«نزِّلونا عن الربوبيّة…»

أمنع حصون الغلاة وتدليساتهم

ـ القسم الثاني ـ

الشيخ جويا جهانبخش(*)

ترجمة: حسن مطر

7ـ أما الآن فإذا تجاوزنا الدراية والتأمُّل وإعمال الفكر وفقه الحديث في ما يتعلّق بعبارة «نزِّلونا عن الربوبية…» فيجب التأمُّل في صيغتها ومستندها.

إن صيغة «نزِّلونا عن الربوبية، وقولوا فينا (أو: في حقِّنا) ما شئتم»، رغم اشتهارها على الأفواه والألسنة، لم أجِدْها في أيّ نصٍّ روائي قديم يمكن الركون والتعويل عليه. وكأنّ الآخرين([1]) لم يعثروا على مثل هذا النصّ أيضاً.

ويمكن العثور على مضمون هذه العبارة في بعض الروايات. ولكنْ حتّى إذا لم تشكُ من قصور في السند([2])يبقى قبولها موضع تأمُّل([3])، وخاصّة في ما يتعلَّق بالعقائد التي لا تثبت بمجرّد «خبر الواحد».

نقرأ في خصال الشيخ الصدوق، في حديث الأبواب الأربعمائة، التي علَّمها أمير المؤمنين عليّ× لأصحابه، يقول×: «إياكم والغلوّ فينا، قولوا: إنا عبيدٌ مربوبون، وقولوا في فضلنا ما شئتم»([4]).

وعلى الرغم من أن شاهد كلامنا يكمن في هذا الجزء من الحديث، ولكنْ حيث إن أصل الكلام يعود إلى أفكار وأساليب الغلاة يبدو من المناسب جدّاً أن نذكر بأنه قد جاء بعد هذه العبارة المذكورة أعلاه تتمّة لها تقول: «مَنْ أحبنا فليعمل بعملنا، وليستعِنْ بالوَرَع؛ فإنه أفضل ما يُستعان به في أمر الدنيا والآخرة»([5]).

وجاء بعد ذلك بأسطر قليلة قوله: «لا تُعَنّونا في الطَّلَب والشفاعة، لكم يوم القيامة في ما قدَّمتم»([6]).

كما تمّ ضبط حديث الأربعمائة في تحف العقول أيضاً، مع فارق أن الموجود هناك «عباد مربوبون»، بدلاً من «عبيد مربوبون»([7])، وهو ليس بالفَرْق الفارق.

علينا التذكير بأن هذا الحديث هو في الحقيقة ذات كتاب آداب أمير المؤمنين×، للقاسم بن يحيى الراشدي، ومن التراث المكتوب في القرن الهجري الثاني. وقد طبع مؤخَّراً طبعةً مستقلّة محقَّقة([8])، وهي حالياً في متناول الباحثين في الحديث([9]).

رُوي في عيون الحكم والمواعظ، لعليّ بن محمد الليثي الواسطي (الذي عاش في القرن السادس الهجري)، عن أمير المؤمنين عليّ×، أنه قال: «إياكم والغلوّ فينا، قولوا: إنا مربوبون، واعتقدوا في فضلنا ما شئتم»([10]).

وتجد هذه الرواية في غرر الحكم، للآمدي، أيضاً([11]).

وقد تمّ نقل كلا هذين الحديثين المرسلين عن حديث الأبواب الأربعمائة، أي كتاب القاسم بن يحيى الراشدي([12]).

وجاء في بصائر الدرجات الكبرى «باب في الأئمّة أنهم يعرفون الأضمار وحديث النفس قبل أن يخبروا به، ح22»: «حدَّثنا أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن الحسين بن بردة، عن أبي عبد الله×؛ وعن جعفر بن بشير الخزّاز، عن إسماعيل بن عبد العزيز قال: قال أبو عبد الله×: يا إسماعيل، ضَعْ لي في المتوضَّأ([13]) ماءً، قال: فقمتُ فوضعت له، قال: فدخل، قال: فقلتُ في نفسي: أنا أقول فيه كذا وكذا، ويدخل المتوضَّأ([14])، فلم يلبث أن خرج، فقال: يا إسماعيل، لا ترفع البناء فوق طاقته فينهدم، اجعلونا مخلوقين، وقولوا بنا ما شئتم.

قال إسماعيل: كنتُ أقول فيه وأقول: حدَّثنا»([15]).

وفي الخرائج والجرائح رواية إسماعيل بن عبد العزيز، على النحو التالي: «…رُوي عن إسماعيل بن عبد العزيز قال: قال لي أبو عبد الله×: ضَعْ لي ماءً في المتوضَّأ، فقمتُ فوضعت له، فقلتُ في نفسي: أنا أقول فيه كذا وكذا، وهو يدخل المتوضَّأ! فلما خرج قال: يا إسماعيل، لا ترفعوا البناء فوق طاقته فيهدم، اجعلونا عبيداً مخلوقين، وقولوا فينا ما شئتم، إلاّ النبوّة»([16]).

هذا، وقد نقلت رواية إسماعيل بن عبد العزيز في (الثاقب في المناقب)، لعماد الدين الطوسي، وبعض المصادر الأخرى أيضاً.

ورُوي في (بصائر الدرجات)، للصفّار، أيضاً: «حدَّثنا الحسن بن موسى الخشّاب، عن إسماعيل بن مهران، عن عثمان بن جبلة، عن كامل التمّار قال: كنتُ عند أبي عبد الله× ذات يومٍ، فقال لي: يا كامل، اجعلوا لنا ربّاً نؤوب إليه، [وقولوا فينا ما شئتم. قال: فقلتُ: نجعل لكم ربّاً تؤوبون إليه]، ونقول فيكم ما شئنا؟! قال: فاستوى جالساً، ثمّ قال: وعسى أن نقول ما خرج إليكم من علمنا إلاّ ألفاً([17]) غير معطوفة»([18]).

وفي المحتضر، للحسن بن سليمان الحلّي: «وقال الصادق×: اجعلوا لنا ربّاً نؤوب إليه، وقولوا فينا ما شئتم»([19]).

ويبدو أنها تكرارٌ لبعض الرواية المتقدِّمة في بصائر الدرجات.

وفي التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري× نجد ما يلي: «وقال الرضا×: …مَنْ تجاوز بأمير المؤمنين× العبودية فهو من المغضوب عليهم ومن الضالين.

وقال أمير المؤمنين×: لا تتجاوزوا بنا العبودية، ثمّ قولوا ما شئتم، ولن تبلغوا، وإيّاكم والغلوا كغلوّ النصارى، فإنّي بريءٌ من الغالين»([20]).

وفي الاحتجاج، للطبرسي، جاء ما يلي: «وروينا أيضاً بالإسناد المقدَّم ذكره، عن أبي محمد العسكري×، أنّ أبا الحسن الرضا× قال: إن مَنْ تجاوز بأمير المؤمنين× العبودية فهو من المغضوب عليهم ومن الضالين. وقال أمير المؤمنين×: لا تتجاوزوا بنا العبودية، ثم قولوا فينا ما شئتم، ولن تبلغوا، وإيّاكم والغلوّ كغلوّ النصارى؛ فإني بريءٌ من الغالين»([21]).

إن هذا الإسناد المشار إليه من قبل الطبرسي([22]) هو ذات أسناد التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري×. وهو سندٌ غير موثوق([23]). ومن الواضح أن الطبرسي قد أخذ هذه الرواية أيضاً ـ كما هو الحال بالنسبة إلى بعض منقولاته الأخرى في كتابه ـ عن ذلك التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري×.

وممّا قاله عليّ بن عيسى الإربلي(625 ـ 692هـ)، في كشف الغمّة، في جملة رواياته عن كتاب الدلائل([24]): «عن مالك الجهني قال: كنّا بالمدينة حين أجليت الشيعة وصاروا فِرَقاً، فتنحَّينا عن المدينة ناحية، ثمّ خلَوْنا، فجعلنا نذكر فضائلهم، وما قالت الشيعة، إلى أن خطر ببالنا الربوبية، فما شعرنا بشيءٍ، إذا نحن بأبي عبد الله واقفٌ على حمار، فلم نَدْرِ من أين جاء، فقال: يا مالك، ويا خالد، متى أحدثتما الكلام في الربوبية؟ فقلنا: ما خطر ببالنا إلاّ الساعة، فقال: اعلما أنّ لنا ربّاً يكلأنا بالليل والنهار، نعبده. يا مالك، ويا خالد، قولوا فينا ما شئتم، واجعلونا مخلوقين. فكرَّرها علينا مراراً، وهو واقفٌ على حماره»([25]).

وفي أواخر أحد الفصول الأخيرة من إرشاد القلوب، للديلمي (من علماء القرن الهجري الثامن)، جاء ما يلي: «…وجميع هذه الأخبار تدلّ على أنّ آل محمد هم أشرف خلق الله تعالى… وأنّ فضلهم^ لا يُحْصى، كما ورد عنهم^: انفوا عنّا الربوبيّة، وقولوا ما شئتم…»([26]).

مع وجود أنواع الغموض والإشكالات في «مأخذ»([27]) أو «سند»([28]) كلّ واحد من الأحاديث المشعرة بمضمون «نزِّلونا عن الربوبية و…»، ومع كثرة الدواعي إلى الجعل والاختلاق الغالي الموجودة في هذا السياق، يغدو حصول الاطمئنان بصدور هذا الكلام عن الأئمة^ في غاية الصعوبة والإشكال.

وهناك في البين مسألةٌ جديرة بالاهتمام، وهي الملازمة القائمة، والتي تتجلّى عادةً، بين «الغلوّ» وبين «التقصير»؛ فحيث كان الغلوّ يعني رفع شيء أو حقيقة أو صفة إلى مرتبة فوق مرتبته الحقيقية، فإنّ هذا الغلوّ غالباً ما يقترن ويستلزم خفض شيءٍ أو حقيقة أو صفة أخرى إلى ما دون مرتبتها.

والمثالُ على ذلك: إنه كلما عمد شخص إلى الغلوّ في أئمّة الدين، وخلع عليهم صفاتٍ إلهية، يكون قد قصَّر في حقِّ ألوهية الله تعالى.

ومن هنا تماماً لا يجوز التسامح في حقّ هذه الرواية الضعيفة أو ذلك النقل المشبوه، والذي يُشعر محتواه بالغلوّ([29]).

إن المضمون الذي يقع مورداً لبحثنا من هذه الناحية يقع في نقطة حسّاسة للغاية. ففي هذه النقطة إذا انحدرنا في أودية الغلو نكون قد سقطنا لا محالة في التقصير من جهة التوحيد، ولا يخفى ما في هذا من المخاطر في مجال التديُّن.

كما يجب عدم الغفلة عن هذه المسألة الهامّة والجوهرية، وهي أن الغلاة قد عمدوا في فترة من الزمن إلى وضع الروايات ضمن الأسانيد المعتبرة، وبثّها في المجتمعات الشيعية.

ومن هنا، ولا سيَّما في الموضوعات والمواضع التي تزداد فيها قوّة الدافع لدى الغلاة لوضع الحديث واختلاقه، لا يصحّ التساهل في نقد الحديث، والاكتفاء بصحّة سنده نسبياً، حيث ترتفع أهمّية النقد المضموني لهذه الروايات من خلال عرضها على كتاب الله والسنّة القطعية، وتزداد ضرورة الاستفادة من التقييمات التاريخية واللغوية والأساليب المعرفية، ويغدو الوثوق بصدورها أشدّ صعوبةً وتعقيداً([30]). وفي مثل هذه الموارد تكون حتّى الأسانيد الصحيحة موضعاً للتأمُّل، ناهيك عمّا إذا كانت الأسانيد ضعيفةً أيضاً.

وبالتالي، على الرغم من جميع ما تقدَّم، وعلى الرغم من أن عبارة «نزِّلونا عن الربوبية، وقولوا في فضلنا ما شئتم» هي أوّلاً: شعارٌ يستهوي الغلاة تماماً، وهو منسجمٌ مع العقيدة الغالية، وإن الغلاة يمتلكون الكثير من الدواعي والدوافع إلى وضع واختلاق مثل هذه العبارات؛ وثانياً: قد تمّ توظيفها من قبل الغلاة بشكلٍ مفرط؛ وثالثاً: ضعف الطرق الروائية لها وما إلى ذلك… لا شيء من الصور المشعرة بهذا المضمون بحيث يمكن الركون إليها، والاطمئنان بها، واعتبارها كلاماً صادراً عن الأئمة^، لا بُدَّ من الإنصاف والقول بأننا من خلال الشواهد والأبحاث الموجودة لا نستطيع القطع بوضع واختلاق جميع هذه الصور المذكورة، واعتبارها لا أساس لها من الصحّة؛ إذ ـ كما تقدَّم ـ يمكن تقديم معنىً وتفسيرٍ صحيح ومقيَّد ومحدود لبعض هذه الروايات. وإنّ هذا التفسير المقيَّد والمحدود لا يتعارض مع مسلَّمات الكتاب والسنّة القطعية والتاريخ الحقيقي للأئمّة^، وسوف تكون منسجمةً تمام الانسجام مع عقائد المعتدلين من الشيعة.

لقد قيل منذ القِدَم: «أَوْلى الأشياء بأهل الدين الإنصاف»([31]). والإنصاف هنا هو احتمال صدور رواية مشعرة بهذا المفهوم المذكور ـ وبطبيعة الحال بمعناه المقيَّد والمحدود الذي أوضحناه في هذا المقال، والذي يوافق الكتاب والسنّة القطعية ـ عن الإمام المعصوم×، ثمّ أخذها الغلاة المنحرفون، وعمدوا إلى توظيفها في إطار أفكارهم الغالية، بل وزادوا عليها وأضافوا إليها بعض التوابل من عندهم.

إن النظرة إلى النصوص الغالية، من قبيل: خطبة البيان، وخبر النورانية، وما إلى ذلك، تثبت أن الغلاة في الكثير من الموارد قاموا بتناول روايةٍ أو معلومة متداولة بين المعتدلين من الشيعة، وأضافوا إليها، وأنقصوا منها، ووضعوا لها بعض المساحيق والرتوش بما يخدم الترويج لأفكارهم التي ينشدونها.

وبطبيعة الحال فإن هذا النوع من الوضع والاختلاق والتحريف ليس مختصّاً بالغلاة، وإن الكثير من الوضّاعين والمحرّفين للتعاليم الدينية، ولا سيَّما بهذه النغمة الذكية التي توفّر الأرضية لشيوع وانتشار كلامهم، قد عمدوا إلى معلومةٍ أو نصّ معروف ومتداول، وقاموا بإجراء بعض التغييرات على ذلك «النصّ» (text)، أو «السياق» (context)، وإعادة عرضه على المخاطَب؛ كي يتلقّاه بالقبول بفعل معرفته السابقة له، وفي ظلّ المقبولية والمعرفة الأولى لهذا النصّ.

علينا أن لا نغفل هذه الحقيقة، وهي أنه كما يحتوي القرآن الكريم على آيات محكمات وأخر متشابهات، كذلك الأحاديث والروايات فيها المحكم والمتشابه أيضاً.

ومضافاً إلى ذلك كما أن المغرضين «الزائغة قلوبهم»، على حدّ تعبير القرآن الكريم، في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ (آل عمران: 7)، يتَّبعون ما تشابه في القرآن؛ بغية الإيقاع في الفتنة، ويلجأون إلى التأويل([32])، يلجأون في الحديث إلى ذات الأمر أيضاً، حيث يتسقَّطون المتشابه من الحديث، ويؤوِّلونه على طبق ما تشتهيه أهواؤهم([33]).

لا يمكن التشكيك أو الترديد في أن هذا المضمون قد حظي باهتمامٍ واسع من قبل الغلاة.

إن مضمون «نزِّلونا عن الربوبية و…» بتفسيره المتطرِّف الذي يتجاوز الحدود كان على الدوام يمثّل الدعامة الممهِّدة لأرضية المدَّعيات التي لا تقوم على دليل، والعقائد الغالية التي ليس لها من قرارٍ، ليتمكَّنوا من خلالها تكميم أفواه المعترضين من عامّة الناس، ويمهِّدوا الأذهان للاعتياد على هذه المفاهيم، والاتجاه إلى قبولها([34]).

إن الإجمال الموجود في معنى «الربوبية» يشكِّل إحدى الذرائع الرئيسة للغلاة المتطرّفين في الترويج للمضمون مورد البحث.

ومن الواضح أن عدداً من الغلاة يرَوْن أن الربوبية تعني مجرَّد التأليه، وبعبارةٍ أوضح: قالوا بأن الربوبية تعني «وجوب الوجود الذاتي»، وقالوا بأن هذا المضمون مورد البحث يجيز الاعتقاد بكلّ فضيلةٍ باستثناء «وجوب الوجود الذاتي» لأهل البيت^.

وفي الهداية الكبرى، لمؤلِّفه: الحسين بن حمدان الخصيبي([35])، نقرأ في حوارٍ دار بين المفضّل والإمام الصادق×([36]) ما يلي: «وأما الغالي فليس فقد([37]) اتَّخذنا أرباباً من دون الله، وإنما اقتدى بقولنا؛ إذ جعلونا عبيداً مربوبين مرزوقين، فقولوا بفضلنا ما شئتم فلن تدركوه»([38]). [كذا].

إن هذا الحوار الصريح في تماهيه مع الاتجاه الغالي التفويضي في (الهداية الكبرى)، والخصيبي نفسه ـ كما يرى بعض الباحثين ـ هو ثمرة خيال بعض المفوِّضة الذين يسعَوْن بشكلٍ لطيف، ومن خلال نسبة بعض التعاليم إلى أهل البيت^، للحصول على بعض ماء الوجه للغلاة، وإضعاف وتخطئة موقف المخالفين لهم([39]). إن المفضَّل بن عمر ـ الشخصية المحبوبة لدى الغلاة([40]) ـ يعمد، من خلال بعض الأسئلة التي يطرحها، والأجوبة التي يحصل عليها، إلى رسم فضاءٍ لا ينسجم مع فحوى الكثير من الروايات المدرجة في المصادر الروائية القديمة والمعروفة لدى الإمامية([41])، ويقوم على وجه التحديد بوظيفة المعبِّد لطريق الغلاة، الذين كانوا يبحثون عمّا يُسوِّغ لهم غلوّهم.

ومن ذلك: ما قالوه، على هامش كلامٍ نسبوه إلى الإمام×، بوصفه نوعاً من الاستنتاج: «يا مولاي، إني لأحسب أن شيعتك لو غلَتْ كلّ الغلوّ فيكم تهتدي إلى وصفٍ يسير ممّا فضّلكم الله به من هذا العلم الجليل»([42]).

إن خطبة البيان من جملة النصوص التي لا يمكن أن تجدها ـ بحَسَب تصريح العلاّمة المجلسي ـ إلاّ في كتب الغلاة ومَنْ كان على شاكلتهم([43]). فهي من النصوص غير الموثوقة، والمفعمة بالإشكالات العقائدية والتاريخية واللغوية وما إلى ذلك في رواياتها ـ التي هي غير منسجمة وغير متناغمة أيضاً ـ([44])، ممّا يمثِّل نموذجاً واضحاً من لغو الغلاة، ولا سيَّما تراث المفوِّضة منهم.

وفي روايةٍ طويلة من خطبة البيان، والتي أوردها الشيخ علي بارجيني اليزدي الحائري(1333هـ) في إلزام الناصب([45])، نواجه العبارة التالية: «…أيها الناس، قولوا فينا ما شئتم، واجعلونا مربوبين…»([46]).

وفي خبر النورانية ـ الذي هو من مواريث الغلاة([47]) ـ نجد المضمون مورد البحث تكرَّر لأكثر من مرّةٍ؛ كي تبدو مدَّعيات الخبر ـ ما أمكن ـ منزَّهة من الغلوّ.

وفي روايةٍ واردة في بحار الأنوار جاء في موضع منها التعبير التالي: «اعلم، يا أبا ذرّ، أنا عبدُ الله ـ عزَّ وجلَّ ـ وخليفتُه على عباده، لا تجعلونا أرباباً، وقولوا في فضلنا ما شئتم، فإنّكم لا تبلغون كُنْه ما فينا، ولا نهايته، فإن الله ـ عزَّ وجلَّ ـ قد أعطانا أكبر وأعظم مما يصفه واصفكم، أو يخطر على قلب أحدكم، فإذا عرفتمونا هكذا فأنتم المؤمنون»([48]).

ويقال في موضعٍ آخر: «يا سلمان، ويا جندب…، وإنما أنا عبدٌ من عبيد الله، لا تسمّونا أرباباً، وقولوا في فضلنا ما شئتم، فإنكم لن تبلغوا من فضلنا كُنْه ما جعله الله لنا، ولا معشار العشر…»([49]).

وفي روايةٍ عن خبر النورانية، الذي أورده الحافظ رجب البُرْسي في كتابه (مشارق أنوار اليقين)، نقرأ ما يلي: «يا سلمان، بنا شرف كلّ مبعوث، فلا تدعونا أرباباً، وقولوا فينا ما شئتم، ففينا هلك وبنا نُجي»([50]).

وبالإضافة إلى ما تقدَّم، نجد عبارة: «جنِّبونا آلهة تعبد، واجعلوا لنا ربّاً نؤوب إليه، وقولوا فينا ما استطعتم» في مشارق الأنوار، للحافظ رجب البُرْسي أيضاً([51])، وقد عقّب البُرْسي على ذلك ببيتٍ من الشعر تحت عنوان «…كما قيل»:

جنِّبوهم قول الغلاة وقولوا *** ما استطعتم في فضلهم أن تقولوا

فإذا عدت سماء مع الأرض([52]) *** إلى فضلهم فذاك قليل([53])

يقوم افتراض البُرْسي من الاستشهاد بهذين البيتين ـ بطبيعة الحال ـ على أن اعتبار «تأليه» أهل البيت^ وحده هو الذي يُعَدّ من الغلوّ، لا غير.

وفي النصوص المتأخِّرة للغلاة نشاهد نوعاً من تضخيم المفهوم. وقد تمّ السعي من وراء هذا التضخيم ـ بشكلٍ وآخر ـ إلى طمس جميع آثار البشرية عن النبيّ الأكرم والأئمة الأطهار^!

يحسن بنا في هذا المجال أن نخوض أوّلاً في أشهر النصوص الغالية في المراحل المتأخِّرة، ألا وهو (مشارق أنوار اليقين)، للحافظ رجب البُرْسي.

إن هذا الرجل ـ الذي تقدَّم ذكره، أعني رجب بن محمد بن رجب البُرْسي، المعروف بـ «الحافظ رجب البُرْسي»(743 ـ 813هـ) ـ شخصٌ مشبوه للغاية، ومجهولٌ، فلم يُؤْتَ على ذكره وذكر كتابه الشهير «مشارق أنوار اليقين» في المصادر الشيعية المعتبرة إلى سنواتٍ بعد وفاته.

كما أننا لا نمتلك من المعلومات التفصيلية والدقيقة عن دراسته وشيوخه وأحواله إلاّ ما كتبه هو في مؤلَّفاته عن نفسه.

والذي يفاقم الإشكال ما ورد من الاختلاف بين مخطوطات بعض مؤلَّفاته، حيث نشاهد اختلافاً في تحديد تاريخ تأليف نفس كتاب «مشارق أنوار اليقين»، حتّى يصل هذا الاختلاف إلى ما يقرب من نصف قرن!([54]).

إن التحقيق بشأن هذا الكتاب (مشارق أنوار اليقين) ـ والذي حظي بطبعات متنوّعة ـ يكفي لإدراك ما فيه من الغلوّ، والعبارات المتناقضة والمضطربة الصادرة عن هذا المدَّعي المتطرِّف([55]).

وعلى الرغم من المحاولات الكثيرة المبذولة في تنزيهه وتبرئته، تكفي نظرة فاحصة ومدقِّقة في هذا الكتاب لكي يقف القارئ على حقيقة أمره([56]).

قال البُرْسي هذا، في مشارق أنوار اليقين: «وعنهم^ أنهم قالوا: نزِّهونا عن الربوبية، وارفعوا عنا حظوظ البشرية ـ يعني الحظوظ التي تجوز عليكم ـ، فلا يُقاس بنا أحدٌ من الناس، فإنّا نحن([57]) الأسرار الإلهية المُودَعة في الهياكل البشرية، والكلمة الربانية الناطقة في الأجساد الترابية، وقولوا بعد ذلك ما استطعتم، فإنّ البحر لا ينزف، وعظمة الله لا توصف([58])»([59]).

ويبدو ـ بحَسَب الظاهر ـ أنّ كتاب مشارق أنوار اليقين وما كان على شاكلته من المؤلَّفات هي التي أدَّتْ إلى شيوع نقل أمثال هذه العبارة بين المتأخِّرين من الشيعة.

قال الفيض الكاشاني في كتابه (الكلمات المكنونة): «رُوي عن أمير المؤمنين× أنه قال: نزِّلونا عن الربوبية، ثمّ قولوا في فضلنا ما استطعتم، فإنّ البحر لا ينزف، وسرّ الغيب لا يُعْرَف، وكلمة الله لا توصَف. وعنه×: نحن أسرار الله المودعة في هياكل البشرية»([60]).

وعلى الرغم من أن الفيض لا يقدِّم مصدراً لهذه النقول، فإن كتاب (الكلمات المكنونة) واضح التأثُّر بتراث الغلاة([61])، وقد نقل الفيض عن البُرْسي صراحةً([62]). ولا يبعد أن يكون ما ذكره قد نقله عن نسخة من (مشارق أنوار اليقين)، أو كتاب آخر من مؤلَّفات البُرْسي([63]).

وقد عبَّر بعض المصادر المتأخِّرة جدّاً عن صيغةٍ لهذا النقل المضخّم، كما في «معاني الأخبار»، للعلاّمة.

علينا أن نسأل: أيّ معاني الأخبار؟ وأيّ علاّمة؟

بطبيعة الحال يحتمل أن يكون المراد من ذلك هو كتاب «استقصاء الاعتبار في تحقيق معاني الأخبار»، للعلاّمة الحلّي([64]). بَيْدَ أن مكمن الإشكال في أن هذا الكتاب لم يصِلْ إلينا([65])، ولا إلى غيرنا من المتأخِّرين، بل لم يتَّضح ما إذا كان العلاّمة الحلي قد أتمّ تأليفه أم لا، ولا سيَّما أن هذا الكتاب الفذّ([66]) لو كان تخطّى مرحلة المسوَّدات لكان بلا شكٍّ قد وصل إلى الجيل اللاحق للعلاّمة، ولتمّ الاستشهاد به والإحالة إليه، واستنساخه، أو لوجدنا في الحدّ الأدنى قسماً معتدّاً به في تراث تلاميذه ـ وما أكثرهم! ـ، وفي الطبقات اللاحقة أيضاً.

وعلى أيّ حال فإن الملا محمد علي قراجه داغي التبريزي(1310هـ) قال في (اللمعة البيضاء)، بعد نقل رواية ونسبتها إلى أمير المؤمنين×: «وقال× أيضاً ـ كما حُكي عن (معاني الأخبار)، للعلاّمة& ـ: يا سلمان، نزِّلونا عن الربوبية، وادفعوا عنا حظوظ البشرية، فإنا عنها مبعدون، وعما يجوز عليكم منزَّهون، ثم قولوا فينا ما شئتم، فإن البحر لا ينزف، وسرّ الغيب لا يُعْرَف، وكلمة الله لا توصَف، ومَنْ قال هناك: لِمَ ومِمَّ فقد كفر»([67]).

ويحتمل أن يكون الشيخ أبو القاسم أمين الشريعة الخوئي(1277 ـ 1348هـ) قد نظر ـ بشكلٍ وآخر ـ إلى مثل هذا النقل؛ إذ قال في (ميزان الصواب)، الذي هو شرحٌ لكتاب (فصل الخطاب)، للسيد قطب الدين محمد النيريزي، قطب الصوفية الذهبية في القرن الثاني عشر الهجري: «…وقال أمير المؤمنين×: نزِّلونا عن الربوبية، ثم قولوا في فضلنا ما شئتم، فإن البحر لا يُنزف، وسرّ الغيب لا يُعْرَف، وكلمة الله لا توصَف»([68]).

وقال الميرزا محمد تقي الموسوي الإصفهاني(1301 ـ 1348هـ)، في مكيال المكارم: «…وممّا ذكرناه ظهر معنى ما رُوي عنه: يا سلمان، نزِّلونا عن الربوبية، وادفعوا عنا حظوظ البشرية، فإنا عنها مبعَدون، وعما يجوز عليكم منزَّهون، ثمّ قولوا فينا ما شئتم (إلخ)»([69]).

8ـ ثمّ إنه، وعلى الرغم من أنواع الغموض والإشكالات الواردة بشأن العبارة القائلة: «نزِّلونا عن الربوبية و…»، درايةً ورواية، والاستشهاد بها والاستناد إليها، ولا سيَّما في القرون اللاحقة بكثرةٍ، أحياناً ـ كما تقدَّم أن ذكرنا ـ كانت هذه العبارة (المعلومة) المشبوهة مستنداً للأحكام الروائية والكلامية أيضاً.

قال البياضي، بعد روايته بعض بطولات أمير المؤمنين عليّ× وسلوكياته وأفعاله المذهلة: «…ومن هذا ونحوه قالت الغلاة فيه: إنه الخالق المعبود، وإنه هو أرسل محمداً‘ بالنبوّة، وادَّعوا أن له خطبة سمّاها خطبة الكشف، قال فيها: أنا شققت أنهارها، وأينعت أثمارها، وأظلمت ليلها، وأضأت نهارها، وأنا نبّأت النبيين، وأرسلت المرسلين».

ثم استطرد قائلاً: «وهذا مكذوبٌ عليه؛ لمنافاته ما اشتهر عنه من الخشوع لله تعالى، وعظم الثناء لديه. ولو سُلِّم فهو قابلٌ للتأويل بالإنكار، أي إنْ كان كما تقولون من إلهيّتي فأنا فعلتُ كذا وكذا، لكنّي ما فعلتُ فلستُ بإله. ويمكن حمله على السببية؛ لما اشتهر في الحديث: لولاهم لما خلق الله خلقه، فكأنّه× فاعلُ ذلك بالسبب، وقد جاء عنهم^([70]): قولوا في فضلنا ما شئتم بعد أن تثبِّتونا عبيداً مربوبين»([71]).

وهكذا ترَوْن كيف يعمل البياضي على إيجاد المحامل والتبريرات لمضمون هذه العبارة مورد البحث، بعد أن قام أوّلاً بتكذيبها صراحةً.

لقد كان هذا النوع من المحامل ـ للأسف الشديد ـ هو السبب في أن تلقى هذه المرويات الغالية، التي لا أصل لها ولا أساس، انتشاراً في القرون اللاحقة بالتدريج، واتّخاذها من قبل بعض (الخطباء العوام)؛ لتكون وسيلةً لحلّ أوضح التعارضات العقائدية والنقلية، وتحظى بالمقبولية في هذا المقام!… فلنَطْوِ عن ذلك كشحاً.

إن العلامة المجلسي ـ مع كونه محدِّثاً كبيراً ـ في تقييمه ونقده لبعض أقوال المتكلِّمين والدفاع عن بعض الأحاديث قد استشهد برواياتٍ تحمل ذات المضمون مورد بحثنا. والعجيب أنه قال في ذلك: «…إنه قد ورد في أخبار كثيرة: لا تقولوا فينا ربّاً، وقولوا ما شئتم، ولن تبلغوا»([72]).

إن مثل هذا الاستشهاد مستبعَدٌ من مثل هذا المحدِّث الكبير؛ وذلك:

أوّلاً: إنه ينبغي أن يعلم أفضل منّا بأن تكرار هذا المضمون في بعض الكتب إنما هو من باب اشتهار رواية أو بضع روايات، وذلك لا يصحِّح قوله: «في أخبار كثيرة».

وثانياً: إن التخصيص والتقييد القطعي لـ «ما شئتم» لا يبقي ـ بحكم ضرورة العقل والدين ـ موضعاً للاستشهاد بها في مقام نفي قول أولئك الذين أفرطوا من وجهة نظره في باب مكافحة الغلوّ ونفيه. والعلم عند الله.

وفي رسالة (علم الإمام)، للشيخ محمد حسين المظفَّر، نجد استناداً جادّاً إلى هذه المقولة، حيث قال: «…ومهما اعتقدنا فيهم من شيءٍ فلا نبلغ فيه مراقيهم القدسية الرفيعة، ولو لم يعلموا أننا لا نصل إلى تلك الرتب السامية التي يعرفونها لأنفسهم لما قالوا لنا: نزِّهونا عن الربوبية، وقولوا فينا ما شئتم»([73]).

وقد سعى السيد علي العاشور، في كتاب «الولاية التكوينية» ـ من خلال ضمّ عددٍ من الأخبار الضعيفة والقوية والمتشابهة والمحكمة إلى بعضها في هذا المجال ـ، إلى تدعيم هذا المضمون، فيقول: «فهذه الطائفة تفيد إجازة قول كلّ قائلٍ في عظيم فضلهم ومنزلتهم وقدرتهم وتصرُّفهم، مشروطٌ ذلك بعدم ادّعاء الربوبية»([74]).

حاصل القول: إن عبارة «نزِّلونا عن الربوبية و…»، والروايات المشعرة بهذا المضمون، يبرز منها هذا الإشكال المعضل، وهو أن بعض هؤلاء ـ حتّى دون الالتفات الكافي إلى الحدود والقيود الكثيرة الموجودة في دلالاتها ـ قد اتَّخذها بوصفها «قاعدة عقائدية» قابلةً للطرح([75])، ويبدون العجب العجاب كلما رأَوْا شخصاً يعتقد بأن وصف الأئمة بما دون المبدئية من الغلوّ. وللأسف الشديد فإنهم يتعاملون مع هذه القاعدة الناجعة ـ بزعمهم ـ وسيلةً وملاكاً لتحديد «الغلوّ» و«التقصير»، دون الالتفات إلى حدودها وقيودها([76]).

إن هؤلاء قد اتَّخذوا من فهمهم مسطرةً لقياس كلّ شيء وتقديره بها، ويعملون على مكافأة ومعاقبة جميع الأشخاص بواسطتها، دون أن يلتفتوا إلى أن هذه المسطرة هي في حدّ ذاتها مليئةٌ بالخدوش وعدم الاستقامة، بحيث لا يمكن الركون والاطمئنان إليها أبداً!

وفي الحقيقة إنّ عبارة «نزِّلونا عن الربوبية و…» قد أصبحت متراساً يتترَّس به الغلاة؛ ليجيزوا ويبيحوا لأنفسهم كلّ أنواع الغلوّ المكشوف، ما لم يصل إلى حدّ التأليه.

ومن الواضح أن الاستناد والاستشهاد والإقبال الكبير على عبارة «نزِّلونا عن الربوبية و…»، والفهم المتطرِّف والمغالى فيه، قد بلغ ذروته في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين([77]). وإن الدراسات والأبحاث تؤيِّد هذا الحكم([78]). وفي هذه الأيام نجد التفكير الجانح نحو مضمون عبارة «نزِّلونا عن الربوبية و…» قد تشبَّعت به حتّى عروق ثقافتنا، وقد تسلَّل هذا التفكير حتّى إلى أدبنا الديني المنظوم.

فقد قال السيد قطب الدين محمد النيريزي(1100 ـ 1173هـ) ـ الصوفي الشهير وقطب الطريقة الذهبية ـ، في منظومة أنوار الولاية ـ والتي لا تخلو من الأفكار الغالية ـ، بالنظر إلى هذه العبارة مورد البحث بشأن الأئمة^:

وهم قالوا: اجعلونا يا مادحينا *** لنا رباً نؤوب إليه حينا

وقولوا في فضائلنا([79]) الكثيرة *** كما شئتم، ولو كانت كبيرة([80])

9ـ لحسن الحظّ شهد العصر الجديد ـ حيث النهضة العلمية الأخيرة في المحافل العلمية الشيعية ـ تأمُّلاً جادّاً في مقولة: «نزِّلونا عن الربوبية و…»، حيث أفرد حيِّزٌ علمي لدراستها بشكلٍ خاصّ.

وفي عداد الأسئلة التي قدّمت إلى المرجع السيد أبو القاسم الخوئي&(1317 ـ 1413هـ) كان السؤال عن: «نزِّهونا عن الربوبيّة، وقولوا فينا ما شئتم»: هل أن هذه المقولة حديثٌ؟ وإلى مَنْ تُنسب من الأئمة الأطهار^؟

وقال سماحته في الجواب عن ذلك: «لا يحتاج تنزيههم عن صفات الربّ المختصة به واتّصافهم بجميع ما عدا تلك من صفات الكمال التي يمكن أن تنالها البشرية في قدسيتها، كما هم منزَّهون عمّا لا يليق أن يتّصف به المخلوق المعصوم عن الزلل والمعاصي، لا تحتاج تلك إلى ورود روايةٍ حتى نثبته بمضمونها إنْ كانت معتبرة، أو نطرحها إنْ كانت ضعيفة غير معتبرة. والله العالم»([81]).

وفي مقابل هذه الأجوبة والمواقف المجملة والمغلقة كان لعددٍ من المفكِّرين الشيعة في عصرنا بإزاء التمسّك الغالي والمتطرّف بمقولة «نزِّلونا (أو: نزِّهونا) عن الربوبية، وقولوا فينا ما شئتم» موقفاً أكثر وضوحاً، وأشدّ صراحة([82]).

وبطبيعة الحال يبدو أن لهذه المقولة جذوراً ضاربة في الأزمنة القديمة، وربما أمكن البحث عن جذورها في الحضارات القديمة والسابقة على الإسلام.

ففي الملل والنحل، للشهرستاني، جاء في أواخر مناظرات بين «الصابئة» و«الحنفاء»([83])، في كلام الحنفاء عن لسان الأنبياء^، عبارة: «قولوا: إنّا عباد مربوبون، وقولوا في فضلنا ما شئتم»([84]).

إن هذه المناظرات في الملل والنحل، وإنْ كانت واضحة في كونها تقريراً إسلامياً متأثِّراً بنصوص الكتاب والسنّة، ويمكن مشاهدة بعض مسائلها لاحبة بين الباطنيين من المسلمين أيضاً، يمكن أن تشير إلى جذور ضاربة لهذه العبارة مورد البحث في التعاليم القديمة أيضاً.

ومع هذه الجذور، واتّساع رقعة التسامح في الرواية والدراية بشأن هذه المقولة، لا يخفى أن تخليص الأفهام الخاطئة بشأنها قد استغرق وقتاً طويلاً، ولا سيَّما أن جوهر هذا الفهم الخاطئ والغالي المتطرِّف عن مقولة: «نزِّلونا عن الربوبية و…» قد تسلَّل من العصور القديمة إلى بعض النصوص الشائعة بين الشيعة.

فقد جاء في مناجاة أيام شهر رجب، المرويّة بسندٍ ضعيف، ضمن توقيعٍ في مصباح المتهجِّد، ديباجة: «اللهمّ إني أسألك بمعاني جميع ما يدعوك به ولاة أمرك، المأمونون على سرّك…». وبعد اعتبار ولاة الأمر معادن كلمات الله وأركان توحيد الله، نقرأ ما يلي: «…لا فرق بينك وبينها (نسخة بدل: بينهم)، إلاّ أنهم عبادك وخلقك…»([85]).

وقد عدّ فقيه الشيعة الكبير في هذا العصر السيد أبو القاسم الخوئي، في معجم رجال الحديث، مضمون هذا التوقيع ـ على حدِّ تعبيره: «غريباً عن أذهان المتشرّعة، وغير قابل للإذعان بصدوره عن المعصوم×»([86]) ـ ([87]).

وقد عدّه المحقق والمحدّث والرجالي المدقِّق العلاّمة التستري، في (الأخبار الدخيلة»، مختَلَقاً بشكل صريح، وذكر لاستنباطه هذا عدداً من الأدلّة([88])، ومن بينها: قوله: «… وبالجملة لو لم يكن في الدعاء إلاّ فقرة (لا فرق بينك وبينها إلاّ أنهم عبادك وخلقك) لكفى دليلاً على وضعه»([89]). واعتبر مؤدّى هذه الفقرة «كفراً محضاً»([90]).

والملفت للانتباه أن مفاد العبارة التي تستهوي الغلاة: «لا فرق بينك وبينها…» تحمل ذات مضمون القراءة الغالية لعبارة: «نزِّلونا عن الربوبية و…». وقد علمت مخالفتها وعدم انسجامها وعدم تناغمها مع العقل وكتاب الله والسنّة القطعية، كما سبق أن أسلفنا.

وعلى أيّ حال فإن هذه المناجاة، ولا سيَّما الفقرة التي تقول: «لا فرق بينك وبينها (أو: بينهم) إلاّ أنهم عبادك وخلقك»، لم يكن لها حضورٌ منذ القِدَم في بعض الأدعية فحَسْب، بل كان مورد اهتمام الذين يتوقون إلى التفاسير الغالية التي تنطوي عليها عبارة «نزِّلونا عن الربوبية و…» ـ بما في ذلك فرقة الشيخية([91]) ـ أيضاً، بل تعاملوا معه بوصفه وثيقة، وأصلاً اعتقادياً، واعتباره من «خصائص وليّ الله، من وجهة نظر إمام العصر والزمان#». ويتمّ الاستشهاد والاستدلال([92]) به في هذا السياق. وهناك مَنْ أثنى عليه وامتدحه([93]). وبطبيعة الحال فإن الحظّ الأوفر من بين القائلين بهذا المدح والثناء ـ كما سبق أن ذكرنا ـ هو من نصيب المتأثِّرين بمنهج ابن عربي([94]).

وحيث وصل بنا الكلام ـ في الحكم بشأن مضمون «نزِّلونا عن الربوبية…»، وصوره المنقولة ـ إلى الحديث عن مناجاة أيام شهر رجب، وفقرة «لا فرق…»، يجدر بنا القول: إن مثال ذلك هو الحافظ رجب البُرْسي ـ الذي تقدَّم تفصيل الكلام بشأن حاله ومقاله ـ، حيث جعل من ذلك المضمون وتلك المناجاة دعامةً رئيسة وجوهرية لمعرفته بالإمامة، وقد جعل منها «معياراً» لتقييم الروايات، وكان يعرض مضمون الروايات على هذا المعيار، دون أن يبدي اهتماماً بالمسائل السَّنَدية وما إلى ذلك!([95]).

وبطبيعة الحال فإن عاقبة عمارة دراية الحديث وبناء معرفة الإمام على ذلك المضمون وتلك المناجاة معروفة سلفاً، حيث نعلم طبيعة المنتهى الذي ستؤدّي إليه!… إن العاقبة ستكون عبارة عن كتابٍ مفعَم بما يخالف كتاب الله، والسنّة القطعية، والعقل السليم. إنها باختصارٍ عبارةٌ عن كتاب اسمه «مشارق أنوار اليقين»!

10ـ كلما تطرّق الحديث إلى المنحرفين عن المفهوم التوحيدي الخالص في الإسلام يرسو الحديث ـ في الغالب ـ على المجسِّمة والمشبِّهة والمجبِّرة.

وعلى الرغم من صحّة هذا التطبيق في الجملة، ولكنْ يجب عدم الغفلة عن أن الغلاة، الذين تزخر مصادرهم في الغالب ببعض الاتجاهات التجسيمية والتشبيهية والجَبْرية، لهم السهم الأكبر في الانحرافات الظاهرة في هذا المجال.

إن الغلاة قبل وبعد كلّ شيء يجرِّدون الإسلام من وضوحه وشفافيته، التي تعتبر من أهم عناصر عنفوانه وجدوائيته.

ولكي تتّضح التَّبِعات المدمِّرة للغلوّ في التفكير الديني إلى حدٍّ ما يجدر بنا التدقيق بعمقٍ في اختلاف التثليث المسيحي (أي المسيحية الغالية) عن المسيحية القرآنية والإسلام القرآني.

إن عيسى الذي يعرفه القائلون بالتثليث من المسيحيين ليس إنساناً على شاكلة سائر الأنبياء، مثل: النبي محمد‘ وإبراهيم ونوح وموسى^، بل هو في الحقيقة إلهٌ نازل إلى الأرض، أو إلهٌ متجسِّد!([96]).

ومن هنا كان النبيّ عيسى عندهم أشدّ غموضاً من أن يمكن للعقل البشري أن يدرك كُنْهَه أو أن يعرفه، ولو على نحو الإجمال!([97]).

إن استعصاء المسيحية التثليثية على العقل جعل المسيحية الرسمية تواجه تحدّياً على جبهتين: الأولى: مواجهة العقائد العقلانية التي تأتي إلى الكنيسة من خارج العالم المسيحي ـ ومن بينها: المعتقدات الإسلامية ـ؛ والأخرى: في مواجهة المتعقِّلين من داخل العالم المسيحي، من الذين لم يطيقوا انتهاك المعايير الفطرية والعقلانية.

بالقياس إلى هذا الغموض والإشكال في العقيدة الدينية والرؤية التثليثية في الدين يبدو الإسلام غاية في الوضوح، والبُعْد عن الغموض والالتباس.

إن عيسى المسيح× وغيره من الأنبياء^ في الرؤية القرآنية، رغم ما يمتلكونه من القدرات والقداسة، إنسانيون للغاية، ويمكن فهمهم والتأسّي والاقتداء بهم، ولا سيَّما النبيّ الأكرم‘، حيث يمثِّل بشخصيته وسيرته الملموسة والإنسانية أسوةً حسنة للجميع أيضاً.

كما أن أوصياء النبي محمد من الزاوية القرآنية هم بشرٌ أيضاً، ويمكن التأسّي والاقتداء بهم من الناحية البشرية.

إن عيسى في التثليث ـ خلافاً لهذه الأمثلة والنماذج ـ هو «الله»، أو «يضاهي الإله»، فلا يمكن أن يُدرَك، وعليه لا يمكن الاقتداء أو التأسّي به من باب أَوْلى([98]).

يقول (هانس كونغ) ([99])، المفكِّر المسيحي البارز ـ والذي شغل منصب المستشار الرسمي للبابا رَدْحاً من الزمن ـ، في كتابه (تاريخ الكنيسة الكاثوليكية): لقد تراجعت المسيحية في القرن السابع للميلاد أمام اتّساع رقعة الإسلام إلى حدٍّ كبير، وتخلَّتْ عن أقدس بقاعها وأقدم أمكنتها لصالح المسلمين، ولم تتمكَّن من الصمود أمام تقدُّم الإسلام. وقد صرَّح كونغ بذكاءٍ قائلاً: «إن التعقيدات الكثيرة في العقائد المتعلقة بالتعاليم المسيحية، والتثليث، والخلافات الداخلية المسيحية، مقارنة ببساطة الإيمان الإسلامي (الإله الواحد ورسوله)، والتناغم الأوّلي للإسلام، ساعد في الأساس على حدوث مثل هذا السقوط والزوال»([100]).

في هذه المرحلة تداخلت الحدود بين الربوبية والنبوّة، بل بين الربوبية والعبودية في المسيحية الرسمية، بحيث لم يعُدْ بالإمكان التمييز بينهما، في حين كان كلُّ واحدٍ من الأركان المحدَّدة والمتمايزة في الإلهيات الإسلامية يلبي حاجة الإنسان إلى الدين بما يتناسب وإدراكه العقلي وحاجته الفطرية.

كما أن تمرُّد الإنسان الغربي على الكنيسة، ولا سيَّما ما حدث في القرن السابع عشر للميلاد، والثورة العقلانية والتنويرية الأوروبية، إنما كانت في حقيقتها تمرّداً على الكنيسة المشوبة والمطلسمة، التي لم يكن بالإمكان حلّ رموزها، ولا التفكير في أسرارها([101]). وفي الحقيقة فإنّ كل هذا الغموض والإبهام في الدين لن تكون نتيجته غير التمرُّد في صفوف المتديِّنين.

إن آية الذكاء تكمن في أن نتَّعظ اليوم بما جرى على غيرنا، وأن نستلهم العِبَر من أحوالهم؛ فالسعيد مَنْ وُعِظ بغيره([102]).

للأسف الشديد فإن الكثير من أفراد مجتمعنا يطلقون على الأفكار الغالية مفهوم الولاء والولاية، ويعتبرون الغلوّ نوعاً من الإكرام والتوقير للأئمة الأطهار^، في حين أن نتيجة الغلوّ في حقيقة الأمر تؤدّي إلى حذف الأئمّة من مسرح الحياة الدينية، وإلغاء مفهوم الاقتداء بهم.

إن من بين أهم التَّبِعات السلبية المترتِّبة على الأفكار الغالية، التي ترفع الأئمة ـ دون وَرَعٍ ـ في جميع الدرجات التي هي دون مفهوم «الله»، أنها تسلب إمكانية التأسّي والاقتداء بهم.

إن الإمام الواجد لجميع درجات العلم والقدرة وما إلى ذلك لن يكون سوى الله، ولا يمكنه أن يلعب دور الأسوة بالنسبة إلى الإنسان الضعيف. ولن يعود بعد ذلك أيّ أهمّية لإيثاره وتضحيته في ليلة المبيت، وبطولاته في سوح الوغى والجهاد؛ لعلمه المسبق أن هذه المعارك لن تصيبه بسوءٍ، أو تعرِّض حياته للخطر.

في حين إنني بوصفي من البشر الذين لا يمتلكون مثل هذا العلم ينتابني الخوف واليأس والطمع، أما الإمام الذي يمتلك القدرة على فعل كلّ شيء، ويمكنه التصرّف في عالم الخلق، وبيده مقاليد جميع الأمور، لا يمكن أن تنتابه هذه الهواجس والرغبات الطاغية. فإذا سلك طريق الصبر أو الزهد أو القناعة لن تحظى هذه القناعة بتلك الأهمّية! إن الشجاعة أو الإيثار أو القناعة التي يبديها مثل هذا الشخص ليست بالشيء الذي يُسجَّل له بوصفه فضيلة؛ لأنه لا يكون في مثل هذه الحالة رازحاً تحت وطأة الضغوط التي يعاني منها الإنسان العادي بمقتضى طبيعته، فهو يمتلك كلّ شيء، وبيده مقاليد جميع الأمور، ويستطيع تسخير الكون والتصرُّف فيه بجميع أنواع التصرُّف، غاية ما هنالك أنه ليس هو الله، ولكنه يمتلك جميع صفات الإله!

أجل، إن هذا هو ما يقتضيه التفسير الغالي والمطلق واللامحدود لعبارة «نزِّلونا عن الربوبية…». وعليه فإن مثل هذا الشخص لا يمكن أن يكون قدوةً لمَنْ هو مثلي؛ لأنه لا يعاني ما أعانيه من الشعور والإحساس وأنواع القيود.

صحيحٌ أنه يشاركني في عنوان الإنسان، ولكنه لا يعاني ما أعانيه من القيود والحدود. وحتّى لو صدق عليه عنوان ممكن الوجود، ولكنْ هناك بونٌ شاسع بين ممكن وممكن. ففي هذا العالم، وبما يتناسب وطبيعة البشر العاديين، هناك تفاوت واختلاف في التكاليف بين إنسانٍ وآخر، وما ذلك إلاّ لمكان التفاوت في الظرفية الاستيعابية لكلّ واحدٍ منهم، ناهيك عن ذلك الشخص الذي يمتلك جميع الصفات التي لا قِبَل لي بها، فهو يمتلك كلّ شيء، وأنا لا أمتلك شيئاً، فهل يمكن لي أن أجاريه، فضلاً عن أن أتَّخذه أسوةً وقدوة؟!([103]).

فلنَطْوِ عن ذلك صفحاً… إن طمس هذه الحقيقة، وانتهاك هذه الفضيلة، ليس سوى تَبِعة من تبعات اختلاق الفضائل الغالية من قبل الغُلاة والسائرين على نهجهم، ويعملون بذلك ـ من خلال أوهامهم ـ لتفريغ مضمون الأسوة والقدوة من المحتوى([104]).

كما أن الغلوّ يدعو إلى الكسل وعدم العمل، وتجميد الفكر. وقد تحمّلنا من الغلوّ وما يُنتجه من الانحطاط والفوضى المعرفية والذهنية في تاريخنا المعاصر الكثير من الجراح العميقة.

تثبت الدراسات حول تأريخ التفكير الديني في القرون الأخيرة أن الاتجاهات المتطرِّفة والغالية في تفسير «نزِّلونا عن الربوبية…» ونظائرها قد فتحت الأبواب على مصاريعها أمام تسرُّب الكثير من الروايات والحكايات غير المعقولة إلى دائرة المعرفة الدينية، ولم تكن النتيجة العملية المترتِّبة على هذه الحملة الشعواء سوى «اغتيال العقل»، الذي ينبغي أن يتحلّى به المفكِّرون في الشأن الديني. فكلّما رام أحد المفكِّرين والباحثين وضع هذا الكلام أو تلك الحكاية على ميزان التحقيق اعترضهم هذا الركام الهائل من الأفكار الغالية؛ لتقعدهم وتعيقهم عن الحركة، جاعلةً قلوبهم تفقد الثقة بعقولهم.

إننا في هذه الأيام نشعر بحاجةٍ ماسّة إلى وجود المدقِّقين والناقدين من العلماء الأعلام، من أمثال: ابن قبة الرازي، والشيخ المفيد، والشريف المرتضى، والشيخ الطوسي، فكم أسهم هذا الركام الجاثم على صدورنا من الروايات والحكايات الغالية في إغلاق الطريق أمام ظهور أمثال هذه القامات الشامخة في ميادين المعرفة الدينية؟!

فقد شهدنا في تاريخنا القريب ظهور أفكار الشيخيّة الغالية في إطار فرقة معيّنة، والتي أدَّتْ ـ بالإضافة إلى المناوشات والتضارب بين الشيعة أنفسهم، أو بين الشيعة وسائر الفرق الأخرى ـ إلى انشغال الكثير من الناس عن التفكير في الأمور الدينية والدنيوية الهامّة؛ ليغرقوا في جدلٍ ونقاش عقيم في العقيدة، والحكم بشأن المنامات والأوهام، وما إلى ذلك من سفاسف الأمور([105]).

وعلى الرغم من أن كلامنا يخصّ المجتمع الشيعي وينظر إلى فترات زمنية خاصّة، لا بُدَّ لنا من أن نعرف أن جزءاً كبيراً من عدم النضج السياسي والاجتماعي والاقتصادي في عالم الإسلام في القرون الأخيرة يعود إلى بعض الأفكار المعرقلة، والتي تعيق التقدُّم، ومن بينها: الغلوّ.

أما الغلوّ في المجتمع السنّي، ولا سيَّما بين المتصوِّفة منهم، فيشتمل على حكاية طويلة لا يتَّسع المقال لذكرها. وإنما نكتفي بالإشارة إلى أن بعض الحركات الإصلاحية الخالصة التي ظهرت في عالم التسنُّن ـ تحت عناوين السَّلَفية والقرآنية وما إلى ذلك ـ، وتعرَّض أغلبها إلى الوقوع في التطرُّف الكبير، إنما كانت بالدرجة الأولى عبارةً عن ردود أفعال على تلك الأوهام والأفكار الغالية التي طبَّقت مشارق العالم السنّي ومغاربه في القرون الأخيرة، وأطلَّتْ في كلّ زاوية بعنقها على شكل مسلك أو طريقة، مدَّعيةً ما ليس لها.

لا شَكَّ في أن بعض الانتكاسات المتطرِّفة التي برزت في أواخر العهد القاجاري والعهد البهلوي، وأدَّتْ إلى ظهور ما يصطلح عليهم بالمستنيرين، الذين حاربوا الدين أو أعرضوا عنه، إنما كانت ردّة فعل على التطرُّف الذي سبق ذكره، والخيال الصوفي الجامح والمتفلسف الذي أدّى إليه بشكلٍ خاص التيار الشيخي، والغالي المماثل له، وأدخله في دائرة الدين والمعرفة الدينية([106]).

إن الصورة التي ترسمها «الشيخيّة» عن الله والإمام([107]) هي في الحقيقة عين التفسير الغالي لعبارة «نزِّلونا عن الربوبية…».

وهناك في البين مَنْ أشكل بحقٍّ على الشيخية منذ بداية نشوئها، واعتبرها مشوبة بالغلوّ. ولكنّ الذي يدعو إلى العَجَب أنه لم يُبْدِ ذات الحساسية تجاه التفسير الغالي لعبارة «نزِّلونا عن الربوبية…» في الدائرة التقليدية للإمامية الاثني عشرية!([108]). فلنَطْوِ كشحاً عن ذلك أيضاً.

والحقُّ أن الفتن الكبرى، مثل: البابية، وكذلك البهائية المنبثقة عنها، كانت تعود بجذورها من جهةٍ إلى الشيخية وحركتهم الغالية، ومن مناخ التخدير المعرفي في تلك الحقبة؛ لخلق الأرضية لانتعاشها، من جهةٍ أخرى.

إن المخاطَب الذي يستهدفه المبلِّغون من البابية والبهائية هي الأدمغة التي تتقبَّل الترَّهات والأكاذيب والكثير من الأمور اللامعقولة، واعتبارها من الدين والمعرفة الدينية، فإن الأدمغة المستعدة لتقبُّل مثل هذه الأمور لا محالة تقبل بمثل هذه السفاسف والترَّهات الأخرى أيضاً!([109]).

ليس عَبَثاً ما قام به البعض من البحث عن أوجه الشبه بين الشيخيّة والبابية وبين التصوُّف. بَيْدَ أن ـ الحقَّ ـ هو أن أكثر أوجه الشبه تكمن بين الغلوّ الصوفي وأنواع التسامح في طرق الاستدلال والاستنتاج وما إلى ذلك من الأمور التي نراها عند الصوفيين، والتي تمّ تجاهل أغلبها ـ للأسف الشديد ـ، وبدلاً من العمل على مناقشتها يتمّ الخوض في أمورٍ([110]) يخجل اللسان من ذكرها.

إن للحاج الشيخ هادي نجم آبادي ـ الذي كان يعيش في خضمّ عصر الفتنة وارتداد البابية ـ، في كتابه «تحرير العقلاء»، إشاراتٍ أبلغ من التصريح تجاه هذه الفتن والانحرافات المماثلة. وفي هذ السياق قال مخاطباً غلاة الشيعة: «لقد تركتَ التوحيد. وسمَّيْتَ شرك الغلوّ في المظاهر الإلهية توحيداً، ولم تَرَ سواهم، وقلتَ: إنك لا تعبد شيئاً غير الله، وقد بلغتَ بالشرك حدّاً حتّى قلتَ: إن التوجُّه إلى الذات الغيبية محالٌ وشرك؛ لاستحالة إدراك الذات. وعليه لا يمكن في عالم الشهود سوى تصوّر المظاهر الإلهية، التي تمثِّل الواسطة في التكوين والتشريع، ولا يمكن تصوُّر أيّ أمرٍ آخر. وقد نسبت إلى كبار الدين أموراً كانوا هم أنفسهم بريئين من ادّعائها وإظهارها، اعتماداً على الروايات الضعيفة أو تلك التي عمد الرواة إلى وضعها واختلاقها؛ تلبية لأهوائهم أو نتيجة لفهم مراد [المتكلِّم] بشكلٍ خاطئ، وقد دفعتهم الأماني والأهواء([111]) إلى إضفاء بعض التحسينات والتشذيبات، وأطلقتَ على الجميع عنوان التوحيد؛ لما يشتمل عليه لفظ الشرك من الذمّ الذي لا يرتضيه أحدٌ لنفسه! وقد بلغتَ بالأمر حدّاً أبَحْتَ معه لكلّ شخصٍ، أيّاً كان موقعه، أن لا يبالي بالتصريح قائلاً: «إنّي أنا الله»، أو «باب الله»، أو «مظهر الله»، أو «آية الله»، أو «المهديّ بهداية الله»، أو «القائم بأمر الله»، وما إلى ذلك. وحيث ترسَّخ الغلوّ السابق في أذهانهم، وأصابهم اليأس من الإيمان بالغَيْب، شبحت أنظارهم نحو الشهود الظاهري، وتتابعوا على ذلك أفواجاً، حتّى عاد العالم مفعَماً بالشرك المتلبِّس بثياب التوحيد!»([112]).

وقد عمد العلامة المتتبِّع الميرزا محمد باقر الموسوي الخوانساري(1313هـ) ـ في روضات الجنات، من خلال تفصيلات واعية وثاقبة على هامش ترجمة البُرْسي ـ، إلى وضع جذور الشيخية والفتن التي أعقبت ظهورها في الأفكار الغالية، وانتشار أغصان هذا الخط الممتدّ من الغلوّ»([113]). ([114])

كانت هذه مجرّد أمثلة عن الاختلافات العظيمة والاندفاعات المضرّة للغلوّ المتفشّي في ربوع المجتمع الشيعي.

ومن زاوية العالم الإسلامي كان الفهم الغالي، ولا يزال، يغذّي سورة حقد المعاندين، من أمثال: محبّ الدين الخطيب، صاحب «الخطوط العريضة»، الذي يدَّعي أن الشيعة قد رفعوا منزلة أئمتهم إلى ما يشبه مرتبة الآلهة في الميثولوجيا الإغريقية!([115]).

إن اتّساع وانتشار الأقوال والأفكار والإعلام الغالي يشوِّه صورة التشيُّع ومذهب أهل البيت^ بين عامّة المسلمين.

بالأمس تذرَّع بعض أعداء الشيعة من الوهّابيين المتطرِّفين ـ كما قيل([116]) ـ ببعض أنواع الغلوّ الصادرة قبل الشيخيّة لتبرير هجومهم على العتبات المقدَّسة وهتك حرمة هذا الأماكن والبقاع المقدَّسة!

واليوم أيضاً في ما يتعلَّق بالكثير من الانتهاكات للمقدَّسات، بدلاً من التمسُّك بنظريات المؤامرة والضياع في دهاليزها، لا بُدَّ من التركيز على ردود الأفعال ـ الجاهلة بطبيعة الحال ـ لهذا النوع من الأفعال الغالية المنتشرة في الكثير من المقالات والكتب.

نسأل الله تعالى ونتوسَّل إليه أن يعيذنا من وساوس الأوهام الغالية، وأن يحفظنا من الوقوع في الغلوّ الذي هو من أركان الكفر([117])، إنه سميعٌ مجيب.

الهوامش

(*) باحثٌ متخصِّصٌ في مجال الكلام والحديث. له دراساتٌ تحقيقيّة وتراثيّة قيِّمة.

([1]) انظر مثلاً: الهمداني الدرودآبادي، شرح الأسماء الحسنى: 97 (الهامش/حاشية الطابع)، ط. بيدارفر؛ الهمداني الدرودآبادي، الشموس الطالعة: 223 (الهامش/حاشية الطابع)، ط. بيدارفر؛ السيد كاظم الرشتي، رسالة الطبيب البهبهاني: 74، ط. صالح أحمد الدباب.

وقارِنْ أيضاً: السبزواري، شرح نبراس الهدى: 226 (الهامش/حواشي الطابع)، ط. بيدارفر.

وعلى الرغم من هذا كلّه يبدو من بعض المعاصرين أنه لم يستطِعْ التخلي عن هذه العبارة المشكوك في أمرها، رغم اشتهارها، ولذلك فإنه يصفها بـ «الرواية الشريفة». (انظر: نمازي شاهرودي، إثبات ولايت (مصدر فارسي): 8).

لقد عمد مؤلِّف كتاب «علم برگزيدگان در نقل وعقل وعرفان» (مصدر فارسي): 13 إلى نسبة العبارة القائلة: «نزِّلونا عن الربوبية، وقُلْ فينا ما شئت» [كذا!] إلى الأئمّة من أهل البيت^. وبدلاً من الإحالة إلى مصدرها نجده يقول في الهامش: «وقريب من هذا المضمون ما في بحار الأنوار 25: 279، 283، 289؛ الديلمي، إرشاد القلوب 2: 427»!

ومن الواضح أنه لا يمتلك مصدراً معتبراً لهذه العبارة التي ذكرها ونسبها إلى الأئمة المعصومين^، ولم يعثر إلاّ على مضمونٍ قريب منها، ومع ذلك يمتلك الجرأة التي تسمح له بأن ينسب هذه العبارة المتقدِّمة إلى المعصوم×، ويتسامح في إثباتها ضمن كتابٍ زعم أن الغاية من وراء تأليفه له بيان حقائق الولاية!

…فلنغضّ الطرف، ولنَطْوِ عن ذلك كشحاً…

كما يلاحظ توجيه الأنظار إلى الصيغ الأخرى لهذا المضمون في الهامش، في ذات الالتزام بالنصّ المشهور له (نزِّلونا عن الربوبية، وقولوا فينا ما شئتم) في النصّ، في أسرار الملكوت 2: 133 أيضاً.

وقد عمد كاتبٌ، اسمه «عبد الله إيماگر» (ويبدو أنه اسمٌ مستعار)، إلى كتابة مقالة مفعمة بالمدَّعيات المثيرة للتأمُّل في صحيفة (خردنامه همشهري، العدد 28: 10 ـ 12). وقد انتقد في ضمن تلك المقالة التسامح والتساهل في نقد ونفي «نزِّلونا عن الربوبية، وقولوا فينا ما شئتم». وجأر بالشكوى من ذلك قائلاً: «…إن ما جاء بين القوسين، من الأحاديث المرويّة عن الأئمّة، وإنّ نفيه بهذا اللحن الواثق مجانبٌ للصواب، فإنْ كان النقاش في السند فتجب دراسته من الناحية السندية، وإنْ كانت الغاية مقارنته بالقرآن فيجب إجراء هذه المقارنة في محلّها». (المصدر نفسه).

والملفت أن هذا الكاتب نفسه لا يحيل إلى أيّ مصدر لهذا الحديث، ولم يرجعه إلى أيّ موسوعة من الموسوعات الروائية لدى الشيعة ـ أو على حدِّ تعبيره: «حديث مروي» ـ على شكل حديث، وما هو سنده؛ كي نتمكن من الرجوع إليه في مظانّه وتقييمه.

([2]) قال الشيخ محمد آصف المحسني ـ حفظه الله ورعاه ـ بشأن الروايات المشعرة بهذا المضمون ـ والتي ذكرها سماحته بصيغة «لا تقولوا فينا ربّاً، وقولوا فينا ما شئتم» ـ، بعد ذكر صورها المختلفة، في موضعٍ: «كلها ضعيفٌ سنداً… ولو كانت صحيحة سنداً لما قلتُ بوفقها أيضاً، كما لا يخفى، ولا يُظنّ بفاضلٍ يرتضي بها، ويعمل بمقتضاها». (صراط الحق 3: 347، الهامش).

وقال في موضعٍ آخر، في معرض دراسة الروايات المتنوّعة المشعرة بهذا المضمون في بحار الأنوار: «…فهو غير ثابت بسندٍ معتبر. وعندي أنّه مظنون الوضع، فلا بُدَّ من ردِّ علمه إلى مَنْ صدر عنه». (مشرعة بحار الأنوار 1: 458).

([3]) نعلم أحياناً أن مجرّد الاعتبار السندي في روايةٍ لا يكفي للقول بها واعتبارها. فهناك روايات صحيحة السند أعرض الأصحاب عنها، فكان هذا الإعراض سبباً في عدم اعتبارها من قبل اللاحقين، بل قيل فيها: «كلما ازداد صحّة ازداد وَهْناً (أو: ضعفاً)»، على ما هو معروف بين الفقهاء.

(انظر أيضاً: البحراني، الحدائق الناضرة 9: 377، الهامش؛ العاملي، مفتاح الكرامة 12: 90؛ البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر: 310، 311؛ دراسات في المكاسب المحرَّمة 1: 91 ـ 94، ط. نشر تفكر؛ الروحاني، فقه الصادق 10: 144؛ البجنوردي، القواعد الفقهية 4: 354؛ المؤمن، تسديد الأصول 2: 63). وفي غير الفقه نواجه رفض روايات معتبرة من الناحية السندية أيضاً.

ومثال ذلك: رواية مروية بسندٍ معتبر في روضة الكافي، وهي عبارةٌ عن حوارٍ بين يزيد بن معاوية والإمام السجّاد×. وعلى الرغم من اعتبار سندها، فقد أعرض بعض المحقِّقين وعلماء الحديث عنها، واعترضوا عليها؛ لما في محتواها من الإشكال، كما أقرَّتْ جماعةٌ أخرى، واعترفت في الحدّ الأدنى بأن هذه الرواية لا تخلو من الإشكال التاريخي (انظر في هذا الشأن: الكافي 8: 238، 235، ط. الغفاري؛ مرآة العقول 26: 178 ـ 179؛ بحار الأنوار 46: 137 ـ 139؛ النوري، خاتمة مستدرك الوسائل 5: 197 ـ 198؛ الرباني، أصول وقواعد فقه الحديث: 180 ـ 183؛ المازندراني شرح أصول الكافي 12: 319 ـ 320، ط. بيروت).

ومن الواضح أنه على الرغم من جلالة قدر المؤلِّف، ومتانة المؤلَّف، وملاحظة ذلك في الكتب الروائية، إلاّ أنه مع ذلك لا يمكن الاعتماد على جميع الروايات الواردة فيها، كما هو الحال بالنسبة إلى الكافي الشريف، ونهج البلاغة الأثير على قلوبنا؛ فإنّ هذين الكتابين، رغم علوّ شأنهما، لا يخلوان من المرويات المناقش في أمرها، وإن علماء الإمامية عمدوا أحياناً إلى توجيه نقود ومناقشات حادّة إلى بعض الأمور المروية في هذين المصدرين الروائيين المتينين.

ومن ذلك، على سبيل المثال: الانتقاد الحادّ وغير المحابي للأستاذ الشهيد الشيخ مرتضى المطهري لبعض مرويّات الكافي. (انظر: إسلام ومقتضيات زمان (مصدر فارسي): 81، ط1، صدرا، طهران، 1362هـ.ش).

وانظر أيضاً: پژوهشهاي حديثي در آثار أستاد شهيد مرتضى مطهري (مصدر فارسي)، عاشوري تلوكي: 190، 191، 217، 218).

في الجملة كأنّه لا يمكن التشكيك في أنه: «قد ورد في… الكافي… روايات…، لا تليق بالكافي أبداً» (مفاخر إسلام دواني (مصدر فارسي) 2: 44). وإن مكانة الكافي السامية، ورفعة شأن الكليني العظيم، لا تشكِّل مانعاً من تعريض روايات كتابه إلى النقد والتمحيص.

انظر في هذا الشأن أيضاً: صفري فروشاني، غاليان (كاوشي در جريانها وبرآيندها) «مصدر فارسي»: 335 ـ 339.

([4]) الخصال: 614، تصحيح: الغفاري.

([5]) المصدر نفسه.

([6]) المصدر نفسه.

([7]) انظر: تحف العقول: 104، تحقيق: الغفاري.

([8]) تحقيق: السيد مهدي خداميان آراني (دار الحديث، قم، 1427هـ ـ 1385هـ.ش).

([9]) قال العلامة المجلسي في بيانات البحار بشأن حديث الأبواب الأربعمائة الوارد في الخصال: «…اعلم أن أصل هذا الخبر في غاية الوثاقة والاعتبار على طريقة القدماء، وإنْ لم يكن صحيحاً بزعم المتأخِّرين، واعتمد عليه الكليني&، وذكر أكثر أجزائه متفرّقة في أبواب الكافي، وكذا غيره من أكابر المحدِّثين». (بحار الأنوار 10: 117).

قارِنْ سند الصدوق لهذا الحديث (الخصال: 610، 611، ط. الغفاري) بـ الساعدي، الضعفاء من رجال الحديث 1: 404 ـ 408؛ 3: 57 ـ 62.

ولا بُدَّ من الالتفات أيضاً إلى أن اشتهار هذه الرواية، أو بعبارةٍ أصحّ: كتاب القاسم بن يحيى الراشدي، عند القدماء، واعتمادهم التامّ عليها، لا يعني أنه لم يكن من الأجزاء والمنقولات الشاذّة التي لم يعمل بها الأصحاب، ولم تقع مورداً لاعتمادهم. (انظر: آداب أمير المؤمنين×: 33 ـ 43، تحقيق: مهدي خداميان).

وقد حاول الفاضل المعاصر الشيخ محمد السند أن يجد تبريراً وتوجيهاً لاعتبار رواية الصدوق، إذ قال: «طريق الرواية… ليس فيه مَنْ يتوقَّف فيه، سوى القاسم بن يحيى وجدّه الحسن بن راشد، وهما وإنْ لم يوثَّقا، إلاّ أنّ كلاًّ منهما صاحب كتاب ذكره في المشيخة، وطريق الصدوق والشيخ صحيحٌ إلى القاسم بن يحيى، ويروي كتابه أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري وإبراهيم بن هاشم، وكذلك اليقطيني، وقد حكم الصدوق بصحّة ما رواه في زيارة الحسين× عن الحسن بن راشد، وفي طريقه إليه القاسم بن يحيى، وقال: إنّ هذه الزيارة أصحّ الزيارات عنده روايةً (الفقيه، ح1614، 1615)». (الإمامة الإلهية 1: 36).

كما يُلاحَظ غاية الأمر أن رفع الإشكال عن السند مورد البحث موضع إشكال.

([10]) عيون الحكم والمواعظ: 101، ط. دار الحديث.

([11]) انظر: شرح… غرر الحكم 2: 324، الرقم2740.

([12]) انظر: آداب أمير المؤمنين×: 96، تحقيق: خدّاميان.

([13]) في المصدر المطبوع: المتوضاء.

([14]) في المصدر المطبوع: المتوضاء.

([15]) بصائر الدرجات الكبرى: 261، تحقيق: كوجه باغي. قارِنْ هذا الحديث بالحديث الخامس في ذات الباب من بصائر الدرجات الكبرى.

([16]) الراوندي، الخرائج والجرائح 2: 735، ط. مؤسّسة الإمام المهدي×.

([17]) التعبير المستعمل في النصّ «ألف غير معطوفة». وللوقوف على معنى الـ «ألف غير معطوفة»، والكلام الذي قيل في هذا الشأن، انظر: المازندراني، شرح أصول الكافي 6: 147، ط. بيروت؛ بحار الأنوار 25: 283؛ السيد بدر الدين العاملي، الحاشية على أصول الكافي: 195 ـ 196؛ الطريحي، مجمع البحرين 1: 90 (مدخل ألف)، ط. عادل؛ المستنبط، القطرة 1: 52.

والعجيب أنهم في (كتاب «أهل بيت^ در قرآن وحديث» (مصدر فارسي) 2: 807، دار الحديث، قم، 1379هـ.ش) لم يترجموا عبارة «غير معطوفة» في «ألف غير معطوفة» أساساً.

([18]) بصائر الدرجات: 527، ط. كوجه باغي. وانظر أيضاً: مختصر بصائر الدرجات: 59 (المطبعة الحيدرية، النجف)؛ 203 ـ 204 (تحقيق: مشتاق المظفَّر).

وفي النسخة المطبوعة لبصائر الدرجات: 527، ط. كوجه باغي، هناك سقطٌ ملحوظ في العبارة، وقد وضعنا هذا السقط بين معقوفتين في النصّ، وأكملناه بما هو منقولٌ في مختصر بصائر الدرجات.

([19]) المحتضر: 65، تحقيق: السيد علي أشرف.

([20]) التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري×: 50، تحقيق: مدرسة الإمام المهدي#.

([21]) الاحتجاج 2: 233، ط. الخرسان.

([22]) قارِنْ: المصدر نفسه 1: 6 ـ 7.

([23]) انظر: الخوئي، معجم رجال الحديث 13: 157؛ 8: 161 ـ 164؛ المنتظري، دراسات في ولاية الفقيه 2: 91؛ الساعدي، الضعفاء من رجال الحديث 3: 252 ـ 259.

([24]) المراد: كتاب الدلائل، لعبد الله بن جعفر الحميري، صاحب قرب الإسناد المعروف. انظر: كشف الغمة1: 114، تحقيق: الفاضلي و…؛ كلبرك، كتابخانه ابن طاووس: 227 ـ 228.

([25]) كشف الغمة 3: 227 ـ 228، تحقيق: الفاضلي.

([26]) الديلمي، إرشاد القلوب 2: 329، تحقيق: السيد هاشم الميلاني.

([27]) في هذا الشأن، وبمعزل عن البحث السندي، وبمعزل عن عدم الاعتماد على مصدر متأخِّر، من قبيل: مؤلَّفات الحافظ رجب البُرْسي، فإنّ المصادر المشهورة الأقدم، من قبيل: بصائر الدرجات، للصفّار، موضع تأمّل أيضاً (انظر مثلاً: أكبر ثبوت، ترجمة الغدير 13: 83، الملحق. ويجب التذكير بأن بعض المادحين لكتاب بصائر الدرجات يذعنون باستشمام الغلوّ منه. (انظر: الدواني، مفاخر إسلام (مصدر فارسي) 2: 150).

هذا إذا تجاوزنا نصوصاً من قبيل: التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري×، فإنها من وضوح الاختلاق وعدم إمكان الركون إليها والوثوق بها بحيث لا نجد حاجةً إلى تطويل الكلام في إثبات اختلاقها، وإنْ كنا لا ننكر وجود بعض الأخبار الصحيحة والثابتة وذات المضامين المتجذّرة، في النصوص غير المعتمدة أيضاً.

([28]) من قبيل: سند رواية الخصال، للصدوق.

([29]) إني لفي عَجَب عجاب من أولئك الذين لا يجدون من أنفسهم القدرة على التخلّي عن عبارة تفتقر إلى السند أو كتاب لم يَرَ النور إلاّ في القرن التاسع الهجري فما بعد، ولكنّهم في الوقت نفسه لا يجدون غضاضةً في تبديل محكمات القرآن إلى متشابهات؛ إنقاذاً لتلك العبارة! دون أن يشعروا بالقشعريرة تجاه «إيمانهم» أو «التوحيد»، الذي يمثِّل الركن الركين في ذلك الإيمان!

إن أصحاب القول الشهير، القائم على جواز التمسّك بالخبر الضعيف في مثل القصص والمواعظ وفضائل الأعمال، لا يجوِّزونه في الحلال والحرام الفقهي فقط، بل لا يجيزونه كذلك في مسائل من قبيل: صفات الله تعالى. ويمكن لكم القول: في المعرفة التوحيدية أيضاً (انظر: مقباس الهداية 1: 158، ط. دليل ما). ولا يجيزون معرفة حدود وثغور أسس الدين القائمة على الأخبار التي هي أحياناً ـ على حدّ تعبير الشيخ البهائي ـ من قبيل: «رواها أبو شعيون، عن كعب الأحبار»!

([30]) في ما يتعلَّق بما تقدم انظر ـ مثلاً ـ: دانشنامه إمام علي× (مصدر فارسي): 395، 400، بإشراف: ع. أ. رشاد.

وفي ما يتعلق بنشر الروايات الخادعة المذكورة نجد النقول بالغة الأهمية من قبل الكشّي عن العلماء الحاذقين في الشأن الديني والبارزين، من أمثال: عبد الرحمن، وهشام بن الحكم، جديرةً بالاهتمام والتدقيق. (انظر: اختيار معرفة الرجال: 194 ـ 196، رقم401، 402، ط. القيومي؛ صفري فروشاني، غاليان، كاوشي در جريانها وبرآيندها (مصدر فارسي): 331).

([31]) تعود هذه العبارة ـ التي يجب على كلّ متديِّن ينوي الحكم على شيءٍ والقضاء بشأنه أن يجعلها نصب عينيه ـ إلى المتكلِّم الإمامي الكبير أبو جعفر محمد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي (قبل شهر شعبان من عام 319هـ)، وقد نقلها الشيخ الصدوق في كمال الدين وتمام النعمة: 110، ط. الغفاري، ضمن كلامٍ طويل عنه.

([32]) انظر: المصدر السابق.

([33]) نواجه في النصوص والأسانيد الشيعية القديمة حقيقة وجود بعض الروايات التي تستهوي الغلاة، بغضّ النظر عن صحّة صدورها أو عدم صحة صدورها، كان لها منذ القِدَم تفسيرها المعتدل والبعيد عن الغلوّ أيضاً.

من ذلك ما جاء على هامش رواية تقول: «أنا وجه الله، وأنا جنب الله، وأنا الأوّل، وأنا الآخر، وأنا الظاهر، وأنا الباطن، وأنا وارث الأرض، وأنا سبيل الله، وبه عزمت عليه» بسند الوجادة عن قول أمير المؤمنين عليّ× في رجال الكشي. وقد نقل عن معروف بن خربوذ أنه قال: «ولها تفسير غير ما يذهب فيها أهل الغلوّ» (اختيار معرفة الرجال: 184، رقم374، ط. القيومي).

([34]) لم يكن عن فراغٍ ما ذهب إليه بعض غلاة المتأخِّرين من اعتبار هذا المضمون عصارة التعاليم الغالية الواسعة، من قبيل: خبر النورانية (انظر: الإحسائي، الأربعون حديثاً: 294، جمع وإعداد وتحقيق: صالح أحمد الدباب). وكذلك تقديمها بوصفها قاعدة جوهرية لرسم رؤية دينية قابلة للطرح (قارن: السيد كاظم الرشتي، رسالة الطبيب البهبهاني: 74، تحقيق: صالح أحمد الدباب).

([35]) الحسين بن حمدان الخصيبي(334 أو 346 أو 358هـ) رجل فاسد المذهب، ومن أركان غلاة النصيرية. (انظر، بشأنه، وبشأن كتابه (الهداية الكبرى): الساعدي، الضعفاء من رجال الحديث 1: 460 ـ 469؛ هالم، الغنوصية في الإسلام: 209 ـ 210؛ فصلية هفت آسمان (مصدر فارسي، العدد 33: 137 ـ 170 (مقال: آرون فرايمن / Aaron Freiman)؛ غلو «در آمدي بر أفكار…» (مصدر فارسي): 167 ـ 168، ط. كوير.

([36]) تنتهي به النسخة المطبوعة من الكتاب.

([37]) هكذا في النصّ. والعبارة مربكةٌ (المعرِّب). [والظاهر أنّها: فقط].

([38]) الهداية الكبرى: 431 ـ 432، ط. البلاغ.

([39]) انظر: مكتب در فرايند تكامل (مصدر فارسي): 97 ـ 98 (النصّ والهامش)، ط. كوير.

([40]) للوقوف على محبوبية المفضَّل لدى الغلاة، وانخراطه ـ طبقاً لرؤية بعض العلماء ـ في سلك الغلاة، انظر: الساعدي، الضعفاء من رجال الحديث 3: 327 ـ 350؛ البهبودي، معرفة الحديث: 231 ـ 232، 70 ـ 71؛ ميراث مكتوب شيعه أز سه قرن نخستين هجري (مصدر فارسي) 1: 403 ـ 405، ط2؛ مكتب در فرايند تكامل (مصدر فارسي): 71 ـ 82، ط. كوير؛ هالم، الغنوصية في الإسلام: 149 ـ 151.

ومن هذه الزاوية يجدر التدقيق، حيث نجد اسم «المفضَّل» في واحدٍ من مؤلَّفات «الحاج الميرزا حسين الحائري الإحقاقي» مرادفاً لبعض الأسماء الساطعة في تاريخ التشيُّع ـ أي سلمان وأبو ذرّ وعمار والمقداد و… ـ ممَّنْ هم في قمّة السلوك الديني، وعلى حدّ قوله: «لا يزالون محلقين في الفضاء اللامتناهي من الإمكان وسماء الوجود الفسيحة» (نامه آدميت (مصدر فارسي): 77).

([41]) قارن: مكتب در فرايند تكامل (مصدر فارسي): 97، ط. كوير.

([42]) الهداية الكبرى: 436، ط. البلاغ.

([43]) انظر: بحار الأنوار 25: 348.

([44]) للوقوف على بعض الانتقادات والملاحظات حول خطبة البيان انظر: جزيره خضرا در ترازوي نقد (الترجمة الفارسية لكتاب الجزيرة الخضراء في ميزان النقد، للسيد جعفر مرتضى العاملي): 92 ـ 115، 120 ـ 158؛ مباني روش هاي نقد متن حديث أز ديدگاه أنديشوران [أنديشه وران] شيعه (مصدر فارسي): 270 ـ 284؛ علوم حديث (مصدر فارسي)، العدد 33: 57 ـ 67 (السنة 9)(من مقالٍ للأستاذ مصطفى صادقي، تحت عنوان: خطبة البيان وخطبه هاي منسوب به أمير مؤمنان×) (مصدر فارسي)؛ القزويني، مسائل عقائدية (في الغلوّ والتفويض…): 61 ـ 69، 74 ـ 75، 77.

وفي ما يتعلَّق بخطبة البيان انظر أيضاً: قمِّيات مدرسي (مصدر فارسي): 180 ـ 181 (النصّ والهامش)؛ جعفريان، مقالات تاريخي (مصدر فارسي) 16: 72 ـ 73.

([45]) انظر: إلزام الناصب 2: 148 ـ 174، تحقيق: علي عاشور، ط. الأعلمي، 1422هـ.

([46]) المصدر السابق 2: 159.

([47]) نقرأ في أواخر هذا الخبر الطويل: «يا سلمان، ويا جندب…، مَنْ آمن بما قلتُ، وصدَّق بما بينت وفسرت وشرحت وأوضحت ونوّرت وبرهنت، فهو مؤمنٌ ممتحن…، ومَنْ شكّ وعند وجحد ووقف وتحيّر وارتاب فهو مقصِّرٌ وناصب…» (بحار الأنوار 26: 6).

(ومثل هذا التهديد والوعيد نجده في رواية البُرْسي لخبر النورانية أيضاً. انظر: مشارق أنوار اليقين: 257، تحقيق: السيد علي عاشور، ط. ذوي القربى).

والملفت أن العلامة المجلسي قد أدرج هذا الخبر مع خبرٍ آخر في «باب نادر في معرفتهم ـ صلوات الله عليهم ـ…» (بحار الأنوار 26: 1)، وقال في نهاية الباب: «إنما أفردت لهذه الأخبار باباً لعدم صحة أسانيدها وغرابة مضامينها، فلا نحكم بصحتها، ولا ببطلانها، ونردّ علمها إليهم^» (بحار الأنوار 26: 17).

وعليه فإن العلامة المجلسي يُصرِّح بعدم صحّة أسانيد هذه الأخبار، وأنها غريبة المضامين، ولذلك لا يسعه الحكم بصحّتها، ومن هنا فقد أفرد لها باباً مستقلاًّ عن الأخبار والروايات الأخرى.

لستُ أدري هل هناك شخصٌ من الذين يعتقدون بصحة خبر النورانية يحكم على شخصٍ مثل: العلامة المجلسي ـ حيث يشكّ ويتوقّف ويتحيَّر ويرتاب ـ طبقاً للخبر الذي تمّ نقله ـ بكونه ـ والعياذ بالله ـ ناصبياً؟!

للأسف الشديد هناك مَنْ لا يلتفت بشكلٍ كافٍ إلى الاستغراب الذي أبداه العلاّمة المجلسي، وكذلك، ودون أن يعمل دراية في تحقيق الحديث، يبادر إلى نقل خبر النورانية عن بحار الأنوار بقصد الاحتجاج هنا وهناك.

ومن بين هؤلاء: الشيخ علي بارجيني اليزدي الحائري(1333هـ) في إلزام الناصب 1: 36، ط. السيد علي عاشور، بيروت، الأعلمي، 1422هـ؛ والسيد حسن ميرجهاني(1413هـ.ش) في ولايت كليه (مصدر فارسي) 1: 49، ط. لولاكي؛ والملا نظر علي الطالقاني(1306،هـ)، في كاشف الأسرار 2: 592 ـ 628، ط. الطيّب.

والعجيب أن الأستاذ مير جهاني، بعد نقل هذا الخبر مورد البحث عن بحار الأنوار، وصف الذين يجدون بعض فقرات هذا الخبر غريبة بـ «قصر النظر، واتهمهم بالسطحية في إدراكها» (انظر: ولايت كليه (مصدر فارسي) 1: 61، ط. لولاكي).

والأعجب منه ادّعاء أحد المعاصرين، القائل بأن المصدر مجهول الاسم، الذي نقل عنه والد العلامة المجلسي خبر النورانية يعتبر «قاعدة موثقة» (انظر: ميراث حديث شيعه (مصدر فارسي) 15: 198). ولكنه لم يذكر ما هي القاعدة التي اعتبرها منشأً لتوثيق النسخة المجهولة؟!

لمشاهدة أسلوب ومنهج شرح وتفسير بعض السالكين درب ابن عربي وصدر المتألِّهين في خبر النورانية ـ والتي تبدو من حيث الوقوف على مناهجهم الغريبة وغير العلمية في التعاطي مع الكتاب والسنّة ـ انظر: ميراث حديث شيعه 15: 197 ـ 232 (عن: الملا علي النوري(1246هـ)، شرح حديث النورانية؛ الحاج ملا هادي السبزواري، مجموعه رسائل…: 761، 877).

وبطبيعة الحال قد لا يمكن أن نتوقَّع توخّي الدقة والتقييم العلمي من أتباع منهج ابن عربي والمتفلسفين من المتصوّفة؛ فحيث يكون العلم الباطني بمعزل عن الوسائط والرواة هو الإلهام الموثوق، والمعتمد طبقاً لطريقة «حدَّثني قلبي عن ربي»، ويكون كتاب فصوص الحكم ـ الذي هو على أفضل صوره لا يعدو أن يكون ثمرة منام أو مكاشفة صوفية ـ تنسب إلى الرسول الأكرم‘، ويرفع مكانة ومنـزلة السيد حيدر الآملي ـ على حدّ تعبيره ـ فوق مكانة سلمان الفارسي، وكذلك ـ على حدّ تعبيره ـ أن يكون مقام ابن عربي أدنى من أقلّ وزراء الإمام المهدي× مرتبةً، وكذلك أن يطلب سيد حيدر هذا من الله الوصول إلى مقام ومنـزلة ابن عربي! (للوقوف على هذا كله انظر: المدرسي، ميراث مكتوب شيعه أز سه قرن نخستين هجري (مصدر فارسي) 1: 121 ـ 122، ط2؛ فصلية هفت آسمان (مصدر فارسي)، العدد 33: 246، 247، 255 ـ 257، من مقال للأستاذ قاسم جوادي؛ السيد علي كمالي دزفولي، هزار سخن در شناخت إسلام (مصدر فارسي): 66).

أجل، في مثل هذا الوضع «المضطرب والصعب والعجيب» لا يبقى هناك من متَّسع للقيل والقال حول أصالة أو عدم أصالة أو تناقض أو عدم تناقض رواية من عدّة صفحات! «فقد اتَّسع الخرق على الراتق»!

علينا أن لا ننسى أن واحداً من أكثر الانتقادات المنهجية الواردة على تفكير صدر المتألِّهين من حيث «الاستناد غير المنضبط والمضطرب إلى المستندات المضطربة وغير المنضبطة في باب الروايات». يمكن النظر على سبيل المثال إلى: ذكاوتي، سير تاريخي نقد ملا صدرا (مصدر فارسي): 140، 145، 167، 168، 199، 201.

([48]) بحار الأنوار 26: 2.

([49]) المصدر السابق 26: 6.

([50]) مشارق أنوار اليقين: 257، تحقيق: السيد علي عاشور، ط. ذوي القربى.

فلنَطْوِ كشحاً عن فقرة «فلا تدعونا… ما شئتم»، فما هو ارتباطها بما قبلها «بنا شرف كل مبعوث»، وما بعدها «ففينا هلك وبنا نُجي»! إذ إن كلام الغلاة ـ من الأساس ـ لا يمكن أن يقاس بميزان معقول أبداً!

([51]) انظر: مشارق أنوار اليقين: 105، تحقيق: السيد علي العاشور، ط. ذوي القربى.

([52]) كذا في المطبوع.

([53]) مشارق أنوار اليقين: 105، تحقيق: السيد علي العاشور، ط. ذوي القربى.

([54]) بشأن هذا الغموض والإشكال انظر: هفت آسمان (مصدر فارسي)، العدد 24: 123 ـ 125.

([55]) انظر في هذا الشأن مثلاً: هفت آسمان (مصدر فارسي)، العدد 24: 121 ـ 146 (مقالة محمد رضا رجبي، تحت عنوان: نگاهي به كتاب مشارق أنوار اليقين).

وانظر أيضاً: القزويني، مسائل عقائدية ـ في الغلوّ والتفويض… ـ،: 75 ـ 77، 230، 231، 269، 227.

([56]) ربما كان أوجه الذين دافعوا عن البُرْسي، وأثر كلامه على بعض المعاصرين، هو العلاّمة الأميني؛ إذ سعى في كتاب الغدير 7: 33 ـ 37 إلى تنـزيه البرسي، والإشادة به.

وعلى الرغم من أن وجاهة العلامة الأميني وجهوده القيّمة في تأليف كتابه الغدير هو الدعامة الوحيدة لهذا الدفاع والتنـزيه، إلاّ أن بعض المحقِّقين والباحثين المعاصرين لم يُطِقْ صبراً على هذا الثناء، وبادر إلى نقده.

يقول أحد الباحثين المعاصرين: عندما يكون مشارق أنوار اليقين «مفعماً بالمطالب الغالية، والتي أضحت منشأ للانحراف والغلوّ في القرون اللاحقة» يكون من «دواعي العَجَب» من مثل: «الشيخ جليل والعلامة المحقِّق الأميني أن يمجِّد الحافظ البُرْسي على هذه الشاكلة» (مجلة علوم حديث (مصدر فارسي)، العدد 33: 55).

وقد كان الدكتور كامل مصطفى الشيبي ـ صاحب كتاب «الفكر الشيعي والنـزعات الصوفية»، و«الصلة بين التصوّف والتشيّع» ـ من أوائل الذين انتقدوا واعترضوا على كلام العلاّمة الأميني في تنـزيه البُرْسي، استناداً إلى دراسته لمحتوى التراث المكتوب للبُرْسي، وكلام المتقدِّمين (انظر: تشيُّع وتصوُّف: 270، ترجمه إلى الفارسية: علي رضا ذكاوتي قراگزلو).

كما أن الأستاذ أكبر ثبوت ـ وهو المقرِّر الواسع الاطلاع لقسمٍ من كتاب الغدير ـ من جملة الباحثين الناقدين الذين تحدَّثوا عن تطرّف البُرْسي وضحالة كتاباته، بل أضاف قائلاً: إن الشيخية، رغم تطرُّفهم الملحوظ، لم يتمكَّنوا من مجاراة البُرْسي في تراثه الفكري [الغالي] (انظر: ترجمة الغدير 13: 9، 10، و90، ترجمة: أكبر ثبوت، ط4، 1369هـ.ش).

هذا ويبدو من العلامة الأميني& أنه كان يحسن الظنّ في الحكم على بعض الرجال والحكم بحسن حالهم (انظر مثال ذلك في: الساعدي، الضعفاء من رجال الحديث 2: 118 ـ 122، أحوال «سفيان بن مصعب العبدي»، وحكم العلامة الأميني بشأنه، وردّ كلام الكشي من قبل العلاّمة الأميني).

إن من بين التقريرات والأحكام الملفتة للانتباه بشأن البُرْسي هو الحكم والتقرير الذي قدَّمه العلامة المتتبِّع الميرزا محمد باقر الموسوي الخونساري (چهارسوئي إصفهاني(1313هـ))، وأشار فيها ـ وإنْ على نحوٍ مقتضب ـ إلى قسم آخر من التراث الغالي والغلاة المتأخِّرين من الشيعة. انظر: روضات الجنات 3: 340 ـ 344، ط. إسماعيليان.

تكمن الأهمية البالغة لهذا الكتاب للعلاّمة صاحب الروضات& في أنه كان يمتلك مثل هذه الفطنة والبصيرة في التصريح بسابقة ومستقبل الغلوّ في المجتمع الشيعي، في عصرٍ كان البعض يسعى ـ من خلال بعض الذرائع الواهية وبعض التلفيقات ـ إلى تنـزيه وتطهير وتبرير بعض ما وقع مورداً لانتقاداته (والذي أثبتت بعض التحقيقات الحديثة صحّته).

والآن حيث طال بنا الكلام، والحديث بشأن رجب البُرْسي أيضاً، لا بأس في أن نضيف إلى ذلك أن الشيخ المامقاني في تنقيح المقال 1: 429، أوفست عن الطبعة الحجرية، قال، بعد ذكر كلام عن الشيخ الحر العاملي بشأن البُرْسي ومشارق أنوار اليقين: «مَنْ راجع كتابه يتحقَّق غاية بعيدة من الغلوّ منه».

([57]) في (مشارق أنوار اليقين): «نحسن»، بدلاً من «نحن».

([58]) مشارق أنوار اليقين: 105، تحقيق: السيد علي العاشور، ط. ذوي القربى.

لقد نقل صاحب القطرة، في نقله عن مشارق أنوار اليقين، هذه العبارة مورد بحثنا أيضاً (انظر: القطرة 1: 156)، مع اختلافٍ يسير، حيث أثبت «ذلك»، بدلاً من «ذاك».

([59]) للوقوف على ترجمة لهذه العبارة بالفارسية انظر: قطراي أز درياي فضائل أهل بيت^ 1: 232، ترجمة: محمد ظريف و…).

وقال السيد عبد الله شبر(1242هـ) في الأنوار اللامعة: «…رُوي عنهم أنهم قالوا: نزِّهونا عن الربوبية، وادفعوا عنا حظوظ البشرية، يعني الحظوظ التي تجوز عليكم ـ فلا يُقاس بنا أحد من الناس، فإنا نحن الأسرار الإلهية المودعة في الهياكل البشرية، والكلمة الربانية الناطقة في الأجساد الترابية، وقولوا بعد ذلك ما استطعتم، فإن البحر لا ينـزف، وعظمة الله لا توصف». (الأنوار اللامعة: 194 ـ 195، تحقيق: فاضل الفراتي وعلاء الكاظمي).

ويبدو أن السيد عبد الله شبّر قد نقل هذه العبارة، مباشرةً أو بالواسطة، عن مشارق أنوار اليقين.

وفي كتاب بحر الفوائد، للملا عبد الصمد الهمداني(1216هـ) ـ والذي يشهد محقِّقه على أنه لا يخلو من اختلاق «الغلاة والمتطرِّفين» (انظر: بحر المعارف 3: 6، ط. استاد ولي)، ورد ذكر هذه العبارة (باختلافٍ وارد في الضبط ـ على ما يبدو نقلاً عن مشارق أنوار اليقين، للبُرْسي. (انظر: بحر المعارف 3: 348).

([60]) الكلمات المكنونة: 124، ط. عطاردي.

([61]) قارِنْ: المصدر السابق: 199.

([62]) انظر: المصدر السابق: 196.

([63]) لا حاجة بنا إلى التصريح أو التأكيد بأن الفيض الكاشاني في ما يتعلَّق بالإمامة شديد التأثُّر بمنهج ابن عربي، فهو على صلةٍ وثيقة برؤية وتفكير محيي الدين ابن عربي في ما يذهب إليه من «الإنسان الكامل» (قارِنْ: عقل وإلهام در إسلام (مصدر فارسي) 2: 283). ومن الواضح أنه قد استند في وثائقه الروائية في هذا الاتجاه إلى تراث البُرْسي.

([64]) انظر: الذريعة إلى تصانيف الشيعة 2: 30.

([65]) قارِنْ: مكتبة العلاّمة الحلي: 49.

([66]) انظر: بحار الأنوار 104: 53.

([67]) اللمعة البيضاء: 64 ـ 65، تحقيق: السيد هاشم الميلاني.

([68]) ميزان الصواب 1: 459، ط. خواجوي.

([69]) مكيال المكارم 2: 296.

([70]) في النسخة المطبوعة: ×.

([71]) البياضي، الصراط المستقيم 1: 95.

([72]) بحار الأنوار 25: 347.

([73]) المظفَّر، علم الإمام: 76.

([74]) السيد علي العاشور، الولاية التكوينية: 244 ـ 245.

([75]) انظر: الشيخ محمد السند، الإمامة الإلهية 2: 18، 27، 36.

([76]) انظر: المصدر السابق 2: 36.

([77]) قال الأستاذ الشهيد مرتضى المطهري&، في تقييمٍ له بشأن القرنين الثاني والثالث عشر الهجريين: «…من وجهة نظري إننا لم نشهد حقبة أو مرحلة زمنية أكثر انحطاطاً من هذين القرنين، بمعنى أننا إذا أردنا تحديد فترة زمنية شهد فيها عالم التشيُّع انحطاطاً أكبر على مستوى العطاء العلمي وتأليف الكتب فلا بُدَّ من تحديدها في الفترة الواقعة في القرنين الثاني والثالث عشر الهجريين». (بژوهشهاي حديثي در آثار أستاد شهيد مرتضى مطهري (مصدر فارسي): 176، بعد إصلاح ضبط كلمة).

كما وصف الدكتور السيد جعفر الشهيدي&، في مقالةٍ مفعمة بالعِبَر، تحت عنوان: (تطوُّر مذهب شيعه وأميني مجدِّد مذهب)، الفترة المتأخِّرة من التشيُّع، والتي هي عبارة عن الفترة الواقعة «بين سلطة نادر شاه أفشار، إلى بداية النهضة العلمية الجديدة في البلدان الشيعية»، وبعبارةٍ أخرى: «الفترة الواقعة ما بين القرنين الثاني والثالث عشر الهجريين»، بأنّها «أكثر المراحل الفكرية لدى الشيعة انحطاطاً». وقد ساق لذلك بعض الأدلة والأسباب الجديرة بالقراءة في موضعها (انظر: أز ديروز تا إمروز: 143، 145، 146، ط1).

([78]) قال السيد محمد باقر الموسوي الحسيني الشيرازي(1240هـ)، في شرحه اللاهوتي على الصحيفة السجّادية (انظر بهذا الشأن: فصلية سفينة، العدد 6: 130 ـ 159، مقال لنا تحت عنوان: «شرحي لاهوت أنديشانه بر صحيفه سجّاديه»): «…عن علي× أنه قال: نزِّلونا عن الربوبية، ثمّ قولوا في فضلنا ما استطعتم، فإن البحر لا يُنـزف، وسرّ الغيب لا يُعْرَف، وكلمة الله لا توصَف». (لوامع الأنوار العرشية 1: 75).

وفي شرح نبراس الهدى: 226 (ط. بيدارفر)، للملا هادي السبزواري(1212 ـ 1289هـ)، نقرأ على لسان الأئمة من أهل البيت^ أنهم قالوا: «نزِّلونا عن الربوبية، وقولوا فينا ما استطعتم، فإن البحر لا يُنـزف، وسرّ الغيب لا يُعْرَف، وكلمة الله لا توصَف». (لقد أغلق طابع الكتاب القوس بعد كلمة «استطعتم» مؤذِناً بانتهاء الكلام إلى هذه الكلمة، في حين أنه بقرينة ما ورد في بعض الكتب الأخرى تنتهي العبارة حيث ما ذكرناه.

وفي كتاب (هادي المضلّين)، المنسوب إلى الحاج الملاّ هادي السبزواري: «نزِّلونا عن الربوبية، وقولوا في حقِّنا ما شئتم»، بوصفه كلاماً صدر عن «محمد وآل محمد‘…، قالوه لخاصّة أصحابهم» (انظر: هادي المضلين: 24، ط. أوجبي).

أما الملا نظر علي الطالقاني(1240 ـ 1306هـ)، الذي يدافع بشدّةٍ وبشكلٍ صريح عن الفكر الغالي المنحرف، كما هو الحال بالنسبة إلى القول بتحريف الكتاب (انظر: كاشف الأسرار 1: 251)، يجعل من عبارة «نزِّلوني من الربوبية (الحديث)» حديثاً يستشهد به (انظر: المصدر السابق 2: 502). ويعتبر هذه العبارة؛ بوصفها معنى رواية صادرة عن أهل البيت^، تمثِّل المفتاح لحلّ المسائل المشكلة. فلنقرأ عبارته، حيث قال بعد الدخول في صلب كلام بشأن «أسرار آل محمد[^]»: «…إذن لا بُدَّ من التأمُّل كي نرى ما هي أسرارهم الواضحة، وما هي أسرارهم الصعبة المستصعبة…. وإن من بين المسائل علمهم، ومنها ما ثبت عنهم بالنسبة إلى الحقّ تعالى، من قبيل: يد الله، وجنب الله، ونَفَس الله، وعين الله، وأُذُن الله، وهكذا، ومنها أنهم يحضرون عند كلّ محتضر، وأنهم يحلّون ضيوفاً في ليلة واحدة في أربعين موضعاً، ومنها أن الله تعالى خيَّرهم في أمر الدنيا والآخرة، وأعطاهم مفاتيح الجنة والنار في يوم القيامة، فيدخلون مَنْ يشاؤون إلى الجنة، ومَنْ يشاؤون إلى النار، وأنه أمر جميع مَنْ سواهم بإطاعتهم، وما إلى ذلك من سائر منازلهم ودرجاتهم. وحيث إنهم أنفسهم قالوا: «نزِّلونا عن الربوبية، وقولوا فينا ما شئتم»، يكون شأنهم شأن الوزير الذي يقول: لا تدعوني سلطاناً، وقولوا في حقّي ما شئتم، وعليه فإن كلمتهم هذه ترفع الإشكال عن جميع ما تقدَّم ذكره، وإن جميع هذه الأمور ستغدو قابلةً للفهم والإدراك، ويمكن لعقولنا الناقصة أن تصدِّقها، وعليه لا يمكن اعتبار هذه الأمور داخلةً في عداد المشكلات» (كاشف الأسرار 2: 634).

وعلى الرغم من عدم ارتباط ذلك بموضوع بحثنا مباشرة، ولكنْ يجدر القول بالنسبة إلى كلام الملا نظر علي الطالقاني أنه يعتبر في مستهل كلامه أن الدليل النقلي الكذائي ـ بغضّ النظر عن صحته أو خطئه ـ رافعاً للإشكال العقلي الفلاني، وهذا إلى هنا قابلٌ للنقاش، ثمّ يدَّعي أن هذا الدليل يؤدي بعقولنا ـ أو على حدّ تعبيره: «عقولنا الناقصة» ـ إلى أن لا نصدِّق هذه الأمور فحَسْب، بل «نفهمها» و»ندركها» أيضاً، فلاحظ!

وقال الحاج الملا محمد إبراهيم السبزواري(1358هـ) في شرح گلشن راز: 77، ط. عباسي داكاني: «…ورد عنهم^: نزِّلونا عن الربوبية، وقولوا في حقنا ما شئتم…».

وقال السيد حسين الهمداني الدرودآبادي(1280 ـ 1344هـ)، صاحب الشموس الطالعة، في شرح الأسماء الحسنى: 97، ط. بيدارفر: «…قال مولانا أمير المؤمنين×، على ما حُكي عنه: نزِّلونا عن الربوبية، وقولوا في حقنا ما شئتم».

ونفس السيد حسين الهمداني الدرودآبادي في الشموس الطالعة: 223، ط. بيدارفر، يقول: «…نقل عن أمير المؤمنين× ما معناه: نزِّلونا عن الربوبية، وقولوا في حقنا ما شئتم».

وفي طبعةٍ أخرى للشموس الطالعة: 180، تحقيق: نبيل رضا علوان، ذات هذه العبارة مع اختلافٍ في ضبط كلمة «نزِّلونا»، حيث أثبتها على صيغة «نزِّهونا».

والملفت أن لا أحد من الطابعين قد أشار إلى النسخة البدل في هذا المقام. وعليه لا بُدَّ من النظر في أيهما كان هو الثبت، وأيّهما لم يكن؟!

([79]) في المصدر المطبوع: «فضايلنا»، بدلاً من «فضائلنا».

([80]) منظومة أنوار الولاية: 19، ط. خواجوي.

([81]) الخوئي (وتعليقات التبريزي)، صراط النجاة في أجوبة الاستفتاءات 2: 452.

([82]) مثال ذلك أن العلامة السيد محمد حسين فضل الله ـ من مراجع التقليد في لبنان ـ قد شكَّك في صحّة حديث «نزِّهونا عن الربوبية، وقولوا فينا ما شئتم» (انظر: لهذا كانت المواجهة 1: 103).

كما أذكر أن الراحل صالحي النجف آبادي صرَّح في إحدى كتاباته بضعف هذا النقل، ولكنّني لا أتذكَّر المصدر. وهذا بطبيعة الحال من خطأ الذاكرة، والنسيان من جملة ما يعرض على البشر، ولستُ في مأمنٍ منه، وسبحان مَنْ لا يسهو!

([83]) للوقوف على أهمّية هذه المناظرات انظر على سبيل المثال: توضيح الملل 2: 3، ط. الجلالي النائيني.

([84]) الشهرستاني، الملل والنحل 2: 46، إعداد: محمد فتح الله بدران.

([85]) مصباح المتهجّد: 803، ط. مرواريد (مؤسسة فقه الشيعة).

([86]) معجم رجال الحديث 8: 87، ذيل «خير بن عبد الله».

([87]) يحتمل أن يكون صاحب مستدركات علم رجال الحديث ـ الذي له مسلكه الخاصّ في العقائد وعلم الحديث ـ إنما قال في طرد هذا الرأي بشأن هذا التوقيع: «…ليس مضامينه غريباً عند أهل المعارف الحقة». (مستدركات علم رجال الحديث 3: 346). وخاصّة أننا نعلم أنه بعد صدور معجم رجال الحديث، للسيد الخوئي، ـ ومع أخذه بنظر الاعتبار ـ عمد إلى إعادة تهذيب مؤلَّفه (انظر: مستدركات علم رجال الحديث 1: 6).

([88]) انظر: الأخبار الدخيلة 1: 263 ـ 265.

([89]) المصدر السابق 1: 265.

([90]) انظر: المصدر السابق 1: 264.

([91]) انظر: خدائي، تحليلي بر تاريخ وعقايد فرقه شيخيه (مصدر فارسي): 99.

([92]) انظر: أسدي، علم برگزيدگان در نقل وعقل وعرفان (مصدر فارسي): 206؛ وانظر أيضاً: آشتياني، شرح مقدمه قيصري (مصدر فارسي): 656؛ أشك خونين (مصدر فارسي) : 59، 64، ط1، إصفهان، بهار قلوب.

إن من مفارقات عصرنا أن مؤلِّف كتاب «أوضاع سياسي اجتماعي وفرهنگ شيعه در غيبت صغرى» (مصدر فارسي، قم، پژوهشگاه علوم فرهنگ إسلامي) قد اعتبر «دعاء… الرجبية ـ وعلى ما يبدو حتّى دون التفات إلى إشكاله وغموضه السندي ـ واحداً من أسانيد جهود الناحية المقدّسة في إطار «تعزيز وتقوية عقائد الشيعة في مواجهة الشبهات العقائدية التي تصدر عن… المخالفين…»، ثمّ صرّح بأن هذا الدعاء «…قد حال دون حصول أي شبهة غلوّ بحقّ الأئمة^…» (المصدر السابق: 232 ـ 233).

وأذكر أيضاً أن بعض الكتّاب المتساهلين ـ من الذين لا يعتبرون التراث الفكري للمعتدلين الشيعة بالشيء الذي يُعْتَدّ به، ويباهي ويفاخر بتراث أمثال رجب البُرْسي، ويرى عدم اهتمام كبار علماء الإمامية بهذا التراث والنـزاع القديم بين المتكلِّمين والمحدّثين ناجماً عن قصور في الفهم ونقصان في مذاقهم في فهم أسرار التشيُّع ـ قد أبرز في حوار له معي هذا التوقيع الضعيف من الناحية السندية والغريب في مضمونه باعتباره «سنداً» لعقائده، وذريعة لإبطال جميع تلك الحقائق النافية، ويثبت به الأوهام التي ألزم بها نفسه!

وبطبيعة الحال فإنّ شأنه «أجلّ» من أن يدقِّق في سندٍ أو أن يُحقِّق في الأسانيد الروائية!

([93]) إن حكم صاحب القطرة ورأيه بشأن هذه المناجاة المشبوهة والمشكوك في أمرها للغاية كالتالي: «…فيها أسرار لا يسعها المقال، تركناها إيجازاً، وخوفاً للإفشاء إلى غير أهلها. رزقنا الله توفيق فهم أمثال هذه الكلمات». (القطرة 1: 47 ـ 48).

كما أن للشيخ حسن زاده الآملي ـ وخاصة من زاوية أنسه بتصوُّف محيي الدين ابن عربي ـ مثل هذا الكلام بشأن هذه الرواية؛ إذ يقول: «إن لفقرات التوقيع درجة رفيعة ومنـزلة عالية. كما أنها تحظى بأهميّة كبيرة في بيان الأطوار الوجودية للإنسان وأيامه العروجية. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يمنّ علينا ويوفقنا إلى فهم وإدراك حقائق هذه الإشارات. إن هذا التوقيع الشريف هو في عداد ذات بيان ومنطق أهل بيت العصمة والوحي الذي رواه الصدوق، في المجلس الأول من أماليه، بسنده عن عمرو بن يسع، عن شعيب الحداد، أنه قال: سمعت الصادق جعفر بن محمد× يقول: إن حديثنا صعب مستصعب، لا يحتمله إلاّ ملك مقرَّب أو نبيّ مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان أو مدينة حصينة. قال عمرو: فقلتُ لشعيب: يا أبا الحسن، وأيّ شيء المدينة الحصينة؟ قال فقال: سألتُ الصادق× عنها، فقال لي: القلب المجتمع، وما إلى ذلك من الكلمات التي تدخل في الإعجاز القولي لهؤلاء الوسائط للفيض الإلهي، والتي تفرض نفسها حجّة بالغة على العلماء» (هزار ويك نكته: 580 ـ 581).

وقال السيد محمد حسين الحسيني الطهراني في ملحق المجلد الثاني من كتابه «الله شناسي» (مصدر فارسي)، في رسالة ردّ بها على كلام العلاّمة التستري، الذي يرى أن هذه المناجاة مختلقة، مدافعاً عن التوقيع المذكور بناء على مسلكه العقائدي والعرفاني الخاصّ، ومن ذلك: تصريحه بأن جملة «لا فرق بينك وبينهم إلاّ أنهم عبادك وخلقك» ـ التي يراها العلامة التستري كفراً ـ «عين التوحيد وعين المعرفة» (الله شناسي 2: 314).

وبطبيعة الحال فإن الطهراني لا يبيِّن لنا كيف يمكن الجمع بين هذا التوحيد وهذه المعرفة وبين التوحيد والمعرفة القرآنية؟ وعلى سبيل المثال: لماذا يصف القرآن قدرات النبي الأكرم‘، من قبيل: العلم وما إلى ذلك، بأنها أمور محدودة لا ترقى إلى أوصاف الله سبحانه وتعالى؟

([94]) من ذلك: قارِنْ: شرح فصوص الحكم للقيصري 1: 55 ـ 56 (الهامش)، ط. حسن زاده.

([95]) انظر: هفت آسمان (مصدر فارسي)، العدد 24: 128، 141.

([96]) قارِنْ: المحقق الداماد، روشنگري ديني (مصدر فارسي) 1: 21.

([97]) قارِنْ: المصدر السابق 1: 34.

([98]) انظر في هذا الشأن كذلك: المصدر السابق 1: 35، 40، 62 ـ 68.

([99]) Hans Kung.

([100]) هانس كونغ، تاريخ كليساي كاتوليك: 121، ترجمه إلى الفارسية: حسن قنبري.

([101]) قارن: المحقق الداماد، روشنگري ديني (مصدر فارسي) 1: 34.

([102]) كتاب مَنْ لا يحضره الفقيه 4: 377، الرقم5777، ط. الغفاري؛ مسند الشهاب 1: 79.

([103]) لا بُدَّ من التذكير هنا أن الله سبحانه وتعالى يقول: لو أننا قد اخترنا من الملائكة نبيّاً للناس لما كان أمامنا سوى أن نحوِّله إلى بشر؛ إذ يقول في الآية 9 من سورة الأنعام: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾. وهذا المعنى جديرٌ بالتأمل. وللوقوف على أسباب ذلك انظر في هذا الشأن: السيد علي الكمالي الدزفولي، هزار سخن در شناخت إسلام (مصدر فارسي): 90 ـ 91.

([104]) انظر أيضاً: مجلة المنهاج، العدد 29: 93.

([105]) قارِنْ: المصدر السابق: 106.

إن الادّعاء الجزافي والواهي ليس بالأمر المستصعب، كما ورد عن ابن قبة الرازي في هذا الشأن قوله: «…إن تلاوة القرآن وادّعاء تأويله بلا برهان أمرٌ لا يعجز عنه أحدٌ» (الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة: 97، ط. الغفاري). إلاّ أن هذا الادعاء الجزافي والضعيف ـ نفياً وإثباتاً ـ قد شكل مادّة خصبة للكثير من الحوار والجدل العقيم، الذي لم يكن له من عائد سوى استهلاك الوقت والطاقة. وتنطبق على ذلك حكاية رمي حجر كبير سهواً وجهلاً في قاع البئر، وقد حدث إسقاطه بسهولةٍ وبساطة، ولكنّ عملية إخراجه قد استغرقت من عقلاء القوم الكثير من العناء ونزف الدماء!

هكذا كان الأمر بالنسبة إلى ظهور الشيخيّة خصوصاً، والأفكار الغالية ـ التي وجدت لها مجالاً خصباً في التدين العامي في العهد القاجاري ـ عموماً، فقد استهلك ظهورها الكثير من أوقات الناس وطاقاتهم في الخوض بالأمور العقيمة، من قبيل: هل دم الإمام طاهرٌ أم نجس؟ وما هي الصفات التي يتحلّى بها الجنّ؟ وما إلى ذلك من الأسئلة التي صرفتهم عن الاهتمام بما هو أجدى لصالح المعرفة والحياة والمجتمع.

([106]) نموذج ذلك شخصية الميرزا آغا خان الكرماني، الذي واصل أفكاره المجحفة والمتطرّفة والجائرة منحرفون آخرون، من أمثال: أحمد الكسروي، وساروا على نهجها (انظر: أنديشه هاي ميرزا آقا خان الكرماني (مصدر فارسي): 210 ـ 211؛ داعيان پيامبري وخدائي (مصدر فارسي): 24). وهناك من المصاديق البارزة لمناهضين للدين من الرجعيين المتطرِّفين مَنْ صرَّح في كتاباته بأن السبب الرئيس في الإحباط والانتكاسة التي أصابته يعود إلى اشتغاله بالأفكار الصوفية والمتفلسفة الآنف ذكرها، ومن بينها: أفكار الشيخ أحمد الأحسائي، ورأى الدين والتديُّن من مرآة الفوضى المعرفية لتلك المرحلة (انظر: أنديشه هاي ميرزا آقا خان الكرماني (مصدر فارسي): 79، 198، 204، 205، 289).

([107]) للاطلاع على ذلك انظر: المنهاج، العدد 29: 94 ـ 95.

([108]) والملفت في البين أن يظهر شخصٌ مؤخَّراً، واسمه «عبد الله إيماگر» (ويحتمل أن يكون هذا الاسم مستعاراً، وليس حقيقياً)، وهو يدافع على المستوى العملي عن بعض التفاسير المتطرِّفة لمضمون عبارة «نزِّلونا عن الربوبية و…»، ويقول في بيان الفرق بين مسلكه الذي يدافع عنه (وهو المسلك الذي يصفه بمسلك «أتباع الحكمة المتعالية وأمثال العلامة الطباطبائي وتلاميذه») وبين مسلك الشيخية: إن المجموعة الأولى حيث ترى جميع تصرّفات وإمكانات الأئمة ناشئة عن قدرة الله وإذنه فإن عقيدتها لا تشتمل على أيّ غلوّ أو مبالغة، أما الشيخية فقد «نسبت الاستقلال» إلى الأئمة في هذه الشؤون، وهذا «شركٌ ومرفوض» (انظر: خردنامه همشهري (مصدر فارسي)، العدد 28: 11).

تقدَّم توضيحنا أن مجرد الاعتقاد بأن القدرات التي ندّعيها للأئمة ناشئة عن قدرة الله واعتبارها في طوله لا ترفع إشكال الغلوّ. وعليه لا نرى ضرورةً للتكرار والإعادة. ثمّ إن النسبة المذكورة للشيخية، وما يراه الكاتب تمييزاً بين مذهبه المختار ومذهب الشيخية، يدعو إلى تأمُّلٍ جادّ.

وأنا ـ بطبيعة الحال ـ لستُ في موقف «المحامي» عن مسلك الشيخية، ولكنْ؛ حيث ألزم نفسي ـ حتى الإمكان ـ بواجبي الأخلاقي في «بيان الحقيقة»، أرى من الواجب التذكير بأن كلام الشيخية ـ ومؤلَّفاتهم الأصلية بحمد الله موجودة، وبالإمكان التحقيق بشأنها ـ لا ينطوي في حدود معرفتي وتتبّعي على القول باستقلال الأئمة في علمهم وقدرتهم الإلهية، بل إنهم يرَوْن الأئمة مظهراً وتجلِّياً لصفات الله، ويرَوْن قدراتهم في طول قدرة الله الشاملة، ويكفِّرون مَنْ يألِّهون الأئمة^ ،أو يعتبرونهم شركاء لله، وما إلى ذلك (انظر نموذج ذلك مثلاً: عبد الرضا إبراهيمي، نَوَد مسألة (مصدر فارسي): 11؛ وانظر أيضاً: القزويني، مسائل عقائدية ـ في الغلوّ والتفويض… ـ: 78 ـ 79، مقالة حول «إحقاق الحقّ»، للميرزا موسى الإسكوئي الحائري).

([109]) قارِنْ إشكال هذا التخدير المعرفي بـ: سير تاريخي نقد ملا صدرا (مصدر فارسي): 34.

([110]) انظر نموذج ذلك في: مجتهد نجف آبادي (مصدر فارسي): 124، إعداد: محمد جواد نور محمدي.

([111]) في المصدر المطبوع: الهوى.

([112]) تحرير العقلاء: 132، ط. أرمغان.

([113]) انظر: روضات الجنات 3: 342 ـ 344، ط. إسماعيليان.

([114]) ومن خلال التلاقح الفكري المشؤوم والقائم بين بعض التعاليم الصوفية والمتفلسفة في المراحل الأخير وغلوّ الشيخيّة، وما أعقب ذلك من ظهور وانشعاب البابية من رحم هذه الطريقة، لا أرى ما يدعو إلى العجب عندما أقرأ ما كتبه الميرزا محمد حسين الكرماني ـ «وهو المتتبِّع في كلمات العرفاء» ـ، والمذكور في طبقات الحكماء المتأخرين للآغا علي المدرّس (انظر: جشن نامه دكتر محسن جهانگيري (مصدر فارسي): 52: «انتسب إلى فرقة البابية بعد ظهورها، وقام بالدعوة والتبليغ لها بحماسة… ثمّ توارى عن الأنظار» (المصدر ذاته: 57).

يمثِّل الميرزا آقا خان الكرماني، الذي تبنّى التوجُّه البابي في مرحلةٍ من عمره، ثم أقبل على أنواع الانحرافات والمساوئ الأخرى، اعترافاً يدعو إلى التأمُّل في ما يتعلَّق بخروج جماعة من المستأنسين بأفكار الشيخ أحمد الإحسائي إلى البابية (انظر: أنديشه هاي ميرزا آقا خان كرماني (مصدر فارسي): 147).

([115]) انظر: عصاي موسى× (مصدر فارسي): 219.

([116]) انظر: المنهاج، العدد 29: 106؛ مرتضى مدرّسي چهاردهي، شيخيگري، بابيگري، أز نظر فلسفه، تاريخ (مصدر فارسي): 33 ـ 34.

ثمّ قارِنْ ذلك بـ: نور الدين چهاردهي، كتاب كشكول أز أحساء تا كرمان (مصدر فارسي): 29، 30، 38، 57، 58، 88.

([117]) رُوي عن أمير المؤمنين علي× أنه قال: «بُني الكفر على أربع دعائم: الفسق والغلوّ والشكّ والشبهة» (الكافي 2: 391، ط. الغفاري).

الكاتب الشيخ جويا جهانبخش

الشيخ جويا جهانبخش

مواضيع متعلقة

اترك رداً