ميراث الزوجة في الفقه الجعفري

23 أبريل 2015
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
25٬708 زيارة

ميراث الزوجة في الفقه الجعفري

دراسة مقارنة بين الفقه والقانون

د. علي أكبر أيزدي ­فرد(*)

د. السيد رضا سليمان­ زاده نجفي(**)

أ. حسين كاويار(***)

 

مقدمة

قرَّر مجلس الشورى الإسلامي الإيراني، بتاريخ 28/1/1430هـ ـ وهذه المادة كما نقلت الصحيفة الرسمية للبلاد رقم 18651، وتاريخ 14/3/1430هـ ـ التالي: «المادة الوحيدة: تحذف مادة 947، وتتغير مادتا 946 و948 من النظام المدني، المقرَّر بتاريخ 18/11/1346هـ، وذلك على النحو التالي:

مادة 946: يرث الزوج من جميع تركة زوجته، والزوجة ترث من الزوج إنْ كان له ولد ثُمْن الأموال المنقولة، ومن قيمة غير المنقولة من العرصة والأعيان. ولو لم يكن للزوج زوجة أخرى ترث الزوجة الربع من كل الأموال حسب الترتيب السابق([1]).

مادة 948: لو امتنع الورثة من أداء القيمة المذكورة يجوز للزوجة أن تطلب حقها من الأموال عينها».

حسب مادتي 946 و947 من النظام المدني، المقرَّر بتاريخ 18/11/1346هـ، يرث الزوج بعد وفاة زوجته من كل أموالها، المنقولة وغيرها، ولكن الزوجة بعد وفاة زوجها لا ترث إلا من المنقولة، ومن قيمة غير المنقولة، كالأبنية والأشجار.

إن أحكام ميراث الزوجين مستنبطة من الآية 12 من سورة النساء. وفي هذه الآية لا نرى في الظاهر فرقاً بين إرثهما. وقد درسنا في هذا البحث المتواضع هذا الموضوع في الفقه الإسلامي، والنظام المدني الإيراني، وألقينا الضوء على الأحاديث المروية في السنة النبوية والعترة الطاهرة، ولم يخلُ البحث من النقد، وبيان النتيجة النهائية.

1ـ ميراث الزوجين عند الإمامية

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (النساء: 12).

ذكرت هذه الآية أحكام ميراث الزوجين، وهي كما يلي:

الأول: لو ماتت الزوجة، ولم يكن لها ولد، يرث الزوج نصف ما تركته.

الثاني: لو ماتت الزوجة، ولها ولد، يرث الزوج ربع ما تركته.

ولاخلاف بين المذاهب الإسلامية في الحكمين السابقين. فقد اتفقوا على أن الزوج يرث من كلّ أموال الزوجة، المنقولة وغيرها.

الثالث: لو مات الزوج، وليس له ولد، ترث الزوجة ربع ما ترك.

الرابع: لو مات الزوج، وله ولد، ترث الزوجة ثُمن التركة.

هذان الحكمان الأخيران ـ خلافاً لسابقيهما ـ موضع خلاف بين الفقهاء المسلمين، من حيث الموضوع والتعلُّق، ولو أردنا دراسة الموضوع بالاعتماد على الأحاديث الصحيحة لرأينا أن هذه الروايات تنقسم إلى ثلاث مجموعات متميزة:

أـ المجموعة الأولى: الروايات التي تبيِّن إرث الزوجة من زوجها المتوفى على الإطلاق، دون أن تشير بصراحة إلى مسألة الأرض. ومن تلك الروايات:

1ـ روي عن أبي بصير، قال: سألت أبا جعفر× عن امرأة ماتت، وتركت زوجها، ولا وارث لها غيره؟ قال: إذا لم يكن غيره فالمال له، والمرأة لها الربع، وما بقي فللإمام([2]).

2ـ عن أبي بصير، عن أبي عبد الله×، قال: قلتُ له: رجل مات وترك امرأته؟ قال: المال لها([3]).  وسند هذه الروايه صحيح([4])([5]).

وهناك أحاديث أخرى عن الإمام× جعلت إرث الزوجة مطلقاً، ربع ما ترك الزوج، أو ثمنه.

وقد يفهم من الروايات التي تبطل العول والتعصيب([6])، وتُقدِّر نصيب الزوجين مطلقاً، أن المرأة ترث من كلّ ما ترك الزوج. ومن هذه الروايات:

1ـ عن أبي بصير، عن أبي عبد الله× قال: أربعة لا يدخل عليهم ضرر في الميراث: الوالدان، والزوج، والمرأة([7]).

2ـ «…ولا تنقص الزوجة من الربع شيئاً إذا لم يكن ولد، فإذا كان معهما ولد فللزوج الربع، وللمرأة الثمن([8]).

3ـ عن أبي عبد الله وعن أبي جعفر’ أنه سئل عن امرأة تركت زوجها؟ قال:… فإن ترك الميت أماً أو أباً وامرأة وبنتاً فإن الفريضة من أربعة وعشرين سهماً، للمرأة الثمن ثلاثه أسهم من أربعة وعشرين، ولأحد الأبوين السدس أربعة أسهم، وللبنت النصف اثنا عشر سهماً، وبقي خمسة أسهم مردودة على سهام البنت وأحد الأبوين على قدر سهامهم، ولا يُرَدّ على المرأة شيء. وإن ترك أبوين وامرأة وبنتاً فهي أيضاً من أربعة وعشرين سهماً، للأبوين السدسان ثمانية أسهم، لكلّ واحد أربعة أسهم، وللمرأة الثمن ثلاثة أسهم، وللبنت النصف اثنا عشر سهماً، وبقي سهم واحد مردود على البنت والأبوين على قدر سهامهم، ولا يردّ على المرأة شيء([9]).

ووفقاً لما ورد في هذا الحديث الشريف فإن الأموال تقسَّم إلى 24 سهماً. ولا نرى أيّ فرق بين الزوجة وسائر الورثة في الاستفادة ممّا ترك المتوفى من الأرض وغيرها. وبعبارة أخرى: هذا الحديث يشير إلى أن الزوجة ترث من كلّ ما ترك الزوج.

ولو لم تكن الزوجة لترث من الأرض والبيت لصرّح الأئمة^ بذلك جواباً عن أسئلة السائلين، أنه يجب تسعير أموال المتوفى، وإعطاء الزوجة ثمنها، ثم أمروا بما بقي ممّا ترك من المنقولات وغيرها، وتعيين سهم كلٍّ من الورّاث.

ب ـ المجموعة الثانية: الأحاديث التي تذكر حرمان الزوجة من بعض ما ترك الزوج. ومنها:

1ـ عن ميسر بيّاع الزطّي، عن أبي عبد الله×، قال: سألته عن النساء ما لهنّ من الميراث؟ قال: لهنّ قيمة الطوب والبناء والخشب والقصب، فأما الأرض والقارّات فلا ميراث لهنّ فيه، قال: قلتُ: فالبنات؟ قال: البنات لهنّ نصيبهنّ منه، قال: قلتُ: كيف صار ذا ولهذه الثمن ولهذه الربع مسمّى؟ قال: لأنّ المرأة ليس لها نسب ترث به، وإنما هي دخيل عليهم، إنما صار هذا كذا لئلاّ تتزوّج المرأة، فيجيء زوجها أو ولدها من قوم آخرين، فيزاحم قوماً آخرين في عقارهم([10]).

2ـ عن أبي عبد الله× قال: لا ترث النساء من عقار الدور شيئاً، ولكن يقوّم البناء والطوب، وتعطى ثمنها أو ربعها، قال: وإنما كان ذلك لئلا يتزوَّجْن، فيفسدن على أهل المواريث مواريثهم([11]).

3ـ عن محمد بن سنان أنّ الرضا× كتب إليه في ما كتب من جواب مسائله: علة المرأة أنها لا ترث من العقار شيئاً إلا قيمة الطوب والأرض؛ لأن العقار لا يمكن تغييره وقلبه، والمرأة قد يجوز أن ينقطع ما بينها وبينه من العصمة، ويجوز تغييرها وتبديلها، وليس الولد والوالد كذلك؛ لأنه لا يمكن التفصّي منهما، والمرأة يمكن الاستبدال بها، فما يجوز أن يجيء ويذهب كان ميراثه في ما يجوز تبديله وتغييره إذا أشبهه، وكان الثابت المقيم على حاله كمن كان مثله في الثبات والقيام([12]).

4ـ عن أبي عبد الله× قال: إنما جعل للمرأة قيمة الخشب والطوب لئلا تتزوَّج، فتدخل عليهم مَنْ يفسد مواريثهم([13]).

5ـ قال أبو عبد الله×: ترث المرأة الطوب، ولا ترث من الرباع شيئاً، قال: قلتُ: كيف ترث من الفرع، ولا ترث من الرباع شيئاً؟ فقال لي: ليس لها منهم نسب ترث به، وانما هي دخيل عليهم، فترث من الفرع، ولا ترث من الأصل، ولا يدخل عليهم داخل بسببها([14]).

وهناك أحاديث أخرى تذكر حرمان الزوجة من بعض أموال الزوج اعتباطاً. ومنها:

1ـ عن أبي جعفر×: إن المرأة لا ترث ممّا ترك زوجها من القرى والدور والسلاح والدواب شيئاً، وترث من المال والفرش والثياب ومتاع البيت مما ترك، وتقوم الأرض والأبواب والجذوع والقصب فتعطى حقّها منها([15]).

2ـ عن أبي جعفر× قال: النساء لا يرثن من الأرض ولا من العقار شيئاً([16]).

نستنتج من الأحاديث السابقة أنهم حرموا الزوجة من ميراث الزوج في الأرض والعرصة بأدلة ثلاثة، وهي:

1ـ المرأة أجنبية، وليس لها علاقة نسبية تسبِّب الميراث من الزوج.

2ـ لو ورثت المرأة من الأرض والبيت لربما تتزوج مرة أخرى، وتُدخل رجلاً أجنبياً بين أبناء الزوج، ويؤدي هذا إلى فساد أموالهم الموروثة.

3ـ إن العلاقة السببية بين الزوجين غير ثابتة إطلاقاً، فميراثهما كذلك.

و هناك سؤال يطرح نفسه، وهو: هل الأدلة السابقة من باب بيان علّة صدور مثل هذه الأحكام أم هي بيان لفلسفة وضع الأحكام المذكورة؟

إذا كانت الأدلة الثلاثة السابقة من باب بيان العلة([17]) فيرد عليها بعض الإشكالات:

الأول: يقال: إن المرأة أجنبية، ولا علاقة نسبية بينها وبين زوجها تسبِّب الميراث، مع أن لها من زوجها المتوفّى ولداً أو أولاداً، فليست بأجنبية البتّة، بل لها من جهة الأولاد قرابة ونسب.

و بعبارة أخرى: لو مات الولد ترثه الأم نسباً، وبما أن الابن يرث من الأب من طريق النسب، فالمرأة ليست بأجنبية، والعلاقة النسبية التي تُوجب الميراث موجودة بينهما([18]).

الثاني: لو كان سبب حرمان الزوجة من العرصة إمكان تجديد الزواج، وإتيان الزوج الجديد، وإفناء سهم الورثة، فيجب أن نغيِّر الحكم إذا لم تتزوَّج المرأة بعد وفاة زوجها.

كما ومن الممكن أن ندفع للزوجة قيمة سهمها من الأرض حتى تبقى الأرض، ولا نرى أي فساد في سهم الورثة بدخول الزوج الجديد في الأسرة.

ومن جهة أخرى لو تزوَّجت المرأة بعد وفاة زوجها أخا زوجها المتوفّى فأخوه ليس بغريب وأجنبي بالنسبة إلى سائر الورّاث.

الثالث: يقال: إن العلاقة الزوجية غير ثابتة، ويمكن تغييرها واستبدالها في كلّ حال، فميراثها أيضاً من أمور غير ثابتة. ونحن نعلم أن تغيير الدور واستبدالها، وشراء البيوت وبيعها في زماننا هذا، أسهل بكثير من اختيار الزوج.

وردّاً لهذه الإشكالات الواردة يمكن القول: إن الأدلة المستخرجة من الأحاديث المروية، والتي تدلّ على حرمان الزوجة من الأرض، ليست من باب بيان العلة، بل هي بصدد بيان فلسفة جعل هذه الأحكام. وهذا يعني أن الإمام لم يكن في مثل هذه الأسئلة المطروحة بصدد بيان علة واقعية لتشريع الحكم المذكور، بل هو يفسِّر ويبيِّن العلل الواردة والحكمة المقتضية في هذا الشأن. ولا شك أن هناك بعض الأسئلة الأخرى، ومنها:

هل يمكن بهذه الحكمة أن نخصِّص ونؤوِّل نصّ القرآن في سورة النساء؟ ألا يجب أن ترى الحكمة المذكورة في الأغلبية والأكثرية، مع أننا نجد في الواقع أن الاعتقاد بأجنبية الزوجة بعد وفاة زوجها، وفساد سهم الورثة بسبب زواجها الجديد، أمر يندر وقوعه جدّاً؟ وإن المحكمة في عصرنا تتولى كتابة تركة الميت، وتقسيمها.

ج ـ المجموعة الثالثة: الأحاديث التي تدلّ صراحةً على أن الزوجة ترث من كلّ أموال زوجها المتوفى، ومنها:

1ـ عن أبي عبد الله× قال: سألته عن الرجل هل يرث من دار امرأته وأرضها من التربة شيئاً، أو يكون ذلك بمنزلة المرأة، فلا يرث من ذلك شيئاً؟ فقال: يرثها وترثه، كلّ شيء ترك أو تركت([19]).

يدلّ هذا الحديث على أنه ليس هناك أيّ فرق بين الزوجين في مسألة الإرث. وهذه الدلالة تتطابق تماماً مع مفهوم الآية الكريمة([20]).

و قد حمل الشيخ الطوسي والشيخ الصدوق الحديث السابق على المرأة التي لها ولد من زوجها المتوفّى، ثم ذكرا، تأييداً لهذا الرأي، حديثاً آخر، وهو: في النساء إذا كان لهنّ ولد أعطين من الرباع([21]).

2ـ عن محمد بن نعيم الصحّاف قال: مات محمد بن أبي عمير بيّاع السابري، وأوصى إليّ، وترك امرأة، ولم يترك وارثاً غيرها، فكتبت إلى العبد الصالح×، فكتب إليّ: أعطِ المرأة الربع، واحمل الباقي إلينا([22]).

لا يوجد في كلام الإمام× أي تصريح أو إشارة إلى العرصة والأعيان. وهذا السكوت يدلّ على أن المرأة ترث زوجها في كل أمواله، إذا لم يكن له وارث آخر على الأقل.

جولة على آراء فقهاء الشيعة

مع أن الشيخ الصدوق نفسه قد أتى ببعض الأحاديث من المجموعة الثانية، أي الأحاديث التي تدلّ على حرمان الزوجة من الأرض ظاهراً، لكنّه من جهة أخرى نظر إلى الروايات المذكورة بعين الاعتبار، وحمل مدلولها على المواضع التي لا ولد للمرأة من زوجها المتوفى. فقد أورد في كتاب «من لا يحضره الفقيه» نقلاً عن أبي عبد الله×، قال: سألته عن الرجل، هل يرث دار امرأته وأرضها من التربة شيئاً، أو يكون في ذلك بمنزلة المرأة، فلا يرث من ذلك شيئاً؟ فقال: يرثها وترثه، من كلّ شي ترك وتركت([23]) .

قال مصنِّف هذا الكتاب (أي الصدوق): هذا إذا كان لها منه ولد، أما إذا لم يكن لها منه ولد فلا ترث من الأصول إلا قيمتها([24]).

يرى الشيخ الصدوق أن المرأة ترث من زوجها من كل الأموال، ولو لم يكن لها ولد من زوجها، ثم يذكر أنها لا ترث من الأموال غير المنقولة، كالأرض والبناء، بل يجب أن يدفع إليها قيمتها.

ويقول ابن الجنيد، وهو من الفقهاء المعاصرين للشيخ الصدوق، نقلاً عن العلامة الحلي: وإذا دخل الزوج أو الزوجة على الولد والأبوين كان للزوج الربع، وللزوجة الثمن، من جميع التركة، عقاراً أو أثاثاً، وصامتاً ورقيقاً، وغير ذلك([25])([26]).

وقد أدلى الشيخ المفيد برأيه في كتاب «المقنعة»، قائلاً: ولا ترث الزوجة شيئاً مما يخلِّفه الزوج من الرباع، وتعطى قيمة الخشب والطوب والبناء والآلات فيه. وهذا هو المنصوص عليه من نبي الهدى عليه وعلى آله السلام، ومن الأئمة من عترته^. والرباع هي الدور والمساكن، دون البساتين والضياع([27]).

يستنتج من الفقرات السابقة أن الشيخ المفيد أعلن أولاً: حرمان الزوجة من الرباع مطلقاً، سواء كان للزوج ولد أم لم يكن له ولد؛ وثانياً: استثنى من هذا الحكم البساتين والضياع.

وقال الشريف المرتضى، وهو تلميذ الشيخ المفيد، في كتابه «الانتصار»: «ومما انفردت به الإمامية أن الزوجة لا ترث من رباع المتوفى شيئاً، بل تعطى قيمة حقّها من البناء والآلات دون قيمة العراص. وخالف باقي الفقهاء في ذلك، ولم يفرقوا بين الرباع وغيرها في تعلُّق حق الزوجات… ويمكن أن يكون الوجه في صدّ الزوجة عن الرباع أنها ربما تزوجت، وأسكنت هذه الرباع مَنْ كان ينافس المتوفى أو يغبطه أو يحسده، فيثقل ذلك على أهله وعشيرته، فعدل بها عن ذلك على أجمل الوجوه»([28]).

وذكر الشيخ الطوسي في عدد من كتبه، كالنهاية، والخلاف، وتهذيب الأحكام، عدداً من الآراء، ثم أدلى برأيه في كتاب «النهاية»، قائلاً: والمرأة لا ترث من زوجها من الأرضين والقرى والرباع من الدور والمنازل، بل يقوّم الطوب والخشب وغير ذلك من الآلات، وتعطى حصتها منه، ولا تعطى من نفس الأرض شيئاً. وقال بعض أصحابنا: إن هذا الحكم خاصٌّ بالدور والمنازل، دون الأرضين والبساتين([29]). والأول أكثر في الروايات، وأظهر في المذهب. وهذا الحكم الذي ذكرناه إنما يكون إذا لم يكن للمرأة ولد من الميت؛ فإن كان لها منه ولد أُعطيت حقها من جميع ما ذكرناه، من الضياع والعقار والدور والمساكن([30]).

يستنبط من عبارات الشيخ في «النهاية» أن حرمان الزوجة من الأرض يخصّ النساء اللاتي ليس لهنّ ولد من أزواجهن، ولو كان لهنّ ولد ورثن من كل أموال بعولتهنّ،خلافاً لما اعتقد الشيخ المفيد، حيث منع أن ترث المرأة من بيت زوجها، سواء كان له ولد أو لم يكن له ولد، ولكنها ترث من سائر أمواله، من الحديقة والبستان والضياع.

ويقول الشيخ الطوسي في كتابه «الخلاف»، دون أن يفرِّق بين المرأة التي لها ولد من زوجها والتي ليس لها ولد: لا ترث المرأة من الرباع والدور والأرضين شيئاً، بل يقوّم الطوب والخشب، فتعطى حقها منه. وخالف جميع الفقهاء في ذلك، وقالوا: لها الميراث من جميع ذلك. دليلُنا: إجماع الفرقة وأخبارهم([31]).

وهنا نذكر بعض النكات الهامّة بالنسبة إلى العبارت السابقة:

أولاً: إن للشيخ الطوسي رأياً آخر في كتابيه «النهاية» و«التهذيب».

ثانياً: كما ذكر سابقاً فإن للشيخ الصدوق وابن الجنيد والشيخ المفيد والشريف المرتضى آراء غير الرأي الأخير للشيخ الطوسي. فلا يوجد إجماع بين الفقهاء كما ذكر الشيخ الطوسي في كتاب الخلاف. ولو افترضنا أن الأمر إجماعي ـ كما ذكره الشيخ الطوسي ـ ألا يكفي تعارض الإجماع مع ظاهر القرآن في ضعف الرأي ووهنه؟

بعدما يذكر الشيخ الطوسي حديث: «يرثها وترثه، كل شيء ترك أو تركت» يقول: هذا الخبر محمولٌ على أنه إذا كان للمرأة ولد فإنها ترث من كل شيء تركه الميت، عقاراً كان أو غيره([32]).

وفي هذه الصورة من اللازم أن نحمل كلام الشيخ في كتاب «الخلاف» في ادّعاء الإجماع على أن الزوجة لو لم يكن لها ولد من زوجها المتوفى لا ترث من المنقولات مطلقاً، من الأرض والبستان والقرية، وقد أدلى بهذا الرأي في «النهاية»، ولكن لو كان لها ولد من زوجها المتوفى ترث من جميع أمواله.

وقد قبل الشيخ في «تهذيب الأحكام» رأي الشيخ الصدوق، ولكنه في كتابه الآخر، أي «الاستبصار»، الذي ألّفه بعد «تهذيب الأحكام»، لم يقبل رأي الشيخ الصدوق، ثم يذكر وجهين آخرين لتوجيه الحديث: «يرثها وترثه، كل شيء ترك أو تركت».

إنه يقول: فلا تنافي الأخبار الأولى من وجهين: أحدهما: أن نحملها على التقية، لأن جميع مَنْ خالفنا يخالفنا في هذه المسألة، وليس يوافقنا عليها أحد من العامة، وما يجري هذا المجرى يجوز التقية فيه؛ والوجه الآخر: إن لهنّ ميراثهن من كل شيء ترك، ما عدا تربة الأرض من القرى والأرضين والرباع والمنازل، فنخصّ الخبر  بالأخبار المتقدمة. وكان أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه (الشيخ الصدوق&) يتأوَّل هذا الخبر، ويقول: ليس لهنّ شيء ـ مع عدم الأولاد ـ من هذه الأشياء المذكورة، فإذا كان هناك ولد فإنها ترث من كل شيء([33]).

وبهذا البيان يظهر أن الشيخ الطوسي، الذي قد قبل في «تهذيب الأحكام» رأي الشيخ الصدوق، قد رفض رأيه في كتابه الآخر، أي «الاستبصار».

يرى ابن حمزة أن الزوجة ذات الولد من زوجها المتوفى عنها يلزم ميراثها في جميع تركته، وإن لم تكن ذات ولد منه لم يكن لها حقٌّ في الأرضين والقرى والمنازل والدور والرباع. ورويت روايات مختلفة بخلاف ذلك([34]).  

ويرى العلامة الحلي، بعدما يذكر آراء الفقهاء في كتاب «مختلف الشيعة»، رأي السيد المرتضى، في أن المرأة لا ترث من الأرض، ولكن يدفع إليها قيمتها([35])، والشيخ المفيد، في أن المرأة لا ترث من الأرض والسكن فقط، فيقول: وقول السيد المرتضى حسن؛ لما فيه من الجمع بين عموم القرآن وخصوص الأخبار. ثم قول شيخنا المفيد جيِّدٌ أيضاً؛ لما فيه من تقليل التخصيص، فإن القرآن دالٌّ على التوريث مطلقاً، فالتخصيص مخالف، وكلّما قلّ كان أولى. وبعد هذا كله فالفتوى على ما قاله الشيخ([36]).

وقد جمع الشهيد الثاني في كتاب «مسالك الأفهام» آراء الفقهاء الإمامية، ثم ذكر آراء خمسة:

أحدها: حرمانها من نفس الأرض، سواء كانت بياضاً أم مشغولة بزرع وشجر وبناء وغيرها، عيناً وقيمةً، ومن عين آلاتها وأبنيتها، وتعطى قيمة ذلك. وذهب إلى ذلك الشيخ في «النهاية»، وأتباعه، كالقاضي وابن حمزة، وقبلهم أبو الصلاح. وهو ظاهر مذهب المصنف في هذا الكتاب، والعلامة في «المختلف»، والشهيد في «اللمعة»([37]).

وثانيها: حرمانها من جميع ذلك، مع إضافه الشجر إلى الآلات في الحرمان من عينه، دون قيمته. وبهذا صرَّح من المتأخِّرين العلاّمة في «القواعد»، والشهيد في «الدروس»، وأكثر المتأخِّرين، وادّعوا أنه هو المشهور، بل ادّعوا أنه عين الأول.

وثالثها: حرمانها من الرباع ـ وهي الدور والمساكن ـ، دون البساتين والضياع، وتعطى قيمة الآلات والأبنية من الدور والمساكن، دون البساتين، وهو قول المفيد، وابن إدريس، والمصنِّف في «المختصر النافع»، وتلميذه مصنِّف «كشف الرموز».

ورابعها: حرمانها من عين الرباع خاصّة، لا من قيمته. وهو قول المرتضى، واستحسنه في «المختلف».

وخامسها: إنّ ابن الجنيد منع من ذلك كلّه، وحكم بإرثها من كل شيء، كغيرها من الورّاث([38]).

وقال الشهيد الثاني، بعدما بيَّن آراء الفقهاء المختلفة في هذه المسألة: في بيان مَنْ يحرم الإرث مما ذكر من الزوجات: وقد اختلف الأصحاب فيه أيضاً؛ فالمشهور ـ خصوصاً بين المتأخِّرين، وبه صرَّح المصنِّف في الكتاب ـ اختصاص الحرمان بغير ذات الولد من الزوج. وذهب جماعة ـ منهم: المفيد، والمرتضى، والشيخ في «الاستبصار»، وأبو الصلاح، وابن إدريس، والمصنِّف في «النافع»، وتلميذه الشارح، بل ادّعى ابن إدريس عليه الإجماع ـ إلى أن هذا المنع عامٌّ في كل زوجة، سواء كان لها ولد من الميت أم لا؛ عملاً بإطلاق الأخبار أو عمومها المتناول للجميع([39]).

ويقول المقدَّس الأردبيلي، بعدما ينقل عبارة صاحب «إرشاد الأذهان»، في أن المرأة إن كان لها ولد من زوجها المتوفى ترثه في جميع ما تركه، وإن لم يكن لها ولد لا ترث من الأرض شيئاً، وتدفع إليها قيمة البناء والأدوات والنخل والأشجار: هذه مسأله مشكلة؛ لأنها (أي إذا لم يكن لها منه ولد لم ترث من رقبة الأرض شيئاً وأعطيت حصتها من قيمة الآلات والأبنية والنخل والشجر على رأي) خلاف ظاهر القرآن، وعموم الأخبار الكثيرة، الداّلة على أن الزوجين يرثان كلّ واحد من صاحبه، من جميع ما ترك، كسائر الورثة، فإخراج الزوجة منهما مشكل([40]).

وكتب محمد حسن النجفي صاحب كتاب «جواهر الكلام»: لا خلاف بين المسلمين في أن الزوج يرث من جميع ما تركته زوجته، من أرض وبناء وغيرهما. كما أنه لا خلاف معتدّ به بيننا في أن الزوجة في الجملة لا ترث من بعض تركة زوجها، بل في «الانتصار»: مما انفردت به الإمامية حرمان الزوجة من أرباع الأرض، بل عن «الخلاف» و«السرائر» الإجماع على حرمانها من العقار([41]).

ويرى صاحب الجواهر، بعدما يبيِّن بعض آراء الفقهاء، أن التفصيل بين المرأة ذات الولد وبين غير ذات الولد رأي بلا دليل، والمراد من العقار الأرض مطلقاً، ويعتقد أن النساء محرومات من إرث الأرض مطلقاً([42])([43]).

2ـ إرث الزوجة في القانون الإيراني

المادة 946 من القانون المدني، المقرَّر بتاريخ 18/11/1346هـ، تدلّ على ما تدلّ عليه الآية 12 من سورة النساء، وتصرِّح بأن الزوج يرث من كل أموال الزوجة، ولكنّها بالنسبة إلى الزوجة تعرض عن الآية وظاهرها وعموميتها، واتَّبعت الرأي الأول والثاني للشهيد الثاني في كتاب «مسالك الأفهام»، ثم تنقل عن عدد من الفقهاء الإمامية أنهم قد حرموا الزوجة من الأرض، وقالوا: إنها تستحق من قيمة الأرض وأشجارها.

تقول المادة 946، بعد أن تبيِّن أن الزوج يرث من جميع أموال الزوجة: «…ولكن الزوجة ترث من الموارد التالية فقط: 1ـ من الأموال المنقولة مهما كانت؛ 2ـ من الأبنية والأشجار».

ثم تقول المادة 947: «الزوجة ترث من قيمة الأشجار والأبنية، لا من أعيانها. وأسلوب التسعير هو أنه تسعر الأبنية والأشجار في حالة وجودها على الأرض».

وبعبارة أخرى: الزوجة لا ترث بعد موت زوجها من العمارة التي عاشت فيها طوال سنوات عديدة مع زوجها، بل ترث الربع أو الثمن فقط من قيمة أشجارها وأبنيتها، حسب تسعير المادة 947.

وتكهَّنت المادة 948 من القانون المدني بأنه إذا امتنع الورثة عن دفع حقّ الزوجة فإنها تستحق أن تأخذ حقّها من عين الأرض.

كادت الأسرة في الآونة الأخيرة أن تتكون من الزوجين والأولاد، وقد ضعفت العلاقات الأسرية السابقة إلى حدٍّ ما. وعلى سبيل المثال: إن التوارث بين أحفاد العم والخالة لا يبتني على المحبة والعلاقة، ولا على طلب المتوفى، ولا يساعد العلاقات الأسرية. إن هؤلاء الأقرباء ربما لا يعرف بعضهم بعضاً، وخاصة في المدن الكبيرة، ولا نجد أية صلة بينهم. لذا فقد تغيَّرت الحكمة الموجبة للإرث، أو أوشكت على الفساد. ومن جهة أخرى فإن العلاقة بين الزوجين قد تغيَّرت حسب أخلاق شعبنا الحاضر، فإن المرأة ليست أجنبية التجأت إلى بيت بعلها حسب الضرورة التي اقتضت، وتبقى هناك حتى يفصل الموت بينها وبين زوجها، وعندما يتوفى الزوج فعليها أن ترجع إلى بيت أبيها. هذه الأجنبية هي مركز الحب والأحاسيس والمشاعر لهذه الأسرة الجديدة، وهي تساعد الزوج وتشاطره في الأحزان والآلام، وعندما يتوفى زوجها تحافظ على الأسرة وأواصرها، وهي التي تحمي الأولاد والأحفاد، فجدير بها أن لا تبقى بلا إرث أو أن تبقى ولها سهمٌ قليلٌ، ويرث أبناء العم الذين كانوا يعيشون بمعزل عن المتوفى طوال سنوات عديدة.

بتاريخ 28/1/1430هـ صادق مجلس الشورى الإسلامي على قانون إصلاح بعض مواد القانون المدني. وطبقاً لهذا القانون غيّر المادة 946 على النحو التالي: «الزوج يرث من جميع أموال الزوجة، والزوجة إن كان له ولد ترث الثمن من عين الأموال المنقولة، والثمن من قيمة الأموال غير المنقولة، من العرصة والأعيان؛ وإذا لم يكن له زوجة أخرى فهي ترث الربع من كل الأموال على الترتيب السابق». ثم حذفوا المادة 947 من القانون المدني، وغيروا المادة 948 على النحو التالي: «وإذا امتنع الورثة عن أداء القيمة إليها فهي تستحق أن تطلب حقها من عين الأموال».

حصيلة البحث

نستنتج من المباحث السابقة أننا لا نجد في القرآن الكريم أيّ تصريح بحرمان الزوجة من العرصة. والآية 12 من سورة النساء تنص على مساواة الزوجين في الإرث من كل ما تركه المتوفى منهما. وقد لاحظنا في القسم الأول من البحث أن هناك أحاديث تدل على ظاهر الآية وعموميتها.

يبدو أنه في التعارض بين الأخبار والروايات قد ترجَّح الأخبار التي تلائم الآية السابقة أكثر. وإن بعض خبراء الحقوق قد أشاروا إلى أن المسألة تحتاج إلى تأمُّل أكثر([44]).

من الأحاديث السابقة كلّها نفهم أن هناك إجماعاً بين فقهاء الشيعة على إرث الزوجة التي لها ولد من زوجها المتوفى([45]). وليس هناك أي إجماع بينهم على إرث المرأة التي لا ولد لها من زوجها المتوفى، وإنْ كان الرأي المشهور بينهم يدلّ على أن مثل هذه المرأة محرومة من العرصة.

ومن خلال الدراسة التاريخية لأقوال فقهاء الشيعة نجد آراءً منوَّعةً في المسألة. وقد أوردنا عشرة منها في القسم الأول من البحث. وإن عدم الحصول على رأي متَّفق عليه دليلٌ على أننا لا نستطيع بسهولة أن نغضّ النظر عن ظاهر الآية الشريفة وعموميتها، بل علينا أن نحمل الآية في الاستنتاجات العلمية بقدر الإمكان على ظاهرها، لا على ما ينافي الظاهر.

والروايات التي تنص على ميراث الزوجة من كلّ أموال زوجها المتوفى، أو على الأقل الزوجة التي لها ولد من زوجها المتوفى، قد قبلت هذا الرأي. وعلينا أن نتأمَّل أكثر فأكثر.

لم يناقش أحد من الفقهاء في سند الروايات من القسم الأوّل من البحث، بل صرفوا همّهم إلى شرحها ودراستها. فنرى ـ على سبيل المثال ـ أن صاحب «وسائل الشيعة»، بعد أن ذكر رأي الشيخ الطوسي والشيخ الصدوق في مسألة حديث: «في النساء إذا كان لهنّ ولد أعطين من الرباع»، كتب قائلاً: ويمكن حمله على رضا الوارث إعطاء العين، في ما عدا الأرض، وبإعطاء العين أو القيمة من الأرض([46]).

ولا شكّ أن مثل هذا الاستنباط من هذا الحديث المذكور خلاف للظاهر، ولا دليل عليه.

استناداً إلى ما ذكرناه في هذا البحث المتواضع نحصل على النتائج التالية:

1ـ لم تفرِّق الآية بين ميراث الزوجين. وإن ظاهر الآية وعموميتها تدلّ على أن الزوجة ترث ممّا تركه زوجها المتوفى. كما أن الزوج يرث من كل ما تركته أيضاً.

2ـ هناك أحاديث صحيحة وصريحة في المجموعة الأولى تتفق مع ظاهر الآية وعموميتها تماماً، ومن جهة أخرى الروايات في المجموعة الثالثة كلّها تؤيِّد ظاهر الآية أيضاً. ولو كان رأي أئمة الشيعة حرمان المرأة من العرصة والأرض للزم أن يذكروا ـ ولو إجمالاً ـ الفرق في ذلك، ولكننا نرى في كلّ هذه الأحاديث أنهم عيَّنوا سهم المرأة من كل ما تركه المتوفى صراحة.

3ـ إن آراء العلماء في المسألة مختلفة تماماً. وقد نرى أن بعضهم ـ كالشيخ الطوسي ـ قد ذكر آراءً مختلفة في مؤلَّفاته. وهذا كله دليل على أنهم مع طول الزمن ومضي الأيام قد حصلوا على آراء جديدة في ضمن دراساتهم، فاختلفت آراؤهم في تأليفاتهم المتأخِّرة عن آرائهم في تأليفاتهم المتقدِّمة([47]).

4ـ  إن الإجماع الذي يدَّعيه بعض العلماء في المسألة ليس إجماعاً يدل على قول الإمام وموافقة المعصوم. ولو كان هناك إجماع بعد الشيخ الطوسي لكان هذا الإجماع مستنداً إلى روايات لا نرى فيها رأي الإمام، وقبوله لها([48]).

5ـ إن سورة النساء هي السورة 92 من القرآن الكريم، وقد نزلت على النبي‘ بعد وقعة الأحزاب، وبعد نزول سورة الممتحنة. إذاً قد نزلت السورة في نهاية السنة الخامسة، أو بداية السنة السادسة. ومع ما نرى من رسالة النبي‘ في تبيين الأحكام للمسلمين، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: 44)، فإن السؤال المتبادر إلى الذهن هو: أَلَمْ يمُتْ رجلٌ متزوج في المدينة من زمن نزول الآية حتى وفاة النبي‘؟ فلماذا كان النبي‘ ساكتاً طيلة هذا الزمن؟ وبأيّ سبب كانوا يعملون بظاهر الآية وعموميتها؟ في الحقيقة لو لم يكن أي حق للزوجة في العرصة والعقار لكانوا قد أعطوا سائر الورّاث حقّ الزوجة، ولكن يجب أن نقول: إن النبيّ‘ والإمام علي× كانا في زمن حكمهما يعطيان المرأة من الأعيان، ولم يَرْوِ أحدٌ من الصحابة والتابعين والمفسِّرين هذه المسألة، ولم يذكرها العلماء في كتبهم.

الهوامش

(*) أستاذ في قسم الحقوق الخاصّة في جامعة مازندران في إيران.

(**) أستاذ مساعد في قسم اللغة العربية في جامعة إصفهان في إيران.

(***) ماجستير في الحقوق الخاصّة في جامعة مازندران في إيران.

([1]) هذا القانون بعد انقضاء زمن مصادقة مجلس صيانة الدستور عليه وقبل أن تسلم إجابة المجلس بتاريخ 12/3/1430ﻫ أرسل إلى مجلس الوزراء للتطبيق. والأصل 94 من الدستور الإيراني ينص: «كل مقررات مجلس الشورى الإسلامي يلزمها تصويب مجلس صيانة الدستور. وهذا المجلس يجب أن يدلي برأيه طوال عشرة أيام في أن يكون القانون وفقاً للقوانين الإسلامية والدستور. ولو كان معارضا لهما يعاد القانون إلى مجلس الشورى الإسلامي لإعادة النظر».

([2]) الصدوق، من لا يحضره الفقيه 4: 262؛ الطوسي، الاستبصار في ما اختلف من الأخبار 4: 150؛ الحرّ العاملي، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة 26: 203.

([3]) الحرّ العاملي، وسائل الشيعة 26: 198؛ الطوسي، الاستبصار في ما اختلف من الأخبار 4: 149؛ الطوسي، تهذيب الأحكام 9: 295.

([4]) الشهيد الثاني، مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام 13: 69؛ الأردبيلي، مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان 11: 426؛ السبزواري، كفاية الأحكام: 305.

([5]) الخبر الثاني يعارض ظاهراً الخبر الأول في تعلُّق أكثر من الربع للزوجة، ولكن الذي يهمنا في هذا البحث هو أن الإمام× صرَّح بأن الزوجة ترث من التركة على الإطلاق.

([6]) التعصيب من العصبة، وهو يشمل أقرباء المتوفى من الأب. واصطلاح الفقهاء يوجد إذا زاد قدر التركة من الوراث، وحينئذ يرد ذلك القدر إلى الأقرباء (المادتان 905 و914 من القانون المدني). والعول إذا قلّ قدر التركة من سهم الوراث، ويورد الفقهاء النقص على البنات من الطبقة الأولى، والكلالة، والطبقة الثالثة الذين هم الأقرباء من الأب (المواد 914 و927 و938 من القانون المدني).

([7]) الطوسي، تهذيب الأحكام 9: 250؛ الحرّ العاملي، وسائل الشيعة 26: 77؛ الكليني، الكافي 7: 82.

([8]) الكليني، الكافي 7: 83 ـ 82؛ الطوسي، تهذيب الأحكام 9: 251؛ الحرّ العاملي، وسائل الشيعة 26: 81.

([9]) الكافي 7: 97؛ تهذيب الأحكام 9: 289.

([10]) الكافي 7: 130؛ من لا يحضره الفقيه 4: 347؛ الاستبصار في ما اختلف من الأخبار 4: 152 ـ 153.

([11]) الكافي 7: 129؛ وسائل الشيعة 26: 208.

([12]) العطاردي الخبوشاني، مسند الإمام الرضا× 2: 424؛ وسائل الشيعة 26: 211؛ المجلسي، بحار الأنوار 101: 352.

([13]) تهذيب الأحكام 9: 299؛ من لا يحضره الفقيه 4: 348.

([14]) تهذيب الأحكام 9: 298؛ الكافي 7: 129؛ وسائل الشيعة  26: 206.

([15]) الكافي 7: 127 ـ 128؛ الاستبصار في ما اختلف من الأخبار 4: 151؛ وسائل الشيعة 26: 206.

([16]) الكافي 7: 127؛ الاستبصار في ما اختلف من الأخبار 4: 152؛ وسائل الشيعة 26: 207.

([17]) هذا كما يقال: هو يشرب الخمر؛ لأنها مسكرة. وفي هذه الصورة شرب الخمر وكلّ سائل مسكر حرام وممنوع. وسبب حرمة الخمر في هذا الحكم أنها مسكرة. ويقال: «العلة تعمِّم وتخصِّص» (الروحاني، فقه الصادق× 8: 310).

([18]) رأينا آنفاً؛ بسبب هذه الدلائل وسائر الاشكالات الموجودة، أن عدداً من الفقهاء رأوا أن حرمان الزوجة من الأرض يتحقق إذا لم يكن لها ولد من المتوفى.

([19]) الاستبصار في ما اختلف من الأخبار 4: 154؛ تهذيب الأحكام 9: 300.

([20]) إن بعض الفقهاء لما رأوا أن روايات المجموعة الثانية تنص على المعنى صراحة أظهروا بالنسبة إلى المجموعة الثالثة آراء متعددة. وقد حمل الشيخ الطوسي صدور الحديث من الإمام على التقية؛ لأن الجماعة تخالف الشيعة في هذه المسألة، وإنهم والشيخ الصدوق يرون أن الحديث يشترط أن تكون المرأة ذات ولد (الاستبصار في ما اختلف من الأخبار 4: 155). ويقول صاحب وسائل الشيعة، بعد أن يأتي بآراء الشيخ الطوسي والشيخ الصدوق: ويمكن حمله على رضا الوارث وإعطاء العين في ما عدا الأرض، وبإعطاء العين أو القيمة من الأرض (وسائل الشيعة 26: 213).

([21]) الاستبصار في ما اختلف من الأخبار 4: 155؛ من لا يحضره الفقيه 4: 349.

([22]) وسائل الشيعة 26: 202؛ الكافي 7: 126.

([23])  من لا يحضره الفقيه 4: 349.

([24]) من لا يحضره الفقيه 4: 349.

([25]) الحلّي، مختلف الشيعة 9: 34.

([26]) من الثمن الذي يذكره ابن الجنيد يظهر أن الأمر يتوقف على كون الزوج له ولد. ولكن لا ندري هل يجب أن يكون الولد من الزوجة التي يرثها أو إذا كان له ولد من غيرها من الأزواج؟!

([27]) المفيد، المقنعة: 687.

([28]) المرتضى، الانتصار: 585.

([29]) كما قلنا سابقاً فإن للشيخ المفيد أيضاً رأياً مثل هذا، وربما يشير الشيخ الطوسي إليه.

([30]) الطوسي، النهاية في مجرد الفقه والفتاوى: 642.

([31]) الطوسي، كتاب الخلاف 4: 116.

([32]) تهذيب الأحكام 9: 300 ـ 301.

([33]) الاستبصار في ما اختلف من الأخبار 4: 155.

([34]) ابن حمزة، الوسيلة إلى نيل الفضيلة: 391.

([35]) يختلف رأي الشريف المرتضى في «مختلف الشيعة» عما نقل عنه في كتابه الآخر، أي الانتصار.

([36]) الحلّي، مختلف الشيعة 9: 35.

([37]) كما ذكرنا سابقاً حين ذكر آراء الشيخ الطوسي يستنتج من عبارات النهاية والتهذيب أن حرمان الزوجة من العرصة إذا لم تكن ذات ولد من زوجها المتوفى.

([38]) الشهيد الثاني، مسالك الأفهام 13: 185.

([39]) مسالك الأفهام 13: 190 ـ 191.

([40]) الأردبيلي، مجمع الفائدة والبرهان 11: 442.

([41]) النجفي، جواهر الكلام 39: 207.

([42]) جواهر الكلام 39: 215.

([43]) الملفت للنظر في كتاب جواهر الكلام أن صاحب هذا الأثر قد درس ميراث الزوجة في صفحات كثيرة من كتابه هذا دون أن يتحدث عن الآية 12 من سورة النساء وعموميتها. وكان من اللازم أن يذكر رأيه على الأقل في حديث فضل بن عبد الملك وابن أبي يعفور أنه قال: يرثها وترثه، من كل شيء ترك وتركت (من لا يحضره الفقيه 4: 349)، ويشرح رأيه هل هذا الحديث يرجِّح الروايات أخرى من حيث مطابقة الحديث والآية؟

([44]) جعفري اللنكرودي، الحقوق المدنية، الإرث: 220 ـ 221.

([45]) وحتى في هذه الحالة كما ذكر في آراء الفقهاء الشيعة فإن بعضهم، كالشيخ الصدوق، يرى أن المرأة ترث من قيمة العرصة.

([46]) وسائل الشيعة 26: 213.

([47]) إنه من لازم عادة الشيخ الطوسي في كتابه التفسيري، أي التبيان، أن يأتي بأدلة حرمان الزوجة من الأرض والأحاديث المربوطة به في ذيل الآية 12 من سورة النساء، مع أننا نعلم أنه لم يُشِرْ إلى حرمانها من بعض ما تركه زوجها المتوفى (الطوسي، التبيان في تفسير القرآن 3: 134).

([48]) الداماد، بحوث من أصول الفقه 2: 98 ـ 103.