّ الفقيه الجامع للشرائط ـ بوصفه وليّ الأمر والحاكم الإسلامي، وكونه يتمتَّع بالخصائص والمواصفات الضرورية لتولّي هذا الأمر الخطير ـ، يمكنه أن يملأ هذا الفراغ، آخذاً بنظر الاعتبار الظروف والشرائط الزمانية والمكانية، ومستعيناً بالجوانب الثابتة من الدين، والأحكام العامّة المهيمنة على الشريعة. وبطبيعة الحال فإن الشهيد الصدر إنما يذهب إلى هذا الرأي في خصوص المساحة التي لا توجد للشارع فيها أحكامٌ مُلزمة، بمعنى أنها تقتصر على دائرة المباحات فقط.

وعلى أيّ حال سواء ذهبنا إلى الولاية الجزئية للفقية أو قلنا بولايته المطلقة فإنّ أصل هذه المسألة سيُحدث تغييراً جذرياً في رؤيتنا إلى الأحكام الشرعية. وإنه من دون الالتفات إلى هذا المحور ستبقى الكثير من المشاكل ـ بما في ذلك المشاكل الاقتصادية ـ على حالها. وعلى أساس هذه الرؤية تمكن الشهيد الصدر من رسم الخطوط العريضة للاقتصاد الإسلامي، من خلال الالتفات إلى دور الدولة في حياة الناس، وأن يكتشف المذهب الاقتصادي في الإسلام من تضاعيف النصوص الشرعية والآراء الفقهية، والحفاظ على المصالح الواقعية للمجتمع الإسلامي. يقول&: «إن تقويم المذهب الاقتصادي في الإسلام لا يمكن أن يتمّ بدون إدراج منطقة الفراغ ضمن البحث، وتقدير إمكانات هذا الفراغ، ومدى ما يُمكن أن تُساهم عملية ملئه، مع المنطقة التي مُلئت من قبل الشريعة ابتداءً، في تحقيق أهداف الاقتصاد الإسلامي. وأما إذا أهملنا منطقة الفراغ ودورها الخطير فإنّ معنى ذلك تجزئة إمكانيّات الاقتصاد الإسلامي، والنظر إلى العناصر الساكنة فيه، دون العناصر المتحرِّكة»([30]).

حيث إن الدين الإسلامي الحنيف دينٌ خالد، ولا يقتصر على زمنٍ دون زمن، ومن ناحية أخرى حيث إن المجتمعات البشرية في تغيُّر مستمر، وتنتقل من حال إلى حال، فقد عمد الإسلام إلى بيان مبادئ التشريع في النظام الاجتماعي والاقتصادي، بحيث تندرج المصاديق الجديدة والمسائل المستحدَثة في كلّ حقل من الحقول تحت دائرة قانون الشرع. وبذلك فقد أبقى يد الحاكم الإسلامي مطلقة؛ كي لا يواجه طريقاً مسدوداً أو نقصاً على المستوى العملي. ومن هنا يمكن لنا أن نلتفت إلى أهمية وموقع الترخيص في اكتشاف وبلورة المذهب الاقتصادي في الإسلام، واعتباره عنصراً جوهرياً في التأسيس للنظام الاقتصادي:

«يجب أن نعطي هذا الفراغ أهمّية كبيرة خلال عملية اكتشاف المذهب الاقتصادي؛ لأنه يمثّل جانباً من المذهب الاقتصادي في الإسلام؛ فإن المذهب الاقتصادي في الإسلام يشتمل على جانبين:

أحدهما: قد مُلئ من قِبَل الإسلام بصورة منجَزة لا تقبل التغيير والتبديل.

والآخر: يُشكِّل منطقة الفراغ في المذهب، قد ترك الإسلام مهمّة مَلئها إلى الدولة أو وليّ الأمر، يملؤها وفقاً لمتطلبات الأهداف العامّة للاقتصاد الإسلامي ومقتضياتها في كلّ زمان»([31]).

مساحة وحدود وليّ الأمر ــــــ

لقد تولّى النبي الأكرم| أثناء أداء رسالته ثلاثة مناصب، وهي:

1ـ بيان الأحكام وتبليغ الرسالة والدعوة إلى القيم وفضائل الأخلاق.

2ـ القضاء وحلّ النزاعات والخصومات.

3ـ إدارة الأمور السياسية والاجتماعية وإمامة الناس وقيادتهم([32]).

فقام بتطبيق القانون الذي جاء به، وعمد إلى تأسيس دولة؛ من أجل تحقيق الأهداف الإلهية والسماوية التي أنزلها الله عليه. وإن هذه الوظائف النبوية الثلاثة ـ من وجهة نظر الشيعة ـ قد انتقلت منه إلى الإمام عليّ× والأئمّة الأطهار^ من ذرّيته. وقد بذل هؤلاء الأئمّة كلّ ما في وسعهم من أجل تبليغ الدين وهداية الناس ودعوتهم إلى حقائقه، بما سمحت لهم الظروف والشرائط في عصر كلّ واحدٍ منهم، ولو سمحت لهم الفرصة لمارسوا الحكم وإدارة المجتمع. وقد استمر هذا الأمر إلى عصر الغيبة الكبرى، حيث انتقل هذا المنصب إلى الفقيه الجامع للشرائط.

وهنا نتساءل: ما هي حدود هذه الولاية؟ من الواضح أنّ الفقيه لا يحقّ له التصرُّف والتغيير في دائرة الأحكام التبليغية. فهو مجرَّد مبلِّغ ومبيِّن للأحكام العقلية الثابتة من الشريعة والدين. وأما الأحكام الصادرة عن النبيّ الأكرم| والإمام عليّ بن أبي طالب×، وغيرهما من الأئمّة الأطهار^، والتي صدرت عن مقام الولاية، وعلى أساس من اقتضاءات العصر والزمان، فهي قابلةٌ للتغيير والمواءمة مع العصور الأخرى. وإنّ الفقيه وولي الأمر هو الذي يحدِّد مصاديق وموضوعات هذه المقولات. فعليه أن يطبِّق الأحكام المتغيّرة في كلّ عصر على المسار التكاملي للمجتمع: «إنّ نوعية التشريعات التي ملأ النبيّ| بها منطقة الفراغ من المذهب، بوصفه وليّ الأمر، ليست أحكاماً دائمية بطبيعتها؛ لأنها لم تصدر من النبي بوصفه مبلِّغاً للأحكام العامّة الثابتة، بل باعتباره حاكماً ووليّاً للمسلمين. فهي إذاً لا تعتبر جزءاً ثابتاً من المذهب الاقتصادي في الإسلام، ولكنّها تلقي ضوءاً إلى حدٍّ كبير على عملية ملء الفراغ، التي يجب أن تمارس في كلّ حين وفقاً للظروف»([33]).

لقد قام النظام الاقتصادي في الإسلام على أساس العدالة الاجتماعية. وإنّ لهذا المفهوم في كلّ عصر مصاديقه الخاصّة. وعليه يجب على مَنْ يتولى قيادة أمور المجتمع أن يكون عادلاً وعالماً؛ لكي يتمكَّن من توجيه المجتمع بدراية وصفاء نحو القيم، ونحو تطبيق العدالة. وفي هذه الحالة فإن الأحكام الصادرة عنه ـ رغم أنّها تقع في دائرة الأمور المباحة ـ تكتسب صفة الوجوب أو الحرمة، ويجب على سائر الناس ـ بما فيهم الفقهاء ـ أن يتَّبعوا الفقيه الحاكم ووليّ أمر المسلمين.

وهذا ما توصَّل إليه السيد الصدر من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ﴾ (النساء: 59)؛ وذلك إذ يقول: «فإنّ هذا النصّ دلّ بوضوح على وجوب إطاعة أولي الأمر. ولا خلاف بين المسلمين في أنّ أولي الأمر هم أصحاب السلطة الشرعية في المجتمع الإسلامي، وإنْ اختلفوا في تعيينهم، وتحديد شروطهم وصفاتهم. فللسلطة الإسلامية العليا إذاً حق الطاعة والتدخُّل لحماية المجتمع وتحقيق التوازن الإسلامي فيه، على أن يكون هذا التدخُّل ضمن دائرة الشريعة المقدّسة»([34]).

وعلى هذا الأساس فإنّ مساحة تحرّك وصلاحيات ولي الأمر والدولة الإسلامية المشروعة واسعةٌ جداً. وإن وظيفة الدولة هي ضمان مستوى مناسب من الحياة. وقد تم طرح هذه المسؤولية في كلمات السيد الشهيد الصدر تحت عنوان (ضمان المعيشة)([35]).

إنّ هذا المفهوم ينسجم مع كلّ الظروف والشروط الزمانية، بما يتناسب والرفاه العامّ. كما أنّه يشتمل على الاحتياجات والضرورات الأولية والثانوية. وإن تحديد هذه الضرورات يقع على عاتق الدولة.

إنّ الأساس النظري لهذا الأصل هو (الضمان الاجتماعي، وتحقيق التوازن الاقتصادي)، الذي يفرض على الدولة بشكلٍ مباشر مسؤولية تطبيق ذلك بالنسبة إلى الحقوق الاجتماعية المشتركة في المصادر الطبيعية والثروة؛ وذلك لأن هذه المصادر الطبيعية مخلوقة لكي يستثمرها جميع الناس، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ (البقرة: 29).

وإنّ الدولة هي التي يجب أن توفِّر الأرضية المناسبة لكي يعمل الجميع على استثمار هذه المصادر الطبيعية. ويجب أن تحترم العدالة؛ لكي يغدو بالإمكان توفير الإمكانية للجميع في المشاركة، ولا تكون حِكْراً على طبقة بعينها. ويمكن الحصول على أقوى وأوضح الأدلّة الدامغة على ذلك في القرآن الكريم، إذ يقول تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الحشر: 6 ـ 7).

وقد توصَّل السيد الشهيد الصدر من خلال هذه الآية إلى قاعدة اليد، والضمان، الذي هو حقٌّ مشترك لأفراد المجتمع في الثروات والمصادر الطبيعية؛ إذ يقول: «ففي هذا النصّ القرآني قد نجد إشعاعاً بالأساس الذي تقوم عليه فكرة الضمان، وهو حقّ الجماعة كلّها في الثروة: ﴿كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾، وتفسيراً لتشريع القطاع العام في الفيء، بكونه طريقةً لضمان هذا الحقّ، والمنع عن احتكار بعض أفراد الجماعة للثروة، وتأكيداً على وجوب تسخير القطاع العام لمصلحة اليتامى والمساكين وابن السبيل؛ ليظفر جميع أفراد الجماعة بحقّهم في الانتفاع بالطبيعة التي خلقها الله لخدمة الإنسان»([36]).

وهذا الحكم لا يقتصر على المسلمين فحسب، بل يشمل حتّى أهل الذمّة الذين يعيشون في كنف الدولة الإسلامية، وذلك إذا أصبح الذمّي كبيراً أو عاجزاً عن الكسب، فتكون نفقته من بيت المال. وهذا ما أفتى به بعض الفقهاء، ومنهم: الشيخ الحر العاملي؛ إذ روى حديثاً عن الإمام علي× أنّه مرّ بشيخ مكفوف كبير يسأل، فقال أمير المؤمنين×: ما هذا؟ فقيل له: يا أمير المؤمنين، إنّه نصراني، فقال الإمام: استعملتموه حتّى إذا كبر وعجز منعتموه! أنفقوا عليه من بيت المال([37]).

لقد عمد الإسلام بما يتناسب وهذه الوظيفة الهامّة والمسؤوليات الخطيرة والجوهرية التي تقع على عاتق الدولة ـ أي خلق حالة المساواة الاجتماعية والرفاه العام ـ إلى منحها صلاحيّات قانونية وتطبيقية مناسبة، يمكن لها من خلال تفعيلها تنظيم الروابط الاقتصادية في المجتمع، وتضييق الفواصل الطبقية فيه.

الرقابة والإشراف ــــــ

وعلى أساسٍ من هذه الصلاحيات كلما أدّى تشريع قانون إلى عروض خللٍ في التكافؤ والتساوي الاقتصادي يأتي دور الإشراف والرقابة العادلة من قبل الدولة، وتخطيطها الصحيح للسيطرة وتصحيح المسار. وبذلك يتم احتواء المشكلة وحلّها. ومن باب المثال: إذا أدّى تشريع قانون المضاربة أو الإجارة أو المزارعة أو المساقاة وما إلى ذلك إلى ظهور رأسماليّين كبار تعيَّن على الدولة أن تعمل على السيطرة على هذا القانون، وتطبيق نظام الإسلام الصحيح والعادل. ويمكن استنباط جميع هذه الصلاحيات من العناصر الإسلامية الثابتة والمتغيِّرة في مجال الثروة والاقتصاد.

إنّ مساحة وحدود صلاحيات الدولة الإسلامية لا تقتصر على تطبيق الأحكام الإسلامية الثابتة في المجالات الاقتصادية فحسب، بل تتكفَّل بتطبيق الأحكام التشريعية الثابتة، كما تتكفَّل بوضع القوانين والتشريعات الجديدة التي يجب تدوينها طبقاً للمستجدّات الزمنية والضرورات الاجتماعية. وإنّ هذه الخصوصية تُعَدّ عنصراً حيوياً قائماً في الحقوق والاقتصاد الإسلامية ومنظومة الاقتصاد الإسلامي، وتجعلها منسجمة مع الزمن.

وطبقاً لهذا الحقّ الذي تمتلكه الدولة الإسلامية إذا استعمل أصلٌ من الأصول الاقتصادية في الإسلام بشكلٍ خاطئ، بحيث يعرِّض المصالح العامة والعدالة الاجتماعية للخطر، أمكن للدولة الإسلامية ولوليّ الأمر أن يحول دون تطبيق ذلك الأصل، أو العمل على تطبيقه ضمن شروط محدَّدة. ومن باب المثال: كان بإمكان الأفراد في السابق أن يعملوا على عملية إحياء الأرض، واستثمار الطبيعة على نطاق محدود، أمّا الآن، ومن خلال تطوُّر الأدوات والإمكانات المالية والتقنية، فقد غدا بإمكان جماعةٍ قليلة أن تستخدم أدواتٍ قليلةً جدّاً، وأن تحتكر أراضٍ واسعةً لصالحها، والعمل على إحيائها. ومن البديهي في ظلّ هذه الظروف أنّه يتعيّن على الدولة أن تمارس سلطتها من أجل ضمان التوازن الاجتماعي، وأن ترسم حدوداً معيَّنة لعملية إحياء الأراضي([38]).

القيمة والسعر ــــــ

لا شكّ في أنّه كما أنّ العملية الإنتاجية عملية قيِّمة ولها سعرٌ كذلك عملية التوزيع أيضاً. وإن عملية التوزيع تعتبر عنصراً مؤثِّراً في تنظيم حياة المجتمع، ويجب التعويل عليها. وإن الأصل الأولي يقضي بأنّ الفرد المنتِج يستطيع أن يبيع بضاعته التي أنتجها بأيِّ سعر شاء، أو أن ينقلها إلى شخص آخر كموزِّع؛ ليستفيد منها، ويقوم بإيصالها إلى المستهلك.

وأما في النظام الاقتصادي السليم فكما يتمّ وضع سعر محدَّد وعادل للإنتاج كذلك يتمّ وضع تسعيرة محدَّدة لعملية التوزيع. من هنا لا يحقّ لأي شخص في المجتمع الإسلامي أن يقيِّم عمله أو بضاعته طبقاً لهواه. فإذا أحسَّت الدولة الإسلامية أنّ العرض والطلب الحُرّ يضرّ بالعدالة والتكافؤ الاقتصادي، وأنه أضحى منشأ للفساد والإخلال، أمكنها تنظيم هذه العملية، من خلال فرض تسعيرة محدَّدة وعادلة. وهذا الأمر نشاهده في كلمات الفقهاء، ومنهم: الإمام الخميني، حيث يقول: «للإمام× ووالي المسلمين أن يعمل ما هو صلاح المسلمين، من تثبيت سعر أو صنعة، أو حصر تجارة أو غيرها، مما هو دخيل في النظام وصلاح للمجتمع»([39]).

وعلى أيّ حال فإن تثبيت الأسعار في المجتمع الوسطي، الذي يتمتَّع بروح المساواة، والذي يعمل من أجل مصلحة النظام والشعب، والذي يُدَار من قبل الحكومة الصالحة والسالمة، هو مفتاحٌ لحلِّ الكثير من المشاكل الاقتصادية.

يرى السيد الشهيد الصدر أنّ من وظائف ومسؤوليات الدولة الإسلامية المنع من الاحتكار، والقضاء على التضخُّم المفتعل في الأسعار والقيمة الحقيقية والواقعية، وتفعيل عمليّة الإنتاج، وإخراجها من الحالة الرأسمالية، وما يترتَّب عليها من التبعات السلبية، وإقرار التوازن في المجتمع على مستوى الثروة الوطنية.

«إنّ من واجب الدولة أن تمنع من الاحتكار وسائر الأسباب التي تخلّ بالتوازن الاجتماعي. كما يجب على الدولة أن يكون لها إشرافٌ على تحديد أسعار البضائع، لكي يتسنّى لها الحيلولة دون التضخُّم المصطنع (الذي يحصل عادةً من قبل الرأسماليين في المجتمعات التي يسودها النظام الرأسمالي، حيث يعملون على احتكار بضائعهم ومنتوجاتهم)؛ إذ عندما يكون هناك تضخُّم ترتفع قيمة البضائع طبقاً لقانون العرض والطلب؛ بسبب شحّ العرض وارتفاع الطلب، وفي المقابل تنخفض أجور العمال؛ وذلك لأنّ العامل ـ بسبب انعدام فرص العمل ـ يضطر لإمرار معاشه القبول بأدنى الأجور عند تعاقده مع صاحب العمل»([40]).

وبالإضافة إلى ما تقدم هناك مسؤوليات أخرى تقع على عاتق الدولة الإسلامية، وقد تعرّض لها السيد الشهيد الصدر، نشير إليها على النحو التالي:

ـ الإشراف على الحركة الإنتاجية في المجتمع.

ـ تحديد المسار السياسي الاقتصادي في إطار نماء الأرباح.

ـ الإشراف على المساومات.

ـ المنع من الاحتكار في جميع المجالات.

ـ توفير فرص العمل لمَنْ يقدر عليه.

ـ تغطية القاصرين والعاجزين عن العمل.

ـ فرض الضرائب على المدَّخرات الراكدة والمتراكمة.

ـ الحدّ من الوسطاء الذين يقفون بين المنتِج والمستهلك([41]).

كانت هذه إطلالة على آراء وأساليب بحث السيد الشهيد الصدر حول المسائل الاقتصادية، والكشف عن المذهب الاقتصادي في الإسلام.

 

الهوامش

(*) باحثٌ متخصِّص في الاقتصاد الإسلامي.

([1]) مجموعه مقالات فارسي (سلسلة مقالات باللغة الفارسية) 1: 274، بنياد پژوهشهاي إسلامي آستان قدس رضوي.

([2]) السيد كاظم الحائري، مباحث الأصول 1: 64.

([3]) مجموعه مقالات فارسي (سلسلة مقالات باللغة الفارسية) 1: 30.

([4]) محمد باقر الصدر، اقتصادنا: 337، تحت عنوان (الاقتصاد الإسلامي جزءٌ من كلّ).

([5]) المصدر السابق: 417 ـ 418، تحت عنوان (المذهب الاقتصادي والإسلام).

([6]) المصدر السابق: 421، تحت عنوان (التمييز بين علم الاقتصاد والمذهب الاقتصادي).

([7]) محمد باقر الصدر، الأعمال الكاملة: 16، مقاله مباني اقتصاد در جامعه إسلامي (مقالة أسس الاقتصاد في المجتمع الإسلامي)، ترجمها إلى الفارسية: هادي الأنصاري.

([8]) السنن التاريخية في القرآن.

([9]) محمد باقر الصدر، البنك اللاربوي في الإسلام: 21.

([10]) محمد باقر الصدر، الأعمال الكاملة: 10، مقاله مباني اقتصادي در جامعه إسلامي (مقالة الأسس الاقتصادية في المجتمع الإسلامي) (بتصرّف)، ترجمها إلى الفارسية: هادي الأنصاري.

([11]) نسبة إلى كتاب جواهر الكلام، لمؤلِّفه: الشيخ محمد حسن النجفي.

([12]) انظر: اقتصادنا: 466 ـ 467، بتصرُّف يسير.

([13]) اقتصادنا 2: 25.

([14]) المصدر السابق 2: 354.

([15]) المصدر السابق: 439.

([16]) محمد باقر الصدر، إسلام ومكتبهاي اقتصادي: 29، ترجمه إلى الفارسية: محمد نبي زاده.

([17]) السيد محمد باقر الصدر، الأعمال الكاملة 9: 8، مقال تصويري أز اقتصاد إسلامي، ترجمه إلى الفارسية: الدكتور جمال الموسوي.

([18]) اقتصادنا: 321.

([19]) المصدر السابق: 483.

([20]) المصدر السابق: 335.

([21]) المصدر السابق: 785 ـ 786.

([22]) المصدر السابق: 448 ـ 449.

([23]) المصدر السابق: 452 ـ 453.

([24]) المصدر السابق: 453.

([25]) المصدر السابق: 457 ـ 458.

([26]) وسائل الشيعة 29: 430، الباب 7 من أبواب كتاب إحياء الموات، ح3.

([27]) مجموعه آثار شهيد صدر: 9، مقاله مباني اقتصاد در جامعه إسلامي.

([28]) المصدر السابق: 15.

([29]) اقتصادنا: 400، 721، دار التعارف، بيروت.

([30]) المصدر السابق: 444.

([31]) المصدر السابق: 443.

([32]) انظر: محمد بن مكي العاملي (الشهيد الأول)، القواعد والفوائد 1: 214، مكتبة المفيد، قم المقدسة.

([33]) اقتصادنا: 444.

([34]) المصدر السابق: 328.

([35]) المصدر السابق: 351.

([36]) المصدر السابق: 781.

([37]) المصدر السابق: 782؛ وانظر كذلك: وسائل الشيعة 15: 66، الباب 19 من أبواب جهاد العدو، ح1.

([38]) اقتصادنا 2: 93.

([39]) الإمام الخميني، تحرير الوسيلة 2: 626.

([40]) انظر: محمد باقر الصدر، الأعمال الكاملة: 38، مقالة الأسس الاقتصادية في المجتمع الإسلامي.

([41]) المصدر السابق: 36، مقالة صورة عن الاقتصاد الإسلامي.