نارٌ في بيدر النبوة

17 مايو 2015
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬141 زيارة

نارٌ في بيدر النبوة

نقد نظرية الوحي والتجربة النبويّة

 

د. عبد الله نصري(*)

ترجمة: السيد حسن الهاشمي

 

 الرواية الحضارية عن الوحي ــــــ

تختلف رؤية سروش عن الوحي عن رؤى المفكرين المسلمين اختلافاً جذرياً. فقد عرف الوحي طوال تاريخ الفكر الإسلامي بوصفه ارتباطاً بالله واستقبال الوحي منه، أي إن النبي مجرد واسطة تستقبل الوحي والأحكام الإلهية وتبلِّغها إلى الناس، وفي هذا الارتباط ليس للنبي من دور سوى الانفعال والتأثر المحض.

وقد كان النبي يستقبل النداء الإلهي في قالب الكلام الإلهي، ويقوم بإبلاغه إلى الآخرين، وليس له أي دور في صياغة مضمونه، وطريقة أدائه وبيانه.

بينما يذهب سروش إلى أن النبي لم يكن مجرد مستقبل للوحي، ليكون متأثراً ومنفعلاً فقط، وإنما كان له دور المنتج في الوحي، وذهب إلى أن النبي هو الذي ألَّف القرآن، وقد صرّح قائلاً: «لقد كان للنبي دور محوري في تأليف القرآن». وهنا نسأل: إذا كان النبي هو الذي ألَّف القرآن فهل يتدخل أيضاً في إيجاد الوحي؟ وإنما نطرح هذا السؤال لاحتمال أن لا يكون للنبي دور في الوحي، بمعنى أنه يستلم مضمون الوحي من الله، ثم يأتي دوره المستقل في توصيف ذلك الوحي وصياغته.

وبعبارة أخرى: إن مضمون الوحي من الله، وأما صياغته فتكون بكلمات يختارها النبي‘.

إلا أن تفسير سروش للوحي لا ينسجم مع هذه الدعوى، حيث يذهب إلى أن الوحي نوع من الإلهام أو التجربة الباطنية التي نجهل مصدرها، أي ليس مهماً في الأساس أن يكون مصدرها من ذات النبي أو خارج ذاته وكيانه.

يقول سروش: «إن النبي يعتريه مثل الإحساس والشعور الذي يعتري الشاعر تماماً، من أن هناك قوة خارجية تهيمن عليه…، وفي الوقت نفسه فإن النبي هو كل شيء، فهو الذي يبدع القرآن ويصوغه، ولا أهمية للبحث في أن هذا الإلهام هل هو من الداخل أو الخارج؛ إذ لا فرق في مستوى الوحي بين أن يكون من الداخل أو الخارج».

بينما يرى التفسير التقليدي للوحي أهمية كبيرة للتفاوت بين كون مصدر الوحي داخلياً أو خارجياً، ولا يذهب فقط إلى كونه خارجياً ومحدَّداً، بل إن النبي يعلم مصدره جيداً، وأنه من عند الله تبارك وتعالى.

يرى سروش أن إلهامات النبي تصدر من نفسه الشريفة، وأن اختلاف النبي في ذلك عن سائر الناس يكمن في أنه أولاً: يعلم أن نفسه إلهية؛ وثانياً: إنه يخرج هذا الإلهام إلى مرحلة التحقيق والفعلية.  وكأن الآخرين لا يعلمون بإلهية أنفسهم، ولا يوصلونها إلى مرحلة الفعلية.

والواقع أن سروش لم يميّز بين الوحي والتجربة العرفانية. وقد جاء في كتابه «بسط تجربه نبوي» في تفسير وبيان تجارب النبي: «إن النبي يمكنه الحصول على مدارك ومعارف خاصة من قنوات استثنائية بعيدة عن متناول الآخرين.

إن الفارق الوحيد بين تجارب النبي وتجارب العرفاء يكمن في شعور النبي؛ بسبب حلول وحصول هذه التجربة، بأنه قد حصل على مهمة جديدة».

ويذهب سروش إلى أن النبي هو الفاعل والموجد لتجاربه الدينية، فيقول: «إنّ النبي الذي لا يملك من المؤهِّلات سوى شخصيته كان هو المحل والموجد والقابل والفاعل للتجارب الدينية والوحي، وإن البسط الذي كان يحدث في شخصيته كان يؤدي إلى بسط التجربة و(العكس)، ولذلك فقد كان الوحي تابعاً له، ولم يكن هو تابعاً للوحي».

بينما يرى الفهم التقليدي للوحي أن النبي مجرد وعاء لتقبل الوحي، وليس فاعلاً أو موجداً له؛ إذ إن فاعل الوحي هو الله، وليس شخص النبي‘.

عندما يذهب سروش إلى اعتبار النبي فاعلاً وموجداً للوحي لا يبقى معنى لقوله: «إن ما يتلقاه من الله هو مضمون الوحي».

وقد تحدّث سروش في هذا الحوار عن اتحاد نفس النبي بالله، أي حصل النبي على اتحاد معنوي مع الله تعالى: «لقد توحّدت نفسه مع الله».

ولو سلَّمنا جدلاً بأن نفس النبي قد توحّدت مع الله فلن يمكن أن نعدّ للنبي دور الخالق للوحي، فلو نزلت آيات من القرآن في هذه الحالة لا يمكن القول بأن النبي هو الذي أوجدها.

ويذهب سروش إلى القول بأن النبي يتلقى مضمون الوحي، ثم يبلِّغه إلى الناس بكلمات يتولى صياغتها بنفسه. وبعبارة أخرى: إن آيات القرآن ليست هي عين كلمات الله، وإنما الآيات حين نزولها عبارة عن سلسلة من المضامين المجرّدة من الصورة، والتي يعمل النبي على تصويرها كما يصنع أيّ شاعر.

وعلى حدّ قول الدكتور سروش: «إن النبي هو الذي يقوم بنقل هذا الإلهام باللغة التي يعرفها، والأسلوب الذي يتقنه، والتصوير والمعرفة التي يمتلكها».

وهنا نطرح هذا السؤال: هل يمكن التفريق بين المضمون وصورته في النصّ الديني؟ ألا يوجد أي تأثير لتصوير المضمون في معناه؟ ألا يحصل للمضمون الواحد معانٍ مختلفة في صوره المختلفة؟

لو كان البناء على أن يقوم النبي بنقل الوحي باللغة والأسلوب والمعرفة المتاحة له فهل سيتم نقل مضمون الوحي كما هو في حقيقته وواقعه؟ وما هي الفرضية التي يستند إليها سروش في علم اللغات والمعاني للتفوه بمثل هذا الكلام؟ وهل يمكن إنكار دور الألفاظ والأساليب والتصويرات وتأثيرها في المعنى؟! فأحياناً نجد تغييراً في المعنى بمجرد تقديم أو تأخير كلمة، فما ظنك بما لو أبيح لشخص أن يصوغ الكلمات بلغته وأسلوبه وتصويره.

ومن هنا يتم التأكيد على الدقة في انتقاء الكلمات في النصوص المهمة (مثل: النصوص الحقوقية والدساتير)؛ للحيلولة دون الوقوع في سوء الفهم والالتباس.

وبما أن ارتباط اللفظ بالمضمون بنحو يؤثر فيه اختيار الألفاظ في بيان المعاني فإن رسالة الوحي ودوره الحساس يفرض أن يتولى الله بنفسه انتقاء الكلمات التي تعبر عن مراده.

ولكنّ سروش يرى أن شخصية النبي قد تدخلت في صياغة النصّ القرآني، فقالت: «لقد لعبت شخصيته دوراً مهماً في صياغة هذا النصّ. إن لسيرته، ووالده، وأمه، وأيام صباه، وحتى حالاته الروحية والنفسية، دوراً في القرآن. عندما تقرأ القرآن تشعر أن النبي يبدو سعيداً أحياناً، وفي غاية الفصاحة، في حين تجده مملاًّ وعادياً بشدة في بيانه أحياناً أخرى، فقد ترك تأثيره في ذلك كله على القرآن، مما يثبت الجانب البشري في الوحي بوضوح».

إذا كان النبي هو الفاعل والموجد للوحي فإن لتجربته أيضاً دوراً في أصل مضمون الوحي، وليس في مجرد صياغة مضامين تجربته. بل إذا أردنا أن نأخذ بنظر الاعتبار دور شخصية النبي في أصل مضمون تجاربه لا يمكننا ـ طبقاً لرأي سروش ـ إنكار وتجاهل تدخلها في إعطاء المعنى للتجارب النبوية.

 

 إمكان الخطأ في الوحي والقرآن ــــــ

إن اللازم من كلام سروش في الوحي هو إمكان تطرق الخطأ إليه؛ إذ لو كانت شخصية النبي وحالاته وعلمه دخيلاً في بيان الوحي فما هي الضمانة التي تمنع من عدم الوقوع في الخطأ؟! إنما يمكن ضمان عدم خطأ الوحي إذا كان ينزل على النبي بمعانيه وألفاظه، دون أن يكون هناك أدنى تصرف أو تدخل من النبي أثناء عملية التبليغ.

ولكي يستعرض سروش إمكان تطرق الخطأ إلى الوحي والقرآن أشار إلى أن بعض المفسرين المعاصرين يقسّمون آيات القرآن إلى قسمين: الأول: يتعلق بصفات الله، والحياة بعد الموت، والعبادات، والثاني: يتعلق بالكون والإنسان والوقائع التاريخية.

أما القسم الأول فلا يقع فيه الخطأ. والقسم الثاني، الذي يخبر فيه النبي عن الكون والإنسان والوقائع التاريخية، فقد يقع فيه الخطأ. وبعبارة أخرى: إن بعض المفسرين يذهب إلى أن النبي قد تحدث في هذه الأمور بلغة عصره.

إلا أن سروش ذهب إلى أبعد من ذلك، وقال: إن النبي لم يتحدث بلغة عصره، وإنما تحدث بما يمتلكه من علم محدود.

وقد قال في بيان رأيه ما يلي: «إن لي رأياً آخر، فأنا لا أتصور أن النبي قد تحدث بلغة عصره بعد أن كانت له معرفة أخرى؛ فإنه كان يؤمن بما كان يقوله حقيقة، فكانت هذه هي لغته وعلمه، ولا أتصور أن علمه كان يفوق علم عصره حول الأرض والكون والإنسان، فلم يكن يتمتع بالعلم الذي نمتلكه في الوقت الحاضر، وهذا لا ينقص من نبوّته؛ لأنه كان نبيّاً، ولم يكن مؤرخاً».

ولازم هذا الكلام القبول بوقوع الخطأ في الوحي والقرآن. إن القول بأن علم النبي عبارة أخرى عن علم عصره، وقد أثبت العلم المعاصر خطأ تلك العلوم، يعني أن النبي قد أخطأ.

إذا لم يكن علم النبي حول الأرض والكون والإنسان أكثر من علم سائر الناس في عصره فإنه سوف لا يختلف عن الآخرين إلا في إحساساته وحالاته الروحية الخاصة، وفي الواقع ليس هناك كثير فرقٍ بين النبي والعرفاء ذوي التفكير المحدود في عصره، فكيف يمكن الادعاء من جهة بأن النبي كان فانياً في ذات الله، حتى عاد كلامه عين كلام الله، ويُدَّعى من جهة أخرى أن بعض آيات القرآن كانت متناسبة وعلوم النبي نفسه. كيف لسروش أن يحل هذا التناقض في أقواله؟

إذا لم يتميَّز النبي عن غيره في العلم والإدراك، وكان علمه مستمداً من تجاربه الشخصية، فليس هناك فرق بين الأنبياء وسائر أفراد الناس إلا في الخصوصيات الأخلاقية والحالات الروحية والعرفانية. لقد تعرض سروش في بداية كلامه لتأثير شخصية النبي وحالاته وعلمه في تجربته، ثمّ تطرّق هنا إلى أن علمه كان بمستوى أبناء جيله وعصره، وهذا يعني أنه يؤمن بإمكان وقوع الخطأ في مجال الوحي والقرآن.

وقد ميّز البحث بين مضمون الوحي وصياغته، ونسب الخطأ إلى صياغته، التي هي عملية يقوم بها النبي؛ وأما إذا نسبنا الخطأ إلى مضمون الوحي، ونسبنا المضمون إلى الله، كان هذا الخطأ منسوباً إلى الله مباشرة؛ وأما إذا نسبنا المضمون إلى النبي ـ وهذا أنسب بأقوال سروش ـ كان الخطأ متوجّهاً إلى رسول الله. ومهما كان الافتراض فإن الخطأ سيقع في النصّ القرآني لا محالة، أيّ إن شطراً من الآيات القرآنية، وهو المتعلِّق بالعلوم التجريبية والتاريخية، خاطئ.

ألا يشكك هذا النوع من التفسير الذي يقدِّمه سروش في الوحي وأصل النبوة ورسالة النبي؟! ألا يؤدي تطرّق الخطأ إلى النصّ القرآني إلى الشك في الهدف من رسالة النبي وأصل الحكمة والهداية الإلهية؟!

وما يقوله سروش، من أن تطرق الخطأ إلى الأمور العلمية والتاريخية في القرآن لا يُنقص أصل النبوة، لا يمكن القبول به؛ إذ لا يمكن الالتزام بتقسيم القرآن إلى قسمين: قسم صحيح؛ وقسم خاطئ، بل إذا كان كلام النبي هو عين كلام الله فكيف يمكن الالتزام بتطرق الخطأ إلى كلام الله؟! وهل هذا التفكيك والتمييز موجود في النص القرآني أو أننا قد توصلنا إليه من خلال فهمنا وقراءتنا لهذا النصّ؟ وإذا أمكن تطرق الخطأ إلى بعض أجزاء القرآن فلماذا لا يتطرق إلى أجزائه الأُخرى؟ وما هو الدليل على صحة المطالب القرآنية في مجال الحياة بعد الموت إذا كان البناء على وجود الخطـأ في مجال معرفة الكون وعالم الطبيعة؟ وهل يكفي مجرد عدم فهمنا لبعض الآيات المتعلقة بالكون والإنسان من خلال العلوم التجريبية المعاصرة دليلاً على اعتبار القرآن نصّاً قابلاً للخطأ؟

إن أحد النتائج المنطقية للأمور المتقدمة هو اعتبار القرآن كتاباً بشرياً، قد ألفه النبي بنفسه، وبما أنه محدود المعارف فقد تطرق الخطأ إلى بعض أجزاء كتابه.

وبغضّ النظر عن البحوث التي تطرح من خارج النصوص الدينية نتَّجه إلى القرآن الكريم؛ لأجل نقد كلام سروش من زاوية النصوص الدينية.

 

منشأ الوحي، مقاربة نقدية من داخل القرآن ــــــ

يرى القرآن الكريم أن الله هو منشأ الوحي. وهذا ما تصرح به الكثير من الآيات القرآنية، كقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أوحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً} (الشورى: 7)؛ و{وَكَذَلِكَ أوحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} (الشورى: 52)؛ و{فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أوحَى} (النجم: 10)؛ و{نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ} (الشعراء: 193)؛ و{إِنَّكَ لَتُلَقَّى القُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} (النمل: 6)، ففي جميع هذه الآيات نجد أن الله هو الفاعل والموجد للوحي، وأن قلب النبي قد ذكر بوصفه محلاً لنزول الوحي، هذا مضافاً إلى أن آيات القرآن تؤكد على الدوام أن كلام النبي هو عين كلام الله، أي إن كلامه هو الوحي بعينه، قال تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى} (النجم: 3 ـ 4)، وإن ضمير الرفع المنفصل (هو) في هذه الآية يعود إلى النطق، أي إن نطق النبي هو عين كلام الله، وإن نطقه هو الوحي، لا أن ما يوحيه الله إليه يعمل هو على صياغته في قالب نطقه وكلامه.

والواقع أنّ ما كان يجري على لسان رسول الله هو كلام الله، بل يصرح الله بأنه قد أنزل القرآن عربياً، حيث قال: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (يوسف: 2).

 إذاً يثبت القرآن الكريم أن مضمون الوحي وإطاره من عند الله تعالى. كما يؤكد القرآن على أُميّة النبي؛ ليثبت أن ليس لشخصيته أي دخل أو دور في الوحي والقرآن، فمن أين يتأتى لشخص أميّ لم يحظَ بشيءٍ من التعليم أن يعمل على صياغة الوحي؟! قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ} (الجمعة: 2).

ولم يكن الهدف من وراء طرح أمّية النبي في القرآن إلا إثبات تبعية النبي المحضة للوحي، خلافاً لما يدعيه سروش.

 

 عصمة الوحي والقرآن ــــــ

 خلافاً للرواية العصرية عن الوحي، والتي تذهب إلى إمكان وقوع الخطأ فيه، تذهب الرؤية التقليدية إلى عصمة الوحي من الخطأ في مراحل ثلاث:

 

1ـ العصمة في تلقي الوحي ــــــ

لا يمكن للنبي أن يخطئ في تلقي الوحي أبداً؛ لأنه إنما يتلقاه من الله تعالى، الذي هو مصدر الوحي، ولذلك لا مجال لتدخل النبي في مضمون الوحي أو صياغته. إن النبي لا يتلقى الوحي من الله فقط، وإنما يعرف مصدره؛ فإن الوحي ليس كالإلهام الذي لا يُعرف مصدره.

وتصرِّح الآيات القرآنية بأن النبي قد بلغ مقام القرب الإلهي، وأنه تلقى القرآن في ذلك المقام: {إِنَّكَ لَتُلَقَّى القُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} (النمل: 6).

إن الوحي عبارة عن علم حضوري وشهودي، وبما أن هذا العلم إنما يحصل من خلال الحضور في المقام اللدني والقرب الإلهي لذلك لا يمكن أن يتطرق إليه الخطأ، وكيف يمكن لمن بلغ هذا المقام، الذي دنا فيه {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أو أَدْنَى} (النجم: 8 ـ 9)، أن يجهل مصدر الوحي، أو يتطرق الخطأ إلى الوحي الذي يتلقاه. وإن تعبير القرآن يؤكد على أن النبي كان قابلاً للوحي، ومتلقياً له، وليس فاعلاً له، ولا يستعمل ألفاظاً من قبيل الوحدة والاتحاد في مقام نزول الوحي؛ لتتضح المسافة بين فاعل الوحي ومن يتلقاه.

 2- العصمة في حفظ الوحي ــــــ

في هذه المرتبة يحفظ النبي كل ما يتلقاه من الوحي، ولا يعتريه أيّ نوع من أنواع السهو والنسيان، قال تعالى: {سَنُقْرِؤُكَ فَلا تَنسَى} (الأعلى: 6).

 

 3- العصمة في تبليغ الوحي ــــــ

 كما أن النبي معصوم من الخطأ حتى في مقام تبليغ الوحي؛ لأن تلاوة الآيات القرآنية من أهم وظائف الرسالة في هذه المرحلة، حيث إن الله أمره بتلاوة آياته للناس، قال تعالى: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ القُرْآنَ} (النمل: 91 ـ 92).

 وطبقاً للآيات القرآنية فقد حفظ الله النبي بالملائكة؛ ليتلقى الوحي على نحو الكمال والتمام، ويبلغه للناس كذلك. والحقيقة أن صيانة الوحي من الخطأ مرتبطة بتبليغ الرسالة، قال تعالى: {فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً} (الجن: 27 ـ 28).

إن الرؤية التقليدية تذهب إلى أن أدنى تطرق للخطأ في الوحي يؤدي إلى تطرق الشك في أصل رسالة الأنبياء وهدايتهم الإلهية، ويحدث من ذلك نقضٌ للغرض من الغاية والهدف الكامن وراء بعثة الأنبياء، ومن هنا نجد القرآن يتحدث باستمرار عن صيانة الوحي وحفظ القرآن، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر: 9).

إن حفظ أصالة النصّ الديني والرسالة الإلهية، كالقرآن، الذي هو معجزة أبدية وخاتمة، من الأهمية بحيث تولى الله بنفسه مهّمة الحفاظ عليه، فلم يتطرق أدنى خطأ أو عِوَج إلى القرآن الكريم، قال تعالى: {الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَاً} (الكهف: 1)؛ و{قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} (الزمر: 28).

كما يؤكد القرآن على أن هذا القرآن لا مساحة فيه للمزاح، فما الظن بأن يكون فيه خطأ، قال تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالهَزْلِ} (الطارق: 13 ـ 14).

وكيف يمكن للخطأ أن يتطرق إلى القرآن وهو المسمى بالفرقان، الذي يعني الحدّ الفاصل بين الحق والباطل؟! فكيف يتطرق إليه الباطل؟! قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} (الفرقان: 1).

وكيف يمكن للكتاب الذي هو كتاب نور وهداية: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} (النساء: 174)، والذي يعدّ هداية وبشارة وإنذاراً لجميع الناس: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً} (سبأ: 28)، والذي أخرج الناس من الظلمة إلى النور: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} (إبراهيم: 1)، وهو في الوقت نفسه معجزة خالدة وخاتمة، كيف يمكن أن يحتوي على الأخطاء؟!

 إن البحوث التي تعرض لها القرآن والمتعلِّقة بالمسائل العلمية والتاريخية، حق بأجمعها، خلافاً لما يدعيه سروش. وليس هناك أيّ خطأ في القصص القرآني وتقرير الحوادث التاريخية، وقد صرح القرآن في نقله لحادثة قابيل وهابيل بأنها حق، قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالحَقِّ} (المائدة: 27).

إن النبي لا يتحدث في باب المسائل العلمية والتاريخية انطلاقاً من معارفه أو علوم عصره، وقد أكد القرآن باستمرار على صحة آياته، وكونها حق: {بِالحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالحَقِّ نَزَلَ} (الإسراء: 105)؛ و{تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالحَقِّ} (آل عمران: 108).

وإذا كان البناء يقوم على التنزل بمستوى الوحي إلى حدّ الإلهام والتجربة العرفانية، واعتبرت الرسالة مهمة بسيطة وهيّنة، دون أن يَكون هناك فهم صحيح لعلاقة النبي مع الله، واعتبر القرآن نتاجاً بشرياً بمستوى ما توصلت إليه المعرفة البشرية في عهد النبي الأكرم، فأيّ مجال يبقى للبحث عن عدم إمكان الخطأ في الوحي والقرآن الكريم؟!

 

 أيّ استدلال؟! أيّ برهان؟! ــــــ

إن رؤية سروش من الناحية المعرفية تفتقر إلى الدليل؛ إذ ما هو الدليل الذي يقيمه سروش على إثبات مدعاه؟ هل يقوم أولاً بنقد الرؤية التقليدية، ثم يقدِّم نظرية بديلة؟ وما هي نقاط الضعف التي يراها سروش في الرؤية التقليدية؟ وإذا لم يكن ينتقدها فما هي الأدلة التي يقيمها على إثبات نظريته؟

لقد أقام المتكلمون والفلاسفة أدلة على الرؤية التقليدية؛ لإثبات قدسية الوحي، وعدم تدخل النبي فيه، وعدم تطرق الخطأ إلى القرآن الكريم.

ويقوم الاستدلال في الرؤية التقليدية على أن الحكمة الإلهية وضرورة هداية الناس تقضي بعدم تطرق الخطأ إلى الوحي؛ ليصل سالماً إلى الناس، كي لا يحصل في البين نقضٌ للغرض في أصل الغاية من بعثة الأنبياء، فما هو الدليل الذي تقوم عليه النظرية الجديدة التي تذهب إلى اعتبار الوحي أمراً نفسياً؟

دائماً ما يتنزل سروش بالوحي إلى مستوى اعتباره تجربة دينية أو عرفانية، وقد ذكر عدّة ادعاءات في كتاب (بسط التجربة النبوية):

1ـ الوحي عبارة عن التجربة الدينية.

2ـ الوحي تابع لشخصية النبي.

3ـ إن الوحي أو التجربة النبوية قابلة للبسط.

4ـ إن الدين عبارة عن تجربة روحية واجتماعية يخوضها النبي بنفسه.

وأهم سؤال يواجه سروش يتمحور حول مراده من التجربة الدينية: فما هو تعريفه لها؟ وهل هناك اختلاف بين التجربة الدينية والتجارب العرفانية أو لا؟

يعمد الدكتور سروش إلى الإشارة إلى مصاديق التجربة الدينية بدلاً من تعريفها، كرؤية الملائكة، وانكشاف حجب الغيب، أو مشاهدة الرؤى الصادقة، كما حصل للنبي إبراهيم ×، ويعتبر سروش الرؤيا الصادقة من أدنى مراتب التجربة الدينية، ويعتبر الأذواق والمكاشفات العرفانية من أعلى هذه المراتب.

وفي ما يتعلق بخصائص التجربة الدينية يكتفي بالقول: «يمكن للنبي الحصول على المعارف من خلال قنوات خاصة، ليس بوسع غيره الوصول إليها».

وهذا التعبير من سروش بشأن التجربة النبوية لا يمكنه أن يكون كافياً لبيان وجه الاختلاف بينها وبين التجارب العرفانية، خصوصاً وأن سروش يؤكد على إمكان توصل العرفاء إلى نفس ما يتوصل إليه الأنبياء من التجارب الدينية.

إن الفارق الوحيد الذي يراه سروش في تجربة الأنبياء عن سائر التجارب الدينية الأخرى يكمن في أن الأنبياء يستشعرون أثناء تجربتهم بأنهم مأمورون بالقيام بمهمة ومسؤولية إلهية: «إن اختلاف الأنبياء عن غيرهم من أرباب التجربة يكمن في أنهم لا يبقون في حدود التجربة الشخصية، سعداء بما يحصلون عليه من وجدٍ في باطنهم، وإنما يستشعرون من خلال حلول وحصول هذه التجربة بمهمة جديدة، فيتحولون إلى شخصيات أخرى، تبني عوالم جديدة، وتعمل على بناء أجيالٍ جديدة».

إن الشعور بالمهمة المناطة بالنبي لا يعد فارقاً دقيقاً لبيان اختلاف التجربة النبوية عن سائر التجارب الأخرى، فلربما يحصل للعارف سلسلة من التجارب العرفانية، ويستشعر من خلالها ـ في حدود قدرته ـ بأنه مسؤولٌ عن هداية الناس.

والواقع أن سروش يعتبر ماهية الوحي أو التجربة النبوية والتجارب العرفانية شيئاً واحداً، في حين أن هناك إمكاناً لتطرق الخطأ إلى الإلهامات والتجارب العرفانية، بينما لا يمكن للخطأ أن يتطرق إلى الوحي.

ولربما تكون نفس العارف هي مصدر التجربة العرفانية، غير أن مصدر الوحي لا يمكن أن يكون شيئاً آخر غير الله تعالى.

كما أن آثار وتبعات التجارب العرفانية محدودة ومتناسبة مع العلوم الاكتسابية لدى العارف، وأما معطيات الوحي فذات أبعاد واسعة، فهل يمكن المقارنة مثلاً بين معطيات النبي الأكرم ومعطيات سائر العرفاء؟! وإذا كانت ماهية الوحي مساوقة للتجربة العرفانية فلماذا احتاج الأنبياء إلى إثبات مدَّعياتهم باجتراح المعجزات، ولم يحتج إليها العرفاء؟ وما هي الضرورة لإصرارهم على هداية الناس، في حين أن العرفاء ـ حتى لو أبدوا تحمساً لهداية الناس ـ لم يكونوا ليتوسلوا بالمعجزة؟ فما هي هذه المسؤولية التي كان يبذل فيها الأنبياء كل ما بوسعهم، بل ويتحدّون لإثبات أحقيتهم، ولا يُغلَبون في هذه التحديات؟ أفلا يدل ذلك على الاختلاف الماهوي بين ماهية الوحي وتجارب العرفاء؟

الادعاء الآخر الذي أبداه سروش هو تبعية الوحي لشخصية النبي، حيث قال: «لقد كان الوحي تابعاً له، ولم يكن تابعاً للوحي»، وطبعاً كانت شخصية النبي تتكامل تدريجياً بعد نزول الآيات والتجارب النبوية.

ومن هنا يرى سروش الدين عبارة عن التجارب الروحية والاجتماعية للنبي، إذ قال: «إن الدين هو تجربة روحية واجتماعية للنبي، ولذلك فهو تابع له». ومراد سروش من التجارب الاجتماعية للنبي تجاربه التي يحصل عليها من بيئته وعصره.

وزعم سروش أنه «لو طال العمر برسول الله، وواجه حوادث أكثر، لكانت ردود فعله أكبر وأكثر، وهذا يعني أن القرآن سيغدو أكبر حجماً مما هو عليه الآن».

والحقيقة أن سروش من خلال تبنيه لفكرة (بسط التجربة النبوية) كان يسعى إلى إثبات بسط الدين، فمن وجهة نظره لا يؤدي تكامل شخصية النبي إلى تكامل الدين فحسب، بل لو مدّ الله في عمره لحصل على تجارب أكثر، ولأصبح القرآن أكبر حجماً.

وإذا كان البناء على حصر الوحي بالتجارب النبوية الشخصية، واعتبار الدين ناشئاً عن التجارب النفسية والاجتماعية التي يخوضها النبي فلا ينبغي لنا أن نتوقع العثور على دين كامل من حياة النبي المحدودة.

إن الرؤية التقليدية للوحي وحدها هي التي تثبت أن الله قد أكمل دينه طوال حياة النبي، وأنه لا دخل لشخصية النبي وتجاربه في ذلك أبداً.

إن التنزل بمستوى الوحي إلى التجارب الدينية لها تبعات يلتزم بها سروش.

مضافاً إلى ما تقدم فإن سروش يلتزم أيضاً باللازم المنطقي من رؤيته للوحي، من أن هذه التجارب تواصلت حتى بعد رحيل النبي، وكما يقول سروش: «إن العرفاء الذين يتطفلون على مذاق النبي ‘، ويسيرون تحت ظله، ويقتاتون على مائدة طريقته، يزيدون من ثراء تجربتنا الدينية». إلا أن هذه التجارب العرفانية ليست مفيدة فحسب، بل تكمن أهميتها في أنها تكمل الدين، ومن هنا يذهب سروش إلى أنه لا ينبغي لنا الاقتناع بالوحي أو التجربة النبوية، والقول بكفاية الوحي: «إنّ للتجربة الباطنية والعرفانية لمولوي والغزالي والشبستري وحيدر الآملي وغيرهم من العرفاء، لكل واحد منهم شيءٌ يقوله ويضيفه إلى التجارب السابقة، وإذا لم يكن شعار «حسبنا كتاب الله» صحيحاً فكذلك لا يصح شعار «حسبنا معراج النبي وتجربتنا النبوية»».

وهذه العبارة من سروش دليل آخر على أنه لا يذهب إلى حصر دور النبي بصياغة مضمون الوحي، بل يرى أن للنبي تدخلاً حتى في أصل مضمون الوحي وماهيته.

 

سروش وتحريف كلام المعتزلة ــــــ

 ذهب سروش إلى اعتبار الخلاف الذي احتدم بين الأشاعرة والمعتزلة بشأن مسألة حدوث القرآن وقدمه دليلاً على ذهاب هاتين الفرقتين إلى اعتبار القرآن نتاجاً بشرياً، وقابلاً للخطأ.

قال سروش: «إن الاعتقاد بكون القرآن نتاجاً بشرياً، ويحتمل الخطأ بالقوة، قد أشير إليه تلويحاً في عقائد المعتزلة حين ذهبوا إلى القول بخلق القرآن».

في حين أن أصل نزاع الأشاعرة والمعتزلة كان يقوم على اعتبار الأشاعرة القرآن كلاماً نفسياً قائماً بذات الله، فيكون قديماً وأزلياً، بينما يذهب المعتزلة إلى اعتبار الكلام الإلهي من صفاته الفعلية، فيكون عندهم من الأمور الحادثة.

فالمعتزلة يرون كلام الله مثل كلام الإنسان، يصدر عنه على شكل ألفاظ وأصوات، أي إن الله يوجد ألفاظاً ذات معنى خلال النطق به، وإن النبي يسمع هذه الألفاظ بأذنيه، وإن تلك الألفاظ والأصوات المسموعة هي كلام الله؛ بينما يذهب الأشاعرة إلى أن أصل كلام الله ليس من جنس الأصوات والألفاظ ليكون حادثاً، وإنما هو صفة قديمة، وهذه هي نظريتهم المعروفة بـ «الكلام النفسي».

إن اختلاف الاشاعرة والمعتزلة لم يقم على مجرد حدوث وقدم الألفاظ والأصوات، ولذلك يمكن الجمع بينهما طبقاً لزعم الغزالي، حيث يقول: إن الكلام النفسي الذي هو أمر قديم لا ينافي إيجاده بالأصوات والألفاظ، فحينما يتكلم الله مع الأنبياء يوجد أصواتاً وألفاظاً ذات معنى، وإن هذه الألفاظ والأصوات الحادثة تبين الكلام النفسي الإلهي القديم.

وبعد التعرّف على أصل الخلاف بين الأشاعرة والمعتزلة كيف يمكن استنتاج قابلية القرآن للخطأ من نظرية المعتزلة القائمة على خلق القرآن؟ وما معنى وجود الخطأ بالقوة؟! فإن القرآن موجود بأيدينا؛ فإما أن يكون الخطأ قد تطرق إليه؛ أو لم يتطرق، وليس هناك مجالٌ للبحث عن وجود الخطأ بالقوة. وهل يمكن أن ننسب آراءنا ونظرياتنا لأية نحلة أو شخص، وذلك بحجّة أنّ تلك النحلة أو ذلك الشخص قام بإشارة تلويحية إلى ذلك الرأي بزعمنا.

 

قصور في فهم كلام جلال الدين الرومي ــــــ

استند سروش لإثبات مدعاه في تأثير شخصية النبي في القرآن، وكونه بشرياً، وقابلاً للخطأ، إلى أشعار المولوي، حيث قال: «إن العلماء في القرون الوسطى لم يكونوا يبينوا هذه الآراء بأسلوب صريح ومدوّن، بل كانوا في الغالب يفضلون بيانها في طيات كلماتهم أو بأسلوب مبطن؛ إذ لم يكونوا يرغبون في إحداث تشويش في أذهان من لا يمكنه هضم هذه الأفكار، فمثلاً: عندما يقول: إن القرآن مرآة ذهن النبي، فالموجود في لبّ هذا الكلام هو أن شخصية النبي وحالاته ومزاجه المتقلب ينعكس على القرآن أيضاً».

ويكفي أن نشير باختصار إلى مسألة الوحي في (المثنوي)؛ لإبطال مزاعم سروش.

فقد تحدث المولوي كثيراً عن الوحي، ولا يمكن أن نحصل من كلماته على تأييد لما يقوله سروش، بل إن بعض كلماته صريحة في مخالفتها لأفكار سروش، فإن المولوي يرى الوحي خارجاً عن حدود الحواس، بل وحتى العقول البشرية القاصرة، أي إنه يرى الوحي ماهية شعورية خفية فوق متناول الأفهام.

بل يذهب المولوي إلى اعتبار أرواح الأنبياء من سنخ مغاير لأرواح سائر الناس.

ويرى أن منشأ الوحي من الله، وليس للنبي من دور فيه سوى استقباله وتلقيه، حيث ينزل الوحي من السماء والذات الإلهية.

ويرى أن كلام النبي هو كلام الله، وبعبارة أخرى: إن الله هو الذي ينطق من خلال أقوال النبي.

ويذهب المولوي إلى تكفير من يدعي كون القرآن كلام النبي، ولا يذهب إلى كونه كلام الله.

ورغم اعتقاده بولاية الأنبياء الإلهية العامة، وقربهم من الله، وحديثه عن (اتحادهم النوري) مع الله، وليس مجرد (الاتحاد الحلولي)، إلا أنه مع ذلك يرى أن الوحي من الله تعالى.

وفي بحثه حول علاقة الإنسان بالله وشرحه لحديث قرب الفرائض وقرب النوافل، مثَّل بالقلم وصاحب القلم، أي كما أن القلم يقع تحت اختيار من يكتب به فكذلك الإنسان يخضع لتصرف الله تعالى، فإذا اعتبرنا النبي في مقام نزول الوحي تحت تصرف الله فيكون كلامه عين كلام الله، فلا يبقى لشخص النبي من دور في نزول الآيات الإلهية. وقال مولوي: لو أن العرفاء ذهبوا إلى اعتبار الوحي الإلهي وحي القلب فإنما هو بسبب قصر فهم العامة، وصيانة من تعرضهم له.

وقد تحدث المولوي صراحة عن عصمة القرآن الكريم، وامتناع تطرق الخطأ والتحريف إليه.

وذهب إلى أن دراسة القرآن وقراءته تعرف الإنسان بشخصية الأنبياء وأحوالهم؛ وذلك لأن القرآن يصف ويقرر أحوالهم المعنوية والروحية.

 أيُّ مصدر فلسفي يستند إليه سروش؟ ــــــ

 وبعد استدلال سروش بكلام المعتزلة حول حدوث القرآن؛ نتيجة لفهمه الخاطئ، عمد إلى نقد علماء الدين المعاصرين.

ويقوم نقد سروش أولاً: على أن فهم هؤلاء العلماء للوحي النبوي فهم تقليدي؛ وثانياً: إن هذا الفهم ناشئ عن حفظ القدرة، فقال: «تلاحظون حالياً اقتراب وجهة نظر الإصلاحيين السنة من موقف الشيعة، حيث أخذوا يميلون إلى الاعتقاد بخلق القرآن، إلا أن علماء الدين في إيران مترددون في الاستفادة من المصادر الفلسفية الشيعية لفتح آفاق جديدة إلى فهمنا للدين، حيث أقاموا سلطتهم على فهمٍ محافظٍ للدين، وهم في خشية من أن فتح باب البحث حول مسائل من قبيل: ماهية النبوة قد يفقدهم جميع امتيازاتهم».

ينسب سروش بعض المطالب أحياناً إلى أشخاص مبهمين، دون أن يشير إلى مصدرها، أو أن يستدل على صحتها، ومنها الجملة المتقدمة؛ إذ لم يوضِّح من هم المتردِّدون في الاستفادة من المصادر الفلسفية الشيعية لفتح آفاق جديدة لفهم الدين، فما هو المراد من المصادر الفلسفية الشيعية؟ فإن كان المراد منه مؤلفات الفلاسفة الشيعة فإن آرائهم جميعاً مخالفة لما يذهب إليه سروش، فأيّ فيلسوف شيعي، وأي مصدر فلسفي للشيعة، يؤمن بإمكان خطأ الوحي؟ وأيهم ذهب إلى أن القرآن من صنع النبي؟ وأيّ منهم منع أن تكون هناك علاقة بين الله والوحي؟ ومَنْ منهم ادعى كون الوحي مجرد إلهامات مجهولة المصدر؟ ومَنْ منهم ادعى الفصل بين مضامين الوحي وألفاظه، وأن النبي هو الذي صور مضامين الوحي في قوالبها اللفظية؟ وأيّ فيلسوف شيعي زعم أن لشخصية النبي وعلمه ـ الذي لم يكن أكثر من علوم معاصريه ـ دوراً في إنتاج القرآن؟ وفي أيّ مصدر فلسفي شيعي تمّ تقسيم آيات القرآن إلى ما يقبل الخطأ وما لا يقبل الخطأ؟

لقد تحدث الفلاسفة المسلمون، من الفارابي إلى الملا صدرا، وصولاً إلى العلامة الطباطبائي وغيره، عن ضرورة بعثة الأنبياء، وكيف يتلقى الأنبياءُ الوحي، وذهبوا جميعاً إلى أن منشأ الوحي هو الله، وأن القرآن لا يتطرق إليه الخطأ إطلاقاً. فهل ينبغي تصنيف كل من يخالف رؤية سروش على أنه محافظ، أو أنه يسعى إلى الحفاظ على سلطته ومكانته؟!

تبعات نظرية سروش على الاعتقاد والإيمان الدينيَّين ــــــ

 لقد استهدف سروش من وراء بحث (التجربة النبوية) إثبات كون القرآن بشرياً. وهو يرى أن ذلك يؤدّي إلى تقسيم القرآن إلى الذاتي والعرضي، وعندها سنأخذ بالذاتيات، وندع العرضيات. إذاً إن حذف جزءٍ من الدين وتطفيفه هو المشروع الأساس لسروش.

قال سروش في المقابلة التي أُجريت معه: «إن في اعتبار بشرية القرآن تسهيل للتمييز بين جوانبه الذاتية والعرضية؛ فبعض جوانب الدين تكوَّنت بفعل التاريخ والثقافة، ولم تعُدْ لها موضوعية في الوقت الحاضر. وهذا يصحّ في ما يتعلق بالحدود والتعزيرات المحددة في القرآن، فلو أن النبي كان يعيش في أجواء ثقافية أُخرى لما أدرج هذا النوع من العقوبات في رسالته الدينية».

لسنا في هذه المقالة في صدد بيان نظرية سروش في باب الذاتي والعرضي في الدين، والإشكالات الواردة عليها، وإنما يتركز البحث هنا في أن تبعات نظرية سروش في مسألة الوحي والنبوّة تذهب إلى أبعد مما كان يتصوره؛ فإن هذه النظرية تعرض أصل الدين للتشكيك. إن التنزل بالوحي إلى مستوى التجارب العرفانية، ونفي العصمة عن الوحي، والقول بإمكان تطرق الخطأ إلى القرآن الكريم، يعني إلغاء الإسلام، ونفي كونه ديناً إلهياً.

إن اللازم من تطرق الخطأ إلى القرآن هو تطرق الخطأ إلى أصل الدين، وإن تطرق الخطأ إلى الدين يعني نفي الحكمة والهداية الإلهية، ولازم ذلك اعتبار الإسلام بمنزلة البوذية، وليس ديناً سماوياً.

وفي ذلك يكون النبي مجرد عارف، قد ألف أفكاره العرفانية في كتابٍ عُرِف بالقرآن، ولم يلتفت إلى التناقضات الموجودة فيه.

وإذا كان النبي يتدخل شخصياً في أصل مضمون الوحي، أو في الأقل في تصويره، فما هو الذي يميز القرآن من سائر كلمات النبي في الأحاديث الشريفة المأثورة عنه؟ فلو قيل: إن القرآن يعود إلى التجربة النبوية، دون غيره من أحاديث النبي، قلنا: ما هو الدليل على هذا التفكيك؟ وما هو المعيار الذي يمكنه التفكيك بين مختلف حالات النبي؛ فيعد بعضها تجربة عرفانية؛ والآخر من الأمور المتعارفة؟!

إن تفسير سروش للوحي، واعتباره بعض أجزاء القرآن قابلة للخطأ، تؤدي إلى عدم ثقة المتدينين حتى بالأجزاء التي لا يتطرق إليها الخطأ، وهي الأجزاء المرتبطة بصفات الله والعبادات واليوم الآخر، التي ذهب سروش إلى عدم إمكان تطرق الخطأ إليها.

كما أن نظرية سروش تصبّ في اعتبار الإسلام مجرد دين روحي ومعنوي على مستوى الكونفوشيوسية، في تضمنها مجموعة من التعاليم العبادية لإعداد الإنسان وتربيته على مستوى دخيلته.

 

 ثغرات ونواقص ــــــ

 بعد انتشار الحوار بين سروش وميشال هوبنغ، سعى سروش في حوار مع صحيفة (كارگزاران) بتاريخ 20/11/1386 هـ ش إلى إزاحة النقاط المبهمة في ذلك الحوار، حتى لا يتصور أحد أنه يذهب إلى إنكار كون القرآن من عند الله، وأنه كلام بشريّ لمحمد، وهنا سنذكر عدة أمور حول توضيحاته هذه، ومدى رفعه لمواطن الإبهام ودفع الإشكالات عن نظرية التجربة النبوية.

1ـ إن سروش لم ينكر أصل الحوار، وإنما اكتفى بمجرد نفي ادعاء كون القرآن الكريم كلاماً بشرياً لمحمد، وكان الأولى به أن ينقل العبارات المحرّفة، مع ذكر صورتها الصحيحة، وخاصة أصل تفسيره الذي ترجم إلى (إنتاج) في عبارة مثل: «كان للنبي دور محوري في إنتاج القرآن».

2ـ بالالتفات إلى كتاب (التجربة النبوية) فإن الحوار المتقدم هو بسط وتوضيح لمواطن الإبهام في ذلك الكتاب، وفي الوقت نفسه فإن هناك في هذا الحوار الجديد، الذي سعى سروش من خلاله رفع سوء الفهم، عدّة نقاط قابلة للتأمل.

3ــ إن اتصاف النبي بالصبغة الإلهية لا يعني «أن كل ما كان يقوله هو كلامه البشري ووحي الله في الوقت نفسه، وأنهما لم يكونا لينفصلا عن بعضهما». إن بلوغ الإنسان مرتبة لا يتكلم معها على خلاف إرادة الله، أو كون كلماته مرضية لله، غير أن يكون كلام الإنسان كلاماً لله؛ فهناك من الناس من يبلغ درجة في الكمال، بحيث يغدو سمعه ـ طبقاً لحديث قرب الفرائض وقرب النوافل ـ سمعاً إلهياً، وبصره بصراً إلهياً، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أنهم يوحى إليهم، أو أن ما يقولونه وحيٌ إلهيٌ، ولذلك نقول: ليس كل ما يقوله النبي من وحي الله، ولو أننا صدقنا تلك الكلمات فإنما ذلك بسبب عصمة النبي اللازمة من رسالته، والوحي النازل عليه الذي يوجب له العصمة؛ لتكون جميع أقواله حجة على الآخرين، في حين لا يمكن اعتبار هذه الحجية لكلمات أيّ واحدٍ من العرفاء.

4ــ لقد فهم سروش من إحجام جبرائيل عن مواصلة التقدم مع النبي الأكرم في المعراج ضرورة أن يكون جبرائيل تابعاً للنبي، في حين أن حديث المعراج إنما هو في بيان مراتب الكمال، وأن مرتبة النبي أفضل من مرتبة جبرائيل، وهذه المسألة لا ربط لها بالوحي حتى يستنتج منها تبعية جبرائيل للنبي في إنزال الوحي؛ فإن جبرائيل في عملية الوحي مجرد واسطة في الإيصال، ولذلك فإن النبي لا يكون تابعاً لجبرائيل، وإنما هو تابع لما يحمله إليه جبرائيل من عند الله. مضافاً إلى أن هناك من الوحي ما هو مباشر، وليس لجبرائيل فيه من دور حتى ولو بمقدار الوساطة، وهو الأمر الغالب في نزول الوحي على رسول الله، حيث كان ينزل على قلبه من عند الله مباشرة، ويكون فيه النبي تابعاً للوحي، وليس العكس.

5ـ قال سروش: «إن القرآن هو ثمرة الشجرة الطيّبة لوجود محمد ‘، وقد أينعت بإذن الله». وأصل النزاع ليس في تبعية الوحي لشخصية رسول الله، وإن كان نزول الوحي يتوقف على بلوغ شخصية النبي مراتب عالية من الكمال؛ ليغدو جديراً بتحمّل الوحي، إلا أن هذا شيءٌ آخر غير تبعية الوحي لشخصية النبي. وحتى العرفاء الذين تحدثوا عن مقام فناء النبي في الحق، والولاية الإلهية الشاملة، لم يدّعوا تبعية الوحي للنبي، فالمسألة في حقيقتها أن شخصية النبي محل لنزول الوحي، لا أنه يتدخل في أصل الوحي. في حين لا يذهب سروش إلى كون النبي وعاءً للوحي، وإنما يراه هو الوحي بذاته، وخصوصاً في تصوير كلام الله وصياغته.

6ـ إن الولاية الإلهية الشاملة، وقرب الأولياء من الله تبارك وتعالى، وتجربتهم الاتحادية مع الله، شيءٌ آخر غير الوحي. وقد قال سروش في رفع الإبهام عن كلماته: «إن أولياء الله من القرب من الله والفناء فيه حتى أن كلامهم هو عين كلام الله، وأن أمرهم ونهيهم وحبهم وبغضهم عين أمر الله ونهيه وحبه وبغضه»، فهل يمكن بهذا التحليل العرفاني الذي يبديه سروش أن نعتبر كلمات العرفاء والكاملين من الناس وحياً؟ وما معنى الاتحاد والفناء هنا؟ ألا يعني مراد العرفاء من الفناء في الله أن النبي حصل على صبغة إلهية؟!

إن القول ببلوغ النبي مقام الولاية الإلهية الشاملة شيءٌ آخر لا يعني تدخله في الوحي بالالتفات إلى علومه البشرية أثناء عملية نزول الوحي، ولا ينبغي الخلط بين هذين الأمرين. ولم يقع أيّ عارف في مثل هذا الخلط، ولذلك لم يقُلْ أحدٌ أن الآيات المتعلقة بخلق الإنسان والحقائق التاريخية كانت منسجمة مع ما وصلت إليه العلوم في عصر النبي ‘.

7ـ يستند سروش ويعول على أبيات شعرية وكلمات أدبية للمولوي يدعو فيها أن لا تكون هناك بينه وبين الله من واسطة، فهل تستلزم هذه الدعوة التي جاشت بها قريحة شاعر أن يكون الوحي تجربة شخصية للنبي الأكرم، أو أن لشخصية النبي وعلمه دخل في الآيات القرآنية؟!

وخلاصة القول: إن الإشكالات في نظرية سروش بشأن الوحي وتبعاتها من الكثرة بحيث لا يمكن رفعها بمجرد الاعتقاد بولاية النبي الإلهية العامة.

الهوامش:

(*) عضو الهيئة العلمية لجامعة العلامة الطباطبائي، قسم الفلسفة، له مؤلَّفات عدة حول نقد رجال الإصلاح في إيران.