نظرات في أدبيات الفرقة الناجية منظورٌ تحليلي ونقدي مقارن

10 فبراير 2016
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: X
2٬756 زيارة

نظرات في أدبيات الفرقة الناجية منظورٌ تحليلي ونقدي مقارن

أ. مشتاق بن موسى اللواتي(*)

 

لقد ورد حديث الافتراق، أو حديث الفرقة الناجية، في مصادر متعدِّدة للحديث عند المسلمين من مختلف المدارس الفكرية.

فقد أخرجه الربيع بن حبيب في مسنده؛ كما رواه أحمد في مسنده، وكلٌّ من الترمذي وابن ماجة وأبي داوود في سننهم؛ ورواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين.

وأخرجه الكليني في الكافي؛ والصدوق في الخصال ومعاني الأخبار.

وأقدم نصٍّ وردنا منه هو ما في مسند الربيع بن حبيب(175هـ). وهذا هو نصّه: «ستفترق أمّتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلُّهنّ إلى النار، ما خلا واحدة ناجية، وكلُّهم يدّعي تلك الواحدة»([1]).

وقد تعدَّدت طرقه، وتنوَّعت ألفاظه وألسنته. وعلى الرغم من ذلك فقد واجهت رواياته بعض المشكلات، سواء من ناحية السند أو المتن. كما تعرَّضت لنقود عدّة من جهة السند، والمتن، والتطبيق، والآثار التي تتركها في الأمّة. وبناء عليه اختلفت تقييمات العلماء والمحدِّثين له، على النحو التالي:

 

أوّلاً: المصحِّحون له، والمحتجّون به

فقد صحَّح وحسَّن بعض رواياته جماعة من المحدّثين، كالحاكم في مستدركه، والترمذي في سننه، وابن حِبّان في صحيحه. ولكنْ تجدر الإشارة إلى أن الرواية التي علَّق عليها الحاكم بأنها كثيرة الأصول، وصحَّحها الترمذي، لم تشتمل على عبارة «كلّها في النار إلاّ واحدة». كما أن الذهبي تعقَّب الحاكم حول أحد رواتها، وهو محمد بن عمرو، قائلاً: «ما احتجّ مسلم به منفرداً، بل بانضمامه إلى غيره»([2]).

كما أخرجه الربيع بن حبيب في مسنده أو في الجامع الصحيح الذي يعتبر أصحّ كتب الحديث رواية، وأعلاها سنداً، عند الإباضية، كما صرَّح الشيخ السالمي في تنبيهاته على الكتاب.

واعتبر شارحه السالمي الحديث من أعلام النبوّة؛ لأنه أخبر عن شيء من الغيب، فوقع مشاهداً([3]).

وسئل ابن تيميّة عنه فأجاب بأنّ الحديث صحيحٌ مشهور في السنن والمساند، كسنن أبي داوود والترمذي والنسائي وغيرهم. وأشار إلى بعض ألفاظه، منها: ما اشتمل على عبارة «وستفترق هذه الأمّة على ثلاث وسبعين فرقة، كلّها في النار إلاّ واحدة»؛ وفي لفظ: «على ثلاث وسبعين ملّة»؛ وفي رواية: قالوا يا رسول الله|: مَنْ الفرقة الناجية؟ قال: مَنْ كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي»؛ وفي رواية: قال «هي الجماعة، يد الله على الجماعة»([4]).

واستدل به الفقيه المقاصدي الشاطبي في الموافقات، في بحثه عن حجّية سنّة الصحابة. وعلَّق عليه شارحه بالقول: للحديث طرق كثيرة، من رواية كثير من الصحابة، بألفاظٍ متقاربة، وممَّنْ رواه أبو داوود والترمذي وابن ماجة وأحمد، وقال الترمذي: إنّه حسن صحيح([5]).

ونقل عن العلامة المجلسي تعليقه على إحدى روايات الصدوق: «إن أصل هذا الخبر في غاية الوثاقة والاعتبار على طريقة القدماء، وإنْ لم يكن صحيحاً بزعم المتأخِّرين»([6]).

وممَّنْ صحَّحه من المعاصرين المحدِّث السلفي الألباني، وأدرجه في سلسلة الأحاديث الصحيحة. وعلَّق على الرواية الأخرى للترمذي، والتي اشتملت على عبارة «كلّها في النار إلاّ ملّة واحدة، ولمّا سئل عنها، قال: «ما عليه أنا وأصحابي»، قال الألباني في تعليقه: «ضعيفٌ بهذا السياق. وقد حسَّنه الترمذي في بعض النسخ، وهو ممكنٌ باعتبار شواهده، ولذلك أوردتُه في صحيح الجامع». وعلَّق على رواية معاوية بن أبي سفيان، وهي أيضاً تشتمل على عبارة «كلّها في النار إلاّ واحدة، وهي الجماعة» بقوله: «صحيح». ولم يعبأ الألباني باشتمال سندها على أزهر بن عبد الله الهوزني المعروف بالنَّصْب، و ذكر بأنّه وثَّقه العجلي وابن حِبّان. و قال فيه الأزدي: يتكلَّمون فيه، و قال ابن حجر في التقريب: صدوق، تكلَّموا فيه؛ للنصب. ولم يصحِّحه الحافظ في تخريجه على الكشّاف، بل اكتفى بتحسينه. غير أنّ الألباني اعتبر النَّصْب مجرّد رأي، ولم يرَ مانعاً من تصحيحه طالما كان صدوقاً([7]).

واستشهد به الشيخ أبو زهرة في سياق حديثه عن اختلاف المسلمين، وذكر بأن علماء السنّة تكلَّموا في صحّة هذا الحديث، الذي روي بعدة روايات مختلفة. وأضاف: ولقد قال المقبلي: رواياته كثيرة يشدّ بعضها بعضاً، بحيث لا يبقى ريب في حاصل معناه»([8]). ولكنْ تجدر الإشارة بأنّ النصّ الذي أورده لم يشتمل على عبارة «كلّها في النار إلاّ واحدة».

واعتبره الدكتور البوطي وصيّة النبي| في الاقتداء بالسلف، والانضباط بقواعد فهمهم للنصوص، والتقيّد بمبادئهم. واستدلّ بما رواه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو، وذكر أن فيه الإفريقي الذي ضعَّفه أكثر علماء الحديث، ولكنْ رواه الترمذي وابن ماجة وأبو داوود بطرقٍ أخرى من حديث أبي هريرة، بألفاظ قريبة، وصحَّحه الترمذي، وقال: حسن صحيح([9]).

وصرَّح الكاتب الهلالي بأنه مستفيض، فقد ورد من حديث أبي هريرة ومعاوية وأنس بن مالك وأمامة الباهلي وسعد بن أبي وقاص وعمرو بن عوف وعبد الله بن عمرو وأبي الدرداء ووائلة بن الأسقع، ورواية هذا الجمع، الذين يستحيل تواطؤهم على الكذب، ترقى بالحديث إلى حدّ التواتر أو ما هو قريبٌ منه([10]).

ونظراً إلى كثرة طرقه ورواياته في مصادر المسلمين ادّعى بعضهم، كابن البطريق، الإجماع عليه. وذهب السيد نعمة الله الجزائري إلى تواتره([11]).  وذهب بعض المتأخِّرين من الزيدية، مثل: الشيخ أحمد بن سليمان في حقائق المعرفة، إلى أنّ الأمة مجمعةٌ على صحّته. ورأى الشيخ يحيى بن حمزة أنّ الأمّة تلقَّته بالقبول([12]).

وأورد العلاّمة المجلسي جملة من روايات افتراق الأمّة من مصادر الفريقين، وأيَّدها بما ورد عند الفريقين أيضاً عن إخبار النبيّ| حول اتباع هذه الأمة سنن الأمم السابقة شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، مشيراً إلى تواتر الأخيرة([13]).

ولكنّ السيد الخوئي ردَّ الدعوى بتواترها بقوله: «ودعوى التواتر فيها جزافيّة لا دليل عليها، ولم يذكر من هذه الروايات شيءٌ في الكتب الأربعة»([14])، ممّا يوضِّح لنا أن بعض دعاوى التواتر ليست موضع اتّفاق العلماء، بل وقعت مورد نقدٍ وردّ من بعض العلماء المختصّين.

وممّا سبق يتّضح لنا أنّ أكثر الذين صحَّحوا هذه الروايات سلكوا طرقاً تصحيحية غير مباشرة، أقرب إلى منهج الوثوق منه إلى منهج الوثاقة وصحّة الإسناد؛ وذلك بالنظر إلى كثرة الروايات والطرق والألفاظ، وتعاضدها وشدّ بعضها بعضاً، وانجبار ضعفها، أو تحقّق مصاديقها في الواقع حسب نظرهم، أو تأييدها بروايات أخرى، وما إلى ذلك من القرائن والشواهد.

 

ثانياً: النقود الموجَّهة إلى سنده

لقد وُجِّهت إليه نقودٌ كثيرة من ناحية السند. واختلف العلماء في صحته، إلى درجة أن بعضهم يقول: إنه لا يصحّ من جهة الإسناد أصلاً؛ لأنه ما من إسناد روي به إلاّ وفيه ضعيفٌ، وكلّ حديث هذا شأنه لا يجوز الاستدلال به([15]).  ومن القائلين بذلك الفقيه الظاهري ابن حزم الأندلسي، الذي يقول: «ذكروا حديثاً عن رسول الله| أنّ القدرية والمرجئة مجوس هذه الأمّة، وحديثاً آخر: تفترق هذه الأمّة على بضع وسبعين فرقة كلّها في النار حاشا واحدة، فهي في الجنّة»، ثم قال: وهذان حديثان لا يصحّان أصلاً من طريق الإسناد، وما كان هكذا فليس حجّةً عند مَنْ يقول بخبر الواحد، فكيف بمَنْ لا يقول به»([16]). ومع ذلك فقد احتجّ ابن حزم بإحدى روايات افتراق الأمّة في بطلان القياس في كتبه الأصولية والفقهية. ففي الإحكام استشهد بحديث «تفترق أمّتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنة قومٌ يقيسون الأمور برأيهم، فيحلّون الحرام، ويحرِّمون الحلال»، وصرَّح بوثاقة أحد رواته المعروفين بالنَّصْب عند علماء الحديث، وهو حريز بن عثمان. وقال عنه: إنّه ثقة، وقد روينا عنه أنه تبرّأ ممّا نسب إليه من الانحراف عن عليّ.

كما احتجّ به في المحلّى. غير أنّ المحقق الأستاذ أحمد محمد شاكر عقَّب عليه في الهامش بقوله: «رجال إسناد الحديث ثقات كلّهم، إلاّ أنّه حديثٌ ضعيف جدّاً»،  وذكر آراء عدد من أئمّة الجرح، كأبي زرعة، ويحيى بن معين، بأنه لا أصل له، وأن نعيم بن حماد قد اشتبه عليه، ونسبه بعضهم إلى الوهم. وأيّاً كان فيلاحظ أنّ هذه الرواية لم تشتمل على الزيادة المختلف فيها، والتي تصرِّح بهلاك الجميع، ما عدا واحدة.

وتناول السيد السقّاف كثيراً من طرقه مبيِّناً نقاط ضعفها من ناحية السند. فذكر بأنّ هذا الحديث رُوي عن أبي هريرة مرفوعاً، وفي إسناده محمد بن عمرو بن علقمة، وهو ضعيفٌ.

ورُوي عن معاوية مرفوعاً، وفي السند أزهر بن عبد الله الوزني، وهو أحد كبار النواصب، الذين كانوا ينتقصون من سيِّدنا عليّ×، وله طامات وويلات، كما أورده ابن الجارود في الضعفاء.

ورُوي عن أنس بن مالك من سبعة طرق، كلّها ضعيفة، ولا تخلو من كذّاب أو وضّاع أو مجهول.

ورُوي عن عوف بن مالك مرفوعاً، وفي سنده عبّاد بن يوسف وهو ضعيف، أورده الذهبي في ديوان الضعفاء.

ورُوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً عند الترمذي في السنن، وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، وهو ضعيف.

ورُوي عن ابن أمامة مرفوعاً عند ابن أبي عاصم في السنّة، وفي إسناده قطن بن بشير، وهو ضعيف ومنكر الحديث. وقد قال عنه البخاري: منكر الحديث.

ورُوي عن سيِّدنا عليّ(كرّم الله وجهه) عند ابن أبي عاصم في السنّة، وفي إسناده ليث بن أبي سليم، وهو ضعيفٌ جدّاً»([17]).

وناقش العلماء بعض الطرق التي استند عليها الفريق الأوّل في تعزيز طرق الحديث.

فقال الشيخ زاهد الكوثري: «وأمّا ما ورد بمعناه، في صحيح ابن ماجة وسنن البيهقي وغيرهما، ففي بعض أسانيده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وفي بعضها كثير بن عبد الله، وفي بعضها عبّاد بن سيف وراشد بن سعيد، وفي بعضها الوليد بن مسلم، وفي بعضها مجاهيل، كما يظهر من كتب الحديث»([18]).

ونقد الشيخ القرضاوي طرق التصحيح غير المباشرة المتقدِّمة، ولم يقبلها. فالحديث وإنْ قال فيه الترمذي: حسنٌ صحيح، وصحَّحه ابن حِبّان والحاكم، مداره على محمد بن عمرو بن علقمة بن وقّاص الليثي، ومَنْ قرأ ترجمته علم أن الرجل متكلَّم فيه من قِبَل حفظه، وأنّ أحداً لم يوثِّقه على الإطلاق، وكلُّ ما ذكروه أنهم رجَّحوه على مَنْ هو أضعف منه، ولهذا لم يزِدْ الحافظ في التقريب على أنْ قال: صدوق، له أوهامٌ، والصدق وحده في المقام لا يكفي ما لم ينضمّ إليه الضبط، فكيف إذا كان معه أوهام. ومعلومٌ أنّ الترمذي وابن حِبّان والحاكم من المتساهلين في التصحيح. وقد رُوي الحديث بهذه الزيادة، وهي «كلّها في النار إلاّ واحدة» من طريق عدد من الصحابة، عبد بن عمرو ومعاوية وعوف بن مالك وأنس، وكلّها ضعيفة الإسناد، وإنّما قوّوها بانضمام بعضها إلى بعض. والتقوية على كثرة الطرق ليست على إطلاقها، فكَمْ من حديثٍ له طرق عدّة ضعَّفوه، كما يبدو ذلك في كتب التخريج والعلل وغيرها، وإنّما يؤخذ بها في ما لا معارض له، ولا إشكال في معناه»([19]).

ويظهر أنّ العلاّمة السبحاني مال في البداية إلى تقوية سنده، وجبر ضعفه، بناءً على تضافر نقله، واستفاضة روايته، في كتب الفريقين: الشيعة؛ والسنّة، وبأسانيد مختلفة، ربما تجلب الاعتماد، وتوجب ثقة الإنسان به. ولكنّه، وبعد البحث في مضامين الروايات، وفحص نصوصها، لاحظ اختلافها من جهاتٍ شتّى، بحيث لا يمكن الاعتماد على واحدٍ منها.

ويلتقي الشيخ الخشن مع هذه النتيجة، فيرى أنّ دعوى تواتر الحديث مجازفةٌ، ولولا الملاحظات الواردة على متنه، من اضطراب وعلامات الوضع وغيرهما، لم يكن بعيداً حصول الوثوق بصدوره، بعد تضافر روايته من طرق الفريقين([20]).

أمّا بالنسبة إلى ما رواه الصدوق في الخصال فإنّ العلاّمة الصافي في بحثه حول حديث الافتراق انتهى إلى أنّ كلا الطريقين للصدوق فيهما عدّة مجاهيل، ومجروحين لا اعتبار برواياتهم([21]).

وإحدى روايات الصدوق تنصّ على افتراق الأمّة على ثلاث وسبعين فرقة. وهذه في طريقها بكر بن عبد الله، وهو مجهول. كما اشتملت على تميم بن بهلول، وهو مجهول، فقد ذكره التستري في قاموس الرجال، وأشار إلى أنّ حديثه منكر، وذكر في ترجمة أبيه أنه ليس له، ولا لابنه، ذكرٌ في الرجال، وقال: خبرهم منكرٌ. ومن رجال هذه الرواية بكر بن عبد الله، وهو مجهول أيضاً([22]).

والرواية الثانية تنصّ على افتراق الأمّة على اثنتين وسبعين فرقة، وهي من طريق سعيد بن أبي هلال، عن أنس بن مالك. وهي نفس الرواية التي رواها أحمد في المسند، مع اختلاف يسير جدّاً في بعض الألفاظ، من قبيل: إن رواية أحمد كرّر فيها لفظ الجماعة مرّتين، بينما في رواية الصدوق ثلاث مرّات. كما أن رواية أحمد في طريقها خالد بن يزيد، بينما رواية الصدوق فيها مجاهد بن أعين، ومحمد بن الفضل، وأبو لهيعة، ولم يَرِدْ ذكرٌ للأوّل والأخير في الأصول الرجاليّة. وسعيد بن أبي هلال تكلَّم فيه أحمد، وضعَّفه ابن حزم، كما أن روايته عن أنس مرسلةٌ، كما في التهذيب واللسان([23]).

والجدير بالذكر أنّ للصدوق روايةً ثالثة بسندٍ آخر، وقد سبقت الإشارة إليها، لم يلتفت إليها كثيرٌ من الباحثين؛ لأنّها وردت في باب مختلف. وقد أوردها الصدوق عن أمير المؤمنين×، ضمن رواية طويلة جاوزت خمساً وعشرين صفحة، تضمَّنت إحدى فقراتها مضمون حديث الافتراق على النحو التالي «افترقت بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمّة على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنّة». أمّا سندها فهو: حدّثنا أبي (والد الصدوق) قال: حدّثنا سعد بن عبد الله قال: حدّثني محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، عن القاسم بن يحيى، عن جدّه الحسن بن راشد، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله× قال: حدّثني أبي، عن جدّي، عن آبائه، أنّ أمير المؤمنين…».

وقد وصفها الشيخ وهبي بالمعتبرة([24]). ولكنّ البحث في رواتها يكشف عن وجود اختلافٍ بين العلماء في ذلك.

وقد نقل عن العلامة المجلسي أنّ أصل هذا الخبر في غاية الوثاقة والاعتبار على طريقة القدماء، وإنْ لم يكن صحيحاً بزعم المتأخِّرين».

والواقع أن الخلاف في سندها ليس جديداً، كما سيتّضح لاحقاً، وإنْ كانت طريقة القدماء في التوثيق يغلب عليها أسلوب الوثوق بالخبر المعتمد على القرائن المحفوفة والشواهد الموصلة إلى الوثوق بصدورها، من قبيل: ورودها في أحد الأصول المشهورة، وكون رواتها من شيوخ الإجازة، وتلقّي الأصحاب لها بالقبول، وعدم تعارضها مع الكتاب والسنّة المقطوع بها والعقل، وما إلى ذلك. أمّا المتأخِّرون فكثير منهم اعتمد على وثاقة الطريق، طبقاً للتقييمات الرجالية، جرحاً وتعديلاً، وبناء على توافر شروط الحجّية وعدمها.

وعلى كلّ حال فقد اختُلف في اثنين من رواتها، وهم: محمد بن عيسى اليقطيني؛ والقاسم بن يحيى.

فالأوّل وثَّقه النجاشي، وقال: «ثقة، عين، جليل في أصحابنا، كثير الرواية، حسن التصانيف. وقال الكشّي: كان الفضل بن شاذان يحبّه، ويثني عليه، ويمدحه، ويميل إليه. ولكنْ نقل النجاشي عن الصدوق، عن شيخه ابن الوليد، أنه قال: ما تفرَّد به محمد بن عيسى من كتب يونس وحديثه لا يُعتمد عليه. الأمر الذي جعل الشيخ الطوسي يصرِّح بتضعيفه. وقيل: إنه كان يذهب مذهب الغلاة.

وناقش السيد الخوئي ذلك، وانتهى إلى أن عمدة تضعيفه مستند على استثناء ابن الوليد شيخ الصدوق لما تفرَّد به عن يونس. وهذا يعني أنّ النقاش ليس فيه شخصياً، إنما في ما يرويه عن يونس بإسناد منقطع، إلاّ أن يونس يرويه مرسلاً. وممّا يؤكد ذلك أنّ الصدوق روى عنه في الفقيه من غير طريق يونس. وقد تخيَّل الشيخ الطوسي بأن استثناء ابن الوليد له مبنيٌّ على تضعيفه، وهو ليس كذلك، بل هو مبنيٌّ على اجتهاد ابن الوليد([25]).

أمّا القاسم بن يحيى فقد ضعَّفه ابن الغضائري، وتابعه العلاّمة الحلّي على ذلك. ولكنّ جمعاً من العلماء لا يعتدّون بتضعيفاته؛ لعدم ثبوت نسبة كتاب الضعفاء إليه؛ ولأسباب أخرى. وفي المقابل نجد أنّ بعض المتأخِّرين قد وثَّقوه، كالبهبهاني في تعليقته الرجالية، والسيد الخوئي في معجمه، كلٌّ حسب مبناه. فالبهبهاني وثَّقه بناءً على عدد من الشواهد، من قبيل: رواية الأجلّة عنه، وكثرة رواياته، والإفتاء بمضمونها، وعدم تضعيف المشايخ الماهرين بأحوال الرجال له. أمّا السيد الخوئي فقد وثَّقه بناءً على توثيق ابن قولويه لرجال كامل الزيارات، وأيَّد ذلك بحكم الصدوق بصحّة ما رواه في زيارة الحسين× في الفقيه عن الحسن بن راشد، وفي طريقه إليه القاسم بن يحيى، بل ذكر أنّها أصحّ الزيارات عنده([26]).  وتجدر الإشارة إلى أنّ السيد الخوئي قد عدل عن مبناه الأوّل بتوثيق جميع رواة كامل الزيارات، مكتفياً بتوثيق شيوخه المباشرين.

وهكذا نجد أن هذا السند أيضاً وقع مورداً للأخذ والردّ، ولم يسلم من الاختلاف بين العلماء، بين مصحِّح ومضعِّف.

وبالنسبة إلى ما رواه الصدوق في معانيه، عن عبد الله بن عمر، والتي مطلعها «سيأتي على أمّتي ما أتى على بني إسرائيل، ويحدِّد في نهايتها الملّة الناجية بقوله: «ما نحن عليه اليوم أنا وأصحابي»([27])، فيظهر أنّها نفس الرواية التي رواها كلٌّ من الترمذي والحاكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص، مع اختلافٍ يسير في سندها ومتنها. فسند الصدوق ينتهي إلى عبد بن عمر، ولعلّه تصحيف في أحدهما. كما أنّ في سندها عند الجميع الإفريقي عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن يزيد، وقد ذكر الحفّاظ أنّ الحديث بهذا اللفظ لا يعرف إلاّ من طريق الإفريقي، عن ابن يزيد، عن عبد الله، فقال الترمذي: إنّه حديث مفسّر غريب، لا نعرف مثل هذا إلاّ من هذا الوجه. وقال الحاكم: إنّه تفرَّد به الإفريقي، وهو ممَّنْ لا تقوم به حجّة. ونصّوا على تضعيفه، ومنعوا من الاحتجاج به([28]).  ويلاحَظ أن روايتين من أصل أربع روايات أوردها الصدوق في كتابَيْه في هذا الصدد هما من طرق غير الإماميّة.

أمّا سند الكليني في الكافي فقد ذكر الشيخ الخشن بأنه ضعيفٌ بأبي خالد الكابلي، الذي لم تثبت وثاقته([29]).  كما أنّ البهبودي لم يُدرِج هذه الرواية في كتابه (زبدة الكافي) أو (صحيح الكافي).

وفي المقابل وصف الشيخ وهبي سند الكافي لهذه الرواية بالمعتبر([30]).

ولعلّ مردّ ذلك إلى اختلاف العلماء في بعض قواعد التوثيق والتضعيف. فقد يُقال: إنّه لم يرِدْ في الكابلي توثيقٌ أو مدح صريح بهذا الاسم في أيٍّ من الأصول الرجالية. بل قال عنه ابن شهرآشوب: «ينتمي إليه الغلاة، وله كتاب»([31]).

نعم، ورد في الكافي عن أبي عبد الله×: كان سعيد بن المسيّب والقاسم بن محمد بن أبي بكر وأبو خالد الكابلي من ثقاة عليّ بن الحسين×.

ولكنّ الرواية ضعيفةٌ؛ بجهالة إبراهيم بن الحسن([32]). وفي رجال الكشي ما مفاده أنه كان يعتقد بإمامة محمد بن الحنفية، ولما عرف حقيقة الإمام السجّاد شكر الله تعالى، واعتقد بإمامته، وزار الإمام، فعرفه، وأخبره باسمه من دون لقاءٍ سابق بينهما. ولكنْ قد يُقال: إنّ غاية ما تدلّ عليه هذه الواقعة بأنّه كان صحيح الاعتقاد في الإمامة، ولا تدلّ على التوثيق.

وفي المقابل ذكر السيد الخوئي أنّ أبا خالد الكابلي روى عنه عبد الحميد الطائي في تفسير القمّي([33]).  وهذا قد يدرجه ضمن التوثيق العامّ للقمّي. وذكر في ترجمة كنكر أنه يكنّى أبا خالد الكابلي، روى عنه ضريس في كامل الزيارات([34]).  وصرَّح في موردٍ آخر بوثاقته، قال: «وعلى فرض الترديد بين كون أبي خالد القمّاط كنيةً ليزيد أو كنكر لا يضرّ؛ فإنّ كلَّ واحد منهما ثقةٌ([35]).  أضِفْ إلى ذلك قد يقال بوجود شواهد تؤكِّد بأنّ أبا خالد الكابلي هو نفسه أبو خالد القمّاط، الذي نصّ النجاشي على توثيقه([36]). هذا عن حال سند هذه الروايات. وهناك رواياتٌ أخرى في هذا الموضوع، في بعض كتب الأمالي وبعض المصادر المتأخِّرة، ولكن لا تخلو أسانيدها من مقال.

وممّا سبق نخلص إلى القول بأنّ أبرز روايات الإمامية حول افتراق الأمّة هي الأخرى لم تسلم من المناقشة والنقد، والاختلاف في التقييم من حيث الإسناد، كما اتّضح من الشواهد المتقدِّمة.

وهنا أودّ تسجيل استغرابي ممّا انتهى إليه الكاتب خميس العدوي، حيث استنتج رأي الإمامية من خلال رأي أحد الباحثين منهم، وعمَّمه على الإماميّة بشكلٍ عامّ!

قال: «والحقُّ لم أقِفْ على تحليلهم السندي لهذه الروايات، حتّى ألقي عليه هنا لمحة، ولكنّي اكتفي بما كتبه مالك وهبي». وبعد عرضه لبعض ما نقله الشيخ وهبي من روايات الفريقين، ولبعض دعاوى الإجماع أو التواتر في نقلها، قال: «ومن كلامه هذا يظهر أنه لا علّة في سند الحديث عند الشيعة، وإنْ كان يبدو مشككاً في دعوى إجماع نقل كافّة الأمّة له، وكذلك من تواتره»! وقال في موردٍ آخر: «وقد ناقش الكاتب ـ وهبي ـ بعد ذلك كثيراً دلالات المتن، وهذا ما يقودنا إلى تقرير موقف لدى الشيعة هو أقرب إلى ما قرَّرناه عن الإباضية، وهو أنّ المجال العلمي يسمح لديهم بمناقشة متن الرواية»([37]). والواقع أنه لا ضير في الاكتفاء بإيراد رأي باحثٍ منهم، ولكنْ من دون نسبة رأيه إلى مذهبه بشكلٍ عامّ، أو تعميمه على المدرسة الفكرية التي ينتمي إليها، ولا سيّما مع العلم بوجود اختلافات غير قليلة في الاجتهادات الفكرية والفقهية. ولا بدّ في هذه الحالة من استقصاء وتتبُّع آراء فقهائهم وعلمائهم في ذلك. وقد كنتُ أتمنّى على الكاتب العدوي أن يتوسَّع قليلاً في بحثه عن موقف علماء الإمامية حيال هذه الروايات، ليجد عن كثب مناقشاتهم ونقودهم، سواء للسند أو المتن، ويلاحظ أن مجال التحليل النقدي والبحث الاجتهادي لديهم متاحٌ للمتأهِّلين، ليس فقط في متون الروايات وإسنادها، بل حتّى في المناهج والقواعد النقديّة نفسها، كما سبقت الإشارة إلى نماذج منه.

 

ثالثاً: النقود الموجَّهة الى المتن

هناك جملة من النقود التي وجِّهت إلى متون الروايات التي وردت حول افتراق الأمّة إلى سبعين فرقة. غير أننا نكتفي بالإشارة إلى أهمّها:

 

1ـ مخالفة القرآن الكريم

يرى بعض الناقدين لهذه الروايات أنّ بعض المضامين التي تحملها هذه الروايات لا تنسجم مع القرآن الكريم. ومن البداهة بمكانٍ أنّ القرآن والسنّة لا يتنافيان ولا يتكاذبان. فاذا تبيَّن في بعض ما رُوي عن النبيّ| أنه يتعارض في مدلوله مع مدلول النصّ القرآني تعارضاً عميقاً مستحكماً ومستقرّاً، بحيث يتعذَّر معه توجيهه أو معالجته وتفاديه حسب قواعد الجمع العرفي، فعندها لا يمكن قبول مثل هذه الروايات، ولا بدّ من التوقُّف عن الاعتماد عليها على أقلّ التقادير. فمثلاً: لو كان العموم القرآني ممّا لا يقبل التخصيص؛ لكونه نصّاً في مدلوله لا يحتمل الخلاف، ولا يتقبَّل قرينة عليه؛ لتعيَّن القول بإسقاط الخبر؛ لاستحالة صدور التناقض من الشارع، وحيث إن الكتاب مقطوع الصدور ومقطوع الدلالة ـ في الفرض المذكور ـ فلا بدّ من أن يكون الكذب منسوباً إلى الخبر، ويتعيَّن لذلك طرحه. وهذا المبدأ المنهجي الأصولي تقتضيه مسلَّمات العقيدة الإسلامية؛ لأنّ القرآن والسنّة ينتهيان إلى مصدر إلهيّ واحد. والسنّة تأتي مؤكِّدة للقرآن، ومبيِّنة له، ومفصِّلة لمجملاته، وشارحة لعموماته، إلى جانب تأسيسها لأحكام جديدة([38]).  يقول تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: 3 ـ 4) ويقول: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: 7)، ويقول ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: 44)، وغيرها من الآيات الدالّة على ذلك. ولا يمكن بحالٍ من الأحوال أن تتصادم السنّة مع القرآن، أو تخالفه، وإلاّ فإنّه يعني أنّ الله تعالى ورسوله يتعارضان ويتخالفان مع بعضهما. كما لا يمكن أن يتعارض القرآن مع نفسه، أو السنّة مع نفسها، فإنّهما من مصدرٍ واحد: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً﴾ (النساء: 82)، وهذا من شأنه أن يقود إلى التشكيك فيهما ـ النصّ القرآني؛ والسنّة ـ، وفي مصدرَيْهما، ممّا يؤدّي في النتيجة إلى نقض الغرض الإلهي من إرسال الرسل وإنزال الكتب لهداية البشرية، مضافاً إلى ترتُّب مفاسد أخرى، ممّا يحيلها العقل، وتأباها أصول الإسلام ومصادره الأصلية.

وقد ورد عن النبيّ| وأهل بيته^ رواياتٌ مستفيضة مؤكِّدة لهذا المبدأ.

فمنها: ما ورد في الكافي، للكليني، عن أبي عبد الله الصادق× قال: خطب النبيّ| بمنى فقال: أيّها الناس، ماجاءكم عنّي يوافق كتاب الله فأنا قلتُه، وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقُلْه»([39]).

وعن أبي عبد الله الصادق× أنّه قال: «كلُّ شيء مردودٌ إلى الكتاب والسنّة، وكلُّ حديثٍ لا يوافق كتاب الله فهو زخرف». والرواية صحيحة سنداً([40]).

وعنه× أيضاً: «كلّ حديث مردودٌ إلى الكتاب والسنّة، وكلّ شيء لا يوافق كتاب الله فهو زخرفٌ». وعنه: «ما لم يوافق الحديث القرآن فهو زخرفٌ». وهما صحيحتان سنداً([41]).

كما ورد في مسند الربيع بن حبيب، عن النبيّ|، قال: «إنّكم ستختلفون من بعدي، فما جاءكم عنّي فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فعنّي، وما خالفه فليس عنّي»([42]).

وقد توسَّع الأصوليون في بحث هذه الروايات، صدوراً وسنداً ودلالةً، وصنَّفوها إلى مجموعات، وتوقَّفوا طويلاً عند تحديد دلالاتها ومراداتها، وموارد تطبيقها، وشروطه.

وقد توسَّع الفقيه المفكِّر السيد محمد باقر الصدر في بحث مفاد هذه الروايات في تسع نقاط، وختم بحثه فيها بقوله: «يمكن تفسير مفاد هذه الأخبار بنحوٍ آخر، لا يحتاج معه إلى جلّ الأبحاث المتقدّمة، وذلك التفسير هو أنّه لا يبعد أن يكون المراد من طرح ما خالف الكتاب الكريم، أو ما ليس عليه شاهدٌ منه، طرح ما يخالف الروح العامّة للقرآن الكريم، وما لا تكون نظائره وأشباهه موجودة فيه. ويكون المعنى حينئذٍ أنّ الدليل الظنّي إذا لم يكن منسجماً مع طبيعة تشريعات القرآن، ومزاج أحكامه العامّ، لم يكن حجّة. وليس المراد المخالفة والموافقة المضمونيّة الجدّية مع آياته». كما اختار بعض العلماء ذلك([43]).

وهناك آراءٌ أخرى في هذا الموضوع، غير أننا لسنا في صدد بحثها هنا.

يذكر أنّ جماعة من المحدِّثين رفضوا التسليم بحديث عرض الروايات على القرآن. فقد اعتبره بعضهم، كيحيى بن معين وعبد الرحمن بن مهدي، بأنه من وضع الزنادقة.

والغريب أنّ الشافعي قرَّر عدم صحّته، ولكنّه أيَّد رأيه هذا بتعارضه مع قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ([44]).

ولعلّ منشأ الرفض عند بعضهم هو عدم الالتفات إلى المراد الدقيق من الحديث، أو لسدّ الباب على محاولات توظيفه بشكلٍ غير سليم، بحيث يؤدّي إلى ردّ كلّ رواية لم يرِدْ مضمونها في القرآن الكريم.

ويظهر أنّ هذا الموقف من بعض المحدِّثين كان في مواجهة بعض الاتجاهات الفكرية، كالمعتزلة، الذين أنكروا بعض المرويّات؛ لتعارضها مع القرآن الكريم، حسب منظورها.

والذي يقرِّب الفجوة أن بعض العلماء قرَّروا على المستوى التطبيقي العمل بمضمونه، مستندين على بعض ما رُوي عن السيّدة عائشة، التي كانت تردّ ما يخالف القرآن ممّا يرويه الصحابة عن النبيّ|. فعندما سمعت حديث أنّ الميت يعذَّب ببكاء أهله عليه، أنكرَتْه، وحلفت أنّ الرسول ما قاله، وقالت: «أين أنتم من قول الله سبحانه: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. وكذلك حين سُئلت إنْ كان النبيّ| رأى ربَّه؟ قالت: «مَنْ حدَّثك أنّ محمداً رأى ربَّه فقد كذب، ثم قرأت قوله تعالى: ﴿لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ([45]).

وأيّا كان الأمر فلسنا في مضمار بحث هذه المسألة هنا، ولكنْ رأَيْنا تقديم نبذة موجزة عنها؛ ليكون القارئ على علمٍ بها؛ تمهيداً لطرح ما وجِّه إلى روايات الفرقة الناجية من نقودٍ على هذا الأساس.

 

ما قيل حول أوجه التعارض مع الكتاب

ومن النقود التي وُجِّهت إلى حديث افتراق الأمّة، بناءً على هذا المبدأ، أنّ معناه باطلٌ بصريح القرآن، الذي يقرِّر أنّ هذه الأمة هي خير الأمم وأفضلها، وأنّها خير أمة أخرجت للناس، وأنّه جعلها أمة وَسَطاً، في حين جعلها هذا الحديث أسوأ، وأسوأ من اليهود والنصارى. فمضمونه ينافي خيريّة هذه الأمّة، وكونها مفضَّلة، وأنّها أمّة مرحومة([46]). كما أنّ هذا الحديث، وخاصّة بزيادته: «كلّهم في النار إلاّ واحدة»، مخالف للأحاديث الكثيرة المتواترة في معناها التي تنصّ على أنّ مَنْ شهد الشهادتين وجبت له الجنّة، ولو بعد حينٍ من العذاب، كما في البخاري ومسلم. وإن الفرق المختلفة قليلٌ فيها يكفر ببدعته([47]).

والواقع أن ما ذكروه في هذا المضمار؛ لردّ روايات هذا الحديث، هو موضع تأمُّل، وقابلٌ للمناقشة والردّ؛ إذ قد يرد عليهم بأنّ هذا الحديث يدلّ على أنّ الأمة المرحومة هي المتمثِّلة في الفرقة الناجية، وبالتالي فلا منافاة بينهما([48]).

ومن جهة أخرى هل يمكن أن يلتزم أحدٌ بأنّ خيريّة الأمّة تكون على إطلاقها، حتّى لو صدر منها مخالفات ومفاسد ومنكرات تتصادم مع الخيريّة، أم أنّها مشروطة ومقيَّدة بضوابط وشروط، منها: الإيمان، والاستقامة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والعمل بمقتضاهما؟! يقول العلاّمة المقداد السيوري في تحديد المراد من قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: 110): فيكون وجودهم مقيَّداً بالخيرية، والخيرية مقيَّدة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمراد من ذلك أنّ من شأنهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»([49]).

ثم إن تقرير حتميّة خيريّة أمّة من الأمم مهما صدر منها من مخالفات وانحرافات لا يمكن الالتزام به؛ لما يستلزمه من نتائج فاسدة، تصطدم مع مبادئ العدل والإنصاف.

أمّا ما ذكر من تعارضه مع الروايات الكثيرة الأخرى التي تقرِّر دخول من يشهد الشهادتين الجنّة فيمكن ردّه بأنّ روايات الافتراق لم تقرِّر خلود الفرق الهالكة في النار أبد الآبدين. والروايات الكثيرة الواردة حول الشهادتين يقال فيها ما قيل حول مسألة الأمّة المرحومة، فلا تفهم على إطلاقها، ولا ترتّب النتيجة المذكورة على مجرّد التلفّظ بهما فقط، بل لا بدّ من تقييدها بالعمل بموجبات الشهادتين، كما ورد عنه| في روايات أخرى، من قبيل: ما روى البخاري: «كلّ أمتي يدخلون الجنّة إلاّ مَنْ أبى، قالوا يارسول الله، ومَنْ يأبى؟ قال: مَنْ أطاعني دخل الجنّة، ومن عصاني فقد أبى»([50])؛ وكذا بما رواه مسلم: إنّ رجلاً قال للنبيّ|: دلَّني على عمل أعمله يدنيني من الجنّة ويباعدني من النار، قال: تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل ذا رحمك، فلمّا أدبر قال رسول الله|: إنْ تمسَّك بما أمرتُه دخل الجنّة»([51]). وهذا يعني أنّه لا بدّ من التمسُّك بموجبات الشهادتين كسبيلٍ للنجاة. وهناك مَنْ حملها على المآل الأخير لمَنْ يشهد الشهادتين. وبهذا يتبيَّن إمكانية الجمع بين هاتين المجموعتين من الروايات، وعدم وجود تعارضٍ مستحكم بينهما.

 

2ـ اضطراب المتن

إنّ الناظر والمتأمِّل في متون روايات افتراق الأمّة يلاحظ وجود اختلافات كثيرة بين مضامينها، حيث تختلف ألفاظها وألسنتها إلى درجة لا تتَّفق بعضها في المعنى. ويتّضح من مقارنة نصوصها أن أجواء الصراع بين الفرق والاتّجاهات الفكرية والفقهية والسياسية قد انعكست عليها، بالحذف والإضافة في متونها؛ بغية التأكيد على شرعيّتها وصدقيّتها وإقصاء غيرها.

ومن الأمثلة التي تكشف عن اضطراب متونها واختلافها أنّه ورد في بعضها، في ما رواه ابن أبي عاصم: «ألا وإنّ هذه الأمّة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة في الأهواء»؛ وفي بعضها: «لم ينجُ منها إلاّ ثلاث»؛ وفي بعضها: «كلُّها في النار إلاّ السواد الأعظم».

وفي بعضها، كما عند ابن حِبّان: «إنّ اليهود افترقت على إحدى وسبعين أو اثنين وسبعين فرقة، والنصارى على مثل ذلك»، وجاء في بعضها أنّ أمته ستفترق إلى اثنتين وسبعين فرقة، كما عن الصدوق؛ وفي أخرى: إلى ثلاث وسبعين فرقة؛ وهناك روايات تشير إلى ثلاث فرق، كما عن الحاكم.

ومن جهةٍ أخرى إن بعضها تستثني فرقة واحدة من النار؛ وبعضها العكس تماماً، تقرِّر هلاك واحدة ونجاة البقية.

وفي رواية أشير إلى الافتراق وعدد الفرق، دون عبارة «كلّها في النار إلاّ واحدة».

وقد بلغ التلاعب في متنه؛ بدافع إسقاط بعض الفرق والاتّجاهات المعارضة للنظام السياسي والاجتماعي والثقافي القائم، أن أضاف بعضهم في آخره: «من أضلِّها وأخبثها الشيعة»؛ وفي رواية: «شرُّهم الذين ينتحلون حبَّنا أهل البيت ويخالفون أعمالنا»؛ وأضاف آخرون: «شرّهم الذين يقيسون الأمور بآرائهم»، في إشارة إلى الحنفية؛ وفي بعضها: «كلّهم في الجنّة إلاّ القدرية»، إشارة إلى المعتزلة؛ وفي بعضها: «إلا الزنادقة».

وفي المقابل ورد في روايةٍ أن الناجية هي الجماعة، ولا يبعد أن تكون إشارة إلى عام الجماعة، أو النظام السياسي القائم آنذاك، كما في جملة من الروايات المحذِّرة من الخروج على الجماعة([52]). وجاء في روايةٍ: قيل: ومَنْ الناجية؟ قال: أهل السنّة والجماعة([53]).

ويذكر الدكتور الجابري أنّ إحدى الروايات تضمَّنت عبارة «ثمّ تتبع الفتن بعضها بعضاً، حتّى يخرج رجلٌ من أهل بيتي يقال له: المهديّ، فإنْ أدركته فاتّبعه»، أي إنّها تعتبر الفرقة الناجية من الشيعة ـ حسب تعبيره ـ.

ونقل عن ابن المرتضى، صاحب المنية والأمل، أنه أورد روايةً في آخرها: «أتقاها وأبرّها المعتزلة».

وأضاف الجابري: «بينما يورد مصدر خارجيٌّ الحديث بصيغة تجعل الفرقة الناجية هي الخوارج بالذات»([54]).

وتجدر الإشارة إلى أنّ العلاّمة فضل الله استظهر أنّ عبارة «وهُمْ شيعة عليّ»، الواردة في بعضها للإشارة إلى أنها الفرقة الناجية، ليست من أصل الحديث، وإنّما هي شرح أو بيان أو تطبيق له. ورأى بأنّ النبيّ| قد بيَّن في كثيرٍ من الأحاديث السبل الموصلة إلى الحقّ، والمتمثِّلة بالتمسُّك بالكتاب وأهل البيت^([55]).

وأيّاً كان فإنّ من المعلوم أنّ بعض تصنيفات الفرق ومسمّياتها لم تكن معروفة في عصر النبيّ|، ولا في عصر الخلفاء الأوائل، ولم تكن الفرق والمذاهب قد تشكَّلَتْ آنذاك.

ويلاحَظ هنا، على الرغم من أنّ النبيّ| كان يخبرهم عن أمرٍ خطير يؤول إليه حال الأمّة من الفرقة والضعف في المستقبل، ومع ذلك فإنّه لم يسبِّب لديهم أيّ استغرابٍ أو تعجُّب.

ثم هل يعقل أن ترِدَ كلّ هذه الروايات المتضاربة عن النبيّ|، دون أن تكون قد عبثت فيها الأيدي، في مناخات الصراع الفكري والسياسي الذي شهده المسلمون؟!

وجاء في بعضها، كما أخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو: «كلّها في النار إلاّ ملّة واحدة، قالوا: ومَنْ هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي».

وقد نقد الباحث السقّاف هذه الرواية من منظور الحوادث التاريخية التي وقعت بين الصحابة بعد وفاة النبيّ|؛ إذ كيف يعقل صدورها من النبيّ|؟! لأنّ الصحابة افترقوا في عهد رابع الخلفاء الراشدين سيِّدنا ومولانا أمير المؤمنين عليٍّ إلى ثلاثة فرق: فرقة معه، وهي التي على الحقّ بنصوص الأحاديث الكثيرة المقطوعة؛ وفرقة قعدت ولم تناصر إمام الحقّ، ولم تقاتل مع أحد الفريقين، وقد ندم أفرادها؛ وفرقة مع معاوية، وهي الفئة الباغية، بنصّ رواية البخاري ومسلم: «عمّار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار». وتساءل السقاف: وعليه فإنّ عبارة «ما عليه أنا وأصحابي» مع أيّ فرقة من هذه الفرق الثلاث تكون؟([56]).

ونظراً للتضارب في متون هذه الروايات انتهى الشيخ السبحاني إلى القول: «إنّ مشكلة اختلاف نصوص الحديث لا يقلّ إعضالاً من مشكلة سنده، فقد تطرَّق إليه الاختلاف من جهاتٍ شتّى، لا يمكن معه الاعتماد على واحدٍ منها»([57]).

ولكنْ من جهةٍ أخرى قد يُقال: إنّه على الرغم من هذا الاضطراب والاختلاف الملحوظ في كثيرٍ من روايات الفرقة الناجية، ممّا قد يثير علامات استفهام مشروعة تجاهها، إلاّ أنه في نفس الوقت يلاحظ بأنّ ثمة قاسماً مشتركاً يكاد يكون قائماً بينها أو بين أغلبها، وهو الذي يشير إلى مسألة افتراق الأمّة إلى ثلاث وسبعين فرقة. وقد يقال بأنّ واقع الفرقة بين المسلمين يشهد بصدقها.

ولكنْ على فرض صحّة ذلك فإنه لا يعني أنّه لم يشكِّك أحدٌ في حديث افتراق الأمّة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كما صرَّح الباحث وهبي([58])؛ إذ ليس من المعقول إغفال كلّ هذا الجدل حوله.

ثم اذا اعتبرنا هذا الجدل حول رواياته اتّفاقاً فما هو الاختلاف إذن؟

كما أنّ الكاتب العدوي، وعلى الرغم من حشده الملاحظات على هذه الروايات، وبيان ما يترتَّب عليها من نتائج خطيرة على الأمّة، ومع تناوله لما يعتور متونها من اختلاف كبير، بحيث لا يمكن أن تكون ـ حسب تعبيره ـ نبويّة خالصة، مع ذلك ذكر بأنه يستسيغ صدورها من النبيّ|، بحسب إحدى الروايات الورادة عن النبيّ|، مشيراً إلى الرواية الموافقة لما في مسند الربيع. غير أنه أضاف: ولكنْ لا على نحو الإنباء بالغيب المستقبلي، بل من جهة استشراف المستقبل والوعي الحضاري لمسيرة البشرية، والتدبُّر العميق لمنطق القرآن الكريم([59]).

ولسنا هنا في صدد مناقشة فكرة استبعاد إنباء النبيّ| لبعض المغيّبات المستقبلية، ولا سيّما إذا كانت عن طريق إطلاع الله تعالى له عليها، فذلك موكول إلى الدراسات العَقْدية([60]).

ولكنْ ما نودّ إثارته هنا أنّه من غير المنطق أن يخبر النبيّ| الصحابة عن تفرُّق المسلمين إلى فرقٍ كثيرة لا ينجو منها إلاّ واحدة يوم القيامة، دون أن يحفِّزهم إلى الاستفسار عن تلكم الفرقة الناجية، وعن أوصافها، ومعالمها، وعن الفرق الهالكة، وأسباب هلاكها، وعن أسباب الفرقة. أمّا أن تمرّ الواقعة هكذا دون أن تثير أيّ استغرابٍ أو تأسُّفٍ أو استفهامٍ لدى المسلمين الأوائل، سوى سؤالاً عادياً مفاده: ومَنْ هي الناجية؟ ثمّ يردّ عليهم النب%