نسبة كتاب إلى الحسن بن موسى النوبختي

5 أغسطس 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
406 زيارة

نسبة كتاب إلى الحسن بن موسى النوبختي

قراءةٌ نقديّة

د. حسن الأنصاري(*)

ترجمة: حسن مطر

تمّ مؤخَّراً نشر كتاب من قبل السيد مروان راشد، تحت عنوان (Commentary on Aristotle “De generatione et corruption”)، حيث يحظى هذا الكتاب بأهمّية تجعله مستحقّاً للبحث والدراسة.

وهو في الحقيقة ترجمة وتصحيح وتحليل لنصّ كتابٍ مجهول المؤلّف، لنصّ كتاب «الكون والفساد»، لأرسطوطاليس، اعتماداً على مخطوطتين معروفتين بالنسبة إلى المحقِّقين في هذا الشأن، رغم عدم انتشار هذا النصّ أبداً.

وقد عُرف هذا الكتاب في بعض كتب البيبليوغرافيا ـ ومن بينها: فهرسة آثار ابن سينا، لمؤلِّفه الأستاذ الفقيد (يحيى مهدوي) ـ بوصفه كتاباً منسوباً لابن سينا.

أما مؤلِّف هذا الكتاب الأستاذ مروان راشد، والذي قام بترجمة وتصحيح نصّ هذا الكتاب بشكلٍ مناسب، فإنه قد ساق بعض الأدلة التي اعتقد بسببها استحالة أن يكون هذا الكتاب من مؤلَّفات ابن سينا. وهذا الأمر ـ بطبيعة الحال ـ جديرٌ بالبحث والتحقيق. كما أن تحليلات الأستاذ مروان راشد في تضاعيف هذا الكتاب تستحقّ الاهتمام أيضاً.

بَيْدَ أن المشكلة تكمن في أن الأستاذ مروان راشد ـ طبقاً للقرائن التي يسوقها في خاتمة الكتاب ـ قد اعتبر الكتاب من تأليف الحسن بن موسى النوبختي، وهو من مشاهير المتكلِّمين الشيعة في نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع الهجريين.

وأهمّ دليل له على ذلك وجود كتاب منسوب للنوبختي يحمل عنواناً قريباً من هذا العنوان. أما المخطوطتان المتوفِّرتان حالياً لهذا الكتاب فلا يشتمل أيٌّ منهما على ذكر للنوبختي، لا من قريبٍ ولا من بعيد.

وقد عمد الأستاذ راشد ـ من خلال قراءته لبعض مطالب الكتاب، ومقارنتها بعددٍ من المسائل المعروفة من النوبختي ـ إلى الحكم بأن هذا الكتاب هو من تأليف النوبختي، بل كتب ذلك على غلاف الكتاب، وقام بنشره على أنه من تأليف النوبختي.

بَيْدَ أن الذي نعرفه من النوبختي يثبت خلاف ذلك. بل في الحقيقة لا يوجد هناك من دليلٍ يدفعنا إلى الاعتقاد بصحّة نسبة هذا الكتاب إلى النوبختي. نعم، تبقى نسبة الكتاب إلى النوبختي واردة على نحو الاحتمال الضعيف جدّاً. وبطبيعة الحال يمكن بحث هذه المسألة، ولكنْ لا يمكن البتّ فيها على نحو القطع واليقين.

وقد عمد الأستاذ مروان راشد ـ طبقاً لاعتقاده بنسبة هذا الكتاب للنوبختي ـ إلى ذكر مسائل ترتبط بغيبة الإمام صاحب العصر والزمان، والمشاكل الفكرية التي تعرَّض لها الشيعة في تلك المرحلة. وهي مرفوضةٌ من وجهة نظري تماماً، ولا تنسجم مع المعطيات التاريخية الثابتة التي نعرفها في ما يتعلَّق بالنوبختيين من جهةٍ، وفي ما يتعلَّق بالعلماء والمتكلِّمين في عصر الغيبة الصغرى من جهةٍ أخرى.

وفي المقالة التي أعمل عليها الآن بالتعاون مع أحد الزملاء تعرَّضنا إلى الأدلة التي تنكر نسبة هذا الكتاب إلى النوبختي بالتفصيل.

في الكتاب الذي صدر مؤخَّراً باللغة الإنجليزية عمد الأستاذ مروان راشد إلى نشر نصٍّ في تلخيص كتاب «الكون والفساد»، لأرسطوطاليس، وعرَّفه بوصفه كتاباً للحسن بن موسى النوبختي. ولكنْ سبق لنا أن ذكرنا أنه لا وجود لأيّ دليلٍ أو قرينة ثابتة على القول بأن هذا الكتاب هو من تأليف الحسن بن موسى النوبختي. وإن الأستاذ راشد نفسه مقرٌّ بهذا الأمر، ولذلك سعى إلى تحشيد القرائن المختلفة من هنا وهناك، وتناولها بالبحث؛ لكي يثبت نسبة هذا الكتاب إلى الحسن بن موسى النوبختي.

والملفت أنه على الرغم من وجود هذا الكمّ الهائل من الإشكالات والشكوك خرج الكتاب في نهاية المطاف إلى النور يحمل على غلافه اسم الحسن بن موسى النوبختي، بوصفه مؤلِّفاً له. وقد ذكر المؤلِّف في الكتاب أنه لا يشكّ في صحّة نسبة هذا الكتاب إلى النوبختي!

وعلى أيّ حال لو ثبتت نسبة هذا النصّ إلى الحسن بن موسى النوبختي فهذا يعني وجود متكلِّم متقدِّم على عصر الفارابي، الأمر الذي يرفع من أهمِّية هذا الاكتشاف، وكأنّ نسخ هذا الكتاب لم تكن مجهولة للمحقِّقين، وكان يُعْرَف بوصفه كتاباً لابن سينا.

لقد تمسّك الأستاذ مروان راشد لإثبات رؤيته بمختلف الأساليب، ومن بينها: نظرية جديدة بشأن غيبة إمام العصر#، وقدَّم في هذا الكتاب الأسباب التي دعَتْ علماء الشيعة إلى الاهتمام بالكلام والفلسفة؛ ليُثبت السبب الذي يؤكِّد اعتبار النوبختي هو مؤلِّف هذا التلخيص لكتاب «الكون والفساد»، لأرسطوطاليس.

بَيْدَ أن الذي ذكره الأستاذ مروان راشد في هذا الشأن لا ينسجم إطلاقاً مع المعطيات التي نعرفها عن عصر الغيبة الصغرى للإمام الغائب.

وفي ما يلي سوف أتعرّض إلى بيان جانب من هذه المطالب والأمور، وأترك التفصيل بشأنها إلى كتاب آخر أعمل على تأليفه:

الأمر الأوّل: لا بُدَّ من التنويه إلى أن الأستاذ مروان راشد سعى إلى تعريف النوبختي بوصفه فيلسوفاً مغرماً بفلسفة أرسطوطاليس.

ولن ندخل هنا في التفاصيل، وإنما نحيل التفصيل إلى ذلك الكتاب. وأكتفي هنا بالإشارة إلى عدم وجود أدنى شكٍّ في كون الحسن بن موسى النوبختي عالماً مطَّلعاً على الفلسفة الأرسطية. وهذا واضحٌ من تقارير المصادر الرجالية.

كما تلوح معرفته العميقة بالفلسفة الإغريقية، وتراجم مؤلَّفات أرسطوطاليس وشروحها، واضحةً من كتاباته التي وصلت إلينا بشكلٍ منفصل.

ولكنْ علينا في الوقت نفسه أن لا نغفل عن أن ذات تلك المصادر تعرِّفه بوصفه متكلِّماً مطَّلعاً على الفلسفة، وأنه ألَّف كتباً في الردّ على الفلسفة. وهذا ما يمكن استجلاؤه بوضوحٍ من خلال الشذرات التي وصلتنا مبثوثة في الكتب، ولا سيَّما ما نقله ابن الملاحمي في كتابه «المعتمد من كتاب الآراء والديانات».

كما أن عناوين مؤلَّفاته المفقودة تشهد بوضوحٍ على ذلك. وإن تلاميذ الشيخ المفيد، الذين قرأوا كتاب «الآراء والديانات» على شيخهم، نقلوا في كتبهم ذات هذا الحكم بشأن النوبختي.

بَيْدَ أن الأستاذ مروان راشد عمد ـ في سياق إثبات نسبة كتاب التلخيص إلى الحسن بن موسى النوبختي ـ؛ من خلال بعض القرائن، إلى اعتبار آراء النوبخي هي آراء شخصٍ شغوف بالفلسفة الأرسطية. والملفت أنه عثر على قرائن في ذات الكتاب، ثمّ عمد إلى مقارنتها بالآراء المعروفة عن النوبختي.

ويمكن القول بشأن الكثير من هذه القرائن: إنها لا يمكن أن تشكِّل أساساً للاستدلال على ما ذهب إليه، إلاّ على نحو الاحتمال الضعيف. وحيث تكون القرائن بحاجةٍ إلى المزيد من التوضيح، ولا تكون كافيةً وحدها، نجده يعود بالتالي إلى ذات إطاره العامّ بشأن دوافع النوبختي إلى الاهتمام بالفلسفة والكلام المعتزلي، أو الاهتمام بمزيجٍ من هذين العلمين، في محاولةٍ منه إلى حلّ المشكلة من هذه القناة.

وفي بعض الموارد هناك شكوكٌ جوهرية في أصل ما يقوله بشأن آراء النوبختي، وسوف نبحث تلك الشكوك في كتابٍ آخر.

ونكتفي هنا بذكر موردٍ واحد منها، وهو ما قيل بشأن نظرية الطبائع الأربعة المنسوبة إلى المعتزلة في بغداد. وقد سبق لي أن بحثت هذه المسألة في موضعٍ آخر، ضمن مقالة حول «المطرفية»، والذي نشرته على بعض مواقع الشبكة العنكبوتية، وسوف أتناوله في كتابٍ آخر أيضاً. وخلاصته أنّ ما نسب هنا إلى النوبختي ليس صحيحاً. فقد عمد الأستاذ مروان راشد ـ في معرض تبرير السبب الذي يدعو شخصاً مثل: الحسن بن موسى النوبختي إلى التعلُّق بالفلسفة الأرسطية ـ إلى طرح نظرية أكثر عمومية، وذلك من خلال القول بأن حادثة غيبة الإمام الأخير من أئمّة الشيعة ـ بوصفه مصدراً للمرجعية الدينية ومشروعية الشيعة ـ قد أدَّتْ بالشيعة، ولا سيَّما النوبختيين منهم، إلى البحث عن نظريّةٍ بديلة تمكِّنهم من تبرير غيبة إمام العصر، وتوفِّر لهم منفذاً للخروج من مشاكلهم النظرية. وقد تمثَّل هذا المخرج ـ من وجهة نظر الأستاذ مروان راشد ـ في التوجه نحو الكلام المعتزلي، بل وحتّى الفلسفة الأرسطية.

هذا، ولم يقدِّم الأستاذ مروان راشد تفسيراً واضحاً عن السبب الذي يدعو علماء الشيعة إلى التوجُّه فجأة إلى الكلام المعتزلي والفلسفة الأرسطية في وقتٍ واحد، رغم الاختلاف العميق القائم بين هذين المذهبين الفلسفي والكلامي، وكان لكلٍّ منهما في بغداد أتباع ومفسِّرون في عصر النوبختيين.

ومن الواضح أن هذا التحليل لا يمكن أن يكون صحيحاً بجميع أبعاده، ولا ينسجم مع الوقائع المختلفة لبيئة الشيعة الإمامية في عصر الغيبة الصغرى وما قبلها وما بعدها؛ وذلك أوّلاً: لأن اهتمام وإقبال الشيعة الإمامية على الكلام المعتزلي يعود بجذوره إلى فترةٍ أقدم بكثير من عصر النوبختيين، حيث تعود معرفة الإمامية بآراء المعتزلة إلى تلاميذ مدرسة هشام بن الحكم، ومن بينهم: الفضل بن شاذان(260هـ). كما كان الفضل بن شاذان على معرفة كاملة بآراء فلاسفة اليونان، ومن بينهم: أرسطوطاليس. وعليه إذا كان المراد هو أصل العلاقة والمعرفة فهي تعود إلى فترةٍ أقدم، وليس هناك ما يدعو إلى ربطها بمسألة غيبة الإمام الأخير من أئمّة الشيعة، والتمسّك بالمشاكل النظرية للإمامية في هذا الشأن.

ثم إن الاهتمام بتعاليم المعتزلة من قبل عددٍ من النوبختيين لم يكن أمراً جديداً قاموا به على عجلٍ؛ بسبب حادثة الغيبة. بالإضافة إلى أنّ قِدَم العلاقة بين الشيعة الإمامية والزيدية مع عددٍ من المعتزلة، وكذلك الشَّبَه القريب في عددٍ من الآراء التوحيدية ـ كما نعلم ـ، يمثِّل واحداً من أهمّ أسباب هذا الإقبال الجديد من قبل بعض المعتزلة على الإمامية، وانتقالهم من الاعتزال إلى التشيّع الإمامي. وإنّ شخصاً مثل: «ابن قبة الرازي» ـ الذي يصدف أن يكون معاصراً للحسن بن موسى النوبختي، بل وأكبر منه قليلاً، وكان على صلةٍ به كما نعلم ـ كان في الأصل من المعتزلة، ثم نبذ الاعتزال، واعتنق مذهب الإمامية، وشكَّل قناةً لانتقال الأفكار الاعتزالية وأساليب المتكلِّمين المعتزلة إلى الإمامية. هذا، وإن التوجّه إلى المعتزلة، كما يلوح بوضوحٍ من عبارات أبي الحسن الخيّاط في كتاب «الانتصار»، ظاهرةٌ تعود بداية مسارها إلى ما قبل تأليف كتاب «الانتصار» في البيئة الإمامية، كما تعود بالنسبة إلى النوبختيين إلى ما قبل الحسن بن موسى، ومَنْ هو أكثر أهمِّية منه، وهو خاله أبو سهل النوبختي، حيث كان أقدم منه وأكثر مَيْلاً إلى إظهار هذا الاتجاه. إن أبا سهل النوبختي ـ الذي كان متقدِّماً على الحسن بن موسى، سواء من ناحية الموقع الاجتماعي والسياسي أو من ناحية الرؤية المذهبية في المجتمع الإمامي ببغداد ـ كان مثل الحسن بن موسى في موافقة المعتزلة في القليل من آرائهم، وأما بالنسبة إلى بعض المسائل الأخرى فكان يختلف في الرأي مع المعتزلة. وهذا بطبيعة الحال شديد الوضوح من خلال عناوين كتبهما، وما نقل عنهما في المصادر، ومنها ـ على سبيل المثال ـ: «أوائل المقالات»، فقد كانت لهما محاورات مع معاصريهم من المعتزلة، وكانت هناك مجالس يقوم بعضها على المناظرات الكلامية في مواجهة المعتزلة، من أمثال: أبي علي الجبائي؛ وأبي القاسم البلخي. وفي ما يتعلق بالمصادر الكلامية الإمامية يعلم المطَّلعون على الكلام الإمامي أنه عندما يذكر اسم النوبختي مجرَّداً يكون المراد منه بالتحديد «أبو سهل النوبختي»، أو يكون هو مصداقه الأبرز، دون الحسن بن موسى النوبختي. وكما سبق فإنّ اهتمام عددٍ من الإمامية بآراء المعتزلة يعود إلى ما قبل عصر النوبختيين. وإن الاهتمام من قبل بعض الشيعة الإمامية يعود ـ كما يتَّضح من كتاب «الانتصار»، لأبي الحسين الخياط ـ إلى ما قبل تأليف الانتصار، الذي يعود تاريخه إلى حوالي العام 269هـ. ولا يبعد أن تكون إشارة أبي الحسين الخيّاط تعني أبا سهل النوبختي، وعدداً من نظرائه. إن تاريخ ولادة الحسن بن موسى النوبختي مجهولٌ بالنسبة لنا. ولكنه ـ طبقاً لتصريح النجاشي ـ كان يطوي ذروة ازدهاره العلمي في حدود الأعوام السابقة على نهاية القرن الهجري الثالث وبعده بقليلٍ، وكما نعلم فإن وفاته قد حدثَتْ ما بين عامي 300 و310هـ. ولكنّ الأستاذ مروان راشد يرى أنّ ولادة الحسن بن موسى النوبختي تعود إلى ما قبل بداية عصر الغيبة بخمسة وعشرين سنة، دون أن يذكر دليلاً على ذلك، وربما خلط في ذلك بينه وبين أبي سهل النوبختي (الذي لا يولي في جميع مواضع كتابه أيَّ أهمِّية له بالمقارنة إلى الحسن بن موسى، ولا يُشير إليه، لا من قريب ولا من بعيد). والملفت أنه يجري مقارنة بين عمر الحسن بن موسى النوبختي عند رحيل الإمام الحسن العسكري في عام 260هـ، حيث كان له من العمر في حينها 25 سنة، وبين عمر أفلاطون عند وفاة سقراط، حيث كان له من العمر 25 سنة في حينها أيضاً! هذا في حين لا يوجد دليلٌ على ولادته في هذا التاريخ، بل تشير جميع القرائن إلى خلافه. نعلم أن أبا سهل النوبختي، خال الحسن بن موسى، والذي كان يكبره سنّاً، يعود تاريخ ولادته إلى سنة 227هـ([1]). وبطبيعة الحال فقد ولد الحسن بن موسى بعد هذا التاريخ بسنوات. وهو عندما يتحدَّث عن لقائه (ويبدو أنه اللقاء الأوّل) بـ «ثابت بن قرّة»(221هـ ـ 288هـ) ـ ويتّضح من تلك الحكاية المنقولة في المصادر أن ثابت بن قرّة كان في تلك الفترة أكبر سنّاً بكثير من النوبختي ـ يصرِّح بأنه كان في تلك الفترة شاباً «حَدَث السنّ». وحتّى إذا افترضنا ولادة الحسن بن موسى النوبختي في حدود عام 250هـ لا أكثر يجب أن يكون لقاؤه بثابت بن قرّة قد حدث ما بين عامي 260 و265هـ([2]). وعلى هذا الأساس يتّضح أن تعلُّق الحسن بن موسى النوبختي بالفلسفة والمترجمين للكتب الفلسفية يجب أن يعود إلى الفترة التي أعقبت رحيل الإمام الحسن العسكري وغيبة إمام العصر بقليلٍ. ومن ثمّ لم يكن في حينها سوى شابٍّ حَدَث السنّ، ولم يكن بإمكانه أن يعقد العَزْم في تلك الفترة المبكرة على قراءة الفلسفة انطلاقاً من هذه الغاية الاستراتيجية المحدَّدة، كما يدّعي الأستاذ مروان راشد.

وفي ما يلي نتوجَّه إلى نظرية الأستاذ مروان راشد، سواءٌ في شقِّها الخاص بعلاقة علماء الإمامية واهتمامهم بالكلام المعتزلي، أو في شقِّها المتعلِّق باهتمام الإمامية بالفلسفة.

وقد وجدنا أن جذور وأصول هذه المعرفة تعود إلى سابقةٍ أطول وأقدم من عصر الغيبة، وذلك حيث أبدى هشام بن الحكم والفضل بن شاذان وآخرون اهتماماً بالفلسفة اليونانية، وترجمة النصوص الفلسفية إلى اللغة العربية، رغم أن هذا الاهتمام كان يأتي في إطار انتقاد هذه الفلسفة، من منطلق المتكلِّمين الذين يدافعون عن منظومات كلامية وفلسفية مختلفة.

وهكذا كان الأمر بالنسبة إلى الحسن بن موسى النوبختي أيضاً؛ فإنه ـ كما تقدّم ـ رغم تأثُّره بالفلسفة الأرسطية ربما وجد فيها أداةً مناسبة لنقد بعض آراء المعتزلة، وكان له بالفعل انتقاداتٌ لها في الكثير من المواضع. ومهما كان، فسواءٌ في ما يتعلَّق بالاهتمام بالكلام أو الفلسفة بين الإمامية، حتّى إذا قلنا بأنه الأمر الوحيد المرتبط بما بعد عام 260هـ، وما قبل عام 270هـ([3])، من الواضح أن لا صلة لهذا الأمر بغيبة إمام العصر.

إن الأستاذ مروان راشد لم يلتفت إلى حقيقة أنّ اهتمام وإدراك الإمامية لغيبة الإمام الأخير كان حصيلة وثمرة مراحل ومسارات تكاملية، ولم يكن الأمر عبارة عن إرهاصة مباشرة توصَّلوا لها على نحوٍ مفاجئ، بعد عام 260هـ، إثر غَيْبة الإمام. فقد مضى عقدان أو ثلاثة عقود على هذا المسار، حتّى تبلور مثل هذا الإجماع بين الإمامية بشأن هذه المسألة. وهذه المسألة قد تغيب عن ذهن الفلاسفة، ولكنّها لا يمكن أن تغيب عن ذاكرة المتخصِّصين في تاريخ التشيُّع. وعلى أيّ حال إن هذه الحقيقة واضحة من خلال الاختلافات القائمة بين الإمامية في هذا الشأن، والتي قام بنقلها علماء الإمامية، ومنهم: النوبختي نفسه. وكما نعلم فقد ظهرت بالتدريج تفسيرات مختلفة في ما يتعلَّق بخلافة الإمام العسكري. وإن الكثير من الأشخاص في البيئة الإمامية لم يلاحظوا حصول مشكلةٍ في تسلسل الإمامة، وحتّى النخبة لم يلتفتوا إلى حدوث أزمةٍ في الأفق إلاّ بعد مضيّ عقد أو عقدين من الزمن. نعلم أن الأمر قد امتدّ لسنواتٍ عديدة قبل أن يتمّ الحديث عن مسألة خلافة إمام العصر#، ثمّ أعقب ذلك سنواتٌ تمّ التداول خلالها في مختلف الآراء المطروحة من قبل مختلف الطبقات الإمامية، حتّى تكاملت عقيدة القائميّة، وتمّ طرحها. وفي الحقيقة لم تتَّضح جليّة هذا الأمر بالنسبة إلى الإمامية إلاّ بعد مراجعة أحاديث القائم والمسائل الكلامية، حيث اتَّضحت لهم هنالك حقيقة غيبة إمام العصر.

والملفت أن الأستاذ مروان راشد عمد إلى الإحالة إلى كتاب «فِرَق الشيعة»، للنوبختي؛ لإثبات أن الإمامية ـ والحسن بن موسى النوبختي بشكلٍ خاصّ ـ قد تعرَّضوا لأزمة فكرية في هذا الشأن، وإنهم قد تعمَّدوا الإبقاء على غموض مختلف أبعاد هذه المسألة، إلى حين انجلاء الغموض عنها، واتخاذ الموقف الموحَّد بشأنها. وعليه من الواضح أنه لا بُدَّ من القول له: أوّلاً: إنّ نسبة كتاب «فِرَق الشيعة» بشكله الراهن إلى النوبختي يواجه الكثير من الإشكالات، ولا يمكن استنباط هذا النوع من المسائل الجوهرية المتعلِّقة بمؤلِّف الكتاب من ذات نصّ الكتاب، دون أخذ هذه الإشكالات بنظر الاعتبار([4]).

وثانياً: من الواضح أن تأليف كتاب «فِرَق الشيعة» لم يكن نتاج تدوينٍ واحد، فإن أصل الكتاب ـ كما سبق ـ يعود إلى نصٍّ أقدم عهداً.

وثالثاً: يتَّضح من المقطع الأخير من الكتاب أن النوبختي قد أضاف بعض المطالب إلى الكتاب بشكلٍ تدريجي، وأن هناك مسائل أُلحقت بأصل الكتاب بعد الترسيخ النسبي لمفهوم غيبة إمام العصر. ثم إن تاريخ تأليف الكتاب غير معلوم. وإن قِسْماً منه ـ كما أثبت في محلِّه ـ قد كتب قبل حصول الانشقاق داخل الفرقة الإسماعيلية، ويبدو أن بعض الأجزاء الأخرى قد أُضيفت إلى الكتاب بعد ذلك أيضاً([5]). كل ما هنالك أن هذا الكتاب لا يمكن أن يشكِّل دليلاً على القول بأن الحسن بن موسى النوبختي قد اتَّخذ قراراً منبثقاً من هواجسه تجاه واقع المجتمع الإمامي في خصوص الغيبة بالتوجُّه إلى الكلام المعتزلي، بل وحتّى فلسفة أرسطوطاليس بوصفه المعلِّم الأول. ثمّ إن الأسلوب الأدبي المتَّبع في هذا الكتاب ـ مثل سائر الكتب التي تتناول موضوع الفِرَق ـ هو الأسلوب التقريري، وإذا كان يحتوي على مواطن غموضٍ فإنه يعود إلى الأسلوب الأدبي في تقرير المطالب التي يسعى فيها المؤلِّفون إلى عدم إصدار الأحكام المسبقة بشأن الفِرَق المختلفة. وعلى أيّ حال تعود الدراسة الفلسفية للنوبختي إلى الأعوام السابقة على تأليف هذا الكتاب، ولو أنه كان قد ألَّف كتاباً في مجال تلخيص «الكون والفساد»، لأرسطوطاليس([6])، فيجب أن يعود إلى تلك الفترة من دراسته للفلسفة. وقد كان قصده في الحقيقة إعداد خلاصةٍ للاستذكار اللاحق، وكذلك إبراز أهمّ مسائل الكتاب للاستفادة اللاحقة، كما هو الأسلوب المتَّبع بين أصحاب العلم([7]). وعلى هذا الأساس، حتّى لو صحّ استنباط الأستاذ مروان راشد من نصّ كتاب «فِرَق الشيعة» ـ وهو غير صحيح قطعاً ـ فإنّه لا ربط له بالفترة التي قام فيها النوبختي بتلخيص كتاب أرسطوطاليس، أو الفترة التي شغف فيها بالفلسفة.

إنّ كتاب «فِرَق الشيعة» ـ خلافاً لما ذهب إليه الأستاذ مروان راشد ـ لا يعود تأليفه إلى بضعة أعوام بعد رحيل الحسن العسكري، بل يعود إلى ما بعد تلك الفترة بسنواتٍ طويلة. هذا، وإن المقطع الذي استند إليه الأستاذ راشد قد يكون من الإضافات الأخيرة التي قام بها مؤلِّف النصّ([8]).

ومن ناحيةٍ أخرى عندما يتمّ الحديث في مجال مفهوم غيبة إمام العصر عن إسهام النوبختي يكون المراد بذلك أبا سهل النوبختي، في ما يتعلَّق بالتنظير لها، والذي نعلم به لحسن الحظّ، من طريق كتاب «التنبيه»، لأبي سهل النوبختي([9]). وكما نعلم فإن أبا سهل النوبختي لم يتحدَّث في هذا الكتاب عن مثل الحلّ البديل، كما أراد الأستاذ مروان راشد التسويق له.

أو من ناحيةٍ أخرى المراد من السهم الدَّوْر الهامّ جدّاً والأكثر تأثيراً للحسين بن روح النوبختي، الوكيل والنائب الثالث للإمام الغائب في عصر الغيبة الصغرى، والذي يعود نشاطه إلى الفترة التي أعقبت وفاة الحسن بن موسى النوبختي.

وأما سهم الحسن بن موسى في هذه المسألة فهو غير واضح، ولا معلوم الملامح، وقد تمّ تضخيم دوره في هذا الشأن من قبل الأستاذ مروان راشد بشكلٍ اعتباطي؛ ليتمكن في نهاية المطاف من إثبات وجهة نظره في بيان الدليل الذي يدعوه إلى نسبة تأليف «كتاب تلخيص الكون والفساد» إلى الحسن بن موسى النوبختي.

وليس في الذي وَصَلَنا منه أيُّ إشارةٍ من قريب أو بعيد إلى ما قاله الأستاذ مروان راشد، بوصفه تحليلاً له في بيان السبب الذي دفع علماء الشيعة ـ ومنهم: النوبختي ـ نحو الفلسفة.

والجدير بالذكر أن الأستاذ راشد يُفسِّر حتّى الانتقاد الذي يوجِّهه النوبختي إلى التنجيم والمنجِّمين في سياق الخشية من الخطر الكامن الذي يمكن أن يهدِّد كيان الشيعة من جانب هؤلاء المنجِّمين، في وقتٍ لا يتحمل الوضع المأزوم للمجتمع الشيعي وجود تكهُّنات يطرحها المنجِّمون بشأن زوال الإمامية، تُضاف إلى أزمتها المتمثِّلة بعدم وجود إمامٍ لها، متجاهلاً بذلك أن هناك من النوبختيين في تلك الفترة ـ وهو «ابن كبرياء النوبختي» ـ مَنْ استفاد في كتابه «الكامل» من علم التنجيم في هذا الشأن، وعمل على توظيفه في إطار توجيه غيبة الإمام الغائب.

قد يكون تحليل شخص للظهور وقوّة الفلسفة بين الإمامية بأن يكون الاهتمام بالعقل والفلسفة نفسه هو الخليفة والبديل لحضور الإمام المعصوم، وهو العقل الذي يعرف في التعاليم الشيعية ويمتدح بوصفه حجّةً إلهية. بَيْدَ أن هذا التحليل لا يمكن اعتباره أبداً بوصفه السرّ في نجاة الإمامية، وانعطافة استراتيجية في حياتهم، أو القول بأن الحسن بن موسى النوبختي قد مال إلى الفلسفة قبل الشعور بوجود أو بشدّة «الحيرة»؛ بسبب الغيبة في المجتمع البغدادي([10])، هكذا كان أن أبدى شغفاً بالفلسفة([11])، واعتبارها جواباً مناسباً وشافياً وحاسماً لأزمة الغيبة، أو على حدِّ تعبير الأستاذ مروان راشد: إن النوبختي أراد أن يحصل على العلاج الناجع لأزمة الغيبة من آراء «الإسكندر الإفروديسي»، وإذا لم يكن للإمام من حضور في المجتمع قد يمكن نقل تعاليمه إلى المجتمع من طريق الفلسفة الأرسطية في مقام رواية «الحقيقة».

لقد قام تصوّر الأستاذ مروان راشد عن الحسن بن موسى النوبختي أنّه كان يمثِّل المرجع الأعلى لاتّخاذ القرار في مجتمع الإمامية في تلك الفترة، وبذلك فقد وضعه في مقام الفيلسوف والمتكلِّم الذي يسعى إلى تقديم أطروحةٍ جديدة لإنقاذ المجتمع الإمامي، وإخراجه من أزمته. هذا في حين أن دور الحسن بن موسى النوبختي في هذا الشأن ـ كما سبق أن ذكرنا ـ لم يكن واضحاً جدّاً، وإنّ الذين لعبوا الأدوار الكبيرة في تحليل مفهوم الغيبة لم يُنْقَل عنهم القيام بمثل هذا الدَّوْر.

الأمر الأخير أن الأستاذ مروان راشد ينتقل في جميع مواطن استدلاله من مبنى إلى مبنى آخر، دون أن يلتزم بحفظ حدود كلّ استدلال. وعليه ما لم تثبت أصالة الكتاب وصحّة نسبته إلى النوبختي لا يمكن توظيفه في تقديم تفسيرٍ خاصّ عن الاتجاهات الكلامية والمذهبية للنوبختي، وإقامة الأدلّة على ذلك، أو العكس.

لا شَكَّ في أن نظرية الأستاذ مروان راشد بشأن غيبة إمام العصر لا تقوم على مبنىً صحيح ومقبول بالنسبة إلى المتخصِّصين في فكر الإمامية. قد يدفعنا الحبّ إلى اعتبار كتابٍ ما نصّاً عريقاً، بَيْدَ أن هذا يحتِّم علينا أن نقيم أدلّةً متينة على ذلك، وأن ندعمه بمعطيات تاريخية صحيحة.

لقد أفرد الأستاذ مروان راشد في كتابه بشأن الحسن بن موسى النوبختي صفحات لمطلبٍ منقول عن كتاب «الرياض المونَّقة في آراء أهل العلم»، لمؤلِّفه الفخر الرازي؛ ليتناول بذلك البحث في نظرة النوبختي لمكانة العقل والأدلة العقلية، ونسبتها إلى تعاليم الإمام المعصوم. لقد كان الأستاذ مروان راشد بحاجةٍ إلى إثبات نسبة كتاب «تلخيص الكون والفساد» إلى النوبختي مهما كلَّف الثمن، وعليه فقد أراد في هذا الإطار أن يُثبت بشكلٍ وآخر ما هي نسبة اهتمامه بالفلسفة إلى اعتقاده المذهبي بشأن موقع الإمام؟ وكيف يمكن فهم وتفسير اتجاهه الفلسفي؟ وقد طرح في هذا الإطار بحثاً مطوَّلاً لا صلة له بموضوع كتابه أبداً، وقام بترجمة وتحليل مقاطع من كتاب الفخر الرازي، وهو ذات المورد الذي انتقدناه في هذا المقال المقتضب. إن للفخر الرازي في كتابه المذكور بحثاً حول فائدة النظر والاستدلال العقلي، وما إذا كان النظر مفيداً للعلم أم لا([12])، حيث نقل الرازي كلاماً عن النوبختي ـ ويبدو أنه الحسن بن موسى النوبختي ـ، ويُحتمل جدّاً أن يكون النقل عن كتاب «الآراء والديانات»([13])، حول جماعةٍ كانت تنطلق من مواقف مشكّكة بشأن إمكان تحصيل العلم واليقين، وكانت السمة المشتركة بينهم أنهم لم يكونوا يؤمنون بتحصيل العلم من طريق تعاليم الأنبياء أو الإمام المعصوم، ويعتبرون ذلك ملازماً لـ «الدَّوْر»، بل كانوا يرَوْن تعاليم الأنبياء مشتملة على اختلافات عميقة، ومبانٍ فاسدة، ولا يمكن القبول بها. وقد تحدَّث الفخر الرازي قبل هذا المقطع مباشرة عن عددٍ من الأشخاص، من أمثال: «أبو حفص الحدّاد»، و«أبو سعيد الحصري»، و«الناشئ الأكبر». وهناك احتمالٌ قويّ أن تكون أسماء هؤلاء الأشخاص قد نقلت في كتاب النوبختي.

ولا شأن لنا هنا بما قاله الأستاذ مروان راشد بشأن هذا النمط الفكري، ونترك البحث في تفاصيل هذه المسألة إلى فرصةٍ أخرى. بَيْدَ أنه لا بُدَّ من التذكير هنا بمسألةٍ، وهي أن الأستاذ مروان راشد يعتبر «أبا حفص الحدّاد» شخصاً إسماعيلياً، وهو كلامٌ مجانب للصواب بالمرّة؛ إذ إنّ أبا حفص الحدّاد عاش في فترة سابقة على ظهور الإسماعيلية. وبالتالي اضطرّ الأستاذ مروان راشد إلى ذكر مطالب بشأن التحوّل الفكري لأبي حفص الحداد، وقد استند في ذلك إلى تفسيرٍ خاطئ لكلمات الفخر الرازي. ليس هذا هو محلّ بحثي، و سوف أتناول ذلك بالتفصيل في موضعٍ آخر، حيث سأبيِّن الخطأ الذي وقع فيه الأستاذ راشد. إنما النقطة التي أروم بيانها، وأنتقد الأستاذ مروان راشد بشأنها، هي أن الفخر الرازي بعد المقطع الذي نقله عن النوبختي عمد مباشرةً إلى نقل مطلبٍ آخر بشأن القائلين بالإمام المعصوم([14])، وتناول بالبحث رأيهم بشأن نسبة النظر إلى الإمام المعصوم، حيث يتَّضح أن هذا المطلب الآخر لا ربط له بالنوبختي؛ لأن الفخر الرازي إنما يُصرِّح بنقل الكلام عن النوبختي بشأن اعتقاد الجماعة التي تقدَّم ذكرها. ثم انتقل الفخر الرازي بعد ذلك إلى نقل عقيدة جماعةٍ أخرى سبق له أن أشار إليها قبل نقل كلام النوبختي بشأنها، وصار الآن بصدد التعريف بعقائدهم بالتفصيل. إن الذي يتناوله الفخر الرازي هنا عن المعتقدين بالإمام المعصوم عبارة عن عقيدةٍ معروفة جدّاً، وهي العقيد الإسماعيلية، التي سبق للغزالي أن انتقدها قبل انتقاد الفخر الرازي لها. طبقاً لهذه العقيدة، إن الحاجة إلى الإمام المعصوم حاجةٌ ضرورية وأساسية ومتمِّمة للتفكير والنظر. وبطبيعة الحال فإن الغزالي عمد في تراثه إلى التعريف بعقيدة الإسماعيلية، قائلاً: إنهم لا يرَوْن النظر والاستدلال مُجْدِياً، وإن الطريق الوحيد إلى العلم والمعرفة يتمّ من خلال الإمام المعصوم، وأخذ «التعليم» منه. وفي المقابل يذهب الفخر الرازي في كتاب «المناظرات»([15])، في مقام نقد كلام الغزالي، إلى التأكيد على أن الإسماعيليين لا يُنكرون «النظر» وضرورته، وإنّما لا يرَوْنه لوحده كافياً، ويرَوْن ضرورة أن يكون الإمام معصوماً إلى جانب «النظر» أيضاً؛ ليكون الإمام المعصوم هو الحَكَم عند وقوع الاختلاف بين أهل النظر، ويرسم الطريق الصحيح، ويضعه نصب عين العقل والنظر.

كما عمد الفخر الرازي في كتاب «الرياض المونقة» إلى ذكر ذات هذا الأمر، دون الإشارة إلى الغزالي، بمعنى أنه تعرَّض إلى نظرة الإسماعيلية لهذه المسألة، التي انتقد فيها الغزالي بسبب الخطأ الذي ارتكبه في بيان العقيدة الصحيحة للإسماعيلية في كتاب «المناظرات». طبقاً لهذه الرؤية لا يكفي مجرَّد النظر العقلي، بل لا بُدَّ معه من الإمام المعصوم؛ ليهدي ويُنبِّه إلى الدليل، ويرفع الشبهات. فلا يمكن للعقل وحده وبشكلٍ مستقلٍّ أن يقوم بهذا الدور، بل لا بُدَّ معه من «المعلِّم الصادق»؛ ليعمل على هداية المتعلِّم بالدليل، وأن يجيب عن شبهاته. وعندها فقط يمكن للمتعلِّم أن يعتمد على عقله في التمييز بين الصحيح والباطل.

ويؤكِّد الفخر الرازي على أن هؤلاء يقولون: لا ينبغي لأحد أن يُشْكِل علينا بأن التمييز بين المعلِّم المحقّ والمعلِّم المبطل لا يكون إلاّ من طريق «النظر»، فهو اعترافٌ ضدّكم (أي ضدّ القائلين بالمعلِّم المعصوم) بأن النظر ضروريّ.

وأجاب الفخر الرازي عن هذه الشبهة المفترضة، مدافعاً عن القائلين بعقيدة الإمام المعصوم، قائلاً: إن هؤلاء يقولون في الجواب: إننا لا نختلف معك بشأن ضرورة النظر، إلاّ أننا لا نراه كافياً. ثمّ قام الفخر الرازي بنقل مسائل أخرى عن القائلين بهذا القول في ضرورة وجود الإمام المعصوم إلى جانب العقل والنظر، ولكنّه يردّها طبعاً في نهاية المطاف.

إن الاعتقاد بـ «التعليم» بوصفه الطريق الوحيد للوصول إلى القطع والعلم، واعتبار العقل والنظر غير كافٍ، لا يمثِّل عقيدة الشيعة الإمامية. وإن الاعتقاد بالإمامة والإمام عند الشيعة الإمامية في مقام المرجعية الدينية لم تبرز أبداً على شكل نظريّة «التعليم»، على نحو ما نجده عند الإسماعيلية بشكلٍ عامّ، والنزارية منهم بشكلٍ خاصّ، تَبَعاً لحسن الصبّاح، بل هي مرفوضةٌ من قبل علماء الشيعة([16]).

والشاهد على ذلك نوع الرؤية المختلفة للإمامية تجاه المرجعية العلمية والدينية للإمام، وكذلك بشأن حجِّية وكاشفية العقل والنظر والاستدلال العقلي. إن المتكلِّمين من الإمامية، من أمثال: الشيخ المفيد، والسيد المرتضى، لم تكن لهم نظريةٌ شبيهة بنظرية الإسماعيلية في خصوص عدم كفاية العقل والنظر، بل كانوا يدافعون عن أساليبهم الكلامية والاعتزالية في «وجوب النظر»، وأثبتوا الكثير من المسائل الكلامية من طريق النظر فقط.

كما أن المتكلِّمين في عصر الغيبة الصغرى، من أمثال: ابن قبة الرازي، والنوبختيين، مع ما لهم من الاتجاهات الكلامية والاعتزالية، كانوا على هذه العقيدة.

وإنّ نوع الرؤية التي نشاهدها ـ مثلاً ـ في كتاب «التنبيه»، لابن سهل النوبختي، أو كتاب «نقض الأشهاد»، لابن قبة الرازي، بشأن مكانة ومنزلة الإمام أو مباحث الاستدلال لا يحتويان على ما يُشير إلى عقيدةٍ شبيهة بعقيدة الإسماعيلية، على نحو ما ذكره الغزالي والفخر الرازي.

بَيْدَ أن الملفت أن الأستاذ مروان راشد لم يلتفت إلى جذور مفهوم «التعليم» وسابقته في تراث حسن الصبّاح والغزالي والفخر الرازي والخواجة نصير الدين الطوسي، عند نقل الفخر الرازي لعقيدة القائلين بالإمام المعصوم في كتاب «الرياض المونقة» ـ والذي سبق لنا أن ذكرناه ـ، وأنه لا ربط له أصلاً بالمقطع المنقول عن النوبختي بشأن عقيدة الشكّاكين([17])، وإنّما افترضه تتمّةً لكلام الحسن بن موسى النوبختي، وبذلك قال بأن الجواب عنها هو جواب واعتقاد النوبختي نفسه في مواجهة عقيدة المخالفين للإمام المعصوم، ومن ثمّ استنتج من ذلك أن رؤية النوبختي بشأن النظر والكلام والعقل والفلسفة كانت كذا وكذا.

وكما نرى فإن هذه المسألة لا ربط لها بالنوبختي أبداً، بل لم تكن عقيدة «التعليم» مطروحةً في عصر النوبختيين أصلاً، وإنّما ظهرت بعد ذلك بسنوات، ولا سيَّما من خلال تسلُّل تنظيرات حسن الصبّاح إلى الأدبيّات الإسماعيلية.

والعجيب أن الأستاذ مروان راشد لم يلتفت إلى هذه الحقيقة، حيث نراه يستعمل مصطلح «المعلِّم» و«المتعلِّم» صراحةً في تلك الفقرة المنقولة في كتاب الفخر الرازي، مع أن هذا المصطلح يعود إلى أدبيّات النزاريّين، كما هو واضحٌ. وعليه فإن جميع ما ذكره، وشغل عشر صفحات من كتابه([18])، واعتبره اكتشافاً جديداً لم يسبقه إليه أحدٌ، خارجٌ عن الموضوع، ولا يمكن القبول به أبداً.

والأكثر طرافة من أيّ شيءٍ آخر أن الأستاذ مروان راشد يستند في كلامه هذا إلى مصدرٍ آخر يسوقه في مقام تأييد ما نقله عن كتاب «الرياض المونقة». ومستنده الجديد كلامٌ للفخر الرازي في كتاب «المحصل»([19])، نسب فيه إلى الملاحدة عقيدة مشابهة للعقيدة مورد البحث (عقيدة التعليم).

ويبدو أن الأستاذ مروان راشد لم يفهم هذا التعبير الوارد في كتاب الفخر الرازي، فترجم كلمة «الملاحدة» على أنّهم الكَفَرة([20]). في حين من الواضح أن كلمة الملاحدة في أدبيّات تلك المرحلة كان يُراد منها الباطنيون من الإسماعيلية النزارية. ولعدم التفات الأستاذ مروان راشد إلى هذه الحقيقة عمد إلى كتابة الكثير من الهوامش التفسيرية والتوضيحية، وهي بطبيعة الحال خارجةٌ بأجمعها عن الموضوع تماماً. وفي هذا الكتاب قام الفخر الرازي بنقل ذات هذه المطالب المذكورة في الكتابين الآنفين في ما يتعلَّق بعقائد الملاحدة، أو بعبارةٍ أخرى: «التعليمية؛ والباطنية الإسماعيلية»، والمعتقدين بعقيدة «التعليم» أيضاً. والعجيب أن الأستاذ مروان راشد ـ على الرغم من وجود كتاب «المحصّل» بين يدَيْه ـ لم يلتفت إلى حقيقة أن سياق الكلام في كتاب «الرياض المونّقة» يعود إلى التعليميين في عصر الفخر الرازي، لا إلى الشيعة في عصر النوبختيين. ولله الحمد أوّلاً وآخراً.

الهوامش

(*) باحثٌ معروف، متخصِّصٌ في علم الكلام والفلسفة الإسلامية. من الشخصيات البارزة في مجال نقد النُّسَخ والمخطوطات والكتب القديمة. أحد أساتذة جامعة برلين في ألمانيا، وعضو الملتقى الدوليّ حول تاريخ العلوم والفلسفة في باريس.

([1]) تشير المصادر الرجالية في ذكر أحوال الحسن بن موسى إلى أنه ابن أخت أبي سهل النوبختي. ومن الواضح أساساً أن أبا سهل كان يتمتَّع بأهمِّية تفوق أهمِّية الحسن بن موسى؛ وذلك بسبب موقعه بوصفه موظَّفاً كبيراً في الدولة، وبوصفه شخصية هامّة في قيادة الشيعة في بغداد. ويبدو أن علاقة الحسن بن موسى بآل نوبخت كانت من طريق الأمّ فقط، ولم تكن تربطه بهم علاقة من طرف أبيه.

([2]) وعلى أيّ حال لم يعمِّر الحسن بن موسى طويلاً، ولكنّ عمره من ناحيةٍ أخرى لم يكن قصيراً أيضاً، وإلاّ لذكروا ذلك في المصادر المعنية.

([3]) كما كان المبنى في المورد الأخير قائماً على أساس تاريخ تأليف كتاب الانتصار فقط، على ما تقدَّم.

([4]) والملفت أن الأستاذ مروان راشد حتّى في ما يتعلَّق بإثبات نسبة كتاب «تلخيص الكون والفساد» إلى النوبختي قام بإجراء مقارنة بينه وبين نصّ كتاب «فِرَق الشيعة» أيضاً، وادَّعى وجود تشابه بين الكتابين! هذا في حين أن نصّ كتاب «فِرَق الشيعة»، حتّى إذا كان بأكمله من تأليف النوبختي، فهو لا يعدو أن يكون رواية لنصٍّ أقدم منه زمناً بشأن فِرَق الشيعة، وقد رواها النوبختي كما رواها سعد بن عبد الله الأشعري، وبذلك كان بين كتب هذين العالمين أوجه شبه كثيرة جدّاً، وفي الحقيقة قام كلُّ مؤلِّف بتكميل نسخة المؤلِّف السابق. وهذا ما شهد عليه المحقِّقون الذين بحثوا في هذا الموضوع، ومنهم: الأستاذ مادلونغ أيضاً.

([5]) وهذا ما بيَّن الأستاذ مادلونغ جانباً منه في كتابه، وكان على الأستاذ مروان راشد أن يراجعه.

([6]) كما تذكر المصادر.

([7]) وفي الحقيقة فإن تأليفاته الأصلية في مجال الفلسفة، والتي هي مؤلَّفات مستقلّة، ويجب أن تعود إلى فترة نضجه العلمي، كما يتّضح من عناوينها قد كتبت بأسلوبٍ مخالف للخط الفلسفي.

([8]) وهذا على افتراض أن يكون النوبختي هو مؤلِّف الكتاب.

([9]) والذي لم يلتفت الأستاذ مروان راشد إلى أهمِّيته بالمقدار الكافي، للأسف الشديد.

([10]) وذلك تماماً في الزمان والمكان الذي شهد احتدام الآراء بين الفلاسفة والمتكلِّمين.

([11]) ونحن نعلم أنه كان يسعى جاهداً إلى الردّ عليها.

([12]) انظر: الرياض: 21 ـ 28.

([13]) انظر: الآراء والديانات: 24 ـ 27.

([14]) وقد ترجم في كتاب الأستاذ مروان راشد 8: 376 (في هامش الفقرة). انظر: الفخر الرازي، الآراء والديانات: 27.

([15]) انظر: المناظرات: 40 ـ 42.

([16]) انظر: كتاب «النقض»، لمؤلِّفه عبد الجليل القزويني.

([17]) وهو المقطع الذي ترجمه الأستاذ مروان راشد ضمن الفقرة الثامنة.

([18]) Commentary on Aristotle “De generatione et corruption”, p 371 – 381.

([19]) المحصّل: 121 ـ 129.

([20]) انظر:

Commentary on Aristotle “De generatione et corruption”, p 372.